على الحق. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ اترك كفار مكة، ودعهم. ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ في ضلالتهم وجهالتهم، شبهها بالماء الذي يغمر القامة؛ لأنهم مغمورون فيها. ﴿حَتّى حِينٍ﴾ إلى حين موتهم أو قتلهم. ﴿أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ أن ما نعطيهم ونجعله مددا لهم. ﴿مِنْ مالٍ وَبَنِينَ﴾ في الدنيا.
﴿نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ﴾ نعجل لهم به، وهو خبر أن، والراجع ضمير محذوف، والمعنى:
أيحسبون أن الذي نمدهم به نسارع لهم به فيما فيه خيرهم وإكرامهم. ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أن ذلك استدراج لهم، وإنما هم كالبهائم، لا فطنة عندهم ولا شعور ليتأملوا، فيعلموا أن ذلك الإمداد استدراج، لا مسارعة في الخير.
المناسبة:
بعد بيان قصص بعض الأنبياء المتقدمين، أوصى الله تعالى بجملة من المبادئ في الحياة هي الأكل من الحلال، والعمل بصالح الأعمال، وإدراك أن الملة واحدة وأن الدين الحق واحد، ولكن الأمم فرقت دينها شيعا، وهم في حيرة وعمى يظنون أن إفاضة النعم عليهم، لرضا الله عليهم، ولكنها في الحقيقة استدراج، لا مسارعة في الخيرات.
التفسير والبيان:
١ - ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ هذا أمر من الله تعالى عباده المرسلين ﵈ بالأكل من الحلال، والقيام بصالح الأعمال، شكرا للنعمة. وهذا دليل على أن الحلال عون على العمل الصالح وسابق عليه، ثم ذكر تعالى علة هذا الأمر، فقال: ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أي إني مطلع على جميع أعمالكم، لا يخفى علي شيء منها، وأنا مجازيكم عليها.
ومن أمثلة الحلال أن عيسى ﵇ كان يأكل من غزل أمه، وأن داود ﵇ كان يأكل من كسب يده، كما ثبت في الصحيح، فيعمل الدروع المسردة (أي ذات الحلق من الحديد) بيده معجزة له وأمرا خارقا للعادة،
وفي
стр. 5322
صحيح مسلم: «وما من نبي إلا رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال:
نعم، وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة».
أخرج مسلم وأحمد والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ، وَاعْمَلُوا صالِحاً، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة ١٧٢/ ٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذّي بالحرام، يمدّ يديه إلى السماء، يا ربّ، يا ربّ، فأنى يستجاب له».
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس ﵂ أنها بعثت إلى النبي ﷺ بقدح لبن حين فطره، وهو صائم، فرد إليها رسولها وقال: من أين لك هذا؟ فقالت: من شاة لي، ثم ردّه وقال: ومن أين هذه الشاة؟ فقالت: اشتريتها بمالي، فأخذه، فلما كان من الغد جاءته وقالت: يا رسول الله، لم رددته؟ فقال ﷺ : «أمرت الرّسل ألا يأكلوا إلا طيبا، ولا يعملوا إلا صالحا».
٢ - ﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ أي وإن دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد، وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وهذا يدل على أن الأديان متحدة في أصولها المتعلقة بتوحيد الله ومعرفته. أما اختلاف الفروع من شرائع وأحكام بحسب اختلاف الأزمان والأحوال، فلا بأس به ولا يسمى اختلافا في الدين.
ومرجع أعمال الأنبياء جميعا إلى الله تعالى، فأنا ربكم المتفرد بالربوبية، فاحذروا عقابي، ولا تخالفوا أمري، أي والحال أني أنا ربكم.
стр. 5323
٣ - ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً، كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي إن أتباع الأنبياء فرقوا أمر دينهم وقطعوه ومزقوه، وجعلوه قطعا، وصاروا فرقا وأحزابا وجماعات، كل حزب يفرحون بما هم فيه من الضلال، ويعجبون بما هم عليه، معتقدين أنه الحق الصراح، ويحسبون أنهم مهتدون.
وهذا ذم واضح للتفرق والتشتت، وتوبيخ ووعيد، لذا قال الله تعالى متهددا لهم ومتوعدا:
﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ أي دعهم واتركهم في جهالتهم وضلالهم إلى حين موتهم أو قتلهم ورؤيتهم مقدمات العذاب وبوادره، كما قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ، أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق ١٧/ ٨٦]، وقال سبحانه: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا، وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر ٣/ ١٥].
٤ - ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد، لكرامتهم علينا، ومعزتهم عندنا؟ كلا، ليس الأمر كما يزعمون في قولهم:
﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ ٣٥/ ٣٤].
لقد أخطئوا في ذلك، وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل ذلك استدراجا وإنظارا وإملاء لهم، لهذا قال تعالى: ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يحسون أنما نفعل ذلك بهم استدراجا وأخذا بأيديهم إلى العذاب إذا لم يتوبوا، كما قال تعالى:
﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ، إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التوبة ٥٥/ ٩]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران ١٧٨/ ٣]، وقال : ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وَأُمْلِي لَهُمْ، إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم ٤٤/ ٦٨ - ٤٥].
قال قتادة في قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ.﴾. الآية: مكر والله
стр. 5324
بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم، فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحبّ ومن لا يحبّ، ولا يعطي الدّين إلا من أحب، فمن أعطاه الله الدّين فقد أحبّه، والذي نفس محمد بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه، قالوا: وما بوائقه يا رسول الله؟ قال: غشمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالا من حرام، فينفق منه، فيبارك له فيه، ولا يتصدق به، فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إن الأنبياء كما يجب اتفاقهم على أكل الحلال والأعمال الصالحة، فكذلك هم متفقون على التوحيد، وعلى اتقاء معصية الله تعالى.
والدين الذي لا خلاف فيه: معرفة ذات الله تعالى وصفاته، أي إثبات وجود الله وتوحيده، أما الاختلاف في الشرائع والأحكام العملية الفرعية، فلا يسمى اختلافا في الدين.
٢ - سوّى الله تعالى بين النبيين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال وتجنب الحرام، ثم شمل الكل في الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وإذا كان هذا مع الأنبياء، فما ظنّ كل الناس بأنفسهم؟!
стр. 5325
٣ - الطيبات هي الحلالات، وإن لأكل الحلال أثرا ملموسا في حياة الإنسان الدنيوية والأخروية، ففي الدنيا يبارك الله تعالى لمن أكل الحلال في جسده وصحته ورزقه وأولاده وأمواله. وفي الآخرة يمتعه الله بالجنان. أما آكل الحرام أو السحت فإنما يأكل ما يؤدي به إلى نار جهنم.
٤ - اتفقت الرسل جميعا على الدعوة لعبادة الله الواحد الأحد، وكان أصل الدين واحدا بالدعوة إلى التوحيد وفضائل الأعمال، وما نشاهد من اختلاف وخصام بين أتباع الأديان، فإنما هو من اختلاف الأمم والجماعات فيما بينهم بحسب أهوائهم وعقولهم، وهو خروج عن أصل وحدة الدين الحق.
فمن تمسك بالحق المتمثل بالقرآن، ولم يصر على ما توارثه من عقائد محرفة ومشوهة، وسار على نهج خاتم النبيين ﷺ ، كان من الفائزين الناجين.
٥ - إن الافتراق المحذر منه في الآية إنما هو في أصول الدين وقواعده، لا في الفروع والجزئيات العملية، فذلك لا يوجب النار؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ [المائدة ٤٨/ ٥]، ويؤيد الآية
حديث خرّجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة».
٦ - إن الكرامة والمكانة للعبد عند الله ليست بالمال والولد، ولكن بالتقوى والعمل الصالح.
٧ - لقد أخطأ أصحاب الأموال والثروات في الجاهلية وغيرها حينما ظنوا أن الإمداد بالمال والولد دليل على رضا الله تعالى، وإنما هو على العكس استدراج (أخذ قليلا قليلا) إلى مهاوي النار،
أخرج أحمد والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد
стр. 5326
من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج».
لهذا شبّه الله تعالى حالهم حين ستر الجهل والحيرة عقولهم بحال من غمره الماء، فقال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ أي فذر هؤلاء الجاهلين يتيهون في جهالتهم، ولا يضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم، فلكل شيء وقت معلوم.
والخلاصة: أن هذا الإمداد للكفار ليس إلا استدراجا لهم إلى المعاصي، واستجرارا إلى زيادة الإثم، وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات إكراما لهم، وتعجيلا للثواب قبل وقته.
صفات المسارعين في الخيرات
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢)﴾
الإعراب:
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ.﴾. خبر ﴿إِنَّ﴾ في قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾، و ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ، و ﴿يُسارِعُونَ﴾: جملة فعلية: خبر المبتدأ، والمبتدأ وخبره: في موضع رفع؛ لأنه خبر ﴿إِنَّ﴾.
البلاغة:
﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ بينهما طباق.
стр. 5327
﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ استعارة، شبه الكتاب بمن له لسان ينطق، مبالغة في وصفه بإظهار البيان وإعلان الأحكام.
﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ جناس اشتقاق.
﴿مُشْفِقُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ ﴿سابِقُونَ﴾ سجع محكم.
المفردات اللغوية:
﴿خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ خوف من عقابه أو عذابه. ﴿مُشْفِقُونَ﴾ حذرون، والإشفاق: نهاية الخوف، وليس هذا هو المراد، وإنما المراد لازمه وأثره وهو دوام الطاعة.
﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ المنصوبة والمنزلة، أي الآيات الكونية في الأنفس والسموات والأرض، والآيات المنزلة وهي القرآن. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون. ﴿لا يُشْرِكُونَ﴾ شركا جليا ولا خفيا.
﴿يُؤْتُونَ﴾ يعطون. ﴿ما آتَوْا﴾ ما أعطوا من الصدقات والأعمال الصالحة. ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي خائفة ألا تقبل منهم. ﴿أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ أي بأنهم راجعون إلى الله؛ لأن مرجعهم إليه.
﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ يرغبون في الطاعات أشد الرغبة، فيبادرونها. ﴿وَهُمْ لَها سابِقُونَ﴾ فاعلون السبق لأجلها، أو سابقون الناس لأجلها. ﴿وُسْعَها﴾ ما يسع الإنسان فعله دون مشقة ولا حرج. ﴿كِتابٌ﴾ هو صحيفة الأعمال. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق لا يوجد فيه ما يخالف الواقع.
المناسبة:
بعد أن ذم الله تعالى الذين فرقوا دينهم بقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ﴾ أردف بعده صفات من يسارع حقيقة في الخيرات، وهي أربع صفات: خشية الله، والإيمان بآيات ربهم، ونفي الشريك لله تعالى، ويؤدون حقوق الله تعالى كالزكاة والكفارة، وحقوق الآدميين كالودائع والديون، وقلوبهم خائفة ألا يتقبّل ذلك منهم.
стр. 5328
التفسير والبيان:
هذه صفات المسارعين في الخيرات:
١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أي إن الذين هم من خوفهم من عذاب ربهم دائمون في طاعته، فالمراد من الإشفاق أثره وهو الدوام في الطاعة. أو أن المراد خائفون من الله، ويكون الجمع بين الخشية والإشفاق للتأكيد.
٢ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي والذين هم بآيات الله الكونية والقرآنية المنزلة يصدقون تصديقا تاما لا شك فيه. والآيات الكونية: هي آيات الله المخلوقة الدالة على وجوده بالنظر والفكر، كإبداع السموات والأرض وخلق النفس الإنسانية. والآيات المنزلة في القرآن، مثل الإخبار عن مريم:
﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم ١٢/ ٦٦]، أي أيقنت أن ما كان إنما هو عن قدر الله وقضائه، ومثل ما شرعه الله، فهو إن كان أمرا فهو مما يحبه ويرضاه، وإن كان نهيا فهو مما يكرهه ويأباه، وإن كان خيرا فهو حق.
٣ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ أي لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله، الأحد الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأنه لا نظير له ولا كفؤ له.
ويلاحظ أن الصفة الثانية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ هي الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله تعالى، وهو توحيد الربوبية، والصفة الثالثة هي توحيد الألوهية والعبادة ونفي الشرك الخفي، وهو أن يكون مخلصا في العبادة، بأن تكون لوجه الله تعالى وطلب رضوانه.
ولم يقتصر على الصفة الثانية؛ لأن كثيرا من المشركين يعترفون بتوحيد
стр. 5329
الربوبية، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [لقمان ٢٥/ ٣١]، ولا يعترفون بتوحيد الألوهية والعبادة، فعبدوا الأصنام والأوثان ومعبودات أخرى.
٤ - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ أي والذين يعطون العطاء، وهم وجلون خائفون ألا يتقبل منهم، لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط؛ روى الإمام أحمد والترمذي وابن أبي حاتم عن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله، ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله ؟ قال: «لا يا بنت أبي بكر، يا بنت الصدّيق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، وهو يخاف الله ».
وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ أي لأنهم أو من أجل أنهم.
والإيتاء لا يقتصر على العطاء المادي من زكاة أو صدقة، وإنما يشمل كل حق يلزم إيتاؤه، سواء كان ذلك من حقوق الله تعالى، كالزكاة والكفارة وغيرهما، أو من حقوق الآدميين، كالودائع والديون والعدل بين الناس؛ لأن من يؤدي الواجب من عبادة أو غيرها، وهو وجل من التقصير والإخلال بنقصان أو غيره، فإنه يكون مجتهدا في أن يوفّيها حقها في الأداء.
وترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن؛ لأن الصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغي، والصفة الثانية دلت على أصل الإيمان والتعمق فيه، والصفة الثالثة دلت على ترك الرياء في الطاعات، والصفة الرابعة دلت على الإتيان بالطاعات مع الخوف من التقصير، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين.
стр. 5330
﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ﴾ أي أولئك الذين يبادرون في الطاعات لئلا تفوتهم، ويتعجلون في الدنيا وجوه النفع والإكرام؛ كما قال تعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران ١٤٨/ ٣]، وقال: ﴿وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت ٢٧/ ٢٩]، وهم لأجل الطاعات سابقون الناس إلى الثواب، وينالون الثمرة في الدنيا قبل الآخرة، لا أولئك الكفار الذين أمددناهم بالمال والبنين، فظنوا خطأ أن ذلك إكرام لهم.
والخلاصة: أن السعادة ليست هي سعادة الدنيا، وإنما سعادة الآخرة بالعمل الطيب، وإيتاء الصدقات، مع الخوف والخشية.
وبعد بيان كيفية أعمال المؤمنين المخلصين، ذكر الله تعالى حكمين من أحكام أعمال العباد:
الأول- ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ أي إن منهاج شرعنا ألا نكلف نفسا إلا قدر طاقتها، وهذا إخبار عن عدله في شرعه، ورحمته بالعباد، وهو أيضا يريد به التحريض على ما وصف به الصالحين وتسهيله على النفوس.
والثاني- ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ أي ولدينا كتاب الأعمال أو صحائف الأعمال، وقيل: اللوح المحفوظ، يبين بدقة وصدق لا يخالف الواقع أعمال الناس في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ، إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية ٢٩/ ٤٥]، وقال سبحانه: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ [الكهف ٤٩/ ١٨]، فالأظهر أن المراد بالكتاب كتاب إحصاء الأعمال.
ثم بيّن الله تعالى فضله على عباده في الحساب بعد بيان يسر التكليف فقال:
﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي وهم لا يبخسون في الجزاء من الخير شيئا، بل يثابون على
стр. 5331
ما قدموا من الأعمال القليلة والكثيرة، ولا يزاد في عقابهم، فهم لا يظلمون بزيادة عقاب أو نقصان ثواب، بل يعفو الله عن كثير من السيئات.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - إن ميزان قبول الأعمال يعتمد على الصفات الأربع، وهي: الخوف من عذاب الله، والإيمان بآيات الله، وإخلاص العبادة لله ونفي الشرك الخفي، وأداء الواجبات مع الاجتهاد في إيفائها حقها.
٢ - نبهت الآيات على خاتمة الإنسان وهي الرجوع إلى لقاء الله تعالى، جاء في صحيح البخاري: «وإنما الأعمال بالخواتيم».
٣ - إن المؤمنين المتصفين بالصفات المتقدمة هم الذين يبادرون في الطاعات، كي ينالوا بذلك أعلى الدرجات والغرفات. وأما قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَها سابِقُونَ﴾ فقال القرطبي: أحسن ما قيل فيه: إنهم يسبقون إلى أوقاتها. ودل بهذا أن الصلاة في أول الوقت أفضل. وكل من تقدم في شيء فهو سابق إليه، وكل من تأخر عنه فقد سبقه وقته. فاللام في ﴿لَها﴾ على هذا القول بمعنى إلى، كما قال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ [الزلزلة ٥/ ٩٩]، أي أوحى إليها (١).
وقال الزمخشري والرازي: المعنى وهم من أجل الخيرات سابقون. وهذا ما جرينا عليه في التفسير. ويجوز أن يكون معنى ﴿وَهُمْ لَها﴾ بمعنى: أنت لها وهي لك.
٤ - إن الذي وصف الله به الصالحين غير خارج عن حد الوسع والطاقة.
وهذا ناسخ لجميع ما ورد في الشرع من تكليف لا يطاق. والآية تقرر مبدءا عاما في التكليف وهو التيسير ودفع الحرج، كما في آية البقرة: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ [٢٨٦].
стр. 5332
٥ - أظهر ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾: إنه أراد كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة. وأضافه إلى نفسه؛ لأن الملائكة كتبت فيه أعمال العباد بأمره، فهو ينطق بالحق.
وفي هذا تهديد وتأييس من الحيف والظلم.
٦ - إن الجزاء على الأعمال لا ظلم فيه بزيادة عقاب أو نقصان ثواب، فلا يظلم ربك أحدا من حقه، ولا يحطه عن درجته، بل إن فضل الله واسع، ورحمته وسعت كل شيء، فإنه يعفو ويصفح عن كثير من السيئات لعباده المؤمنين.
إنكار أعمال الكفار ومشركي قريش وأسبابها
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اِتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اِسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)﴾
стр. 5333
الإعراب:
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ و ﴿سامِراً﴾ منصوبان على الحال.
و ﴿بِهِ﴾ من صلة (سامر). وقال ﴿سامِراً﴾ بصيغة الإفراد بعد قوله ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ لأن ﴿سامِراً﴾ في معنى (سمّار) فهو اسم جمع، كالجامل والباقر: اسم لجماعة الجمال والبقر.
و ﴿تَهْجُرُونَ﴾ من هجر يهجر هجرا وهجرانا، والمراد: تهجرون آياتي وما يتلى عليكم من كتابي.
وقرئ بضم التاء ﴿تَهْجُرُونَ﴾: من (أهجر): إذا هذى، والهجر: الهذيان فيما لا خير فيه من الكلام.
﴿اِسْتَكانُوا﴾ أصله: استكونوا بوزن استفعلوا، من الكون، فنقلت فتحة الواو إلى الكاف، فتحركت في الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا.
البلاغة:
﴿أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ جناس اشتقاق.
﴿فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ استعارة تمثيلية، شبه إعراضهم عن الحق بالراجع القهقرى إلى الخلف.
المفردات اللغوية:
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي الكفار ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ في غفلة غامرة لها وجهالة ﴿مِنْ هذا﴾ من كتاب الحفظة، أو مما وصف به هؤلاء، أو من القرآن ﴿وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ﴾ أي أعمال خبيثة متجاوزة لما وصفوا به أو أدنى مما هم عليه من الشرك أو غير ذلك ﴿هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ معتادون فعلها، فيعذبون عليها.
﴿حَتّى﴾ ابتدائية يبتدأ بعدها الكلام، وهو الجملة الشرطية هنا ﴿مُتْرَفِيهِمْ﴾ متنعميهم وهم أغنياؤهم ورؤساؤهم ﴿بِالْعَذابِ﴾ يعني القتل يوم بدر، أو الجوع حين دعا عليهم الرسول ﷺ ،
فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» فقحطوا حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام المحترقة ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يصيحون ويضجون، وقد فاجؤوا الصراخ بالاستغاثة، وهو جواب الشرط.
﴿لا تُنْصَرُونَ﴾ لا تمنعون منا، أو لا يلحقكم نصر ومعونة من جهتنا ولا ينصركم أحد،
стр. 5334
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ تعليل للنهي، أي لا تجأروا فإنه لا ينفعكم ﴿آياتِي﴾ القرآن ﴿تَنْكِصُونَ﴾ ترجعون وراءكم، والمراد: تعرضون مدبرين عن سماع الآيات وتصديقها والعمل بها ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ عن الإيمان ﴿بِهِ﴾ أي بالتكذيب أو بالبيت الحرام بأنهم أهله وقوامه، وأنهم في أمن بخلاف سائر الناس في مواطنهم، والباء على هذا المعنى متعلقة بمستكبرين؛ لأنه بمعنى مكذبين ﴿سامِراً﴾ أي جماعة سمّارا، وهم الذين يتحدثون بالليل حول البيت، يسمرون بذكر القرآن والطعن فيه ﴿تَهْجُرُونَ﴾ إذا كان من الثلاثي (هجر) أي بفتح التاء: أي تتركون القرآن من الهجر وهو القطيعة، وإذا كان من الرباعي (أهجر) أي بضم التاء: أي تقولون غير الحق في النبي والقرآن، من الهجر: وهو الهذيان والفحش.
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ أي يتدبروا القرآن الدال على صدق النبي ﷺ ، ليعلموا أنه الحق من ربهم، بإعجاز لفظه ووضوح مدلوله ﴿أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ من الرسول والكتاب، أو من الأمن من عذاب الله، فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقومون كإسماعيل وأعقابه، فآمنوا به وكتبه ورسله وأطاعوه ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ بالأمانة والصدق، وحسن الخلق، وكمال العلم، مع عدم التعلم، إلى غير ذلك من صفات الأنبياء ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ دعواه.
﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي جنون، فلا يبالون بقوله، وكانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلا، وأتقنهم نظرا. والاستفهام للتقرير بالحق، من صدق النبي ﷺ ، ومجيء الرسل للأمم الماضية، ومعرفة رسولهم بالصدق والأمانة، وأن لا جنون به ﴿بَلْ﴾ للانتقال ﴿جاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي القرآن المشتمل على التوحيد وشرائع الإسلام. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ لأنه يخالف شهواتهم وأهواءهم، فلذلك أنكروه، وإنما قيد الحكم بالأكثر؛ لوجود أناس منهم تركوا الإيمان خشية توبيخ قومه، لا لكراهته للحق.
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ﴾ أي لو اتبع القرآن ما يستهوون، بأن كان في الواقع آلهة شتى، أو ما يهوونه من الشريك والولد لله ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ أي خرجت عن نظامها المشاهد ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ القرآن الذي فيه ذكرهم وشرفهم وفخرهم ووعظهم.
﴿خَرْجاً﴾ أجرا أو جعلا على أداء الرسالة ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي أجره وثوابه ورزقه خير وأبقى ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أفضل من أعطى وآجر.
﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ طريق قويم لا عوج فيه وهو دين الإسلام ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ بالبعث والثواب والعقاب ﴿عَنِ الصِّراطِ﴾ الطريق ﴿لَناكِبُونَ﴾ عادلون عن طريق الرشاد، فإن خوف الآخرة أقوى البواعث على طلب الحق وسلوك طريقه.
﴿ضُرٍّ﴾ جوع أصابهم بمكة سبع سنين ﴿لَلَجُّوا﴾ تمادوا ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ ضلالتهم
стр. 5335
﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون ﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ﴾ يعني القتل يوم بدر أو الجوع ﴿فَمَا اسْتَكانُوا﴾ تواضعوا وخضعوا وذلوا ﴿وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ لا يرغبون إلى الله بالدعاء، بل أقاموا على عتوهم واستكبارهم ﴿حَتّى﴾ ابتدائية ﴿ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ صاحب عذاب، هو يوم بدر بالقتل ﴿مُبْلِسُونَ﴾ متحيرون آيسون من كل خير.
سبب النزول:
نزول الآية (٦٧):
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ.﴾.: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانت قريش تسمر حول البيت، ولا تطوف به، ويفتخرون به، فأنزل الله:
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ﴾.
نزول الآية (٧٦):
﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ.﴾.:
أخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس قال: جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد، أنشدك بالله والرحم، قد أكلنا العلهز، يعني الوبر والدم، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ، فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾.
وأخرج البيهقي في الدلائل بلفظ أن ثمامة بن أثال الحنفي، لما أتي به للنبي ﷺ ، وهو أسير، خلّى سبيله، وأسلم، فلحق بمكة، ثم رجع، فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة، حتى أكلت قريش العلهز، فجاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ ، فقال: ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال: بلى، قال: فقد قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع، فنزلت.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أن الدين يسر لا عسر، فلا تكليف إلا بقدر الطاقة،
стр. 5336
أردف ذلك بالإنكار على الكفار والمشركين من قريش، ووصفهم بأنهم في غمرة من هذا الذي بيّن في القرآن، أو من وصف المشفقين، وأن لهم أعمالا أخرى أسوأ في الكفر والعصيان، كالشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بالنبي ﷺ ، وإيذاء المؤمنين.
وبعد أن بين أنه لا ينصر أولئك الكفار، أتبعه بعلة ذلك، وهي أنه متى تليت عليهم آيات القرآن، أتوا بأمور ثلاثة: هي النفور والإعراض عن تلك الآيات وعن تاليها، والاستكبار بالبيت العتيق أو الحرم قائلين: «لا يظهر علينا أحد؛ لأنا أهل الحرم» والسمر بذكر القرآن والطعن فيه.
ولما زيّف طريقة القوم، أتبعه ببيان صحة ما جاء به الرسول ﷺ ، فقال:
﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ولكن الكفار تنكبوا عن هذا الطريق وعدلوا عنه، وقد أنذرهم ربهم بإحلال العذاب عليهم بالقتل يوم بدر، والجوع وغير ذلك، فما خضعوا ولا انقادوا لربهم، وتمادوا في ضلالهم، وهم متحيرون.
التفسير والبيان:
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا﴾ أي بل قلوب الكفار والمشركين في غفلة وضلالة من هذا البيان الشافي في القرآن، ومن هدايته لأقوم الطرق، وإسعاده للناس في دنياهم وآخرتهم.
﴿وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ، هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ أي ولهم أعمال سيئة منكرة غير ذلك أي غير الغفلة والجهل وهو الشرك والطعن في القرآن وإيذاء النبي ﷺ والمؤمنين، هم لها عاملون قطعا في المستقبل. وإنما قال ذلك؛ لأن تلك الأعمال مثبتة في علم الله وفي اللوح المحفوظ ومكتوبة مسجلة عليهم سلفا، لإحاطة علم الله بها، وعلم الله لا يتغير.
стр. 5337
﴿حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ أي حتى إذا أوقعنا مترفيهم (وهم المتنعمون البطرون في الدنيا) في العذاب الشديد والبأس والنقمة بهم، صرخوا واستغاثوا، كما قال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ، وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً، إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً﴾ [المزمل ١١/ ٧٣ - ١٢] وقال سبحانه: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ، فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ [ص ٣/ ٣٨].
﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ، إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ أي لا فائدة ولا جدوى من الصراخ، فلا يدفع عنكم ما يراد إنزاله بكم، وقد لزم الأمر ووجب العذاب، ولن تجدوا ناصرا ينصركم، ويحول بينكم وبين العقاب الأليم.
وأسباب حجب نصر الله لهم وإيقاع هذا الجزاء ثلاثة هي:
١ - ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ، فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ أي إنه متى تليت عليكم آيات القرآن نفرتم منها وأعرضتم عن سماعها وعمن يتلوها، كما يذهب الناكص (الراجع) على عقبيه، بالرجوع إلى ورائه. والمراد: أنهم يعرضون عن الحق، فإذا دعوا أبوا، وإن طلبوا امتنعوا.
٢ - ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أي إنهم حال نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه يكونون مستكبرين استكبارا عليه (أي على الحق) واحتقارا له ولأهله.
وضمير ﴿بِهِ﴾ عائد إلى البيت العتيق أو الحرم، فإنهم كانوا يفتخرون به ويعتقدون أنهم أولياؤه، وليسوا به، أو أنه عائد إلى القرآن أو إلى محمد ﷺ ، فإنهم كانوا يصفون القرآن بأنه سحر أو شعر أو كهانة، ويقولون عن النبي ﷺ :
إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو كذاب أو مجنون، وكل ذلك باطل، فالقرآن حق، ومحمد نبي الحق، وليس الاستكبار من الحق.
٣ - ﴿سامِراً تَهْجُرُونَ﴾ أي سمّارا حول البيت، تتركون القرآن، أو تأتون
стр. 5338
بالهذيان، فتسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه. وعلى هذا تتعلق كلمة ﴿بِهِ﴾ ب: ﴿سامِراً﴾.
وبعد أن وصف حالهم، أبان أن إقدامهم على هذه الأمور، لا بد من أن يكون لأحد أسباب أربعة هي:
١ - ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ أي أفلا يتفهم المشركون هذا القرآن العظيم؟ مع أنهم خصوا به، وهو معروف لهم بيانا وفصاحة وبلاغة ومضمونا ساميا، ولم ينزل على رسول أكمل ولا أشرف منه، فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا نعمة الله عليهم بقبولها، والقيام بشكرها وتفهمها، والعمل بمقتضاها.
٢ - ﴿أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي أم اعتقدوا أن مجيء الرسل أمر على خلاف العادة، مع أنهم عرفوا بالتواتر أن الرسل تتالت على الأمم، مؤيدة بالمعجزات، أفلا يدعوهم ذلك إلى تصديق هذا الرسول؟ ٣ - ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ، فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي ربما لم يكونوا عارفين رسولهم بخصاله العالية قبل النبوة؟ مع أنهم عرفوا أنه الصادق الأمين، وأنه يفر من الكذب والأخلاق الذميمة، فكيف كذبوه بعد أن اتفقوا على تسميته بالأمين؟ لهذا قال جعفر بن أبي طالب ﵁ للنجاشي ملك الحبشة: أيها الملك، إن الله بعث فينا رسولا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته. وقال المغيرة بن شعبة لنائب كسرى حين بارزهم مثل ذلك. وكذلك قال أبو سفيان صخر بن حرب لملك الروم هرقل، حين سأله وأصحابه عن صفات النبي ﷺ ونسبه وصدقه وأمانته، وكانوا بعد كفارا لم يسلموا، فاعترفوا باتصافه بالصدق.
٤ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي بل إنهم يقولون عن الرسول: إن به جنونا لا يدري ما يقول، مع أنهم يعلمون أنه أرجح الناس عقلا ورأيا.
стр. 5339
ثم بيّن الله تعالى السبب الحقيقي في عدم إيمانهم فقال:
﴿بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ، وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ أي بل جاءهم الرسول الصادق الأمين بالحق الثابت الذي لا محيد عنه، وهو توحيد الله والتشريع المحقق للسعادة، لكن أكثرهم كارهون لهذا الحق، لتأصل الشرك في قلوبهم، وتمسكهم بتقليد الآباء والأجداد، وحفاظهم على المناصب ومراكز الزعامة والرياسة.
وإنما قال ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ لأن بعضا منهم تركوا الإيمان أنفة واستعلاء، وتخوفا من توبيخ القوم وتعييرهم، لا كراهة للحق، كما حكي عن أبي طالب.
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ والحق:
كل ما قابل الباطل، فهو الشيء الثابت والصواب والطريق المستقيم، فلو اتبع أهواء الناس لانقلب باطلا، ولذهب ما يقوم به العالم، وقيل الحق: الإسلام لو اتبع أهواءهم وانقلب شركا لجاء الله بالقيامة ولأهلك العالم، وعن قتادة: أن الحق هو الله ومعناه: ولو كان الله إلها يتبع أهواءهم ويأمر بالشرك والمعاصي، لما كان إلها، ولكان شيطانا.
والمعنى العام: أن الحق لا يتبع الهوى، بل الواجب على الإنسان ترك الهوى واتباع الحق، فإن اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم، فلو جاء القرآن مؤيدا الشرك بالله والوثنية، شارعا ما فيه الفوضى والانحراف كإباحة الظلم وترك العدل، وإقرار النهب والسلب والسرقة، وإباحة الزنى والقتل، وإهمال القيم الخلقية، لاختل نظام العالم ووقع التناقض، وتأخرت المدنية، وفسدت السموات والأرض ومن فيهن، لفساد أهوائهم واختلافها، ولو أبيح العدوان لافتقد الأمن، ولو أبيح الظلم لدمرت المدنية، ولو أبيح الزنى لاختلطت الأنساب وتهدمت الأسر، وهكذا.
ومن أفكارهم وأقوالهم ما حكاه القرآن: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ
стр. 5340
مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١/ ٤٣] ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾؟ [الزخرف ٤٣/ ٣٢] ﴿قُلْ: لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي، إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ﴾ [الإسراء ١٧/ ١٠٠] ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ، فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً﴾ [النساء ٤/ ٥٣].
وضمير ﴿وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ إشارة إلى من يعقل من ملائكة السموات وإنس الأرض وجنّها. وأما ما لا يعقل فهو تابع لما يعقل.
ثم شنع الله تعالى عليهم لإعراضهم عن معالم الحق والهدى والخير فقال:
﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ، فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي بل جئناهم بالقرآن الذي هو وعظهم أو فيه شرفهم وفخرهم وإعلاء سمعتهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤/ ٤٣] ولكنهم معرضون عن هذا الذكر الذي سطر لهم الخلود والمجد.
ثم أوضح إخلاص النبي ﷺ في دعوته، وأنه لا يطمع فيهم، حتى يكون ذلك سببا للنفرة فقال:
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً، فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ، وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أي أتسألهم أجرا على تبليغ الرسالة والدعوة إلى الهداية ورفع الشأن حتى لا يؤمنوا بك، ويملّوك ويبغضوك؟ والمراد أن هذه التهمة بعيدة عنه، وأنه ﷺ لا يطلب عوضا عن القيام بمهمته، فلا يجوز أن ينفروا عن قبول قوله. وإن ما عند الله من ثواب خير من ثواب الدنيا، والله أفضل من أعطى وآجر.
ونظير الآية كثير في القرآن مثل: ﴿قُلْ: ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ، إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ [سبأ ٤٧/ ٣٤] ﴿قُلْ: ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ، وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص ٨٦/ ٣٨] ﴿قُلْ: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً، إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ [الشورى ٢٣/ ٤٢].
стр. 5341
والخلاصة: أنهم غير معذورين في عدم الاستجابة لدعوة النبي ﷺ ، فقد أيده الله بدستور رفيع للحياة البشرية، وليس له مطمع مادي في ملك ولا مال ولا جاه.
ثم أبان الله تعالى صحة ما جاء به الرسول ﷺ فقال:
﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي وإنك يا محمد لتدعو الناس قاطبة ومنهم هؤلاء المشركون من قريش إلى الطريق المستقيم، والدين القيم الصحيح، وسبيل العزة والكرامة، والخير والسداد والوسط، وهو الإسلام العلاج الشافي لأدواء البشرية، وحل المشكلات الدينية والدنيوية، كما شهدت بذلك العقول السليمة، والدراسات الحيادية المجردة من أعداء الإسلام وعباقرة العلم والمعرفة.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ أي وإن المكذبين بالآخرة الذين لا يصدقون بالبعث بعد الموت لعادلون جائرون منحرفون عن هذا الطريق؛ لأن طريق الاستقامة واحدة، وما يخالفه فكثير.
﴿وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ، لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي إن هؤلاء الكفار لو أسبغنا عليهم واسع رحمتنا، وأزحنا عنهم الضر، وأفهمناهم القرآن، لما آمنوا به ولما انقادوا له، ولتمادوا في ضلالهم، ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم، وظلوا متحيرين مترددين، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال ٢٣/ ٨].
﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ، فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ، وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي ولقد ابتليناهم بالمصائب والشدائد، فما ردّهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة، بل استمروا على غيهم وضلالهم، وما خشعوا وما خضعوا لربّهم، وما دعوا ولا تذللوا، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا، وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام ٤٣/ ٦].
стр. 5342
ثم أخبر الله تعالى عن عاقبة أمرهم فقال:
﴿حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ، إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي حتى إذا جاءهم أمر الله، وجاءتهم الساعة بغتة، فنالهم من العذاب ما لم يكونوا يحتسبون، أيسوا من كل خير ومن كل راحة، وانقطعت آمالهم، وخاب رجاؤهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - إن للكفار أعمالا قبيحة جدا في ميزان شرع الله ودينه، أسوأها الشرك، وهم في غفلة وعماية عن القرآن وهديه، وهم عاملون تلك الأعمال لا محالة؛ لأنها مثبّتة في علم الله تعالى وفي حكم الله وفي اللوح المحفوظ، ولكن دون إجبار ولا إكراه، وإنما باختيار منهم.
٢ - يعتاد الكافر إذا أصابه العذاب والبلاء في الدنيا أن يجأر بالشكوى ويضج ويستغيث، ولكن إذا داهمه العذاب في الآخرة لم ينفعه التضرع والجزع، ولا يجد ناصرا ينصره من بأس الله تعالى.
ومثال ذلك أن مترفي مكة تعرضوا للقتل يوم بدر، وللجوع الشديد، حين
قال النبي ﷺ : «اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف» فابتلاهم الله بالقحط والجوع، حتى أكلوا العظام والميتة والكلاب والجيف، وهلكت الأموال والأولاد، كما تقدم بيانه.
٣ - كانت أسباب تعذيب الكفار والمشركين ثلاثة: هي النفور عن القرآن والإعراض عن سماعه، والاستكبار بهذا التباعد عن الحق والافتخار بالبيت الحرام وأنهم أولياؤه، فكانوا يقولون: نحن أهل حرم الله تعالى، وما هم كذلك، والسمر
стр. 5343
بذكر القرآن وبالطعن فيه. وضمير ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ كما قال الجمهور: هو عائد على الحرم أو المسجد أو البلد الذي هو مكة، وإن لم يذكر سابقا؛ لشهرته في الأمر.
٤ - روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إنما كره السّمر حين نزلت هذه الآية: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ، سامِراً تَهْجُرُونَ﴾ يعني أن الله تعالى ذم أقواما يسمرون في غير طاعة الله تعالى، إما في هذيان، وإما في إذاية.
وروى مسلم عن أبي برزة قال: «كان النبي ﷺ يؤخر العشاء إلى ثلث الليل، ويكره النوم قبلها، والحديث بعدها». أما كراهية النوم قبلها فلئلا يعرّضها للفوات عن كل وقتها أو أفضل وقتها، وهذا مذهب مالك والشافعي.
وأما كراهية الحديث بعدها، فلأن الصلاة قد كفرت خطاياه، فينام على سلامة، وقد ختم الكتّاب صحيفته بالعبادة، فإن سمر وتحدث، فيجعل خاتمتها اللغو والباطل، وليس هذا من فعل المؤمنين. وأيضا السمر في الحديث والسهر يفوت عليه غالبا قيام آخر الليل، وربما ينام عن صلاة الصبح.
روى أحمد حديثا: «لا سمر بعد الصلاة» أي العشاء الآخرة.
روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إياكم والسّمر بعد هدأة الرجل، فإن أحدكم لا يدري ما يبث الله تعالى من خلقه، أغلقوا الأبواب، وأوكوا السّقاء، وخمّروا الإناء، وأطفئوا المصابيح».
وهذه الكراهية إنما تختص بما لا يكون من قبيل القرب والأذكار وتعليم العلم، ومسامرة الأهل بالعلم وبتعليم المصالح وما شابه ذلك، فقد ورد عن النبي ﷺ وعن السلف ما يدل على جواز ذلك، بل على ندبه.
٥ - إن إقدام الكفار على الأمور الثلاثة المتقدمة لأسباب أربعة: هي عدم تدبرهم القرآن أي عدم تفهمهم له، واعتقادهم أن مجيء الرسل على خلاف العادة، وتجاهلهم وإنكارهم خصال الرسول ﷺ قبل النبوة، فإنهم عرفوه وعرفوا أنه من
стр. 5344
أهل الصدق والأمانة، فكان في اتباعه النجاة والخير لولا العنت، ووصفهم له بأنه مجنون للاحتجاج في ترك الإيمان به.
مع أنه ﵊ جاءهم بالحق، أي القرآن والتوحيد الحق والدّين الحق، وأكثرهم كارهون للحق حسدا وبغيا وتقليدا.
٦ - الحق فوق الأهواء والشهوات، ولو وافق الحق أهواء الكفار، لاختل نظام العالم؛ لأن شهوات الناس متخالفة متعارضة متضادة، لذا وجب اتباع سبيل الحق، والانقياد للحق، والتخلي عن الأهواء.
٧ - القرآن الكريم شرف وفخر ومجد وعز للعرب، ومع ذلك فهم معرضون عنه وعن تعاليمه، وتلك هي الحماقة بعينها، والمكابرة.
٨ - ليس للنبي ﷺ مطمع في أجر أو جعل على تبليغ ما جاء به قومه من الرسالة، بل هو أسمى من طلب ذلك، لأنه يطلب رضا الله وفضله، وما يؤتيه الله له من الأجر على الطاعة والدعاء إلى دين الله خير من عرض الدنيا، وقد عرضوا عليه فعلا أموالهم حتى يصبح أغناهم، فأبى ذلك أيما إباء ولم يجبهم إلى ذلك.
٩ - إن دعوة النبي ﷺ دعوة إلى الاستقامة، وإلى الدين القويم، والمنهج الأعدل والأفضل، لكن الذين لا يصدقون بالبعث لعادلون عن الحق، جائرون منحرفون، حتى يصيروا إلى النار.
١٠ - لو ردّ الله الكفار إلى الدنيا رحمة بهم، ولم يدخلهم النار وامتحنهم مرة أخرى، لتمادوا في طغيانهم، أي في معصيتهم، وظلوا يترددون في ضلالتهم.
ولو كشف الله ما بالكفار من ضرّ، أي من قحط وجوع، لتمادوا في ضلالتهم أيضا وتجاوزهم الحد، واستمروا يخبطون في طغيانهم.
стр. 5345
١١ - لقد مرّ الكفار في تجربة واضحة، فحينما جاءهم العذاب بالجوع والأمراض والحاجة، ما خضعوا لربهم وما خشعوا له، وما تضرعوا بالدعاء لله في الشدائد التي تصيبهم.
١٢ - إن عاقبة أمر الكفار واضحة، فهم إذا تعرضوا لعذاب الله الشديد في الآخرة، أيسوا من كل خير، وتحيروا لا يدرون ما يصنعون، كالآيس من الفرج ومن كل خير، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ، فَقالُوا: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا، وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ، وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. وَقالُوا: إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا، وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام ٢٧/ ٦ - ٢٩].
والخلاصة: يصرّ المشركون على إشراكهم بالرغم من الإنذارات المتكررة وتوافر الأدلة على عظمة الله وقدرته وتحذيره من بأسه الشديد.
نعم الله العظمى على عباده
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اِخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾
البلاغة:
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ امتنان، وأفرد السمع وجمع الأبصار تفننا.
﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ التنكير للتقليل، و ﴿ما﴾ لتأكيد القلة، والمعنى: شكرا قليلا، وهو كناية عن عدم الشكر.
стр. 5346
﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾؟ استفهام بقصد التوبيخ والإنكار.
﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ طباق.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْشَأَ﴾ خلق ﴿السَّمْعَ﴾ الأسماع ﴿الْأَفْئِدَةَ﴾ لتتفكروا فيها وتستدلوا بها، وتحققوا منافع أخرى دينية ودنيوية ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ تشكرونها شكرا قليلا؛ لأن الشكر الحقيقي استعمال الحواس فيما خلقت لأجله، والإذعان لمانحها من غير إشراك، و ﴿ما﴾ لتأكيد القلة ﴿ذَرَأَكُمْ﴾ خلقكم وبثكم ﴿تُحْشَرُونَ﴾ تبعثون وتجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم ﴿يُحْيِي﴾ ينفخ الروح ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ تعاقبهما بالسواد والبياض، والزيادة والنقصان، وذلك مختص بالله تعالى لا يقدر عليه غيره، كما يقال: يختلف إلى فلان، أي يتردد عليه، ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ صنعه تعالى بالنظر والتأمل أن كل شيء منا، وأن قدرتنا تعم كل الممكنات وأن البعث من جملتها، فتعتبروا. وقرئ بالياء (يعقلون) على أن الخطاب السابق لتغليب المؤمنين.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى إعراض المشركين عن تدبر القرآن وفهم أدلة وجود الله ووحدانيته وقدرته، أعقبه ببيان أوجه النعم العظمى على عباده، ليسترشدوا بها على وجود الله وقدرته. وتلك النعم هي الأسماع والأبصار والأفئدة وهي العقول والأفهام التي يذكرون بها الأشياء، ويعتبرون بما في الكون من الآيات الدالة على وحدانية الله، وأنه الفاعل المختار لما يشاء.
التفسير والبيان:
امتن الله تعالى على عباده بنعم عظيمة دالة على قدرته وحكمته وعلمه وهي أربعة:
١ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أي والله الذي خلق
стр. 5347
لكم الأسماع لسماع الأصوات، والأبصار لرؤية الأشياء، والعقول لفهم الأمور، وإدراك الحقائق المؤدية إلى تحقيق منافع الدنيا والآخرة. وخص هذه الثلاثة بالذكر؛ لأن الاستدلال على وجود الله وقدرته متوقف عليها.
﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ أي أن الشاكرين منهم قليل، فما أقل شكرهم لله على ما أنعم به عليهم، والمعنى أنهم لم يشكروا الله على نعمه العظيمة، كما يقال لجحود النعمة: ما أقل شكر فلان! وذلك كقوله تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣/ ١٢].
٢ - ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي والله الذي خلقكم وبثّكم بالتناسل في الأرض، لعمارتها وتحضرها، ووزعكم في أقطارها مع اختلاف الأجناس والألوان واللغات والصفات، ثم يوم القيامة تجمعون جميعا لميقات يوم معلوم، فلا يترك صغيرا ولا كبيرا إلا أعاده كما بدأه، وله الحكم وحده.
٣ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي وهو الذي وهبكم نعمة الحياة، لكن تلك النعمة غير خالدة، وإنما المقصود منها الانتقال إلى دار الثواب، وذلك بالإماتة بعد الإحياء، ثم بالإعادة أحياء مرة أخرى للجزاء.
٤ - ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي ولله وحده تسخير الليل والنهار، وجعل كل منهما يطلب الآخر، يتعاقبان، لا يفتران ولا يفترقان بنظام دقيق وزمان محدد؛ كما قال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ، وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس ٤٠/ ٣٦].
ثم حذر الله تعالى من ترك النظر في كل هذا فقال:
﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي أفلا تتفكرون في هذه الأشياء، أفلا تعقلون كنه قدرته وربوبيته ووحدانيته، وأ لا تدلكم عقولكم على العزيز العليم الذي قهر كل
стр. 5348
شيء، وخضع له كل شيء، لتعلموا أن الله حي موجود قادر؟! وفيه دلالة على الزجر والتهديد.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات تعريف عام بكثرة نعم الله على عباده، فهو الذي وهبهم مفاتيح العلم والمعرفة، وأمدهم بالحواس التي تمكنهم من الاستدلال بها على كمال قدرته، وهو الذي أنشأهم وبثهم وخلقهم في الأرض لمهمة سامية هي الإعمار والتنمية، ثم يجمعون يوم القيامة للجزاء العادل، وهو الذي منحهم حق الحياة التي يعقبها الموت، حتى لا يطغى الإنسان ويستبد، فالموت يكون نعمة وراحة كالحياة نفسها، وهو الذي أوجد بيئة الحياة السلمية بخلق الليل والنهار وجعلهما متعاقبين بنظام دقيق متلائم مع مرور الفصول الأربعة.
وشأن البصير العاقل أن يتعظ ويعتبر ويفهم ويفكر في بدائع الخلق، وعظم القدرة والربوبية والوحدانية، دون أن يكون له شريك من خلقه، وأنه قادر على البعث.
إنكار المشركين البعث وإثباته بالأدلة القاطعة
﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ فَأَنّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠)﴾
стр. 5349
الإعراب:
﴿قُلْ: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ..﴾. جوابه: قراءة من قرأ: سيقولون الله وأما قراءة ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ فليس بجواب قوله تعالى: ﴿قُلْ: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ.﴾. وإنما هو جوابه من جهة المعنى؛ لأن معنى قوله: ﴿مَنْ رَبُّ السَّماواتِ﴾: لمن السموات؟ فقيل في جوابه: ﴿لِلّهِ﴾.
ونظيره ما بعده وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ: مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فقال: لله، حملا على المعنى. وهذا كثير في كلام العرب.
البلاغة:
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي إن كنتم تعلمون ذلك فأخبروني عنه، حذف جواب الشرط لدلالة اللفظ عليه.
﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ استفهام بغرض الإنكار والتوبيخ.
﴿وَهُوَ يُجِيرُ، وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ طباق السلب.
المفردات اللغوية:
﴿بَلْ قالُوا﴾ أي كفار مكة ﴿الْأَوَّلُونَ﴾ آباؤهم ومن تبعهم ﴿قالُوا﴾ أي الأولون ﴿أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ استبعادا ولم يتأملوا أنهم كانوا قبل ذلك أيضا ترابا، فخلقوا ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم التي كتبوها، جمع أسطورة، كأحدوثة وأعجوبة ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خالقها ومالكها، أي إن كنتم من أهل العلم أو من العالمين بذلك. وهذا استهانة بهم، وتقرير لفرط جهالتهم، وإلزام بما لا يمكن إنكاره ممن له شيء من العلم.
﴿سَيَقُولُونَ: لِلّهِ﴾ أي أن العقل الصريح المجرد اضطرهم بأدنى نظر إلى الإقرار بأنه خالقها ﴿قُلْ﴾ بعد ما قالوه ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون، فتعلموا أن القادر على الخلق ابتداء قادر على الإحياء بعد الموت؟!
стр. 5350
﴿قُلْ: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ الكرسي، فإنها أعظم من ذلك ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ تحذرون عقابه، فلا تشركوا به بعض مخلوقاته، ولا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ملك كل شيء ﴿يُجِيرُ﴾ يغيث من يشاء ويحرسه ويمنعه من الغير ﴿وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ لا يغاث أحد ولا يمنع منه، ومعنى الجملتين: ﴿يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ يحمي ولا يحمى عليه، يقال: أجرت فلانا على فلان: أي أغثته ومنعته منه ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ جواب السؤال من جهة المعنى، وهو: من له ما ذكر؟ ﴿فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾ تخدعون، فتصرفون عن الرشد وطاعة الله وتوحيده، مع ظهور الأمر، وتظاهر الأدلة، أي كيف تخيل لكم أنه باطل؟! ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بالصدق ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في نفيه.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أدلة التوحيد في الكون والأنفس، أعقبها ببيان إنكار المشركين (عبدة الأوثان) البعث والحشر مع وضوح الأدلة، وتقليدهم الأول ين في الاستبعاد والتكذيب. ثم رد عليهم بأدلة ثلاثة تثبت البعث من غير شك.
التفسير والبيان:
بالرغم من زجر المشركين وتهديدهم في الآيات السابقة على تعطيل عقولهم التي ترشدهم إلى الإقرار بتوحيد الله وقدرته على البعث، فإنهم رددوا مقالة السابقين البدائيين وهي:
﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ﴾ أي مع كل ما سبق، فإن هؤلاء المشركين أنكروا البعث واستبعدوه، وأعادوا مقالة أسلافهم الذين كذبوا رسلهم، تقليدا أعمى لهم دون برهان، وهذا تعيير بقولهم. وتفصيل تلك المقالة من وجهين:
الأول:
﴿قالُوا: أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أي هل إذا متنا، وصرنا ترابا وعظاما بالية، نعود إلى البعث والحياة؟ فهم يستبعدون وقوع ذلك
стр. 5351
بعد البلى، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ: أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ، أَإِذا كُنّا عِظاماً نَخِرَةً، قالُوا: تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ، فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٠/ ٧٩ - ١٤] وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ، فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ، وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً، وَنَسِيَ خَلْقَهُ، قالَ: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ، وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٧٧/ ٣٦ - ٧٨].
والثاني:
﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ﴾ أي إن هذا الوعد بالبعث الذي يخبر به محمد ﷺ قد وعد به قديما الأنبياء السابقون، ثم لم يوجد ذلك مع طول العهد، وكأنهم لغباوتهم يظنون أن الإعادة تكون في دار الدنيا.
﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي ما هذا الوعد بالبعث إلا أكاذيب المتقدمين وأباطيلهم وترهاتهم، قد توارثناها دون وعي، ودون دليل مثبت لصحتها، كما يزعمون.
ثم رد الله تعالى عليهم لإثبات البعث ببراهين ثلاثة هي:
١ - ﴿قُلْ: لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي قل أيها النبي لمنكري الآخرة: من مالك الأرض الذي خلقها ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات وغير ذلك من المخلوقات إن كنتم من أهل العلم أو من العالمين بذلك؟ وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ استهانة بهم وتأكيد لجهلهم.
﴿سَيَقُولُونَ: لِلّهِ﴾ أي سيعترفون بما دل عليه العقل بداهة بأن ذلك كله لله وحده ملكا وخلقا وتدبيرا، فإذا كان ذلك:
﴿قُلْ: أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي قل لهم أفلا تتعظون وتتدبرون أن من خلق
стр. 5352
هذا ابتداء قادر على إعادته، وأنه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرازق لا لغيره؟! وقوله هذا معناه الترغيب في التدبر ليعلموا بطلان ما هم عليه.
وهذا البرهان القاطع يصلح للرد على منكري الإعادة وعلى عبدة الأوثان المشركين العابدين مع الله غيره، المعترفين له بالربوبية، ولكنهم أشركوا معه في الألوهية، فعبدوا غيره، مع اعترافهم أن معبوداتهم لا يخلقون شيئا ولا يملكون شيئا، وإنما اعتقدوا أنهم يقربونهم إلى الله زلفى: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر ٣/ ٣٩].
٢ - ﴿قُلْ: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي قل لهم أيضا: من خالق السموات وما فيها من الكواكب والملائكة، ومن خالق العرش العظيم الكبير الذي هو سقف المخلوقات، كما قال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة ٢٥٥/ ٢] وكما
جاء في الحديث الذي رواه أبو داود عن رسول الله ﷺ أنه قال: «شأن الله أعظم من ذلك، إن عرشه على سمواته هكذا» وأشار بيده مثل القبة،
وفي الحديث الآخر: «ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة».
فالعرش يجمع بين الصفتين: العظمة والكبر في الاتساع والعلو: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ والحسن والبهاء في الجمال، كما قال في آخر السورة: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ أي الحسن البهي.
﴿سَيَقُولُونَ: لِلّهِ﴾ أي إنهم سيعترفون فورا بأنه لله وحده، ولا جواب سواه.
﴿قُلْ: أَفَلا تَتَّقُونَ﴾؟ أي إذا كنتم تعترفون بذلك، أفلا تخافون عقاب الله وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراككم به؟!
стр. 5353
وكما أن العالمين السفلي والعلوي ملك لله تعالى، فله أيضا تدبير شؤونهما، كما قال:
٣ - ﴿قُلْ: مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي بيده الملك والتصريف والتدبير، كما قال: ﴿ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ [هود ٥٦/ ١١] أي متصرف فيها.
﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي وهو السيد الأعظم الذي يغيث من يشاء ويحمي من يشاء، ولا يغيث ولا يحمي أحد منه أحدا، فلا يمانع ولا يخالف، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، إن كنتم من أهل العلم بذلك.
﴿سَيَقُولُونَ: لِلّهِ﴾ أي سيعترفون أن المالك المدبر هو الله لا غيره، فلا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه. وقرئ الله في هذا وما قبله، ولا فرق في المعنى؛ لأن قولك: من ربه، ولمن هو؟ في معنى واحد.
﴿قُلْ: فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾؟ أي قل لهم مستغربا وموبخا: فأنى تخدعون عن توحيده وطاعته، والخادع: هو الشيطان والهوى، أو فكيف تتقبل عقولكم عبادتكم مع الله غيره، مع اعترافكم وعلمكم بذلك وتصريحكم بأنه الخالق المالك المدبر؟.
﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي بل جئناهم بالقول الحق، والدليل الصدق، والاعلام الثابت بأنه لا إله إلا الله، وأقمنا الأدلة الصحيحة القاطعة على ذلك، وإنهم مع ذلك لكاذبون في إنكار الحق، وفي عبادتهم مع الله غيره، ولا دليل لهم عليها، كما قال في آخر السورة: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ فهؤلاء المشركون لا يفعلون ذلك عن دليل، وإنما اتباعا لآبائهم وأسلافهم الحيارى الجهال.
стр. 5354
وفي هذا توعد وتهديد على ادعائهم أن لله ولدا وأن معه شريكا، فنسبة الولد إليه محال، والشرك باطل.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - ليس للمشركين ومنكري الآخرة دليل عقلي مقبول، وكل ما لديهم من بضاعة هو ترداد أقوال المتقدمين، وتقليد الآباء والأسلاف.
٢ - إنهم اعترفوا صراحة بأن الله تعالى هو مالك الأرض (العالم السفلي) ومالك السماء (العالم العلوي) ومدبر كل شيء، وبيده مقاليد كل شيء، وهو المتصرف في كل شيء، والقادر على كل شيء.
ومن كان هذا شأنه، ألا يكون هو المستحق وحده للعبادة، والقادر على الإحياء والبعث والإعادة؟! ويكون ما أتى به القرآن من الأدلة المثبتة للوحدانية والقدرة والبعث هو الحق الثابت الذي لا مرية ولا شك فيه، وهو القول الصدق، لا ما تقوله الكفار من إثبات الشريك، ونفي البعث.
٣ - دلت هذه الآيات على جواز جدال الكفار، وإقامة الحجة عليهم، ونبّهت على أن من ابتدأ بالخلق والاختراع، والإيجاد والإبداع هو المستحق للألوهية والعبادة.
٤ - إن تذييل الآيات بقوله تعالى: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾ يعد حملة شديدة على المشركين للإقلاع عما هم عليه من الشرك، فقوله تعالى: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ معناه
стр. 5355
الترغيب في التدبر، ليعلموا بطلان ما هم عليه، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ معناه الاستهانة بهم وتأكيد لفرط جهلهم، وقوله: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ معناه التنبيه على أن اتقاء عذاب الله لا يحصل إلا بترك عبادة الأوثان والاعتراف بجواز الإعادة، وقوله: ﴿فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾ إثبات تناقضهم، إذ كيف تتقبل عقولهم عبادة أحد مع الله، مع اعترافهم الصريح بأن الله هو المالك الخالق المدبر.
نفي الولد والشريك لله تعالى
﴿مَا اِتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾
الإعراب:
﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ بالجر بدل من ﴿اللهُ﴾ في قوله تعالى: ﴿سُبْحانَ اللهِ..﴾.
ويقرأ بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو عالم الغيب والشهادة.
البلاغة:
﴿مِنْ وَلَدٍ﴾ ﴿مِنْ إِلهٍ﴾ ذكر حرف الجر الزائد تأكيد لنفي الولد والإله في الجملتين.
المفردات اللغوية:
﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ لتقدسه عن مماثلة أحد ﴿وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ﴾ يساهم أو يشاركه في الألوهية ﴿إِذاً لَذَهَبَ﴾ جواب شرط حذف لدلالة ما قبله عليه، أي لو كان معه آلهة، كما يقولون، لذهب كل واحد منهم بما خلقه، واستبدّ واستقل به، وامتاز ملكه عن ملك الآخرين، ووقع بينهم التحارب والتنازع، كما هو حال ملوك الدنيا، فدل الإجماع والاستقراء وبرهان العقل على إسناد جميع الممكنات إلى واحد واجب الوجود. ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ لغالب بعضهم
стр. 5356
بعضا، كفعل ملوك الدنيا ﴿سُبْحانَ اللهِ﴾ تنزيها له ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي يصفونه به من الولد والشريك لما سبق من دليل فساده.
﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي عالم بما غاب وبما شوهد، وهو دليل آخر على نفي الشريك؛ لإجماع العقلاء على أنه تعالى هو المتفرد بذلك ﴿فَتَعالى﴾ تعاظم ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ يشركونه معه.
المناسبة:
بعد إثبات البعث والجزاء بالأدلة القاطعة، والرد على منكري البعث وعبدة الأوثان أبان الله تعالى أن المشركين كاذبون مفترون في نسبة الولد لله، واتخاذ شريك له.
التفسير والبيان:
ينفي الله تعالى وينزه نفسه عن أمرين: هما اتخاذ الولد واتخاذ الشريك فقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ أي ما جعل لنفسه ولدا، كما يزعم بعض المشركين حين قالوا: الملائكة بنات الله.
﴿وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ﴾ أي وما وجد معه إله آخر يشاركه في الألوهية، لا قبل خلق العالم ولا بعد خلقه، كما يتصور الوثنيون باتخاذ الأصنام آلهة.
﴿إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ، وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي لو قدّر تعدد الآلهة، لانفرد كل منهم بما خلق، واستقل بما أوجد، وتميز ملك كل واحد منهم عن ملك الآخر؛ لأن استمرار الشركة مستحيل، ولكان همّ كل واحد منهم أن يغلب الآخر، ويطلب قهره والتسلط عليه، لتظهر قوة القوي على الضعيف، كما هو حال ملوك الدنيا، ولو حدث هذا التغالب والانقسام لاختل نظام الوجود، ولفسدت السموات والأرض ومن فيهن.
إلا أن المشاهد أن الوجود منتظم متسق، وفي غاية النظام والكمال وارتباط
стр. 5357
كل من العالم السفلي بالعالم العلوي دون تصادم ولا اضطراب، كما قال تعالى:
﴿ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ﴾ [الملك ٣/ ٦٧] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾. [آل عمران ١٩٠/ ٣].
ولما ثبت كون التعدد في الآلهة مستحيلا، وبطل قول الكفار في الأمرين معا، قال تعالى: ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي تنزه الله الحق الواحد الأحد عما يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك.
﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي أنه سبحانه هو المختص بعلم الغيب والشهادة، أي بعلم ما غاب عن إدراك الخلق من الأشياء، ويعلم ما يشاهدونه وما يرونه ويبصرونه، فهو يعلم الأمرين معا على حد سواء، وهذا دليل آخر على نفي الشريك؛ لأن غير الله وإن علم الشهادة أي الموجودات المرئيات أمامه، فلن يعلم معها الغيبيات غير المرئيات، وهذا دليل النقص، والله تعالى متصف بالكمال، فلا يكتمل النفع بعلم الشهادة وحدها، دون العلم بالغيب.
﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تقدس وتنزه عما يقول الجاحدون الظالمون الذين يشركون معه إلها آخر.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذا دليل عقلي لا يقبل الإنكار والطعن من أحد، فالله لم يتخذ ولدا كما زعم بعض الكفار، ولا كان معه إله فيما خلق، فلو كانت معه آلهة لانفرد كل إله بخلقه، كما هو مقتضى العادة، ولغالب بعضهم بعضا، وطلب القوي الضعيف كالعادة بين الملوك، وحينئذ لا يستحق الضعيف المغلوب الألوهية.
وهذا كما يدل على نفي الشريك يدل على نفي الولد أيضا؛ لأن الولد ينازع عادة الأب في الملك منازعة الشريك.
стр. 5358
فتنزه الله عن أوصاف المشركين من الولد والشريك، وتقدس عما يقوله هؤلاء الظالمون والجاحدون.
وقد ذكر علماء الكلام هذا الدليل وسموه دليل التمانع: وهو أنه لو فرض صانعان خالقان فصاعدا، فأراد واحد تحريك جسم، والآخر أراد سكونه، فإن لم يحصل مراد كل واحد منهما، كانا عاجزين، والإله الواجب الوجود لا يكون عاجزا، ويمتنع اجتماع مراديهما وتحقيق رغبتهما في آن واحد للتضاد، وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد، فيكون محالا.
فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان الغالب هو الواجب الوجود المستحق الألوهية، والآخر المغلوب يكون ممكنا؛ لأنه لا يليق بصفة الواجب الوجود أن يكون مقهورا.
إرشادات إلى النبي ﷺ
﴿قُلْ رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٩٤) وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾
الإعراب:
﴿قُلْ: رَبِّ﴾ أي يا ربّ، وهو اعتراض بين الشرط وجوابه بالنداء.
البلاغة:
﴿وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ﴾ تأكيد بإن واللام؛ لإنكار المخاطبين وقوع العذاب الأخروي والدنيوي.
стр. 5359
﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ طباق معنوي؛ لأن المعنى: ادفع بالحسنة السيئة.
المفردات اللغوية:
﴿رَبِّ إِمّا﴾ أدغمت فيه نون إن الشرطية في ما الزائدة، أي إذا كان لا بد من أن تريني؛ لأن ما والنون للتأكيد ﴿ما يُوعَدُونَ﴾ من العذاب في الدنيا والآخرة ﴿فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي معهم، فأهلك بهلاكهم؛ لأن شؤم الظلمة قد يحيق بما وراءهم، كقوله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥/ ٨]. وإن تكرار كلمة ﴿رَبِّ﴾ في بدء الجملتين لزيادة التضرع ﴿وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ﴾ أي بقدرتنا تعجيل العذاب، لكنا نؤخره؛ لأن بعضهم أو بعض ذرياتهم سيؤمنون، أو لأنا لا نعذبهم وأنت فيهم.
﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وهو الصفح والإحسان والإعراض عنهم ﴿السَّيِّئَةَ﴾ أذاهم إياك ﴿بِما يَصِفُونَ﴾ يصفونك به أو يقولون ويكذبون، فإنا سنجازيهم عليه ﴿أَعُوذُ﴾ أعتصم ﴿هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ نزغاتهم ووساوسهم بالشر ﴿أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ في أموري؛ لأنهم إنما يحضرون بسوء، أو يحومون حولي في بعض الأحوال.
المناسبة:
بعد أن ردّ الله تعالى على المشركين مزاعمهم من اتخاذ الولد والشريك وأبطل سوء اعتقادهم كإنكار البعث والجزاء، وجّه رسوله ﷺ إلى الدعاء والتضرع بالنجاة من عذابهم، ثم أرشده إلى مقابلة السيئة بالحسنة؛ لأن الإحسان يفيد أحيانا، ثم أمره أن يستعيذ من وساوس الشياطين في مختلف الأعمال.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى نبيه ببعض الأدعية عند حلول النقم، فيقول:
﴿قُلْ: رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ، رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي إن كان ولا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة، فلا
стр. 5360
تجعلني فيهم، ونجني منهم ولا تعذبني بعذابهم؛ لأن العذاب قد يصيب غير أهله، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥/ ٨]
روى الإمام أحمد والترمذي وصححه أن النبي ﷺ كان يقول: «وإذا أردت بقوم فتنة، فتوفني إليك غير مفتون».
وعن الحسن: أنه تعالى أخبر نبيه أن له في أمته نقمة، ولم يطلعه على وقتها، فأمره بهذا الدعاء.
والإرشاد إلى هذا الدعاء ليعظم أجره، وليكون دائما ذاكرا ربّه، ولتعليمنا ذلك.
﴿وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ﴾ أي لو شئنا لأريناك ما نوقعه بهم من النقم والبلاء والمحن، ولكنا نؤخره لوقت معلوم؛ لأن بعضهم أو بعض ذرياتهم سيؤمن.
ثم علمه أسلوب الدعوة حتى يتحقق لها النجاح فقال:
﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ، نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ أي قابل السيئة بالحسنة، وتحمل ما تتعرض له من أنواع أذى الكفار وتكذيبهم، وادفع بالخصلة التي هي أحسن، بالصفح والعفو، والصبر على الأذى، والكلام الجميل كالسلام، نحن على علم بحالهم وبما يصفوننا به من الشرك والتكذيب.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ، كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا، وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٤/ ٤١ - ٣٥] أي وما يلهم هذه الوصية أو هذه الخصلة إلا الذين صبروا على أذى الناس، فعاملوهم بالجميل في مقابلة القبيح، وما يلهمها إلا صاحب الحظ العظيم في الدنيا والآخرة. وقيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف، وقيل: محكمة؛ لأن المداراة مرغوب فيها، ما لم تتعارض مع الدين والمروءة.