← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

زنة حبة الخردل، فنجازي عليه الجزاء الأوفى، حسنا أو سيئا. ﴿وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أي وكفى بنا محصين لأعمال العباد، فلا أحد أعلم بأعمالهم منا، ولا أحد أضبط ولا أعدل في تقويم الأعمال منا. وفي هذا تحذير شديد، ووعيد أكيد للكفار والعصاة على تفريطهم أو تقصيرهم فيما يجب عليهم نحو الله تعالى؛ لأن العالم الذي لا يشتبه عليه شيء، القادر الذي لا يعجزه شيء، جدير بأن يكون الناس في أشد الخوف منه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إن من فضل الله ورحمته الكلاءة: الحراسة والحفظ للناس من عذاب الله تعالى بالليل حال النوم، وفي النهار حال التصرف في الأمور، ولكن الناس لاهون غافلون عن موعظة القرآن ومواعظ ربهم ومعرفته حق عليهم. ٢ - إن الآلهة الذين زعم الكفار أنهم ينصرونهم لا يستطيعون نصر أنفسهم، فكيف ينصرون عابديهم؟! وكيف يمنعون ويجأرون من عذاب الله تعالى؟! ٣ - إن تقلب أهل مكة وأمثالهم في نعيم الدنيا، وظنهم أن النعمة لا تزول عنهم هو سبب اغترارهم وإعراضهم عن تدبر حجج الله ، وكان عليهم التأمل في متابعة انتصارات النبي ﷺ وغلبته عليهم، وتمكين الله له من فتح البلاد بلدا بعد بلد، مما حول مكة. ٤ - إن مهمة النبي ﷺ إنذار الكفار وتحذير هم بالقرآن الموحى إليه من عند الله، لا من قبله، ولكنهم إذا لم ينتفعوا بما سمعوا من الإنذار، صاروا كالصم الذين لا يسمعون أصلا، وسيتغير خالهم إذا مسّهم أدنى شيء من عذاب الله،

стр. 5042

فعندئذ يسمعون ويعتذرون ويعترفون حين لا ينتفعون، أي يعترفون بظلم أنفسهم وبكفرهم حين لا ينفعهم الاعتراف. ٥ - لا عدل أدق وأضبط وأحكم فوق عدل الله، فموازينه لأهل يوم القيامة أو في يوم القيامة غاية العدل، فلا ينقص من إحسان محسن، ولا يزاد في إساءة مسيء، وإن كان العمل أو الشيء الذي قدمه المحسن مثقال حبة الخردل، ومثقال الشيء: ميزانه من مثله، وكفى بالله مجازيا على ما قدم الناس من خير أو شر، وكفى به محصيا عادا لأعمال عباده، وألا أحد أسرع حسابا منه، والحساب: العد، والغرض من ذلك التحذير. والغرض من قوله: ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ المبالغة في أن الشيء مهما صغر أو كبر غير ضائع عند الله تعالى. ٦ - الذي وردت به الأخبار وعليه أكثر العلماء هو أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله، فتوضع الحسنات في كفة، والسيئات في كفة. قال حذيفة ﵁: «صاحب الميزان يوم القيامة: جبريل ﵇». وقيل عن مجاهد وقتادة والضحاك: ذكر الميزان مثل، وليس ثمّ ميزان، وإنما هو العدل. القصة الأولى-قصة موسى ﵇ مقارنة بين خصائص التوراة وخصائص القرآن ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾

стр. 5043

الإعراب: ﴿وَضِياءً﴾ فيه محذوف تقديره: ذا ضياء، فحذف المضاف، وأدخل واو العطف على ﴿ضِياءً﴾ وإن كان في المعنى وصفا دون اللفظ، كما يدخل على الوصف إذا كان لفظا، كقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأنفال ٤٩/ ٨] وكقولهم: مررت بزيد وصاحبك أي مررت بزيد صاحبك، فدل هذا وغيره على أن الواو تدخل على الوصف إذا كان لفظا أو كان وصفا في المعنى. وقرئ ضياء بغير واو على أنه حال من الفرقان. ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ صفة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أو مدح لهم. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ حال من الفاعل أو المفعول. المفردات اللغوية: ﴿الْفُرْقانَ﴾ التوراة الفارقة بين الحق والباطل والحلال والحرام، وهي أيضا ضياء تنير طرق الهدى، والذكر، أي الموعظة التي يوعظ بها، لما فيها من عبرة. ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي يخافون عذابه. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ في حال الخفاء عن الناس. ﴿وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ﴾ أي من أهوالها. ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون. ﴿وَهذا ذِكْرٌ﴾ أي وهذا القرآن أيضا ذكر أي تذكير وعظة. ﴿مُبارَكٌ﴾ أي كثير الخير غزير النفع. ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي أفتنكرونه، وهو في غاية الجلاء والوضوح؟ والاستفهام فيه للتوبيخ. المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يقول لقومه: ﴿إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ أتبعه ببيان أن هذه سنة الله تعالى في أنبيائه، فقد أنزل الوحي عليهم ليكون ما تضمنه من الشريعة والأحكام سببا لهداية البشر. وبعد أن أبان تعالى أدلة التوحيد والنبوة والمعاد شرع في التذكير بقصص الأنبياء ﵈ تسلية لرسوله ﷺ فيما يناله من قومه، وتقوية لقلبه على أداء الرسالة والصبر عليها، وهذه هي القصة الأولى-قصة موسى وهارون ﵉.

стр. 5044

التفسير والبيان: كثيرا ما يقرن الله تعالى بين الحديث عن موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وبين كتابيهما، ليبين امتداد صلة النبوة وصلة الوحي، وليشير إلى وجود الشبه الكثير بين التوراة في أصلها الصحيح وبين القرآن الكريم في كمال الشريعة الشاملة للدين والدنيا، والعقيدة والعبادة، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي وو الله لقد أعطينا موسى وهارون كتابا شاملا لأحكام الشريعة، وهو التوراة الذي هو كتاب فرق الله فيه بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، وهو أيضا منار يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة للتوصل إلى طريق الهداية والنجاة، وهو كذلك عظة وتذكير يتعظ به المتقون ربهم وهم ذوو الأوصاف التالية: ١ - خشية الله في السر: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي الذين يخافون عذاب ربهم، فيأتمرون بأمره، وينتهون بنهيه، في حال الخفاء والسر والخلوات حيث لا يطلع عليهم أحد من الناس، قال الرازي: وهذا هو أقرب المعاني. وقد تكرر في القرآن الكريم التركيز على هذا المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ، وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق ٣٣/ ٥٠] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك ١ ٢/ ٦٧]. ٢ - الخوف من يوم القيامة: ﴿وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أي وهم من القيامة وأهوالها وسائر ما يحدث فيها من الحساب والسؤال خائفون وجلون. وفي تصدير الضمير وبناء الحكم عليه مبالغة وتعريض.

стр. 5045

وكما أن هذه خصائص التوراة، فكذلك خصائص القرآن مثلها فقال تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أي وهذا القرآن العظيم المنزل عليك تذكير وعظة، ومبارك فيه بكثرة منافعه وغزارة خيره. ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾؟ أي فمثل هذا الكتاب مع كثرة منافعه كيف يمكنكم إنكاره؟ وكيف تنكرونه وهو في غاية الجلاء والوضوح؟ وهو أيضا معجز لاشتماله على النظم العجيب والبلاغة البعيدة، والأدلة العقلية، وبيان الشرائع، فكيف تنكرون إنزاله من عند الله، وأنتم خير من يقدّر روعة الكلام وفصاحة اللسان وإحكام البيان؟! فقه الحياة أو الأحكام: اقتصر البيان في قصة موسى وهارون ﵉ على كتاب التوراة ليقرن الكلام عنه مع الكلام عن القرآن الكريم. وقد تبين من الآيات أن التوراة فرقان بين الحق والباطل والحلال والحرام والغي والرشاد، وضياء يستضاء بها لسلوك طريق الهداية والنجاة، مثل قوله عنها في آية أخرى ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ﴾ [المائدة ٤٤/ ٥] وعظة وتذكير للمتقين. وهي أيضا أوصاف القرآن في آيات أخرى، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ، وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ﴾ [آل عمران ٤/ ٣]. ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان ١/ ٢٥]. وقال سبحانه: ﴿قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥/ ٥] ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف ١٥٧/ ٧]. وقال ﷻ : ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤/ ١٦] ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ

стр. 5046

وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف ٤٤/ ٤٣] وقال تعالى هنا: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ...﴾. فإن رأى العرب تمسك اليهود بفرقان موسى، فهم أجدر بالتمسك بكتابهم فرقان محمد ﷺ . أما أوصاف المتقين فهي واحدة قديما وحديثا، ذكر تعالى منها هنا وصفين: خشية الله تعالى في السر أي وفي العلن، والخوف من يوم القيامة وأهوالها، وما يجري فيها من الحساب والسؤال قبل التوبة. وختمت الآيات ببيان الهدف الجوهري منها: وهو التعجب من إنكار العرب للقرآن، وهو كلام الله تعالى، بدليل أنه معجز لا يقدرون على الإتيان بمثله، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. القصة الثانية-قصة إبراهيم ﵇ - ١ - إنكار عبادة الأصنام والدعوة إلى توحيد الله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاّعِبِينَ (٥٥) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾

стр. 5047

الإعراب: ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ ﴿إِذْ﴾: ظرف في موضع نصب يتعلق بآتينا وتقديره: آتينا إبراهيم رشده في وقت قال لأبيه. ﴿عَلى ذلِكُمْ﴾ متعلق بمحذوف مقدر، يدل عليه ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ويفسره. ولا يجوز تعلقه به؛ لأنه لا يجوز تقديم الصلة ومعمولها على الموصول. المفردات اللغوية: ﴿رُشْدَهُ﴾ الرشد: الاهتداء لوجوه الخير والصلاح في الدين والدنيا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ [النساء ٦/ ٤] وقرئ أيضا ﴿رُشْدَهُ﴾. ومعنى إضافة الرشد لإبراهيم: أنه رشد مثله، وأنه رشد له شأن. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل موسى وهارون ﵉. ﴿وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أي علمنا منه أنه أهل لما آتيناه، أو جامع لمحاسن الأوصاف ومكارم الخصال. وفيه إشارة إلى أن فعله تعالى باختيار وحكمة، وأنه عالم بالجزئيات. ﴿التَّماثِيلُ﴾ الأصنام، جمع تمثال: وهو الصنم، والتمثال: اسم للشيء المصنوع المضاهي خلق الله تعالى، كإنسان أو حيوان أو شجر، سمى الأصنام بالتماثيل تحقيرا لشأنها وتصغيرا لها، مع علم إبراهيم بتعظيمهم وإجلالهم لها. وفرق بعضهم بين الصنم والوثن بأن الصنم: المصنوع من المعدن القابل للتمدد بالنار، والوثن: المصنوع من الخشب أو غيره. ﴿عاكِفُونَ﴾ مقيمون على عبادتها. ﴿وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ فاقتدينا بهم. ﴿كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ بعبادتها. ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ بيّن. ﴿أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ﴾ أي بالشيء الثابت في الواقع. ﴿اللاّعِبِينَ﴾ الهازلين. ﴿بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي ربكم المستحق للعبادة هو مالك السموات والأرض. ﴿فَطَرَهُنَّ﴾ خلقهن

стр. 5048

وأبدعهن على غير مثال سبق. ﴿وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ﴾ الذي قلته. ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ به المتحققين صحته، والمبرهنين عليه، فإن الشاهد: من تحقق الشيء وحققه. ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ لأجتهدن في كسرها. والكيد في الأصل: الاحتيال في الإضرار، والمراد هنا: المبالغة في إلحاق الأذى بها. ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ بعد ذهابهم إلى مجتمعهم في يوم عيد لهم. ﴿جُذاذاً﴾ قطعا أو فتاتا، من الجذ، أي القطع. ﴿إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ﴾ للأصنام، كسر غيره، واستبقاه، وجعل الفأس على عنقه. ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي إلى الكبير. ﴿يَرْجِعُونَ﴾ فيروا ما فعل بغيره. المناسبة: هذه هي القصة الثانية من قصص الأنبياء في هذه السورة تسلية للرسول ﷺ ، ليتأسى بهم في الصبر والجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الدين الحق ومعاداة المشركين. التفسير والبيان: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ.﴾. أي والله لقد آتينا إبراهيم رشده، أي هديناه إلى ما فيه الخير والصلاح، من قبل موسى وهارون أو من قبل النبوة، ووفقناه إلى توحيد الله، ومعاداة عبادة الأصنام؛ لأنها لا تنفع ولا تضر، ولا تسمع ولا تبصر، وما هي إلا حجر أو معدن أو خشب صنعها أبوه أمامه بالقدوم، وكنا عالمين بأنه أهل للنبوة، وجامع لمحاسن الأخلاق. والرشد: إما النبوة وإما الأهلية للخير والصلاح في الدين والدنيا. قال القرطبي: وعلى الأول أكثر أهل التفسير. ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ: ما هذِهِ التَّماثِيلُ.. ؟﴾ ﴿إِذْ﴾: إما أن يتعلق بآياتنا أو برشده، أو بمحذوف، أي اذكر من أوقات رشده هذا الوقت. أي آتيناه الرشد حين أنكر على قومه عبادة الأصنام من دون الله ، فقال: ما هذه التماثيل أي الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها وتعظيمها؟

стр. 5049

وفي هذا القول تنبيه إلى ضرورة التأمل في شأنها، وأنها لا تغني عنهم شيئا، لكنهم لم يفعلوا، وأصروا على تقليد الأسلاف دون برهان، فقالوا: ﴿قالُوا: وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ أي لا حجة لنا سوى تقليد الآباء واتباع الأسلاف، وكفى بذلك ضعفا وسذاجة، فوبخهم إبراهيم ﵇ على ما يفعلون: ﴿قالَ: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي قال إبراهيم لأبيه وقومه: لا فرق بينكم وبين آبائكم، فأنتم وهم في ضلال بيّن واضح، على غير منهج الحق والطريق المستقيم. وهذا تنبيه إلى أن سوء الرأي لا يغيره تقادم الزمن، ومضي الأيام. فتعجبوا من قوله وسألوه: ﴿قالُوا: أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاّعِبِينَ﴾ أي ما هذا الكلام الصادر عنك، أتقوله لاعبا هازلا مازحا أم محقا جادّا فيه، فإنا لم نسمع به قبلك؟ فأجابهم إبراهيم بعد إنكاره عبادة الأصنام بما يبين الحق، ويرشد إلى الإله المستحق للعبادة: ﴿قالَ: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أي قال إبراهيم: إني أتكلم بالجد والحق، لا بالهزل واللعب، فإن الرب المستحق للعبادة هو مالك السموات والأرض الذي خلقها وكونها وأنشأها من العدم، على غير مثال سابق، وهو الخالق لجميع الأشياء، وهو الرب الذي لا إله غيره. ﴿وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أي وأنا أشهد أنه لا إله غيره، ولا رب سواه. والخلاصة: أنه أظهر لهم أنه مجدّ في إظهار الحق الذي هو التوحيد بالقول أولا وهو ما قاله، ثم بالفعل ثانيا. لذا أقسم إبراهيم الخليل قسما أسمعه بعض قومه:

стр. 5050

﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أي وو الله لأجتهدن في كسر أصنامكم، وفي إلحاق الأذى بها، بعد أن تذهبوا إلى عيدكم، وكان لهم مجمع عيد يخرجون إليه كل سنة، ثم يعودون، فيسجدون للأصنام. وقوله: ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أي منطلقين ذاهبين. وسمع هذا القول رجل منهم، فحفظه، ثم أخبر عنه، وشاع ذلك في جماعة، وعليه قال تعالى: ﴿قالُوا: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء ٦٠/ ٢١]. ولم يخرج إبراهيم معهم معتذرا بأنه سقيم، وصمم على تنفيذ خطته عمليا، لعلهم يتركون عبادة الأصنام، حينما يتأملون أنها لا تستطيع دفع الأذى عن نفسها، والبرهان العملي أوقع في النفس، وأدعى إلى التأمل، وأشد صدمة للذهن. ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ أي فلما ذهبوا دخل على الأصنام، وأمامهم الأكل، فجعلهم قطعا فتاتا وحطاما، كسرها كلها إلا الصنم الكبير عندهم لم يكسره كما قال تعالى: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات ٩٣/ ٣٧] لعل هؤلاء الوثنيين يرجعون إلى الكبير الذي يلجأ إليه عادة، وقد علق إبراهيم الفأس على عنقه، أو في يده، فيتبين لهم أنه عاجز لا يستطيع فعل شيء، وأنهم بعبادة الأصنام مغرورون جاهلون. فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يأتي: ١ - لا تأتي النبوة لأحد إلا بعد إعداد وصقل وتوافر مقومات ومؤهلات تؤهل لها، فهذا إبراهيم الخليل ﵇ وفّقه الله لهدايته وللنظر والاستدلال على توحيد الله بآيات الكون من قبل النبوة على الرأي الراجح، أو من قبل

стр. 5051

موسى وهارون كما قيل، وكان الله عالما بأنه أهل لإيتاء الرشد وصالح للنبوة. ٢ - كان لإبراهيم موقف جريء رائع من الأصنام وعبدتها، فقال لأبيه آزر وقومه أي النمروذ ومن اتبعه: ما هذه التماثيل التي أنتم مقيمون على عبادتها؟. فأجابوه بأنهم يعبدونها تقليدا للأسلاف، فيرد عليهم بأنهم وآباءهم في خسران مبين بعبادتها؛ إذ هي جمادات لا تنفع ولا تضر ولا تعلم. وكأنهم لم يصدقوا قوله، فسألوه: هل جئتنا بحق فيما تقول أم أنت لاعب مازح؟ فكان إبراهيم صارما مجدا في إظهار الحق الذي هو التوحيد قولا وفعلا، أما القول فقال: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أي خلقهن وأبدعهن. ﴿وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أي إنني شاهد على أنه رب السموات والأرض، والشاهد يبين الحكم، وأنا أبين بالدليل ما أقول. وأما الفعل: فإنه كسر الأصنام وكان عددها سبعين، فعل واثق بالله تعالى، موطّن نفسه على تحمل المكروه في سبيل رفع لواء الدين الحق، وإعلاء راية التوحيد لله. وترك كبير الأصنام وعظيم الآلهة في الخلق، فإنه لم يكسره. قال السدي ومجاهد: ترك الصنم الأكبر، وعلّق الفأس الذي كسر به الأصنام في عنقه؛ ليحتج به عليهم. وهذا هو معنى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ أي إلى الصنم الأكبر يرجعون في تكسيرها، كما يرجع إلى العالم أو الزعيم في حل المشكلات، فيقولون له: ما لهؤلاء مكسورة، ومالك صحيحا، والفأس على عاتقك؟. وحينئذ يتبين لهم أنه عاجز لا ينفع ولا يضر، ويظهر لهم أنهم في عبادته على جهل عظيم. وذكر القرطبي والرازي وجها آخر في تفسير ذلك: وهو لعلهم إلى إبراهيم

стр. 5052

ودينه يرجعون إذا قامت الحجة عليهم، أو يرجعون إلى توحيد الله عند تحققهم عجز آلهتهم. - ٢ - النقاش الحاد بين إبراهيم وقومه بعد كارثة تكسير الأصنام ﴿قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾ الإعراب: ﴿مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿مَنْ﴾: مبتدأ، و ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾: خبره. ﴿يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ: إِبْراهِيمُ﴾ الفعلان هنا صفتان لفتى، أو أن ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾: ثاني مفعولي سمع. و ﴿يُقالُ﴾: فعل مبني للمجهول، و ﴿إِبْراهِيمُ﴾: قيل: هو خبر مبتدأ محذوف (أي هو إبراهيم) أو منادى مفرد (أي يا إبراهيم) قال الزمخشري: والصحيح أنه فاعل (أي نائب فاعل) يقال؛ لأن المراد الاسم، لا المسمى. ﴿عَلى أَعْيُنِ النّاسِ﴾ في محل الحال بمعنى معاينا مشاهدا، أي بمرأى منهم ومنظر، أو هو على حذف مضاف، تقديره: على رؤية أعين الناس، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. والاستعلاء في ﴿عَلى﴾ في الرأي الأول وارد على طريق المثل، أي يثبت إتيانه في الأعين، ويتمكن فيها ثبات الراكب على المركوب وتمكنه منه.

стр. 5053

﴿كَبِيرُهُمْ هذا﴾ مبتدأ وخبر. البلاغة: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ﴾ استعارة، شبه رجوعهم عن الحق إلى الباطل بانقلاب الشخص حتى يصبح أسفله أعلاه بطريق الاستعارة. المفردات اللغوية: ﴿قالُوا﴾ أي بعد رجوعهم من مجتمعهم في يوم العيد، ورؤيتهم ما فعل. ﴿قالُوا﴾ الثانية: أي بعضهم لبعض. ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾ أي يعيبهم ويسبهم. ﴿عَلى أَعْيُنِ النّاسِ﴾ أي معاينا ظاهرا بمرأى منهم، بحيث تتمكن صورته في أعينهم تمكن الراكب على المركوب. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ عليه بفعله أو قوله، أو يحضرون عقوبتنا له. ﴿قالُوا﴾ بعد إتيانه ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا﴾ حين أحضروه. ﴿قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ أسند الفعل إليه تجوّزا وتعريضا لهم بأن الصنم المعلوم عجزه عن الفعل لا يكون إلها، وإنما هو متسبب لما حصل، والقصد تبكيتهم وإلزامهم الحجة وحملهم على ترك الوثنية، أو للاستهزاء بهم، ولهذا قال: ﴿فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أي اسألوا هذه الأصنام عن الفاعل الذي كسرها إن كانوا يقدرون على النطق. وما روي في الصحيحين وعند أحمد عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» تسمية للمعاريض كذبا، لما شابهت صورتها صورته. وجملة ﴿فَسْئَلُوهُمْ..﴾. فيه تقديم جواب الشرط. ﴿فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي راجعوا عقولهم، وفكروا وتدبروا ﴿فَقالُوا﴾ لأنفسهم ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ بعبادتكم من لا ينطق. ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ﴾ انقلبوا إلى المجادلة بعد ما استقاموا، وعادوا إلى جهلهم، وردوا إلى كفرهم، وقالوا لإبراهيم: والله ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أي فكيف تأمرنا بسؤالهم. وقوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا.﴾. شبّه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء مستعليا على أعلاه. التفسير والبيان: هذا هو الفصل الثاني من قصة إبراهيم، الذي يصور مرحلة الغليان والغيظ والحقد عند عبدة الأصنام بعد تكسيرها وتحطيمها، وهي كارثة بالنسبة إليهم تتطلب معرفة الفاعل للثأر منه، وحكاية ذلك:

стр. 5054

﴿قالُوا: مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا﴾؟ أي قال عبدة الأوثان قوم إبراهيم، النمروذ وأتباعه، على سبيل الوعيد والتوبيخ، حين رجعوا وشاهدوا تحطيم آلهتهم: من الذي كسر هذه الآلهة؟ وتعبيرهم بالآلهة تشنيع وتهويل، ومبالغة في التعنيف. ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي إن هذا الفاعل في صنيعه هذا لمن الذين ظلموا أنفسهم وعرّض نفسه للإهانة والعقاب، إما لجرأته على الآلهة، وإما لإفراطه في كسرها وتماديه في الاستهانة بها. ﴿قالُوا: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ: إِبْراهِيمُ﴾ قال بعضهم الذي سمع قوله المتقدم: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾: سمعنا شابا يعيبهم ويتوعدهم يسمى إبراهيم، فهو الذي فعل بهم هذا. قال ابن عباس: ما بعث الله نبيا إلا شابا، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية: ﴿قالُوا: سَمِعْنا فَتًى.﴾ .. وظاهر الآية يدل على أن القائلين جماعة لا واحد، فقد كان يناقشهم ويقول: ﴿ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فغلب على أذهانهم أنه الفاعل. ﴿قالُوا: فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أي قال نمروذ وأشراف قومه: إذن فأتوا به على مرأى ومسمع من الناس في الملأ الأكبر، بحضرة الناس كلهم، حتى يروه ويشهدوا عليه، فلا يأخذوه بغير بينة، أو حتى يبصروا ما يصنع به فيكون عبرة. وكان هذا هو مقصود إبراهيم ﵇ أن يبين في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم، وقلة عقلهم في عبادة هذه الأصنام التي لا تمنع عن نفسها ضرا ولا تنصر أحدا. ﴿قالُوا: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ﴾؟ أي فلما أتوا به-وهذا كلام محذوف مفهوم-قالوا له: أأنت الذي كسرت هذه الأصنام؟ فأجابهم:

стр. 5055

﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ أي بل الذي فعل هذا هو الصنم الأكبر، الذي لم يكسره. وقد نسب الفعل إلى هذا الصنم الأكبر، لما رأى شدة تعظيمهم له، باعتباره المتسبب أو الباعث على الفعل، أي الاستهانة والتحطيم، والفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى المتسبب فيه. أو أنه أقرّ بفعله بأسلوب تعريضي لإلزامهم الحجة وتبكيتهم، كما يقول الصانع الحاذق الشهير أو الخطاط المشهور لمن يسأله عن هذه الصنعة الرائعة أو الخط الجميل: بل أنت صنعت ذلك أو بل أنت كتبت ذلك، والقصد بهذا الجواب تقرير السائل على سؤاله مع الاستهزاء به، لا نفيه عن صاحبه وإثباته للسائل. ﴿فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أي فاسألوا هذه الأصنام عمن كسرها إن كانوا آلهة ينطقون. وفي ذلك الجواب لفت أنظارهم وتنبيه أذهانهم إلى عقم عبادة الأصنام، فيبادروا من تلقاء أنفسهم للاعتراف بعدم جدواها وأنها أحجار صماء لا تنطق، وجمادات لا تتكلم، فكيف تستحق العبادة؟! وقد أثر الجواب في أفكار هم بدليل قوله الآتي: ﴿فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي فرجع قوم إبراهيم حينئذ على أنفسهم بالملامة، ونسبوا إلى أنفسهم التقصير في عدم الاحتراز وعدم حراسة آلهتهم، ما داموا لا ينطقون، وقالوا: ﴿فَقالُوا: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي قال بعضهم لبعض: إنكم أنتم الظالمون في ترككم لها مهملة لا حافظ عندها. أو أنتم الظالمون أنفسكم بعبادة ما لا ينطق. ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ، لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أي ثم أطرقوا في الأرض للتأمل والتفكير، أو عادوا إلى المجادلة بالباطل لإبراهيم وانقلبوا عن حال الاستقامة، واحتجوا على إبراهيم حينما أدركتهم الحيرة بقولهم: إنك تعلم ونحن

стр. 5056

نعلم أن هؤلاء لا ينطقون، فكيف تطلب منا سؤالهم إن كانوا ينطقون؟! أي أنهم احتجوا على إبراهيم بما هو الحجة لإبراهيم عليهم بسبب الحيرة التي أدركتهم. فقه الحياة أو الأحكام: لقد طاشت سهام قوم إبراهيم حينما رأوا أصنامهم مكسّرة، بعد أن رجعوا من عيدهم، فقالوا على جهة البحث والإنكار: ﴿مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾. وهذا أمر متوقع، قدّره إبراهيم ﵇. كما أنه قدر أنهم سيعرفون أنه هو المتهم بالتكسير، لحملته السابقة بالقول والنكير، وتسفيه الأحلام والعقول، وانتقاده اللاذع لعبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ودعوته إلى عبادة الله الواحد الأحد الذي يمنح ويمنع، ويضر وينفع. ولما بلغ الخبر نمروذ وأشراف قومه، أرادوا إثبات التهمة عليه بالبينة، فقالوا: ائتوا به على مرأى ومسمع من الناس، ليشهدوا عليه بما يقول، ليكون ذلك حجة عليه. وفي هذا دليل على أنه ما كان يؤخذ أحد بدعوى أحد، وهكذا الأمر في شرعنا، وكل الشرائع. ولكنهم ما أدركوا أن تلك المواجهة مع إبراهيم ﵇ أمام الناس في غير صالحهم، فقد كان إبراهيم قوي الحجة، وأراد تنبيه الأفكار إلى عبث عبادتهم، وقلة عقلهم، وكثرة جهلهم، فسألوه عمن فعل تلك الفعلة، فأجابهم بأن الفاعل هو كبيرهم، تعريضا بأن عبادتهم له وتعظيمهم إياه سبب للغيظ والغضب، مما حمله على تكسيرها، وتنبيها لهم بأن من لا يتكلم ولا يعلم لا يستحق أن يعبد، وكان قوله من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب، قال ﷺ فيما

стр. 5057

رواه ابن عدي والبيهقي عن عمران بن حصين وهو ضعيف: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم ﵇ لم يكذب غير ثلاث: ثنتين في ذات الله قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. وواحدة في شأن سارة إذ قال: لسارة أختي، وذلك ليدفع بقوله مكروها». ثم قال إبراهيم: سلوهم إن نطقوا، فإنهم يصدقون، وإن لم يكونوا ينطقون فليس هو الفاعل. ويتضمن هذا الكلام اعترافا بأنه هو الفاعل. فقد احتج عليهم بأمرين: الأول: قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ وشأن الكبير حماية الأتباع والصغار، أو لأنه غضب أن تعبد معه هذه الصغار، فكسرها. والثاني: ﴿فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ليقولوا: إنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون، فيقول لهم: فلم تعبدونهم؟ فتقوم عليهم الحجة منهم. ولما ألزمهم بحجته أقروا بأنهم هم الظالمون بعبادة من لا ينطق بكلمة، ولا يملك لنفسه شيئا، فكيف ينفع عابديه، ويدفع عنهم البأس من لا يرد عن رأسه الفأس، ثم عادوا لجهلهم وعنادهم، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾. - ٣ - الانتصار الساحق لإبراهيم-نجاته من النار ﴿قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) قالُوا حَرِّقُوهُ وَاُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾

стр. 5058

البلاغة: ﴿يَنْفَعُكُمْ﴾ ﴿يَضُرُّكُمْ﴾ بينهما طباق. ﴿كُونِي بَرْداً﴾ مجاز مرسل، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم الفاعل، أي باردة أو ذات برد. المفردات اللغوية: ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي بدله. ﴿ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً﴾ من رزق وغيره. ولا يضركم شيئا إذا لم تعبدوه. ﴿أُفٍّ﴾ هو صوت المتضجر، ومعناه: نتنا وقبحا، ويستعمل للدلالة على أن القائل متضجر، والمراد هنا أن إبراهيم تضجر على إصرارهم على الباطل البيّن. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ قبح صنعكم، وأن هذه الأصنام لا تستحق العبادة، ولا تصلح لها، وإنما يستحقها الله تعالى. ﴿قالُوا: حَرِّقُوهُ﴾ أخذوا في المضارّة لما عجزوا عن المحاجة، أي حرقوا إبراهيم، فإن النار أهول ما يعاقب به. ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ بتحريقه والانتقام لها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أي إن كنتم ناصريها نصرا مؤزرا. والقائل منهم: رجل من أكراد فارس، اسمه (هينون) خسف به الأرض، وقيل: نمروذ. فجمعوا له الحطب الكثير، وأضرموا فيه النار، وأوثقوا إبراهيم، ورموه في منجنيق في النار. ﴿قُلْنا: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ﴾ أي كوني ذات برد وسلام، أي ابردي بردا غير ضار، فلم تحرق منه غير وثاقه، وذهبت حرارتها، وبقيت إضاءتها، وسلم من الموت ببردها. ﴿كَيْداً﴾ أي تحريقا ومكرا في إضراره، والكيد: المكر الخديعة. ﴿الْأَخْسَرِينَ﴾ في مرادهم، أي أخسر من كل خاسر، لما عاد سعيهم برهانا قاطعا على أنهم على الباطل، وإبراهيم على الحق، وموجبا لمزيد درجته، واستحقاقهم أشد العذاب. التفسير والبيان: هذا هو الفصل الثالث والخاتمة المدهشة من قصة إبراهيم مع قومه عبدة الأصنام، فإنه لما أقروا على أنفسهم بأن لا جدوى من عبادة آلهتهم، وألزمهم إبراهيم الحجة، اندفع كالسيل الهادر يعلن ضرورة إنها هذه العبادة الخرافية، التي تقوم على الأوهام، والتي يترفع عنها العقلاء، فقال:

стр. 5059

﴿قالَ: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ﴾؟ أي قال لهم إبراهيم لما اعترفوا بأن تلك الآلهة لا تنطق: أتعبدون بدلا عن الله أشياء لا تنفعكم شيئا إذا علّقتم الأمل بها، ولا تضركم شيئا إذا عاديتموها أو خفتم منها. ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي تبّا لكم وقبحا لآلهتكم، وهذا التأفف والتضجر لكم ولها لعبادتكم إياها غير الله تعالى. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الذي لا يدين به إلا كل جاهل ظالم فاجر. ولما تفوق إبراهيم بحجته عليهم، وظهر الحق واندحر الباطل، لم يجدوا مناصا إلا اللجوء للأذى والمضارّة: ﴿قالُوا: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أي قال بعضهم لبعض، والمشهور أن القائل: نمروذ بن كنعان بن سنجاريب بن نمرود بن كوش بن حام بن نوح، وقيل: إنه رجل من الكرد من أعراب فارس: احرقوا إبراهيم بالنار، وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها نصرا مؤزرا، فجمعوا حطبا كثيرا جدا، ورموا إبراهيم من كفة منجنيق. ﴿قُلْنا: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ﴾ أي قال الله تعالى المتكفل بحفظ أنبيائه وعصمتهم من أذى الناس: يا نار كوني بردا، وسلاما على إبراهيم، أي ابردي بردا غير ضار، فكانت وسطا لا حامية ولا باردة. قال ابن عباس ﵄: لو لم يقل ذلك لأهلكته ببردها. وقال أبو العالية: ولو لم يقل ﴿بَرْداً وَسَلاماً﴾ لكان بردها أشد عليه من حرّها. وبرودتها حدثت بنزع الله عنها طبعها من الحر والإحراق، مع بقائها على الإضاءة والإشراق والاشتعال كما كانت، والله على كل شيء قدير.

стр. 5060

روى البخاري عن ابن عباس أن إبراهيم لما ألقوه في النار قال: «حسبي الله ونعم الوكيل، وقالها محمد ﵉ حين قالوا: ﴿إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، فَزادَهُمْ إِيماناً، وَقالُوا: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾» [آل عمران ١٧٣/ ٣]. وروى الحافظ أبو يعلى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك». وعن أبيّ بن كعب ﵁ عن رسول الله ﷺ : «أن إبراهيم حين قيدوه وألقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك ربّ العالمين، لك الحمد، ولك الملك لا شريك لك» قال: ثم رموا به في المنجنيق من مضرب شاسع، فاستقبله جبريل، فقال: يا إبراهيم؟ ألك حاجة؟ قال: «أما إليك فلا» فقال جبريل: فاسأل ربك، فقال: «حسبي من سؤالي علمه بحالي» فقال الله تعالى: ﴿يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ﴾ (١). ﴿وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً، فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ أي وأراد قوم إبراهيم به مكرا وتدبيرا يؤذيه ويقتله، فجعلناهم المغلوبين الأسفلين، ونجاه الله من النار. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات عبرة لمن اعتبر، إنها تمثل موقف المجاهد الصابر في سبيل دعوته إلى التوحيد والحق والفضيلة، وموقف المعادي الجاهل المناصر للباطل والشرك والوثنية. لقد دبّر قوم إبراهيم له طريقا للخلاص منه، وأرادوا إحراقه وتعذيبه بأشد أهوال العذاب، ومعاقبته بالنار؛ لأنها أشد العقوبات، وجمعوا الحطب وأوقدوا

стр. 5061

النار، واشتعلت واشتدت، ثم قيدوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مغلولا. وهذا من أشد وأعتى ما يفعله البشر، ولكن أين الله؟! لقد كانت النتيجة مروعة مذهلة مدعاة للعجب والاستغراب، وفوق حدود التصورات البشرية، فسلخ الله تعالى من النار خاصية الإحراق، ونجا إبراهيم وخرج من النار كأنه يخرج من حمام أمام الجموع الغفيرة المشاهدة، ولم تحرق النار إلا وثاقه في أول ملامستها له، وتلك معجزة تدعو إلى الإيمان بحق، وتستدعي التأمل في تدبير البشر ومكرهم، وفي تدبير الله الأعظم الذي يبدد كل تدبير، ويحبط كل مسعى شرير، فنجاه الله من النار، وجعلهم الأخسرين المغلوبين الأسفلين؛ لأنهم أرادوا به التحريق، فخاب مرادهم. روى ابن أبي حاتم عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم حين ألقي في النار، لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار غير الوزغ (١)، فإنه كان ينفخ على إبراهيم». وقال عطية العوفي: لما ألقي إبراهيم في النار، جاء ملكهم لينظر إليه، فطارت شرارة، فوقعت على إبهامه، فأحرقته مثل الصوفة. آمنت بالله وحده لا شريك له، فهو صاحب القدرة المطلقة، إذا أراد شيئا قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.

стр. 5062

- ٤ - نعم أخرى على إبراهيم وإنجاؤه مع لوط إلى الأرض المباركة ﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣)﴾ البلاغة: ﴿فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ﴾ عطف الصلاة والزكاة على فعل الخيرات من باب عطف الخاص على العام للتفضيل؛ فإنهما من فعل الخيرات، وخصهما بالذكر لفضلهما ورفعة مرتبتهما. العالمين الصالحين العابدين سجع لطيف. المفردات اللغوية: ﴿وَلُوطاً﴾ ابن أخي إبراهيم ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ أي من العراق إلى أرض فلسطين في الشام، التي بارك الله فيها بكثرة الأنهار والأشجار، أو لأن أكثر الأنبياء بعثوا فيها، فانتشرت في العالمين شرائعهم التي هي مبادئ الكمالات والخيرات الدينية والدنيوية. روي أن إبراهيم نزل بفلسطين، ولوط بالمؤتفكة، وبينهما مسافة يوم وليلة ﴿وَوَهَبْنا لَهُ﴾ أي لإبراهيم، وكان قد سأل ولدا، كما جاء في سورة الصافات ﴿نافِلَةً﴾ عطية ومنحة، وهي حال من إسحاق ويعقوب، أو المراد: زيادة على ما سأل وهو إسحاق، فتختص كلمة ﴿نافِلَةً﴾ بيعقوب، ولا بأس به للقرينة، كما قال البيضاوي. ﴿وَكُلاًّ﴾ أي الأربعة: هو وولداه ولوط ﴿جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ أنبياء، ووفقناهم للصلاح،

стр. 5063

فصاروا كاملين ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً﴾ رؤساء يقتدى بهم في الخير ﴿يَهْدُونَ﴾ الناس إلى ديننا ﴿بِأَمْرِنا﴾ أي بأمرنا لهم بذلك ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ﴾ أي أن يحثوا الناس على فعل الخير، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، فيتم كمالهم بانضمام العمل إلى العلم. وأصل الكلام: أن تفعل الخيرات. وحذفت تاء ﴿إِقامَ﴾ تخفيفا، وهي الإقامة؛ لقيام المضاف إليه مقامها ﴿عابِدِينَ﴾ موحدين مخلصين في العبادة، ولذلك قدم الصلة وهي لنا ليفيد الإخلاص في العبادة. المناسبة: بعد إنجاء إبراهيم من النار، ذكر الله تعالى نعما أخرى عليه وعلى لوط ابن أخيه، وقد قرن مع إبراهيم لما كان بينهما من القرابة والاشتراك في النبوة. ومن تلك النعم: إخراجهما من العراق إلى بلاد الشام الأرض المباركة، ومنها: جعلهما أئمة يقتدى بهم، وإنزال الوحي عليهما لفعل الخيرات، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومن النعم على إبراهيم هبته من الذرية إسحاق ويعقوب. التفسير والبيان: ﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ أي ومن نعم الله تعالى على إبراهيم: أنه ولوط ﵉ نجاهما إلى الأرض المباركة، بالهجرة من العراق إلى بلاد الشام الأرض المقدسة، والتي بارك الله فيها بكثرة ما بعث فيها من الأنبياء، وانتشرت شرائعهم بين العالمين، كما بارك فيها بخصوبة أراضيها وكثرة أشجارها وأنهارها، فاجتمع فيها خير الدنيا والآخرة. ويقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها ينزل عيسى ابن مريم ﵇، وبها يهلك المسيح الدجال. وكانت هجرة إبراهيم من كوثى من بلدة «فدان آرام» بالعراق، ومعه لوط وسارّة، فرارا من الشرك والوثنية، والتماسا لمقر التوحيد وعبادة الله، فنزل حرّان، ثم رحل إلى مصر، ثم رجع إلى الشام، فنزل بفلسطين، وأقام لوط في قرى المؤتفكة التي تبعد عن فلسطين مسيرة يوم وليلة.

стр. 5064

ثم ذكر تعالى نعما أخرى على إبراهيم بعد نعمتي النجاة من النار والهجرة إلى الأرض المباركة فقال: ١ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ أي ومنحنا إبراهيم من الذرية المباركة إسحاق ويعقوب، أو أعطيناه إسحاق إجابة لدعائه، إذ قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات ١٠٠/ ٣٧] وزدناه يعقوب نافلة زائدة على ما سأل، كالصلاة النافلة التي هي زيادة على الفرض. وعلى التفسير الأول: تكون النافلة (أي العطية والمنحة) إسحاق ويعقوب، وعلى التفسير الثاني: النافلة يعقوب خاصة. ٢ - ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ أي وكلا من الأربعة: لوط وإبراهيم وولديه، أو: وكلا من إبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلنا الجميع أهل خير وصلاح، يطيعون ربهم، ويتجنبون محارمه، أو جعلناهم أنبياء مرسلين، والأول أقرب لشموله الكل. ووصفهم بالصلاح يدل على أن الأنبياء معصومون. ٣ - ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ أي وصيرناهم قادة وأئمة يقتدى بهم، يدعون إلى دين الله بإذنه، وإلى الخيرات بأمره. وفيه دلالة على أن من صلح للقدوة في دين الله موفق مهدي للدين الحق وطريق الاستقامة، وليس له أن يخل بمقتضى الهداية ويتثاقل عنها. ٤ - ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ﴾ أي وأنزلنا عليهم أن يفعلوا الخيرات وهي الأعمال الصالحات من فعل الطاعات وترك المحرّمات. وهذا يدل على أنه سبحانه خصهم بشرف النبوة، وذلك من أعظم النعم على الأب إبراهيم ﵇. ٦، ٥ - ﴿وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ﴾ أي وأوحينا إليهم أن يقيموا الصلاة

стр. 5065

ويؤتوا الزكاة المفروضتين، وهذا من عطف الخاص على العام؛ لأن الصلاة والزكاة من الخيرات، وخصهما بالذكر من سائر العبادات لسمو مرتبتهما وخطورتهما؛ لأن الصلاة أشرف العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله تعالى، والزكاة أشرف العبادات المالية، وشرعت لدفع حاجة الفقراء، وفي كلتا العبادتين تعظيم أمر الله تعالى. وبعد تعداد هذه النعم ووصفهم بالصلاح أولا، ثم بالإمامة، ثم بالنبوة والوحي، أبان اشتغالهم بالعبودية والعبادة لله تعالى، فقال: ﴿وَكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ أي وكانوا لجناب الله خاشعين خاضعين، طائعين فاعلين ما يأمرون به الناس. وفي هذا دلالة على أنهم كانوا أوفياء لإحسان الله ونعمه عليهم، فلما أكرمهم الله بالإنعام وتفضل عليهم بالإحسان، كانوا أوفياء له بالعبودية وهو الطاعة والعبادة. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى بيان ما تفضل الله به من النعم الوفيرة على إبراهيم ﵇ بعد نجاته من النار، وهي ما يلي: ١ - النجاة من أرض الكفر والوثنية إلى أرض الإيمان والتوحيد، وذلك بهجرة إبراهيم الخليل مع ابن أخيه لوط من بلاد العراق إلى أرض الشام المباركة ببعثة أكثر الأنبياء فيها، وبكثرة الخيرات الزراعية، فهي معادن الأنبياء، وكثيرة الخصب والنمو، ووافرة الثمار والأنهار العذبة. ٢ - هبة الذرية الطيبة له، فقد وهبه الله إسحاق إجابة لدعائه، وزاده يعقوب من غير دعاء، فكان ذلك نافلة، أي زيادة على ما سأل. ٣ - جعل الله كلا من إبراهيم وإسحاق ويعقوب صالحا عاملا بطاعة الله،

стр. 5066

ورأى البيضاوي إضافة رابع وهو لوط. قال القرطبي: وجعلهم صالحين إنما يتحقق بخلق الصلاح والطاعة لهم، وبخلق القدرة على الطاعة، ثم ما يكتسبه العبد، فهو مخلوق لله تعالى. ٤ - جعلهم رؤساء يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات، يعملون بأمر الله وبما أنزله عليهم من الوحي والأمر والنهي، ويهدون الناس إلى دين الله الحق بأمر الله لهم، ويدعونهم إلى التوحيد. ٥ - الإيحاء لهم بأن يفعلوا الطاعات. ٦ - أمرهم بإقامة الصلاة المفروضة التي هي أشرف العبادات البدنية. ٧ - الوحي لهم أيضا بإيتاء الزكاة الواجبة التي هي أشرف العبادات المالية. وكانوا مشتغلين بالعبودية، مطيعين لأوامر الله تعالى، كأنه لما وفي بعهد الربوبية في الإحسان والإنعام، فهم أيضا وفّوا بعهد العبودية، وهو الاشتغال بالطاعة والعبادة. القصة الثالثة-قصة لوط ﵇ ﴿وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٧٥)﴾ الإعراب: ﴿وَلُوطاً﴾ منصوب بفعل مقدر، تقديره: وآتينا لوطا آتيناه، وقيل: تقديره: واذكر لوطا.

стр. 5067

البلاغة: ﴿وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا﴾ مجاز مرسل علاقته المحلية، أي أدخلناه في الجنة؛ لأنها مكان تنزل الرحمات. المفردات اللغوية: ﴿وَلُوطاً﴾ هو ابن أخي إبراهيم الخليل ﵉، كما عرفنا ﴿حُكْماً﴾ حكمة، أو نبوة، أو فصلا بين الخصوم ﴿وَعِلْماً﴾ بما ينبغي علمه للأنبياء ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾ هي قرية سدوم التي بعث إليها لوط ﵇ ﴿الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ﴾ أي يعمل أهلها، وصفها بصفة أهلها ﴿الْخَبائِثَ﴾ أي الأعمال الخبيثة من اللواط وغيره كالرمي بالبندق واللعب بالطيور ﴿قَوْمَ سَوْءٍ﴾ مصدر ساء نقيض سرّ، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ كالتعليل لما سبق ﴿وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا﴾ بأن أنجيناه من قومه، وجعلناه في أهل رحمتنا أو في جنتنا ﴿إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الذين سبقت لهم منا الحسنى. المناسبة: بعد بيان ما أنعم الله تعالى به على إبراهيم ﵇، ذكر نعمه على لوط ﵇، لما بينهما من القرابة والاشتراك في النبوة. ولوط: هو لوط بن هاران بن آزر، كان قد آمن بإبراهيم ﵇ واتبعه وهاجر معه، كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ، وَقالَ: إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي﴾ [العنكبوت ٢٦/ ٢٩]. التفسير والبيان: ﴿وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي آتى الله لوطا النبوة والحكمة (وهي ما يجب فعله) والحكم: وهو حسن الفصل في الخصومات بين الناس، وكذلك آتاه علما بما ينبغي للأنبياء وهو كل ما يتعلق بالعقيدة والعبادة وطاعة الله تعالى، وبعثه إلى «سدوم» وتوابعها وهي سبع قرى، فخالفوه وكذبوه، فأهلكهم الله، ودمر عليهم، كما أخبر في مواضع من القرآن العزيز. وهاتان نعمتان على لوط، والنعمة الثالثة هي:

стр. 5068

﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ﴾ أي ونجاه الله من عذابه الذي عذّب به أهل القرية «سدوم» الذين كانوا يرتكبون خبائث الأعمال، وأخطرها اللواط. وسبب ذلك أنهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ أي إنهم كانوا جماعة سوء وقبح، خارجين عن طاعة الله، مرتكبين معاصيه، والفسوق: الخروج. والنعمة الرابعة هي: ﴿وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا﴾ أي وجعلناه من أهل رحمتنا أو في جنتنا، كما جاء في الحديث الصحيح: «قال الله للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي» وقيل: الرحمة: هي النبوة، أو الثواب. والسبب هو كما قال: ﴿إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي من الذين يعملون الصالحات، ويؤدون الطاعات، بفعل الأوامر، واجتناب النواهي. فقه الحياة أو الأحكام: أنعم الله تعالى على لوط ﵇ بأربع نعم وهي: ١ - إيتاؤه الحكم: أي النبوة، والحكمة: وهي ما يجب فعله. ٢ - تعليمه العلم النافع: وهو المعرفة بأمر الدين، وما يقع به الحكم بين الخصوم. ٣ - إنجاؤه من العذاب الذي حل بالقرى التي أرسل إليها، لارتكاب أهلها خبائث الأعمال، وأهمها اللواط، ولأنهم قوم سوء فاسقين، أي خارجين عن طاعة الله تعالى. ٤ - إدخاله في جنان الخلد التي هي متنزل الرحمات الإلهية؛ لأنه من القوم الصالحين الذين آمنوا بالله، وأطاعوا ربهم، وائتمروا بأمره، وانتهوا عن نهيه.

стр. 5069

القصة الرابعة-قصة نوح ﵇ ﴿وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ المفردات اللغوية: ﴿وَنُوحاً﴾ أي واذكر نوحا ﴿إِذْ نادى﴾ إذ دعا على قومه بالهلاك، بقوله: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ [نوح ٢٦/ ٧١] وهو بدل مما قبله. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل المذكورين: إبراهيم ولوط ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ دعاءه ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ في السفينة ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أي من الطوفان والغرق، وأذى قومه، والكرب: الغم الشديد ﴿وَنَصَرْناهُ﴾ جعلناه منتصرا ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الدالة على رسالته ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لاجتماع الأمرين: تكذيب الحق، والانهماك في الشر، ولم يجتمعا في قوم إلا وأهلكهم الله. المناسبة: بعد بيان قصة إبراهيم أبي الأنبياء ولوط قريبه، ذكر الله تعالى قصة نوح أب البشر الثاني؛ لأن جميع الباقين بعد الطوفان من ذريته ﵇. وكل من إبراهيم ونوح من الرسل أولي العزم. التفسير والبيان: ﴿وَنُوحاً.﴾. أي واذكر أيها النبي وقت أن نادى نوح ربه بأن دعا على قومه لما كذبوه: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر ١٠/ ٥٤] ﴿وَقالَ نُوحٌ:﴾ ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ [نوح ٢٦/ ٧١] وذلك من قبلك وقبل إبراهيم ولوط، فاستجبنا له دعاءه ونجيناه والذين آمنوا به من أهله، كما قال

стр. 5070

تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠/ ١١] نجيناهم من الغرق والشدة والأذى. فقوله ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل هؤلاء المذكورين. والكرب: الطوفان والغم الشديد والعذاب النازل بالكفار، وتكذيب قومه إياه وما لقي منهم من الأذى. وذلك بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله ، فلم يؤمن به منهم إلا القليل. ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي وجعلناه منتصرا على القوم الذين كذبوا بأدلتنا الدالة على رسالته. وفي لغة هذيل: اللهم انصرهم منه، أي اجعلهم منتصرين منه. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي إن سبب إهلاكهم أنهم قوم سوء لأجل تكذيبهم لنبيهم، فكان جزاؤهم أن أهلكهم الله جميعا صغارا وكبارا، ولم يبق منهم أحد، كما دعا عليهم نبيهم، بعد أن أصروا على كفرهم، وتصدوا لإيذائه، وتواصوا قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل على مخالفته وعصيان أمره. فقه الحياة أو الأحكام: إن في عذاب الاستئصال للأمة أو القوم جميعا عبرة وعظة بالغة، فهؤلاء قوم نوح الذين عكفوا على عبادة الأوثان، وأصروا على الكفر، وتمردوا على دعوة نوح ورسالته، قد أهلكهم الله عامة بالطوفان الذي عمّ السهول والجبال. والسبب هو تكذيبهم لنبيهم وإيذاؤهم له، بالرغم من الصبر عليهم قرابة عشرة قرون (٩٥٠) عاما، وهي مدة طويلة جدا. وكان النصر حليف نوح ﵇، فنجاه الله والمؤمنين الذين آمنوا به، وعددهم قليل.

стр. 5071

فلله الأمر والحكمة، وبيده مقاليد السموات والأرض، ولا يصدر عنه إلا الخير والعدل، ولا يظلم أحدا من عباده، فلو علم الله فيهم خيرا لما عذبهم وأهلكهم، وسيلقون أيضا في الآخرة عذاب النار. وقد أجمع المحققون-كما ذكر الرازي-على أن دعاء نوح على قومه كان بأمر الله تعالى، وإلا كان ذلك مبالغة في الإضرار، وسببا لنقصان حال الأنبياء. القصة الخامسة-قصة داود وسليمان ﵉ ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢)﴾ الإعراب: ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ﴾ أي واذكر داود وسليمان. ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ الضمير في ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ راجع إلى داود وسليمان، على طريقة إقامة الجمع مقام التثنية. أو أن المراد بالضمير الحاكمان والمتحاكمان وهم جماعة.

стр. 5072

﴿يُسَبِّحْنَ﴾ الجملة حال، أو استئناف لبيان وجه التسخير معه متعلق بيسبحن أو بسخرنا. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ منصوب معطوف على ﴿الْجِبالَ﴾، أو لأنه مفعول معه. ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أي الصنعة، وقرئ بالياء أي ليحصنكم الله وقرئ بالنون، أي: لنحصنكم نحن. المفردات اللغوية: ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ﴾ أي واذكر قصتهما ﴿إِذْ يَحْكُمانِ﴾ بدل مما قبله ﴿الْحَرْثِ﴾ الزرع، وقيل: كرم تدلت عناقيده ﴿نَفَشَتْ﴾ رعت ليلا بلا راع، بأن انفلتت من حظيرتها، والنفش: الرعي ليلا. ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ أي حاضرين، وفيه استعمال ضمير الجمع لاثنين أو كنا شاهدين عالمين حكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما. وكان حكم داود: أن يتملك صاحب الزرع الأغنام، وحكم سليمان: تبادل المتحاكمين الشيء المملوك لمدة سنة، فينتفع صاحب الزرع بدرّ الغنم ونسلها وصوفها إلى أن يعود الحرث كما كان بإصلاح صاحب الغنم، ثم يردها إلى صاحبها. ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ الضمير يعود للفتوى الصادرة. وكان حكم داود وسليمان باجتهاد، ثم رجع داود إلى حكم سليمان ﴿وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي آتينا كلا منهما حكما أي نبوة، وعلما بأمور الدين. ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ يقدسن الله معه، إما بلسان الحال، أو بصوت يتمثل له، أو بخلق الله فيها صوتا بلغة معينة. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ أي وكذلك سخرنا الطير له للتسبيح معه، بأمره به في وقت الراحة ﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ أي تسخير التسبيح معه، فكنا فاعلين لأمثاله، فليس ببدع منا، وإن كان عجبا عندكم أي مجاوبة الجبال والطير لسيدها داود ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ المراد هنا الدروع؛ لأنها تلبس، وهو أول من صنعها، وكان قبلها صفائح. واللبوس في الأصل: السلاح بأنواعه ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بقوله ﴿وَعَلَّمْناهُ﴾ أو متعلق بصفة للبوس. ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ لتحميكم وتمنعكم وتصونكم الصنعة ﴿مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ بدل اشتمال بإعادة الجار، وبأسكم: حربكم مع أعدائكم، البأس: الحرب ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿شاكِرُونَ﴾ نعمتي، بتصديق الرسول، فإن شكركم لي يكون بذلك. وقوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾؟ أمر في صورة الاستفهام للمبالغة والتقريع. ﴿وَلِسُلَيْمانَ﴾ أي وسخرنا له ﴿الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ الريح العاصف: هي الشديدة الهبوب. وكانت رخاء أي لينة خفيفة في نفسها طيبة، كما جاء في آية أخرى، فقد جمعت بين الوصفين، فهي لينة طيبة، وتسرع في جريها كالعاصف ﴿إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ هي الشام

стр. 5073

﴿وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ أي نعلم بكل شيء، فنجزيه على ما تقتضيه الحكمة، وقد علم الله تعالى بأن ما يعطيه سليمان يدعوه للخضوع لربه. ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ﴾ أي وسخرنا له ﴿مِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي يدخلون في البحر، فيخرجون منه الجواهر لسليمان، والغوص: النزول إلى أعماق البحار لاستخراج اللؤلؤ. ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ﴾ أي سوى الغوص أو غيره، كبناء المدن والقصور واختراع الصائع الغريبة، كقوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤]. ﴿وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ﴾ أن يزيغوا عن أمره، أو يفسدوا ما عملوا؛ لأنهم كانوا إذا فرغوا من عمل أفسدوه إن لم يشتغلوا بغيره. المناسبة: هذه القصة كسابقاتها أيضا فيها تعداد النعم العظمى على داود وسليمان ﵉، فذكر فيها أولا النعمة المشتركة بينهما وهي تزيينهما بالعلم والفهم كما قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً﴾ مما يدل على شرف العلم، لتقديم ذكره على سائر النعم الأخرى. ثم ذكر ما اختص به كل منهما من النعم، أما داود فخص بنعمة تسخير الجبال والطير للتسبيح معه، وبصناعة الدروع. وأما سليمان فاختص بنعمة تسخير الريح، وتسخير الشياطين للغوص في أعماق البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان، ولأعمال أخرى كبناء المدن والقصور وصناعة الأشياء الغريبة من قدور ومحاريب وتماثيل. التفسير والبيان: ذكر الله تعالى قصة الحكم بين المزارع والراعي، ثم ذكر النعم الجليلة المختصة بكل من داود وسليمان. أما قصة الحكم كما قال أكثر المفسرين وكما ذكر الرازي: فهي أن راعي غنم رعت غنمه زرع فلاح ليلا، فاحتكما إلى داود ﵇، فحكم بالغنم لصاحب الحرث (الزرع) فقال سليمان-وهو ابن إحدى عشرة سنة-: غير هذا أرفق بهما، وأمر بتسليم الغنم إلى أهل الحرث، فينتفعون بألبانها وأولادها وأشعارها، وتسليم

стр. 5074

الحرث إلى أرباب الغنم، يتعهدونه بالمطلوب، حتى يعود إلى ما كان، ثم يترادّان. وكان حكمهما باجتهاد. والحكم في شرعنا في رأي الإمام الشافعي: وجوب ضمان المتلف بالليل، إذ المعتاد ضبط الدواب ليلا، وكذلك قضى النبي ﷺ لما دخلت ناقة البراء حائطا (بستانا) وأفسدته، فقال: «على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل الماشية حفظها بالليل» (١). وفي رأي الإمام أبي حنيفة: لا ضمان إلا أن يكون معها حافظ حارس؛ لقوله ﷺ : «جرح العجماء جبار» (٢) أي أن ما تتلفه البهيمة هدر لا ضمان فيه. أما النص القرآني في هذا الحكم فهو: ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ.﴾. أي واذكر أيها الرسول قصة داود وسليمان حينما حكما في زرع رعته ليلا غنم لآخرين، وكان الله عليما شاهدا بما حكم به داود وسليمان، لا تخفى عليه خافية. ولكنه تعالى أفهم سليمان القضية والحكومة والفتوى الصحيحة الراجحة فكان رأيه هو الأصوب، مع أنه سبحانه آتى كلا من داود وسليمان النبوة وحسن الفصل في الخصومات والعلم والفهم والإدراك السليم للأمور، مما يدل على إقرار الحكمين في الجملة، وعلى أن خطأ المجتهد لا يقدح فيه، وإن كان الصواب واحدا، وهو ما قضى به سليمان، ودل قوله: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ على إظهار ما تفضل الله عليه به في صغره.

стр. 5075

قال ابن العربي: لم يرد إذ جمعها في القول اجتماعهما في الحكم، فإن حاكمين على حكم واحد لا يجوز، وإنما حكم كل واحد منهما على انفراد بحكم، وكان سليمان هو الفاهم لها (١). أما نعم الله على داود ﵇ فهي: ١ - ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ، وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ أي وسخر أي ذلل الله الجبال والطيور مسبحات مقدّسات الله مع داود لطيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا ترنم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه، وترد عليه الجبال تسبيحا، فيكون ذلك أكثر تأثيرا في مشاعره وعواطفه، فيستديم في التسبيح، وقد وصف النبي ﷺ صوت أبي موسى الأشعري حين استمع لقراءته القرآن فقال فيما رواه أحمد والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة، والنسائي عن عائشة: «لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود». وقدمت الجبال على الطير؛ لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة الإلهية، وأروع في الإعجاز؛ لأنها جماد، والطير حيوان إلا أنه غير ناطق. ونطق الجبال والطير بأن يخلق الله فيها الكلام، كما خلقه في الشجرة حين كلم موسى ﵇، فإذا ذكر داود ربه ذكرت الجبال والطير ربها معه، لذا قال تعالى: ﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ أي قادرين على أن نفعل هذا، وإن كان عجبا عندكم. ونظير الآية: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧].

стр. 5076

٢ - ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ، فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ أي وعلمنا داود صناعة الدروع لباسا لكم، وكانت الدروع قبله صفائح وهو أول من جعلها حلقا، كما قال تعالى: ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ، وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ ١١/ ٣٤] أي لا توسع الحلقة ولا تغلظ المسمار. وذلك لتحميكم وتمنعكم وتحرسكم من شدة الحرب في القتال من جرح وقتل وضرب، فهل أنتم شاكرون نعم الله عليكم بتعليمه داود ذلك من أجلكم؟ وهذا استفهام معناه الأمر للمبالغة والتقريع، أي اشكروا الله على هذه الصنعة. والبأس: الحرب. وفيه دلالة على أن أول من عمل الدرع داود ﵇، ثم تعلم الناس منه، وتوارثوا الصنعة عنه، فعمّت النعمة كل المحاربين إلى آخر الدهر. وأما نعم الله على سليمان ﵇ فهي كما قال قتادة: ورّث الله تعالى سليمان من داود ملكه ونبوته، وزاده أمرين: سخر له الريح والشياطين، فقال. ١ - ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً.﴾. أي وسخرنا لسليمان الريح العاصفة الشديد السرعة والهبوب، وجعلناها طائعة منقادة له، مع كونها في نفسها رخاء أيضا أي لطيفة لينة، فهي تجري بأمره، وتخضع لحكمه، وتنقله إلى أجزاء الأرض المقدسة المباركة، وهي أرض الشام، فيخرج مع صحبه في الغداة حيث شاؤوا، ثم يرجعون في يومهم إلى منزله، أي أن تلك الريح كانت جامعة بين الأمرين: رخاء في نفسها، وعاصفة في عملها، مع طاعتها لسليمان ﵇ وهبوبها على حسب ما يريد. ﴿وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ أي وكان الله عالما بكل شيء وعالما بتدبيره، فما آتاه الملك والنبوة، وما سخر له الريح بأمره إلا لعلمه بما فيه الحكمة والمصلحة

стр. 5077

والاستحقاق، فيشكر هو وقومه المنعم عليهم، ويعرفوا هذه المعجزات الظاهرة. روي أنه كان له بساط من خشب، يوضع عليه كل ما يحتاجه من أمور المملكة، كالخيل والجمال والخيام والجند، ثم يأمر الريح أن تحمله، فتدخل تحته، ثم تحمله وترفعه، وتسير به وتظله الطير، لتقيه الحر إلى حيث يشاء من الأرض، فينزل، وتوضع آلاته، كما قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ [ص ٣٦/ ٣٨] وقال: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ، وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبأ ١٢/ ٣٤] (١). ٢ - ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي وسخرنا له فئة من الشياطين تغوص في أعماق البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان والجواهر ونحوها، والغوص: النزول تحت الماء. ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ﴾ أي ويؤدون له عملا غير ذلك كبناء المدن والقصور والمحاريب والتماثيل والقدور الراسيات ونحوها، كما قال تعالى: ﴿وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ [ص ٣٨/ ٣٨] وقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤] وأما الصناعات فهي مثل الطواحين والقوارير والصابون. ﴿وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ﴾ أي حافظين لأعمالهم، نحرسه من أن يناله أحدهم بسوء، وقد جعلنا له سلطة مطلقة عليهم، إن شاء أطلق، وإن شاء حبس منهم من يشاء، ولهذا قال في الآية السابقة: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾.

стр. 5078

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي من الأحكام: ١ - الحق والصواب واحد لا يتعدد، فإن حكم سليمان كان هو الأصوب، ولكن لا مانع من الخطأ في الاجتهاد، فمن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، ولكن لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع، وعلى المجتهد أن يجدد النظر عند وقوع الحادثة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم، لإمكان أن يظهر له ثانيا خلاف ما ظهر له أولا. فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» وفي السنن الصحاح: «القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، وقاضيان في النار: رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه، فهو في النار». وقال الحسن البصري: لولا هذه الآية لرأيت القضاة قد هلكوا، ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه، وعذر داود باجتهاده. وقريب من هذه القصة المذكورة في القرآن: ما رواه الإمام أحمد في مسنده والشيخان والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما امرأتان معهما ابنان لهما، إذ جاء الذئب، فأخذ أحد الابنين، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا، فدعاهما سليمان، فقال: هاتوا السكين أشقّه بينكما، فقالت الصغرى: يرحمك الله، هو ابنها، لا تشقه، فقضى به للصغرى». وأما حكم مسألة رعي الزرع ليلا في شرعنا، فقال الجصاص: ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم داود وسليمان بما حكما به من ذلك منسوخ؛ وذلك لأن داود

стр. 5079

عليه السلام حكم بدفع الغنم إلى صاحب الحرث، وحكم سليمان له بأولادها وأصوافها، ولا خلاف بين المسلمين أن من نفشت غنمه في حرث رجل أنه لا يجب عليه تسليم الغنم، ولا تسليم أولادها وألبانها وأصوافها إليه، فثبت أن الحكمين جميعا منسوخان بشريعة نبينا ﷺ (١). وأما آراء فقهائنا فهي كما يلي (٢): قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا ضمان على أرباب المواشي فيما أصابت بالنهار. وقال الليث: يضمن أرباب المواشي بالليل والنهار. وأما ما تتلفه المواشي بالليل فللعلماء فيه رأيان مشهوران: رأي الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة): وهو ضمان ما تتلفه البهائم ليلا، عملا بما قضى به النبي ﷺ في ناقة البراء، وهو أن حفظ البهائم بالليل على أرباب المواشي، وهذا حديث خاص، وأما حديث «العجماء جرحها جبار» أي أن فعل البهائم هدر، فهو عام، ولا خلاف أن العام يقضي عليه الخاص، أي أنه يقدم الخاص على العام، ولأنه لا إشكال في أن من أتلف شيئا فعليه الضمان، ويكون الضمان بالقيمة، وإن زادت على قيمة المواشي. ورأي أبي حنيفة: ألا ضمان لما تتلفه المواشي، ليلا أو نهارا، للحديث المتقدم: «العجماء جرحها جبار». ٢ - قال ابن العربي: من أراد أن يتخذ ما ينتفع به مما لا يضر بغيره مكّن منه، مثل النحل والحمام والإوز والدجاج، وذلك كالماشية. وأما انتفاعه بما

стр. 5080

يتخذه بإضراره بأحد، فلا سبيل إليه، قال ﷺ فيما رواه أحمد وابن ماجة عن ابن عباس: «لا ضرر ولا ضرار» (١). ٣ - إنما يكون الأجر للحاكم المخطئ إذا كان عالما بالاجتهاد والسنن والقياس، وقضاء من مضى من السلف؛ لأن اجتهاده عبادة، ولا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط. فأما من لم يكن محلا للاجتهاد، فهو متكلف لا يعذر بالخطإ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم الوزر، بدليل الحديث المتقدم: «القضاة ثلاثة» قال ابن المنذر: إنما يؤجر على اجتهاده في طلب الصواب، لا على الخطأ، بدليل قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾. ٤ - أكثر الفقهاء قالوا: إن الحق واحد من أقوال المجتهدين، وليس الحق أو الصواب في جميع أقوالهم، بدليل قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ فخص سليمان بالفهم، ولو كان الكل مصيبا لم يكن لتخصيص سليمان ﵇ بهذا التفهيم فائدة. ٥ - هل للأنبياء الاجتهاد؟ اختلف العلماء في جواز الاجتهاد على الأنبياء، فمنعه قوم، وجوزه المحققون الأكثرون؛ لأنه ليس فيه استحالة عقلية؛ لأنه دليل شرعي، فلا مانع أن يستدل به الأنبياء، والله تعالى قال: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر ٢/ ٥٩] وهو أمر للكل بالاعتبار، وذلك يشمل الرسول ﷺ ، ولأنه إذا غلب على ظنه أن الحكم في الأصل المقيس عليه معلل بمعنى، ثم وجد ذلك المعنى في صورة أخرى، فلا بد وأن يغلب على ظنه أن الفرع كالأصل في الحكم، ثم إنه لو جاز الاجتهاد للعلماء وهو أرفع درجات العلم، لثبت لأحد من أمة النبي ﷺ من الفضيلة ما لا يثبت له. ٦ - في هذه الآية دليل على جواز رجوع القاضي عما حكم به، إذا تبين له أن
следующие страницы →