أحدهما-أن عند الله حدا من الكفر من بلغه عذّبه، ومن لم يبلغه لم يعذبه.
والثاني-أن الله لا يعذب قوما حتى يعلم أن أحدا منهم لا يؤمن. فأما إذا حصل الشرطان: وهو أن يبلغوا ذلك الحد من الكفر، ويعلم الله أن أحدا منهم لا يؤمن، فحينئذ يأمر الأنبياء، فيدعون على أممهم، فيستجيب الله دعاءهم، فيعذبهم بعذاب الاستئصال، وهو المراد من قوله: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ أي من إجابة القوم، وقوله لنوح: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾. وإذا عذبهم فإنه ينجي المؤمنين؛ لقوله: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ أي بالعذاب، نجينا هودا (١).
٤ - كثير من أهل القرى أهلكهم الله، حال استمرارهم على الظلم وهو الكفر، فتصبح بيوتهم خاوية على عروشها، أي ساقطة أو خالية من أهلها، كما تصبح آبارهم معطلة عن وارديها وسقاتها، وقصورهم المرفوعة البنيان خربة أو خالية من سكانها، فتحل الوحشة محل الأنس، والإقفار بعد العمران.
وفي ذلك موعظة وعبرة وتذكرة، وتحذير من مغبّة المعصية، وسوء عاقبة المخالفة لأوامر الله تعالى ونواهيه.
٥ - قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ حثّ واضح على الاعتبار بآثار الأمم البائدة التي أهلكها الله بكفرها وظلمها، فإذا اعتبر الناس بذلك كانوا منتفعين بحق بحواسهم وإدراكاتهم وعقولهم، وإن لم يعتبروا كانوا معطلين لتلك الطاقات والنعم، فاستحقوا العقاب.
ومن كان في الدنيا أعمى بقلبه عن الإسلام، فهو في الآخرة في النار.
стр. 5217
٦ - لو عرف الناس حال عذاب الآخرة، وأن يوم العذاب فيه لشدته كألف سنة من سني الدنيا، لما استعجلوه، فإن الله لا يخلف وعده في إنزال العذاب، قال الزجاج: استعجلوا العذاب فأعلمهم الله أنه لا يفوته شيء، وقد نزل بهم في الدنيا يوم بدر.
وقال عكرمة: أعلمهم الله إذا استعجلوا بالعذاب في أيام قصيرة، أنه يأتيهم به في أيام طويلة.
وقال الفرّاء: هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة.
والخلاصة: أن الآية ردّ على المشركين الذين استعجلوا العذاب تكذيبا واستهزاء، لعدم إيمانهم بيوم القيامة، وإعلام قاطع بوقوع العذاب.
٧ - كثير من أهل القرى أمهلهم الله تعالى مع عتوهم، ثم أخذهم بالعذاب، وإلى الله المصير، أي إليه المرجع والمآب في الحكم والقضاء.
تحديد مهمة النبي ﷺ
﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾
البلاغة:
يوجد مقابلة بين ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ..﴾. وبين ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ..﴾ ..
المفردات اللغوية:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ أهل مكة وغيرهم. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ بيّن الإنذار: وهو التخويف، وأنا
стр. 5218
أيضا بشير المؤمنين، واقتصر على الإنذار مع عموم الخطاب بقوله: ﴿لَكُمْ﴾ ومع ذكر الفريقين:
المؤمنين والكافرين؛ لأن صدر الكلام ومساقه للمشركين. وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم زيادة في غيظ أعدائهم المشركين.
﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لما بدر منهم من الذنوب. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هو الجنة، والكريم من كل نوع: ما يجمع فضائله. ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا﴾ القرآن بالرد والإبطال والطعن بأنها سحر وشعر وأساطير. ﴿مُعاجِزِينَ﴾ أي مسابقين مغالبين لنا أي يظنون أن يفوتونا بإنكار البعث والعقاب، وقرئ معجزين أي مثبطين غيرهم عن الإيمان. ﴿الْجَحِيمِ﴾ النار الموقدة.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى استعجال المشركين العذاب تكذيبا له واستهزاء به؛ لأنهم لا يؤمنون بيوم القيامة، أردف ذلك بإيضاح وظيفة الرسول ﷺ وهي الإنذار والتخويف، وأنه بعث للإنذار، فاستهزاؤهم بذلك لا يمنعه منه.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى نبيه ﷺ بأن يقول للكفار حين طلبوا منه وقوع العذاب واستعجلوه به: يا أيها المشركون المستعجلون مجيء العذاب إنما أرسلني الله إليكم نذيرا لكم بين يدي عذاب شديد، وليس إلي من حسابكم شيء، بل أمركم إلى الله: إن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وهو الفعال لما يشاء ويريد ويختار، كما قال: ﴿وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ [الرعد ٤١/ ١٣].
ومهمتي كما تشمل الإنذار تتضمن التبشير، وهذا مضمون الأمرين:
١ - ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي فالذين آمنت قلوبهم، وصدقوا إيمانهم بأعمالهم لهم مغفرة لما سلف من سيئاتهم، وثواب حسن ولو على القليل من حسناتهم، وجنة عرضها السموات والأرض، فالرزق الكريم هو الجنة التي وصفها الله سبحانه بقوله: ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ
стр. 5219
الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف ٧١/ ٤٣] ووصفها الرسول ﷺ فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
٢ - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ أي والذين جهدوا في إبطال آياتنا، وردّ دعوة الدين، والتكذيب بها، وثبطوا الناس عن متابعة النبي ﷺ ، ظنا منهم أنهم يعجزوننا ويتفلتون من أمرنا وبعثنا لهم وأننا لا نقدر عليهم، فهم أهل النار الحارة الموجعة، الشديد عذابها ونكالها، المقيمون فيها على الدوام، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ، بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل ٨٨/ ١٦]. وقد شبههم بالصاحب من حيث الدوام.
فقه الحياة أو الأحكام:
يؤخذ من الآيات ما يأتي:
١ - إن وظيفة الرسول ﷺ هي الإنذار والتبشير، إنذار من عصاه بالنار وتبشير من أطاعه بالجنة.
٢ - للمؤمنين الذين يعملون الصالحات أي الطاعات والقربات الجنة والمغفرة للذنوب والرضوان.
٣ - للكافرين المعاندين الظانين ألا بعث وأن الله لا يقدر عليهم النار المستعرة التي يخلدون فيها على الدوام.
стр. 5220
إحكام الوحي وصونه عن الشياطين
قصة الغرانيق
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾
الإعراب:
﴿وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: الضمير في ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ يعود إلى الآلف واللام في قوله:
﴿الْقاسِيَةِ﴾. وهذا يدل على أن الألف واللام في حكم الأسماء؛ لأن الحروف لا حظّ لها في الضمير البتة، وتقديره: فويل للذين قست قلوبهم، ولهذا التقدير عاد الضمير. ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ أي كائن مستقر لله، وهو ناصب للظرف.
البلاغة:
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ جناس اشتقاق.
стр. 5221
﴿فَيَنْسَخُ﴾ ﴿يُحْكِمُ﴾ بينهما طباق. ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ﴾ وضع الظاهر موضع المضمر، والأصل وإنهم قضاء عليهم بالظلم والمعاداة.
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ في قوله ﴿عَقِيمٍ﴾ استعارة، شبه يوم القيامة الذي لا ليل بعده ولا نهار بالمرأة العقيم التي لا تلد، لانقضاء الزمان، بعكس ما قبله من الأيام التي تعقبها الليالي، فهي بمنزلة الولدان لليالي.
المفردات اللغوية:
﴿رَسُولٍ﴾ هو نبي أمر بالتبليغ، أو في الأصح من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها، والنبي: أعم من الرسول، فهو من لم يؤمر بالتبليغ، أو في الأصح من بعثه الله بتقرير شرع سابق، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى ﵈، ولذلك شبه النبي ﷺ علماء أمته بهم، ويدل عليه أنه ﵊ سئل عن الأنبياء
فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، قيل: فكم الرسل منهم؟ قال: ثلاث مائة وثلاثة عشر جما غفيرا.
﴿تَمَنّى﴾ قرأ ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ قراءته، وألقى الشيطان أي ما ليس من المقروء الموحى به مما يرضاه المرسل إليهم ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ﴾ يبطل ويزيل ﴿يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ يثبتها ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال الناس وبإلقاء الشيطان ما ذكر ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يفعله بهم، فإنه يفعل ما يشاء.
﴿فِتْنَةً﴾ أي محنة وابتلاء واختبارا ﴿مَرَضٌ﴾ شك ونفاق ﴿الْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم الكفار الذي قست قلوبهم عن قبول الحق ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ عداوة شديدة وبعد عن الحق، وخلاف طويل مع النبي ﷺ والمؤمنين.
﴿الْعِلْمَ﴾ التوحيد والقرآن أو أهل العلم المجردون عن التعصب والعناد ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أن القرآن هو الحق النازل من عند الله ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أي بالقرآن أو بالله ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ تطمئن أو تنقاد وتخشى وتخضع ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو الطريق القويم وهو دين الإسلام، أو النظر الصحيح الذي يوصلهم إلى الحق.
﴿مِرْيَةٍ﴾ شك ﴿مِنْهُ﴾ أي القرآن ﴿السّاعَةُ﴾ القيامة أو الموت، أو أشراط الساعة ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ يوم منفرد عن سائر الأيام لشدته، والمراد به يوم حرب يقتلون فيه، كيوم بدر؛ لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كالعقم، أو لأنه لا خير فيه كالريح العقيم التي لا تأتي بخير، أو هو يوم القيامة لا ليل بعده.
﴿الْمُلْكُ﴾ السلطان والتصرف ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم القيامة، والتنوين فيه ينوب عن الجملة التي دلت عليها الغاية، أي يوم تزول مريتهم ﴿لِلّهِ﴾ وحده ﴿يَحْكُمُ﴾ يقضي بين الكافرين
стр. 5222
والمؤمنين ﴿مُهِينٌ﴾ شديد مذل بسبب كفرهم. ويلاحظ أن إدخال الفاء في خبر الذين الثاني:
﴿فَأُولئِكَ﴾ دون الأول: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ تنبيه على أن إثابة المؤمنين بالجنات تفضل من الله تعالى، وأن عقاب الكفار مسبب عن أعمالهم، ولذلك قال: ﴿لَهُمْ عَذابٌ﴾ ولم يقل: في عذاب.
سبب النزول:
ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، ورجوع كثير من مهاجرة الحبشة إلى مكة، ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا. وذكروا روايات مختلفة، كلها من طرق مرسلة، وليست مسندة من وجه صحيح كما قال ابن كثير (١). منها ما رواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير:
أن النبي ﷺ جلس في ناد من أندية قومه، كثير أهله، فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شيء، فينفروا عنه يومئذ، فأنزل الله عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ فقرأ، حتى إذا بلغ إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ ألقى الشيطان كلمتين: تلك الغرانيق (٢) العلا، وإن شفاعتهن لترتجى.
فتكلم بها، ثم مضى بقراءة السورة كلها، ثم سجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعا معه، وقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ الآية.
ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته وسجد عليه، وكان شيخا كبيرا، فلما أمسى النبي ﷺ أتاه جبريل، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين قال:
ما جئتك بهاتين، فأوحى الله إليه: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ، وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً. وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ﴾
стр. 5223
﴿تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً. إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً﴾ فما زال مغموما حتى نزلت: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾.
قال ابن العربي وعياض: إن هذه الروايات باطلة لا أصل لها (١). وقال الرازي (٢): أما أهل التحقيق فقد قالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول.
أما القرآن فوجوه منها قوله تعالى: ﴿قُلْ: ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ [يونس ١٥/ ١٠] وقوله: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ [النجم ٤/ ٥٣ - ٣] وقوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤/ ٦٩ - ٤٦] فلو أنه قرأ عقيب آية النجم المذكورة: تلك الغرانيق العلا، لكان قد ظهر كذب الله تعالى في الحال، وذلك لا يقوله مسلم.
وأما السنة: فهي ما روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة: أنه سئل عن هذه القصة، فقال: هذا وضع من الزنادقة. وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل. وأيضا:
فقد روى البخاري في صحيحة أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم، وسجد فيها المسلمون والمشركون، والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق.
وأما المعقول فمن وجوه: منها: أن من جوز على الرسول ﷺ تعظيم الأوثان، فقد كفر؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان.
стр. 5224
قال الرازي: وأقوى الوجوه: أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الامان عن شرعه، أي شرع الله، وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك، ويبطل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة ٦٧/ ٥] فإنه لا فرق في العقل بين النقصان عن الوحي وبين الزيادة فيه. فبهذا عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة.
التفسير والبيان:
تبين من الكلام السابق في سبب النزول أن قصة الغرانيق موضوعة مكذوبة وضعها الزنادقة، لذا يجب تفسير الآيات على نحو آخر، خلافا لما عليه كثير من المفسرين. ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة، بها وقعت الفتنة، ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء، لكن المقطوع به أن النبي ﷺ عملا بدلالة الآيات السابقة الدالة على عصمته، وأنه لا ينطق عن الهوى أنه لم يجار الشيطان فيما ألقاه، ولم يردد على لسانه ما وسوس به. وأحسن تأويل للآيات كما قال القرطبي: هو أن النبي ﷺ كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلا، ويفصّل الآي تفصيلا في قراءته، كما روى الثقات عنه، فيمكن ترصّد الشيطان لتلك السكتات، ودسّه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، محاكيا نغمة النبي ﷺ ، بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار، فظنّوها من قول النبي ﷺ وأشاعوها، ولم يقدح ذلك عند المسلمين، لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققهم من حال النبي ﷺ في ذمّ الأوثان وعيبها ما عرف عنه (١).
وعلى هذا يكون معنى الآية: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ.﴾. أي وما أرسلنا يا محمد قبلك رسولا ولا نبيا إلا إذا قرأ وتلا كلام الله، ألقى الشيطان في قراءته
стр. 5225
وتلاوته بعض الأقاويل والأباطيل. وقوله ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ دليل على تغاير الرسول والنبي، والفرق بينهما كما في الكشاف: أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه، والنبي غير الرسول: من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله. وقد ذكرت في المفردات التعريف المشهور والأصح للرسول والنبي وعدد الرسل والأنبياء.
﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ أي فيزيل الله ما وسوس به الشيطان من الكلمات والخرافات التي تعلّق بها بعض الكفار، ثم يجعل آياته محكمة محصّنة مثبّتة، لا تقبل التشويه والتزييف أو الزيادة أو النقصان.
وهذا يشبه محاولات بعض القساوسة اليوم دسّ بعض الأكاذيب والشبهات في مبادئ الإسلام وتعاليمه، وقلب الحقائق، وتزييف الوقائع، وتأويل بعض الآيات على وجه غير صحيح، ثم تتبدد تلك المساعي الخبيثة، وتدحض تلك المفتريات على يد بعض العلماء الأثبات من المسلمين أو من غيرهم، وتدفن تلك الآراء المدسوسة في النشرات والكتب المدرسية وغيرها.
﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي والله عليم بكل شيء، وبما أوحى إلى نبيه، وبما يكون من الأمور والحوادث، لا تخفى عليه خافية، حكيم في تقديره وخلقه وأمره وأفعاله، له الحكمة التامة، والحجة البالغة، فيجازي المفتري بافترائه، ويظهر الحق للمؤمنين، وتتبدد الظلمة في نفوس المنافقين، وهذا ما أبانه الله تعالى في موقف الفريقين، فقال:
١ - ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ أي ليجعل ما يوسوس به الشيطان فتنة أي ابتلاء واختبارا للمنافقين الذين في قلوبهم شك وشرك وكفر ونفاق، وللمشركين أو اليهود المعاندين قساة
стр. 5226
القلوب، حين فرحوا بإلقاء الشيطان بعض الكلمات، واعتقدوا أنه صحيح من عند الله، وإنما كان من الشيطان.
﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي وإن هؤلاء الظالمين أنفسهم من المنافقين والكفار لفي مخالفة وعصيان، ومشاقة لله تعالى ولرسوله ﷺ ، وعناد بعيد من الحق والصواب.
٢ - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، فَيُؤْمِنُوا بِهِ، فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي ولكي يعلم أهل العلم النافع الذين يفرقون به بين الحق والباطل، والمؤمنون بالله ورسوله أن ما أوحيناه إليك هو الحق الثابت الصحيح من ربك الذي أنزله بعلمه وحفظه، وصانه أن يختلط به غيره، فيصدقوا به وينقادوا له، وتخضع له قلوبهم، وتذل وتخشع له نفوسهم، وتعمل بأحكامه وآدابه وشريعته، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت ٤١/ ٤١ - ٤٢].
﴿وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي وإن الله لمرشد المؤمنين بالله ورسوله إلى طريق قويم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه بتأويل سليم للمتشابه في الدين، وتفصيل واضح للمجمل منه، وفي الآخرة يهديهم الطريق الصحيح الموصل إلى درجات الجنان، ويصرفهم عن دركات النيران.
ومصير الفريق الأول ما قال تعالى:
﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ ... ﴿عَقِيمٍ﴾ أي ولا يزال الكفار في شك وريب من هذا القرآن أو من الرسول، فضمير ﴿مِنْهُ﴾ راجع إلى القرآن أو الرسول ﷺ ، أو لا يزال الكفار في ريب منه أي مما ألقى الشيطان في قلوبهم حين قراءة القرآن عليهم، حتى تأتيهم الساعة، أي يوم القيامة أو مقدماتها أو
стр. 5227
الموت، بغتة أي فجأة من غير أن يشعروا، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم، أي يوم القيامة أو يوم حرب مدمرة كيوم بدر. وجعل الساعة غاية لكفرهم وأنهم يؤمنون عند أشراط الساعة على وجه الإلجاء. وإنما وصف يوم القيامة بالعقيم لأنه لا يأتي بعده ليل، ووصف يوم الحرب بالعقيم لأن أولاد النساء يقتلون فيه، فيصرن كأنهن عقم لم يلدن، أو لأن المقاتلين يقال لهم: أبناء الحرب، فإذا قتلوا وصف هذا اليوم بأنه عقيم، على سبيل المجاز. قال ابن كثير: القول الأول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به، ولهذا قال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ، يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾.
والمراد بالآية أن الكفار ما يزالون على كفرهم لا يؤمنون حتى يهلكوا.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي السلطان والتصرف يوم القيامة يوم الجزاء والثواب والعقاب لله الواحد القهار، يقضي بينهم بالحق، وهو الحكم العدل جل شأنه، كما قال تعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤/ ١] وقال :
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ، وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً﴾ [الفرقان ٢٦/ ٢٥].
ونتيجة الحكم تظهر ببيان جزاء كل من الفريقين، فقال تعالى:
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي فالذين آمنت قلوبهم وصدقوا بالله ورسوله وبالقرآن، وعملوا بمقتضى ما علموا من الأعمال الصالحة بإطاعة أوامره تعالى واجتناب نواهيه، وتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم، لهم جنات النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا، فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي والذين كفرت قلوبهم بالحق وجحدته، وكذبوا بالقرآن وبالرسول، وخالفوا الرسل، واستكبروا عن اتباعهم، فأولئك لهم عند ربهم عذاب مذلّ مخز، مقابل
стр. 5228
استكبارهم عن الحق، وإبائهم النظر في آيات القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠/ ٤٠] أي صاغرين.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - هذه تسلية أخرى من الله تعالى لرسوله ﷺ بعد قوله المتقدم: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي فلا تحزن ولا تتألم لما يردده الكفار على لسان الشيطان، فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء.
٢ - الآية تدل على إحكام الوحي وحفظ كتاب الله تعالى وحراسته من أقاويل الشيطان وأباطيله وخرافاته، فإنه إذا ألقى شيئا من الكلام في ثنايا آيات القرآن الكريم أو حديث النبي ﷺ في نفسه، فيبطل الله ما ألقى الشيطان، ويحكم آياته ويثبتها.
فقوله تعالى ﴿تَمَنّى﴾ و ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي قرأ وتلا، وقراءته. وروى البخاري عن ابن عباس في ذلك: إذا حدّث-أي النبي-ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان. والمعنى: أن النبي ﷺ كان إذا حدّث نفسه، ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة، فيقول: لو سألت الله أن يغنّمك ليتسع المسلمون؛ ويعلم الله أن الصلاح في غير ذلك، فيبطل ما يلقي الشيطان، أي أن المراد حديث النفس. قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجله.
٣ - إن في إلقاء الشيطان حكمة وهو أن يجعل فتنة أي ابتلاء واختبارا لفئتين هما المنافقون والمشركون، وهم الظالمون أنفسهم، والظالمون أي الكافرون لفي خلاف وعصيان ومشاقة لله ولرسوله ﷺ .
стр. 5229
٤ - قال الثعلبي في آية ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً.﴾.: وفي الآية دليل على أن الأنبياء يجوز عليهم السهو والغلط بوسواس الشيطان، أو عند شغل القلب حتى يغلط، ثم ينبّه ويرجع إلى الصحيح؛ وهو معنى قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾.
ولكن إنما يكون الغلط على حسب ما يغلط أحدنا، فأما ما ينسب إليه من قولهم: تلك الغرانيق العلا، فكذب على النبي ﷺ ؛ لأن فيه تعظيم الأصنام، ولا يجوز ذلك على الأنبياء، كما لا يجوز أن يقرأ بعض القرآن، ثم ينشد شعرا، ويقول: غلطت وظننته قرآنا.
٥ - وحكمة أخرى لإلقاء الشيطان هي أن يعلم المؤمنون أن الذي أحكم من آيات القرآن هو الحق الصحيح الثابت من الله، فيؤمنوا به، وتخشع وتسكن قلوبهم، وإن الله يهدي المؤمنين إلى صراط مستقيم، أي يثبّتهم على الهداية.
٦ - سيظل الكفار في شك من القرآن أو من الدين؛ وهو الصراط المستقيم، أو من الرسول، أو مما ألقى الشيطان على لسان محمد ﷺ ، وهو لم يقله، فيقولون: ما باله ذكر الأصنام بخير، ثم ارتدّ عنها؟ ويستمر الشك إلى وقت مجيء زمن الإيمان القسري أو الملجئ فجأة وهو إما يوم القيامة وإما الموت، وإما يوم الحرب كبدر، وذلك يوم عقيم. وقد تبين لدينا أن الراجح في تفسير اليوم العقيم هو يوم القيامة، قال الضحاك: عذاب يوم لا ليلة له، وهو يوم القيامة. قال الرازي: وهذا القول أولى؛ لأنه لا يجوز أن يقول الله تعالى:
﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ﴾ ويكون المراد يوم بدر؛ لأن من المعلوم أنهم في مرية بعد يوم بدر. ولا يكون هناك تكرار بينه وبين قوله ﴿السّاعَةُ﴾ لأن الساعة من مقدمات القيامة، واليوم العقيم هو ذلك اليوم نفسه، كما أن في الأول ذكر الساعة، وفي الثاني ذكر عذاب ذلك اليوم. ويحتمل أن يكون المراد
стр. 5230
بالساعة: وقت موت كل أحد، وبعذاب يوم عقيم: القيامة (١).
٧ - الملك والسلطان لله وحده يوم القيامة، دون منازع، فهو الذي يقضي بالمجازاة بين العباد، ويكون قرار حكمه أن المؤمنين الذين يعملون الصالحات في جنات النعيم، وأن الكافرين المكذبين بآيات القرآن في عذاب مهين. وقوله:
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ من أقوى ما يدل على أن اليوم العقيم هو يوم القيامة.
وعده الكريم بالنصر والجنة للمهاجرين المقاتلين دفاعا عن النفس
﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾
الإعراب:
﴿وَمَنْ عاقَبَ﴾: مبتدأ مرفوع، بمعنى الذي، وصلته: ﴿عاقَبَ﴾ وخبره:
﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ﴾. وليست ﴿مَنْ﴾ هاهنا شرطية؛ لأنه لا لام فيها، كما في قوله تعالى: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف ١٨/ ٧].
المفردات اللغوية:
﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي تركوا أوطانهم في طاعة الله من مكة إلى المدينة.
﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ في الجهاد. ﴿رِزْقاً حَسَناً﴾ هو الجنة. ﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أفضل المعطين، فإنه يرزق بغير حساب.
стр. 5231
﴿مُدْخَلاً﴾ أي إدخالا، أو موضعا يدخلونه ويرضونه وهو الجنة. ﴿لَعَلِيمٌ﴾ بنياتهم وبأحوالهم. ﴿حَلِيمٌ﴾ عن عقابهم، فلا يعاجلهم في العقوبة.
﴿ذلِكَ﴾ أي الأمر ذلك، أو ذلك الذي قصصناه عليك. ﴿وَمَنْ عاقَبَ﴾ جازى من المؤمنين. أي جازى الظالم بمثل ظلمه. ﴿بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ ظلما من المشركين، أي قاتلهم كما قاتلوه في الشهر الحرام، ولم يزد في الاقتصاص. وإنما سمي الابتداء بالعقاب الذي هو الجزاء عقابا للازدواج والمشاكلة، أو لأنه سببه. ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ منهم، أي ظلم بإخراجه من منزله.
﴿لَعَفُوٌّ﴾ عن المؤمنين. ﴿غَفُورٌ﴾ لهم عن قتالهم في الشهر الحرام. وفيه تعريض بالحث على العفو والمغفرة، فإنه تعالى مع كمال قدرته يعفو ويغفر، فغيره بذلك أولى، وفيه أيضا تنبيه على أنه قادر على العقوبة؛ إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده.
سبب النزول:
نزول الآية (٦٠):
﴿ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ.﴾.: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن مقاتل أنها نزلت في سرية بعثها النبي ﷺ ، فلقوا المشركين لليلتين من المحرم، فقال المشركون بعضهم لبعض: قاتلوا أصحاب محمد، فإنهم يحرمون القتال في الشهر الحرام، فناشدهم الصحابة، وذكروهم بالله أن لا يتعرضوا لقتالهم، فإنهم لا يستحلون القتال في الشهر الحرام، فأبى المشركون ذلك، وقاتلوهم، وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون، ونصروا عليهم، فنزلت هذه الآية.
وروى مجاهد أيضا أنها نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة، فتبعهم المشركون فقاتلوهم.
وظاهر الكلام للعموم.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أن الملك له يوم القيامة، وأنه يحكم بين عباده المؤمنين والكافرين، وأنه يدخل المؤمنين الجنات، أتبعه بذكر وعده الكريم للمهاجرين
стр. 5232
المجاهدين، وأفردهم بالذكر تفخيما لشأنهم. ثم ذكر وعدا كريما آخر لمن قاتل مبغيا عليه دفاعا عن نفسه، بأن اضطر إلى الهجرة ومفارقة الوطن، وابتدئ بالقتال.
التفسير والبيان:
﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ... ﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أي والذين خرجوا مهاجرين في سبيل الله، وتركوا أوطانهم وديارهم ابتغاء مرضاة الله، وطلبا لما عنده، ثم قتلوا في الجهاد، أو ماتوا حتف أنفهم من غير قتال على فرشهم، فقد حصلوا على الأجر الجزيل، والثناء الجميل، وليمنحنهم الله الجنة، وليرزقنهم من فضله منها، إن الله خير المعطين الرازقين، يعطي من يشاء بغير حساب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [النساء ١٠٠/ ٤].
وهذا الرزق الحسن كما قال تعالى:
﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ، وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ أي ليدخلن هؤلاء المهاجرين المجاهدين في سبيله موضعا كريما يرضونه وهو الجنة، كما قال تعالى:
﴿فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة ٨٨/ ٥٦ - ٨٩] أي يحصل له الراحة والرزق وجنة النعيم. وإن الله لعليم بمن يهاجر ويجاهد في سبيله، وبمن يستحق ذلك، فهو عليم بالنيات والمقاصد والأحوال، وحليم أي يحلم ويصفح ويغفر لهم الذنوب بهجرتهم إليه وتوكلهم عليه، ولا يعاجل هؤلاء المكذبين بالعقوبة، ليترك لهم الفرصة للتوبة والإنابة والإيمان بالله تعالى.
﴿ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ﴾ .. ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ﴾ أي ذلك الأمر الذي قصصنا عليك من إنجاز الوعد للمهاجرين الذين قتلوا أو ماتوا، ومن قوتل ظلما، وجازى من المؤمنين من اعتدى عليه من المشركين، ثم بغي عليه بإلجائه إلى الهجرة ومفارقة
стр. 5233
الوطن، وابتدائه بالقتال، لينصرنه الله نصرا مؤزرا، ﴿إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أي إن الله ليصفح عن المؤمنين ويغفر لهم خطأهم إذا تركوا ما هو الأجدر بهم وهو العفو والمغفرة عن المسيء. وفيه حث على العفو عن الجاني، كما قال تعالى:
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ، إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى ٤٣/ ٤٢] وقال:
﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [الشورى ٤٠/ ٤٢] وقال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة ٢٣٧/ ٢] وفيه دلالة على أنه سبحانه بذكر العفو والمغفرة قادر على العقوبة؛ لأنه لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده، كما بينا.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على مزية صنفين من الناس: المهاجرين، والمقاتلين دفاعا عن أنفسهم.
أما المهاجرون: فهم الذين تركوا ديارهم وأوطانهم وأموالهم، وفارقوا مكة إلى المدينة، حبا في طاعة الله تعالى، وابتغاء رضوانه، فلهم من الله الفضل العظيم، والعطاء العميم، والرزق الحسن وهو الجنة، سواء قتلوا في الجهاد أو ماتوا من غير قتال. وأكد تعالى ذلك بقوله: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ﴾ أي الجنان. والله عليم بنياتهم، حليم عن عقابهم.
أما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فإنه شهيد حي عند ربه يرزق، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران ١٦٩/ ٣].
وأما من توفي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر فقد تضمنت هذه الآية الكريمة إجراء الرزق عليه، وعظيم إحسان الله إليه.
روي عن أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «المقتول في سبيل الله، والمتوفى في سبيل الله بغير قتل، هما في الأجر شريكان» (١).
стр. 5234
وأما المقاتلون المدافعون عن أنفسهم: فإن الله وعدهم بالنصر في الدنيا، لبغي الكفار عليهم، وإن الله عفا عن المؤمنين ذنوبهم وقتالهم في الشهر الحرام، وستر ذلك عليهم.
وسمي جزاء العقوبة عقوبة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ لاستواء الفعلين في الصورة، مثل: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى ٤٠/ ٤٢] ومثل: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٩٤/ ٢].
من دلائل قدرة الله تعالى
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾
стр. 5235
الإعراب:
﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ﴾ تصبح: مرفوع لا منصوب، محمول على معنى ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ومعناه: انتبه يا ابن آدم! أنزل الله من السماء ماء، ولو صرح بقوله: انتبه، لم يجز فيه إلا الرفع، فكذلك ما هو بمعناه.
البلاغة:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ.﴾. الآية: امتنان بتعداد النعم، والاستفهام للتقرير.
﴿يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بينهما طباق.
﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ صيغة مبالغة أي مبالغ في الجحود.
المفردات اللغوية:
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ﴾ أي ذلك النصر بسبب أنه قادر على أن يدخل كلا من الليل والنهار في الآخر، بأن يزيد به، وقادر على تغليب بعض الأمور على بعض. ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ يسمع أقوال عباده المؤمنين والكفار، بصير بما يصدر عنهم من أفعال.
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي ذلك الوصف بكمال القدرة والعلم، والنصر أيضا، بسبب أن الله هو الثابت في نفسه، الواجب لذاته وحده، فإن وجوب وجوده، ووحدته يقتضيان أن يكون مبدأ لكل ما يوجد سواه، عالما بذاته وبما عداه، أو الثابت الألوهية، ولا يصلح لها إلا من كان قادرا عالما. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ إلها من الأصنام. ﴿هُوَ الْباطِلُ﴾ الزائل، المعدوم في حد ذاته، أو باطل الألوهية. ﴿الْعَلِيُّ﴾ العالي على الأشياء بقدرته. ﴿الْكَبِيرُ﴾ عن أن يكون له شريك، ولا شيء أعلى منه شأنا، وأكبر منه سلطانا، وهو الذي يصغر كل شيء سواه.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أي ألم تعلم أن الله أنزل مطرا من السماء وهو استفهام تقرير، ولذلك رفع ﴿فَتُصْبِحُ.﴾. عطف على ﴿أَنْزَلَ﴾ إذ لو نصب جوابا للاستفهام، لدل على نفي الاخضرار، كما في قولك: ألم تر أني جئتك فتكرمني، فإن نصبت فأنت ناف لتكريمه، وإن رفعته فأنت مثبت للتكريم، والمقصود إثباته. وإنما عدل ب ﴿فَتُصْبِحُ﴾ المضارع عن صيغة الماضي، للدلالة على بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان. ﴿لَطِيفٌ﴾ بعباده يصل علمه أو لطفه إلى كل ما جل ودق ومنه إخراج النبات. ﴿خَبِيرٌ﴾ بالتدابير الظاهرة والباطنة، وبما في قلوب العباد، ومنه قلقهم عند تأخير المطر.
﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ خلقا وملكا. ﴿الْغَنِيُّ﴾ في ذاته عن كل شيء.
﴿الْحَمِيدُ﴾ المستوجب للحمد بصفاته وأفعاله.
стр. 5236
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ﴾ ألم تعلم أن الله جعل جميع ما في الأرض مذللة لكم، معدّة لمنافعكم. ﴿وَالْفُلْكَ﴾ السفن. عطف على ﴿ما﴾ أو على اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ للركوب والحمل، والجملة: حال من ﴿الْفُلْكَ﴾، أو خبر. ﴿الْفُلْكَ﴾ على قراءة الرفع على الابتداء. ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بإذنه. ﴿أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ من أن تقع أو لئلا تقع، يأن خلقها على صورة متينة مستمسكة. ﴿إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ أي إلا بمشيئته، وذلك يوم القيامة، وفيه رد على القول باستمساكها بذاتها. ﴿رَحِيمٌ﴾ بتسخير ما في الأرض، وإمساك السماء، والتهيئة لعباده أسباب الاستدلال، وفتح أبواب المنافع عليهم، ودفع أنواع المضارّ عنهم.
﴿أَحْياكُمْ﴾ بالإنشاء بعد أن كنتم جمادا: عناصر ونطفا. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انتهاء آجالكم.
﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ في الآخرة عند البعث. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ لجحود للنعم مع ظهورها، تارك توحيد الله تعالى.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى عظيم قدرته على تحقيق النصر للمؤمنين، أتى بأنواع من الدلائل على قدرته البالغة، من إيلاج الليل في النهار وبالعكس وخلقه لهما وتصرفه فيهما وعلمه بما يجري فيهما، وإنزال المطر لإنبات النبات، وخلقه السموات والأرض وملكه لهما، وتسخيره ما في الأرض والفلك، وإمساك السماء من الوقوع على الأرض، والإحياء والإماتة ثم الإحياء.
التفسير والبيان:
أورد الله تعالى في هذه الآيات أنواعا من الدلائل على قدرته البالغة وعلمه الشامل، ومن كان قادرا على كل شيء، عالما بكل شيء، كان قادرا على النصر، فقال:
١ - ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ أي ذلك النصر المذكور بسبب أنه قادر على كل شيء، فهو يولج ويدخل الليل في النهار ويولج ويدخل النهار في الليل، بمعنى زيادة أحدهما على حساب الآخر، فيزيد في أحدهما من الساعات ما ينقص من الآخر، فتارة يطول الليل ويقصر
стр. 5237
النهار كما في الشتاء، وتارة يطول النهار ويقصر الليل كما في الصيف، فالقادر على ذلك قادر قطعا على نصرة المظلوم، وإثابة الطائع، ومجازاة العاصي.
﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي وذلك بسبب أن الله سميع لكل دعاء أو قول، بصير بكل عمل أو حال، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وهذا يعني أن الله تعالى هو الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء، الحاكم الذي لا معقب لحكمه، كما قال: ﴿قُلِ: اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ، تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ، وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران ٢٦/ ٣ - ٢٧].
وعلة هذه القدرة الفائقة ما قال:
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ، وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ﴾ أي ذلك الوصف المتقدم من القدرة الكاملة والعلم التام لله تعالى لأجل أن الله هو الحق، أي الموجود الثابت الواجب لذاته، بلا مثيل ولا شريك، بمعنى أنه هو مصدر الوجود، وأنه الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له؛ لأنه ذو السلطان العظيم، وكل شيء فقير إليه، ذليل لديه، وأن ما يعبدون من دونه من الآلهة من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عبد من غير الله هو باطل، لا يقدر على صنع شيء، ولا يملك ضرا ولا نفعا؛ لأنه عاجز ضعيف، ومصنوع مخلوق لربه القادر.
﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ أي ولأن الله تعالى المتعالي على كل شيء بقدرته وعظمته، الكبير عن أن يكون له شريك، إذ هو العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا شيء أعلى منه شأنا، الكبير الذي لا أكبر منه، ولا أعز ولا
стр. 5238
أكبر منه سلطانا، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥/ ٢] وقال:
﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾ [الرعد ٩/ ١٣].
والمقصود: كيف يصح لعبدة الأصنام وأمثالها عبادة من لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا، ويتركون عبادة من بيده كل شيء، وهو القادر على كل شيء؟! ٢ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أي ألم تعلم أيها المخاطب أن الله يرسل الرياح، فتثير سحابا، فيمطر على الأرض الجرز التي لا نبات فيها، وهي هامدة يابسة، فتصبح زاهية نضرة، مخضرة بالنباتات والأزهار ذات الألوان البديعة، والأشكال الرائعة، بعد يبسها وجمودها، قال الخليل: المعنى انتبه! أنزل الله من السماء ماء، فكان كذا وكذا. وقوله:
﴿مُخْضَرَّةً﴾ أي ذات خضرة، على وزن مفعلة كمبقلة ومسبعة، أي ذات بقل وسباع.
﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي إن الله رحيم لطيف بعباده، يدبر لهم أمر المعاش، وأصل علمه أو فضله إلى كل شيء، عليم بما في أنحاء الأرض من الحب مهما صغر، خبير بمصالح خلقه ومنافعهم وأحوالهم، لا يخفى عليه خافية، فيحقق لهم المصلحة بتدبيره، كما قال تعالى حكاية عن لقمان: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ، إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان ١٦/ ٣١] وقال سبحانه: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ، وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ، وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس ٦١/ ١٠].
٣ - ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ جميع ما في السموات وما في الأرض لله سبحانه خلقا وملكا وعبيدا، أي جميع الأشياء هي
стр. 5239
مخلوقة له، مملوكة له، عبيد له، منقادة خاضعة لأمره، متصرف فيها كيف يشاء، وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، عبد لديه. وهذا دليل آخر على القدرة الإلهية الشاملة.
٤ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ﴾ أي ألم تعلم أن الله ذلل لكم أيها البشر جميع ما في ظاهر الأرض وباطنها، من حيوان وجماد ومعدن وزروع وثمار، لينتفع بها الإنسان في مصالحه المختلفة، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣/ ٤٥] أي من إحسانه وفضله وامتنانه.
﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ أي وسخر لكم السفن، جارية في البحار، لنقل الركاب والبضائع، بتسخيره وتسييره، متنقلة من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر، فيتم تبادل الحوائج والمنافع، ويتعايش الناس متعاونين، يحققون بها ما يحتاجون إليه ويريدون.
﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ أي ويحفظ السماء بما فيها من كواكب ونجوم بالجاذبية، وبتخصيص مدار ثابت خاص لكل منها، بمشيئته وإرادته، ولو شاء لأذن للسماء، فسقطت على الأرض، فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء من أن تقع على الأرض إلا بإذنه وأمره، وذلك يوم القيامة حيث تتساقط الكواكب وتتصدع السموات، كما قال تعالى:
﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار ١/ ٨٢ - ٢] ولولا هذا النظام الدقيق لا لاصطدمت الكواكب ببعضها، ودمرت الأرض بما عليها، لذا قال:
﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ أي إن الله تعالى رؤف رحيم بالناس على ظلمهم، فمتعهم بجمال السماء والأرض، وأرشدهم إلى الاستدلال بآيات الكون على وجوده ووحدانيته.
стр. 5240
٥ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي وهو الذي أحياكم من العدم، وخلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا يذكر، ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم وأعماركم، والموت ستر ونعمة، ثم يحييكم بالبعث يوم القيامة. ويلاحظ اختيار الصيغ المناسبة للتعبير، فهو أولا عبر بالماضي لأنه تم وحدث، ثم أشار إلى المرحلة المرتقبة وهو الموت، ثم الحياة الجديدة في عالم الآخرة.
﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ أي إن الإنسان جحود نعم الله تعالى، فلم يقدر تلك النعم، ويهتدي بها إلى عبادة الله وتوحيده، وهجر كل ما عداه من الآلهة المزعومة، وهو مثل قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات ٦/ ١٠٠].
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ، وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة ٢٨/ ٢] وقوله: ﴿قُلِ: اللهُ يُحْيِيكُمْ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية ٢٦/ ٤٥].
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآيات الاستدلال على كمال قدرته تعالى وكمال علمه، وتلك الأدلة هي ما يأتي:
١ - من آيات قدرة الله البالغة كونه خالقا لليل والنهار، ومتصرفا فيهما، فوجب أن يكون قادرا عالما بما يجري فيهما، وإذا كان قادرا عليما، كان قادرا على نصر من شاء من عباده، يفعل ما يلائم الحكمة والمصلحة، فهو يسمع الأقوال، ويبصر الأفعال، فلا يعزب عنه مثقال ذرّة، ولا دبيب نملة إلا يعلمها ويسمعها ويبصرها.
٢ - ذلك الوصف المتقدم من قدرة الله على هذه الأمور لأجل أن الله هو الحق أي الموجود الواجب لذاته، الذي يمتنع عليه التغير والزوال، فيأتي بالوعد
стр. 5241
والوعيد. أو أنه ذو الحق، فدينه الحق، وعبادته حق، والمؤمنون بحق يستحقون منه النصر بحكم وعده الحق.
وأما الأصنام فلا استحقاق لها في العبادات، والله هو العالي على كل شيء بقدرته، والعالي عن الأشباه والأنداد، المقدس عما يقول الظالمون من الصفات التي لا تليق بجلاله. وهو الكبير المتعال أي الموصوف بالعظمة والجلال وكبر الشأن، الكبير عن أن يكون له شريك.
٣ - ومن الأدلة على كمال قدرته إنزال المطر وإنبات النبات ذي الخضرة البديعة، السارّة لكل عين وقلب، ومن قدر على هذا قدر على إعادة الحياة بعد الموت؛ كما قال الله : ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج ٥/ ٢٢].
وقوله ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ عبارة عن استعجالها إثر نزول الماء بالنبات واستمرارها كذلك عادة.
وفي قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ قال ابن عباس: خبير بما ينطوي عليه العبد من القنوط عند تأخير المطر. وهو لطيف بأرزاق عباده.
٤ - لله تعالى جميع ما في السموات وما في الأرض خلقا وملكا وعبيدا، وكل محتاج إلى تدبيره وإتقانه، وإن الله لهو الغني الحميد، فلا يحتاج إلى شيء، وهو المحمود على كل حال، والكل منقاد له غير ممتنع من التصرف فيه، وهو غني عن الأشياء كلها، وعن حمد الحامدين أيضا؛ لأنه كامل لذاته، والكامل لذاته غني عن كل ما عداه في كل الأمور.
٥ - هناك نعم كثيرة من الله على عباده تدل أيضا على قدرته ورحمته
стр. 5242
ولطفه، منها أنه سخر (ذلل) لعباده كل ما في الأرض مما يحتاجون إليه من الدواب والشجر والأنهار، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة ٢٩/ ٢]. وسخر لكم الفلك في حال جريها، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ، لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان ٣١/ ٣١] وتسخير الفلك: بتسخير الماء والرياح لجريها.
وهو تعالى يمسك السماء لئلا تقع على الأرض، فيهلك الناس، إلا بإذن الله لها بالوقوع أو السقوط، فتقع بإرادته وتخليته، إن الله بالناس لرؤوف رحيم في هذه الأشياء التي سخرها لهم.
٦ - ومن دلائل القدرة الإلهية: الإحياء والإماتة، فالله هو الذي خلقنا بعد أن كنا نطفا، ثم يميتنا عند انقضاء آجالنا، ثم يحيينا للحساب والثواب والعقاب، ولكن الإنسان لجحود لما ظهر من الآيات الدالة على قدرته ووحدانيته تعالى. قال ابن عباس: يريد الأسود بن عبد الأسد وأبا جهل بن هشام والعاص بن هشام، وجماعة من المشركين. والأولى-كما ذكر الرازي-تعميمه في كل المنكرين، وإنما قال ذلك؛ لأن الغالب على الإنسان كفران النعم، كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤] وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ زجر للإنسان عن الكفران، وبعث له على الشكر.
стр. 5243
لكل أمة شريعة ومنهاج ملائمان
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾
البلاغة:
﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ﴾ نهي يراد به النفي، أي لا ينبغي لهم منازعتك، فقد ظهر الحق وقامت أدلته.
المفردات اللغوية:
﴿مَنْسَكاً﴾ شريعة ومنهاجا ومتعبدا ﴿ناسِكُوهُ﴾ عاملون به ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ أي لا ينبغي لهم أن ينازعوك في أمر الدين، ومنه أمر الذبيحة، إذ قالوا: ما قتل الله أحق أن تأكلوه مما قتلتم؛ لأنهم إما جهال وأهل عناد، أو لأن أمر دينك أظهر من أن يقبل النزاع ﴿وَادْعُ إِلى رَبِّكَ﴾ أي إلى دينه وتوحيده وعبادته ﴿هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ طريق إلى الحق سويّ أو دين قويم.
﴿وَإِنْ جادَلُوكَ﴾ في أمر الدين، وقد ظهر الحق، ولزمت الحجة ﴿فَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ من المجادلة الباطلة وغيرها، فمجازيكم عليها، وهو وعيد فيه رفق.
﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ يفصل بين المؤمنين منكم والكافرين بالثواب والعقاب يوم القيامة، كما فصل في الدنيا بالحجج والآيات ﴿فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين، بأن يقول كل فريق خلاف قول الآخر.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ استفهام تقرير ﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ فلا يخفى عليه شيء ﴿إِنَّ
стр. 5244
ذلِكَ فِي كِتابٍ﴾ أي إن ما ذكر هو في اللوح المحفوظ مسجل فيه قبل حدوثه، فلا يهمنك أمرهم، مع علمنا به، وحفظنا له. ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ إن علم ما ذكر والإحاطة به وإثباته في اللوح المحفوظ ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ سهل؛ لأن علمه مقتضى ذاته المتعلق بكل المعلومات على سواء.
سبب النزول:
قيل نزلت هذه الآية بسبب جدال الكفار في أمر الذبائح، وهم كفار خزاعة، قالوا للمسلمين: تأكلون ما ذبحتم، ولا تأكلون ما ذبح الله من الميتة، أو مالكم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله؟! فكان ما قتل الله أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم بسكاكينكم، فنزلت الآية بسبب هذه المنازعة.
المناسبة:
بعد أن عدد الله تعالى نعمه، وأبان أنه رؤف رحيم بعباده، وإن كان منهم من يكفر بالله ولا يشكر النعمة، أتبعه بذكر نعمه بما كلّف، فقال: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ﴾ أي لكل أمة شريعة خاصة، وفيه زجر من نازع النبي ﷺ ، بتمسكهم بما شرعوا من الشرائع، ثم أمره بالثبات على دينه الحق، فالله يحكم بين العباد يوم المعاد.
التفسير والبيان:
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ﴾ يخبر تعالى أنه جعل لكل قوم منسكا هم عاملون به، أي شريعة، ومتعبّدا، ومنهاجا صالحا، يتلاءم مع مقتضيات الزمان والمكان، ومع سنة التدريج والتطور ونضوج العقل البشري، فأنزل التوراة على موسى بنحو من الشدة، لعلاج التمسك بالمادة، ثم أنزل الإنجيل متمما لحكم التوراة مع علاج الروح وإشاعة المحبة، والعناية بجوهر الدين، لا بمجرد المظاهر والشكليات والطقوس، ثم أنزل القرآن حينما نضج العقل البشري، لإرساء معالم دستور الحق، والجمع بين العناية بالمادة والروح، والتركيز على معايير
стр. 5245
العلم، واستخدام العقل، فكان أول دين يضع أسس الحضارة الإنسانية الشاملة، وكان تشريعه وسطا بين الشرائع، وكانت هذه الأديان صالحة للزمان الذي جاءت فيه.
﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ أي إذا كان هذا هو شأن التدرج في الشرائع، فلا ينبغي لمعاصريك يا محمد أن ينازعوك في أمر الدين، فلكل أمة شريعة خاصة تناسب الزمان الذي جاءت فيه، ثم جاء هذا القرآن ناسخا تلك الشرائع التي لم تعد صالحة للعمل بها، وأدت دورها، وكانت مقصورة على أتباعها المتقدمين.
فلا تتأثر يا محمد بمنازعتهم لك، ولا يصرفك ذلك عما أنت عليه من الحق، واثبت على دينك ثباتا لا يتزعزع ولا يلين. والمراد بذلك تهييج حمية الرسول ﷺ ، والمبالغة في تثبيته على دينه.
﴿وَادْعُ إِلى رَبِّكَ، إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ أي وادع هؤلاء المنازعين وغيرهم، أي كل الناس إلى سبيل ربك ودينه الحق، فإنك على طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود، وهو سعادة الدنيا والآخرة، كقوله تعالى:
﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ، وَادْعُ إِلى رَبِّكَ، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص ٨٧/ ٢٨].
﴿وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي فإن عدلوا عن هذه الأدلة إلى طريقة المراء والجدال بالباطل، بعد أن ظهر الحق، فقل لهم على سبيل التهديد والوعيد: الله عليم بما تعملون وبما أعمل، ومجاز كل واحد بعمله، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ: لِي عَمَلِي، وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس ٤١/ ١٠] وقوله سبحانه: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ، كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأحقاف ٨/ ٤٦] لأنه ليس بعد إيضاح الأدلة إلا هذا اللون من الوعيد والتحذير، لذا قال تعالى:
стр. 5246
﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي الله يقضي بين المؤمنين منكم والكافرين يوم القيامة فيما اختلفتم فيه من أمر العقيدة والدين، بالجزاء الحاسم المتردد بين الجنة والنار، والثواب والعقاب، الأول لمن قبل، والثاني لمن رفض، فتعرفون حينئذ الحق من الباطل، والمحق من المبطل.
والخلاصة: إن الآيات آمرة باستمرار الدعوة إلى شرع الله ودينه، وعدم التمييز بين الناس، دون مبالاة بجدل المرائين وعرقلة المتخلفين، فإن الداعي على حق أبلج، كما قال تعالى: ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ، وَقُلْ: آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ، وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ، اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ، لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ، اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى ١٥/ ٤٢].
ثم أخبر الله تعالى عن كمال علمه بخلقه وعلمه بالكائنات كلها قبل خلقها وبما يستحقه كل من المسيء والمحسن، فقال:
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ، إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ أي لقد علمت أيها الرسول-والخطاب وإن كان معه، فالمراد سائر الناس-أن علم الله محيط بما في السموات وما في الأرض، فلا يعزب عنه مثقال ذرة فيهما، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ. وكتابة كل ما هو كائن إلى يوم القيامة، وعلمه الشامل، وفصله بين عباده يوم القيامة يسير سهل عليه.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يلي:
١ - لكل أمة من الأمم المتقدمة شريعة خاصة بها، صالحة لزمانها، أي أنه
стр. 5247
كانت الشرائع في كل عصر، ومن الخطأ البيّن التمسك بما كان للأولين من شريعة التوراة والإنجيل؛ لأن القرآن نسخ ما قبله من الشرائع.
٢ - إن خاصم الناس بالباطل، كمخاصمة مشركي مكة محمدا ﷺ ، فليقل المؤمن: ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والتكذيب، وهذا أمر من الله تعالى لنبيه بالإعراض عن مماراة قومه، صيانة له عن الاشتغال بتعنتهم، ولا جواب لصاحب العناد، فإنهم إن أبوا إلا المجادلة بعد الاجتهاد بتسوية النزاع، فليدفعوا بأن الله أعلم بأعمالكم وبقبحها، وبما تستحقون عليها من الجزاء، فهو مجازيكم به.
وهذا وعيد وإنذار، ولكن برفق ولين.
٣ - الله تعالى هو الذي يحكم بين النبي ﷺ وقومه، وبين المؤمنين والكافرين فيما يختلفون فيه من أمر الدين، فيعرف حينئذ الحق من الباطل.
قال القرطبي: في هذه الآية أدب حسن علّمه الله عباده في الرد على من جادل تعنتا ومراء ألا يجاب ولا يناظر، ويدفع بهذا القول الذي علمه الله لنبيه ﷺ .
٤ - على النبي ﷺ والمؤمنين من بعده الدعوة إلى دين الله الحق، فإن هذا الدين طريق واضح مستقيم مؤد إلى المقصود، وعلى كل داعية إلى الله وتوحيده وعبادته ألا يعبأ بالعثرات، وألا يهتم بمراء المجادلين، ومحاولاتهم الوقوف في وجه الدعوة.
٥ - الله عليم بأحوال الناس وبما هم مختلفون فيه، وإن كل ما يجري في العالم هو مكتوب عند الله في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ، وإن العلم الشامل بما في السماء والأرض، والفصل بين المختلفين يسير جدا على الله تعالى.
ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء»
стр. 5248
وفي السنن من حديث جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال: «أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: وما اكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة».
فما العباد عاملون قد علمه الله تعالى قبل ذلك على الوجه الذي يفعلونه، فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع باختياره، وهذا يعصي باختياره، وكتب ذلك عنده، وأحاط بكل شيء علما، وهو سهل عليه.
بعض أباطيل المشركين وتحديهم بخلق ذبابة
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢) يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)﴾
стр. 5249
الإعراب:
﴿قُلْ: أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ﴾ ﴿النّارُ﴾: إما خبر مبتدأ محذوف، وتقديره هي النار، و ﴿وَعَدَهَا اللهُ﴾: استئناف كلام، وإما أن يكون مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿وَعَدَهَا اللهُ﴾ خبره.
﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ منصوب على الحال ﴿بَيِّناتٍ﴾ حال.
البلاغة:
﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ فيه استعارة، أي تستدل من وجوههم على المكروه وإرادة الفعل القبيح، مثل: عرفت في وجه فلان الشر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً﴾ تمثيل، أي مثل الكفار في عبادتهم لغير الله كمثل الأصنام التي لا تستطيع أن تخلق ذبابة واحدة. وقد سمي الذي جاء به مثلا تشبيها للصفة ببعض الأمثال.
المفردات اللغوية:
﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ أي المشركون ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي الأصنام ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً﴾ حجة وبرهانا سمعيا يدل على جواز عبادته ﴿وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي حجة عقلية أنها آلهة، سواء أكان العلم من ضرورة العقل أو استدلاله ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ بالإشراك ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ أي ناصر ومعين يقرر مذهبهم أو يدفع عنهم العذاب.
﴿آياتُنا﴾ من القرآن ﴿بَيِّناتٍ﴾ واضحات الدلالة على العقائد الحقة والأحكام الإلهية ﴿الْمُنْكَرَ﴾ المستنكر من التجهم والانتفاخ، أو الإنكار لها، كالمكرم بمعنى الإكرام، أي أثره من الكراهة والعبوس ودلالة الغيظ والغضب، لفرط نكيرهم للحق، وهذا منتهى الجهالة. وإشعارا بذلك وضع ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ موضع الضمير ﴿يَسْطُونَ﴾ أي يبطشون بهم من شدة الغيظ.
﴿بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ﴾ من غيظكم على التالين، وبأكره إليكم من القرآن المتلو عليهم ﴿النّارُ﴾ هو النار، كأنه جواب سائل قال: ما هو؟ ﴿وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بأن مصيرهم إليها ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ هي النار.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ أهل مكة وغيرهم ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ بيّن لكم حال مستغربة أو قصة رائعة أو جعل، ولذلك سماها مثلا، تشبيها لها ببعض الأمثال، والمثل: الشبه. ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ للمثل أو
стр. 5250
لبيانه استماع تدبر وتفكر ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي تعبدون غيره وهم الأصنام ﴿ذُباباً﴾ اسم جنس، يقع على المذكر والمؤنث، واحده: ذبابة وجمعه أذبّة وذبّان، مثل غراب وأغربة وغربان، وسمي به لكثرة حركته. وقوله: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً﴾ أي لا يقدرون على خلقه مع صغره؛ لأن لن بما فيها من تأكيد النفي دالة على المنافاة بين المنفي والمنفي عنه ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أي لخلقه، أي لا يقدرون على خلقه مجتمعين له متعاونين عليه، فكيف إذا كانوا منفردين؟!.
﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً﴾ من الطيب والزعفران الملطخين به ﴿لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ لا يستردوه منه لعجزهم، فكيف يعبدون شركاء لله تعالى؟ هذا أمر مستغرب، عبر عنه بضرب المثل ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ العابد والمعبود.
﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ما عظموه حق عظمته، إذ أشركوا به العاجز عن دفع الذباب عنه والانتصاف منه ﴿لَقَوِيٌّ﴾ قادر على خلق الممكنات بأسرها ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب ﴿يَصْطَفِي﴾ يختار ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي إن الله سميع لمقالتهم، مدرك للأشياء كلها، بصير بمن يتخذه رسولا كجبريل وميكائيل وإبراهيم ومحمد وغيرهم ﵈. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي ما قدموا وما أخروا وما عملوا وما هم عاملون بعد ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي إليه مرجع الأمور كلها؛ لأنه مالكها بالذات، لا يسأل عما يفعل من اصطفاء الرسل وغيره، وهم يسألون.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى أنه العليم بكل شيء، بيّن أن عبادة المشركين لغير الله تعالى لا تعتمد على دليل نقلي أو عقلي، وهم مع جهلهم وغباوتهم إذا أرشدوا إلى الحق ودليله، وتلي عليهم القرآن، ظهر في وجوههم الغيظ والغضب، وهموا أن يبطشوا بمن يتلو ويذكّرهم، ولكن ما ينالهم من النار أعظم مما يحصل لهم من الغم حين تلاوة الآيات.
ولما بين أنهم يعبدون من دون الله مالا حجة لهم فيه ولا علم، ذكر ما يدل على إبطال قولهم وجهلهم بعظمة الإله، ثم انتقل من الإلهيات إلى النبوات، وأبان أنه يختار الرسل من الملائكة والناس ممن يعلم أنه الأكفاء والأوفق: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤/ ٦].
стр. 5251
التفسير والبيان:
هذه بعض أباطيل المشركين الدالة على جهلهم وكفرهم وسخافتهم فيقول تعالى:
١ - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً، وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي ويعبد هؤلاء المشركون آلهة من غير الله، ليس لهم دليل نقلي ولا عقلي على عبادتها، فهو تعالى لم ينزل من السماء بجواز عبادتها حجة ولا برهانا، وهو المقصود بالدليل النقلي السمعي، والمراد من قوله: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً﴾ وليس لهم دليل عقلي وهو المراد بقوله: ﴿وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ وإذا لم يكن هناك دليل مقبول، فهو عن تقليد للآباء والأسلاف، أو عن جهل وشبهه، وكل ذلك باطل.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ [المؤمنون ١١٧/ ٢٣]. وفي الآية إشارة إلى أن الكافر قد يكون كافرا، وإن لم يعلم كونه كافرا، ودلالة على فساد التقليد القائم على الجهل.
﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أي ليس للكافرين الظالمي أنفسهم من ناصر ينصرهم من الله فيما يحل بهم من العقاب أو العذاب.
٢ - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ أي وإذا ذكرت للمشركين آيات القرآن والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله، وأن لا إله إلا الله، وأن رسله الكرام حق وصدق، ظهرت على وجوههم دلالة الغيظ والغضب، وامتلأت قلوبهم حقدا ونفورا.
﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أي يكادون أو يقاربون
стр. 5252
يبطشون بالذين يحتجون عليهم بدلائل القرآن الصحيحة، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء. وهذا يدل على غليان قلوبهم بالكفر، وسيطرة الجهالة والعناد والكفر عليها، حتى أصبحوا ميئوسا من علاجهم، وصاروا متمردين على الأنبياء والمؤمنين.
﴿قُلْ: أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين مقابلة لوعيدهم: ألا أخبركم بشر من غيظكم الذي ملأ قلوبكم؟ هو النار التي وعدها الله للكافرين، فعذابها ونكالها أشد وأشق وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، بل هو أعظم مما تنالون منهم فعلا، إن نلتم بزعمكم وإرادتكم، وبئس المصير، أي وبئس النار موئلا ومقاما لكم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ [الفرقان ٦٦/ ٢٥].
ثم نبه الله تعالى على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها، وبيان حال هذه الأشباه والأمثال لله في زعمهم، فقال:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا﴾ أي يا أيها البشر قاطبة جعل مثل أي شبه لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به، فأنصتوا وتفهموا حال تلك المعبودات، وإذا فهم حالها يكون حال عابديها أسوأ، فهم كالأصنام وأسوأ منها، وحالها هو:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أي إن ما تعبدون من غير الله من الأصنام والأنداد لن يقدروا على خلق ذبابة واحدة، حتى ولو تعاون واجتمع لهذه المهمة جميع تلك المعبودات.
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعا قال: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا مثل خلقي ذرة أو ذبابة أو حبة»
ورواه الشيخان بلفظ آخر: «قال الله :
من أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة».
стр. 5253
﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ أي كما أنهم عاجزون عن خلق ذبابة واحدة، هناك ما هو أبلغ من ذلك عاجزون من مقاومته والانتصار منه، فلو سلبوا شيئا مما عليها من الطيب، لا تقدر أن تستنقذوه منه، علما بأن الذباب أضعف مخلوقات الله، لذا قال:
﴿ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ أي عجز الطالب وهو الإله المعبود من استنقاذ الشيء المسلوب من الذباب المطلوب، أو ضعف عابد الصنم، والصنم المعبود.
وهذا يدل على جهالتهم وغباوتهم؛ لأن العابد يتأمل عادة النفع أو دفع الضّرّ من المعبود، وعابد الصنم لا يحقق لنفسه شيئا، مما يدل على حقارة الصنم وضعفه، وغباء عابده، فكيف يصح جعله مثلا لله في العبادة. ثم قال تعالى مؤكدا عبثهم وجهلهم وعدم معرفتهم حق الله تعالى:
﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي ما عرفوا قدر الله وعظمته، وما عظموه حق التعظيم، حين عبدوا معه غيره، كهذه المخلوقات الجمادات التي لا تقاوم الذباب لضعفها.
والله هو القوي القادر الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء، العزيز الذي عز كل شيء فقهره وغلبه، فلا يغالب ولا يمانع، لعزته وعظمته وسلطانه، فهو الجدير بالعبادة والتعظيم.
ونظائر الآية كثير منها: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧/ ٣٠] ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ، إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج ١٢/ ٨٥ - ١٣] ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات ٥٨/ ٥١].
ثم انتقل بيان الله تعالى من الإلهيات إلى النبوات فقال:
﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ﴾ أي أن الله يختار من الملائكة رسلا لتبليغ الوحي إلى الأنبياء، ومن الناس لإبلاغ الرسالة إلى العباد،
стр. 5254
حسبما يشاء وعلى وفق ما يريد. قيل: إن الوليد بن المغيرة قال: أو أنزل عليه الذكر من بيننا؟ فنزلت الآية.
﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي سميع لأقوال عباده، بصير بهم، عليم بمن يستحق اختياره للرسالة.
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي يعلم علما تاما بأحوال الملائكة والرسل والمكلفين، ما مضى منها، وما يأتي فلا يخفى عليه شيء من أمورهم، كما قال: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً﴾ -إلى قوله: ﴿وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ [الجن ٢٦/ ٧٢ - ٢٨].
﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي وإليه يوم القيامة مرجع الأمور كلها، فلا أمر ولا نهي لأحد سواه وهذا إشارة إلى القدرة التامة، والتفرد بالألوهية والحكم. وقوله ﴿يَعْلَمُ.﴾. ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ يتضمن مجموعها الزجر عن الإقدام على المعصية.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن عبدة الأوثان مثل كفار قريش يعبدون من غير الله آلهة، ليس لهم دليل سمعي نقلي أو عقلي، لذا توعدهم ربهم بقوله: ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أي ناصر ومعين.
٢ - إن تأصل الكفر والعناد والاستكبار في نفوس أولئك الكفرة، جعلهم في أشد حالات الغضب والعبوس والحقد إذا تليت عليهم آيات القرآن، ويكادون
стр. 5255
يبادرون إلى البطش الشديد بمن يحتج عليهم بدلائل القرآن، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء.
٣ - أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يقابل وعيدهم بقوله: هل أخبركم بما هو أسوأ أو أشنع وأكره من تخويفكم المؤمنين وبطشكم بهم ومن هذا القرآن الذي تسمعون؟ إنه نار جهنم وعذابها ونكالها، وعدها الله الذين كفروا يوم القيامة، وبئس المصير، أي الموضع الذي يصيرون إليه وهو النار. فهذا وعيد لهم على سطواتهم بالذين يتلون القرآن.
٤ - ضرب الله مثلا لحال الكفار وأصنامهم؛ لأن حجج الله تعالى عليهم بضرب الأمثال أقرب إلى أفهامهم، وهو في الحقيقة ليس مثلا، وإنما هو لما في صفتهم وحالهم من الاستغراب والتعجب سمي مثلا، تشبيها لتلك الصفة ببعض الأمثال السائرة.
والمعنى: ضربوا لله مثلا فاستمعوا قولهم؛ يعني أن الكفار جعلوا لله مثلا بعبادتهم غيره؛ فكأنه قال: جعلوا لي شبيها في عبادتي، فاستمعوا خبر هذا التشبيه. فالكفار هم ضاربو المثل.
أو أن المعنى: يا أيها الناس، هذا مثل من عبد آلهة لم تستطع أن تخلق ذبابا، وإن سلبها الذباب شيئا لم تستطع أن تستنقذه منه، أي أن الله هو ضارب المثل.
والأدق في المعنى: ضرب الله ما يعبد من دونه مثلا، أي بيّن الله لكم شبها ولمعبودكم، فالمثل يشمل العابد والمعبود.
٥ - المثل: هو أن الذين تعبدون من دون الله وهي الأوثان التي كانت حول الكعبة، وعددها ثلاث مائة وستون صنما، لن يقدروا أن يخلقوا ذبابة واحدة،