← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

التفسير والبيان: هذه بعض أباطيل المشركين الدالة على جهلهم وكفرهم وسخافتهم فيقول تعالى: ١ - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً، وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي ويعبد هؤلاء المشركون آلهة من غير الله، ليس لهم دليل نقلي ولا عقلي على عبادتها، فهو تعالى لم ينزل من السماء بجواز عبادتها حجة ولا برهانا، وهو المقصود بالدليل النقلي السمعي، والمراد من قوله: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً﴾ وليس لهم دليل عقلي وهو المراد بقوله: ﴿وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ وإذا لم يكن هناك دليل مقبول، فهو عن تقليد للآباء والأسلاف، أو عن جهل وشبهه، وكل ذلك باطل. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ [المؤمنون ١١٧/ ٢٣]. وفي الآية إشارة إلى أن الكافر قد يكون كافرا، وإن لم يعلم كونه كافرا، ودلالة على فساد التقليد القائم على الجهل. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أي ليس للكافرين الظالمي أنفسهم من ناصر ينصرهم من الله فيما يحل بهم من العقاب أو العذاب. ٢ - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ أي وإذا ذكرت للمشركين آيات القرآن والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله، وأن لا إله إلا الله، وأن رسله الكرام حق وصدق، ظهرت على وجوههم دلالة الغيظ والغضب، وامتلأت قلوبهم حقدا ونفورا. ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أي يكادون أو يقاربون

стр. 5252

يبطشون بالذين يحتجون عليهم بدلائل القرآن الصحيحة، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء. وهذا يدل على غليان قلوبهم بالكفر، وسيطرة الجهالة والعناد والكفر عليها، حتى أصبحوا ميئوسا من علاجهم، وصاروا متمردين على الأنبياء والمؤمنين. ﴿قُلْ: أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين مقابلة لوعيدهم: ألا أخبركم بشر من غيظكم الذي ملأ قلوبكم؟ هو النار التي وعدها الله للكافرين، فعذابها ونكالها أشد وأشق وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، بل هو أعظم مما تنالون منهم فعلا، إن نلتم بزعمكم وإرادتكم، وبئس المصير، أي وبئس النار موئلا ومقاما لكم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ [الفرقان ٦٦/ ٢٥]. ثم نبه الله تعالى على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها، وبيان حال هذه الأشباه والأمثال لله في زعمهم، فقال: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا﴾ أي يا أيها البشر قاطبة جعل مثل أي شبه لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به، فأنصتوا وتفهموا حال تلك المعبودات، وإذا فهم حالها يكون حال عابديها أسوأ، فهم كالأصنام وأسوأ منها، وحالها هو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أي إن ما تعبدون من غير الله من الأصنام والأنداد لن يقدروا على خلق ذبابة واحدة، حتى ولو تعاون واجتمع لهذه المهمة جميع تلك المعبودات. روى الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعا قال: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا مثل خلقي ذرة أو ذبابة أو حبة» ورواه الشيخان بلفظ آخر: «قال الله : من أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة».

стр. 5253

﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ أي كما أنهم عاجزون عن خلق ذبابة واحدة، هناك ما هو أبلغ من ذلك عاجزون من مقاومته والانتصار منه، فلو سلبوا شيئا مما عليها من الطيب، لا تقدر أن تستنقذوه منه، علما بأن الذباب أضعف مخلوقات الله، لذا قال: ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ أي عجز الطالب وهو الإله المعبود من استنقاذ الشيء المسلوب من الذباب المطلوب، أو ضعف عابد الصنم، والصنم المعبود. وهذا يدل على جهالتهم وغباوتهم؛ لأن العابد يتأمل عادة النفع أو دفع الضّرّ من المعبود، وعابد الصنم لا يحقق لنفسه شيئا، مما يدل على حقارة الصنم وضعفه، وغباء عابده، فكيف يصح جعله مثلا لله في العبادة. ثم قال تعالى مؤكدا عبثهم وجهلهم وعدم معرفتهم حق الله تعالى: ﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي ما عرفوا قدر الله وعظمته، وما عظموه حق التعظيم، حين عبدوا معه غيره، كهذه المخلوقات الجمادات التي لا تقاوم الذباب لضعفها. والله هو القوي القادر الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء، العزيز الذي عز كل شيء فقهره وغلبه، فلا يغالب ولا يمانع، لعزته وعظمته وسلطانه، فهو الجدير بالعبادة والتعظيم. ونظائر الآية كثير منها: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧/ ٣٠] ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ، إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج ١٢/ ٨٥ - ١٣] ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات ٥٨/ ٥١]. ثم انتقل بيان الله تعالى من الإلهيات إلى النبوات فقال: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ﴾ أي أن الله يختار من الملائكة رسلا لتبليغ الوحي إلى الأنبياء، ومن الناس لإبلاغ الرسالة إلى العباد،

стр. 5254

حسبما يشاء وعلى وفق ما يريد. قيل: إن الوليد بن المغيرة قال: أو أنزل عليه الذكر من بيننا؟ فنزلت الآية. ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي سميع لأقوال عباده، بصير بهم، عليم بمن يستحق اختياره للرسالة. ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي يعلم علما تاما بأحوال الملائكة والرسل والمكلفين، ما مضى منها، وما يأتي فلا يخفى عليه شيء من أمورهم، كما قال: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً﴾ -إلى قوله: ﴿وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ [الجن ٢٦/ ٧٢ - ٢٨]. ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي وإليه يوم القيامة مرجع الأمور كلها، فلا أمر ولا نهي لأحد سواه وهذا إشارة إلى القدرة التامة، والتفرد بالألوهية والحكم. وقوله ﴿يَعْلَمُ.﴾. ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ يتضمن مجموعها الزجر عن الإقدام على المعصية. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - إن عبدة الأوثان مثل كفار قريش يعبدون من غير الله آلهة، ليس لهم دليل سمعي نقلي أو عقلي، لذا توعدهم ربهم بقوله: ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أي ناصر ومعين. ٢ - إن تأصل الكفر والعناد والاستكبار في نفوس أولئك الكفرة، جعلهم في أشد حالات الغضب والعبوس والحقد إذا تليت عليهم آيات القرآن، ويكادون

стр. 5255

يبادرون إلى البطش الشديد بمن يحتج عليهم بدلائل القرآن، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء. ٣ - أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يقابل وعيدهم بقوله: هل أخبركم بما هو أسوأ أو أشنع وأكره من تخويفكم المؤمنين وبطشكم بهم ومن هذا القرآن الذي تسمعون؟ إنه نار جهنم وعذابها ونكالها، وعدها الله الذين كفروا يوم القيامة، وبئس المصير، أي الموضع الذي يصيرون إليه وهو النار. فهذا وعيد لهم على سطواتهم بالذين يتلون القرآن. ٤ - ضرب الله مثلا لحال الكفار وأصنامهم؛ لأن حجج الله تعالى عليهم بضرب الأمثال أقرب إلى أفهامهم، وهو في الحقيقة ليس مثلا، وإنما هو لما في صفتهم وحالهم من الاستغراب والتعجب سمي مثلا، تشبيها لتلك الصفة ببعض الأمثال السائرة. والمعنى: ضربوا لله مثلا فاستمعوا قولهم؛ يعني أن الكفار جعلوا لله مثلا بعبادتهم غيره؛ فكأنه قال: جعلوا لي شبيها في عبادتي، فاستمعوا خبر هذا التشبيه. فالكفار هم ضاربو المثل. أو أن المعنى: يا أيها الناس، هذا مثل من عبد آلهة لم تستطع أن تخلق ذبابا، وإن سلبها الذباب شيئا لم تستطع أن تستنقذه منه، أي أن الله هو ضارب المثل. والأدق في المعنى: ضرب الله ما يعبد من دونه مثلا، أي بيّن الله لكم شبها ولمعبودكم، فالمثل يشمل العابد والمعبود. ٥ - المثل: هو أن الذين تعبدون من دون الله وهي الأوثان التي كانت حول الكعبة، وعددها ثلاث مائة وستون صنما، لن يقدروا أن يخلقوا ذبابة واحدة،

стр. 5256

ولن يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم أمام ذبابة إذا أراد أن يأخذ شيئا مما عليها -على الأوثان-من الطيب والزعفران الذي كانوا يطلون به أصنامهم. لقد ضعف وعجز الطالب وهو الآلهة، والمطلوب: وهو الذباب، أو عابد الصنم والصنم المعبود، فالطالب: يطلب إلى هذا الصنم بالتقرب إليه، والصنم: المطلوب إليه. ٦ - ما عظّم هؤلاء المشركون الله حق عظمته، حيث جعلوا هذه الأصنام العاجزة شركاء له، وهو القادر القهار، القوي العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع، ومن يجرأ على مغالبته؟!. ٧ - الاختيار المطلق لله في اصطفاء الملائكة يتوسطون لإبلاغ الوحي إلى الأنبياء، وفي اصطفاء الرسل من البشر لتبليغ الرسالة إلى الناس. والمراد بالآية: إن الله اصطفى محمدا ﷺ لتبليغ الرسالة؛ فليس بعثه محمدا أمرا بدعيا. إن الله سميع لأقوال عباده، بصير بمن يختاره من خلقه لرسالته. وهو سبحانه عليم بكل ما قدموا وما خلفوا، وإليه وحده مرجع الأمور كلها، فيجازي العباد على أعمالهم.

стр. 5257

أوامر التشريع والأحكام ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا وَاُسْجُدُوا وَاُعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَاِفْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ الإعراب: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ ﴿مِلَّةَ﴾: إما منصوب بفعل مقدر، أي اتبعوا ملة أبيكم، وإما منصوب على البدل من موضع الجار والمجرور، وهو قوله: ﴿فِي الدِّينِ﴾ لأنه منصوب بجعل. وإما منصوب بنزع الخافض وهو الكاف، أي كملة أبيكم إبراهيم، أي وسع عليكم في الدين كملة إبراهيم، وهذا بعيد. ويجوز نصبه على الإغراء أو على الاختصاص. و ﴿إِبْراهِيمَ﴾: عطف بيان. ﴿هُوَ سَمّاكُمُ﴾ ... ﴿وَفِي هذا﴾ ﴿هُوَ﴾: يراد به الله تعالى، أو يراد به إبراهيم. ﴿وَفِي هذا﴾: أي سماكم المسلمين في هذا القرآن، وفاعل ﴿سَمّاكُمُ﴾ ضمير يعود على الله أو على إبراهيم. البلاغة: ﴿اِرْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ مجاز مرسل، من إطلاق الجزء على الكل، أي صلوا باعتبار الركوع والسجود من أهم أركان الصلاة. ﴿اِرْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ فيه ذكر العام بعد الخاص للعناية بشأن الخاص، ثم ذكر الأعم. المفردات اللغوية: ﴿اِرْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ أي صلوا. ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ وحّدوه وتعبّدوه بسائر ما تعبدكم به. ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ أي افعلوا ما هو خير وأصلح فيما تأتون وتذرون، كنوافل الطاعات، وصلة

стр. 5258

الأرحام، ومكارم الأخلاق. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي افعلوا هذه كلها، وأنتم راجون الفلاح، غير متيقنين له. والآية آية سجدة عند الشافعية، لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود، ولقوله ﷺ : «فضلت سورة الحج بسجدتين، من لم يسجدهما، فلا يقرأهما». ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ﴾ أي في سبيله ومن أجله أعداء دينه. ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ أي جهادا حقا خالصا لوجهه، وأضيف الحق إلى الجهاد مبالغة، كقولك: هو حق عالم. وأضيف الجهاد إلى الضمير اتساعا، أو لأنه مختص بالله. والجهاد: استفراغ الوسع في مجاهدة العدو، وهو ثلاثة أنواع: مجاهدة العدو الظاهر كالكفار، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس والهوى، وهذه أعظمها، فقد أخرج البيهقي وغيره عن جابر قال: «قدم على رسول الله ﷺ قوم غزاة، فقال: قدمتم خير مقدم، قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قيل: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد هواه». وروي عنه ﷺ أنه رجع من غزوة تبوك، فقال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» (١). ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ اختاركم لدينه ولنصرته، وفيه تنبيه على مقتضي الجهاد والداعي إليه. ﴿حَرَجٍ﴾ ضيق وعسر ومشقة، بتكليفكم ما يشق عليكم، بأن سهله عند الضرورات، كقصر الصلاة الرباعية، والتيمم، وأكل الميتة، والفطر للمريض والمسافر. وفيه إشارة إلى أنه لا عذر لأحد في ترك التكليف، فهو إما عزيمة، وإما رخصة، قال ﷺ فيما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم». ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ أي شريعته، وإنما جعل أبا للمسلمين؛ لأنه أبو رسول الله ﷺ ، وهو كالأب لأمته، من حيث إنه سبب لحياتهم الأبدية، أو لأن أكثر العرب كانوا من ذريته، فغلّبوا على غيرهم. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل القرآن في الكتب المتقدمة. ﴿وَفِي هذا﴾ أي القرآن. ﴿هُوَ سَمّاكُمُ﴾ الضمير يعود إلى الله، بدليل قراءة: «الله سماكم» أو لإبراهيم، لقوله المتقدم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾. ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ متعلق بسماكم. ﴿شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾ يوم القيامة بأنه بلّغكم، فيدل على قبول شهادته لنفسه، اعتمادا على عصمته. ﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ بتبليغ الرسل إليهم، أي تكونوا أنتم شهداء على الناس أن رسلهم بلّغوهم. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ أي فتقربوا إلى الله بأنواع الطاعات، لما خصكم بأنواع الفضل والشرف. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ﴾ أي وثقوا به في مجامع أموركم، ولا تطلبوا الإعانة والنصرة إلا منه. ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ ناصركم ومتولي أموركم. ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ هو؛ إذ لا مثل له في الولاية والنصرة، بل لا مولى ولا ناصر سواه في الحقيقة.

стр. 5259

المناسبة: بعد أن تكلم الله تعالى في الإلهيات، ثم في النبوات، أتبعه بالكلام في الشرائع والأحكام من نواح أربع هي: ١ - تعيين المأمور: وهم المكلفون: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ٢ - وأقسام المأمور به: وهي أربعة: الصلاة، وعبادة الله وحده، وفعل الخير، والجهاد. ٣ - وما يوجب قبول تلك الأوامر: وهو ثلاثة: الاجتباء، وكون التكاليف والشرائع هي شريعة إبراهيم ﵇، وتسميتكم مسلمين في القرآن وسائر الكتب المتقدمة عليه. ٤ - تأكيد ذلك التكليف بالأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والاعتصام بالله تعالى، أي الاستعانة به. التفسير والبيان: هذه أوامر تكليفية إلهية يراد بها توثيق الصلة بالله تعالى، وتهذيب النفس، وجهاد الأعداء، وإقامة صرح العدالة الاجتماعية في شرع الله ودينه، فقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .. ﴿تُفْلِحُونَ﴾ أي يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، وآمنوا باليوم الآخر صلوا صلاتكم المفروضة المشتملة على الركوع (الانحناء لله والسجود (الخضوع بأشرف أجزاء الإنسان وهو الوجه لله تعالى) واعبدوه بسائر ما تعبدكم به كمناسك الحج والصيام ونحوها، وتحروا فعل الخير الذي يرضي ربكم ويقربكم منه من أداء نوافل الطاعات، وصلة الأرحام، ومكارم الأخلاق، وهذا يشمل كل فضيلة في الإسلام، وفعل الخيرات عام للتكاليف جميعها، يشمل

стр. 5260

ما يصلح علاقة العبد بالرب، وما يصلح علاقات الناس بعضهم مع بعض. لذا جمعت الآية أسمى درجات التهذيب النفسي والاجتماعي، فكل ما أمر الله به خير، لذا قال معللا ذلك الأمر بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي لتفلحوا أو افعلوا هذا راجين الفوز والفلاح بما عند الله من الثواب والرضوان. والفلاح: الظفر بنعيم الآخرة. وتأكيدا لإعداد الذات المؤمنة وتهذيبها، وصونا للجماعة المؤمنة من كيد أعدائها أمر الله بالجهاد، فقال: ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ أي وجاهدوا في سبيل نصرة دين الله، ومن أجل إرضاء الله، جهادا حقا خالصا لوجهه الكريم، لا يشوبه رياء، ولا يثني عنه لوم لائم، فالجهاد في الله: معناه الجهاد في سبيله ومن أجل دينه، والأولى أن يحمل الجهاد على المعنى العام الذي يشمل جميع أنواعه. والجهاد أنواع ثلاثة كما بينا: جهاد النفس والهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار المعتدين والمنافقين المرجفين. ويكون الجهاد الأخير بالأموال والألسن والأنفس، أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» وجهاد اللسان يكون بالحجة والبيان والاعلام، والجهاد بالنفس بحمل السلاح يكون للمعتدين، وهو فرض كفاية على المسلمين، يجزئ فيه قيام بعضهم به متى حققوا المطلوب، وإلا فعلى حسب رأي الحاكم ولو بالنفير العام. وجهاد النفس أصل لجهاد العدو الظاهر، فهو الجهاد الأكبر كما وصفه الرسول ﷺ في الحديث المتقدم، ولهذا كان فرض عين على كل مسلم. وكذلك جهاد أهل الظلم والبدع فريضة على كل مكلف على قدر طاقته، كما قال رسول الله ﷺ -فيما يرويه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله

стр. 5261

عنه-: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». ونظير الآية: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً، فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ، وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً﴾ [الفرقان ٥١/ ٢٥ - ٥٢]. والآية محكمة غير منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦/ ٦٤] فليس المقصود بقوله: ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ الغاية القصوى التي تتجاوز الوسع وحد الاستطاعة، وإنما المراد الإخلاص لإعلاء دين الله، وتأييد شرعه، والتدرع بالقوة والعزيمة والصبر، والترفع عن المطامع المادية كالغنيمة أو غيرها من شهوات الدنيا. وإضافة ﴿حَقَّ﴾ إلى «جهاد» في قوله تعالى: ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ من إضافة الصفة للموصوف، كما بينا، وإضافة «جهاد» للضمير في قوله: ﴿جِهادِهِ﴾ يراد بها اختصاص المضاف بالمضاف إليه، وهو جعل الجهاد مطلوبا لله ومن أجل دينه. ثم ذكر الله تعالى علة الأمر بالجهاد وهي ثلاثة أنواع: ١ - ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أي لأن الله أيتها الأمة اختاركم من بين سائر الأمم للقيام بهذه المهمة، وفضلكم وشرفكم، وخصكم بأكرم رسول، وأكمل شرع، ولكنه غير شاق، لذا قال: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي لم يجعل الدين ضيقا حرجا شاقا، وإنما جعله سهلا يسيرا، فلم يكلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء يشق عليكم، وهذا تأكيد لوجوب الجهاد، والحفاظ على الدين الذي اختاركم لحمايته. والآية كالجواب عن سؤال يذكر، وهو أن التكليف والاجتباء تشريف من الله

стр. 5262

للعبد، لكنه شديد شاق على النفس؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. لكن المشقة المرفوعة في التكاليف الشرعية: هي المشقة الزائدة غير المعتادة التي تصل إلى حد الحرج. أما المشقة المعتادة المألوفة فهي غير مرفوعة من التكاليف، بل لا يتحقق التكليف إلا بها؛ لأن التكليف هو إلزام ما فيه كلفة ومشقة، ولا يخلو عنها أي تكليف، لكنه سهل يسير على النفس، تطيق تحمله دون انزعاج. ومظاهر التيسير ودفع الحرج والمشقة عامة شاملة العبادات والمطعومات والمعاملات. ففي العبادات: يجوز قصر الصلاة الرباعية في السفر، فتصلي ثنتين، والصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث، وتصلى رجالا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وكذا النافلة في السفر تصلى إلى القبلة وغيرها. ويسقط القيام في الصلاة لعذر المرض، فيصلي المريض جالسا أو مضطجعا أو على جنب أو بالإيماء. ويجوز في صيام رمضان الإفطار لعذر لكل من المسافر والمريض والشيخ الهرم، والحامل والمرضع. وفي المطعومات: يجوز الأكل والشرب من المحرّمات المحظورات للضرورة، كالميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك. وفي المعاملات: يجوز بعض التصرفات للحاجة أو للضرورة. وهكذا تشرع الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات، لهذا قال ﷺ فيما رواه أحمد عن جابر: «بعثت بالحنيفية السّمحة» وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن فيما أخرجه البخاري ومسلم: «بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا».

стр. 5263

والآيات في هذا المعنى كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ [البقرة ٢٨٦/ ٢] وقوله : ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦/ ٦٤]. ٢ - ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ أي اتبعوا أو الزموا ملتكم التي هي كملة أبيكم إبراهيم ﵇ في حنيفيتها وسماحتها وبعدها عن الشرك. والمراد بالملة: الأحكام الأصلية الاعتقادية، فهي واحدة في شريعتنا وشريعة إبراهيم ﵇، بل هي واحدة في جميع الشرائع؛ قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ، وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى ١٣/ ٤٢] وقال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥/ ٢١] وقال النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد: «الأنبياء أولاد علاّت» أي أن إيمانهم واحد، وشرائعهم مختلفة. وسبب تخصيص إبراهيم ﵇ بالذكر هو التشابه في السماحة والتوحيد بين الملتين، وكون أكثر العرب من نسل إبراهيم ﵇، فهم يحبونه، والحب مدعاة التمسك بشريعته وشريعة محمد ﷺ التي هي شريعة أبيهم إبراهيم ﵇، وبما أن إبراهيم هو أبو رسول الله ﷺ ، فكان أبا لأمته؛ لأن أمة الرسول في حكم أولاده. ونظير الآية قوله : ﴿قُلْ: إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ [الأنعام ١٦١/ ٦]. ٣ - ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا﴾ أي إن الله-وقيل: إبراهيم-، هو الذي سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة، وفي القرآن. قال ابن كثير

стр. 5264

مرجحا المعنى الأول بعود الضمير إلى الله: وهذا هو الصواب؛ لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ، وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وفي قراءة: «الله سماكم». واما دليل من قال بعود الضمير إلى إبراهيم ﵇: فهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا، أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة ١٢٨/ ٢]. ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ أي إنما جعلناكم هكذا أمة وسطا عدولا خيارا مشهودا بعدالتكم عند جميع الأمم، ليكون الرسول محمد ﷺ شهيدا عليكم يوم القيامة بتبليغه ما أرسل به إليكم أي أنه قد بلغكم، ولتكونوا شهداء على الناس في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم. واللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ إما لام العاقبة، وهي متعلقة بقوله: ﴿سَمّاكُمُ﴾ وإما لام التعليل، وتكون ﴿عَلَى﴾ في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ بمعنى اللام، مثل قوله تعالى: ﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة ٣/ ٥] وتكون شهادة الرسول لهم: أن يزكيهم عند الله يوم القيامة، ويشهد بعدالتكم إذا شهدوا على الأمم السابقة. والراجح أنه لا داعي لوصف اللام بما ذكر، ويكون قبول شهادة الرسول ﷺ على الأمة علة في الحكم وهو تسميتها أمة مسلمة. وقبول شهادة النبي ﷺ وشهادة أمته يوم القيامة فيه تشريف للنبي ﷺ وتشريف لأمته، فإن الله تعالى يصدّق قوله على أمته في دعوى تبليغه إياها، ويجعل أمته أهلا للشهادة على سائر الأمم. وإنما قبلت شهادتهم على الأمم؛ لأنهم لم يفرقوا بين أحد من الرسل، وعلموا أخبارهم من القرآن الكريم، ورد أنه يؤتى بالأمم وأنبيائهم، فيقال للأنبياء: هل

стр. 5265

بلّغتم أممكم؟ فيقولون: نعم بلغناهم، فينكرون، فيؤتى بهذه الأمة، فيشهدون أنهم قد بلغوا، فتقول الأمم لهم: من أين عرفتم؟ فيقولون: عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق. ومقابلة لهذه النعمة العظيمة على الأمة ووجوب شكرها، طلب الله منها دوام عبادته والاعتصام به، فقال: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ﴾ أي فقابلوا هذه النعمة الجليلة بالقيام بشكرها، فأدّوا حقّ الله عليكم بطاعته فيما افترض وأوجب، وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقامة الصلاة أي أداؤها تامة الأركان والشروط بخشوع كامل وخضوع تام لله، فهي صلة بينكم وبين ربكم، وإيتاء الزكاة التي هي طهرة للنفس والمال، وإحسان واجب إلى خلق الله المستحقين، وهي دليل التعاون والتضامن والإخاء، واستعينوا بالله والجؤوا إليه في جميع أموركم. والاعتصام بالله: هو الثقة به، والالتجاء إليه، والاستعانة بقوته العظمى على دفع كل مكروه، وهو ناصركم على من يعاديكم. والمولى: هو الحافظ والناصر والمالك والخالق. ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أي نعم المولى المتولي أموركم، ونعم الناصر، العظيم النصرة، الكامل المعونة، هو أي الله تعالى. وهو المخصوص بالمدح. فقه الحياة أو الأحكام: ظاهر هذه الآيات التي ختمت بها سورة الحج أنها جمعت أنواع التكاليف الدينية والاعتقادية والاجتماعية، وأحاطت بفروع الشريعة، وعنيت بأمر الصلاة لأنها عماد الدين، ولم تكتف بطلبها في عموم العبادات. ودلت على ما يأتي:

стр. 5266

١ - وجوب أربعة أمور: هي الصلاة المشتملة على أهم أركانها وهو الركوع والسجود، وعبادة الله دون غيره، وفعل الركوع والسجود وسائر الطاعات على وجه العبادة، وفعل الخير كصلة الرحم ومكارم الأخلاق. وقد اختلف العلماء في قوله: ﴿وَاسْجُدُوا﴾ أهو سجود الصلاة أم سجود التلاوة؟ فقال الشافعية والحنابلة: هذه سجدة تلاوة؛ لأنه يمكن حمل اللفظ على حقيقته مع عدم صارف يصرفه إلى معنى آخر، ومعنى السجود: وضع الجبهة على الأرض، ولما أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ : «فضّلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما». وأخرج أبو داود وابن ماجه والدارقطني والحاكم عن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصّل، وفي الحج سجدتان. وذهب الحنفية والمالكية إلى أن هذه الآية ليست آية سجدة؛ لأن اقتران السجود بالركوع دليل على أن المراد به سجود الصلاة، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [آل عمران ٤٣/ ٣]. ولما روي عن أبي بن كعب ﵁ أنه عدّ السجدات التي سمعها من رسول الله ﷺ ، وعدّ في الحج سجدة واحدة. وأما حديثا عقبة وعمرو فضعيفان. ويكون المراد بالآية على هذا الرأي الصلاة المفروضة، وخص الركوع والسجود تشريفا للصلاة، وهو ما سرت عليه في التفسير والاستنباط. ٢ - وجوب عبادة الرب تعالى، أي امتثال أوامره. ٣ - الندب إلى فعل الخير فيما عدا الواجبات التي صح وجوبها شرعا. ٤ - وجوب الجهاد بأنواعه الثلاثة: جهاد الهوى والنفس وجهاد الشيطان ومطاردة وساوسه، وجهاد أهل الظلم والبدع، وهي كلها فرض عين على كل فرد

стр. 5267

مسلم. روى الترمذي وابن حبان عن فضالة بن عبيد أن النبي ﷺ قال: «المجاهد: من جاهد نفسه لله ». وروى أحمد وابن ماجه والطبراني والبيهقي عن أبي أمامة عن النبي ﷺ : «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» وقد ذكرت حديث: «من رأى منكم منكرا...». وجهاد الكفار والمنافقين بالحجة والبيان، وبالسيف والسنان واجب أيضا، وهو فرض كفاية على جماعة المسلمين، يجزي فيه قيام بعضهم إذا تحقق المقصود، وطرد العدو، وتم دفعه عن بقية المسلمين وأموالهم وأعراضهم وبلادهم، فإن لم يتحقق ذلك كان فرض عين على كل واحد من القادرين على القتال. وهذا حينما كان الاعتماد على العنصر البشري في الحروب أمرا ضروريا وأساسيا، أما اليوم حيث تطورت وسائل القتال، فلا يصح حشد المسلمين في جبهة واحدة مثلا لحصادهم بقنبلة واحدة أو بغيرها من الوسائل الحربية الفتاكة الحديثة، وإنما ينظر الحاكم فيما يحقق المصلحة، وتقتضيه الحاجة، بعد الأخذ بوسائل الإعداد الحديثة المكافئة لما هو موجود عند الأعداء. ٥ - علة التكليف بالتكاليف السابقة ثلاثة أمور: أ-الاجتباء أي الاصطفاء والاختيار للدفاع عن الدين والتزام أمره، وهذا تأكيد للأمر بالمجاهدة، أي وجب عليكم أن تجاهدوا؛ لأن الله اختاركم له. وزيادة في التأكيد والترغيب رفع الله الحرج، أي الضيق والعسر عن الناس في المطالب الشرعية، وهذا عام في كثير من الأحكام، وهو مما خص الله به هذه الأمة. قال قتادة: أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبي: كان يقال للنبي: اذهب فلا حرج عليك، وقيل لهذه الأمة: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. والنبي شهيد على أمته، وقيل لهذه الأمة: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣/ ٢]. ويقال للنبي: سل تعطه، وقيل لهذه الأمة:

стр. 5268

﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠/ ٤٠]. فرفع الحرج من الأسس التي قام عليها التشريع الإسلامي، قال العلماء: رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع، واما السلابة والسّرّاق وأصحاب الحدود، فعليهم الحرج، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين. ب-كون ملتنا كملة أبينا إبراهيم ﵇، وهو أبو العرب قاطبة. ج -تسمية الله لنا بالمسلمين في الكتب المتقدمة وفي القرآن. ٦ - تقبل شهادة الرسول ﷺ على الأمة بتبليغه إياهم أحكام شرع الله، وقبول شهادته علة لعدالة الحكم وهو التسمية بالمسلمين، وكذلك قبول شهادة أمته على الأمم الأخرى ان رسلهم قد بلغتهم علة في تسميتها مسلمة كذلك، وقبول الشهادتين تشريف للنبي ﷺ ولأمته. ٧ - إن قبول شهادة الأمة المسلمة على الأمم الأخرى نعمة عظمي تستوجب الشكر بأداء الفرائض واجتناب النواهي المحظورات، ومن أهم ذلك إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله، أي الثقة به، والاستعانة بقوته الجبارة على دفع السوء؛ لأنه مالكنا وخالقنا، وحافظنا وحامينا، وناصرنا على أعدائنا. آمنت بالله انتهى الجزء السابع عشر

стр. 5269

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة المؤمنون مكية، وهي مائة وثمان عشرة آية. تسميتها وفضلها: سميت سورة المؤمنون لافتتاحها بقول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم ذكر أوصاف المؤمنين السبعة وجزاءهم العظيم في الآخرة وهو ميراث الفردوس. روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي والحاكم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي، يسمع عند وجهه كدويّ النحل، فلبثنا ساعة، فاستقبل القبلة، ورفع يديه وقال: «اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا، ثم قال: لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن (١) دخل الجنة ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى ختم العشر». وروى النسائي في تفسيره عن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة أم المؤمنين: كيف كان خلق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن، فقرأت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ -حتى انتهت إلى- ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ قالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ .

стр. 5270

مناسبة السورة لما قبلها: تظهر صلة هذه السورة بسورة الحج من نواح هي: ١ - ختمت سورة الحج بجملة من الأوامر الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، منها قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وهو مجمل فصّل في فاتحة هذه السورة، فذكر تعالى خصال الخير التي من فعلها فقد أفلح، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآيات العشر. ٢ - ذكر في أول سورة الحج قوله: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ، فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الآية لإثبات البعث والنشور، ثم زاد هنا بيانا ضافيا في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ الآيات. فما أجمل أو أوجز هناك، فصل وأطنب هنا. ٣ - في كل من السورتين أدلة على وجود الخالق ووحدانيته. ٤ - في السورتين أيضا ذكرت قصص بعض الأنبياء المتقدمين للعبرة والعظة، في كل زمن وعصر ولكل فرد وجيل. ما اشتملت عليه السورة: تضمنت السورة الكلام عن أصول الدين من وجود الخالق وتوحيده وإثبات الرسالة والبعث. وابتدأت بالإشادة بخصال المؤمنين المصدقين بالله ورسوله التي استحقوا بها ميراث الفردوس الأعلى في الجنان. ثم أبانت الأدلة على وجود الله تعالى والقدرة الإلهية والوحدانية من خلق الإنسان مرورا بأطواره المتعددة، وخلق السموات البديعة، وإنزال الماء منها

стр. 5271

لإنبات الجنات أو البساتين التي تزهو بالنخيل والأعناب، والزيتون والرمان، والفواكه الكثيرة، وإيجاد الأنعام ذات المنافع العديدة للإنسان، وتسخير السفن لحمل الركاب والبضائع. ثم أوردت قصص بعض الأنبياء والمرسلين كنوح وهود وموسى وهارون وعيسى وأمه مريم، لتكون نماذج للعبرة والعظة عبر الأجيال، وتسلية لرسول الله ﷺ عما يلقاه من أذى المشركين من قريش، مع توبيخهم ووعيدهم على استكبارهم عن الحق، ووصفهم النبي ﷺ بالجنون وغيره، وعدم إيمانهم برسالته، وإخبارهم بما يلقونه من العذاب والنكال يوم القيامة، وإقناعهم بالأدلة والبراهين على حدوث البعث والنشور. وفي خلال ذلك أوضحت بعض الآيات يسر التكليف وسماحته وعدم المطالبة إلا بما فيه الوسع والقدرة، والتذكير بما أنعم الله به على الإنسان من نعم الحواس والمشاعر، والإنكار الشديد على نسبة الولد والشريك لله تعالى. ثم طمأنت الآيات النبي ﷺ عن نجاته من القوم الظالمين، ووضعت له أسلوب الدعوة إلى الله تعالى، وعرفته طريق الاعتصام بالله من همزات الشياطين. وعرضت السورة في خاتمتها لموقف الحساب الرهيب وأهواله وشدائده، وما فيه من معايير النجاة والخسران، من ثقل الموازين وخفتها، وقسمة الناس إلى فريقين: سعداء وأشقياء، وعدم إفادة الأنساب في شيء، وتمني الكفار العودة لدار الدنيا ليعملوا صالحا، وتذكيرهم بسخريتهم وضحكهم من المؤمنين، وسؤالهم عن مدة لبثهم في الدنيا، وتوبيخهم على إنكار البعث، وإعلان تفرد الإله الملك القاهر بالحساب ومحاورته أهل النار، وبيان خسارة من عبد مع الله إلها آخر، ونجاة أهل الإيمان والعمل الصالح، وإفاضة رحمة الله عليهم ومغفرته لهم.

стр. 5272

خصال المؤمنين ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)﴾ الإعراب: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ انتظمت الجملة أقسام الكلم الثلاثة التي هي الاسم والفعل والحرف، فإن ﴿قَدْ﴾ حرف، و ﴿أَفْلَحَ﴾ فعل، و ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ اسم. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ جملة معطوفة على ما قبلها، أي يؤدون الزكاة. وقيل: أي الذين لأجل الطهارة وتزكية النفس عاملون الخير، كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ وتفسير القرآن بعضه ببعض أولى، لكن الظاهر الأول لأن الغالب في القرآن اقتران الزكاة بالصلاة. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ.﴾. إنما جمع (أمانات) جمع (أمانة) مع أنها مصدر، والمصادر لا تجمع؛ لأنها تدل على الجنس؛ لأنها مختلفة الأنواع، وحينئذ يجوز تثنيتها وجمعها، والأمانة هنا مختلفة، لاشتمالها على سائر العبادات وغيرها من المأمورات. البلاغة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قَدْ﴾: لإفادة التحقيق، والإخبار بصيغة الماضي لإفادة الثبوت والتحقق.

стр. 5273

﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ.﴾. الآيات، تفصيل بعد إجمال. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿خاشِعُونَ﴾ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فاعِلُونَ﴾ ﴿حافِظُونَ﴾ ﴿العادُونَ﴾ سجع لطيف غير متكلف. ﴿الْوارِثُونَ﴾ استعارة لاستحقاقهم الفردوس من أعمالهم. المفردات اللغوية: ﴿قَدْ﴾ للتحقيق وهي تثبت المتوقع، كما أن (لما) تنفيه، وتدل على ثباته إذا دخلت على الماضي، فتقرّبه من الحال ﴿أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فازوا بأمانيهم، و ﴿أَفْلَحَ﴾: فاز وظفر بالمراد، و ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: جمع مؤمن: وهو المصدّق بالله وبما أنزل على رسوله من التوحيد والنبوة والبعث والجزاء. ﴿خاشِعُونَ﴾ متواضعون خاضعون متذللون لله خائفون منه ﴿اللَّغْوِ﴾ ما لا خير فيه من الكلام، وما لا يعني من قول أو فعل ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أقام الإعراض مقام الترك ليدل على بعدهم عنه رأسا، مباشرة وتسببا وميلا وحضورا ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ وصفهم بذلك بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة، ليدل على أنهم بلغوا الغاية في القيام بالطاعات البدنية والمالية وتجنب المحرّمات وما يخل بالمروءة. والمراد بالزكاة هنا المعنى وهو التزكية، فجعل المزكين فاعلين له، لأن التزكية مصدر، ويقال لمحدثه فاعل، فهو فاعل الحدث، كالضارب فاعل الضرب، والقاتل فاعل القتل. ويجوز أن يراد بالزكاة العين، أي القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب إلى الفقير، بتقدير مضاف محذوف وهو الأداء ﴿لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ أي يحفظون فروجهم عن الحرام، والفرج: سوأة الرجل والمرأة وحفظه: التعفف عن الحرام ﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ﴾ أي من زوجاتهم ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ أي السراري حينما كان الرق شائعا، أما اليوم فقد انتهى من العالم ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ في إتيانهن، والضمير يعود لحافظون أو لمن دل عليه الاستثناء. ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ﴾ أي طلب غير ذلك من الزوجات والسراري كالاستمناء باليد (العادة السرية) في إتيانهن ﴿العادُونَ﴾ المتجاوزون إلى ما لا يحل لهم، أو المتناهون في العدوان وتجاوز الحدود الشرعية. ﴿لِأَماناتِهِمْ﴾ جمع أمانة: وهي كل ما يؤتمن الإنسان عليه من الله كالتكاليف الشرعية، أو من الناس كودائع الأموال ﴿وَعَهْدِهِمْ﴾ العهد: كل ما التزمه الإنسان نحو ربه وأمره به كالصلاة والنذر وغيرهما، ونحو الناس من قول وفعل كالعقود والوعود والعطاء. وكلمة ﴿عَهْدِهِمْ﴾ مفرد

стр. 5274

مضاف فيعم ﴿راعُونَ﴾ قائمون بحفظها وإصلاحها، والرعي: الحفظ، والراعي: الذي يحفظ الشيء ويصلحه. ﴿صَلَواتِهِمْ﴾ جمع صلاة، وهي مثل ﴿لِأَماناتِهِمْ﴾ تشمل المفرد والجمع ﴿يُحافِظُونَ﴾ يواظبون عليها، ويؤدونها في أوقاتها ﴿أُولئِكَ﴾ الجامعون لهذه الصفات ﴿الْوارِثُونَ﴾ لا غيرهم، أي هم الأحقّاء بأن يسموا ورّاثا دون غيرهم ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ بيان لما يرثونه، وتقييد الوراثة بعد إطلاقها تفخيم لها وتأكيد، وهي مستعارة لاستحقاقهم الفردوس من أعمالهم. و ﴿الْفِرْدَوْسَ﴾: أعلى الجنة ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ماكثون أبدا. وأنث الضمير لأنه اسم للجنة، أو لطبقتها العليا. وفيه إشارة إلى المعاد، ويناسبه ذكر المبدأ بعده. سبب النزول: نزول الآية (٢): ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾: روي أنه ﷺ كان يصلي رافعا بصره إلى السماء، فلما نزلت رمى ببصره نحو مسجده، وأنه رأى رجلا يعبث بلحيته، فقال: «لو خشع قلب هذا، لخشعت جوارحه» (١). أخرج الحاكم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ فطأطأ رأسه. وأخرج ابن مردويه بلفظ: كان يلتفت في الصلاة. وأخرجه سعيد بن منصور عن ابن سيرين مرسلا بلفظ: كان يقلب بصره، فنزلت. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن سيرين مرسلا: كان الصحابة يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فنزلت. التفسير والبيان: يبشر الله تعالى بالفلاح والفوز المؤمنين المتصفين بسبع صفات، ويحكم لهم بذلك، فيقول:

стр. 5275

١ - ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي قد فازوا وسعدوا، لاتصافهم بصفة الإيمان أي التصديق بالله ورسله واليوم الآخر. ٢ - ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ أي خائفون ساكنون، والخشوع: خشوع القلب، وهو الخضوع والتذلل مع الخوف وسكون الجوارح. قال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا الجناح. والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون له راحة وقرة عين، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن أنس: «حبّب إليّ الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة». وروى الإمام أحمد أيضا عن رجل من أسلم أن رسول الله ﷺ قال: «يا بلال، أرحنا بالصلاة». والخشوع واجب ضروري لتعقل معاني الصلاة، ومناجاة الرب تعالى، وتذكر الله والخوف من وعيده، وتدبر آيات القرآن وتفهم معانيها، كما قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [محمد ٢٤/ ٤٧] وحينئذ يتخلص غالبا من وساوس الشيطان ومحاولة شغل الفكر وصرف المصلي عن صلاته، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ﴾ [الأعراف ٢٠٥/ ٧]. لكن جمهور العلماء لم يشترطوا الخشوع في الصلاة للخروج من عهدة التكليف، وإنما هو شرط لتحصيل الثواب عند الله تعالى. ٣ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أي الذين يتركون رأسا كل ما كان حراما أو مكروها، أو مباحا لا خير فيه، ولا يعني الإنسان ولا حاجة له فيه. وذلك يشمل الكذب والهزل والسب وجميع المعاصي وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ [الفرقان ٧٢/ ٢٥]. ومع الأسف الشديد استبد اللهو في عصرنا في أفعال وأقوال كثير من الناس

стр. 5276

برؤية التلفاز، وقراءة المجلات غير النافعة واللعب بالأوراق، واللهو، والبعث، وضياع الوقت فيما لا يجدي، مع أن الوقت من ذهب، لذا وصفت أمتنا بالتخلف لإهدار قيمة الوقت بين أفراد شعبها. ٤ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ قال ابن كثير: الأكثرون على أن المراد بالزكاة هاهنا زكاة الأموال، مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبا بمكة، قال تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [١٤١]. وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة هاهنا زكاة النفس من الشرك والدنس، كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [الشمس ٩/ ٩١ - ١٠] وكقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت ٦/ ٤١ - ٧] على أحد القولين في تفسيرهما. وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادا، وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل: هو الذي يفعل هذا، والله أعلم. وقال الرازي: وقول الأكثرين إنه الحق الواجب في الأموال خاصة، وهذا هو الأقرب؛ لأن هذه اللفظة قد اختصت في الشرع بهذا المعنى (١). ٥ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ... ﴿مَلُومِينَ﴾ أي والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنى ولواط، ولا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم بالعقد، أو بملك اليمين، أي ما ملكت أيمانهم من السراري-في الماضي حيث كان الرق قائما-فمن اقتصر على الحلال، فلا لوم عليه ولا حرج. ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ أي فمن طلب غير ذلك من

стр. 5277

الزوجات والإماء، فأولئك هم المتناهون في العدوان، المتجاوزون حدود الله. وهذا يدل على تحريم المتعة والاستمناء باليد. ٦ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أي والذين يحفظون حرمة الأمانة وقدسية العهد، فإذا ائتمنوا لم يخونوا، بل يؤدون الأمانة إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك، فأداء الأمانة والوفاء بالعهد صفة أهل الإيمان، أما الخيانة والغدر وخلف الوعد وعدم الوفاء بمقتضى العقد بيعا أو إجارة أو شركة أو غيرها، فهي صفة أهل النفاق الذين قال فيهم رسول الله ﷺ -فيما يرويه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي هريرة: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ [الأنفال ٢٧/ ٨]. والأمانة والعهد يشملان جميع ما ائتمن الإنسان عليه من ربه أو من الناس، كالتكاليف الشرعية، والودائع، وتنفيذ العقود. ٧ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أي والذين يواظبون على الصلاة ويؤدونها في أوقاتها، مع استكمال أركانها وشروطها. جاء في الصحيحين عن ابن مسعود قال: «سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: برّ الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله». وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة، واختتمها بالصلاة، فدل على أفضليتها، كما قال رسول الله ﷺ فيما رواه أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن ثوبان: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الصلاة إلا مؤمن». أي الزموا الاستقامة بالمحافظة على إيفاء الحقوق ورعاية الحدود، والرضى بالقضاء، ولن تحصوا ثواب الاستقامة. ثم رتب الله تعالى الجزاء الحسن على هذه الأفعال، فقال:

стр. 5278

﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ أي أولئك البعيدون في درجات الكمال المتصفون بهذه الصفات الحميدة هم المستحقون النزول في جنات الفردوس، الماكثون فيها أبدا على الدوام، ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن». وقيل: الفردوس هي الجنة، وهي رومية أو فارسية عرّبت. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم ٦٣/ ١٩] وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف ٧٢/ ٤٣]. وهذا قانون الله من حيث العدل أن الجنة جزاء العمل الحسن في الدنيا، ومجموع الأخذ بهذه الصفات السبع محقق لهذا الفوز في عالم الآخرة. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والصوم والحج، فدخل معهن. والآية عامة في الرجال والنساء. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدتنا الآيات إلى وجوب الاتصاف بالصفات السبع التالية، والقيام بالأفعال الآتية المستوجبة الخلود في الفردوس الأعلى من الجنان وهي: ١ - الإيمان: وهو التصديق بالله ورسله واليوم الآخر. ٢ - الخشوع في الصلاة: وهو الخضوع والتذلل لله والخوف من الله تعالى، ومحله القلب، فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه، إذ هو ملكها. روى الترمذي عن أبي ذرّ قال: قال النبي ﷺ : «إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الرحمة تواجهه، فلا يحركن الحصى». فالسكون دليل الاطمئنان، واستيقاظ الذهن، والاتجاه نحو الله تعالى، وبه يحصل جوهر الصلاة، وتتحقق غايتها المنشودة الصحيحة.

стр. 5279

وهو من فرائض الصلاة على الصحيح، وأساس قبولها، والظفر بثواب الله تعالى. ٣ - الإعراض عن اللغو: أي الباطل، وهو الشرك والمعاصي كلها، وكل ما لا حاجة فيه وما لا يعني الإنسان، وإن كان مباحا. ٤ - أداء الزكاة المالية المفروضة، وتزكية النفس من الدنس والمعصية، وتطهيرها من أمراض القلب كالحقد والحسد والكراهية والبغضاء ونحوها. ٥ - حفظ الفرج، والتعفف من الحرام كالزنى واللواط، والإعراض عن الشهوات. وذلك يدل على تحريم المتعة (الزواج المؤقت بمدة زمنية محدودة، قصيرة أو طويلة) لأن المرأة المستمتع بها ليست زوجة بالفعل، بدليل أنهما لا يتوارثان بالإجماع، فلا تحل للرجل، لكن يدرأ الحد للشبهة. ويدل أيضا على تحريم الاستمناء، ويستأنس له بحديث رواه الإمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العاملين، ويدخلهم النار أول الداخلين، إلا أن يتوبوا، ومن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره» (١). وتحريم الاستمناء هو مذهب جماهير العلماء، لظاهر الآية التي حصرت إباحة الاستمتاع بالنساء بالزواج وملك اليمين. ونقل عن الإمام أحمد جوازه للضرورة أو الحاجة الملحة، أي لمرة واحدة مثلا دون تكرار، إذا استبدت به الشهوة، وطغت عليه، بشروط ثلاثة: أن يخاف الزنى، وألا يملك مهر امرأة حرة، وأن يكون بيده، لا بيد امرأة أجنبية، ولا بيد ذكر مثله.

стр. 5280

ومن تجاوز الحلال ووقع في الحرام كالزنى واللواط فهو معتد متجاوز حدود الله، ويجب عليه الحد لعدوانه، إلا أن يكون جاهلا التحريم كمن أسلم حديثا، أو متأولا، كما قال القرطبي. ٦ - أداء الأمانة ورعاية العهد والعقد: ومعنى الأمانة أو العهد يجمع كل ما يحمّله الإنسان من أمر دينه ودنياه، قولا وفعلا، وهذا يشمل معاشرة الناس والوعود وغير ذلك. والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما فيه قول أو فعل أو معتقد. ٧ - المحافظة على الصلاة: بإقامتها والمبادرة إليها أوائل أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها. فمن عمل بما ذكر في هذه الآيات، فهم الوارثون الذين يرثون فراديس الجنان، وينزلون فيها منزلا كريما، ويخلدون فيها على الدوام والبقاء. ويدخل في الأمانات جميع الواجبات من الأفعال والتروك، فصارت الآيات شاملة العبادات الواجبة كالصوم والحج والطهارة. من أدلة وجود الله وقدرته - ١ - خلق الإنسان ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾

стр. 5281

الإعراب: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ النطفة وعلقة: مفعولا ﴿خَلَقْنَا﴾ المتعدي هنا إلى مفعولين؛ لأنه بمعنى: صيرنا، ولو كان بمعنى: أحدث لتعدى إلى مفعول واحد. ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ أحسن إما بدل من ﴿اللهُ﴾ ولا يجوز أن يكون وصفا؛ لأن إضافته إلى ما بعده في نية الانفصال لا الاتصال؛ لأنه في تقدير: أحسن من الخالقين، كما تقول: زيد أفضل القوم، أي منهم، فلا يستفيد المضاف من المضاف إليه تعريفا، فوجب أن يكون بدلا، لا وصفا. وإما خبر مبتدأ محذوف، أي هو أحسن الخالقين، وقوّى هذا التقدير أنه موضع مدح وثناء. البلاغة: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ نزلوا منزلة المنكرين، فهم لا ينكرون الموت، ولكن غفلتهم عنه، وفقدهم العمل الصالح من علامات الإنكار، وأكد الخبر بمؤكدين (إن واللام). ﴿طِينٍ﴾ ﴿مَكِينٍ﴾ ﴿الْخالِقِينَ﴾ سجع سائغ مقبول لا تكلف فيه. المفردات اللغوية: ﴿الْإِنْسانَ﴾ أصل الإنسان وهو آدم أو الجنس فإنهم خلقوا من سلالات جعلت نطفا ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ خلاصة سلت من بين التراب، من سللت الشيء من الشيء، أي استخرجته منه ﴿مِنْ طِينٍ﴾ من: بيانية، أو متعلق بمحذوف لأنه صفة لسلالة ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ﴾ أي جعلنا نسله-نسل آدم، فحذف المضاف ﴿نُطْفَةً﴾ منيا، أي بأن خلقناه منها أو ثم جعلنا السلالة نطفة ﴿فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ مستقر حصين أو متمكن، يعني الرحم. ﴿عَلَقَةً﴾ هي الدم الجامد ﴿مُضْغَةً﴾ أي صيرناها مضغة وهي قطعة لحم، قدر ما يمضغ. وخلقنا في المواضع الثلاثة بمعنى: صيرنا ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ بنفخ الروح فيه ﴿فَتَبارَكَ اللهُ﴾ تعالى شأنه في قدرته وحكمته وتقدس ﴿أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ المقدرين تقديرا، فحذف مميز ﴿أَحْسَنُ﴾ وهو خلقا، لدلالة ﴿الْخالِقِينَ﴾ عليه. ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ لصائرون إلى الموت لا محالة ﴿تُبْعَثُونَ﴾ للحساب والجزاء.

стр. 5282

سبب النزول: نزول الآية (١٢): أخرج ابن أبي حاتم عن عمر قال: وافقت ربي في أربع، نزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الآية، فقلت أنا: «فتبارك الله أحسن الخالقين». المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى بالعبادات، أورد ما يدل على معرفة الإله الخالق المعبود، وذكر أربعة أنواع من دلائل وجوده وقدرته تعالى، واتصافه بصفات الجلال والوحدانية. وتلك الأدلة: هي خلق الإنسان، وخلق السموات السبع، وإنزال الماء من السماء، وخلق الحيوانات لمنافع. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن ابتداء خلق الإنسان من سلالة من طين، وهو آدم ﵇، خلقه الله من صلصال من حمأ مسنون، ويبين تقلبه في أدوار تسعة للخلقة وهي: ١ - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ أي لقد خلقنا أي أوجدنا الإنسان، وقلبناه في أدوار الخلقة وأطوار الفطرة، والمراد به جنس الإنسان وأصله من خلاصة سلت من طين لا كدر فيه، أو أول أفراده وهو آدم ﵇. وهذا دليل كاف على قدرة الله تعالى ووحدانيته واتصافه بكل صفات الكمال. والراجح أن المراد بالإنسان هنا آدم ﵇؛ لأنه استل من الطين، وخلق منه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم ٢٠/ ٣٠].

стр. 5283

٢ - ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أي ثم جعلنا نسله أو جنس الإنسان نطفة من مني في أصلاب الذكور، ثم قذفت إلى أرحام الإناث، فصار في حرز مستقر متمكن حصين، ابتداء من الحمل إلى الولادة. وذلك كقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٧/ ٣٢ - ٨] أي من ماء ضعيف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ، فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ، إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ، فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ﴾ [المرسلات ٢٠/ ٧٧ - ٢٤]. ٣ - ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أي ثم حولنا النطفة عن صفاتها إلى صفة العلقة: وهي الدم الجامد. أو صيرنا النطفة وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل (وهو ظهره) وترائب المرأة (وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى السّرّة) صيرناها علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة. ٤ - ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أي ثم صيرنا الدم الجامد مضغة أي قطعة لحم، بمقدار ما يمضغ، وهي قطعة كبضعة لحم، لا شكل فيها ولا تخطيط. وسمي التحويل خلقا؛ لأنه سبحانه يفني بعض الصفات، ويخلق صفات أخرى، وكأنه تعالى يخلق فيها أجزاء زائدة. ٥ - ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً﴾ أي صيرناها عظاما يعني شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها. ٦ - ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً﴾ أي غطينا العظام بما يستره ويشده ويقويه وهو اللحم؛ لأن اللحم يستر العظم، فجعل كالكسوة لها. ٧ - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ أي خلقا مباينا للخلق الأول، بأن نفخنا فيه الروح، فتحرك، وصار خلقا آخر ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب.

стр. 5284

﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ أي تعالى شأنه في قدرته وحكمته، وتنزه وتقدس الله أحسن المقدّرين المصورين. روى ابن أبي حاتم والطيالسي عن أنس قال: قال عمر: «وافقت ربي في أربع: قلت: يا رسول الله، لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة ١٢٥/ ٢]. وقلت: يا رسول الله، لو اتخذت على نسائك حجابا، فإنه يدخل عليك البرّ والفاجر، فأنزل الله: ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً، فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب ٥٣/ ٣٣]. وقلت لأزواج النبي ﷺ : لتنتهنّ أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن، فنزلت: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآية [التحريم ٥/ ٦٦]. ونزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ.﴾. الآية فقلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾. ٨ - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (١) أي ثم إنكم بعد هذه النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت. ٩ - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ أي ثم تبعثون من قبوركم للنشأة الآخرة للحساب والجزاء ثوابا وعقابا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت ٢٠/ ٢٩] يعني يوم المعاد. وفي هاتين الآيتين جعل الله سبحانه الإماتة التي هي إعدام الحياة، والبعث الذي هو إعادة الحياة بعد الإفناء والإعدام دليلين على قدرته بعد الإنشاء والاختراع.

стр. 5285

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على خلق الإنسان، وخلقه ومروره في المراحل التسع المذكورة دليل واضح على وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته العظمى. فقد بدأ الله تعالى خلق آدم ﵇ من طين أو تراب، ثم جعل ابن آدم مخلوقا من نطفة (مني) يلتقي مع مني المرأة، فيبدأ تخلق الجنين، ثم تتحول النطفة إلى علقة (دم متخثر) ثم تصبح مضغة (قطعة لحم) ثم تصير عظاما، ثم تكسى العظام باللحم الذي تظهر فيه ملامح الإنسان، ثم يصير خلقا جديدا مباينا للخلق الأول بنفخ الروح الحركية فيه بعد أن كان جمادا. فتبارك وتعالى الله أحسن الخالقين وأتقن الصانعين، لهذا الإبداع والإنشاء العظيم: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ، أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل ١٧/ ١٦]. وبعد هذه المراحل السبع، وولادة الإنسان، وتمتعه بالحياة المقدرة له، أي بعد الخلق والحياة تحدث نهاية الإنسان بالموت، ثم يأتي البعث بعد الموت، وكل من الخلق الأول (النشأة الأولى) ثم الإماتة (إعدام الحياة) ثم البعث (إعادة ما أفني وأعدم) دليل قاطع على قدرة الله تعالى. والآيات صريحة في أن الله وحده هو الخالق، وهو المحيي، وهو المميت، وهو الباعث، والله هو الحق، ووعده بالبعث حق، والجنة حق، والنار حق. وذلك كله لإثبات البعث الذي ينكره المشركون والملحدون الماديون الذين يرون أن الدنيا هي نهاية المطاف، وألا حياة أخرى بعدئذ، وإنكارهم الحياة الآخرة وإنكار وجود الله أو وحدانيته هو مذهب المادية، وعقيدة الجاهلية، وأسّ الكفر وعماده. أما أهل الإيمان فهم الذين يشكرون ربهم الخالق الذي أنعم عليهم بنعمة

стр. 5286

الإيجاد والإحياء والرزق، وهم الذين يبادرون إلى أداء التكاليف التي كلف الله بها عباده بعد أن أصبحوا قادرين على تحمل التكليف، ثم لا بد من مجيء يوم القيامة والبعث بعد الموت لتسلم الجائزة الكبرى على العمل الصالح، ومجازاة المؤمنين بالجنة، وعقوبة الكافرين بالنار. روى ابن أبي شيبة في مسنده أن ابن عباس استنبط شيئا من هذه الآية، فقال لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ليلة القدر، فقالوا: الله أعلم؛ فقال عمر: ما تقول يا ابن عباس؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى خلق السموات سبعا، والأرضين سبعا، وخلق ابن آدم من سبع، وجعل رزقه في سبع، فأراها في ليلة سبع وعشرين، فقال عمر ﵁: أعجزكم أن تأتوا بمثل ما آتى هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه. أراد ابن عباس بقوله: «خلق ابن آدم من سبع» مراحل خلق الإنسان المفهومة من هذه الآية، وبقوله: «وجعل رزقه في سبع» قوله: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا، وَعِنَباً وَقَضْباً، وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً، وَحَدائِقَ غُلْباً، وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ السبع منها لابن آدم، والأب: العشب للأنعام، والقضب: البقول، وقيل هو للأنعام. - ٢ - خلق السموات وإنزال الأمطار وتسخير الأنعام ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾

стр. 5287

الإعراب: ﴿وَشَجَرَةً﴾ معطوف بالنصب على ﴿جَنّاتٍ﴾ أي فأنشأنا لكم به جنات وشجرة تخرج من طور سيناء. و ﴿سَيْناءَ﴾ ممنوع من الصرف للتأنيث ولزومه، أي للعلمية والتأنيث، أي تأنيث البقعة. و ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ من قرأ بفتح التاء جعل الباء للتعدية، ومن قرأ بالضم جعله من أنبت وفي الباء ثلاثة أوجه: التعدية، وتكون أنبت بمعنى نبت، أو تكون زائدة؛ لأن الفعل متعد بالهمزة، أو تكون للحال، ومفعوله محذوف، أي تنبت ما تنبت ومعه الدهن. البلاغة: ﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ استعارة، شبهت السموات بطبقات النعل؛ لأنه طورق بعضها فوق بعض، كمطارقة النعل، وكل شيء فوقه مثله، فهو طريقة. ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ في تنكير ﴿ذَهابٍ﴾ إيماء إلى كثرة طرقه، ومبالغة في الإبعاد به. المفردات اللغوية: ﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ أي سبع سموات، والطرائق: جمع طريقة؛ سميت بذلك لأنه طورق بعضها فوق بعض، مطارقة النعل، وكل ما فوقه مثله فهو طريقة، أو لأنها طرق الملائكة. وقيل: المراد بالطرائق: الأفلاك؛ لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها. والأول أصح، قال الخليل والزجاج: وهذا كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ [نوح ١٥/ ٧١] وقوله: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ، وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ.﴾. [الطلاق ١٢/ ٦٥] الآية، أي فالطرائق والطباق بمعنى واحد.

стр. 5288

﴿وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ﴾ أي المخلوقات التي منها السموات السبع ﴿غافِلِينَ﴾ مهملين أمرها، بل نحفظها من الزوال والاختلال، وندبر أمرها حتى تبلغ منتهى ما قدّر لها من الكمال، بحسب الحكمة والمشيئة الإلهية، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج ٦٥/ ٢٢]. ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ السماء هنا: السحاب ﴿بِقَدَرٍ﴾ أي بمقدار معلوم، وهو مقدار كفايتهم ﴿فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي جعلناه ثابتا مستقرا فيها ﴿ذَهابٍ بِهِ﴾ أي على إزالته، إما بتغويره في الأرض بحيث يتعذر إخراجه، أو بتغيير صفة المائية إلى عنصر آخر ﴿لَقادِرُونَ﴾ أي كما كنا قادرين على إنزاله، وحينئذ يموتون مع دوابهم عطشا ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ﴾ هما أكثر فواكه العرب ﴿لَكُمْ فِيها﴾ في الجنات ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي ومن الجنات تأكلون ثمارها وزروعها، صيفا وشتاء. ﴿وَشَجَرَةً﴾ أي وأنشأنا شجرة هي شجرة الزيتون ﴿طُورِ سَيْناءَ﴾ جبل موسى بين مصر وأيلة، وقيل: إنه بفلسطين، فهو جبل الطور الذي ناجى فيه موسى ربه، ويسمى طور سينين أيضا ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ معطوف على الدهن، أي إدام يصبغ فيه الخبز أي يغمس فيه للائتدام، وهو زيت الزيتون. ﴿الْأَنْعامِ﴾ الإبل والبقر والغنم ﴿لَعِبْرَةً﴾ عظة تعتبرون بها ﴿مِمّا فِي بُطُونِها﴾ أي اللبن ﴿مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ من الأصواف والأوبار والأشعار وغير ذلك ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي من الأنعام تأكلون، فتنتفعون بأعيانها ﴿وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أي في البر والبحر. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى النوع الأول من دلائل قدرته وهو خلق الإنسان، أتبعه بذكر أنواع ثلاثة أخرى من تلك الدلائل وهي خلق السموات السبع، وإنزال الماء من السماء وتأثيره في إنبات النبات، ومنافع الحيوانات وهي هنا أربعة أنواع: الانتفاع بالألبان، وبالصوف، وباللحوم، وبالركوب، وذلك كله مما يحتاج إليه الإنسان في بقائه.

стр. 5289

التفسير والبيان: خلق السموات: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ﴾ أي تالله لقد خلقنا فوقكم يا بني آدم سبع سموات طباقا، بعضها فوق بعض، وهي أيضا مسارات الكواكب. وكثيرا ما يقرن الله تعالى خلق السموات والأرض، مع خلق الإنسان، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر ٥٧/ ٤٠] وهكذا في أول سورة السجدة ﴿الم﴾ التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بها في صبيحة يوم الجمعة، في أولها ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾، ثم بيان خلق الإنسان، وفيها أمر المعاد والجزاء. ونظير الآية كما تقدم: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ [نوح ١٥/ ٧١] وقوله: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ، يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ، لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق ١٢/ ٦٥]. ﴿وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ﴾ أي وما كنا مهملين أمر جميع المخلوقات التي منها السموات، بل نحفظها لكفالة بقائها واستمرارها، ونحن نعلم كل ما يحدث فيها من صغير أو كبير، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ، وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤/ ٥٧] وقال سبحانه: ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ، وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩/ ٦]. المطر والنبات: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي وأنزلنا من

стр. 5290

السحاب مطرا بقدر الحاجة والكفاية للشرب والسقي، لا كثيرا يفسد الأرض والعمران، ولا قليلا لا يكفي الزرع والثمار، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيرا لزرعها، ولا تحتمل تربتها إنزال المطر عليها، يساق الماء إليها من بلاد أخرى، كأرض مصر التي يقال لها: الأرض الجرز، يأتي حاملا معه الطين الأحمر «الغرين» من بلاد الحبشة، فيستقر الطين فيها للزراعة فيه، فتغطي الرمال به، وهي ما يغلب في تلك الأرض. وجعلنا الماء إذا نزل من السحاب يستقر في الأرض، وجعلنا في الأرض قابلية له، فيتغذى به ما فيها من الحب والنوى، ومنه تنبع الأنهار والآبار. ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ أي ولو شئنا إزالته وتصريفه عنكم وتغويره لفعلنا، كما أنا قادرون على إنزاله. وكذلك لو شئنا لجعلناه ملحا أجاجا لا ينتفع به في الشرب والسقي، ولو شئنا ألا يمطر السحاب لفعلنا، ولو شئنا أن يبقى على سطح الأرض لفعلنا، ولكن لرحمتنا ولطفنا بكم أسكناه في الأرض بمثابة خزانات، لتأخذوا منه عند الحاجة، وتسقوا به زرعكم وثماركم وأنفسكم ودوابكم، وتنتفعوا به بسائر وجوه الانتفاع من غسل وتطهر وتنظيف وتبرد ونحو ذلك. ﴿فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ﴾ أي فأخرجنا لكم بما أنزلنا من السماء جنات أي بساتين وحدائق ذات بهجة أي ذات منظر حسن، وفيها النخيل والأعناب، وهذا أغلب فواكه العرب. ﴿لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي لكم في الجنات فواكه متنوعة كثيرة، من جميع الثمار، عدا النخيل والأعناب، وتأكلون من ثمار الجنات وتنتفعون بها، وترزقون وتتعيشون. وقوله: ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ كأنه معطوف على شيء مقدر، تقديره:
следующие страницы →