لهم، واتباعهم خطواتهم في حكم عبدتهم. ولا تشمل هذه الآية عزيرا والمسيح والملائكة؛ لأن قوله: ﴿إِنَّكُمْ﴾ خطاب مشافهة مع مشركي قريش، وهم كانوا يعبدون الأصنام فقط، ولأنه تعالى لم يقل: (ومن تعبدون) بل قال: ﴿وَما تَعْبُدُونَ﴾ وكلمة ﴿ما﴾ لا تتناول العقلاء، فسقط سؤال ابن الزبعرى، كما أبان الرازي (١). وأما قوله تعالى: ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ [الشمس ٥/ ٩١] وقوله:
﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون ٢/ ١٠٩] فهو محمول على الشيء، ونظيره هاهنا أن يقال: إنكم والشيء الذي تعبدون من دون الله، لكن لفظ الشيء لا يفيد العموم، فلا يرد سؤال ابن الزبعرى.
ويتضح سبب النزول المتقدم ودخول الشياطين في المعبودين بما يأتي:
روى محمد بن إسحاق في سيرته: «أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، وصناديد قريش في الحطيم (٢)، وحول الكعبة ثلاث مائة وستون صنما، فجلس إليهم، فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الآية، فأقبل عبد الله بن الزّبعرى، فرآهم يتهامسون، فقال فيم خوضكم؟ فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول الله، فقال عبد الله: أما والله، لو وجدته لخصمته، فدعوه، فقال ابن الزّبعرى: أأنت قلت ذلك؟ قال: نعم، قال: قد خصمتك وربّ الكعبة، أليس اليهود عبدوا عزيرا، والنصارى عبدوا المسيح، وبنو مليح عبدوا الملائكة؟ فقال ﷺ : بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ الآية، يعني عزيرا والمسيح والملائكة ﵈.
стр. 5112
وأما سبب إدخال المعبودين في النار: فهو كما أبان الزمخشري (١) ليزداد العابدون بهم غمّا وحسرة، وليكونوا أبغض شيء لديهم بعد أن اتخذوهم في الدنيا شفعاء لهم في الآخرة.
ثم ذكر تعالى دليل كون المعبودين غير آلهة فقال:
﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها﴾ أي لو كان هؤلاء الأصنام وأشباههم آلهة صحيحة تنفع وتضر كما يظن العابدون ما دخلوا النار، إذ لو كانت تنفع وتضر لأبعدت الضر عن نفسها، فهي جديرة بالهجرة والإهانة.
﴿وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ أي وكل من هؤلاء الآلهة المعبودين دائمون في عذاب النار، لا مخرج لهم منها.
﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ أي ولهم في النار من شدة العذاب وشدة الكرب والغم أنين وتنفس شديد يخرج من أقصى الجوف، كما قال تعالى:
﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود ١٠٦/ ١٠] وهم لا يسمعون فيها ما يسرهم أو ينفعهم، بل يسمعون صوت من يتولى تعذيبهم من الزبانية.
وبعد بيان أحوال أهل النار، ذكر الله تعالى أحوال السعداء من المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ أي إن الذين سبقت لهم من الله السعادة، وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، فهم مبعدون عن دخول النار، وهم في الجملة: أهل السعادة أو البشرى بالثواب، أو التوفيق للطاعة، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس ٢٦/ ١٠].
يروى أن عليا ﵁ قرأ هذه الآية، ثم قال: أنا منهم، وأبو بكر،
стр. 5113
وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، ثم أقيمت الصلاة، فقام يجرّ رداءه، وهو يقول: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾.
وأوضاع نعيمهم هي:
١ - ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ أي لا يسمعون صوت النار، وحريقها في الأجساد، ولا يصيبهم شررها.
٢ - ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ﴾ أي وهم ماكثون أبدا فيما يشتهونه من نعيم الجنة ولذائذها. والشهوة: طلب النفس اللذة.
٣ - ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ لا يخيفهم هول النفخة الثانية أو الأخيرة بعد قيامهم من قبورهم للحساب، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ [النمل ٨٧/ ٢٧]. وقيل بغير ذلك كما تقدم في بيان المفردات. والأصح: أنه أهوال يوم القيامة والبعث.
٤ - ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ: هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي وتستقبلهم الملائكة تقول لهم وتبشرهم يوم معادهم إذا خرجوا من قبورهم: هذا يومكم الذي وعدتم به في الدنيا، يوم المسرة والكرامة والمثوبة والحسنى.
وذلك التلقي والاستقبال هو كما قال تعالى:
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ أي لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء، أو تتلقاهم الملائكة يوم نطوي السماء يوم القيامة كما يطوى السجل، أي الصحيفة للكتابة فيه، وهذا موقف آخر فيه روع وخوف وحيرة، كما قال تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر ٦٧/ ٣٩].
﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أي أن هذا الطي
стр. 5114
كائن لا محالة يوم يعيد الله الخلائق بالبعث خلقا جديدا، كما بدأهم في المرة الأولى، وهو القادر على إعادتهم، وذلك وعد الله الذي لا يخلف، والله تعالى فاعله حتما، فهو واجب الوقوع، ولا بدّ من تحققه؛ لأنه قادر عليه. وقوله:
﴿إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أي قادرين على أن نفعل ذلك.
ونظير الآية: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ٩٤/ ٦]، وقوله: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف ٤٨/ ١٨].
ثم أخبر الله تعالى عما قضاه لعباده الصالحين من السعادة في الدنيا والآخرة، ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة، فقال:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ.﴾. أي ولقد قضينا قضاء محتما في كتاب الزبور بعد التوراة أو القرآن أن وراثة الأرض في الدنيا والآخرة لا تكون إلا للعباد الصالحين وهم المؤمنون العاملون بطاعة الله تعالى.
والذّكر: التوراة، وقال ابن عباس: القرآن، وقيل: إنه أم الكتاب يعني اللوح المحفوظ، فهو اسم لجنس ما أنزل على الأنبياء من الكتب.
والأرض: إما أرض الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ [الزمر ٧٤/ ٣٩]. وإما أرض الدنيا، وأهلها الصالحون لعمارتها، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور ٥٥/ ٢٤]، وقال سبحانه: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا، إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ، يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨/ ٧]. وإما الأرض المقدسة يرثها الصالحون، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف ١٣٧/ ٧].
стр. 5115
﴿إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ أي إن في هذا المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة البلاغ أي الكفاية والمنفعة لقوم عابدين: وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحبّه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان وشهوات أنفسهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إن المشركين بالله والآلهة التي عبدوها من دون الله من الأصنام والأوثان والشياطين وقود جهنم، هم جميعا داخلون فيها، إظهارا لعدم فائدة عبادتها، وزيادة لعابديها في الغم والحسرة، وإيجاد الكراهية الشديدة لها، وإمعانا في السخرية منهم ومن عبادتهم، وإقامة الحجة القاطعة على قدرة الله الشاملة لكل شيء.
وقد استدل الأصوليون بقوله تعالى: ﴿وَما تَعْبُدُونَ﴾ على القول بالعموم وأن له صيغا مخصوصة بدليل الاستثناء منها.
٢ - الدليل على إبطال صفة الألوهية لتلك الآلهة المزعومة أنه لو كانت الأصنام وأمثالها آلهة لما ورد عابدوها النار، ولما خلدوا هم والمعبودون فيها.
٣ - أحوال المعذبين النفسية في النار غريبة وشديدة، فلهؤلاء الذين وردوا النار من الكفار والشياطين زفير: وهو صوت المغموم الذي يخرج من القلب، ولا يسمعون ما يسرهم، بل ما يسوؤهم من أصوات الزبانية الذين يتولون تعذيبهم.
٤ - إن أهل السعادة والتوفيق للطاعة والبشرى بالثواب مبعدون عن دخول النار.
стр. 5116
وأحوالهم سارة، فهم لا يسمعون حسّ النار وحركة لهبها وحريقها الأجساد، ويتمتعون بنحو دائم فيما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، كما قال تعالى:
﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ، وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١/ ٤١].
ولا يحزنهم الفزع الأكبر الذي يصيب غيرهم وهو أهوال يوم القيامة والبعث، وتستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يهنئونهم ويقولون لهم: ﴿هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فما أجمل هذا الاستقبال والترحاب الحار الصادق، وما أحسنه اطمئنانا وإسعادا للنفس!! ٥ - الثابت في هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ وغيرها على أن السموات والأرض تتبدل يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨/ ١٤].
٦ - والثابت أيضا أن الله تعالى سيحشر الناس من قبورهم ويعيدهم خلقا جديدا أحياء، كما خلقهم في المرة الأولى يوم بدئوا بالخلق في البطون.
روى النسائي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلا-غير مختونين-أوّل الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇، ثم قرأ:
﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾».
وأخرجه مسلم أيضا عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: «يا أيها الناس، إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَعْداً عَلَيْنا، إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇».
٧ - المقرر في جميع الكتب السماوية المنزلة أن أرض الجنة في الآخرة، وكذا الأرض في الدنيا-كما يفهم من إطلاق الآية-يرثها عباد الله الصالحون.
والصالحون للآخرة هم المؤمنون العاملون بطاعة الله، والصالحون للدنيا: من يصلح لعمارتها والقيام بحقها.
стр. 5117
٨ - إن في هذا القرآن الذي أنزله الله على عبده محمد ﷺ لبلاغا لقوم عابدين أي لمنفعة وكفاية للذين عبدوا الله بما شرعه وأحبه ورضيه، وآثروا طاعته على كل شيء.
نبي الرحمة المهداة
﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) قالَ رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢)﴾
الإعراب:
﴿عَلى سَواءٍ﴾ إما منصوب على أنه صفة مصدر محذوف، وتقديره: آذنتكم إيذانا على سواء، وإما في موضع نصب على الحال من الفاعل والمفعول في ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ وهما التاء والكاف والميم، مثل قول الشاعر:
«فلئن لقيتك خاليين لتعلمن» فنصب خاليين على الحال من ضمير الفاعل والمفعول في «لقيتك».
البلاغة:
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ استفهام يراد به الأمر، أي أسلموا كما في الآية المتقدمة: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ أي فاشكروا [الأنبياء ٨٠/ ٢١].
стр. 5118
المفردات اللغوية:
﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أي وما أرسلناك يا محمد إلا للرحمة بالعالمين: الإنس والجن؛ لأن ما بعثت به سبب لإسعادهم، وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم.
﴿قُلْ: إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي ما يوحى إلى في أمر الإله إلا وحدانيته، فهو الإله الواحد؛ لأن المقصود الأصلي من بعثته مقصور على التوحيد، فكلمة ﴿إِنَّما﴾ الأولى لقصر الحكم على الشيء، والثانية على العكس. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ منقادون خاضعون لما يوحى إلي من وحدانية الإله. والاستفهام بمعنى الأمر، أي أسلموا وأخلصوا العبادة لله تعالى على مقتضى الوحي.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن ذلك. ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ أعلمتكم ما أمرت به، وكثر استعماله في الإنذار، كما قال تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٩/ ٢].
﴿عَلى سَواءٍ﴾ أي مستوين في علمه، أي أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به أو في الحرب والمعاداة. ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ أي ما أدري. ﴿ما تُوعَدُونَ﴾ من العذاب أو من غلبة المسلمين عليكم أو من القيامة والحشر، فذلك كائن لا محالة، وإنما يعلمه الله. ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ﴾ إنه تعالى. ﴿الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي ومن الفعل، منكم ومن غيركم من الطعن في الإسلام. ﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ أي وما أدري لعل تأخير عذابكم استدراج لكم، وزيادة في الامتحان والاختبار. ﴿لَكُمْ﴾ ليرى كيف صنعكم. ﴿وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ وتمتع إلى أجل مقدر تقتضيه مشيئته.
﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي اقض بيني وبين مكذبيّ كأهل مكة بالعدل، أي بتعجيل العذاب لهم أو النصر عليهم، فعذبوا ببدر وأحد وحنين والأحزاب أو الخندق، ونصره الله عليهم. ﴿تَصِفُونَ﴾ أي أن الله هو كثير الرحمة على خلقه، المطلوب منه المعونة على ما تصفون من الحال بأن الشوكة تكون لهم، وبكذبكم على الله باتخاذه ولدا، وعلي بأني ساحر، وعلى القرآن بأنه شعر.
المناسبة:
بعد بيان قصص الأنبياء المتقدمين عليهم، وبعد الاعلام بأن القرآن بلاغ ومنفعة وكفاية للعابدين، أخبر الله تعالى عن سبب بعثة النبي ﷺ وهو أنه رحمة للعالمين في الدين والدنيا، أما في الدين فبتخليصهم من الجاهلية والضلالة، وأما في الدنيا فبالتخليص من كثير من الذل والقتال والحروب، والنصر والعلو ببركة دينه. وأما مجيئه بالسيف أيضا فهو لتأديب من استكبر وعاند، ولم يتفكر ولم يتدبر، كما أن الله رحمن رحيم، وهو أيضا منتقم من العصاة.
стр. 5119
التفسير والبيان:
﴿وَما أَرْسَلْناكَ.﴾. أي وما أرسلناك يا محمد بشريعة القرآن وهديه وأحكامه إلا لرحمة جميع العالم من الإنس والجن في الدنيا والآخرة، فمن قبل هذه الرحمة، وشكر هذه النعمة، سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردّها وجحدها، خسر الدنيا والآخرة. وقيل: كونه رحمة للكفار: أنهم أمنوا به من الخسف والمسخ وعذاب الاستئصال.
قال تعالى مبينا خسارة الجاحدين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً، وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ [إبراهيم ٢٨/ ١٤ - ٢٩].
وقال سبحانه في صفة القرآن: ﴿قُلْ: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٤٤/ ٤١]. وقال ﷺ -فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: «إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة» ورواه الحاكم بلفظ: «إنما أنا رحمة مهداة».
ثم أمر الله رسوله أن يقول للمشركين بما يكون إعذارا وإنذارا في مجاهدتهم:
﴿قُلْ: إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي قل يا محمد لمشركي مكة ولكل إنسان: ما يوحى إلي شيء في شأن الإله إلا أنه إله واحد لا شريك له، فاعبدوه وحده، وأسلموا له وانقادوا، وأطيعوني واتبعوني على ذلك.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا، فَقُلْ: آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ﴾ أي فإن أعرضوا وتركوا ما دعوتهم إليه، فقل: أعلمتكم أني حرب لكم، كما أنكم حرب لي، وأنا بريء منكم، كما أنتم برآء مني، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ: لِي عَمَلِي، وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس ٤١/ ١٠]، وقوله سبحانه:
﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال ٥٨/ ٨] أي ليكن
стр. 5120
علمك وعلمهم بنبذ العهد على السواء، وهذا معنى الآية هنا ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ﴾ أي أعلمتكم ببراءتي منكم، وبراءتكم مني، لعلمي بذلك، وقد استوينا في هذا العلم.
﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ أي إن ما توعدون من العذاب وغلبة المسلمين عليكم واقع كائن لا محالة، ولكن لا علم لي بقربه ولا ببعده.
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ، وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ أي إن الله يعلم الغيب جميعه، ويعلم ما يظهره العباد وما يسرون، يعلم ما تجهرون به من الطعن في الإسلام، وما تضمرونه من الحقد والكيد على المسلمين، وسيجزيكم على قليل ذلك وكثيره.
﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ أي وما أدري لعل تأخير العذاب عنكم ابتلاء واختبار لكم، وتمتع بلذات الدنيا إلى أجل مسمى، لينظر كيف تعملون.
﴿قالَ: رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي قال النبي: ربنا افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالحق والعدل، فقولك الحق، وأنت الحق، ووعدك الحق، وحكمك بالحق، ولا تحب إلا الحق. قال قتادة: كانت الأنبياء ﵈ يقولون:
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ [الأعراف ٨٩/ ٧] وأمر رسول الله ﷺ أن يقول ذلك.
وروى مالك عن زيد بن أسلم: كان رسول الله ﷺ إذا شهد غزاة قال: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾.
﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ أي والله ربنا هو المطلوب منه العون على ما تصفون من الشرك والكفر، والكذب والباطل، وهو القول: بأن لله ولدا، وأني ساحر شاعر، وأن القرآن شعر، وعلى ما تطمعون أن تكون الشوكة والغلبة لكم.
стр. 5121
والاحتكام إلى الله إنذار وإظهار للحق، وتوعد للكفار، وتهديد بالهزيمة والاندحار أمام جند الإيمان وأنصار الحق.
فقه الحياة أو الأحكام:
في اختتام سورة الأنبياء بهذه الآيات دلالات ظاهرة وحجة بينة على الحق الأبلج وهي:
١ - إن رسول الله ﷺ خاتم النبيين الذي توج الله برسالته رسالات الأنبياء المتقدمين رحمة لجميع الناس، فمن آمن به، وصدّق بدعوته، سعد، ومن لم يؤمن به سلم في الدنيا مما لحق الأمم من الخسف والمسخ والغرق وعذاب الاستئصال، وخسر الآخرة خسرانا مبينا.
٢ - جميع رسالات الأنبياء ورسالة خاتمهم أيضا لا يوحى فيها شيء في شأن الإله إلا التوحيد والوحدانية، فلا يجوز الإشراك به، فهل أنتم أيها البشر قاطبة منقادون لتوحيد الله تعالى، أي فأسلموا تسلموا.
٣ - إن أعرض المشركون والكفار عن رسالة الإسلام فقد تمّ إنذارهم وإعذارهم، وتمّ إعلامهم ألاّ لقاء بين الإيمان والكفر، وألاّ صلح بين المسلمين والكفار، وأن الحرب والعداوة مستمرة بين الفريقين، ولكن لا يشترط أن تكون حربا مستعرة وقتالا دائرا، وإنما ذلك إعلان قاطع عما يكنّ في أصائل قلوب المؤمنين من إنكار قلبي لمختلف ألوان الكفر، دون مهادنة ولا رضا، ولا إقرار لأي شيء من أوضاع الكفر الفاسدة.
٤ - إن أجل العذاب ويوم القيامة لا يدريه أحد، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرّب.
٥ - الله تعالى عالم الغيب والشهادة، والسر والجهر، والباطن والظاهر
стр. 5122
يعلم مطاعن الكفار بالإسلام، ومكائدهم وأحقادهم على المسلمين وشركهم وكفرهم، وسيجزيهم على ما يصدر منهم من صغير أو كبير.
وربما كان الإمهال بالعذاب اختبارا ليرى ما يصنعون، والله أعلم بما يفعلون، وربما كان عدلا وفضلا تأخير العذاب ليتمتع الكفار بلذائذ وشهوات الدنيا، ثم يحرموا منها في الآخرة.
٦ - عقيدة المؤمن الصادق الإيمان لها محوران في أزمات الاحتكاك مع الكفار، المحور الأول-هو تفويض الأمر إلى الله وتوقع الفرج من عنده، وهذا ما أمر به الله تعالى نبيه ﷺ بقوله: ﴿قالَ: رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي احكم بيني وبين هؤلاء المكذبين وانصرني عليهم. والمحور الثاني-هو الاستعانة بالله القوي الغالب، وهذا ما ختمت به السورة: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ أي ما تصفونه من الكفر والتكذيب، والطمع في الغلبة على أهل الإيمان.
٧ - يقوم شرع الله ودينه على عقيدة التوحيد الخالص من شوائب الشرك، وعلى العدل والقسط، فالله سبحانه يقضي بالحق، وينصر أهل الحق والإيمان بالله، ويخذل الظلمة والكفار، ويدحر الظلم وأهله، ويعين المظلوم، وينصر الضعيف، وينتصف للفقير من الغني، ويسوي بين الخصمين، ولو كان أحدهما مسلما والآخر كافرا، ويدعو إلى الرحمة والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وهذه هي أصول الحضارة الصحيحة، ونواة (الديمقراطية) السديدة، فلا تعصب فيه، ولا ظلم، ولا جهل، ولا فوضى، وإنما العلم والمعرفة والوعي منهاج الحياة الإسلامية، وطريق الدعوة القرآنية، ومصباح العالم كله.
стр. 5123
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الحج
مدنية، وهي ثمان وسبعون آية.
تسميتها:
سميت سورة الحج لإعلان فريضة الحج فيها على الناس، على لسان إبراهيم الخليل ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ﴾ بعد بناء البيت العتيق، فأذن، فبلغ صوته أنحاء الأرض، وأسمع النطف في الأصلاب والأجنة في الأرحام، وأجابوا النداء: «لبيك اللهم لبيك».
صلتها بما قبلها:
هناك تناسب وارتباط بين بداية هذه السورة، وخاتمة السورة السابقة، فقد ختم الله سورة الأنبياء ببيان اقتراب الساعة ووصف أهوالها في قوله:
﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ، فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وافتتح هذه السورة بقوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ﴾.
وفي السورة المتقدمة بيان قصص أكثر من عشرة من الأنبياء تدور على ما قاموا به من إثبات توحيد الله، ونبذ الشرك، والإيمان بالبعث، وفي هذه السورة استدلال بخلق الإنسان بأطواره المتعددة وبإبداع السموات والأرض على قدرة الله على إحياء البشر للبعث، وعلى وجوده تعالى ووحدانيته، ثم تنبيه الأفكار على الالتفات لأحوال أهل القرى الظالمة التي أهلكها الله، والاتعاظ بها بسبب تكذيبهم الرسل.
стр. 5124
مشتملاتها:
بالرغم من أن هذه السورة مدنية تضمنت الكلام عن فرضية الحج ومناسكه، وعن مشروعية القتال ومقومات النصر، فإنها تحدثت عن أمور مشابهة لموضوعات السور المكية من الإيمان بالله وتوحيده، والبعث والاستدلال عليه، والجزاء على الأعمال.
افتتحت السورة بما يهز المشاعر، وينشر الرعب والخوف من أهوال الساعة، وشدائد يوم القيامة.
ثم انتقلت إلى بيان أدلة البعث، وإتيان القيامة، وبيان بعض مشاهدها من جعل الأبرار في دار النعيم، وزجّ الكفار في نار الجحيم، وإعلان خسارة المنافقين المضطربين الذين لا يعرف لهم قرار ولا اتجاه. ثم أبانت حرمة المسجد الحرام، وفرضية الحج ومنافعه، وحرماته وشعائره، ومناسكه وذبائحه، وأردفت ذلك بالحديث المقنع عن أسباب فرضية القتال، ومقومات النصر على الأعداء، مع تسلية الرسول ﷺ عما ناله من أذى قومه، وتكذيبهم له، والتعريف بحال أهل القرى الظالمة التي أهلكها الله، وجعل العاقبة للمتقين، وتحديد مهمة النبي ﷺ وهي الإنذار مكذبي القرآن بالنار، وتبشير المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجنة والنعيم، وإظهار مدى فضل الله على المهاجرين وإثابتهم.
واقتضت الحكمة بعدئذ الكلام عن أدلة القدرة الإلهية من خلق الليل والنهار، والسماء والأرض، والإحياء والإماتة، والعلم الشامل لجميع مكنونات الكون، وتفرد الله تعالى بالحساب والفصل والحكم بين الناس. ثم بيان مدى تبرم الكفار بآيات الله، وإظهار الغضب على وجوههم، وتحديهم بأن معبوداتهم من الأصنام وغيرها لا تستطيع خلق ذبابة، فضلا عن خلق الإنسان، وأن منشأ
стр. 5125
شركهم إقفار قلوبهم من تقدير الله حق قدره، علما بأن الله يرسل رسلا من الملائكة ومن البشر لتبليغ الرسالة الإلهية على أتم وجه.
ثم عاد الكلام إلى بيان أحكام التشريع من أمر المؤمنين بفرائض جوهرية ثلاث: هي إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والجهاد في سبيل الله حق الجهاد، وأردف ذلك بالتذكير بسماحة الإسلام، وأن الدين يسر لا عسر، ثم أمرهم بالاعتصام بدين الله والقرآن والإسلام، وبيان أن الرسول شهيد على أمته يوم القيامة، وأن أمته تشهد على الأمم المتقدمة بتبليغ أنبيائهم لهم دعوة الله وتشريعه، وتلك مزية سامية لهذه الأمة.
فضلها:
قال العزيزي: وهي من أعاجيب السور، نزلت ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، مكيا ومدنيا، سلميا وحربيا، محكما ومتشابها.
الأمر بتقوى الله تعالى
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤)﴾
стр. 5126
الإعراب:
﴿يَوْمَ تَرَوْنَها﴾ ﴿يَوْمَ﴾ منصوب بتذهل. ﴿عَمّا أَرْضَعَتْ﴾ ما: موصولة أو مصدرية.
﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ﴾ في موضع رفع على أنه نائب فاعل، وهاء ﴿أَنَّهُ﴾ ضمير الشأن.
والحديث. و ﴿مَنْ﴾: إما بمعنى الذي، و ﴿تَوَلاّهُ﴾: صلته، وهو وصلته مبتدأ، وقوله:
﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ خبره، ودخلت الفاء؛ لأن الموصول يتضمن معنى الشرط والجزاء. ومن وصلته وخبره: خبر «أن» الأولى. وإما أن تكون ﴿مَنْ﴾ شرطية، و ﴿تَوَلاّهُ﴾: مجزوم بها، وجواب الشرط: ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾. ومن الشرطية وجوابها خبر «أن» الأولى. وأما فتح «أن» الثانية فهو على أن يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فشأنه أنه يضله، أي فشأنه الإضلال.
البلاغة:
﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى﴾ تشبيه بليغ، حذف فيه أداة التشبيه والشبه، أي كالسكارى من شدة الهول.
﴿شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ استعارة، استعار لفظ الشيطان لكل طاغية عات متمرد على الله.
﴿يُضِلُّهُ﴾ و ﴿يَهْدِيهِ﴾ بينهما طباق.
﴿وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أسلوب تهكم.
المفردات اللغوية:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ أي يا أهل مكة وغيركم. ﴿اِتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ احذروا عقابه، بأن تطيعوه.
﴿زَلْزَلَةَ السّاعَةِ﴾ تحريكها للأشياء، على الإسناد المجازي، والزلزلة: الحركة الشديدة للأرض، وقيل: تكون هذه الزلزلة حقيقة، ثم يكون بعدها طلوع الشمس من مغربها، وإضافتها إلى الساعة؛ لأنها من أشراطها. ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ هائل، مزعج للناس، وهو نوع من العقاب. وقد علل أمر الناس بالتقوى بفظاعة الساعة، ليتصوروها بعقولهم، ويعلموا أن الأمان منها بالتدرع بلباس التقوى.
﴿يَوْمَ تَرَوْنَها﴾ الضمير للزلزلة. ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ﴾ أي تذهل كل مرضعة (وهي الأنثى حال الإرضاع) عن رضيعها وتنساه، أي تذهلها الزلزلة، والذهول: الذهاب عن الأمر بدهشة بسبب ما يطرأ من هم أو وجع أو غيره، والمقصود تصوير هولها والدلالة على ترك التعلق بأحب الأشياء. ﴿حَمْلَها﴾ جنينها. ﴿سُكارى﴾ كأنهم سكارى من شدة الخوف. ﴿وَما هُمْ بِسُكارى﴾ على الحقيقة. ﴿وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ أي يرهقهم هوله ويذهب عقولهم وتمييزهم، فهم يخافونه.
стр. 5127
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فيقولون: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وينكرون البعث وإحياء من صار ترابا. ﴿وَيَتَّبِعُ﴾ في جداله وعامة أحواله. ﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ متمرد عات، متجرد للفساد.
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قضي على الشيطان. ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ﴾ اتبعه. ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ أي كتب عليه إضلال من يتولاه؛ لأنه جبل عليه. ﴿وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أي يدعوه إلى النار، ويحمله على ما يؤدي إليه.
نزول الآيتين (١ - ٢):
روي أن هاتين الآيتين نزلتا ليلا في غزوة بني المصطلق، فقرأهما رسول الله ﷺ على الناس، فلم ير باكيا أكثر من تلك الليلة، وأصبح الناس بين باك وجالس حزين متفكر.
نزول الآية (٣):
﴿وَمِنَ النّاسِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ﴾ قال: نزلت في النضر بن الحارث.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى عباده بتقواه، ويخبرهم عما يستقبلون من أهوال القيامة وزلازلها وأحوال الآخرة، فيقول:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ، إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ أي يا أيها البشر قاطبة، احذروا عقاب ربكم، بطاعته وعدم عصيانه، فإن زلزلة القيامة أو حركتها الشديدة حين قيامها قبل قيام الناس من قبورهم شيء عظيم الهول، خطير الوقع. وذلك بدليل قوله تعالى: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ [الزلزلة ٢/ ٩٩ - ١] وقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ، فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٤/ ٦٩ - ١٥]
стр. 5128
وقوله: ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا، وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة ٤/ ٥٦ - ٦].
وأوصاف ذلك اليوم هي:
١ - ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ﴾ يوم تذهل الزلزلة كل مرضعة عن وليدها الرضيع. والذهول: الغفلة عن الشيء مع دهشة، والمرضعة:
التي هي في حال الإرضاع، ملقمة ثديها الصبي. والمرضع: المستعدة للإرضاع أو التي من شأنها أن ترضع، وإن لم تباشر الإرضاع، في حال وصفها به، وقوله:
﴿عَمّا أَرْضَعَتْ﴾ أي إرضاعها أو عن الطفل الذي ترضعه.
٢ - ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أي وتسقط الحامل جنينها من بطنها من شدة الهول والخوف والفزع.
قال الحسن البصري: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.
٣ - ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى.﴾. أي وترى الناس كالسكارى من الخوف، وهم في الحقيقة والواقع غير سكارى من الشراب، ولكن شدة العذاب أفقدتهم عقولهم وتمييزهم.
ومع هذا التحذير الشديد ينكر بعض الناس البعث ويجادل في المغيبات بغير علم، فيقول تعالى:
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي وبعض الناس من يجادل في صفات الله وأفعاله، وقدرته على البعث وغيره بغير علم صحيح، ولا عقل رشيد، ويتبع في جداله بالباطل خطوات كل شيطان متمرد عات، فهو لا يجادل بالحق، وإنما يجادل بالباطل.
стр. 5129
قيل كما بينا: نزلت في النضر بن الحارث، وكان جدلا، يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، والله غير قادر على إحياء من بلي وصار ترابا.
والآية كما قال في الكشاف عامة في كل من تعاطى الجدال، فيما لا يجوز على الله، وما لا يجوز من الصفات والأفعال، ولا يرجع إلى علم، ولا يتّبع حجة ولا برهانا صحيحا، فهو يخبط خبط عشواء، غير فارق بين الحق والباطل. والآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة، وهي المجادلة مع العلم، المرادة بقوله تعالى: ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥/ ١٦]. أما المجادلة الباطلة فهي المراد من قوله تعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً﴾ [الزخرف ٥٨/ ٤٣].
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ.﴾. أي قضي على من اتبع الشيطان، وجعله وليا ناصرا له أن يوقعه في الضلال، وأن ولايته له لم تثمر إلا الإضلال عن طريق الجنة، والهداية إلى النار، وإيصاله إلى جهنم. والمقصود أن اتباع الشيطان يؤدي إلى الضلال في الدنيا، وإلى عذاب النار في الآخرة، وكأنه تعالى قال: قضي على من يتبع الشيطان أن الشيطان يضله عن الجنة، ويهديه إلى النار، وهذا وعيد لمتبع الشيطان.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - وجوب التحلي بالتقوى وهي التزام الأوامر الإلهية، واجتناب النواهي، لاتقاء أهوال يوم القيامة ذات الخطر الشديد.
٢ - إن وقع الساعة وتأثير القيامة على النفس شديد الأثر، حتى لتكون زلزلتها مذهلة (شاغلة) الأم الحنون عن طفلها الرضيع، ومسقطة الجنين من
стр. 5130
بطن أمه، وجاعلة الناس كأنهم سكارى من شدة الخوف، وما هم في الحقيقة سكارى من الشراب.
٣ - إن المشرك بالله هو الذي يجادل بالباطل وبغير علم صحيح في صفات الله وأفعاله، وقدرته على البعث، والإحياء بعد الإماتة، وهو في جداله يتبع كل شيطان متمرد، ومن يتبع الشياطين ويتولاهم فإنهم يوقعونه في الحيرة والضلال في النار، ويأخذون بيده إلى عذاب جهنم في الآخرة. وهذا يدل على تحريم المجادلة الباطلة القائمة على الجهل، وعلى الزجر من الله تعالى على اتباع خطوات الشيطان.
أما المجادلة بالحق وهي القائمة على العلم، فهي جائزة غير ممنوعة.
الاستدلال بخلق الإنسان والنبات على البعث
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾
стр. 5131
الإعراب:
﴿بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ ﴿شَيْئاً﴾: منصوب بالمصدر قبله، على قول البصريين؛ لأنه الأقرب، وب ﴿يَعْلَمَ﴾ على قول الكوفيين؛ لأنه الأول.
﴿ذلِكَ بِأَنَّ.﴾. ذا: إما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الأمر كذلك، وإما منصوب على تقدير فعل، تقديره: فعل الله ذلك بأنه الحق. وقال البيضاوي: وهو مبتدأ، وخبره: ﴿بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾.
البلاغة:
﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ بينهما طباق السلب.
﴿اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ استعارة تبعية، شبه الأرض بنائم، ثم يتحرك بنزول المطر عليه.
المفردات اللغوية:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ أي يا أهل مكة وأمثالكم. ﴿رَيْبٍ﴾ شك. ﴿مِنَ الْبَعْثِ﴾ من إمكانه وكونه مقدورا. ﴿فَإِنّا خَلَقْناكُمْ﴾ أي فانظروا في بدء خلقكم وأصلكم آدم، فإنه يزيح ريبكم.
﴿مِنْ تُرابٍ﴾ أي خلق آدم منه، وخلق الأغذية التي يتكون منها المني. ﴿نُطْفَةٍ﴾ مني: وهو ما يخرج عند اللذة من صلب الرجل، سمي نطفة لقلته، مأخوذ من النّطف: أي الصب أو القطر.
﴿عَلَقَةٍ﴾ قطعة من دم جامد. ﴿مُضْغَةٍ﴾ قطعة من اللحم، قدر ما يمضغ. ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ مصوّرة معالم الخلقة أو غير مصوّرة، أو مسوّاة لا نقص فيها ولا عيب، أي تامة الخلق، وغير مسوّاة. ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ بهذا التدرج في الخلقة كمال قدرتنا وحكمتنا، لتستدلوا بها في ابتداء الخلق على إعادته. ﴿وَنُقِرُّ﴾ أي نبقي، وهو كلام مستأنف. ﴿ما نَشاءُ﴾ أن نقرّه. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو وقت الوضع، وأدناه بعد ستة أشهر، وغالبة تسعة أشهر، وأقصاه في رأي أهل الخبرة سنة. ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ عطفا على ﴿لِنُبَيِّنَ﴾، أي نخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا.
و ﴿طِفْلاً﴾: حال أجريت على تأويل كل واحد، أو الدلالة على اسم الجنس فيكون للواحد والجمع. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ أي ثم نعمركم لتبلغوا الكمال في القوة والعقل وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين سنة، والأشد: كمال القوة والعقل والتمييز، وهو جمع شدة، كالأنعام جمع نعمة، وقال الزمخشري: هو من ألفاظ المجموع التي لم يستعمل لها واحد، كالأسدة والقتود والأباطيل وغير ذلك.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى﴾ يموت قبل بلوغ الأشد. ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أدناه وأردؤه من الهرم والخرف. ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ ليعود كهيئته الأولى في أوان الطفولة من سخافة العقل وقلة الفهم، فينسى ما علمه، وينكر من عرفه. قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة.
стр. 5132
والآية استدلال ثان على إمكان البعث بما يعتري الإنسان في أطواره من الأمور المختلفة والأحوال المتضادة، فإن من قدر على ذلك قدر على نظائره.
﴿هامِدَةً﴾ يابسة ميتة لا نبات فيها. ﴿اِهْتَزَّتْ﴾ تحركت بالنبات. ﴿وَرَبَتْ﴾ ارتفعت وزادت وانتفخت بالماء والنبات. ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي أنبتت من كل صنف حسن رائق. و ﴿مِنَ﴾: زائدة ﴿ذلِكَ﴾ أي المذكور من بدء خلق الإنسان إلى آخر إحياء الأرض.
﴿بِأَنَّ اللهَ﴾ بسبب أن الله. ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ الثابت في نفسه، الدائم الذي يحق ثبوته، أي لأن الله هو الحق. ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى﴾ أي أنه يقدر على إحيائها، وإلا لما أحيى النطفة والأرض الميتة ﴿وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لأن قدرته لذاته، فمن قدر على إحياء بعض الأموات لزم اقتداره على إحياء كلها. ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ لا شك. ﴿وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ بمقتضى وعده الذي لا يقبل الخلف.
المناسبة:
بعد أن حكى الله تعالى عن المشركين الجدل بغير علم في قضية البعث والحشر والنشر، وذمّهم على ذلك، أورد تعالى الأدلة على إثبات البعث بخلق الإنسان، وخلق النبات، فقال هنا عن الأول: ﴿فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ الآية، وقال في آيات أخرى: ﴿قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس ٧٩/ ٣٦].
﴿فَسَيَقُولُونَ: مَنْ يُعِيدُنا، قُلِ: الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء ٥١/ ١٧] وقال عن الثاني: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً.﴾ ..
التفسير والبيان:
بعد أن ذكر الله تعالى موقف المنكر للبعث، ذكر الدليل على قدرته على المعاد بما يشاهد من بدئه الخلق، فقال:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ أي يا أيها البشر المنكرون للبعث، إن كنتم في شك من إمكان البعث ومجيئه، يوم القيامة، فانظروا إلى بدء خلقكم، فمن قدر على البدء قدر على الإعادة بدليل المراحل والأدوار السبعة التي يمر بها الإنسان وهي:
стр. 5133
١ - ﴿فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ أي خلقنا أصلكم آدم من التراب، وخلقنا الأغذية التي يتكون منها المني من النبات المتولد من الماء والتراب.
٢ - ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي ثم صار التوالد المعتاد بواسطة المني المتولد من الغذاء الناشئ من التراب.
٣ - ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ أي ثم تتحول بإذن الله النطفة بعد أربعين يوما إلى قطعة دم مكثف أو جامد، أو علقة حمراء.
٤ - ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ ثم تصبح العلقة قطعة لحم، وتلك القطعة إما أن تتم منها أحوال الخلق، فتصير تامة الصورة والحواس والتخطيط لمعالم الجسد، وإما ألا تتم، وتسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط أو بعده، أو تبقى ناقصة الصور والحواس والتخطيطات وتتم ولادتها، قال الرازي:
فيجب أن تحمل ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ على من سيصير إنسانا؛ لأنه تعالى قال في أول الآية: ﴿فَإِنّا خَلَقْناكُمْ﴾ وذلك يبعد حمل قوله: ﴿غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ على السقط.
والخلاصة: أن المخلقة هي القطعة المسوّاة التي لا نقص فيها ولا عيب أي التامة الخلقة، وغير المخلقة: هي القطعة غير المسوّاة التي فيها عيب.
﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي خلقناكم على هذا النحو من التدرج لنبين لكم كمال قدرتنا وحكمتنا، لتستدلوا بها على إمكان البعث، فإن من قدر على خلق البشر من تراب أولا، ثم من نطفة ثانيا-ولا تناسب بين الماء والتراب-وقدر على أن يجعل النطفة علقة-وبينهما تباين ظاهر-ثم يجعل العلقة مضغة، والمضغة عظاما، قدر على إعادة ما بدأه، بل هذا أهون، كما قال الزمخشري رحمه الله تعالى.
стр. 5134
٥ - ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أي ثم نخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا ضعافا في البدن والعقل والحواس، ثم ينمو كل طفل ويعطيه الله القوة شيئا فشيئا.
٦ - ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ ثم تتكامل قواكم البدنية والعقلية، حتى تصلوا إلى حد الكمال في عنفوان الشباب.
٧ - ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ..﴾. أي ومنكم من يموت قبل بلوغ الأشد أو في حال الشباب والقوة، ومنكم من يعيش حتى يصل إلى سن الشيخوخة والهرم، وضعف القوة والعقل والفهم، والخرف، حتى يعود إلى ما كان عليه حال الطفولة، ضعيفا، سخيف العقل، قليل الفهم، ينسى ما كان يعلمه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس ٦٨/ ٣٦].
والخلاصة: أن تدرج الخلق في مراحله المذكورة، وطروء الموت وعوارض الأحوال على الإنسان دليل قاطع على وجود الخالق القادر المهيمن، الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه في القياس والعقل، كما قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً، يَخْلُقُ ما يَشاءُ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم ٥٤/ ٣٠].
ثم ذكر الله تعالى الدليل الثاني على إمكان البعث بخلق النبات المشابه لخلق الإنسان فقال:
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً..﴾. أي وإذا تأملت أيها الإنسان ترى الأرض (١) ميتة يابسة لا نبات فيها ولا زرع، فإذا أنزلنا عليها ماء المطر أو غيره، تحركت بالنبات وحييت بعد موتها، وازدادت وارتفعت وانتفخت بالماء والنبات، ثم
стр. 5135
أنبتت من كل صنف من النبات والزرع، ذي منظر حسن وبهاء ورونق وطيب ريح، لاختلاف ألوان الثمار والزروع، وطعومها، وروائحها، وأشكالها، ومنافعها، فمن قدر على إحياء الأرض الميتة الهامدة التي لا ينبت فيها شيء، قادر على إحياء الموتى. ونتائج ما ذكر هي الأمور الخمسة التالية:
١ - ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي ذلك المذكور الذي بينته لكم من خلق الإنسان والحيوان والنبات، وانتقال كل مخلوق من حال إلى حال، بسبب أن الله هو الحق الموجود الثابت الذي لا شك فيه، ولا يحول ولا يزول، الخالق المدبر الفعال لما يشاء. وأما ما عداه من جميع المخلوقات فضعيف عاجز لا يقدر على فعل شيء مما ذكر. وهذا دال على وجود الصانع المتفرد بالخلق.
٢ - ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى﴾ أي وبأنه الإله القادر على إحياء الموتى، كما أحيى الإنسان والحيوان والنبات، فأنبت من الأرض الميتة ما فيه الحياة، وهذا تنبيه على أن من لم يعجزه إيجاد هذه الأشياء، فكيف يعجزه إعادة الأموات؟! ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩/ ٤١].
٣ - ﴿وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي وبأنه تعالى القادر على كل شيء، فمن كان قادرا على ما ذكر وعلى جميع الممكنات، فهو قادر على إعادة الأجساد بعد الفناء، وعالم بكل المعلومات: ﴿قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٧٩/ ٣٦].
٤ - ﴿وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ أي ولتعلموا أن من قدر على إحياء الموتى أو إعادتهم أحياء قادر على الإتيان بيوم القيامة، فالساعة كائنة لا شك فيها ولا مرية، كما وعدكم بها. فقوله: ﴿وَأَنَّ السّاعَةَ﴾ معطوف على قوله:
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ من حيث اللفظ، وليس عطفا في المعنى، فلا بد من إضمار فعل يتضمنه، أي وليعلموا أن الساعة آتية.
стр. 5136
٥ - ﴿وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أي ولتتيقنوا أن الله سيبعث أهل القبور، أي يعيدهم بعد ما صاروا في قبورهم رمما، ويوجدهم مرة أخرى أحياء، ليوم المحشر والحساب، والثواب والعقاب.
والخلاصة: أن بيان مراتب خلق الإنسان والحيوان، والنبات، دليل على أنه سبحانه قادر على كل الممكنات، وعالم بكل المعلومات، مما يثبت كون الإعادة ممكنة، وأن المعاد مقدور عليه.
فقه الحياة أو الأحكام:
الغاية من التنزيل القراني إثبات ثلاثة أمور أساسية في العقيدة، وهي توحيد الله، واتصافه بصفات الكمال، وتنزيهه عن كل نقص، وإثبات البعث والحياة الأخروية، وما فيها من ثواب وعقاب، وإثبات الوحي والنبوة ورسالات الأنبياء بالمعجزة الخارقة للعادة، لذا تكرر في القرآن التركيز على هذه الأصول، وجاءت الآيات هنا للاستدلال على الأمر الثاني.
١ - استدل الله على إمكان حدوث البعث والقيامة وإحياء الموتى بإحياء الإنسان والحيوان والنبات بعد الموت والعدم، فمن خلق أصل الإنسان من تراب، ثم من ماء منشؤه الغذاء الناتج من التراب، ثم رعاه حتى خلقه في أحسن تقويم، ثم أعاده إلى الضعف، قادر على إعادة خلقه وإيجاده وتكوينه كما قال: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢/ ٣٦].
ولقد أوضحت السنة أطوار الخلق،
جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه
стр. 5137
وأجله وعمله وشقي أو سعيد»
وفي رواية: «يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم أربعين يوما علقة، ثم أربعين يوما مضغة، ثم يبعث الملك، فينفخ فيه الروح» أي إن أطوار الجنين الأولى أربعة أشهر، قال ابن عباس: وفي العشر بعد الأشهر الأربعة ينفخ فيه الروح، فذلك عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر.
ويلاحظ أن الخلق والتصوير للملك نسبة مجازية لا حقيقية، وأن النفخ سبب يخلق الله به الروح والحياة، وأن الخلق بقدرة الله واختراعه؛ لقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف ١١/ ٧]. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر ٦٤/ ٤٠] وللآية هنا: ﴿فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ.﴾ .. وتكون الحياة في المادة المنوية عند التقائها ببويضة المرأة حياة نباتية خلوية.
ولم يختلف العلماء أن نفخ الروح الحركية في الجنين يكون بعد مائة وعشرين يوما، أي بعد تمام أربعة أشهر، ودخول الشهر الخامس.
لذا ليست النطفة بشيء يقينا، كما قال القرطبي، ولا يتعلق بها حكم إذا ألقتها المرأة إذا لم تجتمع في الرحم، كما لو كانت في صلب الرجل، فإذا طرحته علقة، فقد تحققنا أن النطفة قد استقرت واجتمعت واستحالت إلى أول أحوال وجود الولد، فيكون وضع العلقة فما فوقها من المضغة وضع حمل، تبرأ به الرحم، وتنقضي به العدّة، ويثبت به لها حكم أم الولد. وهذا مذهب مالك وأصحابه.
وقال الشافعي: لا اعتبار بإسقاط العلقة، وإنما الاعتبار بظهور الصورة والتخطيط، أي بإلقاء المضغة المخلقة دون الأربعة أشهر (١). قال ابن زيد:
المخلّقة: التي خلق الله فيها الرأس واليدين والرجلين.
стр. 5138
وقال مالك ﵁: ما طرحته المرأة من مضغة أو علقة أو ما يعلم أنه ولد إذا ضرب بطنها ففيه الغرّة (١). وقال الشافعي ﵁: لا شيء فيه حتى يتبين من خلقه شيء. وقال مالك: إذا سقط الجنين فلم يستهلّ صارخا ففيه الغرّة. فإذا استهل صارخا فقال هو والشافعي فيه الدية كاملة.
وذكر القاضي إسماعيل أن عدة المرأة تنقضي بالسقط الموضوع؛ لأنه حمل، والله تعالى يقول: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤/ ٦٥]. وقال ابن العربي: ولا يرتبط به شيء من الأحكام، إلا أن يكون مخلّقا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ، وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ (٢).
٢ - إن في مراحل خلق الإنسان المذكورة لدليلا واضحا وبيانا قاطعا يدل على كمال قدرة الله تعالى.
وفي رعاية الله للإنسان بولادته طفلا، ثم اكتمال جسده وعقله وقوته في سن الشباب نعمة تستحق الشكر والتقدير وعرفان حق الخالق.
ثم في الرد إلى الشيخوخة والهرم دون خرف أو مع الخرف عبرة وعظة تدل على إطلاق تصرف الله في خلقه،
وكان النبي ﷺ -فيما رواه النسائي عن سعد- يدعو فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر».
٣ - وهناك دليل أقوى على البعث وهو خلق النبات من الأرض الميتة إذا أنزل الله عليها الماء، فتخرج منه الزروع والثمار ذات المنظر أو اللون الحسن، وذات الرائحة العبقة، والطعم الشهي.
стр. 5139
٤ - إن خلق الإنسان والنبات حاصل بالله، وهو السبب في حصوله، ولو لاه لم يتصور وجوده، فإن الله هو الحق، أي الثابت الموجود، وأنه قادر على إحياء الموتى وعلى كل مقدور، وأنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث، فلا بد أن يفي بما وعد، وأنه عالم بكل شيء، وقادر على جمع ذرأت الإنسان المتفرقة في أنحاء الأرض أو قيعان البحار أو أجواف الحيوانات، أو في أي مكان.
أحوال الناس
الجدال بالباطل والإيمان المضطرب وجزاء المؤمنين الصالحين
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤)﴾
стр. 5140
الإعراب:
﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ حال من ضمير. ﴿يُجادِلُ﴾ عائد على ﴿مِنَ﴾ والإضافة في تقدير أو نية الانفصال، أي ثانيا عطفه، ولذلك لم يكتسب التعريف بالإضافة.
﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ من: فيه أربعة أوجه:
الأول-أنه منصوب ب ﴿يَدْعُوا﴾ واللام في غير موضعها، أي يدعو من لضرّه أقرب من نفعه، فقدمت اللام إلى (من) و ﴿ضَرُّهُ﴾: مبتدأ، و ﴿أَقْرَبُ﴾: خبره. وهذا قول الكوفيين.
والثاني-أن مفعول ﴿يَدْعُوا﴾ محذوف، واللام في موضعها، أي يدعو إليها أي ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ فمن: مبتدأ، وخبره: ﴿أَقْرَبُ﴾ والجملة صلة (من). و ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى﴾:
خبر ثان ل: (من). وهو قول المبرّد.
والثالث-أن ﴿يَدْعُوا﴾ بمعنى يقول، وما بعده: مبتدأ وخبر، أي يقول لمن ضرّه عندكم أقرب من نفعه هو إلهي، فخبر المبتدأ محذوف، أي يقول الكافر: الصنم الذي تعدونه من جملة الضرر: إلهي.
والرابع-أن ﴿يَدْعُوا﴾ تكرار للأول، لطول الكلام، مثل ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾
﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ [آل عمران ١٨٨/ ٣].
البلاغة:
﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ كناية عن التكبر والخيلاء.
﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ مجاز مرسل، علاقته السببية؛ لأن اليد هي التي تفعل الخير أو الشر.
﴿مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ﴾ استعارة تمثيلية، شبه المنافقين وما هم فيه من اضطراب في دينهم بمن يقف على طرف هاوية يريد العبادة.
﴿فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾ مقابلة بديعة.
﴿يَضُرُّهُ﴾ و ﴿يَنْفَعُهُ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿هُدىً﴾ هو النظر الصحيح الموصل إلى المعرفة. ﴿كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ الوحي المظهر للحق.
стр. 5141
﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ متكبرا عن الإيمان، معرضا عن القرآن كفرا وتعظما، ولاويا عنقه، والعطف: الجانب عن يمين أو شمال. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي عن دينه، وليضل: علة للجدال.
﴿لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ عذاب وهوان وذل، فقتل يوم بدر أي أبو جهل المجادل. ﴿عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي الإحراق بالنار. ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ عبر بهما دون غيرهما؛ لأن أكثر الأفعال تزاول بهما، وهو وارد بطريق الالتفات، أو إرادة القول، أي يقال له يوم القيامة: ذلك الخزي والتعذيب بسبب ما اقترفته من الكفر والمعاصي. ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي ليس بذي ظلم لأحد، فيعذبهم بغير ذنب، وإنما هو مجازيهم على أعمالهم، والمبالغة في (ظلام) لكثرة العبيد.
﴿عَلى حَرْفٍ﴾ أي على طرف من الدين لا ثبات له فيه، وهذا تشبيه حال المنافقين بحال من يقف على حرف جبل في عدم ثباته، أو كالذي يكون على طرف الجيش، فإن أحس بظفر قرّ، وإلا فرّ، فهو على شك وضعف في العبادة. ﴿فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ﴾ صحة وسلامة في نفسه وماله.
﴿فِتْنَةٌ﴾ محنة، وسقم في نفسه وماله. ﴿اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾ أي رجع إلى الكفر وارتد. ﴿خَسِرَ الدُّنْيا﴾ ضيعها بفوات ما أمله منها، وبذهاب عصمته لارتداده. ﴿وَالْآخِرَةَ﴾ بالكفر وحبوط عمله. ﴿الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ البيّن، إذ لا خسران مثله.
﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ أي يقول، واللام زائدة: إن من ضرره بعبادته أقرب من نفعه، إن نفع بتخيله، هو إلهي. والضرر: هو استحقاق القتل في الدنيا والعذاب في الآخرة، والنفع: هو الشفاعة والتوسل بها إلى الله تعالى. ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى﴾ الناصر أي لبئس هو الناصر. ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ الصاحب هو والمعاشر.
﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ من الفروض والنوافل. ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ من إثابة الموحد الصالح، وإكرام من يطيعه، وعقاب المشرك، وإهانة من يعصيه.
سبب النزول:
نزول الآية (٨):
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ﴾ نزلت في أبي جهل، أنذره الله بالخزي (الذل والهوان) في الدنيا، فقتل يوم بدر، أو نزلت في النضر بن الحارث الذي قتل أيضا يوم بدر، ومعظم المفسرين على هذا كالآية الأولى.
стр. 5142
نزول الآية (١١):
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ﴾: أخرج البخاري عن ابن عباس قال: كان الرجل يقدم المدينة، فيسلم، فإن ولدت امرأته غلاما، ونتجت خيله قال: هذا دين صالح؛ وإن لم تلد امرأته ولدا ذكرا، ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء، فأنزل الله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ﴾.
وأخرج ابن مردويه من طريق عطية عن ابن مسعود قال: أسلم رجل من اليهود، فذهب بصره وماله وولده، فتشاءم بالإسلام، فقال: لم أصب من ديني هذا خيرا، ذهب بصري ومالي، ومات ولدي، فنزلت: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى في الآية المتقدمة: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [٣] حال الأتباع الجهال المقلّدين الذين يتبعون أهل الكفر والمعاصي والشياطين، ذكر هنا حال المتبوعين، الدعاة إلى الكفر والضلال، رؤساء الشر والابتداع.
وبعد بيان حال هؤلاء المجادلين في توحيد الله بلا حجة ولا برهان صحيح، أبان تعالى حال المنافقين مضطربي الإيمان، الذين لم تستقر عقيدتهم، من جماعة الأعراب القادمين إلى المدينة بقصد المنفعة المادية.
وبعد كشف حال عبادة المنافقين وحال معبوديهم من الأصنام والأوثان، أوضح الله تعالى صفة عبادة المؤمنين وصفة معبودهم، فعبادة الأولين خطأ غير صواب، ومعبودهم لا يضر ولا ينفع، أما عبادة المؤمنين فهي حق وحقيقة، ومعبودهم يعطيهم أعظم المنافع وهو الجنة.
стр. 5143
التفسير والبيان:
تضمنت هذه الآيات أحوال ثلاث فئات من الناس، بعد بيان حال فئة هم الضلاّل الجهال المقلدون في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾.
أما الفئة الأولى هنا فهم الدعاة إلى الضلال رؤساء الكفر والبدع، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أي وبعض الناس من يجادل في توحيد الله وأفعاله وصفاته، بلا عقل صحيح، ولا نقل صريح، بل بمجرد الرأي والهوى.
﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي أنه يجادل وهو مستكبر عن الحق وقبوله إذا دعي إليه، كما قال تعالى حكاية عن قول لقمان لابنه: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ [لقمان ١٨/ ٣١] أي تميله عنهم استكبارا عليهم، وهدفه أو عاقبته صدّ الناس المؤمنين عن دين الله الذي فيه خيرهم. واللام في قوله: ﴿لِيُضِلَّ﴾ إما لام العاقبة؛ لأنه لا يقصد ذلك، أي ليصير مآله ممن يضل عن سبيل الله، وإما لام التعليل، قال الزمخشري: تعليل للمجادلة، ولما أدّى جداله إلى الضلال، جعل كأنه غرضه.
ثم ذكر تعالى عقابه، فقال:
﴿لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ، وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي أن عقابه في الدنيا هو الخزي أي الهوان والذل، وقد قتل يوم بدر، وعقابه في الآخرة الزجّ به في عذاب النار المحرقة أو الإحراق في النار.
﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ، وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي والسبب فيما مني به من خزي الدنيا وعذاب الآخرة هو ما قدّم من الكفر والمعاصي، وقد فعل
стр. 5144
الله به ذلك عدلا في معاقبته الفجار وإثابته الصالحين؛ لأن الله لا يظلم عباده.
أو يقال له هذا تقريعا وتوبيخا، كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ، ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان ٤٧/ ٤٤ - ٥٠]. ونظير آية العدل: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم ٣١/ ٥٣].
والخلاصة: أن هذا العقاب حق وعدل بسبب جرم الكفر والإثم الفاحش.
وأما الفئة الثانية أهل الضلالة الأشقياء: فهم أهل الشك والنفاق والمصلحة والمنفعة المادية، وهم: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ.﴾. أي وبعض الناس يعبد الله على شك وطرف من الدين لا في القلب، كمن يقف على حافة واد، أو على طرف الجيش ليفر عند الإحساس بالهزيمة، فهو مضطرب الإيمان، غير مطمئن القلب، غير واثق بهذا الدين، ولا صادق النية، ولا مخلص في العبادة، وهم صنف من المنافقين.
﴿فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ.﴾. أي فإن أصابه خير مادي من غنيمة ومال، وزيادة نتاج في الولد ونسل الحيوان، رضي عن هذا الدين. واطمأن إليه. وإن أصابه مرض أو لم تلد امرأته، ولا ماشيته، أي أحس بنقص في المال أو الأنفس، أو هلاك أو جدب في الثمرات والغلات، ارتد ورجع كافرا، وهذا هو النفاق بعينه.
﴿خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ، ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ أي ضيع الدنيا والآخرة، فلا هو حصل من الدنيا على شيء من عز وكرامة وغنيمة، ولا استفاد من ثواب الآخرة، لأنه كفر بالله العظيم، فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة، وذلك هو الخسران البيّن الذي لا خسران مثله، أو هي الخسارة العظيمة والصفقة الخاسرة.
стр. 5145
وتأكيدا لعظم تلك الخسارة قال تعالى:
﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ﴾ أي يعبد من غير الله آلهة من الأصنام والأنداد، يستغيث بها، ويستنصرها، ويسترزقها، وهي لا تضره إن لم يعبدها، ولا تنفعه في الآخرة إن عبدها.
﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ أي ذلك الارتداد، وعبادة تلك الأصنام، هو الضلال الموغل في الضلالة، البعيد جدا عن طريق الصواب.
ثم زاد الأمر تأكيدا فقال:
﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ، لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ أي يدعو (تكرارا للأول) لمن ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن، لبئس الناصر هو، ولبئس الصاحب هو. أو يقول الكافر حينما يتحقق من تضرره بعبادته هذا المعبود الخاسر الذي أدخله النار:
لبئس هذا المولى والناصر، ولبئس هذا العشير والصاحب.
وأما الفئة الثالثة: وهم الأبرار السعداء فهم الذين آمنوا بقلوبهم، وصدقوا إيمانهم بأفعالهم، كما قال تعالى:
﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ.﴾. أي إن الله تعالى يكافئ المؤمنين الصادقي الإيمان، الذين عملوا الصالحات، أي الطاعات والقربات، وتركوا المنكرات، بإدخالهم روضات الجنات التي تجري من تحت أشجارها الأنهار.
﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ بإكرام أهل الطاعة وإثابتهم، وإهانة أهل المعصية وحرمانهم من فضله، يفعل وفق مراده ومشيئته المطلقة، فلا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه، يدخل المؤمنين الجنة، ويدخل الكافرين النار.
стр. 5146
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - تكرر نزول الآيات في النضر بن الحارث، فهو في جداله في الآية المتقدمة [٣] يريد إنكار البعث، وفي هذه الآية [٨] يريد إنكار النبوة وإنكار نزول القرآن من جهة الله. وقد قيل: نزلت فيه بضع عشرة آية. وكان من قوله: إن الملائكة بنات الله، وهذا جدال في الله تعالى. ووصف هنا بأنه أعرض عن القرآن والحق، ولوى عنقه مرحا وتعظما وتكبرا، وكانت عاقبته أنه يجادل فيضل عن دين الله تعالى.
وعقابه في الدنيا الهوان والذل مما يجري له من الذكر القبيح على ألسنة المؤمنين إلى يوم القيامة، وقتل يوم بدر، ويغشى في الآخرة نار جهنم، جزاء وفاقا للكفر والمعصية، ولا يظلم ربك أحدا. وفيه دليل على أن الله لا يعذب الأطفال بكفر آبائهم.
ودليل أيضا على أن العقاب بسبب عمل الإنسان وفعله، فإذا عاقبه بغير فعله كان ذلك محض الظلم. وهو على خلاف النص.
٢ - يجب أن يكون الإيمان في القلب كالجبال الراسيات، لا يتأثر بحدوث ضرر، ولا بزوال نفع، أما المنافقون الماديون الذين ينتظرون حدوث النفع المادي من مال أو غنيمة، ويستاءون بما يتعرضون له من نقص في المال والثمرات، فهم الذين خسروا الدنيا، فلا حظ لهم في غنيمة ولا ثناء، وخسروا الآخرة بأن لا ثواب لهم فيها، بل لهم العقاب الدائم بسبب ردتهم ورجوعهم إلى الكفر.
والراجع إلى الكفر يعبد الصنم الذي لا ينفع ولا يضر، ويدعو من ضرره أدنى من نفعه في الآخرة؛ لأنه بعبادته دخل النار، ولم ير منه نفعا أصلا. أو
стр. 5147
يقول الكافر: لمن ضره أقرب من نفعه في قول المسلمين: هو معبودي وإلهي، لبئس المولى في التناصر، ولبئس المعاشر والصاحب والخليل.
٣ - يثيب الله من يشاء، ويعذب من يشاء، فللمؤمنين الجنة بحكم وعده الصدق وبفضله، وللكافرين النار بما سبق من عدله، لا أن فعل الرب معلل بفعل العبد.
٤ - ما أروع هذه المقارنة والموازنة في الآيات بين حال المشركين وحال المنافقين، وحال المؤمنين في الآخرة! فالعاقل هو الذي ينحاز آليا لصف الإيمان ليبرأ في عالم الآخرة، والجاهل الغبي أو المعاند أو المتلاعب هو الذي يبقى في عكر العقيدة ومفاسدها وخبائثها، فيتلقى جزاءه عدلا، ولا ظلم في الحساب.
حال اليائس من نصرة الرسول وإنزال الآيات البينات
﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾
الإعراب:
﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ حال منصوب، و ﴿بَيِّناتٍ﴾ صفة، أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله آيات واضحات.
﴿وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي.﴾. معطوف على هاء: ﴿أَنْزَلْناهُ﴾.
стр. 5148
المفردات اللغوية:
﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ﴾ أي أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة، فمن كان يظن خلاف ذلك ويتوقعه من غيظه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ أي فليمدد حبلا إلى سقف بيته يشده فيه وفي عنقه، ثم ليختنق به، بأن يقطع أنفاسه من الأرض، والمراد: فليستقص في إزالة غيظه أو جزعه، بأن يفعل كل ما يفعله الممتلئ غضبا أو غيظا، حتى يمد حبلا إلى سماء بيته، فيختنق.
وليس هذا دعوة إلى الانتحار، وإنما كما يقول المثل العامي: اشرب البحر، للدلالة على عدم الفائدة من الفعل.
﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ أي فليتصور في نفسه، هل يذهبن كيده في عدم نصرة النبي ﷺ غيظه، والمعنى: فليختنق غيظا منها، فلا بد منها.
﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ﴾ أي مثل إنزالنا الآية السابقة ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ أي القرآن الباقي ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ ظاهرات واضحات ﴿وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ هداه، أي ولأن الله يهدي به أو يثبّت على الهدى من يريد هدايته أو ثباته، أنزله كذلك مبينا.
المناسبة:
بعد بيان حال المشركين المجادلين بالباطل، والمنافقين، والمؤمنين، بيّن الله تعالى حال أمرين: هما نصرته رسول الله ﷺ في الدنيا والآخرة؛ لييأس المجادلون، وإنزاله القرآن آيات واضحات ترشد إلى الحق والصواب.
التفسير والبيان:
من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا ﷺ في الدنيا والآخرة، فليمدد بحبل إلى سقف بيته، ثم ليختنق به، ثم ليتأمل ويتصور في نفسه: هل يذهب فعله الذي فعله غيظه من نصرة رسول الله ﷺ ؟ كلا.
وسمي الاختناق قطعا؛ لأن المختنق يقطع حياته، وسمي فعله وهو نصب المشنقة كيدا استهزاء؛ لأنه لم يكد به محسوده، وإنما كاد به نفسه، أو لأنه كالكيد، حيث لم يقدر على غيره.
стр. 5149
وقال أبو جعفر النحاس: من أحسن ما قيل في هذه الآية أن المعنى: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا ﷺ ، وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه، فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء، ثم ليقطع النصر إن تهيأ له، ثم لينظر هل يذهبن كيده وحيلته ما يغيظه من نصر النبي ﷺ ؟. والفائدة في الكلام أنه إذا لم يتهيأ له الكيد والحيلة بأن يفعل مثل هذا، لم يصل إلى قطع النصر.
وعلى كلا المعنيين، إن الله ناصر دينه وكتابه ورسوله لا محالة، فليفعل أهل الغيظ ما شاؤوا.
﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال للآية المتقدمة أنزلنا القرآن كله آيات واضحات الدلالة على معانيها، ليتعظ بها المعتبر.
﴿وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ أي ولأن الله يهدي به ويوفق الذين يعلم أنهم يؤمنون، ومستعدون للإيمان بما أنزل، ويريد الله هدايتهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية الأولى على حسم الموقف بين النبي ﷺ وبين معاديه، فالله تعالى لا محالة ناصر رسوله، ومؤيد دينه وكتابه ودعوته، ومحبط مكائد الأعادي، وقاطع أطماعهم، ورادّ كيدهم في نحورهم، فلا أمل لهم بعدئذ في إحباط دعوة الإسلام، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف ٩/ ٦١] وقال سبحانه: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر ٥١/ ٤٠].
والله تعالى أيضا مؤيد رسوله ﷺ بوحيه، وبما أنزله عليه من الآيات البينات الواضحات، ليفهمها الناس، أي القرآن، وكذلك ﴿أَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ قال القرطبي: علق وجود الهداية بإرادته، فهو الهادي لا هادي سواه.
стр. 5150
وقال الزمخشري والبيضاوي: ولأن الله يهدي به الذين يعلم أنهم مؤمنون، أو يثبّت الذين آمنوا على الهدى.
الفصل الإلهي بين الأمم وخضوع كل ما في الكون لعزة الله
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨)﴾
الإعراب:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .. ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الخبر: إما محذوف، وإما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ لأنها فيها معنى الجزاء، فحمل الخبر على المعنى.
﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ إما معطوف على ﴿مَنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ﴾ لأن السجود بمعنى الانقياد، وكل مخلوق منقاد تحت قدرة الله تعالى، وإما مبتدأ وخبره:
إما ﴿مِنَ النّاسِ﴾ أي من الناس الذين هم الناس على الحقيقة، وهم الصالحون المتقون، وإما محذوف، وهو مثاب، أي وكثير من الناس ثبت له الثواب، دل عليه خبر مقابله وهو قوله:
﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ﴾.
البلاغة:
﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ بينهما طباق.