← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - تكرر نزول الآيات في النضر بن الحارث، فهو في جداله في الآية المتقدمة [٣] يريد إنكار البعث، وفي هذه الآية [٨] يريد إنكار النبوة وإنكار نزول القرآن من جهة الله. وقد قيل: نزلت فيه بضع عشرة آية. وكان من قوله: إن الملائكة بنات الله، وهذا جدال في الله تعالى. ووصف هنا بأنه أعرض عن القرآن والحق، ولوى عنقه مرحا وتعظما وتكبرا، وكانت عاقبته أنه يجادل فيضل عن دين الله تعالى. وعقابه في الدنيا الهوان والذل مما يجري له من الذكر القبيح على ألسنة المؤمنين إلى يوم القيامة، وقتل يوم بدر، ويغشى في الآخرة نار جهنم، جزاء وفاقا للكفر والمعصية، ولا يظلم ربك أحدا. وفيه دليل على أن الله لا يعذب الأطفال بكفر آبائهم. ودليل أيضا على أن العقاب بسبب عمل الإنسان وفعله، فإذا عاقبه بغير فعله كان ذلك محض الظلم. وهو على خلاف النص. ٢ - يجب أن يكون الإيمان في القلب كالجبال الراسيات، لا يتأثر بحدوث ضرر، ولا بزوال نفع، أما المنافقون الماديون الذين ينتظرون حدوث النفع المادي من مال أو غنيمة، ويستاءون بما يتعرضون له من نقص في المال والثمرات، فهم الذين خسروا الدنيا، فلا حظ لهم في غنيمة ولا ثناء، وخسروا الآخرة بأن لا ثواب لهم فيها، بل لهم العقاب الدائم بسبب ردتهم ورجوعهم إلى الكفر. والراجع إلى الكفر يعبد الصنم الذي لا ينفع ولا يضر، ويدعو من ضرره أدنى من نفعه في الآخرة؛ لأنه بعبادته دخل النار، ولم ير منه نفعا أصلا. أو

стр. 5147

يقول الكافر: لمن ضره أقرب من نفعه في قول المسلمين: هو معبودي وإلهي، لبئس المولى في التناصر، ولبئس المعاشر والصاحب والخليل. ٣ - يثيب الله من يشاء، ويعذب من يشاء، فللمؤمنين الجنة بحكم وعده الصدق وبفضله، وللكافرين النار بما سبق من عدله، لا أن فعل الرب معلل بفعل العبد. ٤ - ما أروع هذه المقارنة والموازنة في الآيات بين حال المشركين وحال المنافقين، وحال المؤمنين في الآخرة! فالعاقل هو الذي ينحاز آليا لصف الإيمان ليبرأ في عالم الآخرة، والجاهل الغبي أو المعاند أو المتلاعب هو الذي يبقى في عكر العقيدة ومفاسدها وخبائثها، فيتلقى جزاءه عدلا، ولا ظلم في الحساب. حال اليائس من نصرة الرسول وإنزال الآيات البينات ﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾ الإعراب: ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ حال منصوب، و ﴿بَيِّناتٍ﴾ صفة، أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله آيات واضحات. ﴿وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي.﴾. معطوف على هاء: ﴿أَنْزَلْناهُ﴾.

стр. 5148

المفردات اللغوية: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ﴾ أي أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة، فمن كان يظن خلاف ذلك ويتوقعه من غيظه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ أي فليمدد حبلا إلى سقف بيته يشده فيه وفي عنقه، ثم ليختنق به، بأن يقطع أنفاسه من الأرض، والمراد: فليستقص في إزالة غيظه أو جزعه، بأن يفعل كل ما يفعله الممتلئ غضبا أو غيظا، حتى يمد حبلا إلى سماء بيته، فيختنق. وليس هذا دعوة إلى الانتحار، وإنما كما يقول المثل العامي: اشرب البحر، للدلالة على عدم الفائدة من الفعل. ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ أي فليتصور في نفسه، هل يذهبن كيده في عدم نصرة النبي ﷺ غيظه، والمعنى: فليختنق غيظا منها، فلا بد منها. ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ﴾ أي مثل إنزالنا الآية السابقة ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ أي القرآن الباقي ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ ظاهرات واضحات ﴿وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ هداه، أي ولأن الله يهدي به أو يثبّت على الهدى من يريد هدايته أو ثباته، أنزله كذلك مبينا. المناسبة: بعد بيان حال المشركين المجادلين بالباطل، والمنافقين، والمؤمنين، بيّن الله تعالى حال أمرين: هما نصرته رسول الله ﷺ في الدنيا والآخرة؛ لييأس المجادلون، وإنزاله القرآن آيات واضحات ترشد إلى الحق والصواب. التفسير والبيان: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا ﷺ في الدنيا والآخرة، فليمدد بحبل إلى سقف بيته، ثم ليختنق به، ثم ليتأمل ويتصور في نفسه: هل يذهب فعله الذي فعله غيظه من نصرة رسول الله ﷺ ؟ كلا. وسمي الاختناق قطعا؛ لأن المختنق يقطع حياته، وسمي فعله وهو نصب المشنقة كيدا استهزاء؛ لأنه لم يكد به محسوده، وإنما كاد به نفسه، أو لأنه كالكيد، حيث لم يقدر على غيره.

стр. 5149

وقال أبو جعفر النحاس: من أحسن ما قيل في هذه الآية أن المعنى: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا ﷺ ، وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه، فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء، ثم ليقطع النصر إن تهيأ له، ثم لينظر هل يذهبن كيده وحيلته ما يغيظه من نصر النبي ﷺ ؟. والفائدة في الكلام أنه إذا لم يتهيأ له الكيد والحيلة بأن يفعل مثل هذا، لم يصل إلى قطع النصر. وعلى كلا المعنيين، إن الله ناصر دينه وكتابه ورسوله لا محالة، فليفعل أهل الغيظ ما شاؤوا. ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال للآية المتقدمة أنزلنا القرآن كله آيات واضحات الدلالة على معانيها، ليتعظ بها المعتبر. ﴿وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ أي ولأن الله يهدي به ويوفق الذين يعلم أنهم يؤمنون، ومستعدون للإيمان بما أنزل، ويريد الله هدايتهم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية الأولى على حسم الموقف بين النبي ﷺ وبين معاديه، فالله تعالى لا محالة ناصر رسوله، ومؤيد دينه وكتابه ودعوته، ومحبط مكائد الأعادي، وقاطع أطماعهم، ورادّ كيدهم في نحورهم، فلا أمل لهم بعدئذ في إحباط دعوة الإسلام، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف ٩/ ٦١] وقال سبحانه: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر ٥١/ ٤٠]. والله تعالى أيضا مؤيد رسوله ﷺ بوحيه، وبما أنزله عليه من الآيات البينات الواضحات، ليفهمها الناس، أي القرآن، وكذلك ﴿أَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ قال القرطبي: علق وجود الهداية بإرادته، فهو الهادي لا هادي سواه.

стр. 5150

وقال الزمخشري والبيضاوي: ولأن الله يهدي به الذين يعلم أنهم مؤمنون، أو يثبّت الذين آمنوا على الهدى. الفصل الإلهي بين الأمم وخضوع كل ما في الكون لعزة الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨)﴾ الإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .. ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الخبر: إما محذوف، وإما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ لأنها فيها معنى الجزاء، فحمل الخبر على المعنى. ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ إما معطوف على ﴿مَنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ﴾ لأن السجود بمعنى الانقياد، وكل مخلوق منقاد تحت قدرة الله تعالى، وإما مبتدأ وخبره: إما ﴿مِنَ النّاسِ﴾ أي من الناس الذين هم الناس على الحقيقة، وهم الصالحون المتقون، وإما محذوف، وهو مثاب، أي وكثير من الناس ثبت له الثواب، دل عليه خبر مقابله وهو قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ﴾. البلاغة: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ بينهما طباق.

стр. 5151

المفردات اللغوية: ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ هم اليهود ﴿وَالصّابِئِينَ﴾ هم فرقة بين اليهود والنصارى، أو قوم يعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور ﴿وَالْمَجُوسَ﴾ أتباع المتنبئ، قوم يعبدون الشمس والقمر والنار ويقولون: إن هناك إلهين اثنين للخير والشر وهما النور والظلمة. ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ عبدة الأصنام والأوثان ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ يقضي بينهم لإظهار المحق من المبطل، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل غيرهم النار ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من عملهم ﴿شَهِيدٌ﴾ عالم به علم مشاهدة، مراقب لما يتعلق به. ﴿يَسْجُدُ لَهُ﴾ يخضع له بما يراد منه، وهو السجود بالتسخير والانقياد لإرادته تعالى، وهناك سجود بالاختيار خاص بالإنسان. ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة، فهو فاعل فعل مضمر، أو هو مبتدأ دل عليه قسيمه المقابل له بعده، وخبره: حق له الثواب، وهم المؤمنون بما هو أكثر من الخضوع في سجود الصلاة ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ﴾ أي وكثير منهم ثبت له العذاب، وهم الكافرون؛ لأنهم أبوا السجود والخضوع لله بشرط الإيمان ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ أي ومن يجعله شقيا لما علم منه من اكتساب الشقاوة فما له أحد يكرمه ويسعده ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ من الإهانة والإكرام. المناسبة: هناك ارتباط عام وارتباط خاص بين هذه الآيات وما قبلها، أما الارتباط العام: فبعد أن ذكر تعالى أحوال المشركين والمنافقين والمؤمنين، أبان هنا أن الله يقضي بينهم جميعا ليبين المحق من المبطل، وأما الارتباط الخاص، فبعد أن ذكر تعالى في الآية السابقة ﴿أَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ أتبعه في الآية الأولى ببيان من يهديه ومن لا يهديه. ثم أردفه في الآية الثانية ببيان أنه ما كان ينبغي لأهل الأديان المختلفة أن يختلفوا؛ لأن جميع العوالم خاضعة لسلطانه وقدرته، وساجدة لعظمته طوعا أو كرها.

стр. 5152

التفسير والبيان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا..﴾. إن الله تعالى يقضي بين أهل الأديان المختلفة من المؤمنين بالله ورسله، واليهود، والنصارى، والمجوس، والمشركين الذين يعبدون مع الله غيره، ويحكم بينهم بالعدل، فيدخل من آمن به الجنة، ومن كفر به النار، فإنه تعالى شهيد على أعمالهم، حفيظ لأقوالهم وأفعالهم، عليم بسرائرهم، وما تكنّ ضمائرهم. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ..﴾. أي ألم تعلم أن الله تعالى يخضع ويسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها، وسجود كل شيء بما يختص به، فيسجد له من في السموات: وهو الملائكة، ومن في الأرض وهم الإنس والجن، والشمس والقمر والنجوم من العوالم العلوية، والشجر والدوابّ (الحيوانات كلها) من العالم السفلي، وكثير من الناس حقّ له الثواب أو يسجد لله طوعا مختارا متعبدا بذلك، أي ثبت وتقرر، وكثير حق عليه العقاب، ممن امتنع وأبى واستكبر. وقد نص على هذه الأشياء؛ لأنها قد عبدت من دون الله، فأبان تعالى أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مسخرة منقادة لله تعالى. ومن يهنه الله فيشقيه، أو من يهنه بالشقاء والكفر لسوء استعداده للإيمان، لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه، ولا يسعده أحد؛ لأن الأمر بيده تعالى، يوفق من يشاء ويخذل من يريد. إن الله تعالى يفعل في عباده ما يشاء من الإهانة والإكرام، لا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه. ونظير الآية كثير، مثل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ، عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ، سُجَّداً لِلّهِ، وَهُمْ داخِرُونَ﴾ [النحل ٤٨/ ١٦].

стр. 5153

ومثل ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧]. وأما إطلاق المشيئة لله تعالى فيوضحه ما رواه ابن أبي حاتم عن علي: أنه قيل لعلي: «إن هاهنا رجلا يتكلم في المشيئة، فقال له علي: يا عبد الله، خلقك الله كما يشاء، أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء، قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث شاء؟ قال: بل حيث يشاء، قال: والله، لو قلت غير ذلك، لضربت الذي فيه عيناك بالسيف» (١). فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية الأولى على أن الله تعالى يقضي بالعدل بين أهل الأديان المختلفة، وهم المؤمنون بالله وبرسوله ﷺ ، واليهود: وهم المنتسبون إلى ملة موسى ﵇، والصابئون: وهم قوم يعبدون النجوم، والنصارى: وهم المنتسبون إلى ملة عيسى، والمجوس: وهم عبدة النيران القائلون بأن للعالم أصلين: نور وظلمة، والمشركون: وهم العرب ونحوهم عبدة الأوثان. هذه الفرق الست: خمسة منها للشيطان، وواحدة منها للرحمن. وإنه تعالى يقضي ويحكم بينهم، فللكافرين النار، وللمؤمنين الجنة، إن الله تعالى شهيد على أعمال خلقه وحركاتهم وأقوالهم. ودلت الآية الثانية على أن القلب والعقل يرى أن جميع ما في العوالم العلوية والسفلية من الكواكب والجمادات والنباتات والإنسان والحيوان يسجد لله تعالى سجود تذلل وانقياد لتدبير الله في جميع الأحوال من ضعف وقوة، وصحة وسقم، وحسن وقبح، وسجود خضوع لعظمته وسلطانه وجبروته.

стр. 5154

روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار». ومن أهانه الله بالشقاء والكفر لسوء استعداده لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه، والذين حق عليهم العذاب، ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم، فيكون مكرما لهم. وإن الله تعالى هو الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب. والمراد من بيان إطلاق المشيئة لله أن مصير الكافرين إلى النار فلا اعتراض لأحد عليه. جزاء الكافرين والمؤمنين ﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾

стр. 5155

الإعراب: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ﴾: حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾ أو خبر ثان. ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾: ﴿ما﴾: نائب فاعل، ﴿وَالْجُلُودُ﴾: معطوف عليه، وهاء ﴿بِهِ﴾ عائدة على ﴿الْحَمِيمُ﴾. والجملة: حال من ﴿الْحَمِيمُ﴾ أو من ضمير «هم». ﴿مِنْ غَمٍّ﴾ في موضع نصب؛ لأنه بدل من قوله: ﴿مِنْها﴾ أي: كلما أرادوا أن يخرجوا من غم أعيدوا فيها. ﴿وَذُوقُوا عَذابَ﴾ على حذف القول، أي: ويقال لهم: ذوقوا عذاب الحريق، وهذا كثير في كلام العرب. ﴿مِنْ أَساوِرَ﴾ صفة مفعول محذوف. ﴿وَلُؤْلُؤاً﴾ إما منصوب بتقدير فعل، أي ويعطون لؤلؤا، لدلالة ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ عليه في أول الكلام. وإما معطوف على موضع الجار والمجرور من قوله: ﴿مِنْ أَساوِرَ﴾ كأن يقال: مررت بزيد وعمرا. وعلى قراءة الجر يكون معطوفا على ﴿أَساوِرَ﴾ أو على الذهب بأن يرصع اللؤلؤ بالذهب. البلاغة: ﴿اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ أي في دين ربهم، فهو على حذف مضاف. وقوله: ﴿هذانِ﴾ للفظ، و ﴿اِخْتَصَمُوا﴾ للمعنى. ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ﴾ استعارة عن إحاطة النار بهم كإحاطة الثوب بلابسه. المفردات اللغوية: ﴿هذانِ خَصْمانِ﴾ الخصم: من يعارض غيره في الرأي. وقد وصف به الفريق أو الفوج، فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان مختصمان متنازعان، وقوله: ﴿هذانِ﴾ للفظ، و ﴿اِخْتَصَمُوا﴾ للمعنى، والمراد بهما: المؤمنون والكافرون. والخصم: يطلق على الواحد والجماعة. ﴿اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ أي في دينه أو في ذاته وصفاته ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ﴾ أي قدّرت لهم ثياب يلبسونها، والمراد: نيران تحيط بهم إحاطة الثياب ﴿الْحَمِيمُ﴾ الماء البالغ نهاية الحرارة ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾ يذاب ﴿ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ أي يؤثر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم، فيذاب به

стр. 5156

أحشاؤهم، كما يذاب أو يشوى به جلودهم ﴿مَقامِعُ﴾ مضارب أو سياط حديد يجلدون بها، جمع مقمعة. ﴿أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها﴾ أي من النار ﴿مِنْ غَمٍّ﴾ حزن شديد يلحقهم بها ﴿أُعِيدُوا فِيها﴾ ردوا إليها بالمقامع ﴿ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي ويقال لهم: ذوقوا العذاب البالغ نهاية الإحراق، أو العذاب المحرق. ﴿مِنْ أَساوِرَ﴾ جمع أسورة، وهي جمع سوار، أي فالأساور جمع الجمع، وهي حلية تلبسها النساء في معاصمها ﴿وَلُؤْلُؤاً﴾ هو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف ﴿حَرِيرٌ﴾ هو المحرم لبسه على الرجال في الدنيا. ﴿وَهُدُوا﴾ أرشدوا ﴿إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهو كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، أو هو قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ﴾ [الزمر ٧٤/ ٣٩] أو كلام أهل الجنة مع بعضهم بعضا ﴿صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ أي الطريق المحمود، وهو الإسلام أو طريق الجنة، أو آداب المعاشرة والاجتماع. والأصح أنه طريق الله الحميد أي المحمود نفسه أو عاقبته وهو الجنة. سبب النزول: نزول الآية (١٩): ﴿هذانِ خَصْمانِ﴾: أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي ذر قال: نزلت هذه الآية: ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ في حمزة وعبيدة وعلي بن أبي طالب، وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة. أي الفريقين اللذين قاما بالمبارزة في بداية معركة بدر. وأخرج الحاكم عن علي قال: فينا نزلت هذه الآية، وفي مبارزتنا يوم بدر: ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْحَرِيقِ﴾. وأخرج الحاكم من وجه آخر عن علي قال: نزلت في الذين بارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: أنها نزلت في أهل الكتاب قالوا

стр. 5157

للمؤمنين: نحن أولى بالله منكم، وأقدم كتابا، ونبينا قبل نبيكم، فقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد وبنبيكم، وبما أنزل الله من كتاب. المناسبة: بعد بيان أهل الفرق الستة وقضاء الله بينهم بالعدل، ذكر هنا تصنيفهم إلى فريقين: فريق الإيمان، وفريق الكفر، ثم محاورتهم فيما بينهم في الأهدى طريقا، ومآل كل من الفريقين إلى الجحيم أو إلى النعيم. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن خصومة فريقين اختصموا في دين الله وذاته وصفاته فيقول: ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ أي إن أهل الأديان المختلفة الستة المتقدم بيانهم هم فريقان متميزان: فريق المؤمنين، وفريق الكافرين الذين هم أتباع الديانات الخمس المتقدمة، تنازعوا وتجادلوا في شأن ربهم وفي دينه، وكل منهم يعتقد أنه على حق، وأن خصمه على الباطل ويبني على أساس ذلك جهاده وسلوكه وفكره. والحق أن مصير الفريقين واضح، أما الفريق الأول وهم الكافرون فجزاؤهم: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ﴾ أي فالكافرون تحيط بهم النار إحاطة شاملة، وقد مثّل ذلك بأنه فصلت لهم مقطعات من نار تحيط بهم كإحاطة الثوب بلابسه، مما يومئ بشدة عذابهم واحتقار شأنهم، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف ٤١/ ٧] وقال سبحانه: ﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ، وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم ٥٠/ ١٤]. ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ أي يصب على رؤوسهم الماء البالغ درجة الغليان الذي يذيب ما في بطونهم من أحشاء، ويشوي جلودهم، فيحرق الباطن والظاهر.

стр. 5158

روى ابن جرير والترمذي وابن أبي حاتم وعبد بن حميد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الحميم ليصبّ على رؤوسهم، فينفذ الجمجمة، حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه، حتى يبلغ قدميه، وهو الصّهر، ثم يعاد كما كان». ﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ أي لهم مضارب أو سياط من حديد، يضربون بها على وجوههم ورؤوسهم وأعضائهم وأجسادهم. أخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «لو أن مقمعا من حديد وضع في الأرض، فاجتمع له الثقلان، ما أقاموه من الأرض». وأخرج عن أبي سعيد أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «لو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت، ثم عاد كما كان، ولو أن دلوا من غسّاق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا». ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ..﴾. أي كلما حاولوا الهرب من جهنم بسبب شدة العذاب والغم، أي الحزن الشديد، أعيدوا فيها كما كانوا، ويقال لهم: ذوقوا العذاب المحرق، وعذاب هذه النار المحرقة. قال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل لمقيدة، وإن الأيدي لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها. وقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ كقوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ: ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة ٢٠/ ٣٢] ومعنى الكلام: أنهم يهانون بالعذاب قولا وعملا. وبعد بيان سوء حال الكافرين وما هم فيه من العذاب والنكال، والحريق والأغلال، ذكر تعالى حسن أهل الجنة، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ.﴾. أي إن الله يدخل المؤمنين الذين يعملون الصالحات أي الطاعات والقربات، ويتجنبون المنكرات

стр. 5159

جنات عالية رفيعة تجري الأنهار من تحت أشجارها وجوانبها وقصورها، يوجهونها حيث أرادوا. ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾ أي وحليتهم التي يلبسونها أساور الذهب في أيديهم أو تكون مرصعة باللؤلؤ، ويؤتون لؤلؤا يزينون به هاماتهم ورؤوسهم، كما قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» واللؤلؤ كما تقدم: هو ما يستخرج من البحر من جوف الصّدف. ﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ أي ويرتدون الحرير الذي كان محرما لباسه على الرجال في الدنيا، في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، ويؤكدها آية أخرى: ﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣/ ٣٥]. ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي أرشدوا إلى القول الطيب، وهو كلمة التوحيد أو قوله تعالى حين دخول الجنة: ﴿وَقالُوا: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ، وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ، نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ [الزمر ٧٤/ ٣٩]. أو إلى تحية الملائكة لهم بالسلام، وهذا في مقابل أهل النار الذين يقرعون ويوبخون ويقال لهم: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾. ﴿وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ أي وأرشدوا إلى الطريق المحمود أو إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم على نعمه وأفضاله، أو إلى السلوك الحسن المرضي ربهم في أقوالهم وأفعالهم، والأصح: إلى طريق الله الحميد أي المحمود نفسه أو عاقبته وهو الجنة. فقه الحياة أو الأحكام: هذه حال المؤمنين وحال الكافرين في الآخرة، أما الكافرون من الفرق الخمس الذين تقدم ذكرهم، فخيطت وسويت لهم ثياب شاملة من نار، أي أنها

стр. 5160

تحيط بهم إحاطة كاملة، ويصب على رؤوسهم الماء الحار المغلي بنار جهنم، يذيب أحشاء بطونهم وشحومها، ويشوي الجلود أو يحرقها، فإن الجلود لا تذاب، فيضم في كل شيء ما يليق به، ويضربون ويدفعون بمضارب ثقيلة من حديد. وإذا حاولوا الخروج من النار حين تفور بهم، فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فتعيدهم خزنة النار إليها بالمقامع، ويقولون لهم: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ أي المحرق. والذوق: مماسّة يحصل معها إدراك الطعم، والمراد به إدراكهم الألم. وأما المؤمنون فلهم ألوان عديدة من النعم، منها أنهم يحلون بأساور الذهب، ويحلون لؤلؤا يزينون به تيجانهم، قال القشيري: والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ، ولا يبعد أن يكون في الجنة سوار من لؤلؤ مصمت، أي الذي لا يخالطه غيره. قال القرطبي: وهو ظاهر القرآن ونصه. وجميع ما يلبسونه وينتفعون به من فرشهم ولباسهم وستورهم حرير، وهو أعلى مما في الدنيا بكثير. وأرشدوا إلى طيب القول، قال ابن عباس يريد لا إله إلا الله، والحمد لله، كما أرشدوا إلى صراط الله وهو في الدنيا دينه وهو الإسلام، وفي الآخرة الطيب من القول: وهو الحمد لله؛ لأنهم يقولون غدا: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا﴾ [الأعراف ٤٣/ ٧]، ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤/ ٣٥]؛ فليس في الجنة لغو ولا كذب، فما يقولونه فهو طيّب القول. وقد هدوا في الجنة إلى صراط الله وهو الإسلام أو إلى طريق الجنة، إذ ليس في الجنة شيء من مخالفة أمر الله وقيل: الطيب من القول: ما يأتيهم من الله من البشارات الحسنة. أما في الدنيا فالحرير والذهب محرم استعمالهما حلية على الرجال، حلال للنساء، أما الانتفاع بآنية الذهب والفضة كالأكل والشرب فهو حرام مطلقا على

стр. 5161

الرجال والنساء. روى النسائي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة، لم يشرب فيها في الآخرة». ثم قال رسول الله ﷺ : «لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة، وآنية أهل الجنة». والحرمان من ذلك: إنما هو في حال عدم وجود التوبة، بدليل حديث ابن عمر عن النبي ﷺ : «من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة». فإذا لم تحدث التوبة، فيحرم مما ذكر عملا بظاهر الحديث، وإن دخل الجنة، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة، ولم يلبسه هو». وكذلك «من شرب الخمر ولم يتب» و «من استعمل آنية الذهب والفضة» وليس ذلك بعقوبة؛ لأن الجنة ليست بدار عقوبة، ولا مؤاخذة فيها بوجه (١). المنع من المسجد الحرام ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾

стр. 5162

الإعراب: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ الواو: إما واو عطف أو واو حال، فإن كانت للعطف عطف المضارع على الماضي حملا على المعنى، على تقدير: إن الكافرين والصادّين. وإن كانت للحال، كان تقديره: إن الذين كفروا صادّين عن سبيل الله. وخبر ﴿إِنَّ﴾ مقدّر، أي معذّبون. والأصح هو الأول، قال البيضاوي: لا يريد به حالا ولا استقبالا، وإنما يريد استمرار الصدّ منهم، كقولهم: فلان يعطي ويمنع، ولذلك حسن عطفه على الماضي. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ﴾ [الرعد ٢٨/ ١٣]. ﴿سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ﴾ ﴿الْعاكِفُ﴾: مبتدأ، ﴿وَالْبادِ﴾: عطف عليه، وسواء على قراءة الرفع: خبر مقدم. وعلى قراءة النصب: منصوب على المصدر، على تقدير: سوّينا، أو على الحال من هاء ﴿جَعَلْناهُ﴾ وهو عامل فيه، ورفع ﴿الْعاكِفُ﴾ به. ﴿بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ حالان مترادفان، ومفعول ﴿يُرِدْ﴾: متروك ليتناول كل متناول كما قال الزمخشري، وهو الأولى كما قال الرازي. البلاغة: ﴿الْعاكِفُ﴾ و ﴿الْبادِ﴾ بينهما طباق، إذ العاكف: المقيم في المدينة، والباد: المقيم في البادية. المفردات اللغوية: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي ويمنعون عن دين الله وطاعته. والصد: المنع، والفعل يفيد استمرار المنع ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ مكة ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ﴾ منسكا ومعبدا ﴿سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ﴾ أي تساوى فيه المقيم الملازم والطارئ من البادية ﴿بِإِلْحادٍ﴾ عدول عن القصد والاستقامة، والباء زائدة للتأكيد، أي إلحادا مثل ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون ٢٠/ ٢٣] ﴿بِظُلْمٍ﴾ بغير حق، أي بسببه، بأن ارتكب منهيا، ولو شتم الخادم ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي يتلقى بعض العذاب المؤلم، وهو جواب الشرط لمن يرد، ويفهم خبر ﴿إِنَّ﴾ من قوله ﴿نُذِقْهُ﴾ أي نذيقهم من عذاب أليم. سبب النزول: قال ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في أبي سفيان بن حرب

стр. 5163

وأصحابه حين صدوا رسول الله ﷺ وأصحابه عام الحديبية عن المسجد الحرام، وقد كره ﵊ أن يقاتلهم، وكان محرما بعمرة، ثم صالحوه على أن يعود في العام المقبل. وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ﴾: روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: بعث النبي ﷺ عبد الله بن أنيس مع رجلين: أحدهما مهاجر، والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام، وهرب إلى مكة، فنزلت فيه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ الآية. المناسبة: بعد بيان مآل الكفار والمؤمنين، عظم الله تعالى حرمة البيت الحرام، وعظم كفر المشركين الصادين عن الدخول إليه لأداء المناسك، مع ادعائهم أنهم حماته. التفسير والبيان: إن الذين كفروا بالله ورسوله، وهم مع كفرهم يصدون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام من أراده من المؤمنين الذين هم أحق الناس به في الأمر نفسه، فهم يمنعونهم من الدخول إليه، مع أن الله تعالى جعله للناس جميعا لصلاتهم وعبادتهم، وطوافهم وأداء مناسكهم، يستوي في شأنه المقيم منهم فيه والطارئ عليه النائي عنه، من أهل البوادي وغيرهم. ومن يرد فيه مرادا ما عادلا عن القصد والاستقامة، ظالما، أي يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار، عامدا قاصدا أنه ظلم غير متأول، وهو التعمد، نذقه يوم القيامة من العذاب المؤلم. قال مجاهد: ﴿بِظُلْمٍ﴾: يعمل فيه عملا سيئا. وقال ابن أبي حاتم: وهذا

стр. 5164

من خصوصية الحرم أنه يعاقب البادي في الشر إذا كان عازما عليه، وإن لم يوقعه. وروى ابن أبي حاتم عن يعلى بن أمية أن رسول الله ﷺ قال: «احتكار الطعام بمكة إلحاد». وهذا بعض أمثلة الظلم، فإن هذا الإلحاد والظلم يجمع جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر، فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه، ومن نوى سيئة، ولم يعملها، لم يحاسب عليها إلا في مكة. والخلاصة: أن الآية عامة تشمل كل أنواع المعصية، ويختص الحرم بعقوبة من همّ فيه بسيئة وإن لم يعملها، كما أن الله تعالى جعل الحرم مفتوحا ومنسكا لكل الناس، أي الذين يقع عليهم اسم الناس من غير فرق بين حاضر وباد، ومقيم وطارئ، ومكي وآفاقي. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على ما يأتي: ١ - حرية العبادة في الحرم المكي لجميع الناس، من أهل مكة وغيرهم، وهذا يومئ إلى أن من يمنع الناس من حج بيت الله الحرام، يكون من الذين كفروا؛ لأن الله تعالى ذكر فريضة الحج عقب هذه الآية. ٢ - كل من يرتكب معصية في مكة عدوانا وظلما، أو يعزم فيه على الشر، وإن لم يفعله، له يوم القيامة عذاب مؤلم شديد الألم أي فيعاقب الإنسان على ما ينويه من المعاصي بمكة، وإن لم يعمله. قال الإمام أحمد: أتى عبد الله بن عمر عبد الله بن الزبير، فقال: يا ابن الزبير: إياك والإلحاد في حرم الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيلحد فيه رجل من قريش لو توزن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت». وقد استدل الحنفية بالآية على امتناع جواز بيع دور مكة وإجارتها، قائلين بأن المراد بالمسجد الحرام مكة، ومستدلين بما رواه ابن ماجه والدارقطني

стр. 5165

عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن. وقال عبد الله بن عمرو-فيما رواه عنه عبد الرزاق: لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها، وقال: «من أكل من أجر بيوت مكة شيئا، فإنما يأكل نارا». وروى عبد الرزاق أيضا عن ابن جريج قال: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم. وذهب الشافعي ﵀ إلى أن رباع مكة تملك وتورث وتؤجر، لحديث أسامة بن زيد في الصحيحين قال: قلت: يا رسول الله، أتنزل غدا في دارك بمكة؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل من رباع»؟ وقال فيما رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن أسامة: «لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر» وثبت أن عمر بن الخطاب اشترى من صفوان بن أمية دارا بمكة، فجعلها سجنا بأربعة آلاف درهم. وتوسط الإمام أحمد فقال: تملك وتورث، ولا تؤجر، جمعا بين الأدلة. ومنشأ الخلاف: كيفية فتح مكة، هل كان فتحها عنوة؟ فتكون مغنومة، لكن النبي ﷺ لم يقسمها وأقرها لأهلها، ولمن جاء بعدهم؛ كما فعل عمر ﵁ بأرض سواد العراق، فتبقى على ذلك لا تباع ولا تكرى، ومن سبق إلى موضع كان أولى به. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي. أو هل كان فتحها صلحا؟ وإليه ذهب الشافعي، فتبقى ديارهم بأيديهم، ويتصرفون في أملاكهم كيف شاؤوا، واستدل بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ [الحج ٤٠/ ٢٢] فأضافها إليهم. وقال ﷺ يوم فتح مكة فيما رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة: «من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان، فهو آمن». ويلاحظ أنه لم يؤاخذ الله تعالى أحدا على الهم بالمعصية إلا في المسجد الحرام لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ﴾ لأنه مكان تطهير النفس والتوبة والنقاء والتخلص من الذنوب بالكلية لله .

стр. 5166

تعيين مكان البيت الحرام والأمر بالحج إليه ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ الإعراب: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ﴾ اللام: إما زائدة؛ لأن ﴿بَوَّأْنا﴾ يتعدى إلى مفعولين، فإبراهيم هو المفعول الأول، و ﴿مَكانَ﴾: هو المفعول الثاني، وإما ألا تكون زائدة، ويكون ﴿بَوَّأْنا﴾ محمولا على معنى (جعلنا) فكأنه قال: جعلنا لإبراهيم مكان البيت: ظرف، والمفعول محذوف، تقديره: بوأنا لإبراهيم مكان البيت منزلا. ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي﴾ أن: إما مخففة من الثقيلة في موضع نصب، أي بأنه لا تشرك بي، وإما مفسّرة بمعنى «أي» وإما زائدة. ﴿يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ﴾ ﴿رِجالاً﴾: حال منصوب من واو ﴿يَأْتُوكَ﴾. و ﴿عَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾: جارّ ومجرور في موضع نصب على الحال، أي يأتوك رجالا وركبانا. و ﴿يَأْتِينَ﴾: يعود إلى معنى ﴿كُلِّ﴾ وفعل غير العقلاء كفعل المؤنث، ودلت ﴿كُلِّ﴾ على العموم، فأتى الخبر على المعنى. ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ﴾ ﴿ذلِكَ﴾: إما مجرور صفة للبيت العتيق، وإما مرفوع خبر مبتدأ

стр. 5167

محذوف، أي الأمر ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿ذلِكَ، وَمَنْ عاقَبَ﴾ [الحج ٦٠/ ٢٢] أي الأمر ذلك. البلاغة: عميق عتيق سحيق أي في الآية التالية سجع مستحسن في علم البديع. المفردات اللغوية: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا﴾ أي واذكر إذ عيناه وبيناه ﴿مَكانَ الْبَيْتِ﴾ أي الكعبة ليبنيه، وكان قد رفع من زمن الطوفان في عهد نوح ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ من الأوثان والأقذار لمن يطوف به ويصلي فيه ﴿وَالْقائِمِينَ﴾ المقيمين به ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المصلين، جمع راكع وساجد. ﴿وَأَذِّنْ﴾ ناد بالحج، أي بالدعوة إليه، فنادى على جبل أبي قبيس: يا أيها الناس، إن ربكم بنى بيتا، وأوجب عليكم الحج إليه، فأجيبوا ربكم. والتفت بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا، فأجابه كل من كتب له أن يحج من أصلاب الرجال وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك. ﴿يَأْتُوكَ رِجالاً﴾ أي راجلين ماشين على الأقدام، جمع راجل، كتاجر وتجار وقائم وقيام، و ﴿يَأْتُوكَ﴾: جواب الأمر ﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ أي وركبانا على كل بعير مهزول، بأن أتعبه بعد السفر فهزل. والضامر: يطلق على الذكر والأنثى ﴿يَأْتِينَ﴾ اي الضوامر، أتى به جمعا حملا على المعنى ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي طريق بعيد. ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ ليحضروا ﴿مَنافِعَ لَهُمْ﴾ منافع دينية في الآخرة، ودنيوية بالتجارة ﴿فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ هي عشر ذي الحجة، أو يوم عرفة أو يوم النحر إلى آخر أيام التشريق-أيام عيد الأضحى ﴿بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ الإبل والبقر والغنم التي تنحر في يوم العيد وما بعده من الهدايا والضحايا ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ من لحومها، أباح ذلك خلافا لما كان عليه أهل الجاهلية من التحرج فيه، وهذا في المتطوع به، المستحب، دون الواجب ﴿الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾ أي الذي أصابه بؤس أي شدة، والفقير: المحتاج، والأمر فيه للوجوب. ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ أي يزيلوا أو ساخهم وشعثهم كطول الظفر والشعر، ونتف الإبط، والمراد هنا: قص الأشعار وتقليم الأظفار. ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ما ينذرون به من البر في حجهم، ومن الهدايا والضحايا. والنذر: كل ما لزم الإنسان أو التزمه. ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أي يطوفوا طواف الركن الذي به تمام التحلل أي طواف الإفاضة، فإنه قرينة قضاء التفث، وقيل: طواف الوداع. والعتيق: القديم؛ لأنه أول بيت وضع للناس.

стр. 5168

سبب النزول: نزول الآية (٢٧): ﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾: أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كانوا لا يركبون، فأنزل الله: ﴿يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ فأمرهم بالزاد، ورخص لهم في الركوب والمتجر. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى موقف المشركين من الصد عن المسجد الحرام، أراد تعالى بيان مكانة البيت الحرام وتوبيخ أولئك المشركين على فعلهم، فإن أباهم إبراهيم ﵇ هو الذي بناه، وأمر بتطهيره للطائفين والمصلين، وأن يدعو الناس إلى الحج، للحصول على المنافع الدينية والدنيوية. التفسير والبيان: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ.﴾. أي واذكر يا محمد للناس وقت أن جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة، أي مرجعا يرجع إليه للعبادة، وأرشده إليه وأذن له في بنائه. والمراد بذكر الوقت ذكر ما وقع فيه من حادث عظيم، ليتذكر المشركون، ويقلعوا عن عبادة الأوثان إلى عبادة الله الواحد الديان. وفي هذا تقريع وتوبيخ لمن أشرك بالله في بقعة أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له. وفيه دليل على أن إبراهيم ﵇ هو أول من بنى البيت العتيق، وأنه لم يبن قبله بعد رفعه وطمس معالمه في أثناء طوفان نوح ﵇، كما ثبت في الصحيحين عن أبي ذرّ قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: «المسجد الحرام» قلت: ثم أي؟ قال: «بيت المقدس» قلت: كم بينهما؟

стр. 5169

قال: «أربعون سنة». وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾ الآيتين [آل عمران ٩٦/ ٣ - ٩٧] وقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة ١٢٥/ ٢]. ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ.﴾. أي وقلنا له: ابنه على اسمي وحدي، ولا تشرك بي شيئا من خلقي في العبادة، وطهّر بيتي من الشرك والأوثان والأصنام والأقذار أن تطرح حوله، واجعله خالصا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطائف به يخص العبادة بالله تعالى، لا يفعل ببقعة من الأرض سواها، والقائم في الصلاة أو الدعاء لله، والراكع الساجد لله تعالى فيها. وقد قرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده، والصلاة إليه، فالقائمون: هم المصلون، وذكر تعالى من أركان الصلاة أعظمها وهو القيام والركوع والسجود. ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ.﴾. أي ناد في الناس بالحج، داعيا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، يأتوك راجلين ماشين، وراكبين على كل بعير ضامر مهزول، من كل طريق بعيد. والأذان والتأذين: الاعلام برفع الصوت على نحو ما يكون للصلاة. والمراد هنا: النداء في الناس بأن الله قد كتب عليهم الحج ودعاهم إلى أدائه. روي أنه لما أمر إبراهيم ﵇ بالأذان للحج قال: يا ربّ، وما يبلغ صوتي؟ قال: أذّن وعليّ الإبلاغ، فصعد إبراهيم خليل الله جبل أبي قبيس وصاح: يا أيها الناس، إن الله قد أمركم بحج هذا البيت، ليثيبكم به الجنة، ويجيركم من عذاب النار، فحجّوا، فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء، لبّيك اللهم لبّيك (١). وهذا معجزة خارقة للعادة، فهو سبحانه قادر على إيصال صوت إبراهيم إلى من يشاء في أنحاء الأرض والسماء.

стр. 5170

وهذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن إبراهيم حيث قال في دعائه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم ٣٧/ ١٤]. فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحنّ إلى رؤية الكعبة والطواف، والناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار. وقد يستدل بقوله: ﴿رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ على أن الحج ماشيا لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبا؛ لأنه قدّمهم في الذّكر، فدل على الاهتمام بهم، وقوة هممهم، وشدة عزمهم. قال ابن عباس: ما آسى على شيء فاتني، إلا أني وددت أني كنت حججت ماشيا؛ لأن الله يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجالاً﴾ (١). والذي عليه أكثر العلماء أن الحج راكبا أفضل، اقتداء برسول الله ﷺ ، فإنه حجّ راكبا، مع كمال قوته ﷺ . وإنما قال: ﴿يَأْتُوكَ﴾ مع أن الإتيان للبيت الحرام، إشارة إلى أنه الداعي والقدوة لهم بعد، وفيه تشريف إبراهيم. ثم أبان تعالى سبب النداء إلى الحج وحكمته فقال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ، وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ.﴾. أي أدعهم إلى الحج ليحضروا منافع لهم دينية بأن يحظوا برضوان الله، ودنيوية بما يصيبون من منافع البدن والذبائح والتجارات، وما يكون في ذلك الاجتماع العظيم من التعارف. وهذا دليل على جواز الاتجار في الحج. وليذكروا اسم الله أي حمده وشكره والثناء عليه بالتكبير والتسبيح، على ما رزقهم من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، وذلك في أيام معلومات هي أيام النحر الثلاثة أو الأربعة وهو قول الصاحبين ومالك، وقيل: عشر ذي

стр. 5171

الحجة وهو رأي أبي حنيفة والشافعي. وإذا كان ذكر اسم الله بمعنى الحمد والشكر فتكون ﴿عَلى﴾ للتعليل، ورأى الزمخشري أن ذكر اسم الله كناية عن الذبح والنحر؛ لأن أهل الإسلام لا ينفكّون عن ذكر اسمه إذا ذبحوا أو نحروا، وتكون ﴿عَلى﴾ للاستعلاء. وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي فيما يتقرّب به إلى الله أن يذكر اسمه. واختير هذا الأسلوب ليشير إلى أن ذكر الله وحده دون شرك هو المقصود الأعظم وتوسيط الرزق للحث على الشكر والتقرب بتلك القربة والتهوين عليهم في الإنفاق. ثم أمر الله تعالى بالأكل من تلك الذبائح أمر إباحة فقال: ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾ أي فاذكروا اسم الله على الذبائح، وكلوا من لحومها، وأطعموا البائس الذي أصابه بؤس أي شدة، الفقير المحتاج. والأمر بالأكل من الذبائح كما ذكر؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من نسائكهم. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون ندبا، لما فيه من مساواة الفقراء ومواساتهم وإظهار التواضع، ومن هنا استحب الفقهاء أن يأكل الموسع من أضحيته مقدار الثلث. وثبت أن رسول الله ﷺ لما نحر هديه، أمر من كل بدنة ببضعة (قطعة من اللحم) فتطبخ، فأكل من لحمها، وحسا من مرقها. ومذهب الشافعي أن الأكل مستحب، والإطعام واجب، فإن أطعمها جميعها جاز وأجزأ. وقوله: ﴿فَكُلُوا﴾ التفات إليهم بالخطاب ليؤكد لهم إباحة الأكل من تلك الذبائح. ثم أمر تعالى بالنظافة وإيفاء النذر والطواف، فقال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ، وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ، وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ هذه أوامر بواجبات ثلاثة على سبيل الإيجاب، أي ليزيلوا الأوساخ من على أجسادهم بقص الأظفار وحلق الأشعار ونحوه من الأغسال، وليوفوا نذورهم التي نذروها

стр. 5172

تقربا إلى الله تعالى من أعمال البر، والنذر: كل ما لزم الإنسان أو التزمه، وليطوفوا طواف الركن أو الإفاضة، وقيل: طواف الوداع، بالبيت العتيق أي القديم، فهو أقدم بيت للعبادة. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إن بناء الكعبة المشرفة أو البيت الحرام على يد إبراهيم الخليل ﵇ بأمر من الله تعالى له هدفان: الأول-إعلان وحدانية الله تعالى وإظهار التوحيد الخالص من شوائب الشرك. الثاني-تطهير البيت من جميع الأصنام والأوثان والأقذار وكل مظاهر الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء، كما قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ [الحج ٣٠/ ٢٢]. والأصح أن الخطاب في ذلك وما يأتي لإبراهيم، وليس لمحمد عليهما الصلاة والسلام. ٢ - قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ﴾ إعلام بفريضة الحج. وهذا يدل على أن الحج كان مفروضا في زمن إبراهيم ﵇، فإن كانت الفرضية باقية لم تنسخ في عهد نبي بعده، كانت الأوامر به في شريعتنا مؤكدة لتلك الفرضية. وإن نسخت تلك الفرضية، كان وجوب الحج علينا بقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران ٩٧/ ٣]. وذلك في عام الوفود في السنة التاسعة. وأما آية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة ١٩٦/ ٢] النازلة في السنة

стр. 5173

السادسة، فليست صريحة في الإيجاب؛ إذ يحتمل أن المراد وجوب إتمامهما بعد الشروع فيهما، فيكون الشروع فيهما ليس واجبا. وأما إن النبي ﷺ حج حجتين قبل الهجرة فهما نافلتان على ملة أبينا إبراهيم ﵇، ثم حج بعد الهجرة حجة الوداع في السنة العاشرة، وهي حجة الإسلام. وأما إن النبي ﷺ لم يبادر بالحج سنة تسع عام الفرضية؛ لأن الوقت حينئذ كان زمن النسيء (تأخير أزمان الشهور) ولم يكن الزمن الحقيقي قد استقر حتى تعود عشر ذي الحجة إلى مركزها الصحيح من السنة، وقد علم النبي ﷺ أنها ستعود إلى مركزها الحقيقي في السنة العاشرة، فتأخر إليها كي يقع حجة في الوقت الحقيقي الذي فرض الله على الناس الحج فيه. وليس على أبي بكر الذي حج في السنة التاسعة ولا على غيره حرج في حجهم ما دام أمر الزمان مختلطا. ونداء إبراهيم بالحج على جبل أبي قبيس وإسماع صوته إلى الآفاق معجزة، فالله قادر على إيصال صوت إبراهيم إلى من يشاء في أي مكان. أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت قال: ربّ قد فرغت، فقال: أذّن في الناس بالحج، قال: يا رب، وما يبلغ صوتي؟ قال: تعال أذّن، وعلي البلاغ، قال: ربّ كيف أقول؟ قال: قل: «يا أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق» فسمعه أهل السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيبون من أقصى البلاد، يلبّون. ٣ - قوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ وعد بإجابة الناس إلى حج البيت ما بين راجل وراكب. وفيه دليل على جواز كل من المشي والركوب إلى الحج، ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل منهما:

стр. 5174

فرأى بعض المالكية أن المشي أفضل، لما فيه من المشقة على النفس، ولحديث ابن ماجه في سننه عن أبي سعيد الخدري قال: حجّ النبي ﷺ وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة، ولقول ابن عباس المتقدم. وذهب جمهور الفقهاء منهم الإمام مالك إلى أن الركوب أفضل، اقتداء بالنبي ﷺ ، ولكثرة النفقة، ولتعظيم شعائر الحج بأهبة الركوب. وأما مجرد تقديم ﴿رِجالاً﴾ على الركبان فلا يدل على الأفضلية، لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، ولجواز أن يكون تقديم الرجال على الركبان، للإشارة إلى مسارعة الناس في الامتثال، حتى إن الماشي ليكاد يسبق الراكب. وترفع الأيدي عند رؤية البيت الحرام في مذهب أحمد وجماعة؛ لما روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «ترفع الأيدي في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصّفا والمروة، والموقفين (١)، والجمرتين». ٤ - دلّ قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ على جواز التجارة في الحج؛ قال مجاهد: المنافع: التجارة وما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة. ونص الفقهاء على جواز التجارة للحجاج من غير كراهة إذا لم تكن هي المقصودة من السفر، بدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة ١٩٨/ ٢] والفضل: التجارة بلا خلاف. وكلمة ﴿مَنافِعَ﴾ تدل على حكمة الحج، وأنه شرع لما فيه من منافع عظيمة في الدين والدنيا، فمناسك الحج من أعظم مظاهر الخشية والإخلاص لله في الذكر والدعاء والعبادة، وهي تدل على التجرد من مفاتن الدنيا وزينتها، وتبعث على عدم التعلق بشهواتها وزخارفها. كما أنها بواعث على الرحمة والإحسان، والعدل

стр. 5175

والمساواة، والتعاون، إذ يتعاون الناس في أسفارهم، ويتراحمون، ويتعارفون في هذا المؤتمر الأكبر، ويكونون متساوين لا فرق بين حاكم ومحكوم، ولا بين غني وفقير. ثم إنه كان وما يزال الحج محققا لمنافع معيشية لأهل الحجاز. ٥ - يرى المالكية أن ذبح الهدي لا يجوز ليلا، للآية: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ لأن الله جعل ظرف النحر هو الأيام لا الليالي. والحق أن اليوم يطلق على النهار، وعلى مجموع النهار والليل. وغير المالكية يرون كراهة الذبح ليلا، لاحتمال الخطأ فيه بسبب الظلمة. والأيام المعلومة في رأي الإمام مالك وأبي يوسف ومحمد: هي أيام النحر، وهي العيد واليومان بعده. وفي رأي أبي حنيفة والشافعي: هي عشر ذي الحجة، وهي معلومات؛ لأن شأن المسلمين الحرص على معرفتها. وأيام النحر عند الحنفية والمالكية ثلاثة أيام: العاشر ويومان بعده، وعند الشافعي: إنها أربعة: العاشر وما بعده. والرأي الأول مروي عن جمع من الصحابة. والثاني بدليل ما روى البيهقي عن جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: «وكلّ أيام التشريق ذبح» وهي ثلاثة بعد يوم النحر، لكن الإمام أحمد ضعّف هذا الحديث. ووقت الذبح بعد النحر في رأي مالك: بعد صلاة الإمام وذبحه، وعند أبي حنيفة: بعد الفراغ من الصلاة دون ذبح، وفي رأي الشافعي: بعد دخول وقت الصلاة ومقدار خطبتين. قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافا بين العلماء في أن من ذبح قبل الصلاة، وكان من أهل المصر أنه غير مضحّ، لقوله ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب: «من ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم». وأما أهل البوادي ومن لا إمام له: فمشهور مذهب مالك أنه يتحرى ذبح الإمام أو أقرب الأئمة إليه. وقال الحنيفة: يجزيهم من بعد الفجر.

стр. 5176

٦ - قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ يراد منه الإباحة، مثل قوله: ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ [المائدة ٢/ ٥] وقوله: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة ١٠/ ٦٢] أو يراد منه الندب والاستحباب، فيستحب للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته، وأن يتصدق بالأكثر، مع تجويز الصدقة بالكل وأكل الكل عند المالكية. وذلك خلافا لما كان عليه أهل الجاهلية من التحرج عن الأكل من الهدايا، فأباح النص الأكل منها أو ندب إليه لقصد مواساة الفقراء. لكن جواز الأكل من الهدايا ليس عاما في كل هدي، فإن دم الجزاء لا يجوز لصاحبه الأكل منه اتفاقا، ودم التطوع يجوز الأكل منه اتفاقا. أما دم التمتع والقران: فقال الشافعية: إنه دم جبر، فلا يجوز لصاحبه الأكل منه. ورأى الحنفية أنه دم شكر، فأباحوا لصاحبه الأكل منه، عملا بظاهر الآية، فإنها رتبت قضاء التفث على الذبح والطواف، ولا دم تترتب عليه هذه الأفعال إلا دم المتعة والقران، فإن سائر الدماء يجوز ذبحها قبل هذه الأفعال وبعدها، فدل ذلك على أن المراد في الآية دم المتعة والقران. وثبت أن النبي ﷺ أكل من البدن التي ساقها في حجة الوداع، وقد كان قارنا على الراجح عندهم. وإذا كان يجوز إطعام الأغنياء منها، جاز لصاحب الذبيحة أن يأكل منها، ولو كان غنيا. ومشهور مذهب مالك ﵁ أن صاحب الذبيحة لا يأكل من ثلاث من دماء الكفارات: جزاء الصيد، ونذر المساكين، وفدية الأذى، ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ محلّه، واجبا كان أو تطوعا. وإذا أكل مما منع منه، يغرم في قول راجح للمالكية قدر ما أكل؛ لأن التعدي إنما وقع على اللحم، وفي قول آخر: يغرم هديا كاملا. ٧ - قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ظاهره وجوب إطعام الفقراء

стр. 5177

من الهدايا، وبه أخذ الشافعي، وقال أبو حنيفة: إنه مندوب؛ لأنها دماء نسك، فتتحقق القربة فيها بإراقة الدم، أما إطعام الفقراء فهو مندوب. ويستحب عند أكثر العلماء أن يتصدق من أضحيته وهديه بالثلث، ويطعم الثلث، ويأكل هو وأهله الثلث. ولم يثبت هذا التقسيم عند مالك. والمسافر في رأي الجمهور يطالب بالأضحية كما يطالب بها الحاضر، لعموم الخطاب بها. ولا يطالب بها عند أبي حنيفة. كما لا يطالب عند مالك من المسافرين الحاج بمنى، فلم ير عليه أضحية. ٨ - لا يجوز بيع شيء من الهدايا، لاقتصار النص على الأكل والطعام، ولما رواه البخاري ومسلم عن علي ﵁ قال: «أمرني النبي ﷺ أن أقوم على بدنه، فقال: اقسم جلودها وجلالها، ولا تعط الجازر منها شيئا» فلا يجوز بيع شيء منها بالأولى. ٩ - قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ دليل على وجوب التحلل الأصغر، وذلك بالحلق أو التقصير. ١٠ - قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ يدل على وجوب الوفاء بالنذر وإخراجه إن كان دما أو هديا أو غيره، ويدل ذلك على أن النذر لا يجوز أن يأكل منه وفاء بالنذر. وكذلك جزاء الصيد، وفدية الأذى؛ لأن المطلوب أن يأتي به كاملا من غير نقص لحم ولا غيره، فإن أكل من ذلك، كان عليه هدي كامل. ولا وفاء بنذر المعصية؛ لقوله ﷺ فيما رواه أحمد عن جابر: «لا وفاء لنذر في معصية الله» وقوله فيما رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن عائشة: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». ١١ - قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يدل على لزوم هذا الطواف، والمراد به طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج. قال الطبري: لا خلاف بين المتأولين في ذلك.

стр. 5178

أما القول بأنه طواف الوداع (الصّدر) فهو بعيد؛ لأن الطواف الذي يلي قضاء التفث إنما هو طواف الإفاضة، فلا مناسبة هنا لطواف الوداع. وللحج ثلاثة أطواف: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع. أما طواف القدوم فهو سنة عند الجمهور، واجب على الأصح عند المالكية، وعكسه طواف الوداع: مستحب عند المالكية، واجب عند الجمهور، وأما طواف الإفاضة فهو فرض وركن لا يتم الحج إلا به بالاتفاق، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. تعظيم حرمات الله وشعائره ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاِجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾

стр. 5179

الإعراب: ﴿ذلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر والشأن ذلك المذكور. ﴿مِنَ الْأَوْثانِ﴾ ﴿مَنْ﴾: لتبيين الجنس؛ لأنه أعم في النهي. ﴿حُنَفاءَ لِلّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ﴿حُنَفاءَ﴾: حال من ضمير ﴿فَاجْتَنِبُوا﴾ وهو عامله، وكذلك ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾. ﴿مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ القراءة المشهورة جرّ ﴿الْقُلُوبِ﴾ بالإضافة، وتقرأ برفع ﴿الْقُلُوبِ﴾ بالمصدر؛ لأن «التقوى» مصدر كالدعوى، فيرتفع به ما بعده. البلاغة: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ تأكيد بإعادة الفصل بالفعل، ويسمى الإطناب، للعناية بشأن كل منهما على حدة. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ تشبيه تمثيلي؛ لأن وجه الشبه منتزع من متعدد، وكذا قوله: ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ تشبيه تمثيلي. والعطف فيه إما على قوله: ﴿خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ أو على «تخطفه الطير». ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُها﴾ جناس ناقص. المفردات اللغوية: ﴿ذلِكَ﴾ أي الأمر هكذا، ويستعمل للفصل بين كلامين، كقوله تعالى: ﴿هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص ٥٥/ ٣٨] ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ﴾ التعظيم: العلم بوجوب تكاليف الشرع والعمل بموجبه. ﴿حُرُماتِ اللهِ﴾ جمع حرمة، والحرمة: الأحكام وسائر ما لا يحل انتهاكه، عن زيد بن أسلم: الحرمات خمس: الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمشعر الحرام. وقال المتكلمون: ولا تدخل النوافل في حرمات الله تعالى. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي فالتعظيم خير ثوابا في الآخرة، للعلم بأنه يجب القيام بمراعاة الحرمات وحفظها. ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ﴾ أي أحل أكلها بعد الذبح. ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أي إلا المتلو عليكم تحريمه في آية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣/ ٥] وهو ما حرّم منها لعارض كالموت وغيره، فلا تحرموا منها غير ما حرّمه الله كالبحيرة والسائبة، والاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا ﴿الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ ﴿مَنْ﴾ للبيان، أي الذي هو الأوثان، كما تجتنب الأنجاس، وهو غاية المبالغة في النهي عن تعظيمها، والتنفير عن عبادتها. والرجس: القذر، أي اجتنبوا عبادة الأوثان.

стр. 5180

والأوثان جمع وثن، وسمي الصنم وثنا؛ لأنه ينصب ويركز في مكانه لا يبرح عنه، وقد يسمى الصنم تمثالا إذا كان على صورة الحيوان التي يحيى بها. ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ أي الشرك بالله في تلبيتكم، أو شهادة الزور، قال ﷺ فيما رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه عن خريم بن فاتك: «عدّت شهادة الزور الإشراك بالله» ثلاث مرات، وتلا هذه الآية. والزور: الكذب والانحراف. وهو تعميم بعد تخصيص، فإن عبادة الأوثان رأس الزور، كأنه لما حث على تعظيم الحرمات، أتبعه بالنهي عن تعظيم الأوثان والافتراء على الله بأنه حكم بذلك. ﴿حُنَفاءَ لِلّهِ﴾ مخلصين لله، مسلمين، عادلين عن كل دين سوى دينه، جمع حنيف: وهو المائل عن الدين الباطل إلى الدين الحق ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ تأكيد لما قبله. ﴿خَرَّ﴾ سقط. ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ أي تأخذه بسرعة، والخطف: الاختلاس بسرعة. ﴿تَهْوِي﴾ تسقط. ﴿سَحِيقٍ﴾ بعيد، أي فهو لا يرجى خلاصه، فإن الشيطان قد طرح به في الضلالة. وأو: للتخيير، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة ١٩/ ٢] أو للتنويع، فإن من المشركين من لا خلاص له أصلا، ومنهم من يمكن خلاصه بالتوبة، ولكن على بعد. ﴿ذلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك المذكور. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ﴾ أي دين الله أو فرائض الحج ومواضع نسكه، أو الهدايا؛ لأنها من معالم الحج، والشعائر: جمع شعيرة أي علامة، ويراد بها الهدايا، وتعظيمها أن تختار من النوع الحسن السمين الغالي الثمن. وسميت شعائر لتعليمها بأنها هدي كالزينة أو الجرح البسيط. ﴿فَإِنَّها﴾ أي فإن تعظيم البدن التي تهدى للحرم بأن تستحسن وتستسمن. ﴿مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات. وذكر القلوب؛ لأنها منشأ التقوى والفجور. ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ كركوبها والحمل عليها ما لا يضرها. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي وقت نحرها. ﴿مَحِلُّها﴾ أي مكان حل نحرها. ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أي عنده، والمراد: الحرم جميعه. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي ولكل أهل دين تقدموا ﴿مَنْسَكاً﴾ المراد هنا متعبدا أو قربانا يتقربون به إلى الله تعالى وهو الذبح تقربا إلى الله، فهو اسم مكان، والأصل في النسك والمنسك: العبادة مطلقا، وشاع استعماله في أعمال الحج. ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ عند ذبحها. ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ انقادوا. ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ المطيعين الخاشعين المتواضعين. ﴿وَجِلَتْ﴾ خافت. ﴿ما أَصابَهُمْ﴾ من البلايا. ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ في أوقاتها. ﴿يُنْفِقُونَ﴾ يتصدقون.

стр. 5181

المناسبة: الكلام مرتبط بما قبله بنحو واضح، فبعد أن أمر الله تعالى إبراهيم ﵇ بالنداء للحج، أبان ثواب تعظيم أحكام الله وشرعه ومنها مناسك الحج، وإباحة ذبح الأنعام وأكلها إلا ما استثني تحريمه، ثم أتبعه بالنهي عن تعظيم الأوثان، والافتراء على الله، والكذب في أداء الشهادات، وهلاك من يشرك بالله، ثم أوضح كون تعظيم الشعائر من علائم التقوى ودعائمها، وأن محل نحرها هو الحرم المكي، كما أن لكل أمة أو جماعة مؤمنة ذبائح يتقربون بها إلى الله تعالى. التفسير والبيان: ﴿ذلِكَ، وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ..﴾. أي ذلك هو المأمور به من الطاعات في أداء المناسك وثوابها الجزيل، ومن يعظم أحكام الله بالعلم بوجوبها والعمل بموجبها، بأن يجتنب المعاصي والمحارم، ويلتزم بالأوامر، فله على ذلك ثواب جزيل، والثواب يكون على الأمرين معا: فعل الطاعات، واجتناب المحظورات أو ترك المحرّمات. والحرمات: جمع حرمة وهي بمعنى ما حرم الله من كل منهي عنه في الحج من الجدال والجماع والفسوق والصيد، وتعظيمها يكون باجتنابها. وقيل: الحرمات: جميع التكاليف الشرعية في الحج وغيره، وقيل: هي مناسك الحج خاصة، وقيل: إنها حرمات خمس: المسجد الحرام (الكعبة) والبيت الحرام، والمشعر الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام. وتعظيمها باجتناب المعاصي، ومنها الاعتداءات فيها. وضمير ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ راجع إلى التعظيم المفهوم من ﴿يُعَظِّمْ﴾ أي أن تعظيم هذه الأشياء سبب للمثوبة المضمونة عند الله تعالى، وعلى هذا لا يكون ﴿خَيْرٌ﴾ أفعل تفضيل.

стр. 5182

﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أي وأبيح لكم أيها الناس ذبح الأنعام وأكلها إلا ما استثني وتلي عليكم في آية المائدة وغيرها، وهو الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به.. إلخ ولم يحرم عليكم ما حرمه أهل الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. فلا يراد من قوله ﴿يُتْلى﴾ ما ينزل في المستقبل، كما هو ظاهر الفعل المضارع، بل المراد: ما سبق نزوله، ويكون التعبير بالمضارع للتنبيه على أن ذلك المتلو ينبغي استحضاره والالتفات إليه. والاستثناء متصل إن أريد من المستثنى: المحرم من خصوص الأنعام، وهو منقطع إن أريد به ما يشمل الدم ولحم الخنزير وغيرهما، والراجح الأول والجملة معترضة لدفع الإيهام بأن تعظيم الحرمات يقضي باجتناب الأنعام، كما قضي باجتناب الصيد في الحرم وفي أداء المناسك في الحج والعمرة. ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ أي تجنبوا القذر من الأصنام، وسميت رجسا تقبيحا لها وتنفيرا منها، وابتعدوا عن عبادة الأوثان، فذلك رجس، والمراد من اجتنابها: اجتناب عبادتها وتعظيمها، وتأكيدا للأمر أوقع الاجتناب على ذاتها. والجملة مرتبطة بقوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ.﴾. أي إذا كان تعظيم حرمات الله فيه الخير ورضا الله تعالى، وكان من تعظيمها اجتناب ما نهى الله عنه، فاجتنبوا الأوثان، ولا تعظموها، ولا تذبحوا لها كما كان يفعل أهل الجاهلية. ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ أي وابتعدوا عن الكذب والباطل وشهادة الزور، فذلك كله يدخل تحت عبارة ﴿قَوْلَ الزُّورِ﴾ والأحسن التعميم، حتى يشمل شهادة الزور، أخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» ثلاثا، وتلا هذه الآية.

стр. 5183

وتمسكوا بهذه الأمور حنفاء لله، أي مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل، قصدا إلى الحق، دون إشراك بالله أحدا. والحنيف: المائل عن الديانات الباطلة إلى الدين الحق. ثم ضرب للمشرك مثلا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى بجملة مستأنفة مقررة لوجوب اجتناب الشرك، فقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ..﴾. أي ومن أشرك مع الله إلها آخر، وعبد غيره، فقد خسر خسرانا عظيما وهلك هلاكا مبينا، وهو في شركه شبيه بمن سقط من جو السماء، فتخاطفته الطيور، أي قطعته ومزقته في الهواء، وأخذ كل منها بقطعة منه، فتم هلاكه؛ أي هو كمن عصفت به الريح، فهوت به في مكان بعيد مهلك، لا يكون له منه خلاص ولا نجاة. والغرض من هذين التشبيهين التمثيليين تقبيح حال الشرك والتنفير منه. ثم ذكر الله تعالى سبب تعظيم الشعائر فقال: ﴿ذلِكَ، وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ، فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ أي الأمر ذلك المذكور، ومن يعظم الهدايا (المواشي التي تذبح هدية للحرم) لأنها من معالم الحج، بأن يختارها جسيمة سمينة غالية الثمن، أو من يعظم أوامر الله ومناسك الحج، ومنها تعظيم الهدايا والبدن باستسمانها واستحسانها، كما قال ابن عباس، فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، كما ذكر في الكشاف. فقوله: ﴿فَإِنَّها﴾ عائد إلى حالة المعظم التي يدل عليها فعل ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ﴾ أو التعظيمة الواحدة. قال ابن العربي عن الشعائر: والصحيح أنها البدن. روي أنه ﷺ أهدى مائة بدنة، فيها جمل لأبي جهل، في أنفه برة من ذهب، أي حلقة من ذهب. وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمر قال: أهدى عمر نجيبا، فأعطي بها ثلاث مائة دينار، فأتى النبي ﷺ فقال:

стр. 5184

يا رسول الله، إني أهديت نجيبا، فأعطيت بها ثلاث مائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال: «لا، أنحرها إياها». وكان ابن عمر يسوق البدن مجلّلة بالقباطي-ثياب مصرية غالية الثمن-فيتصدق بلحومها وجلالها. ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ أي لكم في البدن منافع دنيوية من لبنها وصوفها وأوبارها وأشعارها وركوبها، إلى أجل مسمى أي إلى أن تنحر، ويتصدق بلحومها، ويؤكل منها. ويجوز ركوبها، حتى بعد أن تسمى بدنا أو هديا؛ لما ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة قال: «اركبها» قال: إنها بدنة، قال: «اركبها ويحك» في الثانية أو الثالثة. ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أي ثم مكان حل نحر الهدي، وانتهاؤه عند البيت العتيق وهو الكعبة، أي الحرم جميعه، إذ الحرم كله في حكم البيت الحرام، كما قال تعالى: ﴿هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة ٩٥/ ٥] وقال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح ٢٥/ ٤٨]. وعلى هذا يكون المعطوف بثم في الآية كلاما تاما أريد به بيان المكان الذي تذبح فيه الهدايا بعد ما بين حكم تعظيمها والانتفاع بها إلى الأجل المعين. وسبب تسميته بالبيت العتيق هو كما أخرج البخاري في تاريخه، والترمذي والحاكم وابن جرير وغيرهم عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما سماه الله البيت العتيق؛ لأنه أعتقه من الجبابرة، فلم يظهر عليه جبار قط». ثم أخبر الله تعالى عن مشروعية ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله في جميع الملل فقال: و ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً﴾ أي جعلنا لأهل كل دين سلف ذبحا

стр. 5185

يذبحونه تقربا إلى الله تعالى، وذلك ليس خاصا بأمة محمد ﷺ وإنما هو في كل الملل. والصحيح كما قال ابن العربي أن المنسك: هو ما يرجع إلى العبادة والتقرب. ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ أي شرعنا لهم سنة ذبح الأنعام، لكي يذكروا اسم الله حين ذبحها، أي عند الشروع فيه، ويشكروه على نعمه التي أنعم بها عليهم. ويؤيده ما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: أتي رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، فسمّى وكبّر، ووضع رجله على صفاحهما. وروى الإمام أحمد وابن ماجه عن زيد بن أرقم قال: قلت يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال: «سنة أبيكم إبراهيم» قالوا: ما لنا منها؟ قال: «بكل شعرة حسنة» قال: فالصوف؟ قال: «بكل شعرة من الصوف حسنة». ﴿فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، فَلَهُ أَسْلِمُوا، وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ أي فإن معبودكم واحد، وإن تنوعت شرائع الأنبياء، ونسخ بعضها بعضا، فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥/ ٢١]. وقوله: ﴿فَإِلهُكُمْ.﴾. بمثابة العلة لما قبله من تخصيص اسمه الكريم بالذكر؛ لأن تفرده تعالى بالألوهية يقتضي ألا يذكر على الذبائح غير اسمه. وإنما قال: ﴿إِلهٌ واحِدٌ﴾ ولم يقل: «فإلهكم واحد» لإفادة أنه تعالى واحد في ذاته وفي ألوهيته. ومتى كان الإله واحدا فله أسلموا أي فيجب تخصيصه بالعبادة، والاستسلام له والانقياد له في جميع الأحكام. وقوله ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ مرتب بالفاء على الحكم بوحدانية الإله. وبشر أيها النبي بالثواب الجزيل المخبتين، أي المتواضعين الخاشعين لله، من
следующие страницы →