← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

٢ - ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ، فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ أي وعلمنا داود صناعة الدروع لباسا لكم، وكانت الدروع قبله صفائح وهو أول من جعلها حلقا، كما قال تعالى: ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ، وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ ١١/ ٣٤] أي لا توسع الحلقة ولا تغلظ المسمار. وذلك لتحميكم وتمنعكم وتحرسكم من شدة الحرب في القتال من جرح وقتل وضرب، فهل أنتم شاكرون نعم الله عليكم بتعليمه داود ذلك من أجلكم؟ وهذا استفهام معناه الأمر للمبالغة والتقريع، أي اشكروا الله على هذه الصنعة. والبأس: الحرب. وفيه دلالة على أن أول من عمل الدرع داود ﵇، ثم تعلم الناس منه، وتوارثوا الصنعة عنه، فعمّت النعمة كل المحاربين إلى آخر الدهر. وأما نعم الله على سليمان ﵇ فهي كما قال قتادة: ورّث الله تعالى سليمان من داود ملكه ونبوته، وزاده أمرين: سخر له الريح والشياطين، فقال. ١ - ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً.﴾. أي وسخرنا لسليمان الريح العاصفة الشديد السرعة والهبوب، وجعلناها طائعة منقادة له، مع كونها في نفسها رخاء أيضا أي لطيفة لينة، فهي تجري بأمره، وتخضع لحكمه، وتنقله إلى أجزاء الأرض المقدسة المباركة، وهي أرض الشام، فيخرج مع صحبه في الغداة حيث شاؤوا، ثم يرجعون في يومهم إلى منزله، أي أن تلك الريح كانت جامعة بين الأمرين: رخاء في نفسها، وعاصفة في عملها، مع طاعتها لسليمان ﵇ وهبوبها على حسب ما يريد. ﴿وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ أي وكان الله عالما بكل شيء وعالما بتدبيره، فما آتاه الملك والنبوة، وما سخر له الريح بأمره إلا لعلمه بما فيه الحكمة والمصلحة

стр. 5077

والاستحقاق، فيشكر هو وقومه المنعم عليهم، ويعرفوا هذه المعجزات الظاهرة. روي أنه كان له بساط من خشب، يوضع عليه كل ما يحتاجه من أمور المملكة، كالخيل والجمال والخيام والجند، ثم يأمر الريح أن تحمله، فتدخل تحته، ثم تحمله وترفعه، وتسير به وتظله الطير، لتقيه الحر إلى حيث يشاء من الأرض، فينزل، وتوضع آلاته، كما قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ [ص ٣٦/ ٣٨] وقال: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ، وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبأ ١٢/ ٣٤] (١). ٢ - ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي وسخرنا له فئة من الشياطين تغوص في أعماق البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان والجواهر ونحوها، والغوص: النزول تحت الماء. ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ﴾ أي ويؤدون له عملا غير ذلك كبناء المدن والقصور والمحاريب والتماثيل والقدور الراسيات ونحوها، كما قال تعالى: ﴿وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ [ص ٣٨/ ٣٨] وقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤] وأما الصناعات فهي مثل الطواحين والقوارير والصابون. ﴿وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ﴾ أي حافظين لأعمالهم، نحرسه من أن يناله أحدهم بسوء، وقد جعلنا له سلطة مطلقة عليهم، إن شاء أطلق، وإن شاء حبس منهم من يشاء، ولهذا قال في الآية السابقة: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾.

стр. 5078

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي من الأحكام: ١ - الحق والصواب واحد لا يتعدد، فإن حكم سليمان كان هو الأصوب، ولكن لا مانع من الخطأ في الاجتهاد، فمن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، ولكن لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع، وعلى المجتهد أن يجدد النظر عند وقوع الحادثة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم، لإمكان أن يظهر له ثانيا خلاف ما ظهر له أولا. فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» وفي السنن الصحاح: «القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، وقاضيان في النار: رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه، فهو في النار». وقال الحسن البصري: لولا هذه الآية لرأيت القضاة قد هلكوا، ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه، وعذر داود باجتهاده. وقريب من هذه القصة المذكورة في القرآن: ما رواه الإمام أحمد في مسنده والشيخان والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما امرأتان معهما ابنان لهما، إذ جاء الذئب، فأخذ أحد الابنين، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا، فدعاهما سليمان، فقال: هاتوا السكين أشقّه بينكما، فقالت الصغرى: يرحمك الله، هو ابنها، لا تشقه، فقضى به للصغرى». وأما حكم مسألة رعي الزرع ليلا في شرعنا، فقال الجصاص: ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم داود وسليمان بما حكما به من ذلك منسوخ؛ وذلك لأن داود

стр. 5079

عليه السلام حكم بدفع الغنم إلى صاحب الحرث، وحكم سليمان له بأولادها وأصوافها، ولا خلاف بين المسلمين أن من نفشت غنمه في حرث رجل أنه لا يجب عليه تسليم الغنم، ولا تسليم أولادها وألبانها وأصوافها إليه، فثبت أن الحكمين جميعا منسوخان بشريعة نبينا ﷺ (١). وأما آراء فقهائنا فهي كما يلي (٢): قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا ضمان على أرباب المواشي فيما أصابت بالنهار. وقال الليث: يضمن أرباب المواشي بالليل والنهار. وأما ما تتلفه المواشي بالليل فللعلماء فيه رأيان مشهوران: رأي الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة): وهو ضمان ما تتلفه البهائم ليلا، عملا بما قضى به النبي ﷺ في ناقة البراء، وهو أن حفظ البهائم بالليل على أرباب المواشي، وهذا حديث خاص، وأما حديث «العجماء جرحها جبار» أي أن فعل البهائم هدر، فهو عام، ولا خلاف أن العام يقضي عليه الخاص، أي أنه يقدم الخاص على العام، ولأنه لا إشكال في أن من أتلف شيئا فعليه الضمان، ويكون الضمان بالقيمة، وإن زادت على قيمة المواشي. ورأي أبي حنيفة: ألا ضمان لما تتلفه المواشي، ليلا أو نهارا، للحديث المتقدم: «العجماء جرحها جبار». ٢ - قال ابن العربي: من أراد أن يتخذ ما ينتفع به مما لا يضر بغيره مكّن منه، مثل النحل والحمام والإوز والدجاج، وذلك كالماشية. وأما انتفاعه بما

стр. 5080

يتخذه بإضراره بأحد، فلا سبيل إليه، قال ﷺ فيما رواه أحمد وابن ماجة عن ابن عباس: «لا ضرر ولا ضرار» (١). ٣ - إنما يكون الأجر للحاكم المخطئ إذا كان عالما بالاجتهاد والسنن والقياس، وقضاء من مضى من السلف؛ لأن اجتهاده عبادة، ولا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط. فأما من لم يكن محلا للاجتهاد، فهو متكلف لا يعذر بالخطإ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم الوزر، بدليل الحديث المتقدم: «القضاة ثلاثة» قال ابن المنذر: إنما يؤجر على اجتهاده في طلب الصواب، لا على الخطأ، بدليل قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾. ٤ - أكثر الفقهاء قالوا: إن الحق واحد من أقوال المجتهدين، وليس الحق أو الصواب في جميع أقوالهم، بدليل قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ فخص سليمان بالفهم، ولو كان الكل مصيبا لم يكن لتخصيص سليمان ﵇ بهذا التفهيم فائدة. ٥ - هل للأنبياء الاجتهاد؟ اختلف العلماء في جواز الاجتهاد على الأنبياء، فمنعه قوم، وجوزه المحققون الأكثرون؛ لأنه ليس فيه استحالة عقلية؛ لأنه دليل شرعي، فلا مانع أن يستدل به الأنبياء، والله تعالى قال: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر ٢/ ٥٩] وهو أمر للكل بالاعتبار، وذلك يشمل الرسول ﷺ ، ولأنه إذا غلب على ظنه أن الحكم في الأصل المقيس عليه معلل بمعنى، ثم وجد ذلك المعنى في صورة أخرى، فلا بد وأن يغلب على ظنه أن الفرع كالأصل في الحكم، ثم إنه لو جاز الاجتهاد للعلماء وهو أرفع درجات العلم، لثبت لأحد من أمة النبي ﷺ من الفضيلة ما لا يثبت له. ٦ - في هذه الآية دليل على جواز رجوع القاضي عما حكم به، إذا تبين له أن

стр. 5081

الحق في غيره، فقد رجع داود إلى حكم سليمان ﵉، وهذا ثابت أيضا في رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄. ٧ - كان ترتيل داود ﵇ لكتابه الزبور وتسبيحه تتردد أصداؤه في الجبال والطيور، وكانت هذه تتجاوب معه بالتسبيح، وتذكر الله معه بلغة خاصة بها، قال مقاتل: إذا ذكر داود ﵇ ربه، ذكرت الجبال والطير ربها معه. وقيل: كان داود إذا وجد فترة أي راحة أمر الجبال، فسبّحت حتى يشتاق، ولهذا قال: ﴿وَسَخَّرْنا﴾ أي جعلناها بحيث تطيعه إذا أمرها بالتسبيح. وقيل: إن سيرها معه تسبيحها، والتسبيح مأخوذ من السباحة؛ بدليل قوله تعالى: ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ ١٠/ ٣٤]. قال الرازي: والقول الأول (أي قول مقاتل) أقرب؛ لأنه لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره. وتسبيح الجبال والطير فيه دلالة على قدرة الله تعالى، وعلى تنزهه عما لا يجوز. ٨ - كان داود أول من اتخذ الدروع وصنعها، وتعلمها الناس منه، وإنما كانت صفائح، فهو أول من سردها وحلقها، فأصبحت النعمة عليه نعمة على جميع المحاربين على الدوام أبد الدهر، لحماية الناس وحراستهم من السلاح في أثناء القتال، فلزمهم شكر الله تعالى على النعمة. وذلك يقتضي الشكر، لذا قال تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ أي على تيسير نعمة الدروع لكم، وأن تطيعوا رسول الله فيما أمر به. والمراد: اشكروا الله على ما يسر عليكم من هذه الصنعة. ٩ - هذه الآية دليل على جواز اتخاذ الصنائع والأسباب، فالسبب سنة الله في خلقه، وهي شهادة للعمال وأهل الحرف والصنائع بأن العمل شرف، واتخاذ الحرفة كرامة، وقد أخبر الله تعالى عن داود أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضا

стр. 5082

يصنع الخوص، وأخبر نبينا ﷺ عن داود ﵇ أنه كان يأكل من عمل يده، وذلك أفضل الكسب. وكان آدم حراثا، وكان نوح يصنع السفن وكان نجارا، وكان إدريس ولقمان خياطين، وطالوت دباغا، أو سقّاء، وكل ذلك يدل على أن العمل كان منهج الأنبياء والصالحين، وطريق المؤمنين الأقوياء. والإسلام دين يحب العمل ويوجبه، ويكره البطالة والكسل، ويحارب العاطلين والخاملين إذا كانوا قادرين على العمل، جاء في الحديث الصحيح الذي يرويه الشيخان والنسائي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لأن يأخذ أحدكم حبلة، ثم يغدو إلى الجبل، فيحتطب، فيبيع، فيأكل، ويتصدق، خير له من أن يسأل الناس». وبالصنعة يكف الإنسان نفسه عن الناس، ويدفع بها الضرر والبأس عن نفسه. جاء في حديث آخر رواه الحكيم الترمذي والطبراني والبيهقي عن أبي هريرة، وهو ضعيف: «إن الله يحب العبد المؤمن المحترف الضعيف المتعفف، ويبغض السائل الملحف». ١٠ - كان من إكرام الله تعالى لسليمان تسخير الريح التي تجري بأمره إلى حيث شاء، ثم تردّه إلى بلاد الشام المباركة. يروى أنها كانت تجري به وبأصحابه إلى حيث أراد، ثم تردّه إلى الشام. ومن إنعام الله عليه تسخير الشياطين له يعملون بصفة غواصين لاستخراج الجواهر من البحر، كما يعملون له أعمالا أخرى غير الغوص، من بناء المدن والقصور، ونحت المحاريب والتماثيل، وصناعة القدور الراسيات والجفان الواسعة والطواحين والقوارير والصابون، وغير ذلك مما يسخّرهم فيه، ويحفظ الله له أعمالهم من أن يفسدوها، أو أن يهيجوا أحدا من بني آدم في زمان سليمان، أو أن يهربوا أو يمتنعوا من أمره، فقد كانوا رهن إشارته، وطوع إرادته، لا يجرأ أحد منهم على الاقتراب منه.

стр. 5083

القصة السادسة-قصة أيوب ﵇ ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤)﴾ الإعراب: ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول لأجله ﴿مِنْ عِنْدِنا﴾ صفة. البلاغة: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ألطف في السؤال، حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب. ﴿أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فيهما جناس الاشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿وَأَيُّوبَ﴾ أي واذكر أيوب ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ لما ابتلي به من المرض، وهو بدل مما قبله ﴿أَنِّي﴾ أي بأني ﴿الضُّرُّ﴾ بالضم: الضرر والشدة في النفس من مرض وهزال. وأما الضّرر بالفتح: فهو الأذى في كل شيء، فالضّر خاص بما في النفس من مرض وهزال، والضرر: شائع في كل ضرر. ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وصف ربه بغاية الرحمة، بعد ما ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، واكتفى بذلك عن عرض المطلوب، لطفا في السؤال. ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أجبنا له نداءه ﴿فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ أي أزلنا ورفعنا ضره بالشفاء من مرضه ﴿وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ أي وأعطيناه مثل أهله عددا، وزيادة مثل آخر، بأن ولد له ضعف ما كان عنده من زوجته وزيد في شبابها ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا، وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ أي رحمة على أيوب، وتذكرة لغيره من العابدين، ليصبروا كما صبر، فيثابوا كما أثيب.

стр. 5084

المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى قصص خمسة من الأنبياء: إبراهيم، ولوط، ونوح، وداود، وسليمان، وما تعرضوا له من الابتلاء في سبيل الدعوة إلى الله، ذكر هنا قصة أيوب وابتلاءه له بأنواع المحن في نفسه وأهله، والكل قد صبروا على المحن والبلايا، وشكروا الله على ما أنعم عليهم من رفع البلاء، والنصر على أقوامهم. أضواء على قصة أيوب ﵇: ورد اسم أيوب ﵇ في القرآن الكريم اربع مرات في سور النساء والأنعام والأنبياء وص. وهو أيوب بن أنوص، وأمه من ولد لوط ﵇، وكان ﵇ روميا من ولد يعقوب بن إسحاق ﵉. كان موطنه أرض عوص من جبل سعير أو بلاد أدوم، قيل: إنه كان قبل موسى، أو قبل إبراهيم بأكثر من مائة سنة، قال ابن إسحاق: الصحيح أنه كان من بني إسرائيل، ولم يصح في نسبه شيء، إلا أن اسم أبيه: أموص. آتاه الله النبوة، وبسط عليه الدنيا، وكثّر أهله وماله، فكان له سبعة بنين، وسبع بنات، وذلك تعويضا عما ابتلاه الله من محنة في نفسه إذ مرض مدة طويلة هي ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو سبع سنوات ونيف، على حسب الروايات، ولكنه مرض غير منفر للناس؛ لأن الأنبياء متصفون بالسلامة عن الأمراض المنفرة طبعا. وابتلاه الله أيضا في أهله بذهاب ولده، انهدم عليهم البيت، فهلكوا. وابتلاه كذلك في ماله بذهابه وفنائه، وكان رحيما بالمساكين، ويكفل اليتامى والأرامل، ويكرم الضعيف. وقد أكرمه الله تعالى بكفارة يمينه، كما ذكر في سورة ص، بأن يأخذ بيده ضغثا، فيضرب به زوجته، حتى لا يكون حانثا. وزوجته: هي رحمة بنت أفرايم بن يوسف، أو ماخر بنت ميشا (منسا) بن يوسف، أو ليا بنت يعقوب، على اختلاف الروايات، ذهبت لحاجة، فأبطأت، أو بلغت أيوب

стр. 5085

عن الشيطان أن يقول كلمة محظورة فيبرأ، وأشارت عليه بذلك، فقالت له: إلى متى هذا البلاء؟ فحلف إن برئ ليضربنها مائة ضربة، فحلل الله له يمينه وأمره بأن يأخذ ضغثا (وهو حزمة صغيرة من حشيش أو ريحان أو قضبان) ويضربها به، وذلك رحمة به وبها، لحسن خدمتها إياه، ورضاه عنها. وهي رخصة مقررة في عقوبات الحدود في شريعتنا وفي غيرها أيضا في حالات الضرورة كالمرض والحمل. التفسير والبيان: أيوب ﵇ مثل أعلى ومشهور في الصبر على المحنة والبلاء، حتى صار يضرب به المثل، فيقال: كصبر أيوب، وها هي قصته: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ.﴾. أي واذكر أيها الرسول للعبرة والعظة والتأسي خبر أيوب الذي أصابه البلاء في ماله وولده وجسده، حين دعا ربه، وقد مسّه الضر فقال: رب إني مسني الضر والعناء، وأنت أرحم الرحماء. وصف نفسه بما يقتضي الرحمة، ووصف ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بمطلوبه بطريق التلطف في السؤال، وإيمانه بأن ربه عليم به. والنداء: الدعاء. وكان مرضه طويل الأمد، إلا أنه غير منفر للناس ولا مشوه للجسد؛ لأن الأنبياء معصومون، سالمون عن الأمراض المنفرة طبعا. وقد لازمته زوجته، وظلت تحنو عليه وتقوم بأمره. وقد قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجه عن سعد: «أشد الناس بلاء: الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا، اشتد بلاؤه». قال الضحاك ومقاتل: بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر، وسبعة أيام، وسبع ساعات. قال ابن العربي: وهذا ممكن، ولكنه لم يصح في مدة إقامته خبر ولا في هذه القصة.

стр. 5086

﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ أي أجبنا دعاءه، ورفعنا عنه ضره، وعافيناه. ﴿وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ أي وعوضناه عما فقد في الدنيا، فأعطيناه مثل أهله وزيادة مثل آخر، فقد ولد له من زوجته من الأولاد ضعف ما كان عنده. ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا، وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ أي أعطيناه التعويض عن المال والأهل والولد، وعافينا جسده، رحمة منا به، وتذكيرا للعابدين بالاقتداء به، والصبر كما صبر، ليثابوا كما أثيب، وحتى لا ييأس مؤمن من عفو الله ورحمته وفضله، ولا يطمع مؤمن في أنه لا يصاب بسوء أو مكروه، فالدنيا دار ابتلاء وامتحان. وقال الزمخشري: أي لرحمتنا العابدين، وأنا نذكرهم بالإحسان، لا ننساهم، أو رحمة منا لأيوب وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر، حتى يثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: ذكر القرطبي سبعة عشر قولا في بيان الضر الذي مس أيوب، والحق الاقتصار على ظاهر النص القرآني، وهو أنه أصيب بضرر في نفسه وبدنه وأهله وماله، فصبر، ثم عافاه الله تعالى، وأعطاه خيرا مما فقد، وأثنى عليه بالصبر: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً، نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ [ص ٤٤/ ٣٨]. والثابت المؤكد أن مرضه لم يكن منفرا. والهدف أن قصته عبرة، وتعريف أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الواجب على الإنسان أن يصبر على ما يناله من البلاء فيها، ويجتهد في القيام بحق الله تعالى، وألا يضجر من شيء، وألا يتسخط ولا يتبرم، وإنما يصبر على حالتي الضراء والسراء. وقد أجمل الله تعالى هذه العبرة بقوله: ﴿رَحْمَةً

стр. 5087

مِنْ عِنْدِنا، وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا، وتذكيرا للعبّاد؛ لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب، وصبره عليه ومحنته له، وهو أفضل أهل زمانه، صبروا صبر أيوب، فيكون هذا تنبيها لهم على إدامة العبادة، واحتمال الضرر. وأما مدة إقامته في البلاء ففيها روايات، قال القرطبي: الأصح منها -والله أعلم-ثماني عشرة سنة؛ رواه ابن شهاب الزهري عن النبي ﷺ ، كما ذكر ابن المبارك. القصة السابعة-قصة إسماعيل وإدريس وذي الكفل ﵈ ﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ (٨٦)﴾ البلاغة: ﴿الصّابِرِينَ﴾ ﴿الصّالِحِينَ﴾ بينهما جناس ناقص. المفردات اللغوية: ﴿وَإِسْماعِيلَ﴾ أي واذكر ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ يعني إلياس وقيل: يوشع بن نون، وقيل: زكريا، سمي بذلك؛ لأنه كان ذا حظ من الله، أو تكفل منه، أو له ضعف عمل أنبياء زمانه وثوابهم. والكفل في اللغة بمعنى النصيب، والكفالة، والضعف. قيل: لم يكن نبيا، والأكثرون أنه نبي وهو ابن أيوب ﵇، وهذا ما صرح به الرازي والزمخشري، خلافا للقرطبي. قيل: خمسة من الأنبياء ذوو اسمين: إسرائيل ويعقوب، إلياس وذو الكفل، عيسى والمسيح، يونس وذو النون، محمد وأحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 5088

﴿كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ أي كل هؤلاء من الصابرين على مشاق التكاليف وشدائد النوائب، أو على طاعة الله وعن معاصيه ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا﴾ يعني في النبوة، أو في نعمة الآخرة ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي الكاملين في الصلاح، وهم الأنبياء، فإن صلاحهم معصوم عن كدر الفساد. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى صبر أيوب ﵇ ودعاءه ربه، أتبعه بذكر هؤلاء الأنبياء، فإنهم كانوا أيضا من الصابرين على الشدائد والمحن والعبادة. أما إسماعيل ﵇: فلأنه صبر على الانقياد للذبح، وصبر على الإقامة ببلد لا زرع فيه ولا ضرع ولا بناء، وصبر في بناء البيت، فأكرمه الله بجعل خاتم النبيين من صلبه. وأما إدريس فكما قال ابن عمر ﵄: «بعث إلى قومه داعيا لهم إلى الله تعالى، فأبوا، فأهلكهم الله تعالى، ورفع إدريس إلى السماء الرابعة» وهو أول من خاط الثياب ولبس المخيط، وكانوا قبله يلبسون الجلود، وأول من اتخذ السلاح عدّة للحرب. وأما ذو الكفل: فإنه صبر على صلاة الليل حتى يصبح، وعلى صيام النهار فلا يفطر، ويقضي بين الناس فلا يغضب، ووفى بذلك وبما ضمن على نفسه. قيل: إنه كان عبدا صالحا، كان يصلي لله كل يوم مائة صلاة، والأكثرون كما ذكرت أنه من الأنبياء ﵈، بدليل اقترانه مع الأنبياء. التفسير والبيان: ﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ، كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ أي واذكر أيها النبي نبأ إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وإدريس بعد شيث وآدم، وذي الكفل أي الحظ الكثير، الذي هو إلياس ومن بني إسرائيل، وقد عاش في بلاد الشام، كل

стр. 5089

واحد من هؤلاء من الصابرين المحتسبين الذين صبروا على البلاء والمحن، وعلى طاعة الله وعن معاصيه. وقد عرفنا أحوال صبر كل منهم. ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا، إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي وجعلناهم من أهل رحمتنا بالنبوة، ودخول الجنة، والظفر برضانا وثوابنا؛ لأنهم من فئة الكاملي الصلاح؛ لأنهم أنبياء معصومون، وصلاحهم لا يعكره فساد. فقه الحياة أو الأحكام: هؤلاء الأنبياء الثلاثة: إسماعيل، وإدريس، وذو الكفل من الذين صبروا على أمر الله تعالى، والقيام بطاعته، واجتناب معاصيه، فكافأهم الله تعالى بنيل رضاه، ودخول جنته؛ لأنهم قوم صالحون، كاملوا الصلاح والتقوى، بعيدون عن الفساد بمظاهره المختلفة. والمراد هو التأسي والاقتداء بهم، فإنه لم يقصّ الله في قرآنه على الناس نبأ أحد من الأنبياء إلا وكان في ذلك الخير والفائدة، والعبرة والعظة، وضرب الأمثال العملية الواقعية للالتزام بأمر الله، والاستقامة في الدين والحياة. القصة الثامنة-قصة يونس ﵇ ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾

стр. 5090

الإعراب: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ منصوب بفعل مقدر، تقديره: واذكر ذا النون ﴿مُغاضِباً﴾ منصوب على الحال من ضمير ﴿ذَهَبَ﴾ وهو العامل في الحال. ﴿وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقرئ: نجي المؤمنين قال أكثر النحويين: إن هذه القراءة محمولة على إخفاء النون من ﴿نُنْجِي﴾ فتوهمه الراوي إدغاما. وأجازه آخرون على أنه فعل مبني للمجهول، على تقدير المصدر، لدلالة الفعل عليه، وإقامته مقام الفاعل، أي: نجّي النجاء المؤمنين، كقراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع المدني: ليجزي قوما أي ليجزي الجزاء قوما. المفردات اللغوية: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي واذكر صاحب الحوت وهو يونس بن متى ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً﴾ لقومه، و ﴿إِذْ﴾: بدل مما قبله، أي ذهب غضبان من قومه، مما قاسى منهم، لطول دعوتهم، وإصرارهم على الكفر، ذهب قبل أن يؤمر أو يؤذن له في الذهاب. ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي فظن أن لن نضيق عليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد ٢٦/ ١٣ وغيرها] أي ويضيق، وقوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق ٧/ ٦٥] أي ضيق أو ظن أن لن نقضي عليه بالعقوبة، من التقدير أي القضاء والحكم. أو أن يكون ذلك من باب التمثيل بمعنى: فكانت حاله ممثلة بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه، من غير انتظار لأمر الله. هذه تأويلات. ويجوز أن يكون ذلك مجرد وسوسة الشيطان، ثم يردعه ويرده بالبرهان، فسمي ظنا للمبالغة، كما قال تعالى مخاطبا المؤمنين: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب ١٠/ ٣٣]. والخلاصة: أن الظن هنا ليس حاصلا من يونس ﵇؛ لأن من ظن عجز الله تعالى فهو كافر. ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ﴾ أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة، أو ظلمات بطن الحوت والبحر والليل ﴿أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ﴾ أي بأنه لا إله إلا أنت ﴿سُبْحانَكَ﴾ تنزيها لك من أن يعجزك شيء ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لنفسي بالمبادرة إلى المهاجرة من غير إذن. جاء في الحديث الذي أخرجه البيهقي عن سعد عن النبي ﷺ : «ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له». ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ أي أجبنا له دعاءه بتلك الكلمات، بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات مكث فيها في بطنه، وقيل: ثلاثة أيام. ﴿مِنَ الْغَمِّ﴾: أي من غمه بسبب كونه في بطن الحوت، وبسبب خطيئته ﴿وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وكما أنجينا يونس ﵇ من كرب الحبس إذا دعانا، كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا.

стр. 5091

المناسبة: هذه قصة يونس ﵇، تبين مدى فضل الله وإنعامه عليه، كما أنعم على الأنبياء المتقدمين الذين ذكر قصصهم، وأجاب دعاءهم بعد الكرب والشدة، ومقاساة الأهوال، والصبر على العناء. التفسير والبيان: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً﴾ أي واذكر أيها الرسول قصة يونس بن متى ﵇ حين بعثه الله إلى أهل قرية نينوى (من أرض الموصل) وكان اسم ملكها «حزقيا» فدعاهم إلى الله تعالى وإلى توحيده وطاعته، فأبوا عليه، وتمادوا على كفرهم، فخرج من بينهم مغاضبا لهم، وأوعدهم بالعذاب بعد ثلاث. فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله ، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وسخالها، فرفع الله عنهم العذاب، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ، فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ، لَمّا آمَنُوا، كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨/ ١٠]. وأما يونس ﵇: فإنه ذهب، فركب مع قوم في سفينة، فاضطربت بهم وخافوا أن يغرقوا، فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم في البحر، للتخفيف، فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوها، فوقعت القرعة عليه أيضا فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضا، كما قال تعالى: ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات ١٤١/ ٣٧] أي وقعت عليه القرعة. فقام يونس ﵇، وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر،

стр. 5092

فأرسل الله سبحانه إليه من البحر حوتا يشق البحار، فالتقمه (١). وقوله: ﴿ذَا النُّونِ﴾ أي الحوت، صحت الإضافة إليه بهذه النسبة. وقوله: ﴿مُغاضِباً﴾ أي غضبان من قومه، لتكذيبهم إياه، وكراهيته خلف ما أوعدهم به من العذاب بعد ثلاث، لكنه لم يأتهم، لتوبتهم التي لم يعلم بها، لا كراهية لحكم الله، أو مغاضبا ربه، وإلا كان مرتكبا كبيرة لا تليق بالشخص العادي فضلا عن النبي، فهو مغاضب من أجل ربه، بدليل وصف نفسه أنه من الظالمين، وهذا رأي أكثر المفسرين. ﴿أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي نضيق عليه في بطن الحوت، ونقضي عليه بالعقوبة، من القدر والتقدير أي القضاء والحكم، كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر ١٢/ ٥٤] أي قدّر، وكان خروجه يشبه حالة الآبق. ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ﴾ أي فدعا ربه في أعماق الظلمات المتكاثفة أو من تحت الظلمات الثلاث: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل: تنزيها لك يا رب، أنت الإله وحدك لا شريك لك، تفعل ما تشاء، وتحكم ما تريد، لا يعجزك شيء في الأرض ولا في السماء. ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ نفسي بالخروج دون أمر أو إذن منك، وهذا خلاف الأولى للأنبياء، بدليل قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم ٤٨/ ٦٨]. ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أي فأجبنا له دعاءه الذي أظهر به الندم والتوبة. ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ، وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وأخرجناه من بطن

стр. 5093

الحوت وتلك الظلمات، وكما أنجيناه من الكرب والشدة، ننجي أيضا المؤمنين الصادقين إذا استغاثوا بنا، وطلبوا رحمتنا. روى البيهقي وغيره عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال: «دعوة ذي النون في بطن الحوت: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ، سُبْحانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾، لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط، إلا استجاب له» فهو قد بدأ بالتوحيد، ثم بالتنزيه والتسبيح والثناء، ثم بالاستغفار والإقرار على نفسه بالظلم أي الذنب. وروى ابن أبي حاتم عن أنس يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ : أن يونس النبي ﵇ حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات، وهو في بطن الحوت قال: اللهم، لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين فأقبلت هذه الدعوة تحت العرش، فقالت الملائكة: يا رب، صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال: أما تعرفون ذاك؟ قالوا: لا، يا رب، ومن هو؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبّل، ودعوة مجابة، قالوا: يا رب، أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء، فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى، فأمر الحوت، فطرحه في العراء. فقه الحياة أو الأحكام: أحوال الأنبياء عجائب وغرائب ومعجزات خاصة يظهرها الله على أيديهم، لا تقاس عليها إطلاقا أحوال البشر العاديين. وقصة يونس من هذه العجائب الفريدة. فقد ذهب يونس ﵇ مغاضبا من أجل الله، والمؤمن يغضب لله إذا عصي، وكانت هذه المغاضبة صغيرة في رأي القرطبي، ولم يغضب على الله، ولكن غضب لله، إذ رفع العذاب عنهم.

стр. 5094

فلا يجوز على نبي الله أن يغاضب ربه؛ لأن ذلك صفة الجاهل كون الله مالكا للأمر والنهي، والجاهل بالله لا يكون مؤمنا، فضلا على أن يكون نبيا، وإنما خرج مغاضبا من أجل ربه، أي غضب على قومه من أجل كفرهم بربه. لكن كان الأولى له أن يصابر وينتظر الإذن من الله تعالى في الهجرة عن قومه، لهذا قال تعالى: ﴿وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم ٤٨/ ٦٨] كأن الله تعالى أراد لمحمد ﷺ أفضل المنازل وأعلاها. وقال القشيري: والأظهر أن هذه المغاضبة كانت بعد إرسال الله تعالى إياه (أي يونس) وبعد رفع العذاب عن القوم بعد ما أظلهم؛ فإنه كره رفع العذاب عنهم. وظن يونس ﵇ عند ذهابه أن لا يضيق الله عليه بالحبس، أو ألا يقضي عليه بالعقوبة، من القدر الذي هو القضاء والحكم، وورد القدر بمعنى التضييق كما في الآيتين المتقدمتين: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد ٢٦/ ١٣] أي يضيق، وقوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق ٧/ ٦٥]. وورد بمعنى التقدير وهو الحكم، وليس القدرة والاستطاعة، كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر ١٢/ ٥٤]. ثم أدرك يونس وهو في ظلمات الليل والبحر وبطن الحوت أنه ظلم نفسه في الخروج من غير أن يؤذن له، أو في ترك الصبر على قومه، وليس في ذلك من الله عقوبة؛ لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا، وإنما كان ذلك تمحيصا وتعليما، وقد يؤدب من لا يستحق العقاب كالصبيان، فتضرع إلى الله وجأر إليه بالدعاء المتقدم: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ، سُبْحانَكَ.﴾. فأكرمه الله تعالى، وحماه من أن يهضم الحوت جسده، وإنما جعله له سجنا فقط، ثم أمر الحوت بإلقائه، فطرحه على ساحل البحر.

стр. 5095

جاء في الخبر: في هذه الآية شرط الله لمن دعاه أن يجيبه، كما أجابه، وينجّيه كما أنجاه. ومن فضل الله ورحمته أن هذا الإنجاء لمن استغاث بالله واستعان به ليس خاصا بيونس ﵇، وإنما هو شامل لكل المؤمنين إذا استغاثوا بالله، وطلبوا رحمته، فإن الله تعالى يخلصهم من همهم بما سبق من عملهم. وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات ١٤٤/ ٣٧]. وهذا من حفظ الله لعبده يونس رعى له حق تعبده، وحفظ له ما أسلف من الطاعة. والله يجيب دعاء الداعين في أي مكان، لذا قال ﷺ : «لا تفضلوني على يونس بن متى فإني لم أكن، وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه، وهو في قعر البحر في بطن الحوت» (١). وهذا دليل على أن الباري ليس في جهة معينة. القصة التاسعة والعاشرة-قصة زكريا ويحيى ﵉ مع قصة مريم ﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَاِبْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١)﴾

стр. 5096

الإعراب: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ ﴿وَالَّتِي﴾: منصوب بفعل مقدر، أي: واذكر التي أحصنت. ﴿آيَةً﴾ منصوب مفعول ثان بجعل. وقال: ﴿آيَةً﴾، ولم يقل: آيتين لوجهين: أحدهما-لأن التقدير: وجعلناها آية، وجعلنا ابنها آية، إلا أنه اكتفى بذكر الثاني عن ذكر الأول. والثاني-أن يكون ﴿آيَةً﴾ في تقدير التقديم، أي وجعلناها آية للعالمين وابنها، والوجه الأول أوجه. البلاغة: ﴿رَغَباً وَرَهَباً﴾ بينهما طباق. ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا﴾ نسب الروح إليه تعالى تشريفا وتكريما، مثل ﴿ناقَةُ اللهِ﴾ [الأعراف ٧٣/ ٧ ومواضع أخرى]. المفردات اللغوية: ﴿وَزَكَرِيّا﴾ أي واذكر زكريا. ﴿إِذْ نادى﴾ بدل منه، أي دعا ربه بقوله: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً﴾ أي لا تتركني وحيدا بلا ولد يرثني. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ﴾ الباقي بعد فناء خلقك، فإن لم ترزقني من يرثني، فلا أبالي. ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أي نداءه. ﴿وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أي أصلحناها للولادة، فأتت بالولد بعد عقمها. ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي المذكورين من الأنبياء ﵈. ﴿يُسارِعُونَ﴾ يبادرون. ﴿فِي الْخَيْراتِ﴾ أي الطاعات. ﴿رَغَباً﴾ في رحمتنا. ﴿وَرَهَباً﴾ من عذابنا. ﴿خاشِعِينَ﴾ متواضعين في عبادتهم. ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ﴾ أي واذكر مريم التي حفظت فرجها من أن ينال بالحلال أو الحرام. ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا﴾ أي أحيينا عيسى وأوجدناه في جوفها، ويجوز أن يراد: وفعلنا النفخ في مريم من جهة روحنا وهو جبريل ﵇، حيث نفخ في جيب درعها (قميصها) فوصل النفخ إلى جوفها. ﴿وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ هم الإنس والجن والملائكة حيث ولدته من غير رجل. ولم يقل: آيتين، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء ١٢/ ١٧] لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير فحل.

стр. 5097

المناسبة: بعد بيان النعم الخاصة بكل نبي، أبان الله تعالى ما أنعم به على زكريا ﵇ بمنحه الولد، في حال الكبر هو وزوجته، وبعد أن مسّه الضر بتفرده، فدعا ربه أن يرزقه الولد، وأحب أن يكون معه من يؤنسه ويقويه على أمر دينه ودنياه، ويقوم مقامه بعد موته. وكان دعاؤه دعاء مخلص عارف بأن الله تعالى قادر على ذلك، وإن بلغ هو وزوجته سن اليأس من الولد، بحسب العادة. قال ابن عباس ﵄: كان سنّه مائة، وسن زوجته تسعا وتسعين. ثم ذكر تعالى قصة مريم وولادتها عيسى، لما بين ولادته وولادة يحيى من الغرابة وتشابه المعجزة. وتقدمت القصتان في سورتي آل عمران ومريم. التفسير والبيان: ﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ..﴾. أي واذكر أيها الرسول خبر زكريا حين طلب أن يهبه الله ولدا، يكون من بعده نبيا، فدعا ربه خفية عن قومه قائلا: ربّ لا تتركني وحيدا، لا ولد لي ولا وارث يقوم بعدي في دعوة الناس إليك، وأنت الباقي بعد فناء خلقك، فإن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي، فإنك خير وارث. وقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ﴾ دعاء وثناء. ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى، وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أي فأجبنا نداءه ومطلبه، ووهبناه ولدا اسمه يحيى، وأصلحنا له امرأته بإزالة موانع الولادة، فولدت بعد العقم وفي حال الكبر. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ أي إن المذكورين من الأنبياء ﵈، ومنهم زكريا وزوجه كانوا يبادرون إلى طاعتنا والتقرب إلينا، أو إلى

стр. 5098

فعل الطاعات، وعمل القربات، والمراد أنهم ما استحقوا الإجابة إلى طلباتهم إلا لمبادرتهم أبواب الخير، ومسارعتهم في تحصيلها، كما يفعل الراغبون في الأمور الجادة. ﴿وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ أي ويدعوننا رغبة في رحمتنا وفضلنا، وخوفا من عذابنا وعقابنا، وكانوا لنا متواضعين متذللين. والمعنى أنهم ضموا إلى فعل الطاعات والمسارعة فيها أمرين: أحدهما-الفزع إلى الله تعالى، رغبة في ثوابه، ورهبة من عقابه. والثاني-الخشوع: وهو المخافة الثابتة في القلب، أو الخوف اللازم للقلب، لا يفارقه أبدا. روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر ﵁، ثم قال: «أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله، وتثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة؛ فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ، وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً، وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾». ثم يذكر الله تعالى قصة مريم وابنها عيسى ﵉ مقرونة بقصة زكريا وابنه يحيى ﵉، كما هو المعتاد في كلامه تعالى، فيذكر أولا قصة زكريا، ثم يتبعها بقصة مريم؛ لأن تلك مربوطة بهذه، فإنها إيجاد ولد من شيخ كبير طاعن في السن، ومن امرأة عجوز عاقر، لم تكن تلد في حال شبابها. أما قصة مريم فهي أعجب، فإنها إيجاد ولد من أنثى بلا ذكر. حدث هذا الاقتران بين القصتين في سورتي آل عمران ومريم، وهاهنا في سورة الأنبياء.

стр. 5099

﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ أي واذكر نبأ مريم التي منعت نفسها من الرجال، سواء في الحلال أو الحرام، كما حكى تعالى عنها: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٠/ ١٩] وكما قال في سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها، فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ [١٢]. ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا﴾ أي نفخنا الروح في عيسى في بطنها، أي أحييناه في جوفها. ويلاحظ أن الضمير هنا عائد إلى مريم، وليس المقصود كما هو الظاهر إحياء مريم، وإنما إحياء عيسى في جوفها. وأما في سورة التحريم فالضمير عائد إلى فرجها، أي فنفخنا في فرجها، وقرئ: فيها أي في مريم أو الحمل. وقوله: ﴿مِنْ رُوحِنا﴾ في السورتين أي من روح خلقناه بلا توسط أصل. وأضيف إلى الله تعالى تشريفا. ﴿وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أي وجعلنا أمر مريم وعيسى وهو الحمل من غير أب آية ومعجزة خارجة عن العادة، دالة على أن الله على كل شيء قدير، وأنه يخلق ما يشاء، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. ونظير الآية قوله سبحانه: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم ٢١/ ١٩] ولم يقل: آيتين؛ لأن معنى الكلام: وجعلنا شأنهما وأمرهما وقصتهما آية للعالمين، أو أن الآية واحدة وهي الولادة من غير رجل، وقوله: ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ أي الجن والإنس والملائكة. وهناك آيات أخرى لكل من مريم وعيسى، مثل إتيان الملائكة لها برزقها: ﴿يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا؟ قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [آل عمران ٣٧/ ٣]. وأما آيات عيسى فمثل إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله كما جاء في [آل عمران: الآية ٤٩].

стр. 5100

فقه الحياة أو الأحكام: إن في كلّ من قصتي زكريا وابنه يحيى ومريم وابنها عيسى آية خارقة للعادة، ومعجزة غير معتادة دالة على قدرة الله تعالى الفائقة، والشاملة لكل شيء. أما قصة زكريا فقد أكرمه الله تعالى بولادة يحيى بعد دعاء ومناجاة، وتضرع وإخلاص، وأدب وتفويض لله تعالى، وذلك في سن الكبر هو وامرأته، التي كانت عاقرا لا تلد في وقت الشباب. ووجه الآية الفريدة أن الكبير عادة لا ينجب، وأن العاقر العقيم لا يلد، فأزال الله موانع الولادة، وهيأ القدرة على الإنجاب والإخصاب عند الأب زكريا ﵇. وسبب هذه الإجابة لدعاء زكريا أنه كان كغيره من الأنبياء يبادر إلى فعل الطاعات، وعمل القربات، وأنه كان يدعو في حال الرخاء وحال الشدة، وحال الرجاء والرهبة، وأملا في رحمة الله وفضله، وخوفا من عذابه وعقابه؛ لأن الرغبة والرهبة متلازمتان. وأما قصة مريم الطاهرة البتول فقد أحصنت فرجها إحصانا كليا من الحلال والحرام جميعا، ولم يقربها رجل، وتمّ نفخ الروح في جوفها، وإيجاد عيسى بواسطة جبريل الروح القدس من غير أصل ذكر. فقوله: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا﴾ معناه أمرنا جبريل حتى نفخ في درعها أي قميصها، فأحدثنا بذلك النفخ (المسيح) في بطنها، ووصل النفخ إلى جوفها، وسرت الروح إلى فرجها، وكان ذلك آية أي علامة وأعجوبة للخلق، وعلما لنبوة عيسى، ودلالة على نفوذ قدرتنا فيما نشاء. وآيات مريم كثيرة كما تقدم:

стр. 5101

أحدها-ظهور الحمل فيها من غير ذكر. وثانيها-أن رزقها كان يأتيها به الملائكة من الجنة. وثالثها ورابعها-قال الحسن البصري: إنها لم تلتقم ثديا يوما قط، وتكلمت هي أيضا في صباها، كما تكلم عيسى ﵇ (١). وأما آيات عيسى ﵇ فقد تقدم بيانها في سورة آل عمران. وكل تلك الآيات بإذن الله وأمره، وليس للبشر فيها قدرة مع قدرة الله تعالى وتدبيره وحكمته. وحدة الرسالات السماوية والسنّة الإلهية ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤) وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاِقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ (٩٧)﴾

стр. 5102

الإعراب: ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ حال لازمة. ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾: إما زائدة، أي وحرام أنهم يرجعون، أي إلى الدنيا، وأن واسمها وخبرها خبر المبتدأ: ﴿حَرامٌ﴾. وإما غير زائدة، ويكون ﴿حَرامٌ﴾ مبتدأ، وخبره مقدر، أي: وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون كائن أو محكوم عليه، فحذف الخبر، وحذف الخبر أكثر من زيادة «لا» وهو الأوجه عند أبي علي الفارسي والزجاج. ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ.﴾. جواب ﴿إِذا﴾ إما مقدر، تقديره: قالوا: ﴿يا وَيْلَنا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا﴾، وإما أن يكون الجواب قوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ والواو زائدة، وهذا مذهب الكوفيين، وإما أن يكون الجواب قوله: ﴿فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. البلاغة: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ التفات من الخطاب إلى الغيبة كأنه ينقل عنهم ما أفسدوه إلى آخرين للتقبيح، واستعارة تمثيلية، مثل اختلافهم في الدين وتفرقهم أحزابا بالجماعة التي تتوزع الشيء أنصباء. ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ استعارة، أستعير الكفران لمنع الثواب، كما أستعير الشكر لإعطائه. ﴿يا وَيْلَنا﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي: ويقولون: يا ويلنا. ﴿فَاعْبُدُونِ﴾، ﴿راجِعُونَ﴾، ﴿كاتِبُونَ﴾ سجع لطيف. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ الأمة لغة: القوم المجتمعون على أمر، ثم شاع استعمالها في الدين أو الملة، أي إن ملة التوحيد أو الإسلام ملتكم ودينكم أيها المخاطبون، التي يجب عليكم أن تكونوا عليها. ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي ملة واحدة غير مختلفة فيما بين الأنبياء. ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ أي أنا الله لا إله غيري، فوحدوني واعبدوني لا غير. ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي جعل بعض المخاطبين أمر دينهم فيما بينهم قطعا، بمعنى أنهم تفرقوا في الدين، وتخالفوا فيه، وجعلوا أمره قطعا موزّعة بقبيح فعلهم، وهم طوائف اليهود والنصارى. ﴿كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ أي كل من الفرق المتجزئة راجعون إلينا فنجازيهم بأعمالهم. ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ أي لا جحود ولا إنكار لعمله، ولا تضييع لثوابه. ﴿وَإِنّا لَهُ

стр. 5103

كاتِبُونَ﴾ أي وإنا لسعيه مثبتون في صحيفة عمله، لا نضيع شيئا منه بوجه ما، ونأمر الحفظة بكتبه، فنجازيه عليه. ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ﴾ أي ممتنع على أهلها، غير متصور منهم. ﴿أَهْلَكْناها﴾ أي حكمنا بإهلاكها أو قدرنا هلاكها، أو وجدناها هالكة. ﴿أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿لا﴾: زائدة، أي ممنوع عليهم رجوعهم إلى التوبة أو إلى الدنيا. ﴿حَتّى﴾ غاية لامتناع رجوعهم، أي يستمر عدم الرجوع إلى قيام الساعة وظهور أماراتها وهو فتح سد يأجوج ومأجوج. ﴿إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ أي إذا فتح سدهما، وذلك قرب يوم القيامة، وهما اسمان أعجميان لقبيلتين. ﴿وَهُمْ﴾ يعني يأجوج ومأجوج، أو الناس كلهم. ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ مرتفع من الأرض. ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يسرعون أو يخرجون مسرعين، مأخوذ من نسلان الذئب، أي إسراعه. ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ أي قرب يوم القيامة. ﴿فَإِذا هِيَ﴾ أي القصة، وإذا: للمفاجاة، كقوله: ﴿إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم ٣٦/ ٣٠] وهي جواب الشرط السابق وهو ﴿حَتّى إِذا..﴾ .. ﴿شاخِصَةٌ﴾ مرتفعة أجفانها لا تكاد تنظر، من شدة الهول. ﴿يا وَيْلَنا﴾ أي يقولون: يا هلاكنا، ويا: للتنبيه. ﴿قَدْ كُنّا﴾ في الدنيا ﴿فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا﴾ اليوم، لم نعلم أنه حق ﴿بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ أنفسنا بتكذيبنا الرسل، وإخلال النظر. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن أن دين الإنسانية دين واحد، فيقول: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً..﴾. أي إن ملة التوحيد أو ملة الإسلام هي ملة واحدة وشريعة واحدة، متفق عليها بين جميع الأنبياء والشرائع، وهي التي يجب أن تكونوا عليها، فكونوا عليها أمة واحدة غير مختلفة فيما بين الأنبياء، وأنا الله الذي لا إله غيري فاعبدوني وحدي، ولا تشركوا معي شيئا آخر، من ملك أو بشر أو حجر أو شجر أو صنم. وقال في آية أخرى: ﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون ٥٢/ ٢٣]. و قال رسول الله ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد:

стр. 5104

«نحن معاشر الأنبياء أولاد علاّت (١) ديننا واحد» يعني أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له، بشرائع متنوعة لرسله، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ [المائدة ٤٨/ ٥] فليس الاختلاف في أصول العقيدة والأخلاق والفضيلة والعبادة، وإنما الاختلاف في الفروع والجزئيات والأشكال بحسب الاختلاف في الأزمنة والعصور. ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي إن الأمم اختلفت على رسلها، بين مصدق لهم ومكذب، وفرقوا أمر دينهم بينهم فرقا شتى، وهذا بطريق الالتفات إلى الغيبة للتقبيح، والأصل: وتقطعتم، كأنه ينقل عنهم ما أفسدوه إلى آخرين، ويقبّح عندهم فعلهم، ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء. والمعنى: جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا، كما تتوزع الجماعة الشيء ويقسمونه، فيصير لهذا نصيب، ولهذا نصيب، تمثيلا لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى. وهذا التفرق في أمر الدين الواحد معيب شنيع، ولهذا قال تعالى متوعدا على فعلهم: ﴿كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ أي كل فرقة منهم سيرجعون إلينا يوم القيامة، فنجازي كل واحد بحسب عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وطريق الجزاء ومنهاجه هو: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ، وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ من: للتبعيض لا للجنس إذ لا قدرة للمكلف أن يأتي بجميع الطاعات كلها، فرضها ونفلها، والمعنى: ومن يعمل عملا صالحا موافقا لمنهاج الله تعالى، وهو بقلبه ولسانه مصدق بربه ورسله، أو من يعمل شيئا من الطاعات وهو موحد مسلم، فلا تضييع لسعيه، ولا بطلان لثواب عمله، ولا جحود لعمله،

стр. 5105

أي لا يضيع جزاؤه ولا يغطى، بل يشكر أي يثاب عليه، ونوفيه الجزاء الأوفى، ولا يظلم مثقال ذرة، وإنا له مثبتون حافظون جميع عمله في صحيفته، لنجازي عليه، فلا يضيع عليه منه شيء، مهما صغر، كما قال في آيات أخرى منها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف ٣٠/ ١٨] ومنها: ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ، وَسَعى لَها سَعْيَها، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإسراء ١٩/ ١٧]. والآية دليل على أن أساس القبول والنجاة الجمع بين أن يكون الشخص مؤمنا، وبين أن يعمل الصالحات، والإيمان: يشمل العلم والتصديق بالله ورسوله، والعمل الصالح هو فعل الواجبات وترك المحظورات. والكفران: مثل في حرمان الثواب، والشكر مثل في إعطائه، والمراد من الآية ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ المراد نفي للجنس، وفيه ترغيب العباد في التمسك بطاعة الله تعالى. ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أي وممتنع على أهل قرية حكمنا بإهلاكها رجوعهم إلى التوبة أو الحياة الدنيا قبل يوم القيامة. وتكون ﴿لا﴾ زائدة للتأكيد، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس ٥٠/ ٣٦]. وقوله: ﴿حَرامٌ﴾ مستعار لمنع الوجود بحال، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الأعراف ٥٠/ ٧] أي منعهما. ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ أي يستمر عدم رجوع القوم المهلكين إلى قيام الساعة وظهور أماراتها وهو فتح سد يأجوج ومأجوج، وهما قبيلتان أو الناس جميعا، وإتيان الناس مسرعين من كل مرتفع من الأرض. ويكون المقصود من الآية الردّ على المشركين الذين ينكرون البعث والجزاء.

стр. 5106

﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ، فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي وقرب يوم القيامة إذا حصلت هذه الأهوال والزلازل والبلايا، وإذا حدث ذلك أو وقع ترى أبصار الكافرين مرتفعة الأجفان، مثبتة الحدق، جامدة لا تتحرك، لا تكاد تنظر من هول وشدة ما يشاهدونه من الأمور العظام. ﴿يا وَيْلَنا، قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا، بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ أي يقولون: يا هلاكنا، والويل: الهلاك، قد كنا في الدنيا غافلين لاهين، لم نعلم أن هذا هو الحق، وأن البعث والرجوع إلى الله للحساب والجزاء ثابت قائم، بل إننا في الواقع ظالمون لأنفسنا بتعريضها للعذاب، وهذا اعتراف صريح بظلمهم لأنفسهم، حيث لا ينفعهم ذلك. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على وحدة الرسالات السماوية في أصولها، وعلى تفرق الناس في أمر الدين، وعلى وحدة السنن الإلهية في إثابة المؤمن الصالح العمل، وتعذيب الكافر المسيء، وعلى إثبات البعث والجزاء وما يشتمل عليه من شدائد وأهوال. أما وحدة الرسالات السماوية: فالأنبياء كلهم متفقون على التوحيد، لذا وجب اتفاق البشر قاطبة على أن الإله واحد لا شريك له، وعلى وجوب إفراده بالعبادة. أما المشركون فقد خالفوا كل الأنبياء. وأما الاختلاف في الدين بين مصدق ومكذب: فهو ظاهرة شائعة، لذا نعى الله تعالى التفرق في أمر الدين، سواء المسلمين أو اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين، وذمهم لمخالفتهم الحق، وندد بغير المسلمين اتخاذهم آلهة من دون الله، فيكون المراد بقوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ جميع الخلق، بأن جعلوا أمرهم في أديانهم قطعا، وتقسموه بينهم، فمن موحّد، ومن يهودي، ومن نصراني، ومن عابد ملك أو صنم. والكل من هؤلاء الفرق المختلفة راجع إلى حكم الله فيجازيهم.

стр. 5107

روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، فهلكت سبعون وخلصت فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، فتهلك إحدى وسبعون فرقة، وتخلص فرقة واحدة، قالوا: يا رسول الله، من تلك الفرقة الناجية؟ قال: الجماعة، الجماعة، الجماعة» فتبين بهذا الخبر أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ الجماعة المتمسكة بما بينه الله تعالى في هذه السورة من التوحيد والنبوات، وأن في قول الرسول ﷺ في الناجية: إنها الجماعة، إشارة إلى أمة الإيمان. ولكن المراد بقوله: «ستفترق أمتي» أي في حال ما، وليس فيه دلالة على افتراقها في سائر الأحوال، لا يجوز أن يزيد أو ينقص (١). والقاعدة الثابتة أن من يعمل شيئا من الطاعات، فرضا أو نفلا، وهو موحد مسلم، مصدق بمحمد ﷺ ، فلا جحود ولا كفران لعمله، ولا يضيع جزاؤه، والكفر ضدّ الإيمان، وهو أيضا جحود النعمة، وهو ضد الشكر، والله حافظ لعمله، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ [آل عمران ١٩٦/ ٣] أي كل ذلك محفوظ ليجازى به. وفي هذا ترغيب الناس بطاعة الله تعالى. ومن القواعد والسنن الثابتة الجارية على منهاج واحد أنه ممتنع على أهل قرية أهلكهم الله أن يرجعوا بعد الهلاك إلى الدنيا، وهذا على أن ﴿لا﴾ زائدة. والراجح عند أبي علي الفارسي والزجاج أن ﴿لا﴾ غير زائدة، إذ لا فائدة في أن المراد: وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا إلى الدنيا، وإنما في الكلام إضمار، أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها أو بالختم على قلوبها أن يتقبل منهم؛ لأنهم لا يرجعون، أي لا يتوبون. وهذا هو الأولى عندي.

стр. 5108

ويظل المنع من رجوعهم إلى فتح سد يأجوج ومأجوج، وهم الناس جميعا، أو هم يأجوج ومأجوج، وهو الأظهر في رأي القرطبي، وإلى خروج الناس من قبورهم مقبلين من كل حدب (مرتفع من الأرض)، وذلك يحصل عند قيام الساعة (القيامة) وهذا دليل على إثبات النشر والحشر. ثم أثبت الله تعالى البعث والجزاء بقوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ وما يتعرض له الكفار من أهوال وشدائد تشخص منها أبصارهم، أي ترتفع من هول القيامة لا تكاد تطرف، ويقولون: يا ويلنا ويا هلاكنا إنا كنا ظالمين بمعصيتنا، ووضعنا العبادة في غير موضعها. أحوال الكافرين والمؤمنين في الآخرة وحال السماء فيها ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اِشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦)﴾

стр. 5109

الإعراب: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ الكاف في موضع نصب؛ لأنها صفة مصدر محذوف، أي نطوي السماء طيّا كطي السجل، فحذف الموصوف وأقام صفته مقامه، والمصدر مضاف إلى المفعول إذا كان بمعنى المكتوب فيه وهو الصحيفة، أي كما يطوى السجل. وللكتاب: أي للكتابة، كقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران ٤٨/ ٣]. ﴿وَعْداً عَلَيْنا﴾ منصوب بوعدنا المقدر قبله، وهو مؤكد لمضمون ما قبله. البلاغة: ﴿نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ فيه تشبيه مرسل مفصل، أي نطوي السماء طيا مثل طيّ الصحيفة على ما كتب فيها. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي إنكم أيها الكفار والمشركون وما تعبدونه من الأوثان من غير الله ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ما يرمى به إليها من حطب ووقود. ﴿وارِدُونَ﴾ داخلون فيها. ﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً﴾ لو كان هؤلاء الأوثان آلهة كما زعمتم. ﴿ما وَرَدُوها﴾ دخلوها؛ لأن المؤاخذ المعذّب لا يكون إلها. ﴿وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ كل من العابدين والمعبودين خالدون دائمون في جهنم. ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ﴾ أي للعابدين في جهنم أنين وتنفس شديد يخرج من أقصى الجوف. ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ شيئا لشدة غليانها. ﴿الْحُسْنى﴾ المنزلة الحسنى أو الكلمة الحسنى التي تبشر بثوابهم الحسن على أعمالهم. ﴿حَسِيسَها﴾ صوتها الذي يحس من حركتها. ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ﴾ من النعيم. ﴿خالِدُونَ﴾ دائمون في غاية التنعم، وتقديم الظرف للاختصاص والاهتمام به. ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ النفخة الثانية أو الأخيرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل ٨٧/ ٢٧] وقيل: هو الانصراف إلى النار وهو أن يؤمر بالعبد إلى النار، وقيل: حين يطبق على النار، أو حين يذبح الموت على صورة كبش أملح. ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ تستقبلهم الملائكة مهنئين عند خروجهم من القبور. ﴿هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي ويقولون لهم: هذا اليوم الذي كنتم توعدون به في الدنيا. ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ أي اذكر يوم الطي: وهو ضد النشر. ﴿السِّجِلِّ﴾ الصحيفة المكتوب فيها. ﴿لِلْكُتُبِ﴾ للكتابة فيها. ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ أي من عدم. ﴿نُعِيدُهُ﴾ بعد إعدامه. ﴿وَعْداً﴾ منصوب ب ﴿نُعِيدُهُ﴾، أو بفعل مقدر تأكيدا ل ﴿نُعِيدُهُ﴾ أي وعدناه وعدا. ﴿عَلَيْنا﴾ أي علينا إنجازه. ﴿إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ ما وعدنا ذلك لا محالة.

стр. 5110

﴿الزَّبُورِ﴾ كتاب داود. ﴿الذِّكْرِ﴾ أي التوراة، أو جنس الكتب المنزلة، أو اللوح المحفوظ. ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾ أرض الجنة. ﴿عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ أي عامة المؤمنين أو كل صالح. ﴿إِنَّ فِي هذا﴾ القرآن أو ما ذكرناه من الأخبار والمواعظ والمواعيد. ﴿لَبَلاغاً﴾ كفاية في دخول الجنة. ﴿لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ أي همهم العبادة دون العادة. سبب النزول: نزول الآية (١٠١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾: أخرج الحاكم عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ قال ابن الزّبعرى: عبد الشمس والقمر والملائكة وعزير، فكل هؤلاء في النار مع آلهتنا، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ونزلت: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، وَقالُوا: أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً، بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف ٥٧/ ٤٣ - ٥٨]. المناسبة: بعد بيان أحوال أهل النار وأهل الجنة، واقتراب الساعة، ذكر الله تعالى حال العابدين والمعبودين من دون الله، وأنهم سيكونون وقود جهنم، باستثناء أهل السعادة أو البشرى بالثواب. التفسير والبيان: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ.﴾. إنكم أيها المشركون بالله من عبدة الأصنام والأوثان وما تعبدون من غير الله، وقود جهنم، أنتم جميعا داخلون فيها، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ [البقرة ٢٤/ ٢]. ويشمل ما يعبدون من دون الله الأصنام وإبليس وأعوانه؛ لأنهم بطاعتهم

стр. 5111

لهم، واتباعهم خطواتهم في حكم عبدتهم. ولا تشمل هذه الآية عزيرا والمسيح والملائكة؛ لأن قوله: ﴿إِنَّكُمْ﴾ خطاب مشافهة مع مشركي قريش، وهم كانوا يعبدون الأصنام فقط، ولأنه تعالى لم يقل: (ومن تعبدون) بل قال: ﴿وَما تَعْبُدُونَ﴾ وكلمة ﴿ما﴾ لا تتناول العقلاء، فسقط سؤال ابن الزبعرى، كما أبان الرازي (١). وأما قوله تعالى: ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ [الشمس ٥/ ٩١] وقوله: ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون ٢/ ١٠٩] فهو محمول على الشيء، ونظيره هاهنا أن يقال: إنكم والشيء الذي تعبدون من دون الله، لكن لفظ الشيء لا يفيد العموم، فلا يرد سؤال ابن الزبعرى. ويتضح سبب النزول المتقدم ودخول الشياطين في المعبودين بما يأتي: روى محمد بن إسحاق في سيرته: «أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، وصناديد قريش في الحطيم (٢)، وحول الكعبة ثلاث مائة وستون صنما، فجلس إليهم، فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الآية، فأقبل عبد الله بن الزّبعرى، فرآهم يتهامسون، فقال فيم خوضكم؟ فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول الله، فقال عبد الله: أما والله، لو وجدته لخصمته، فدعوه، فقال ابن الزّبعرى: أأنت قلت ذلك؟ قال: نعم، قال: قد خصمتك وربّ الكعبة، أليس اليهود عبدوا عزيرا، والنصارى عبدوا المسيح، وبنو مليح عبدوا الملائكة؟ فقال ﷺ : بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ الآية، يعني عزيرا والمسيح والملائكة ﵈.

стр. 5112

وأما سبب إدخال المعبودين في النار: فهو كما أبان الزمخشري (١) ليزداد العابدون بهم غمّا وحسرة، وليكونوا أبغض شيء لديهم بعد أن اتخذوهم في الدنيا شفعاء لهم في الآخرة. ثم ذكر تعالى دليل كون المعبودين غير آلهة فقال: ﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها﴾ أي لو كان هؤلاء الأصنام وأشباههم آلهة صحيحة تنفع وتضر كما يظن العابدون ما دخلوا النار، إذ لو كانت تنفع وتضر لأبعدت الضر عن نفسها، فهي جديرة بالهجرة والإهانة. ﴿وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ أي وكل من هؤلاء الآلهة المعبودين دائمون في عذاب النار، لا مخرج لهم منها. ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ أي ولهم في النار من شدة العذاب وشدة الكرب والغم أنين وتنفس شديد يخرج من أقصى الجوف، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود ١٠٦/ ١٠] وهم لا يسمعون فيها ما يسرهم أو ينفعهم، بل يسمعون صوت من يتولى تعذيبهم من الزبانية. وبعد بيان أحوال أهل النار، ذكر الله تعالى أحوال السعداء من المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ أي إن الذين سبقت لهم من الله السعادة، وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، فهم مبعدون عن دخول النار، وهم في الجملة: أهل السعادة أو البشرى بالثواب، أو التوفيق للطاعة، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس ٢٦/ ١٠]. يروى أن عليا ﵁ قرأ هذه الآية، ثم قال: أنا منهم، وأبو بكر،

стр. 5113

وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، ثم أقيمت الصلاة، فقام يجرّ رداءه، وهو يقول: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾. وأوضاع نعيمهم هي: ١ - ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ أي لا يسمعون صوت النار، وحريقها في الأجساد، ولا يصيبهم شررها. ٢ - ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ﴾ أي وهم ماكثون أبدا فيما يشتهونه من نعيم الجنة ولذائذها. والشهوة: طلب النفس اللذة. ٣ - ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ لا يخيفهم هول النفخة الثانية أو الأخيرة بعد قيامهم من قبورهم للحساب، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ [النمل ٨٧/ ٢٧]. وقيل بغير ذلك كما تقدم في بيان المفردات. والأصح: أنه أهوال يوم القيامة والبعث. ٤ - ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ: هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي وتستقبلهم الملائكة تقول لهم وتبشرهم يوم معادهم إذا خرجوا من قبورهم: هذا يومكم الذي وعدتم به في الدنيا، يوم المسرة والكرامة والمثوبة والحسنى. وذلك التلقي والاستقبال هو كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ أي لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء، أو تتلقاهم الملائكة يوم نطوي السماء يوم القيامة كما يطوى السجل، أي الصحيفة للكتابة فيه، وهذا موقف آخر فيه روع وخوف وحيرة، كما قال تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر ٦٧/ ٣٩]. ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أي أن هذا الطي

стр. 5114

كائن لا محالة يوم يعيد الله الخلائق بالبعث خلقا جديدا، كما بدأهم في المرة الأولى، وهو القادر على إعادتهم، وذلك وعد الله الذي لا يخلف، والله تعالى فاعله حتما، فهو واجب الوقوع، ولا بدّ من تحققه؛ لأنه قادر عليه. وقوله: ﴿إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أي قادرين على أن نفعل ذلك. ونظير الآية: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ٩٤/ ٦]، وقوله: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف ٤٨/ ١٨]. ثم أخبر الله تعالى عما قضاه لعباده الصالحين من السعادة في الدنيا والآخرة، ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ.﴾. أي ولقد قضينا قضاء محتما في كتاب الزبور بعد التوراة أو القرآن أن وراثة الأرض في الدنيا والآخرة لا تكون إلا للعباد الصالحين وهم المؤمنون العاملون بطاعة الله تعالى. والذّكر: التوراة، وقال ابن عباس: القرآن، وقيل: إنه أم الكتاب يعني اللوح المحفوظ، فهو اسم لجنس ما أنزل على الأنبياء من الكتب. والأرض: إما أرض الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ [الزمر ٧٤/ ٣٩]. وإما أرض الدنيا، وأهلها الصالحون لعمارتها، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور ٥٥/ ٢٤]، وقال سبحانه: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا، إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ، يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨/ ٧]. وإما الأرض المقدسة يرثها الصالحون، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف ١٣٧/ ٧].

стр. 5115

﴿إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ أي إن في هذا المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة البلاغ أي الكفاية والمنفعة لقوم عابدين: وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحبّه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان وشهوات أنفسهم. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إن المشركين بالله والآلهة التي عبدوها من دون الله من الأصنام والأوثان والشياطين وقود جهنم، هم جميعا داخلون فيها، إظهارا لعدم فائدة عبادتها، وزيادة لعابديها في الغم والحسرة، وإيجاد الكراهية الشديدة لها، وإمعانا في السخرية منهم ومن عبادتهم، وإقامة الحجة القاطعة على قدرة الله الشاملة لكل شيء. وقد استدل الأصوليون بقوله تعالى: ﴿وَما تَعْبُدُونَ﴾ على القول بالعموم وأن له صيغا مخصوصة بدليل الاستثناء منها. ٢ - الدليل على إبطال صفة الألوهية لتلك الآلهة المزعومة أنه لو كانت الأصنام وأمثالها آلهة لما ورد عابدوها النار، ولما خلدوا هم والمعبودون فيها. ٣ - أحوال المعذبين النفسية في النار غريبة وشديدة، فلهؤلاء الذين وردوا النار من الكفار والشياطين زفير: وهو صوت المغموم الذي يخرج من القلب، ولا يسمعون ما يسرهم، بل ما يسوؤهم من أصوات الزبانية الذين يتولون تعذيبهم. ٤ - إن أهل السعادة والتوفيق للطاعة والبشرى بالثواب مبعدون عن دخول النار.
следующие страницы →