← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

المناسبة: الكلام مرتبط بما قبله بنحو واضح، فبعد أن أمر الله تعالى إبراهيم ﵇ بالنداء للحج، أبان ثواب تعظيم أحكام الله وشرعه ومنها مناسك الحج، وإباحة ذبح الأنعام وأكلها إلا ما استثني تحريمه، ثم أتبعه بالنهي عن تعظيم الأوثان، والافتراء على الله، والكذب في أداء الشهادات، وهلاك من يشرك بالله، ثم أوضح كون تعظيم الشعائر من علائم التقوى ودعائمها، وأن محل نحرها هو الحرم المكي، كما أن لكل أمة أو جماعة مؤمنة ذبائح يتقربون بها إلى الله تعالى. التفسير والبيان: ﴿ذلِكَ، وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ..﴾. أي ذلك هو المأمور به من الطاعات في أداء المناسك وثوابها الجزيل، ومن يعظم أحكام الله بالعلم بوجوبها والعمل بموجبها، بأن يجتنب المعاصي والمحارم، ويلتزم بالأوامر، فله على ذلك ثواب جزيل، والثواب يكون على الأمرين معا: فعل الطاعات، واجتناب المحظورات أو ترك المحرّمات. والحرمات: جمع حرمة وهي بمعنى ما حرم الله من كل منهي عنه في الحج من الجدال والجماع والفسوق والصيد، وتعظيمها يكون باجتنابها. وقيل: الحرمات: جميع التكاليف الشرعية في الحج وغيره، وقيل: هي مناسك الحج خاصة، وقيل: إنها حرمات خمس: المسجد الحرام (الكعبة) والبيت الحرام، والمشعر الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام. وتعظيمها باجتناب المعاصي، ومنها الاعتداءات فيها. وضمير ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ راجع إلى التعظيم المفهوم من ﴿يُعَظِّمْ﴾ أي أن تعظيم هذه الأشياء سبب للمثوبة المضمونة عند الله تعالى، وعلى هذا لا يكون ﴿خَيْرٌ﴾ أفعل تفضيل.

стр. 5182

﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أي وأبيح لكم أيها الناس ذبح الأنعام وأكلها إلا ما استثني وتلي عليكم في آية المائدة وغيرها، وهو الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به.. إلخ ولم يحرم عليكم ما حرمه أهل الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. فلا يراد من قوله ﴿يُتْلى﴾ ما ينزل في المستقبل، كما هو ظاهر الفعل المضارع، بل المراد: ما سبق نزوله، ويكون التعبير بالمضارع للتنبيه على أن ذلك المتلو ينبغي استحضاره والالتفات إليه. والاستثناء متصل إن أريد من المستثنى: المحرم من خصوص الأنعام، وهو منقطع إن أريد به ما يشمل الدم ولحم الخنزير وغيرهما، والراجح الأول والجملة معترضة لدفع الإيهام بأن تعظيم الحرمات يقضي باجتناب الأنعام، كما قضي باجتناب الصيد في الحرم وفي أداء المناسك في الحج والعمرة. ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ أي تجنبوا القذر من الأصنام، وسميت رجسا تقبيحا لها وتنفيرا منها، وابتعدوا عن عبادة الأوثان، فذلك رجس، والمراد من اجتنابها: اجتناب عبادتها وتعظيمها، وتأكيدا للأمر أوقع الاجتناب على ذاتها. والجملة مرتبطة بقوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ.﴾. أي إذا كان تعظيم حرمات الله فيه الخير ورضا الله تعالى، وكان من تعظيمها اجتناب ما نهى الله عنه، فاجتنبوا الأوثان، ولا تعظموها، ولا تذبحوا لها كما كان يفعل أهل الجاهلية. ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ أي وابتعدوا عن الكذب والباطل وشهادة الزور، فذلك كله يدخل تحت عبارة ﴿قَوْلَ الزُّورِ﴾ والأحسن التعميم، حتى يشمل شهادة الزور، أخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» ثلاثا، وتلا هذه الآية.

стр. 5183

وتمسكوا بهذه الأمور حنفاء لله، أي مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل، قصدا إلى الحق، دون إشراك بالله أحدا. والحنيف: المائل عن الديانات الباطلة إلى الدين الحق. ثم ضرب للمشرك مثلا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى بجملة مستأنفة مقررة لوجوب اجتناب الشرك، فقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ..﴾. أي ومن أشرك مع الله إلها آخر، وعبد غيره، فقد خسر خسرانا عظيما وهلك هلاكا مبينا، وهو في شركه شبيه بمن سقط من جو السماء، فتخاطفته الطيور، أي قطعته ومزقته في الهواء، وأخذ كل منها بقطعة منه، فتم هلاكه؛ أي هو كمن عصفت به الريح، فهوت به في مكان بعيد مهلك، لا يكون له منه خلاص ولا نجاة. والغرض من هذين التشبيهين التمثيليين تقبيح حال الشرك والتنفير منه. ثم ذكر الله تعالى سبب تعظيم الشعائر فقال: ﴿ذلِكَ، وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ، فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ أي الأمر ذلك المذكور، ومن يعظم الهدايا (المواشي التي تذبح هدية للحرم) لأنها من معالم الحج، بأن يختارها جسيمة سمينة غالية الثمن، أو من يعظم أوامر الله ومناسك الحج، ومنها تعظيم الهدايا والبدن باستسمانها واستحسانها، كما قال ابن عباس، فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، كما ذكر في الكشاف. فقوله: ﴿فَإِنَّها﴾ عائد إلى حالة المعظم التي يدل عليها فعل ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ﴾ أو التعظيمة الواحدة. قال ابن العربي عن الشعائر: والصحيح أنها البدن. روي أنه ﷺ أهدى مائة بدنة، فيها جمل لأبي جهل، في أنفه برة من ذهب، أي حلقة من ذهب. وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمر قال: أهدى عمر نجيبا، فأعطي بها ثلاث مائة دينار، فأتى النبي ﷺ فقال:

стр. 5184

يا رسول الله، إني أهديت نجيبا، فأعطيت بها ثلاث مائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال: «لا، أنحرها إياها». وكان ابن عمر يسوق البدن مجلّلة بالقباطي-ثياب مصرية غالية الثمن-فيتصدق بلحومها وجلالها. ﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ أي لكم في البدن منافع دنيوية من لبنها وصوفها وأوبارها وأشعارها وركوبها، إلى أجل مسمى أي إلى أن تنحر، ويتصدق بلحومها، ويؤكل منها. ويجوز ركوبها، حتى بعد أن تسمى بدنا أو هديا؛ لما ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة قال: «اركبها» قال: إنها بدنة، قال: «اركبها ويحك» في الثانية أو الثالثة. ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أي ثم مكان حل نحر الهدي، وانتهاؤه عند البيت العتيق وهو الكعبة، أي الحرم جميعه، إذ الحرم كله في حكم البيت الحرام، كما قال تعالى: ﴿هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة ٩٥/ ٥] وقال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح ٢٥/ ٤٨]. وعلى هذا يكون المعطوف بثم في الآية كلاما تاما أريد به بيان المكان الذي تذبح فيه الهدايا بعد ما بين حكم تعظيمها والانتفاع بها إلى الأجل المعين. وسبب تسميته بالبيت العتيق هو كما أخرج البخاري في تاريخه، والترمذي والحاكم وابن جرير وغيرهم عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما سماه الله البيت العتيق؛ لأنه أعتقه من الجبابرة، فلم يظهر عليه جبار قط». ثم أخبر الله تعالى عن مشروعية ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله في جميع الملل فقال: و ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً﴾ أي جعلنا لأهل كل دين سلف ذبحا

стр. 5185

يذبحونه تقربا إلى الله تعالى، وذلك ليس خاصا بأمة محمد ﷺ وإنما هو في كل الملل. والصحيح كما قال ابن العربي أن المنسك: هو ما يرجع إلى العبادة والتقرب. ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ أي شرعنا لهم سنة ذبح الأنعام، لكي يذكروا اسم الله حين ذبحها، أي عند الشروع فيه، ويشكروه على نعمه التي أنعم بها عليهم. ويؤيده ما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: أتي رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، فسمّى وكبّر، ووضع رجله على صفاحهما. وروى الإمام أحمد وابن ماجه عن زيد بن أرقم قال: قلت يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال: «سنة أبيكم إبراهيم» قالوا: ما لنا منها؟ قال: «بكل شعرة حسنة» قال: فالصوف؟ قال: «بكل شعرة من الصوف حسنة». ﴿فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، فَلَهُ أَسْلِمُوا، وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ أي فإن معبودكم واحد، وإن تنوعت شرائع الأنبياء، ونسخ بعضها بعضا، فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥/ ٢١]. وقوله: ﴿فَإِلهُكُمْ.﴾. بمثابة العلة لما قبله من تخصيص اسمه الكريم بالذكر؛ لأن تفرده تعالى بالألوهية يقتضي ألا يذكر على الذبائح غير اسمه. وإنما قال: ﴿إِلهٌ واحِدٌ﴾ ولم يقل: «فإلهكم واحد» لإفادة أنه تعالى واحد في ذاته وفي ألوهيته. ومتى كان الإله واحدا فله أسلموا أي فيجب تخصيصه بالعبادة، والاستسلام له والانقياد له في جميع الأحكام. وقوله ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ مرتب بالفاء على الحكم بوحدانية الإله. وبشر أيها النبي بالثواب الجزيل المخبتين، أي المتواضعين الخاشعين لله، من

стр. 5186

الخبت وهو المطمئن المنخفض من الأرض. وسر تحول الخطاب للنبي ﷺ هو إظهار عظمة الألوهية وقهرها في مقام الأمر والنهي للعباد، فلما انتهى أمر التكليف، وجه الخطاب للنبي ﷺ لتبليغه الناس وعد الله للعاملين المخلصين. وأوصافهم أربعة هي ما يأتي: ١ - الخوف والخشوع عند ذكر الله: ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي إذا ذكر الله خافت منه قلوبهم. ٢ - الصبر على المصائب: ﴿وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ﴾ أي الذين يصبرون على الآلام والمشقات في طاعة الله تعالى. ٣ - إقامة الصلاة: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ أي الذين يؤدون الصلاة في أوقاتها تامة الأركان والشرائط، مع الخشوع لله تعالى. ٤ - الإنفاق مما رزقهم الله: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي وينفقون من بعض ما آتاهم الله من طيب الرزق، على أهليهم وأقاربهم وفقرائهم ومحاويجهم، ويحسنون إلى الخلق، مع محافظتهم على حدود الله تعالى. وهذه بخلاف صفات المنافقين، فإنهم بالعكس من هذا كله. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال ٢/ ٨] وقوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر ٢٣/ ٣٩]. فقه الحياة أو الأحكام: أفادت الآيات الأحكام التالية: ١ - إن تعظيم حرمات الله أي أفعال الحج وغيرها من امتثال الأوامر

стр. 5187

واجتناب النواهي خير عند الله من التهاون بشيء منها، وسبب للمثوبة والتكريم عند الله تعالى، فإن للأوامر حرمة المبادرة إلى الامتثال، وللنواهي حرمة الانكفاف والانزجار. ٢ - إباحة الأكل من لحوم الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، إلا المذكور في القرآن من المحرّمات، وهي الميتة والموقوذة وأخواتها. ٣ - يجب اجتناب عبادة الأصنام والأوثان، فإنها رجس أي شيء قذر، وهي نجسة نجاسة حكمية. والوثن: التمثال من خشب أو حديد أو ذهب أو فضة ونحوها، وكانت العرب تنصبها وتعبدها. والنصارى تنصب الصليب وتعبده وتعظمه، فهو كالتمثال أيضا. ٤ - ويجب أيضا اجتناب قول الزور، والزور: الباطل والكذب، وهو يشمل خلط أهل الجاهلية في تلبيتهم وقولهم فيها: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، ويشمل أيضا قولهم في البحائر والسوائب: إنها حرام، وإن تحريمها من الله، وكذلك يشمل شهادة الزور الباطلة. ففي الآية وعيد على شهادة الزور، ولكن ليس في الآية ما يدل على تعزير شاهد الزور؛ لأنها اقتصرت على تحريم شهادة الزور. وإنما يعزر من قبيل المصلحة والسياسة الشرعية، التي للحاكم أن يسير على نهجها لحفظ الحقوق العامة، وردع أهل الفساد. وهذا رأي المالكية وأبي يوسف ومحمد، جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور وقول الزور» وكان رسول الله ﷺ متكئا، فجلس، فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت. ٥ - يلزم الإخلاص في العبادة لله، والاستقامة على أمره، فقوله: ﴿حُنَفاءَ لِلّهِ﴾ معناه مستقيمين أو مسلمين مائلين إلى الحق، تاركين الدين الباطل.

стр. 5188

٦ - المشرك هالك حتما، خاسر الآخرة، فهو يوم القيامة بمنزلة من لا يملك لنفسه نفعا، ولا يدفع عن نفسه ضرا ولا عذابا، فهو بمنزلة من خرّ من السماء، فهو لا يقدر أن يدفع شيئا عن نفسه، ونهايته الهلاك إما بأن تقطعه الطيور بمخالبها، أو تعصف به الريح، وتسقطه في مكان قفر بعيد لا نجاة له فيه. ٧ - إن تعظيم شعائر الله (وهي الأنعام التي تساق هديا للكعبة، كما روي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، أو هي جميع مناسك الحج، والصحيح أنها البدن كما قال ابن العربي) من علائم التقوى ودعائمها. وتعظيمها يكون باختيارها سمينة حسنة غالية الأثمان. والتقوى: هي الخشية التي تبعث على اتباع الأوامر واجتناب النواهي. والإخلاص والتقوى والخشية غاية ما يتمنى المرء أن يدركه في هذه الدنيا، ليصل به إلى سعادة الآخرة. وفي الآية حث على التقوى، وبعث للهمم على الاهتمام بأمرها. ٨ - يجوز الانتفاع بالبدن بالركوب والحلب وأخذ الصوف وغيرها، إلى وقت الذبح، فقد فسر الشافعية الأجل المسمى في الآية بوقت نحر الهدي. وقالوا: إنما يجوز الانتفاع للحاجة، ولو لم يكن هناك اضطرار. ولا يجوز لغير حاجة، والأولى أن يتصدق بمنافعها، ولكن لا يضمن شيئا من منافع الهدي إلا إذا أدى الركوب إلى الإنقاص البين لقيمتها، ودليلهم حديث أنس المتقدم المتفق عليه بين أحمد والشيخين: «اركبها ولو كانت بدنة» وحديث جابر فيما رواه أبو داود: «اركبوا الهدي المعروف حتى تجدوا ظهرا». وفسر الحنفية الأجل المسمى في الآية بوقت تعيينها وتسميتها هديا. ولا يجوز الانتفاع بها بعد السوق إلا في حالة الاضطرار، ودليلهم ما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن جابر أنه سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا» فالجواز خاص بحالة الضرورة، فهو مقيد والمقيد يقضي على المطلق في حديث

стр. 5189

أنس، فإن لم تكن ضرورة وجب ضمان ما ينتفع به؛ لأنه ضار حقا للفقراء، فعليه أن يعوضهم مقدار قيمته. والمشهور من مذهب المالكية أنه يكره الانتفاع بالبدن بركوبها ووبرها، ولو كان لبنها فاضلا عن حاجة أولادها. وهذا قريب من مذهب الحنفية. وذهب بعض العلماء إلى وجوب ركوب البدنة، لقوله ﷺ : «اركبها». وقد أخذ أحمد وإسحاق وأهل الظاهر بظاهر هذا الحديث. وهذا يغاير فعل النبي ﷺ ؛ لأنه لم يركب هديه ولم يركبه غيره. ٩ - إن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعي ينتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق. وأما ذبح البدن والهدي فلا يصح إلا في الحرم؛ لأنه تعالى جعل محلها إلى البيت العتيق، قال عطاء: ينتهي إلى مكة. ١٠ - الإخبار بجعل نسك الذبح لكل الأمم فيه تحريك النفوس إلى المسارعة إلى هذا البر، والاهتمام بهذه القربة، وفيه إشعار بأن أهل الجاهلية الذين كانوا يذبحون لأصنامهم، ويخلطون في التسمية على ذبائحهم، إنما كانوا يفعلون ذلك من عند أنفسهم، واتباعا لمحض شهواتهم وأهوائهم، فإن شرائع الله كلها قد اتفقت على أن التقرب إنما يكون لله وحده، وباسمه وحده؛ إذ ليس للناس إلا إله واحد. ١١ - الإله الواحد هو الرازق والمشرع والمكلّف بالتكاليف الدينية، فتجب إطاعته، والانقياد لحكمه، وأن يكون الذبح له، وأن يذكر اسمه عند الذبح، وأن يخلص الذبح له لا لغيره أو مع غيره؛ لأنه رازق ذلك. وظاهر الآية: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً﴾ وجوب ذكر اسم الله على الذبيحة، ووجوب اعتقاد أن الله واحد، ووجوب الإسلام بمعنى الإخلاص لله في العمل.

стр. 5190

١٢ - للمخبتين المتواضعين الخاشعين من المؤمنين البشارة بالثواب الجزيل. وأوصافهم في الآية أربعة كما تقدم: وهي الخوف والخشوع عند ذكر الله لقوة يقينهم ومراعاتهم لربهم وكأنهم بين يديه، والصبر على المصائب ومشاق الطاعات، وإقامة الصلاة أهم التكاليف البدنية، والإنفاق مما رزقهم الله من فضله، وهذا يشمل الزكاة المفروضة التي هي أهم التكاليف المالية، وصدقة التطوع. والخوف عند ذكر الله يحصل عند استحضار وعيد الله وعذابه، وفي حال أخرى يطمئن المؤمن الصادق بوعد الله، كما قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ، أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد ٢٨/ ١٣] فإذا ذكر وعد الله واستحضر رحمته وسعة عفوه، اطمأن قلبه، وسكن روعه، فلا يكون هناك تعارض بين الآيتين. ويؤخذ من الآية أن التقوى والخشية والصبر على المكاره، والمحافظة على الصلاة، والرحمة بالفقراء والإحسان إليهم من أعظم موجبات نيل رضا الله تعالى. التسمية عند ذبح البدن والأكل والإطعام منها ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾

стр. 5191

الإعراب: ﴿وَالْبُدْنَ﴾ منصوب بفعل مقدر، تقديره: وجعلنا البدن، جعلناها لكم فيها خير. و ﴿خَيْرٌ﴾ مرفوع بالظرف ارتفاع الفاعل بفعله، تقديره: كائنا لكم فيها خير. و ﴿صَوافَّ﴾ حال من هاء وألف ﴿عَلَيْها﴾ وهو ممنوع من الصرف؛ لأنه جمع بعد ألفه حرفان، أي مصطفّة. ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها﴾ قرئ ينال بالياء والتاء، فمن قرأ بالتذكير أراد معنى الجمع، ومن قرأ بالتاء بالتأنيث أراد معنى الجماعة، والفصل بين الفعل والفاعل بالمفعول يقوي التذكير ويزيده حسنا. البلاغة: ﴿الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ بينهما طباق؛ لأن القانع: المتعفف، والمعتر: السائل. ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ -في الآية السابقة-سجع مستحسن. المفردات اللغوية: ﴿وَالْبُدْنَ﴾ جمع بدنة، وهي الإبل خاصة، ذكرا أو أنثى، لعظم بدنها، مثل ثمرة وثمر وثمر، ويشاركها البقرة في الحكم لا في الاسم؛ لقوله ﷺ فيما أخرجه الجماعة عن جابر: «البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة». ﴿شَعائِرِ اللهِ﴾ أعلام دينه. ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ نفع في الدنيا، وأجر في العقبى، أي لكم فيها منافع دينية ودنيوية. ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها﴾ عند نحرها أو ذبحها، بأن تقولوا: الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، اللهم منك وإليك. ﴿صَوافَّ﴾ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، جمع صافّة وقرئ صوافن من صفن الفرس: إذا قام على ثلاث وطرف سنبك الرابعة؛ لأن البدنة تعقل إحدى يديها وتقوم على ثلاث وقرئ أيضا صوافيا بالتنوين وصوافي أي خوالص لوجه الله. ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُها﴾ سقطت على الأرض بعد النحر، وهو وقت الأكل منها، وهو كناية عن الموت. ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ إن شئتم. ﴿وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ أي المتعفف الذي يقنع بما يعطى ولا يسأل ولا يتعرض، والمعتر: السائل أو المتعرض. ﴿كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ﴾ أي مثل ما وصفنا من نحرها قياما، سخرناها لكم مع عظمها وقوتها، بأن تنحر وتأخذوها منقادة. ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها﴾ أي لا يرفعان إليه. ﴿وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ﴾ أي يرفع إليه منكم العمل الصالح الخالص له، مع الإيمان. ﴿هَداكُمْ﴾ أرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه. ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ الموحدين المخلصين لله.

стр. 5192

سبب النزول: نزول الآية (٣٧): ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: كان أهل الجاهلية يضمخون البيت بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب النبي ﷺ : فنحن أحق أن نضمخ، فأنزل الله: ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها﴾ الآية. المناسبة: بعد الترغيب والحث على التقرب إلى الله بالأنعام كلها، خص الله تعالى الإبل، لعظمها وكثرة منافعها. التفسير والبيان: يمتن الله تعالى على عباده بأن جعل البدن قربة عظيمة تهدى إلى بيته الحرام، بل هي أفضل ما يهدى إليه، فقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ أي جعلنا لكم الإبل ومثلها البقر من علائم دين الله، وأدلة طاعته، ففي ذبحها في الحرم ثواب كبير في الآخرة، ونفع عظيم بلحومها للفقراء في الدنيا، وبالركوب عليها، وأخذ لبنها. والبدن تطلق في رأي أبي حنيفة وآخرين من التابعين والصحابة على الإبل والبقر، روى مسلم عن جابر ﵁ أنه قال: كنا ننحر البدنة عن سبعة، فقيل: والبقرة؟ قال: وهل هي إلا من البدن. وقال ابن عمر ﵄: لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر. ومذهب الشافعية: أنه لا تطلق البدن في الحقيقة إلا على الإبل، وإطلاقها على البقر مجاز، فلو نذر بدنة لا تجزئه بقرة، وبدليل قوله تعالى: ﴿صَوافَّ﴾ و ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُها﴾ فنحر الحيوان قائما لم يعهد إلا في الإبل خاصة، ويؤيده

стр. 5193

ما رواه أبو داود وغيره عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة» فإن العطف يقتضي المغايرة. وأما قول جابر وابن عمر المتقدم فيحمل على أنهما أرادا اتحاد الحكم فيهما. وهذا هو الظاهر والأصح لغة. ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ أي فاذكروا اسم الله على البدن عند نحرها وكونها قائمات صافات الأيدي والأرجل، بأن تقولوا: بسم الله والله أكبر، اللهم منك وإليك. ﴿فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها، فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ أي إذا سقطت على الأرض وزهقت روحها أو ماتت، فيباح لكم الأكل منها، وعليكم الإطعام منها للفقراء، سواء المتعفف عن السؤال، والسائل المتعرض، أي كلوا وأطعموا، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ أمر إباحة، وقال مالك: يستحب ذلك، وقال بعض العلماء: يجب، والظاهر أنه لا يجب الأكل منها، فإن السلف متفقون على أنه لا يجب الأكل من شيء من الهدايا، وإنما ذلك لرفع التحرج عن الأكل من الهدايا الذي كان عليه أهل الجاهلية، فالمراد: إباحة الأكل أو الندب. وأما قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ فظاهره كما تقدم وجوب إطعام الفقراء من الهدي، وبه أخذ الشافعي، فأوجب إطعام الفقراء منها، وذهب أبو حنيفة إلى أن الإطعام مندوب؛ لأنها دماء نسك، فتتحقق القربة منها بإراقة الدم، أما إطعام الفقراء فهو باق على حكمه العام وهو الندب. ﴿كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي من أجل هذا المذكور من الخير في ذبح الأنعام والأكل منها وإطعام الفقراء أو مثل هذا التسخير، ذللناها لكم، مع عظمتها وقوتها، وجعلناها منقادة لكم، خاضعة لرغباتكم ومشيئتكم بالركوب والحلب والذبح، لكي تشكروا الله على نعمه، بالتقرب إليه، والإخلاص في

стр. 5194

العمل. والخلاصة: أنها نعمة جليلة تستحق الشكر والحمد، فقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ تعليل لما قبله. وكلمة «لعل» ليست للرجاء الذي هو توقع الأمر المحبوب؛ لأنه مستحيل على الله تعالى؛ لأنه ينبئ عن الجهل بعواقب الأمور، فتكون للتعليل بمعنى «كي». ونظير الآية قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً، فَهُمْ لَها مالِكُونَ. وَذَلَّلْناها لَهُمْ، فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ. وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ، أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس ٧١/ ٣٦ - ٧٣]. ثم ذكر الله تعالى الهدف من ذبح الأنعام فقال: ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها.﴾. أي إنما شرع الله لكم نحر هذه الهدايا والضحايا، لتذكروه عند ذبحها، ولن يصل إلى الله شيء من لحومها ولا من دمائها، ولكن يصله التقوى والإخلاص، وترفع إليه الأعمال الصالحة. وكان أهل الجاهلية إذا ذبحوها لآلهتهم، وضعوا عليها من لحوم قرابينهم، ونضحوا عليها من دمائها، وأراد المسلمون أن يفعلوا مثلهم، فنزلت الآية: ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها.﴾. ثم كرر تعالى ذكر تسخير الأنعام وتذليلها للناس؛ لأن في الإعادة تذكيرا بالنعمة، الذي يبعث على شكرها، والثناء على الله من أجلها، والقيام بما يجب لعظمته وكبريائه، فقال: ﴿كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ أي من أجل هذا سخر لكم البدن وذللها، أو هكذا سخرها، لتعظموا الله وتشكروه على ما أرشدكم إليه لدينه وشرعه، وما يحبه ويرضاه، ونهاكم عما يكره، ويأبى مما هو ضارّ غير نافع. ثم وعد المهديين الراشدين بقوله:

стр. 5195

﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي وبشر يا محمد بالجنة المحسنين في عملهم، القائمين بحدود الله، المتبعين ما شرع لهم، الطائعين أوامره، المصدقين رسوله فيما أبلغهم، وجاءهم به من عند ربه . فقه الحياة أو الأحكام: يؤخذ من الآيات ما يأتي: ١ - يدل الاقتصار على البدن مع جواز نحر الهدي من بقية الأنعام على أن البدن في الهدايا أفضل من غيرها من البقر والغنم، ولقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ، وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ، وَلا الْهَدْيَ، وَلا الْقَلائِدَ، وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ [المائدة ٢/ ٥]. وأما إطلاق البدنة على البعير، فمتفق عليه، وأما إطلاقها على البقرة ففيه قولان تقدما: قول لأبي حنيفة أنها تطلق، وقول للشافعي أنها لا تطلق، والأصح أنها لا تطلق عليها لغة، وإنما تطلق عليها شرعا، بدليل الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن جابر بن عبد الله قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الأضاحي: البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة». ٢ - يندب نحر الإبل وهي قائمة معقولة إحدى القوائم؛ لقوله تعالى: ﴿صَوافَّ﴾ ولا يجوز أن يؤكل منها بعد نحرها حتى تفارقها الحياة. ٣ - قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ أمر، ومقتضاه الوجوب، وقد أخذ بظاهره بعض الأئمة، فأوجبوا التسمية على الذبيحة، والأصح أنها مندوبة، والأمر مؤول على الندب، أو على الشكر والثناء. ولا يجوز نحر الهدايا والأضاحي قبل الفجر من يوم النحر بالإجماع، فإذا طلع الفجر حلّ النحر بمنى، وليس على الحجاج انتظار نحر إمامهم؛ بخلاف

стр. 5196

الأضحية في سائر البلاد. والمنحر: منى لكل حاج، ومكة لكل معتمر، ولو نحر الحاج بمكة، والمعتمر بمنى لم يكن به بأس. ٤ - ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ أمر معناه الندب، قال القرطبي: وكل العلماء قالوا: يستحب أن يأكل الإنسان من هديه، وفيه أجر وامتثال؛ إذ كان أهل الجاهلية لا يأكلون من هديهم، كما تقدم. وقال الشافعي: الأكل مستحب، والإطعام واجب في دماء التطوع، أما واجبات الدماء فلا يجوز أن يأكل منها شيئا، كما تقدم. وعلى هذا يكون ظاهر الأمر في الأكل إما الندب وإما الإباحة. وأما ظاهر الأمر في الإطعام فهو إما الوجوب كما قال الشافعي، وإما الندب كما قال أبو حنيفة. ٥ - يجمع عند الذبح أو النحر بين التسمية، لقوله تعالى في الآية المتقدمة: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها﴾ وبين التكبير، لقوله هنا: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾. وكان ابن عمر ﵄ يجمع بينهما إذا نحر هديه، فيقول: بسم الله والله أكبر، وفي الحديث الصحيح عن أنس قال: ضحّى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين (١) أقرنين، ورأيته يذبحهما بيده، ورأيته واضعا قدمه على صفاحهما (٢)، وسمّى وكبّر. وقد أوجب أبو ثور التسمية، واستحب بقية العلماء ذلك. وكره المالكية الصلاة على النبي ﷺ عند التسمية في الذبح، وقالوا: لا يذكر هنا إلا الله وحده. وأجازها الشافعي عند الذبح.

стр. 5197

وذهب الجمهور إلى أن قول المضحي: اللهم تقبل مني، جائز، وكره ذلك أبو حنيفة، ويرد عليه الحديث الصحيح عن عائشة ﵂، وفيه: «ثم قال: باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد» ثم ضحّى به. وكره مالك قولهم: اللهم منك وإليك، وقال: هذه بدعة. وأجاز ذلك ابن حبيب من المالكية والحسن البصري، بدليل ما رواه أبو داود عن جابر بن عبد الله: أنه ﷺ قال عند الذبح: «اللهم منك ولك عن محمد وأمته، باسم الله والله أكبر» ثم ذبح. فلعل الإمام مالك لم يبلغه الخبر. ٦ - لن يصل إلى الله لحوم الذبائح ولا دماؤها، وإنما يصل التقوى من عباده، فيقبله ويرفعه إليه ويسمعه. وقد امتن الله علينا بتذليل الإبل، وتمكيننا من تصريفها، وهي أعظم منا أبدانا، وأقوى أعضاء، ليعلم العبد أن الأمور ليست على ما تظهر إلى العبد من التدبير. وإنما هي بحسب ما يدبرها العزيز القدير، وليعلم الخلق أن الغالب هو الله وحده القاهر فوق عباده. ٧ - في الآية: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ دلالة على أن التقوى وشكر الله تعالى والإحسان في العمل لله جل شأنه من أهم المطالب الشرعية التي لا يجوز لأحد إغفالها. ويحسن ذكر حكم الأضحية بإيجاز، ذهب أبو حنيفة والثوري، ومالك في قول ضعيف عنه إلى القول بوجوب الأضحية على من ملك نصابا، وكان في رأي أبي حنيفة مقيما غير مسافر؛ لما رواه أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعا: «من وجد سعة، فلم يضحّ، فلا يقربنّ مصلاّنا» (١)، و روى الترمذي عن ابن عمر قال: «أقام رسول الله ﷺ عشر سنين يضحي». وقال الجمهور، وذلك على المشهور عند المالكية لغير الحاج بمنى: لا تجب

стр. 5198

الأضحية، بل هي سنة مستحبة؛ لما جاء في الحديث: «ليس في المال حق سوى الزكاة» (١) ولأنه ﷺ ضحى عن أمته، فأسقط ذلك وجوبها عنهم، وقال: «إنها سنة أبيكم إبراهيم» وقال أبو سريحة: كنت جارا لأبي بكر وعمر، فكانا لا يضحيان خشية أن يقتدي الناس بهما. وروى الجماعة إلا البخاري عن أم سلمة: «أن رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره» ففيه تعليق الأضحية بالإرادة، والتعليق بالإرادة ينافي الوجوب. وروى أحمد والحاكم والدارقطني عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ثلاث هنّ علي فرائض، وهن لكم تطوع: الوتر، والنحر، وصلاة الضحى» (٢). وروى الترمذي: «أمرت بالنحر، وهو لكم سنة». دفاع الله عن المؤمنين وأسباب مشروعية القتال ﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾

стр. 5199

الإعراب: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ في موضع جر صفة لقوله ﴿لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ أي أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، الذين أخرجوا. ويكون قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ فصلا بين الصفة والموصوف، مثل: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ، لَوْ تَعْلَمُونَ، عَظِيمٌ﴾ [الواقعة ٧٦/ ٥٦] أي: وإنه لقسم عظيم لو تعلمون. ﴿إِلاّ أَنْ يَقُولُوا: رَبُّنَا اللهُ﴾ في موضع نصب؛ لأنه استثناء منقطع، أي لكن لقولهم: ربنا الله. ﴿بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ بدل بعض من الناس. ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ.﴾. إما في موضع جر، صفة أخرى لقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ وإما منصوب على البدل من ﴿مِنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ وإما مرفوع على أنه خبر مبتدأ مقدر أي هم. وقوله: ﴿إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ﴾ شرط وجزاء، وهما صلة الموصول. البلاغة: ﴿خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعّال وفعول. ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ فيه حذف لدلالة السياق عليه، أي أذن بالقتال للذين يقاتلون. ﴿إِلاّ أَنْ يَقُولُوا: رَبُّنَا اللهُ﴾ فيه تأكيد المدح بما يشبه الذم، أي لا ذنب لهم إلا هذا، على طريقة قول النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم... بهن فلول من قراع الكتائب المفردات اللغوية: ﴿يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يبالغ في الدفع مبالغة من يغالب فيه، وقرئ: يدفع أي غائلة المشركين ﴿خَوّانٍ﴾ في أمانته وأمانة الله أي كثير الخيانة ﴿كَفُورٍ﴾ لنعمته، وهم المشركون، والمعنى: أنه يعاقبهم، وصيغة المبالغة لبيان واقع المشركين. ﴿أُذِنَ﴾ رخّص ﴿لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ من قبل المشركين وهم المؤمنون، أي للمؤمنين أن يقاتلوا، والمأذون فيه وهو القتال محذوف لدلالته عليه، وقرئ بالبناء للمعلوم ﴿يُقاتَلُونَ﴾ أي

стр. 5200

عدوهم المشركين. ذكر جماعة من المفسرين: أن هذه أول آية نزلت في الجهاد بعد ما نهي عنه في نيف وسبعين آية ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ أي بسبب أنهم ظلموا بظلم الكافرين إياهم ﴿وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وعد لهم بالنصر كما وعدهم بدفع أذى الكفار عنهم. ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ يعني مكة ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي بغير موجب في الإخراج استحقوا به ﴿إِلاّ أَنْ يَقُولُوا﴾ أي بقولهم ﴿رَبُّنَا اللهُ﴾ وحده، وهذا القول حق، فالإخراج به إخراج بغير حق، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ بتسليط المؤمنين منهم على الكافرين ﴿لَهُدِّمَتْ﴾ لخربت باستيلاء المشركين على أهل الملل، والقراءة بالتشديد للتكثير، وقرئ بالتخفيف ﴿صَوامِعُ﴾ للرهبان وهي الأديرة، جمع صومعة ﴿وَبِيَعٌ﴾ كنائس للنصارى، جمع بيعة ﴿وَصَلَواتٌ﴾ كنائس اليهود، سميت بها؛ لأنها يصلى فيها، وقيل: أصلها: صلوتا بالعبرانية، فعرّبت ﴿وَمَساجِدُ﴾ معابد للمسلمين، جمع مسجد، والأرض كلها جعلت للنبي ﷺ مسجدا، وتربتها طهورا. ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً﴾ يذكر في المواضع الأربعة المذكورة، وتنقطع العبادة بخرابها ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ من ينصر دينه، وقد أنجز وعده، بأن سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرتهم، وأورثهم أرضهم وديارهم ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ القوي: القادر على كل شيء، ومنه نصرهم، والعزيز: المنيع في سلطانه وقدرته، لا يغلبه غالب. ﴿إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ بنصرهم على عدوهم ﴿وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ أي إليه مرجعها في الآخرة. سبب النزول: نزول الآية (٣٨): ﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ﴾: روي أنها نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة، وآذاهم الكفار، وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة، أراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار، ويغتال ويغدر ويحتال، فنزلت هذه الآية. نزول الآية (٣٩): ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ الآية: أخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه وابن سعد عن ابن عباس قال: خرج النبي ﷺ من مكة، فقال

стр. 5201

أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون! ليهلكنّ، فأنزل الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أن الكفار صدوا المؤمنين عن دين الله وعن دخول مكة، ثم بيّن مناسك الحج وما فيه من منافع الدنيا والآخرة، أردف ذلك ببيان ما يزيل الصدّ، ويؤمن معه التمكن من الحج، وهو دفع الله غائلة المشركين، والإذن بالقتال مع إيضاح الحكمة منه وأسباب مشروعيته، كالدفاع عن المقدسات، وحماية المستضعفين، وتمكين المؤمنين من عبادة الله تعالى. التفسير والبيان: ﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي إن الله يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه، شر الأشرار، وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم على أعدائهم، كما قال تعالى: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر ٥١/ ٤٠] وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق ٣/ ٦٥] وقوله: ﴿يُدافِعُ﴾ صيغة مفاعلة إما للمبالغة في الدفع، أو للدلالة على تكرره فقط؛ لأن صيغة المفاعلة تدل على تكرر الفعل. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ أي إنه تعالى لا يحب خائن العهد والميثاق والأمانة، جاحد النعم الذي لا يعترف بها، والمراد أن المؤمنين هم أحباء الله، وأن الله سيعاقب أعداءهم، فهو تعليل للوعد وللوعيد؛ لأن نفي المحبة كناية عن البغض الموجب للعقاب. وخيانة الأمانة إما جميع الأمانات، وإما أمانة الله وهي أوامره ونواهيه. وهذه الآية إما وعيد ضمنا، وبيان عاقبة الصادين عن المسجد الحرام الذين

стр. 5202

ذكرهم الله قبل آيات الحج، فتكون كلاما متصلا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ.﴾ .. وإما وعد للمؤمنين الذين تعطشوا إلى رؤية الحرم المقدس بعد منع المشركين لهم، فتكون كلاما متصلا بما قبله مباشرة، فإنهم أخرجوا رسول الله من وطنه الذي تعلق قبله به، حتى إنه نظر إليه حين خروجه من مكة وقال: «والله إنك لأحبّ أرض الله إليّ، وإنك لأحبّ أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت». والظاهر أن الآية وعد من الله وبشارة للمؤمنين بنصر الله لهم وتمكينهم من عدوهم، وفي ضمنه وعيد شديد، وتهديد للمشركين بقهرهم وخذلانهم، وفيه تمهيد وتوطئة لمشروعية الجهاد. ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ أي رخّص للمؤمنين المعتدى عليهم بالقتال بسبب ظلم المشركين إياهم، بإخراجهم من ديارهم وأموالهم، وإيذاء بعضهم بالضرب والشج، فكانوا يأتون النبي ﷺ بين مضروب ومشجوج في رأسه، ويشتكون إليه، فيأمرهم بالصبر، ويقول لهم: «إني لم أومر بقتالهم» حتى هاجر فنزلت هذه الآية في السنة الثانية من الهجرة. وهي في رأي كثير من السلف كابن عباس وعائشة ومجاهد والضحاك وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل وقتادة والزهري: أول آية نزلت في القتال بعد ما نهي عنه في نيف وسبعين آية، وهو الظاهر، ويؤيده سبب النزول المتقدم ذكره، وذكرت الآية بعد الوعد بالمدافعة والنصر. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية: أول آية نزلت في القتال: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ.﴾. [البقرة ١٩٠/ ٢]. وفي الإكليل للحاكم: إن أول آية نزلت فيه: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ.﴾. [التوبة ١١١/ ٩].

стр. 5203

فعلى القول الأول للأكثرين: يكون المقصود بالآية: ﴿أُذِنَ.﴾. إباحة القتال ومشروعيته، والمأذون فيه هو القتال حقيقة، وحذف لدلالة السياق عليه، والمراد بهم المهاجرون، بدليل وصفهم بالإخراج من الديار بغير حق. وعلى القول الثاني لبعضهم: يكون المراد حكاية الإذن الحاصل من قبل توطئة لبيان أسباب المشروعية. وعلى قراءة المبني للمجهول ﴿يُقاتَلُونَ﴾ يكون وصفهم بالقتال الواقع عليهم فعلا على حقيقته، سواء قيل: إنها أول آية نزلت في القتال أم لا؛ لأن قتال المشركين واضطهادهم لهم، كان حاصلا على كل حال. وعلى قراءة المبني للمعلوم يقاتلون إذا قيل: إنها ليست أول آية نزلت في القتال يكون وصفهم بالقتال على حقيقته أيضا، وأما إذا قيل: إنها أول آية نزلت في الجهاد فيكون وصفهم بالقتال إما على معنى أو على تقدير: إرادة القتال، أي يريدون قتال المشركين ويحرصون عليه، وإما على إرادة استحضار ما يكون منهم في المستقبل، أي ما سيعدون أنفسهم عليه من لقاء المشركين. وعلى كل حال يكون المراد بالآية بيان سبب الإذن في القتال وهو دفع الظلم والإيذاء، فإن المشركين آذوا رسول الله ﷺ بأشد أنواع الإيذاء الأدبية والجسدية، فإنهم اتهموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ووضعوا التراب على رأسه، وألقوا سلا جزور على كتفيه وهو ساجد بين يدي ربه، وأغرت ثقيف سفهاءهم حتى رموه بالحجارة وأدموه واختضب نعلاه بالدم. وآذوا أيضا أتباعه وأنصاره فعذبوهم بالضرب والجلد، والقتل، والإلقاء في حر الشمس في بطحاء مكة، ووضعوا الحجارة على صدورهم، وحاولوا فتنتهم عن دينهم، فلم يزدهم التعذيب إلا إصرارا على التمسك بعقيدتهم، فلا يصدر عنهم إلا القول: أحد أحد. ولست أبالي حين أقتل مسلما... على أي جنب كان في الله مصرعي

стр. 5204

ثم وعد الله تعالى هؤلاء المعذبين المستضعفين بالنصر فقال: ﴿وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ أي إن الله وحده هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكنه يريد من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته، وهو حينئذ معهم يؤيدهم بنصره، وقد فعل، فأعزهم وأهلك أعداءهم. هذا رأي ابن كثير (١). ويكون المقصود تنبيه المسلمين إلى أن الدنيا دار ابتلاء واختبار، وأنهم مدعوون للجهاد والكفاح، وإثبات الكفاءة والذات، وأن الجزاء مرتبط بالعمل. وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذا وعد بالنصر، وتأكيد للوعد في الآية المتقدمة بالدفاع عن المؤمنين، وتصريح بأن الوعد السابق لا يراد منه مجرد تخليصهم من أيدي أعدائهم، بل نصرهم عليهم. وإنما تأخر تشريع القتال إلى ما بعد الهجرة وإلى الوقت المناسب؛ لأن المؤمنين في مكة كانوا قلة، وكان المشركون أكثر عددا، فلو أمر المسلمون-وهم أقل من العشر-بقتال المشركين، لشق عليهم. ثم وصف الله تعالى حال هؤلاء المؤمنين بقوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا: رَبُّنَا اللهُ﴾ أي إن هؤلاء المؤمنين المعتدى عليهم هم الذين أخرجهم المشركون من مكة إلى المدينة بغير حق، وهم محمد ﷺ وأصحابه، وما كان لهم من إساءة إلى قومهم، ولا كان لهم ذنب إلا أنهم عبدوا الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة ١/ ٦٠] وقال سبحانه في قصة أصحاب الأخدود: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج ٨/ ٨٥]. هذا أول أسباب المشروعية وهو الطرد من الأوطان بغير حق، ثم ذكر تعالى

стр. 5205

سببا آخر وهو الدفاع عن حرية العبادة في الأرض، وحماية الأماكن المقدسة، فقال: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ.﴾. هذه هي سنة التدافع من أجل الحفاظ على التوازن بين البشر، والقتال مشروع لحماية أماكن العبادة، وإقرار مبدأ حرية العبادة. والمعنى: لولا أنه تعالى يدفع بقوم عن قوم، ويكفّ شرور أناس من غيرهم، ولولا تشريع القتال دفاعا عن الوجود والحرمات، لهدّمت مواطن العبادة، سواء كانت معابد للرهبان أو للنصارى أو لليهود أو للمسلمين، التي يذكر فيها اسم الله ذكرا كثيرا. ويلاحظ وجود التنقل في بيان مواضع العبادة من الأقل إلى الأكثر، ومن الأضيق إلى الأوسع، فإن المساجد أكثر ارتيادا، وأصح عبادة وأسلم قصدا. وكذلك قدمت الصوامع والبيع في الكلام على المساجد؛ لأنها أقدم وجودا. قال بعض العلماء: هذا ترقّ من الأقل إلى الأكثر إلى أن انتهى إلى المساجد، وهي أكثر عمّارا، وأكثر عبّادا، وهم ذوو القصد الصحيح (١). ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي وليؤيّدنّ الله بنصره الذين يقاتلون في سبيل إعلاء كلمة التوحيد ورفع لواء دينه، كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ، وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ [محمد ٧/ ٤٧ - ٨]. وهذا إخبار من الله عن مغيبات المستقبل وعما ستكون عليه سيرة المهاجرين ﵃ إن مكنهم في الأرض، وبسط لهم في الدنيا، وكيف يقومون بأمر الدين (٢).

стр. 5206

﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي إن الله هو القوي القادر على نصر أهل طاعته المجاهدين في سبيله، وهو المنيع الذي لا يقهر، ولا يغلبه غالب، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الصافات ١٧١/ ٣٧ - ١٧٣]. وقوله سبحانه: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨]. ثم وصف الله تعالى المهاجرين المؤمنين الجديرين بالنصر فقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ.﴾. أي إن هؤلاء المهاجرين الذين بوأهم الله السلطة على الناس، وأعطاهم النفوذ بين العالم إن مكنهم من الأرض وأعطاهم السلطة، فإنهم يأتون بالأمور الأربعة: وهي إقامة الصلاة المفروضة على الوجه الأكمل، وإيتاء الزكاة الواجبة، والأمر بالمعروف (وهو ما أمر به شرعا وحسن عقلا) والنهي عن المنكر (وهو ما حظر شرعا وقبح عقلا) فدعوا إلى توحيد الله وإطاعته، ونهوا عن الشرك وقاوموا أهله. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور ٥٥/ ٢٤]. ﴿وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ أي إن مرجع الأمور إلى حكمه تعالى وتقديره في الثواب والعقاب على ما عملوا، كقوله تعالى: ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨/ ٧] وفيه تأكيد لما وعد تعالى من نصر أوليائه وإعلاء كلمتهم. فمن تأمل النصر على الأعداء من اليهود وغيرهم، فليعمل بهذه الأوصاف الأربعة التي التزمها المهاجرون والمجاهدون الأولون. ومجمل الآيات أنه إنما أحللت لهم القتال؛ لأنهم ظلموا، ولم يكن لهم ذنب مع الناس إلا أن يعبدوا الله، وأنهم إذا ظهروا في الأرض أقاموا الصلاة.

стр. 5207

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات الكريمات إلى غرر الأحكام التالية: ١ - وعد الله في الآية الأولى بالمدافعة عن المؤمنين، وبحفظهم وصونهم من شر الأشرار وكيد الفجار، وبنصرهم على أعدائهم، ثم نهى نهيا صريحا عن الخيانة والغدر وكفران النعم. ٢ - أباح الله تعالى القتال لمن يصلح له لدفع أذى الكفار واعتدائهم، ودفاعا عن النفس وحق الحياة العزيزة الكريمة. قال الضحّاك: استأذن أصحاب رسول الله ﷺ في قتال الكفار إذ آذوهم بمكة، فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾، فلما هاجر نزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ وهذا-كما يقول العلماء القدامى-ناسخ لكل ما في القرآن من إعراض وترك وصفح، وهي أول آية نزلت في القتال. وكانت قريش قد اضطهدت المسلمين حتى فتنوهم عن دينهم، ونفوهم عن بلادهم، فهم بين مفتون في دينه، ومعذّب، وبين هارب في البلاد مغرّب، فمنهم من فرّ إلى أرض الحبشة، ومنهم من خرج إلى المدينة، ومنهم من صبر على الأذى (١). والخلاصة: لقد أذنوا بالقتال بسبب كونهم مظلومين، وكان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديدا، وكانوا يأتون رسول الله ﷺ من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه، فيقول لهم: اصبروا، فإني لم أومر بقتال، حتى هاجر، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية (٢). وفي هذه الآية دليل على أن الإباحة من الشرع، خلافا للمعتزلة؛ لأن قوله: ﴿أُذِنَ﴾ معناه أبيح، وهو لفظ موضوع في اللغة لإباحة كل ممنوع.

стр. 5208

٣ - إن من مظاهر ظلم المشركين للمؤمنين هو إخراجهم من أوطانهم، لا لشيء، لكن لقولهم: ربنا الله وحده، فإن أهل الأوثان أخرجوهم من ديارهم بتوحيدهم. وفي هذه الآية دليل على جواز نسبة الفعل الموجود من الملجأ المكره إلى الذي ألجأه وأكرهه؛ لأن الله تعالى نسب الإخراج إلى الكفار، كما في آية: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة ٤٠/ ٩]. ٤ - ومن أسباب مشروعية القتال: الدفاع عن الحرمات وأماكن العبادات، فلولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، لاستولى أهل الشرك على نواصي الأمور، وأشاعوا الفوضى، ودمروا مواضع العبادات، وتغلبوا على الحق في كل أمة. وهذا يدل على أن الجهاد أمر قديم في الأمم، وبه صلحت الشرائع، وارتفعت به راية التوحيد، وظهرت بوادر الصلاح، ونواة التقدم والحضارة، وأرسيت معالم حرية الدين، وبرزت معالم الأخلاق القويمة والتهذيب البشري. ٥ - تضمنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبيعهم وبيوت نيرانهم، لكن لا يتركون أن يحدثوا ما لم يكن، ولا يزيدون في البنيان لا سعة ولا ارتفاعا، ولا ينبغي للمسلمين أن يدخلوها ولا يصلوا فيها، ومتى أحدثوا زيادة وجب نقضها. وجاز أن ينقض المسجد ليعاد بنيانه؛ وقد فعله عثمان ﵁ بمسجد النبي ﷺ . ٦ - إن الله تعالى القوي القادر، العزيز المنيع الجليل الشريف ينصر في حكمه وشرعه من ينصر دينه ونبيه، والله لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه، فقير إليه، ومن كان القوي العزيز ناصره فهو المنصور، وعدوه هو المقهور. ٧ - إن المسلمين في جهادهم دعاة بناء ومجد وحضارة، وإصلاح وتقويم، فهم

стр. 5209

إن كانت السلطة لهم في الدنيا لازموا أوصافا أربعة: هي إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف الذي هو خير، والنهي عن المنكر الذي هو شر محض. قال سهيل بن عبد الله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على السلطان وعلى العلماء الذين يأتونه. وليس على الناس أن يأمروا السلطان؛ لأن ذلك لازم له، واجب عليه، ولا يأمروا العلماء، فإن الحجة قد وجبت عليهم. ٨ - في قوله سبحانه: ﴿وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ دلالة على أن الذي تقدم ذكره من سلطنتهم وملكهم كائن لا محالة، وأن الأمور ترجع إلى الله تعالى بالعاقبة، فإنه سبحانه هو الذي لا يزول ملكه أبدا. الاعتبار بهلاك الأمم السابقة ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾

стр. 5210

الإعراب: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾: الكاف في موضع نصب بفعل مقدر يفسره الظاهر، وتقديره: وكأين من قرية أهلكتها، وهذا إذا جعلت أهلكتها خبرا. فإن جعلتها صفة ل ﴿قَرْيَةٍ﴾ لم يجز أن تكون مفسرة لفعل مقدر؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ معطوف بالجر على قوله ﴿قَرْيَةٍ﴾ وتقديره: وكم من بئر معطلة، وقيل: هو معطوف على ﴿عُرُوشِها﴾. المفردات اللغوية: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ.﴾. تسلية له ﷺ بأن قومه إن كذبوه فهو ليس وحده منفردا في التكذيب، فإن هؤلاء قد كذبوا رسلهم قبل قومه. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ تأنيث قوم باعتبار المعنى. ﴿وَعادٌ﴾ قوم هود. ﴿وَثَمُودُ﴾ قوم صالح. ﴿وَأَصْحابُ مَدْيَنَ﴾ قوم شعيب. ﴿وَكُذِّبَ مُوسى﴾ كذبه القبط، لا قومه بنو إسرائيل، لذا غيّر فيه النظم، وبني الفعل للمفعول؛ لأن قومه لم يكذبوه، وإنما كذبه القبط، ولأن تكذيبه كان أشنع. ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أمهلتهم بتأخير العقاب لهم. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ بالعذاب أي أهلكتهم. ﴿نَكِيرِ﴾ إنكاري عليهم، بتغيير النعمة محنة، والحياة هلاكا، والعمارة خرابا. والاستفهام ب ﴿فَكَيْفَ﴾ للتقرير، أي هو واقع موقعه، ويراد به التعجب. ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾ أي كم من قرية أهلكتها، أي بإهلاك أهلها. ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ أي أهلها بكفرهم. ﴿خاوِيَةٌ﴾ ساقطة. ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ سقوفها، أي ساقطة حيطانها على سقوفها أو خالية. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أي وكم من بئر معطلة، أي متروكة بموت أهلها عطفا على ﴿قَرْيَةٍ﴾. ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ رفيع أي مرفوع حال، بموت أهله، أو مجصص مبني بالشّيد أي الجصّ، أخليناه عن ساكنيه، وذلك يقوي أن معنى ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ خالية مع بقاء عروشها. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي كفار مكة، وهو حثّ لهم أن يسافروا، ليروا مصارع المهلكين، فيعتبروا. ﴿يَعْقِلُونَ بِها﴾ أي يدركون ما يجب أن يعقل، وما حصل لهم من الاستبصار والاستدلال بما نزل بالمكذبين قبلهم. ﴿أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ ما يجب أن يسمع من الوحي، والتذكير بحال من يشاهد آثارهم. ﴿فَإِنَّها﴾ الضمير عائد للقصة أو مبهم يفسره الإبصار، أي أن الضمير ضمير الشأن والقصة، وهو يجيء مذكرا ومؤنثا. ﴿وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ أي تعمى عن الاعتبار، أي ليس الخلل في مشاعرهم، وإنما في سوء استعمال عقولهم باتباع الهوى والانهماك في التقليد. وذكر الصدور للتأكيد.

стр. 5211

قال ابن عباس ومقاتل: لما نزلت: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى﴾ قال ابن أم مكتوم: يا رسول الله، أنا في الدنيا أعمى، أفأكون في الآخرة أعمى؟ فنزلت: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ المتوعد به. ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ﴾ بإنزال العذاب، لامتناع الخلف في خبره، فيصيبهم ما أوعدهم به ولو بعد حين، ولكنه صبور لا يعجل بالعقوبة. ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ من أيام الآخرة بسبب العذاب. ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ في الدنيا، وهو بيان لتناهي صبره وتأنيه. نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث، لقوله: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف ٧٠/ ٧] وقيل: نزلت في أبي جهل بن هشام، لقوله: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨]. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي من أهل قرية، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب. ﴿أَمْلَيْتُ لَها﴾ أمهلتها كما أمهلتكم. ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ مثلكم. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُها﴾ بالعذاب أي أخذت أهلها. ﴿الْمَصِيرُ﴾ المرجع، أي وإلى حكمي مرجع الجميع. المناسبة: بعد أن بين الله تعالى أن المشركين الكفار أخرجوا المؤمنين من ديارهم بغير حق، وأذن في مقاتلتهم، وضمن للرسول والمؤمنين النصرة عليهم، أردفه بما يجري مجرى التسلية للرسول ﷺ في الصبر على ما هم عليه من إيذائه وإيذاء المؤمنين بالتكذيب وغيره، ممن خالفه من قومه. التفسير والبيان: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ .. ﴿نَكِيرِ﴾ أي إن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون، فلست فريدا في هذا ولا بدعا من الرسل، وإنما هي سنة الأمم الغابرة، فقد كذبت قبلهم قوم نوح، وعاد قوم هود، وثمود قوم صالح، وقوم إبراهيم ولوط، وأصحاب مدين قوم شعيب، وكذب القبط الذين أرسل إليهم موسى، مع ما جاءهم به أنبياؤهم من الآيات البينات والدلائل الواضحات، فأنظرت

стр. 5212

العذاب عن الكافرين وأخرتهم إلى الوقت المعلوم عندي، ثم أخذتهم بالعذاب والعقوبة وأهلكتهم، فانظر كيف كان إنكاري عليهم بتدميرهم ومعاقبتي لهم؟! ويلاحظ أنه لم يقل: وقوم موسى؛ لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه غير قومه وهم القبط، وفرعون وقومه. وما جرى على المثيل يجري على مثيله، فإني سأفعل بالمكذبين من قومك مثلما فعلت بأمثالهم، وإن أمهلتهم، فإني منجز وعدي فيهم: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج ١٢/ ٨٥] فلا تتعجل العذاب. ذكر بعض السلف أنه كان بين قول فرعون لقومه: أنا ربكم الأعلى، وبين إهلاك الله أربعون سنة. وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى، وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. هذه هي سنة التكذيب، وأما العقاب فهو كما قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ ... ﴿قَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ أي كم من قرية أهلكتها، وهي ظالمة أي مكذبة لرسلها، والمراد أهلها، فأصبحت ديارهم ساقطة حيطانها على سقوفها، أي قد قربت منازلها، وتعطلت حواضرها، أو أصبحت خالية من أهلها مع بقاء عروشها على حالها وسلامتها. وكم من بئر معطلة أي لا يستقى منها، ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها، والازدحام عليها، وكم من قصر مشيد دمّر أو بقي بعد فناء أهله؟! والمشيد: المجصص: المبيض بالجص، أو المرفوع البنيان. والمعنى الإجمالي للآية: كم قرية أهلكناها، وكم بئر عطلناها عن سقاتها، وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه، فترك ذلك، لدلالة ﴿مُعَطَّلَةٍ﴾ عليه؟!

стр. 5213

وذلك كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً﴾ [الأنبياء ١١/ ٢١]. ثم لفت أنظارهم إلى ضرورة العبرة بما حدث وشاهدوا فقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها، أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ هذا حثّ على السفر، والاتعاظ بالفكر، والتأمل بالبصيرة، أي هلا يسافر هؤلاء في البلاد، فيتأملوا بما حدث من مصارع القوم، وينظروا بأعينهم ما وقع، ويشاهدوا آثارهم، ويفكروا بعقولهم في النتائج، ويسمعوا الأخبار بآذانهم، ليقفوا على الحقائق ويطلعوا على الأسباب، ويدركوا الأسرار، فيعتبروا بما شاهدوا ورأوا، ويقلعوا عما هم فيه من شرك وتكذيب لرسول الله، وينيبوا إلى ربهم الذي خلقهم، وأقام لهم الأدلة والبراهين في الكون على وجوده ووحدانيته. ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ أي ولكنهم لم يفكروا ولم يعتبروا ولم ينظروا، لا لأنهم قوم عمي البصر، وإنما هم عمي البصائر، فليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت أبصارهم سليمة، فإنهم عطلوا قدراتهم الفكرية وعقولهم، فلم يتفحصوا حقائق الأمور، ولم ينفذوا إلى العبر. ذكر الرازي أن الآية تدل على أن العقل هو العلم، وأن محل العلم هو القلب؛ لأن المقصود من قوله: ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ العلم، وقوله: ﴿يَعْقِلُونَ بِها﴾ كالدلالة على أن القلب آلة لهذا التعقل (١). وأضاف العقل إلى القلب؛ لأنه محله، كما أن السمع محله الأذن. وبعد أن أبان تعالى ما هم عليه من التكذيب، ذكر أنهم قوم طائشون، حمقى، يستهزئون بحلول العذاب، فقال:

стр. 5214

﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ أي يتعجل وقوع العذاب الذي تنذرهم به هؤلاء الكفار الملحدون المكذبون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قالُوا: اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨] وقال سبحانه: ﴿وَقالُوا: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ [ص ١٦/ ٣٨]. ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ﴾ أي والعذاب آت حالّ لا بد منه، فإن الله لا يخلف وعده الذي وعدهم به، وهو إقامة الساعة، والانتقام من أعدائه، والإكرام لأوليائه، وما وعده إياهم ليصيبنهم ولو بعد حين. ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أي إن الله تعالى حليم لا يعجل، ومن حلمه واستقصاره المدد الطوال أن يوما واحدا عنده كألف سنة مما تعدون، أي إن يوما من أيام العذاب عند ربك، التي تحل بهم في الآخرة يعادل لشدة عذابه ألف سنة من أيام الدنيا، فأين هم من عذاب ربك؟ وإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حكمه، لعلمه بأنه على الانتقام قادر، وأنه لا يفوته شيء، وإن أجّل وأنظر وأملى. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة ٥/ ٣٢]. والخلاصة: أنهم لو عرفوا حال عذاب الآخرة، وأنه بهذا الوصف لما استعجلوه، فاقتضت حكمته الإمهال. وتأكيدا للإنظار والإمهال، وإن طال الأمد، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها، وَهِيَ ظالِمَةٌ، ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي وكثيرا من القرى أملى الله لها، وأخّر عنها العذاب وإهلاكها، مع أنها مستمرة في

стр. 5215

ظلمها وهو الكفر والمعصية، فاغتروا بذلك التأخير، ثم أخذتها بأن أنزلت العذاب بها، أي بأهلها، فتأخير العذاب من باب الإمهال، لا الإهمال، كما جاء في الحديث الصحيح: «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه، لم يفلته». فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - إن نجاح النبي محمد ﷺ في رسالته متوقف أولا على الصبر على أذى قومه، لذا علمه ربه دروس الصبر، فكانت هذه الآيات تسلية له وتعزية، فقد كان قبله أنبياء كذّبوا، ذكر الله سبعة منهم، فصبروا إلى أن أهلك الله المكذبين، فما عليه إلا أن يقتدي بهم ويصبر. ٢ - من حكمته تعالى وحلمه أنه كان يؤخر العقوبة عن أولئك الكفار المكذبين رسلهم، الملحدين الجاحدين ربهم، ثم يعاقبهم، فتكون عقوبتهم عبرة للمعتبر، مدعاة للنظر والتأمل: كيف كان تغييره ما كانوا فيه من النعم بالعذاب والهلاك. وكذلك يفعل بالمكذبين من قريش؛ إذ ما جرى على النظير يجري على نظيره عقلا وعادة وعدلا. ٣ - تدل هذه الآية ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ على أنه سبحانه يفعل بقوم النبي ﷺ كل ما فعل بالأقوام الآخرين الغابرين إلا عذاب الاستئصال، فإنه لا يفعله بقوم محمد ﷺ ، وإن كان قد مكّنهم من قتل أعدائهم وثبّتهم. قال الحسن البصري: السبب في تأخر عذاب الاستئصال عن هذه الأمة أن ذلك العذاب مشروط بأمرين:

стр. 5216

أحدهما-أن عند الله حدا من الكفر من بلغه عذّبه، ومن لم يبلغه لم يعذبه. والثاني-أن الله لا يعذب قوما حتى يعلم أن أحدا منهم لا يؤمن. فأما إذا حصل الشرطان: وهو أن يبلغوا ذلك الحد من الكفر، ويعلم الله أن أحدا منهم لا يؤمن، فحينئذ يأمر الأنبياء، فيدعون على أممهم، فيستجيب الله دعاءهم، فيعذبهم بعذاب الاستئصال، وهو المراد من قوله: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ أي من إجابة القوم، وقوله لنوح: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾. وإذا عذبهم فإنه ينجي المؤمنين؛ لقوله: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ أي بالعذاب، نجينا هودا (١). ٤ - كثير من أهل القرى أهلكهم الله، حال استمرارهم على الظلم وهو الكفر، فتصبح بيوتهم خاوية على عروشها، أي ساقطة أو خالية من أهلها، كما تصبح آبارهم معطلة عن وارديها وسقاتها، وقصورهم المرفوعة البنيان خربة أو خالية من سكانها، فتحل الوحشة محل الأنس، والإقفار بعد العمران. وفي ذلك موعظة وعبرة وتذكرة، وتحذير من مغبّة المعصية، وسوء عاقبة المخالفة لأوامر الله تعالى ونواهيه. ٥ - قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ حثّ واضح على الاعتبار بآثار الأمم البائدة التي أهلكها الله بكفرها وظلمها، فإذا اعتبر الناس بذلك كانوا منتفعين بحق بحواسهم وإدراكاتهم وعقولهم، وإن لم يعتبروا كانوا معطلين لتلك الطاقات والنعم، فاستحقوا العقاب. ومن كان في الدنيا أعمى بقلبه عن الإسلام، فهو في الآخرة في النار.

стр. 5217

٦ - لو عرف الناس حال عذاب الآخرة، وأن يوم العذاب فيه لشدته كألف سنة من سني الدنيا، لما استعجلوه، فإن الله لا يخلف وعده في إنزال العذاب، قال الزجاج: استعجلوا العذاب فأعلمهم الله أنه لا يفوته شيء، وقد نزل بهم في الدنيا يوم بدر. وقال عكرمة: أعلمهم الله إذا استعجلوا بالعذاب في أيام قصيرة، أنه يأتيهم به في أيام طويلة. وقال الفرّاء: هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة. والخلاصة: أن الآية ردّ على المشركين الذين استعجلوا العذاب تكذيبا واستهزاء، لعدم إيمانهم بيوم القيامة، وإعلام قاطع بوقوع العذاب. ٧ - كثير من أهل القرى أمهلهم الله تعالى مع عتوهم، ثم أخذهم بالعذاب، وإلى الله المصير، أي إليه المرجع والمآب في الحكم والقضاء. تحديد مهمة النبي ﷺ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾ البلاغة: يوجد مقابلة بين ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ..﴾. وبين ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ..﴾ .. المفردات اللغوية: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ أهل مكة وغيرهم. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ بيّن الإنذار: وهو التخويف، وأنا

стр. 5218

أيضا بشير المؤمنين، واقتصر على الإنذار مع عموم الخطاب بقوله: ﴿لَكُمْ﴾ ومع ذكر الفريقين: المؤمنين والكافرين؛ لأن صدر الكلام ومساقه للمشركين. وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم زيادة في غيظ أعدائهم المشركين. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لما بدر منهم من الذنوب. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هو الجنة، والكريم من كل نوع: ما يجمع فضائله. ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا﴾ القرآن بالرد والإبطال والطعن بأنها سحر وشعر وأساطير. ﴿مُعاجِزِينَ﴾ أي مسابقين مغالبين لنا أي يظنون أن يفوتونا بإنكار البعث والعقاب، وقرئ معجزين أي مثبطين غيرهم عن الإيمان. ﴿الْجَحِيمِ﴾ النار الموقدة. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى استعجال المشركين العذاب تكذيبا له واستهزاء به؛ لأنهم لا يؤمنون بيوم القيامة، أردف ذلك بإيضاح وظيفة الرسول ﷺ وهي الإنذار والتخويف، وأنه بعث للإنذار، فاستهزاؤهم بذلك لا يمنعه منه. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى نبيه ﷺ بأن يقول للكفار حين طلبوا منه وقوع العذاب واستعجلوه به: يا أيها المشركون المستعجلون مجيء العذاب إنما أرسلني الله إليكم نذيرا لكم بين يدي عذاب شديد، وليس إلي من حسابكم شيء، بل أمركم إلى الله: إن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وهو الفعال لما يشاء ويريد ويختار، كما قال: ﴿وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ [الرعد ٤١/ ١٣]. ومهمتي كما تشمل الإنذار تتضمن التبشير، وهذا مضمون الأمرين: ١ - ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي فالذين آمنت قلوبهم، وصدقوا إيمانهم بأعمالهم لهم مغفرة لما سلف من سيئاتهم، وثواب حسن ولو على القليل من حسناتهم، وجنة عرضها السموات والأرض، فالرزق الكريم هو الجنة التي وصفها الله سبحانه بقوله: ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ

стр. 5219

الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف ٧١/ ٤٣] ووصفها الرسول ﷺ فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». ٢ - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ أي والذين جهدوا في إبطال آياتنا، وردّ دعوة الدين، والتكذيب بها، وثبطوا الناس عن متابعة النبي ﷺ ، ظنا منهم أنهم يعجزوننا ويتفلتون من أمرنا وبعثنا لهم وأننا لا نقدر عليهم، فهم أهل النار الحارة الموجعة، الشديد عذابها ونكالها، المقيمون فيها على الدوام، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ، بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل ٨٨/ ١٦]. وقد شبههم بالصاحب من حيث الدوام. فقه الحياة أو الأحكام: يؤخذ من الآيات ما يأتي: ١ - إن وظيفة الرسول ﷺ هي الإنذار والتبشير، إنذار من عصاه بالنار وتبشير من أطاعه بالجنة. ٢ - للمؤمنين الذين يعملون الصالحات أي الطاعات والقربات الجنة والمغفرة للذنوب والرضوان. ٣ - للكافرين المعاندين الظانين ألا بعث وأن الله لا يقدر عليهم النار المستعرة التي يخلدون فيها على الدوام.

стр. 5220

إحكام الوحي وصونه عن الشياطين قصة الغرانيق ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ الإعراب: ﴿وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: الضمير في ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ يعود إلى الآلف واللام في قوله: ﴿الْقاسِيَةِ﴾. وهذا يدل على أن الألف واللام في حكم الأسماء؛ لأن الحروف لا حظّ لها في الضمير البتة، وتقديره: فويل للذين قست قلوبهم، ولهذا التقدير عاد الضمير. ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ أي كائن مستقر لله، وهو ناصب للظرف. البلاغة: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ جناس اشتقاق.
следующие страницы →