← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

الإيجاد والإحياء والرزق، وهم الذين يبادرون إلى أداء التكاليف التي كلف الله بها عباده بعد أن أصبحوا قادرين على تحمل التكليف، ثم لا بد من مجيء يوم القيامة والبعث بعد الموت لتسلم الجائزة الكبرى على العمل الصالح، ومجازاة المؤمنين بالجنة، وعقوبة الكافرين بالنار. روى ابن أبي شيبة في مسنده أن ابن عباس استنبط شيئا من هذه الآية، فقال لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ليلة القدر، فقالوا: الله أعلم؛ فقال عمر: ما تقول يا ابن عباس؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى خلق السموات سبعا، والأرضين سبعا، وخلق ابن آدم من سبع، وجعل رزقه في سبع، فأراها في ليلة سبع وعشرين، فقال عمر ﵁: أعجزكم أن تأتوا بمثل ما آتى هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه. أراد ابن عباس بقوله: «خلق ابن آدم من سبع» مراحل خلق الإنسان المفهومة من هذه الآية، وبقوله: «وجعل رزقه في سبع» قوله: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا، وَعِنَباً وَقَضْباً، وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً، وَحَدائِقَ غُلْباً، وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ السبع منها لابن آدم، والأب: العشب للأنعام، والقضب: البقول، وقيل هو للأنعام. - ٢ - خلق السموات وإنزال الأمطار وتسخير الأنعام ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾

стр. 5287

الإعراب: ﴿وَشَجَرَةً﴾ معطوف بالنصب على ﴿جَنّاتٍ﴾ أي فأنشأنا لكم به جنات وشجرة تخرج من طور سيناء. و ﴿سَيْناءَ﴾ ممنوع من الصرف للتأنيث ولزومه، أي للعلمية والتأنيث، أي تأنيث البقعة. و ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ من قرأ بفتح التاء جعل الباء للتعدية، ومن قرأ بالضم جعله من أنبت وفي الباء ثلاثة أوجه: التعدية، وتكون أنبت بمعنى نبت، أو تكون زائدة؛ لأن الفعل متعد بالهمزة، أو تكون للحال، ومفعوله محذوف، أي تنبت ما تنبت ومعه الدهن. البلاغة: ﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ استعارة، شبهت السموات بطبقات النعل؛ لأنه طورق بعضها فوق بعض، كمطارقة النعل، وكل شيء فوقه مثله، فهو طريقة. ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ في تنكير ﴿ذَهابٍ﴾ إيماء إلى كثرة طرقه، ومبالغة في الإبعاد به. المفردات اللغوية: ﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ أي سبع سموات، والطرائق: جمع طريقة؛ سميت بذلك لأنه طورق بعضها فوق بعض، مطارقة النعل، وكل ما فوقه مثله فهو طريقة، أو لأنها طرق الملائكة. وقيل: المراد بالطرائق: الأفلاك؛ لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها. والأول أصح، قال الخليل والزجاج: وهذا كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ [نوح ١٥/ ٧١] وقوله: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ، وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ.﴾. [الطلاق ١٢/ ٦٥] الآية، أي فالطرائق والطباق بمعنى واحد.

стр. 5288

﴿وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ﴾ أي المخلوقات التي منها السموات السبع ﴿غافِلِينَ﴾ مهملين أمرها، بل نحفظها من الزوال والاختلال، وندبر أمرها حتى تبلغ منتهى ما قدّر لها من الكمال، بحسب الحكمة والمشيئة الإلهية، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج ٦٥/ ٢٢]. ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ السماء هنا: السحاب ﴿بِقَدَرٍ﴾ أي بمقدار معلوم، وهو مقدار كفايتهم ﴿فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي جعلناه ثابتا مستقرا فيها ﴿ذَهابٍ بِهِ﴾ أي على إزالته، إما بتغويره في الأرض بحيث يتعذر إخراجه، أو بتغيير صفة المائية إلى عنصر آخر ﴿لَقادِرُونَ﴾ أي كما كنا قادرين على إنزاله، وحينئذ يموتون مع دوابهم عطشا ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ﴾ هما أكثر فواكه العرب ﴿لَكُمْ فِيها﴾ في الجنات ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي ومن الجنات تأكلون ثمارها وزروعها، صيفا وشتاء. ﴿وَشَجَرَةً﴾ أي وأنشأنا شجرة هي شجرة الزيتون ﴿طُورِ سَيْناءَ﴾ جبل موسى بين مصر وأيلة، وقيل: إنه بفلسطين، فهو جبل الطور الذي ناجى فيه موسى ربه، ويسمى طور سينين أيضا ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ معطوف على الدهن، أي إدام يصبغ فيه الخبز أي يغمس فيه للائتدام، وهو زيت الزيتون. ﴿الْأَنْعامِ﴾ الإبل والبقر والغنم ﴿لَعِبْرَةً﴾ عظة تعتبرون بها ﴿مِمّا فِي بُطُونِها﴾ أي اللبن ﴿مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ من الأصواف والأوبار والأشعار وغير ذلك ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي من الأنعام تأكلون، فتنتفعون بأعيانها ﴿وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أي في البر والبحر. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى النوع الأول من دلائل قدرته وهو خلق الإنسان، أتبعه بذكر أنواع ثلاثة أخرى من تلك الدلائل وهي خلق السموات السبع، وإنزال الماء من السماء وتأثيره في إنبات النبات، ومنافع الحيوانات وهي هنا أربعة أنواع: الانتفاع بالألبان، وبالصوف، وباللحوم، وبالركوب، وذلك كله مما يحتاج إليه الإنسان في بقائه.

стр. 5289

التفسير والبيان: خلق السموات: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ﴾ أي تالله لقد خلقنا فوقكم يا بني آدم سبع سموات طباقا، بعضها فوق بعض، وهي أيضا مسارات الكواكب. وكثيرا ما يقرن الله تعالى خلق السموات والأرض، مع خلق الإنسان، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر ٥٧/ ٤٠] وهكذا في أول سورة السجدة ﴿الم﴾ التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بها في صبيحة يوم الجمعة، في أولها ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾، ثم بيان خلق الإنسان، وفيها أمر المعاد والجزاء. ونظير الآية كما تقدم: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ [نوح ١٥/ ٧١] وقوله: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ، يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ، لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق ١٢/ ٦٥]. ﴿وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ﴾ أي وما كنا مهملين أمر جميع المخلوقات التي منها السموات، بل نحفظها لكفالة بقائها واستمرارها، ونحن نعلم كل ما يحدث فيها من صغير أو كبير، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ، وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤/ ٥٧] وقال سبحانه: ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ، وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩/ ٦]. المطر والنبات: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي وأنزلنا من

стр. 5290

السحاب مطرا بقدر الحاجة والكفاية للشرب والسقي، لا كثيرا يفسد الأرض والعمران، ولا قليلا لا يكفي الزرع والثمار، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيرا لزرعها، ولا تحتمل تربتها إنزال المطر عليها، يساق الماء إليها من بلاد أخرى، كأرض مصر التي يقال لها: الأرض الجرز، يأتي حاملا معه الطين الأحمر «الغرين» من بلاد الحبشة، فيستقر الطين فيها للزراعة فيه، فتغطي الرمال به، وهي ما يغلب في تلك الأرض. وجعلنا الماء إذا نزل من السحاب يستقر في الأرض، وجعلنا في الأرض قابلية له، فيتغذى به ما فيها من الحب والنوى، ومنه تنبع الأنهار والآبار. ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ أي ولو شئنا إزالته وتصريفه عنكم وتغويره لفعلنا، كما أنا قادرون على إنزاله. وكذلك لو شئنا لجعلناه ملحا أجاجا لا ينتفع به في الشرب والسقي، ولو شئنا ألا يمطر السحاب لفعلنا، ولو شئنا أن يبقى على سطح الأرض لفعلنا، ولكن لرحمتنا ولطفنا بكم أسكناه في الأرض بمثابة خزانات، لتأخذوا منه عند الحاجة، وتسقوا به زرعكم وثماركم وأنفسكم ودوابكم، وتنتفعوا به بسائر وجوه الانتفاع من غسل وتطهر وتنظيف وتبرد ونحو ذلك. ﴿فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ﴾ أي فأخرجنا لكم بما أنزلنا من السماء جنات أي بساتين وحدائق ذات بهجة أي ذات منظر حسن، وفيها النخيل والأعناب، وهذا أغلب فواكه العرب. ﴿لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي لكم في الجنات فواكه متنوعة كثيرة، من جميع الثمار، عدا النخيل والأعناب، وتأكلون من ثمار الجنات وتنتفعون بها، وترزقون وتتعيشون. وقوله: ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ كأنه معطوف على شيء مقدر، تقديره:

стр. 5291

تنظرون إلى حسنه ونضجه، ومنه تأكلون. ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ.﴾. أي وأنشأنا لكم شجرة الزيتون التي تنبت في جبل الطور، وتأتي بالدهن وهو الزيت، وتتخذ إداما ينتفع به الآكلون بالدهن والاصطباغ. روى الإمام أحمد عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلوا الزيت وادّهنوا به، فإنه من شجرة مباركة» ورواه الترمذي عن عمر ﵁. أحوال الأنعام: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ أي وإن لكم أيها الناس في خلق الإبل والبقرة والغنم وما فيها من المنافع لعظة تعتبرون بها ونعمة تستحق الشكر والتقدير والاستدلال على قدرة الله تعالى، بتحويل الدم المتولد من الغداء في الغدد إلى لبن طيب سائغ شرابه، كامل التغذية. وتلك المنافع كثيرة ذكر منها هنا أربعة أنواع هي: ١ - ﴿نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها﴾ أي تشربون من ألبانها الخارجة من بين فرث ودم، وتتخذون منها السمن والجبن وغير ذلك، وتنتج لكم الحملان. ٢ - ﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ أي وتستفيدون من أصوافها وأوبارها وأشعارها، وتتخذون منها الملابس والفرش. ٣ - ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي وتأكلون من لحومها بعد ذبحها، فتنتفعون بها حية وبعد الذبح. ٤ - ﴿وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أي وتركبون ظهورها وتحملون عليها الأحمال الثقال إلى البلاد والبقاع النائية، كما تنتفعون بالسفن، كما قال تعالى:

стр. 5292

﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ، إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل ٧/ ١٦] وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً، فَهُمْ لَها مالِكُونَ، وَذَلَّلْناها لَهُمْ، فَمِنْها رَكُوبُهُمْ، وَمِنْها يَأْكُلُونَ، وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ، أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس ٧١/ ٣٦ - ٧٣]. والامتنان بهذه النعم الجليلة بقصد الإرشاد إلى الخالق، والتعرف على قدرة الله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - استنبط الإمام الرازي من الآية الأولى في خلق السموات ستة أحكام هي: أ-أنها دالة على وجود الإله الصانع، فإن تحول الأجسام من صفة إلى صفة أخرى مغايرة للأولى يدل على أنه لا بد من محول ومغير. ب-أنها تدل على فساد القول بالطبيعة؛ لأن الطبيعة تقضي ببقاء الأشياء على حالها وعدم تغيرها، فإذا تغيرت تلك الصفات، دل على احتياج الطبيعة إلى خالق وموجد. ج -تدل على أن المدبر قادر عالم؛ لأن الجاهل لا يصدر عنه هذه الأفعال العجيبة. د-تدل على أنه تعالى عالم بكل المعلومات، قادر على كل الممكنات. هـ -تدل على جواز الحشر والنشر؛ لأنه لما كان تعالى قادرا عالما، وجب أن يكون قادرا على إعادة تركيب الأجزاء كما كانت.

стр. 5293

و-أن معرفة الله تعالى يجب أن تكون استدلالية لا تقليدية، وإلا لكان ذكر هذه الدلائل عبثا (١). ٢ - دلت الآية الثانية في إنزال المطر على نعمة عظمي تستحق التقدير هي الماء الذي هو حياة الأبدان ونماء الحيوان، فالماء في نفسه نعمة، وهو أيضا سبب لحصول النعم من إنبات النبات، وسقي الإنسان والحيوان. والمراد بماء السماء المنزل المختزن وغير المختزن: هو الماء العذب غير الأجاج المالح. وإنزال الماء بقدر، أي على قدر مصلح موافق للحكمة والحاجة؛ لأنه لو كثر أهلك، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ، وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر ٢١/ ١٥]. وقوله: ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ أي الماء المختزن في الأرض: تهديد ووعيد، أي في قدرة الله إذهابه وتغويره، ويهلك الناس بالعطش وتهلك مواشيهم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً، فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك ٣٠/ ٦٧] وغورا: أي غائرا. وكل ما نزل من ماء السماء مختزنا أو غير مختزن هو طاهر مطهر، يغتسل به ويتوضأ منه. ٣ - من آثار الماء جعله سبب النبات، فهو ينبت أشرف الثمار، وهي الرطب والأعناب، وينبت غير ذلك من الفواكه، ولا فرق في الفاكهة بين الطري واليابس. وبالماء تنبت الأشجار، ومن أبرك الأشجار ما ذكر في الآية وهو شجرة

стр. 5294

الزيتون التي أنبتها الله في الأصل من جبل الطور في سيناء الذي بارك الله فيه، وطور سيناء: من أرض الشام، هو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى ﵇. وإنما خص النخيل والأعناب بالذكر؛ لأنهما المعروفان المشهوران عند العرب كثيرا. وزيت الزيتون يصلح للادهان به وللائتدام به، لذا كان المراد بالآية: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ تعداد نعمة الزيت على الإنسان، وبيان وجوه الانتفاع به، ففي الزيت شفاء لكثير من الأمراض الجلدية الظاهرة، والباطنية الداخلية، فيدهن به الجلد فتتقوى بصلة الشعر، ويؤكل مع الخبز إداما، وكل إدام يؤتدم به فهو صبغ. ٤ - ذكر الله تعالى للأنعام (الإبل والبقر والغنم) أربع منافع: هي الانتفاع بالألبان، والانتفاع بالأصواف للباس والأثاث والفرش، وللبيع والاستفادة من الأثمان، والانتفاع من اللحوم بالأكل بعد الذبح، كالانتفاع بها حية، والانتفاع بالركوب على الإبل في البر والحمل عليها كالانتفاع بالفلك (السفن) في البحر، وهذا دليل على أن الركوب راجع إلى بعض الأنعام. روي أن رجلا ركب بقرة في الزمان الأول، فأنطقها الله تعالى معه، فقالت: إنا لم نخلق لهذا! وإنما خلقت للحرث (أي العمل الزراعي). القصة الأولى-قصة نوح ﵇ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اِسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾

стр. 5295

الإعراب: ﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ ﴿غَيْرُهُ﴾: اسم ﴿ما﴾، وما قبله: الخبر، و ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿مُنْزَلاً﴾ مصدر لفعل رباعي وهو (أنزل) وتقديره: أنزلني إنزالا مباركا، ويجوز أن يكون اسم مكان. وقرئ بفتح الميم (منزلا) وهو مصدر لفعل ثلاثي وهو (نزل) ويجوز أن يكون أيضا اسم مكان. ﴿وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾: ﴿إِنَّ﴾: مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتقديره: وإنه كنا لمبتلين. وذهب الكوفيون إلى أنّ ﴿إِنَّ﴾ بمعنى (ما) واللام بمعنى (إلا) وتقديره: ما كنا مبتلين. البلاغة: ﴿اِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا﴾ استعارة، عبر عن الحفظ والرعاية أو الحراسة بالصنع على الأعين؛ لأن الحافظ للشيء يديم مراعاته في الأغلب بعينيه. ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ كناية عن الشدة، مثل: حمي الوطيس. وقيل: المراد بالتنور وجه الأرض مجازا. ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً﴾ جناس اشتقاق.

стр. 5296

المفردات اللغوية: ﴿اُعْبُدُوا اللهَ﴾ أطيعوا الله ووحدوه. ﴿تَتَّقُونَ﴾ تخافون عقوبته بعبادتكم غيره. ﴿الْمَلَأُ﴾ أشراف القوم، قالوا للعوام. ﴿يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يطلب الفضل والسيادة عليكم، بأن يكون متبوعا وأنتم أتباعه. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أي لوشاء أن يعبد غيره وأن يرسل رسولا لأنزل ملائكة بذلك، لا بشرا. ﴿ما سَمِعْنا بِهذا﴾ الذي دعا إليه نوح من التوحيد. ﴿فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ الأمم الماضية. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي ما نوح إلا رجل به حالة جنون وضعف عقل. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ انتظروه واحتملوه. ﴿حَتّى حِينٍ﴾ أي إلى زمن لعله يفيق من جنونه، أو إلى زمن موته. ﴿قالَ: رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أي قال نوح بعد يأسه من إيمانهم: ربّ انصرني عليهم ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ أي بسبب تكذيبهم إياي، بأن تهلكهم. ﴿فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ﴾ أي أمرناه إجابة لدعائه. ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ السفينة. ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ بحفظنا ورعايتنا. ﴿وَوَحْيِنا﴾ أي أمرنا وتعليمنا. ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُنا﴾ بالركوب أو نزول العذاب والإهلاك. ﴿وَفارَ﴾ نبع. ﴿التَّنُّورُ﴾ أي مكان خبز الخباز أو وجه الأرض، وكان نبع الماء منه علامة لنوح ﵇. ﴿فَاسْلُكْ فِيها﴾ أي أدخل في السفينة. ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ أي من كل صنفين: ذكر وأنثى من أنواع الحيوان الموجود وقتئذ. ﴿اِثْنَيْنِ﴾ ذكرا وأنثى، أي خذ معك على السفينة من كل نوع من أنواع الحيوان صنفا من الذكور وصنفا من الإناث، كالجمال والنوق، مزدوجين. وقراءة حفص ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ أي من كلّ نوع زوجين. و ﴿اِثْنَيْنِ﴾: تأكيد وزيادة تأكيد. ﴿وَأَهْلَكَ﴾ أهل بيتك، أو من آمن معك. ﴿إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي إلا من قضي عليه القول من الله بهلاكه لكفره وهو زوجته وولده كنعان، بخلاف سام وحام ويافث، فأخذهم مع زوجاتهم الثلاثة. قيل: كانوا ستة رجال مع نسائهم، وقيل: جميع من كان في السفينة ثمانية وسبعون، نصفهم رجال، ونصفهم نساء. وقد عبّر بعلى في قوله: ﴿مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ﴾ لأن المقضي به ضارّ، كما عبّر باللام حيث كان المقضي به نافعا في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ.﴾ .. ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا بترك إهلاكهم. ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ لا محالة، لظلمهم بالإشراك والمعاصي، ومن كان هذا شأنه لا يشفع له، ولا يشفع فيه. ﴿اِسْتَوَيْتَ﴾ اعتدلت وعلوت. ﴿مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ الكافرين، والنجاة: هي من إهلاكهم. ﴿وَقُلْ﴾ عند نزولك من الفلك. ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً﴾ أي اجعل إنزالي أو مكانه إنزالا أو مكانا مباركا، أي فيه الخير والبركة. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ثناء مطابق لدعائه، أمره به توسلا إلى الإجابة. وإنما أفرده بالأمر مع شموله من آمن معه إظهارا لفضله والاكتفاء بدعائه عن دعائهم. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور من فعل نوح والسفينة، وفعل قومه وإهلاكهم. ﴿لَآياتٍ﴾

стр. 5297

دلالات على قدرة الله تعالى. ﴿لَمُبْتَلِينَ﴾ مختبرين ممتحنين قوم نوح بإرساله إليهم ووعظه، أي معاملتهم معاملة من يختبر. المناسبة: الارتباط بين هذه الآيات وبين ما قبلها جار على وفق العادة في سائر الآيات، بذكر قصص الأنبياء بعد بيان أدلة التوحيد، والقصد هو بيان كفران الناس بعد تعداد النعم المتلاحقة عليهم، وما حاق بهم من زوالها. فبعد أن ذكر الله تعالى دلائل التوحيد من خلق الإنسان، والحيوان، والنبات، وخلق السموات والأرض، وعدّد نعمه على عباده، ذكر هنا الحالات المماثلة لكفار مكة من المكذبين من الأمم السابقة، فذكر خمس قصص: هي قصة نوح، وقصة هود، وقصة صالح ولوط وشعيب، وقصة موسى وهارون وفرعون، وقصة عيسى وأمه. التفسير والبيان: يبين الله تعالى موقف نوح ﵇ مع قومه حينما أنذرهم عذاب الله، وبأسه الشديد، وانتقامه ممن أشرك به، وخالف أمره، وكذب رسله، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ﴾ ... ﴿تَتَّقُونَ﴾: أي ولقد بعثنا نوحا إلى قومه، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وقال لهم: ألا تتقون، أي ألا تخافون من الله في إشراككم به؟ ﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. أي فقال السادة والأكابر منهم: ما نوح إلا بشر مثلكم، ورجل منكم، يريد أن يترفع عليكم ويتعاظم بدعوى النبوة، وليس له ميزة في علم ولا خلق، فكيف يكون نبيا يوحى إليه دونكم وهو مثلكم؟!

стр. 5298

وموانع نبوته هي: ١ - ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أي ولو أراد الله أن يبعث نبيا، لبعث أحد الملائكة من عنده، لأداء رسالته، ولم يكن بشرا، فإن إنزال الملك أدعى للإيمان، وأدل على الصدق. وهذا ناشئ من تصورهم سموا الرسالة التي تقتضي جعلها في عنصر أسمى من البشر وهم الملائكة، وأنه لا يمكن تكليف البشر بالرسالة الإلهية. ٢ - ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ أي ما سمعنا ببعثة البشر في عهد الأسلاف والأجداد في الدهور الماضية. وهذا ناشئ من اعتمادهم في العقيدة على التقليد، وإصرارهم على الكفر والعناد. ٣ - ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي وما نوح إلا رجل مجنون فيما يزعمه أن الله أرسله إليكم، واختصه من بينكم بالوحي. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ أي انتظروا به ريب المنون، واصبروا عليه مدة حتى تستريحوا منه، أو ييأس فيرجع إلى دينكم، أو يفيق من جنونه. وهذا مجرد مكابرة، فهم عرفوا نوحا برجحان عقله، واتزان قوله، واستقامة سيرته. ولما يئس نوح من إجابة دعوته، وصبر على قومه ألف سنة إلا خمسين، فلم يؤمن معه إلا القليل، أوحى الله إليه أن يدعو ربه لنصره عليهم فقال: ﴿قالَ: رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ أي قال نوح: ربّ انصرني على هؤلاء القوم، وأهلكهم بسبب تكذيبهم إياي، كما جاء في آية أخرى: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر ١٠/ ٥٤]، وقوله أيضا: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ [نوح ٢٦/ ٧١]. فأجاب الله دعاءه وأمره بصنع السفينة فقال:

стр. 5299

﴿فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا﴾ أي فأمرناه بأن يصنع السفينة بحفظنا ورعايتنا، وتعليمنا وإرشادنا كيفية الصنع. ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُنا، وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي فإذا حان وقت قضائنا بالعذاب والهلاك، ونبع الماء من وجه الأرض أو من التنور المخصص للخبز، فاحمل في السفينة فردين مزدوجين ذكرا وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات والثمار وغير ذلك، واحمل فيها أيضا أهل بيتك، أو كل من آمن معك، وهذا المعنى هو الأرجح، إلا من سبق عليه القول من الله بالهلاك، وهم الذين لم يؤمنوا به من أهله كابنه وزوجته، وهو كنعان وأمه. روي أنه قيل لنوح ﵇: إذا رأيت الماء يفور من التنور، فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور، أخبرته امرأته، فركب. ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا، إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أي ولا تسألني ولا تتشفع في الذين كفروا، ولا تأخذنك رأفة في قومك، فإني قد قضيت أنهم مغرقون، بسبب ما هم عليه من الكفر والطغيان، أي أن الغرق نازل بهم لا محالة. ثم أمره الله أن يحمده ويثني عليه بعد ركوب السفينة: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ.﴾. أي فإذا استقر بك وبمن معك من المؤمنين المقام في السفينة، فقل أنت وهم: الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين، أي أنقذنا من هؤلاء الكافرين المشركين الظلمة. قال ابن عباس ﵄: كان في السفينة ثمانون إنسانا، نوح وامرأته سوى التي غرقت، وثلاثة بنين: سام وحام ويافث، وثلاث نسوة لهم، واثنان وسبعون إنسانا، فكل الخلائق نسل من كان في السفينة. ثم أمره أيضا أن يدعوه بعد خروجه من السفينة دعاء مقرونا بالثناء فقال:

стр. 5300

﴿وَقُلْ: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ أي وقل عند النزول من السفينة: ربّ أنزلني إنزالا مباركا أو مكانا مباركا، يبارك لي فيه، وأعطى الزيادة في خير الدارين، وأنت خير من أنزل عباده المنازل الطيبة؛ لأنك تحفظ من أنزلته في سائر أحواله، وتدفع عنه المكاره، بحسب ما تقتضيه الحكمة. وهذا وما قبله تعليم لذكر الله عند ابتداء السير وانتهائه، قال قتادة: علّمكم الله أن تقولوا عند ركوب السفينة: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ [هود ٤١/ ١١]، وعند ركوب الدابة: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا، وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف ١٣/ ٤٣] أي مطيقين، وعند النزول: ﴿وَقُلْ: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ، وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي إن في هذا الصنيع وهو إنجاء المؤمنين، وإهلاك الكافرين لدلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما جاؤوا به عن الله تعالى، وإنا لمختبرون بهذه الآيات عبادنا، لننظر من يعتبر ويتذكر، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٥/ ٥٤]. وقيل: أي نعاملهم معاملة المختبرين. وتقدمت القصة بتفصيل أكثر في سورة هود ﵇. فقه الحياة أو الأحكام: هذه القصة واضحة الدلالة كغيرها من القصص القرآني على أن نزول العذاب: عذاب الاستئصال والهلاك كان بسبب العناد والإصرار على الكفر، وملازمة الشرك والوثنية. فهذا نوح ﵇ مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين يدعوهم لعبادة الله وحده لا شريك له، وينذرهم بأس الله وانتقامه ممن أشرك به، وكذب رسله،

стр. 5301

قائلا لهم: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ أي أفلا تخافون عذاب الله، وتتقون عقابه؟ وهو زجر ووعيد ليقلعوا عما هم عليه. فما كان منهم إلا إنكار نبوته معتمدين على شبهات خمس هي: الأولى-إنكار كون النبي أو الرسول بشرا مماثلا لغيره في البشرية، ومساويا لسائر الناس في القوة والفهم والعلم، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والرسول لا بد وأن يكون عظيما عند الله تعالى، ومتصفا بصفات تجعل له منزلة عليا ودرجة رفيعة وعزة سامية. واتهموه بناء عليه بطلب الزعامة والرئاسة والترفع والسيادة عليهم. الثانية-طلب أن يكون النبي ملكا، فلو شاء الله إرشاد البشر، لوجب إرسال ملك من الملائكة يحقق المقصود بنحو أفضل وأسرع وأنجع من بعثة البشر؛ لأن الملائكة لعلو شأنهم وشدة سطوتهم ينقاد الناس إليهم. الثالثة-الخروج عن سنة الآباء والأسلاف، فهم لا يعرفون غير التقليد واتباع سلوك الآباء، فلما وجدوا في طريقة نوح ﵇ خروجا عن المألوف، حكموا ببطلان نبوته. الرابعة-اتهامه من قبل الرؤساء بالجنون، للترويج على العوام، بسبب فعله أفعالا على خلاف عاداتهم، ومن كان مجنونا لا يصلح أن يكون رسولا. الخامسة-الصبر عليه وتركه لعاديات الزمان، فإنه إن كان نبيا حقا، فالله ينصره ويقوي أمره، وحينئذ يتبعونه، وإن كان كاذبا فالله يخذله ويبطل أمره، فحينئذ نستريح منه. ولم يجب الله تعالى عن هذه الشبه لسخافتها وسطحيتها، فإن جعل الرسول من جملة البشر أولى، لما بينه وبين غيره من الألفة والمؤانسة؛ وإن قصد الزعامة

стр. 5302

والسيادة يتنافى مع سمو الأنبياء، فهم منزهون عن هذه المقاصد الدنيوية الزائلة؛ وأما التقليد فهو دليل القصور العقلي، وتعطيل موهبة الفكر والرأي الحر؛ وأما اتهامه بالجنون فيناقضه أنهم كانوا يعلمون بداهة كمال عقله ورجاحة رأيه؛ وأما التربص به إلى حين ففي غير صالحهم؛ لأنه إن ظهرت الدلالة على نبوته بالمعجزة وجب عليهم قبول قوله في الحال، وإن لم يأت بمعجزة فلا يقبل قوله. ولما تهاوت حججهم، وأصروا على كفرهم، أمر الله نوحا بالدعاء عليهم والانتقام ممن لم يطعه، ولم يسمع رسالته، وأرسل له رسولا يوحي إليه بصناعة السفينة، فإذا تم صنعها فليأخذ من كل الأصناف زوجين: ذكرا وأنثى، حفاظا على أصول المخلوقات. ثم أمره الله أولا بأن يحمد الله هو ومن معه على النجاة وتخليصه من القوم الظالمين ومما أحاط بهم من الغرق، والحمد لله: كلمة كل شاكر لله. وثانيا بأن ينزله مع المؤمنين إنزالا مباركا أو موضعا طيبا مباركا، يهيئ الله به خير الدارين. وهذا تعليم من الله لعباده إذا ركبوا وإذا نزلوا: أن يقولوا هذا: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً.﴾. وكذلك إذا دخلوا بيوتهم وسلّموا على أهليهم، أو على الملائكة إذا لم يوجد الأهل. والخلاصة وعبرة القصة: أن في أمر نوح والسفينة وإهلاك الكافرين لدلالات على كمال قدرة الله تعالى، وأنه ينصر أنبياءه، ويهلك أعداءهم، وأنه تعالى يختبر الأمم بإرسال الرسل إليهم ليظهر المطيع والعاصي.

стр. 5303

القصة الثانية-قصة هود ﵇ ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤١)﴾ الإعراب: ﴿ما هذا إِلاّ بَشَرٌ﴾ ﴿ما﴾: خبرية. ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ ﴿أَنَّكُمْ﴾: إما بدل من الأولى، والتقدير: أيعدكم أن إخراجكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما، وإما تأكيد للأولى، وإما في موضع رفع بالظرف، وهو ﴿إِذا﴾ على قول الأخفش، وعامل ﴿إِذا﴾ مقدر، تقديره: أيعدكم وقت موتكم وكنتم ترابا إخراجكم، فيكون الظرف وما رفع به خبر (أن). و ﴿مُخْرَجُونَ﴾: خبر أنكم الأولى. ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ اسم لبعد، وهو فعل ماض، فكان مبنيا، وفاعله مقدر، تقديره: هيهات إخراجكم، هيهات إخراجكم. ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ أي عن قليل، وما: زائدة، وعن: تتعلق بفعل مقدر يفسره قوله: ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾.

стр. 5304

البلاغة: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ بينهما طباق. ﴿فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً﴾ تشبيه بليغ، أي كالغثاء في سرعة زواله، حذف منه وجه الشبه وأداة التشبيه. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا، وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ، وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أسلوب إطناب للذم وبيان أنواع القبائح. ﴿تَتَّقُونَ﴾، ﴿تَشْرَبُونَ﴾، ﴿لَخاسِرُونَ﴾، ﴿مُخْرَجُونَ﴾، ﴿تُوعَدُونَ﴾ سجع لطيف. المفردات اللغوية: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ ﴿قَرْناً﴾: قوما أو أمة أو جماعة مجتمعة في زمان واحد، سموا بذلك لتقدمهم على من بعدهم تقدم القرن على الحيوان. والمراد بهم قوم هود، لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف ٦٩/ ٧]. ﴿فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ هو هود ﵇، وإنما جعل القرن موضع الإرسال ليدل على أنه لم يأتهم من مكان غير مكانهم، وإنما أوحي إليه وهو بين أظهرهم. ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ أي بأن اعبدوا الله، أو قلنا لهم على لسان الرسول: اعبدوا الله. ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ عقابه فتؤمنوا. ﴿وَقالَ الْمَلَأُ﴾ أشراف القوم ورؤساؤهم. ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾ بالمصير إليها، أو لقاء ما فيها من الثواب والعقاب. ﴿وَأَتْرَفْناهُمْ﴾ نعمناهم، أي وسّعنا عليهم وجعلناهم في ترف ونعيم. ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بكثرة الأموال والأولاد. ﴿ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ في الصفة والحال. ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ تقرير للمماثلة. ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ﴾ فيما يأمركم، أي والله لئن أطعتم، فيه قسم وشرط، وجواب أولهما، وهو مغن عن جواب الثاني هو: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً﴾ أي إذا أطعتموه ﴿لَخاسِرُونَ﴾ مغبونون في آرائكم، حيث أذللتم أنفسكم لأمثالكم. ﴿وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً﴾ أي مجردة عن اللحوم والأعصاب. ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ من الأجداث أو من العدم تارة أخرى إلى الوجود، وأنكم هذه تأكيد الأولى لما طال الفصل. ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ اسم فعل ماض بمعنى مصدر أي بعد بعد التصديق أو الصحة. ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ من الإخراج من القبور والبعث والحساب، واللام زائدة للبيان. ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا﴾ أي ما الحياة إلا حياتنا الدنيا. ﴿وَنَحْيا﴾ بحياة آبائنا، يموت

стр. 5305

بعضنا ويولد بعض. ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بعد الموت. ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي ما الرسول. ﴿اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ فيما يدعيه من الرسالة. ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدقين بالبعث بعد الموت. ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عليهم وانتقم لي منهم. ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ بسبب تكذيبهم إياي. ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ أي بعد زمان قليل. ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾ ليصيرن. ﴿نادِمِينَ﴾ على كفرهم وتكذيبهم. ﴿الصَّيْحَةُ﴾: الصوت الشديد، وهي صيحة العذاب والهلاك، وهي صيحة جبريل، صاح عليهم صيحة هائلة تصدعت منها قلوبهم فماتوا. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالوجه الثابت الذي لا دافع له. ﴿غُثاءً﴾ شبههم في دمارهم بغثاء السيل، وهو ما يحمله من الورق والعيدان اليابسة، وأصل الغثاء: نبت يبس، أي صيرناهم مثله في اليبس. ﴿فَبُعْداً﴾ من الرحمة وهلاكا. ﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ المكذبين. المناسبة: هذه هي القصة الثانية في هذه السورة، وهي قصة هود ﵇، في قول ابن عباس ﵄ وأكثر المفسرين؛ لقوله تعالى في سورة الأعراف حكاية لقول هود: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء. وقال بعضهم: المراد بهم صالح وثمود؛ لأن قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة، والعقاب المذكور هنا هو الصيحة، فالقصة هي قصة صالح ﵇. التفسير والبيان: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ ... ﴿تَتَّقُونَ﴾ أي ثم أوجدنا من بعد قوم نوح الهلكى قوما آخرين، هم عاد قوم هود ﵇، فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم، وقيل: المراد ثمود، لقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾. فأرسل الله تعالى فيهم رسولا منهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكذبوه وخالفوه وأبوا اتباعه لكونه بشرا مثلهم، فقال لهم: أفلا تتقون وتخافون عقاب الله بعبادتكم غيره من وثن أو صنم، فإن العبادة لا تنبغي إلا له، ولا يستحقها غيره؟!

стр. 5306

﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ ... ﴿تَشْرَبُونَ﴾ أي قال أشراف قومه المتصفون بصفات ثلاث هي شر الصفات: أولها-الكفر بالخالق وجحود وحدانية. ثانيها-الكفر بيوم القيامة والتكذيب بالبعث والجزاء والحساب، والمعاد الجثماني. ثالثها-الانغماس في الحياة الدنيا التي أنعم الله بها عليهم، حتى بطروا وجحدوا النعمة، وقالوا: ما هود الذي يدعي أنه رسول إلا بشر عادي مثلكم في الصفات والحال، لا ميزة له عليكم، فهو يأكل من طعامكم، ويشرب من شرابكم الذي تشربون منه، فكيف يدعي الفضل عليكم، ويزعم الرسالة من الله إليكم؟ ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ، إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ أي وأقسموا لئن أظهرتم الطاعة لبشر مثلكم، واتبعتموه، إنكم حينئذ تخسرون عقولكم، وتغبنون في آرائكم، وتضيعون مجدكم بترككم آلهتكم واتباعكم إياه من غير فضيلة له عليكم. وبشرية الرسول هي الشبهة الأولى لإنكار هؤلاء القوم. ثم ذكروا شبهة ثانية وهي الطعن في صحة الحشر والنشر، والطعن في نبوته القائمة على إثبات ذلك، فقالوا: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ أي أيعدكم أنكم تخرجون وتبعثون من قبوركم أحياء بعد موتكم وصيرورتكم ترابا وعظاما بالية؟! ثم قرنوا بالإنكار استبعادهم الشديد وقوع ما يدعيه بقولهم: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ أي بعد بعد ما توعدون به أيها القوم من حدوث البعث الجثماني وعودة الحياة مرة أخرى، للحساب والجزاء. ثم أكدوا إنكار البعث بقولهم:

стр. 5307

﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا، نَمُوتُ وَنَحْيا، وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أي ما الحياة إلا واحدة وهي حياة الدنيا، فالبعض يموت، والبعض يحيا، وأنه لا إعادة ولا حشر ولا بعث. وبعد أن طعنوا في صحة الحشر، بنوا عليه الطعن في نبوة هود، فقالوا: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً، وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي ما هود الذي يدعي النبوة ويثبت البعث إلا مجرد رجل اختلق الكذب على الله، فيما جاءكم به من الرسالة والإنذار والإخبار بالمعاد، وما نحن له بمصدقين فيما يدّعي ويزعم. ولم يجب الله تعالى عما أوردوه من الشبهتين المتقدمتين، أما كون الرسول بشرا فهو أدعى وألزم للمؤانسة، وتيسر الأخذ عنه، ومناقشته، وتكوين القناعة من أمثالهم عقلا وفكرا ومحاكمة، فليست القضية مجرد إلزام بالقول. وأما استبعاد الحشر فلضعف عقولهم، وقصور ميزانهم؛ لأن العاقل يدرك أنه سبحانه لما كان قادرا على كل الممكنات، عالما بكل المعلومات، وجب أن يكون قادرا على الحشر والنشر، ولأن الإعادة أمر ضروري لإقامة صرح العدالة بين الناس، فلولا الإعادة لكان تسليط القوي على الضعيف في الدنيا ظلما، ولا رادع له، ولا عقاب عليه، وهو غير لائق بالحكيم، لذا قال تعالى: ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه ١٥/ ٢٠]. ولما يئس هود من إيمان قومه بقولهم: ﴿وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ فزع إلى ربه: ﴿قالَ: رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ أي رب انصرني على قومي نصرا مؤزرا بسبب تكذيبهم إياي في دعوتي لهم إلى الإيمان بك وتوحيدك وإثبات لقائك. فأجاب الله دعاءه:

стр. 5308

﴿قالَ: عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ أي قال تعالى مجيبا دعاءه: ليصيرن قومك بعد زمن قليل نادمين على ما فعلوا، وذلك حين ظهور علامات الهلاك لهم، فيحصل منهم الحسرة والندامة على ترك قبول دعوتك لهم إلى الإيمان بالله والتوحيد، وعلى مخالفتك وتكذيبك ومعاندتهم إياك. ثم كان الجزاء والعذاب، فقال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ، فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً﴾ أي أهلكوا وماتوا بصيحة جبريل الرهيبة بهم، وهي صوت شديد مرعب أدى إلى الصعقة والموت، فأصبحوا بسبب كفرهم وتكذيبهم رسولهم صرعى هلكى، كغثاء السيل: وهو الشيء الحقير التافه الذي لا ينتفع بشيء منه، قال ابن كثير: والظاهر أنه اجتمعت عليهم الصيحة، مع الريح الصرصر العاصفة القوية الباردة. ﴿فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي بعدا من الرحمة وهلاكا، وسحقا وتدميرا للقوم الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم وطغيانهم وعصيان رسولهم، كقوله تعالى: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ [الزخرف ٧٦/ ٤٣]. وفي هذا غاية المهانة والذلة لهم، وإظهار قدرة الله عليهم، وإنذار السامعين أمثالهم من تكذيب رسولهم بأن يصيبهم من العذاب مثل ما أصابهم. فقه الحياة أو الأحكام: العبرة واضحة من هذه القصة، فهي إنذار مخالفي الرسول ﷺ ، وبيان عاقبة الكافرين الظالمين الذين ينكرون وحدانية الله، ولا يصدقون بيوم القيامة، ويعاندون رسول الله ﷺ . وواضح من الآيات أن هودا ﵇ أمر قومه بعبادة الله وحده لا شريك له؛ إذ لا يستحق العبادة سواه، وحذرهم من الكفر، وخوفهم من عقاب الله وعذابه.

стр. 5309

أما القوم فكانوا أغبياء إذ صدقوا رؤساءهم وزعماءهم الذين كفروا بربهم وكذبوا بالبعث ولقاء الله، وانغمسوا في نعم الحياة المادية التي أنعم الله بها عليهم، وصدوهم عن الإيمان، معتمدين على شبهتين: الأولى-بشرية الرسل وعدم تميزهم عن سائر البشر بميزة تقتضي اتباعهم. الثانية-إنكار البعث والحشر والنشر والحساب والجزاء. ورتبوا على ذلك إنكار نبوة هود ﵇، وبالغوا في إنكار البعث، وأعلنوا كبقية الماديين الملحدين أن الحياة في الدنيا هي الحياة الوحيدة، أو لا حياة إلا هذه الحياة، وأن البشر سلسلة يموت بعضهم، ويحيا بعضهم، وأن رسولهم هود رجل مفتر كذاب فيما يدعيه من الرسالة وما يزعمه من البعث والجزاء. وكانت النتيجة الحتمية المطابقة للعدل هي هلاك القوم وتدميرهم بصيحة جبريل ﵇ مع الريح الصرصر العاتية، صاح بهم جبريل صيحة واحدة مع الريح التي أهلكهم الله تعالى بها، فماتوا عن آخرهم، وجعلوا هلكى هامدين كغثاء السيل: وهو ما يحمله من بالي الشجر من الأعشاب والقصب مما يبس وتفتّت، فبعدا أي هلاكا لهم، وبعدا لهم عن رحمة الله، بظلمهم وكفرهم وعنادهم وطغيانهم. القصة الثالثة-قصص صالح ولوط وشعيب وغيرهم ﵈ ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾

стр. 5310

الإعراب: ﴿وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ لم يقل: تستأخر، مثل: تسبق، وإنما ذكر الضمير بعد تأنيثه رعاية للمعنى. ﴿تَتْرا﴾ في موضع نصب على الحال من (الرسل) أي أرسلنا رسلنا متواترين. و ﴿تَتْرا﴾ أصلها وترى من المواترة، فأبدل من الواو تاء، كتراث وتهمة وتخمة، ويقرأ بتنوين وغير تنوين، فمن قرأ بالتنوين جعل ألفها للإلحاق بجعفر، وألف الإلحاق قليلة في المصادر، فجعلها بعضهم بدلا عن التنوين. ومن لم ينون، جعل ألفها للتأنيث كالدّعوى والعدوى، وهو ممنوع من الصرف للتأنيث ولزومه. المفردات اللغوية: ﴿قُرُوناً﴾ قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم. ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها﴾ بأن تموت قبله. ﴿وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عنه. ﴿تَتْرا﴾ متواترين، واحدا بعد واحد، من الوتر وهو الفرد، والألف للتأنيث؛ لأن الرسل جماعة، أي جعلناهم متتابعين، بين كل اثنين زمان طويل. ﴿أَرْسَلْنا﴾ ﴿رَسُولُها﴾ هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ﴾ [المائدة ٣٢/ ٥] وقوله: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ [الأعراف ١٠١/ ٧] فمرة يضيف الرسل إليه تعالى، ومرة إلى أممهم؛ لأن الإضافة تكون بالملابسة، والرسول ملابس المرسل، والمرسل إليهم جميعا، وأضاف الرسول عند الإرسال إلى المرسل في قوله: ﴿أَرْسَلْنا﴾ وعند المجيء إلى المرسل إليهم في قوله: ﴿رَسُولُها﴾ لأن الإرسال الذي هو مبدأ الأمر منه تعالى، والمجيء الذي هو منتهاه إلى القوم. ﴿فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ في الإهلاك. ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ﴾ لم يبق منهم إلا حكايات يسمر بها، أي جعلناهم أخبارا يسمر بها ويتعجب منها. والأحاديث: اسم جمع للحديث في رأي الزمخشري، أو جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به تلهيا وتعجبا، كالأضحوكة والألعوبة والأعجوبة، وهو المراد هنا. والجمهور على أن الأحاديث في غير هذا الموضع جمع حديث، ومنه أحاديث رسول الله ﷺ ، وقد جمعت العرب ألفاظا على أفاعيل كأباطيل وأقاطيع. المناسبة: هذه هي القصة الثالثة في هذه السورة، وهي مجموع قصص ذات هدف واحد، والله تعالى يقص القصص في القرآن تارة مفصلة، كالقصتين السابقتين،

стр. 5311

وأخرى مجملة كما هنا، والمراد بهذه القصص قصة لوط وصالح وشعيب وأيوب ويوسف ﵈. التفسير والبيان: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ﴾ أي ثم أوجدنا من بعد هلاك قوم عاد أمما وخلائق وأقواما آخرين، كقوم صالح ولوط وشعيب وأيوب ويوسف وغيرهم ﵈، ليقوموا مقام من تقدمهم في عمارة الدنيا. ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها، وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي ما تتقدم أمة مهلكة من تلك الأمم وقتها المقدّر لهلاكها أبدا، أو المؤقت لعذابها إن لم يؤمنوا، ولا يتأخرون عنه. والمعنى أن وقت الهلاك محدد لا يتقدم ولا يتأخر، فلا تتعجلوا العذاب، فكل شيء عنده تعالى بمقدار، وهذا مرتبط بأجل الإنسان، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل ٦١/ ١٦]. ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا﴾ أي ثم بعثنا رسلا آخرين في كل أمة، يتبع بعضهم بعضا، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ، وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ، فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل ٣٦/ ١٦]. ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ أي كلما جاء الرسول أمة بتكليفهم بالشرائع والأحكام كذبه جمهورهم وأكثرهم، سالكين في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدم ذكره ممن أهلكه الله بالغرق والصيحة، كقوله تعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [يس ٣٠/ ٣٦]. ﴿فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي بالهلاك، والمعنى: أتبعنا بعضهم بالهلاك إثر

стр. 5312

بعض، حين كذبوا رسلهم، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء ١٧/ ١٧]. ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ﴾ أي وجعلناهم أخبارا وأحاديث للناس، جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به، يتحدثون بها تلهيا وتعجبا، كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ ١٩/ ٣٤]. ﴿فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي هلاكا وتدميرا وبعدا عن رحمة الله لقوم لا يصدقون به ولا برسوله. وهذا وارد على سبيل الدعاء، والذم، والتوبيخ، والوعيد الشديد لكل كافر. وهو دليل على أنهم كما أهلكوا عاجلا، فهلاكهم بالتعذيب آجلا على التأبيد مترقب. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات واضحة الدلالة على المقصود منها، وهي أن أجل الهلاك والعذاب محدد بميقات معين، لا يتقدم عنه ولا يتأخر. وأن رحمة الله وحكمته وعدله اقتضت إرسال الرسل في كل الأمم ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥/ ٤]. ولكن أكثر الناس وجمهورهم يكذبون الرسل ويخالفونهم فيما جاؤوا به، فتكون النتيجة إهلاك بعضهم إثر بعض، وجعلهم أحدوثة (وهي ما يتحدث به) يقص الناس أخبارهم في مجالس السمر، لأنها مدعاة للتعجب. ثم ختمت الآيات بالإنذار والوعيد الشديد بالهلاك والدمار لكل قوم لا يصدقون بوجود الله وتوحيده وإرسال رسله، فإن الكافرين كما أهلكوا في الدنيا، يكون هلاكهم بالتعذيب في الآخرة أمرا منتظرا مؤكدا حصوله.

стр. 5313

القصة الرابعة-قصة موسى وهارون ﵉ ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (٤٦) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)﴾ البلاغة: ﴿عالِينَ﴾، ﴿الْمُهْلَكِينَ﴾ سجع لطيف. المفردات اللغوية: ﴿بِآياتِنا﴾ بالآيات التسع كاليد والعصا، وهي المذكورة في سورة الأعراف ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ حجة بينة واضحة ملزمة للخصم، والمراد بالسلطان المبين: إما الآيات أنفسها، أي هي آيات وحجة بينة، وإما العصا لأنها كانت أمّ الآيات وأولاها، وقد تعلقت بها معجزات شتى من انقلابها حية، وتلقفها ما أفكته السحرة، وانفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر، بضربها بها، وكونها حارسا، وشمعة، وشجرة خضراء مثمرة، ودلوا، ورشاء، فجعلت كأنها ليست بعض الآيات، لخصائصها ومزاياها وفضلها، فلذلك عطف عليها، كقوله تعالى: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ [البقرة ٩٨/ ٢] عطفا على الملائكة، مع أنهما منهم. ومثل وغير: يوصف بهما الاثنان والجمع، والمذكر والمؤنث، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [النساء ١٤٠/ ٤] ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢/ ٦٥]. ويقال أيضا: هما مثلاه، وهم أمثاله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف ١٩٤/ ٧]. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الإيمان بالله وبالآيات، والمتابعة ﴿عالِينَ﴾ متكبرين قاهرين بني إسرائيل بالظلم ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ ١ مِثْلِنا﴾ ثنّى البشر؛ لأنه يطلق للواحد، كقوله تعالى:

стр. 5314

﴿بَشَراً سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧/ ١٩] كما يطلق للجمع، كقوله: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ [مريم ٢٦/ ١٩] ولم يثنّ المثل؛ لأنه في حكم المصدر، فيوصف به الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث. ﴿وَقَوْمُهُما﴾ يعني بني إسرائيل ﴿عابِدُونَ﴾ خادمون مطيعون، خاضعون منقادون ﴿مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ بالغرق في البحر الأحمر ﴿الْكِتابَ﴾ التوراة ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ لعل بني إسرائيل يهتدون إلى المعارف والأحكام. ولا يجوز عود الضمير إلى فرعون وقومه؛ لأن التوراة نزلت بعد إغراقهم. المناسبة: هذه هي القصة الرابعة في هذه السورة، ويلاحظ فيها وحدة الموضوع والهدف وشبهة إنكار النبوة، فموضوعها: وصف حال المتكبرين السادة الأشراف الملأ من قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وأيوب ويوسف، وفرعون وملئه، وتكذيبهم رسلهم الذين جاءوهم بالحق وبالبينات والمعجزات الواضحات الدالة على صدقهم. والهدف: هو العبرة والعظة حتى لا يستبد الكفار بآرائهم، ويمعنوا في العناد والكفر، فيستحقوا مثل عقاب من تقدمهم. وأما شبهة إنكار النبوة من المنكرين في هذه القصص فهي واحدة وهي وحدة البشرية أو قياس حال الأنبياء على أحوالهم، لما بينهم من المماثلة في الحقيقة، وهي شبهة زائفة باطلة؛ لأن النفوس البشرية، وإن اشتركت في أصل القوى والإدراك، فإنها متباينة فيهما، فالناس يتفاوتون في طاقات المواهب والأفكار والمدارك، وفي الاستعدادات الفطرية، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ [الكهف ١١٠/ ١٨]. التفسير والبيان: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ﴾ .. ﴿قَوْماً عالِينَ﴾ أي ثم أرسلنا بعد الرسل

стр. 5315

المتقدمين موسى وأخاه هارون إلى فرعون وأشراف قومه وأتباعهم من الأقباط بالآيات والحجج الدامغة والبراهين القاطعة، ولكن هؤلاء القوم استكبروا عن اتباعهما والانقياد لأمرهما؛ لكونهما بشرين، كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر، وكانوا قوما متكبرين، كما قال تعالى: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى، فَقُلْ: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى، وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات ١٧/ ٧٩ - ١٩] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٤/ ٢٨]. والآيات كما قال ابن عباس ﵄ هي الآيات التسع وهي العصا، واليد، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم، وانفلاق البحر، والسنون، ونقص الثمرات. ودلت الآية على أن النبوة كانت مشتركة بين موسى وهارون، وكذلك كانت المعجزات واحدة، فمعجزات موسى ﵇ هي معجزات هارون ﵇. وكانت صفة فرعون وقومه أمرين: أحدهما-الاستكبار والأنفة، والثاني- أنهم كانوا قوما عالين، أي رفيعي الحال في أمور الدنيا أو في الكثرة والقوة، أي على جانب من الحضارة والعلم، والعز والسلطان، بدليل الواقع التاريخي. وكانت شبهتهم هي قولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا، وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾؟ أي قال فرعون وملؤه (أشراف قومه): كيف ننقاد لأمر موسى وأخيه هارون، وقومهما بنو إسرائيل خدمنا وعبيدنا المنقادون لأوامرنا؟! أي أن الرسالة تتنافى مع البشرية، وأن قوم موسى وهارون أتباع أذلة لفرعون وقومه، وهكذا شأن الماديين لا يؤمنون بالقوى المعنوية، ويقيسون عزة النبوة وتبليغ الوحي عن الله على الرياسة أو الزعامة الدنيوية المعتمدة على الجاه والمال.

стр. 5316

وهذا المعنى ذاته شبيه بما قالته قريش: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١/ ٤٣]. ولم يتنبهوا إلى أن معيار الاصطفاء للنبوة أو الرسالة إنما هو السمو في الفضائل والصفات التي ينعم الله بها عليهم ويؤهلهم لتلقي الوحي وتبليغه إلى البشر. وكان مآل غطرسة فرعون وقومه أمرين: التكذيب بنبوة موسى، وإنزال التوراة على موسى، أما الأول فهو قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ أي كذب فرعون وقومه موسى وهارون، فأهلكهم الله بالغرق في يوم واحد أجمعين في بحر القلزم (البحر الأحمر) كما أهلك المستكبرين المتقدمين من الأمم بتكذيبهم رسلهم. وأما الثاني فهو قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي لقد أنزلنا على موسى التوراة المشتملة على الأحكام والأوامر والنواهي، بعد إغراق فرعون وقومه، رجاء أن يهتدي بها بنو إسرائيل إلى الحق، بامتثال ما فيها من المعارف والأحكام، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ، وَهُدىً وَرَحْمَةً، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص ٤٣/ ٢٨]. قال ابن كثير: وبعد أن أنزل الله التوراة، لم يهلك أمة بعامة، بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين (١). فقه الحياة أو الأحكام: في قصة موسى وهارون مع فرعون عبرة بالغة وعظة مؤثرة، فلقد بعث الله

стр. 5317

تعالى موسى وأخاه هارون إلى فرعون وقومه، مؤيدين بالمعجزات والأدلة الواضحة القاطعة الدالة على صدقهما، فدعواه وملأه إلى الإقرار بوجود الله وتوحيده، فاستكبروا وتعالوا عن اتباعهما والانقياد لدعوتهما، لكونهما بشرين. فكان حصاد التكذيب أمرين: إهلاك فرعون وقومه بالغرق في يوم واحد أجمعين في البحر الأحمر، وإنزال التوراة على موسى في الطور، فيها هدى ونور، وتشريع وأحكام، وخص موسى بالذكر هنا؛ لأن هارون كان خليفة في قومه، وإيتاء التوراة كان لكليهما، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ﴾ [الأنبياء ٤٨/ ٢١]. القصة الخامسة-قصة عيسى وأمه مريم ﵉ ﴿وَجَعَلْنَا اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾ البلاغة: ﴿مَعِينٍ﴾ مع فواصل الآيات السابقة، ﴿عالِينَ﴾، ﴿الْمُهْلَكِينَ﴾ سجع مستحسن. المفردات اللغوية: ﴿اِبْنَ مَرْيَمَ﴾ عيسى ﵇ ﴿آيَةً﴾ حجة وبرهانا على قدرة الله تعالى، ولم يقل: آيتين؛ لأن الآية فيهما واحدة، وهي ولادتها إياه من غير مسيس رجل ﴿وَآوَيْناهُما﴾ جعلنا مأواهما ومنزلهما ﴿إِلى رَبْوَةٍ﴾ هي المكان المرتفع من الأرض، وهو أرض بيت المقدس أو فلسطين أو الرملة، أو دمشق، فإن قراها على الرّبى ﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ أي ذات استقرار فيها، يستقر عليها ساكنوها؛ لأجل ما فيها من الثمار والزروع ﴿وَمَعِينٍ﴾ ماء جار ظاهر للناس.

стр. 5318

المناسبة: سبق إيراد قصة عيسى وأمه مفصلة في سورتي آل عمران ومريم، ووردت هنا بإيجاز يقتضيه المقام، وهو الاستدلال على عظيم قدرة الله تعالى على ما يشاء، فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى، وانتهى بذلك عصر المعجزات لانتهاء النبوة. التفسير والبيان: وجعلنا عيسى وأمه آية للناس دالة على قدرتنا؛ إذ خلقناه من غير أب. وقد جعلهما الله تعالى آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير رجل، لاشتراكهما في هذا الأمر العجيب الخارق للعادة. وهو دليل على القدرة الإلهية القادرة على كل شيء، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء ٩١/ ٢١]. وجعلنا مأواهما في مكان مرتفع من الأرض، صالح لاستقرار السكان، ذي ثمار وزروع وخصب، وماء جار ظاهر للعيون لا ينضب، وهو-كما قال قتادة- بيت المقدس، وهو الظاهر، وقيل: هو الرملة من فلسطين، كما روي عن أبي هريرة، وقال مقاتل والضحاك: هي غوطة دمشق؛ إذ هي ذات الثمار والمياه. قال ابن كثير: وأقرب الأقوال في ذلك: ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: المعين: الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله تعالى عنه: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم ٢٤/ ١٩] وكذا قال قتادة والضحاك: إلى ربوة ذات قرار ومعين: هو بيت المقدس، فهذا-والله أعلم-هو الأظهر؛ لأنه المذكور في الآية الأخرى، والقرآن يفسر بعضه بعضا، وهذا أولى ما يفسر به، ثم الأحاديث الصحيحة، ثم الآثار (١)

стр. 5319

فقه الحياة أو الأحكام: إن خلق عيسى ﵇ من غير أب هو معجزة، وآية دالة على عظمة القدرة الإلهية. وهو إعداد له ليكون نبيا، وقد ظهرت علائم نبوته بالنطق وهو في المهد طفل رضيع. ومقتضى الإعداد للنبوة أن يكفله الله ويحميه، وينعم عليه بالنعم التي تعينه على تحمل أعباء النبوة، ومن تلك النعم الوفيرة: الإيواء في مكان صحي، ومنزل مريح، محاط بالخيرات من كل جوانبه، يفيض بالثمار والزروع والمياه الغزيرة المتدفقة، لتوفير سبل الحياة الكريمة. وسبب الإيواء أن مريم أم عيسى فرت بابنها عيسى إلى الربوة، وبقيت بها اثنتي عشرة سنة. وقد ذهب بهما ابن عمها يوسف النجار، ثم رجعت إلى أهلها، بعد أن مات ملكهم. مبادئ التشريع في الحياة ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاِعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾

стр. 5320

الإعراب: ﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾: ﴿إِنَّ﴾ بالكسر على الابتداء والاستئناف. وتقرأ بالفتح على النصب أو الجر، فالنصب بتقدير حذف حرف الجر، أي وبأن هذه، أو بفعل مقدر تقديره: واعلموا أن هذه أمتكم. والجر: بالعطف على (ما) في قوله: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾. و ﴿أُمَّةً﴾: منصوب على الحال، أي هذه أمتكم مجتمعة، ويقرأ بالرفع: إما بدل من ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ التي هي خبر ﴿إِنَّ﴾، وإما خبر بعد خبر، وإما خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هي أمة واحدة. ﴿زُبُراً﴾ حال من فاعل ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾. ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما﴾ ﴿أَنَّما﴾: بمعنى الذي في موضع نصب؛ لأنها اسم (أن) وخبرها ﴿نُسارِعُ لَهُمْ﴾ به، فحذف (به) وهو حذف وقع في الصلة وفي الخبر. البلاغة: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ استعارة، شبه ما هم فيه من الجهالة والضلالة بالماء الذي يغمر الإنسان برمته. ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ﴾ استفهام إنكاري. ﴿نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ﴾ حذف (به) أي نسارع لهم به في الخيرات، وحذف لطول الكلام. ﴿فَاتَّقُونِ﴾ ﴿فَرِحُونَ﴾ ﴿حِينٍ﴾ ﴿بَنِينَ﴾ سجع مقبول لا تكلف فيه. المفردات اللغوية: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ نداء وخطاب لجميع الأنبياء، ولكن ليس دفعة واحدة؛ لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة، بل على معنى أن كلاّ منهم خوطب به في زمانه، فيشمل الخطاب عيسى ﵇، للتنبيه على أن تهيئة أسباب التنعم لم تكن له خاصة، وإنما إباحة الطيبات للأنبياء شرع قديم، وللاحتجاج على الرهبانية في رفض الطيبات. ﴿الطَّيِّباتِ﴾ ما يستطاب ويستلذ من المباحات في المآكل والفواكه. ﴿وَاعْمَلُوا صالِحاً﴾ من فرض ونفل. ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فأجازيكم عليه. ﴿وَإِنَّ هذِهِ﴾ ملة الإسلام. ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ ملتكم ودينكم وشريعتكم أيها المخاطبون، يجب ان تكونوا عليها. ﴿فَاتَّقُونِ﴾ فاحذرون. ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ أي الأتباع أي قطعوا ومزقوا. ﴿أَمْرَهُمْ﴾ دينهم. ﴿زُبُراً﴾ قطعا وأحزابا متخالفين، كاليهود والنصارى وغيرهم، جمع زبور. ﴿حِزْبٍ﴾ جماعة وأمة. ﴿بِما لَدَيْهِمْ﴾ عندهم من الدين. ﴿فَرِحُونَ﴾ مسرورون، معجبون، معتقدون أنهم

стр. 5321

على الحق. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ اترك كفار مكة، ودعهم. ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ في ضلالتهم وجهالتهم، شبهها بالماء الذي يغمر القامة؛ لأنهم مغمورون فيها. ﴿حَتّى حِينٍ﴾ إلى حين موتهم أو قتلهم. ﴿أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ أن ما نعطيهم ونجعله مددا لهم. ﴿مِنْ مالٍ وَبَنِينَ﴾ في الدنيا. ﴿نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ﴾ نعجل لهم به، وهو خبر أن، والراجع ضمير محذوف، والمعنى: أيحسبون أن الذي نمدهم به نسارع لهم به فيما فيه خيرهم وإكرامهم. ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أن ذلك استدراج لهم، وإنما هم كالبهائم، لا فطنة عندهم ولا شعور ليتأملوا، فيعلموا أن ذلك الإمداد استدراج، لا مسارعة في الخير. المناسبة: بعد بيان قصص بعض الأنبياء المتقدمين، أوصى الله تعالى بجملة من المبادئ في الحياة هي الأكل من الحلال، والعمل بصالح الأعمال، وإدراك أن الملة واحدة وأن الدين الحق واحد، ولكن الأمم فرقت دينها شيعا، وهم في حيرة وعمى يظنون أن إفاضة النعم عليهم، لرضا الله عليهم، ولكنها في الحقيقة استدراج، لا مسارعة في الخيرات. التفسير والبيان: ١ - ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ هذا أمر من الله تعالى عباده المرسلين ﵈ بالأكل من الحلال، والقيام بصالح الأعمال، شكرا للنعمة. وهذا دليل على أن الحلال عون على العمل الصالح وسابق عليه، ثم ذكر تعالى علة هذا الأمر، فقال: ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أي إني مطلع على جميع أعمالكم، لا يخفى علي شيء منها، وأنا مجازيكم عليها. ومن أمثلة الحلال أن عيسى ﵇ كان يأكل من غزل أمه، وأن داود ﵇ كان يأكل من كسب يده، كما ثبت في الصحيح، فيعمل الدروع المسردة (أي ذات الحلق من الحديد) بيده معجزة له وأمرا خارقا للعادة، وفي

стр. 5322

صحيح مسلم: «وما من نبي إلا رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم، وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة». أخرج مسلم وأحمد والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ، وَاعْمَلُوا صالِحاً، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة ١٧٢/ ٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذّي بالحرام، يمدّ يديه إلى السماء، يا ربّ، يا ربّ، فأنى يستجاب له». وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس ﵂ أنها بعثت إلى النبي ﷺ بقدح لبن حين فطره، وهو صائم، فرد إليها رسولها وقال: من أين لك هذا؟ فقالت: من شاة لي، ثم ردّه وقال: ومن أين هذه الشاة؟ فقالت: اشتريتها بمالي، فأخذه، فلما كان من الغد جاءته وقالت: يا رسول الله، لم رددته؟ فقال ﷺ : «أمرت الرّسل ألا يأكلوا إلا طيبا، ولا يعملوا إلا صالحا». ٢ - ﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ أي وإن دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد، وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وهذا يدل على أن الأديان متحدة في أصولها المتعلقة بتوحيد الله ومعرفته. أما اختلاف الفروع من شرائع وأحكام بحسب اختلاف الأزمان والأحوال، فلا بأس به ولا يسمى اختلافا في الدين. ومرجع أعمال الأنبياء جميعا إلى الله تعالى، فأنا ربكم المتفرد بالربوبية، فاحذروا عقابي، ولا تخالفوا أمري، أي والحال أني أنا ربكم.

стр. 5323

٣ - ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً، كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي إن أتباع الأنبياء فرقوا أمر دينهم وقطعوه ومزقوه، وجعلوه قطعا، وصاروا فرقا وأحزابا وجماعات، كل حزب يفرحون بما هم فيه من الضلال، ويعجبون بما هم عليه، معتقدين أنه الحق الصراح، ويحسبون أنهم مهتدون. وهذا ذم واضح للتفرق والتشتت، وتوبيخ ووعيد، لذا قال الله تعالى متهددا لهم ومتوعدا: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ أي دعهم واتركهم في جهالتهم وضلالهم إلى حين موتهم أو قتلهم ورؤيتهم مقدمات العذاب وبوادره، كما قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ، أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق ١٧/ ٨٦]، وقال سبحانه: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا، وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر ٣/ ١٥]. ٤ - ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد، لكرامتهم علينا، ومعزتهم عندنا؟ كلا، ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ ٣٥/ ٣٤]. لقد أخطئوا في ذلك، وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل ذلك استدراجا وإنظارا وإملاء لهم، لهذا قال تعالى: ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يحسون أنما نفعل ذلك بهم استدراجا وأخذا بأيديهم إلى العذاب إذا لم يتوبوا، كما قال تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ، إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التوبة ٥٥/ ٩]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران ١٧٨/ ٣]، وقال : ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وَأُمْلِي لَهُمْ، إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم ٤٤/ ٦٨ - ٤٥]. قال قتادة في قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ.﴾. الآية: مكر والله

стр. 5324

بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم، فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحبّ ومن لا يحبّ، ولا يعطي الدّين إلا من أحب، فمن أعطاه الله الدّين فقد أحبّه، والذي نفس محمد بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه، قالوا: وما بوائقه يا رسول الله؟ قال: غشمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالا من حرام، فينفق منه، فيبارك له فيه، ولا يتصدق به، فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث». فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إن الأنبياء كما يجب اتفاقهم على أكل الحلال والأعمال الصالحة، فكذلك هم متفقون على التوحيد، وعلى اتقاء معصية الله تعالى. والدين الذي لا خلاف فيه: معرفة ذات الله تعالى وصفاته، أي إثبات وجود الله وتوحيده، أما الاختلاف في الشرائع والأحكام العملية الفرعية، فلا يسمى اختلافا في الدين. ٢ - سوّى الله تعالى بين النبيين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال وتجنب الحرام، ثم شمل الكل في الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وإذا كان هذا مع الأنبياء، فما ظنّ كل الناس بأنفسهم؟!

стр. 5325

٣ - الطيبات هي الحلالات، وإن لأكل الحلال أثرا ملموسا في حياة الإنسان الدنيوية والأخروية، ففي الدنيا يبارك الله تعالى لمن أكل الحلال في جسده وصحته ورزقه وأولاده وأمواله. وفي الآخرة يمتعه الله بالجنان. أما آكل الحرام أو السحت فإنما يأكل ما يؤدي به إلى نار جهنم. ٤ - اتفقت الرسل جميعا على الدعوة لعبادة الله الواحد الأحد، وكان أصل الدين واحدا بالدعوة إلى التوحيد وفضائل الأعمال، وما نشاهد من اختلاف وخصام بين أتباع الأديان، فإنما هو من اختلاف الأمم والجماعات فيما بينهم بحسب أهوائهم وعقولهم، وهو خروج عن أصل وحدة الدين الحق. فمن تمسك بالحق المتمثل بالقرآن، ولم يصر على ما توارثه من عقائد محرفة ومشوهة، وسار على نهج خاتم النبيين ﷺ ، كان من الفائزين الناجين. ٥ - إن الافتراق المحذر منه في الآية إنما هو في أصول الدين وقواعده، لا في الفروع والجزئيات العملية، فذلك لا يوجب النار؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ [المائدة ٤٨/ ٥]، ويؤيد الآية حديث خرّجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة». ٦ - إن الكرامة والمكانة للعبد عند الله ليست بالمال والولد، ولكن بالتقوى والعمل الصالح. ٧ - لقد أخطأ أصحاب الأموال والثروات في الجاهلية وغيرها حينما ظنوا أن الإمداد بالمال والولد دليل على رضا الله تعالى، وإنما هو على العكس استدراج (أخذ قليلا قليلا) إلى مهاوي النار، أخرج أحمد والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد
следующие страницы →