← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

بالحرارة والبرودة، وتعاقبهما بنظام ثابت دقيق، إن في ذلك لدليلا على عظمته تعالى، وعظة لمن تأمل فيه من ذوي العقول، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ [آل عمران ١٩٠/ ٣]، و قال النبي ﷺ -فيما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: «قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسبّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلّب الليل والنهار». النوع الرابع-أنواع المخلوقات: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ.﴾. إلى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بعد أن استدل الله تعالى على وحدانيته وقدرته بعالم السماء والأرض وبالآثار العلوية، استدل بأحوال الحيوانات على اختلاف أشكالها وألوانها وحركاتها وسكناتها ومهماتها، فذكر أنه سبحانه خلق كل أنواع الحيوانات التي تدب على الأرض من ماء واحد هو جزء مادتها وأساس تكوينها، أو هو النطفة التي يحملها المني الحيواني الذي تلقح به بويضة الأنثى في منيها. وسبب تخصيص الماء بالذكر أنه أصل الخلقة الأول، ولأنه لا بقاء للحيوان بدونه، ولأن آثار التراب تمتزج فيه. وأنواع الحيوان كثيرة، فمنها من يمشي زحفا على بطنه بانقباض عضلات البطن وانبساطها كالحيات والأسماك وسائر الزواحف. وسمي زحفها مشيا إشارة إلى كمال القدرة وتحقيقها هدف المشاة وهو الانتقال والحركة للبحث عن الرزق وتحقيق الغايات. ومنها من يمشي على رجلين كالإنسان والطير. ومنها من يمشي على أربع كالأنعام وسائر وحوش البر. والله سبحانه يخلق بقدرته ما يشاء، وهذا تعبير إجمالي يدخل آلاف أنواع

стр. 5532

الحيوانات الأخرى من حشرات وغيرها مما يمشي على أكثر من أربع، وتختلف صوره وطبائعه وقواه. إن الله قادر على خلق كل شيء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ثم ختم الله تعالى إيراد أدلة التوحيد ببيان جامع شامل يجمع تلك الأدلة فقال: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ، وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي أنزل الله في هذا القرآن آيات مفصلات واضحات دالة على وجود الخالق المدبر للكون، ومرشدة إلى طريق الحق والسداد بما فيها من حكم وأحكام وأمثال بينة محكمة، وأنه تعالى يرشد إلى تفهمها وتعقلها أولي الألباب والبصائر والوعي والعقل، ويرشد من يشاء إلى الطريق القويم الذي لا عوج فيه. فقه الحياة أو الأحكام: هذه دلائل التوحيد وإثبات الذات الإلهية، الدالة دلالة حسية على أن لتلك المصنوعات المتغيرة صانعا قادرا على الكمال. وأول هذه الأدلة أن جميع المخلوقات تسبح الله، أي تنزهه عن جميع النقائص، وتصفه بصفات الجلال والكمال، والله عليم بتسبيحها وبدعائها وعبادتها، يعلم صلاة المصلي وتسبيح المسبّح، ولا يخفى عليه طاعتهم وتسبيحهم. والله تعالى مالك الملك في السموات والأرض، وهو الحاكم المدبر المتصرف بجميع المخلوقات، وإليه مصير الخلائق يوم القيامة. وكل مملوك عبد لله، وكل محاسب ضعيف ذليل أمام القاضي.

стр. 5533

وثاني الأدلة-إنزال المطر بكيفية عجيبة تبدأ بتصاعد أبخرة الماء وتحمل بقدرة الله إلى طبقات الجو العالية، وتتجمع حينئذ بها السحب والغيوم، وتقودها الرياح، وتلقحها وتؤثر فيها بالبرودة، ثم تتساقط الأمطار العذبة بعد أن كانت عند تبخرها من البحار مالحة، فتروي الأرض، وتحقق الخير، وتوفر الرزق، وتحيي جميع الكائنات الحية، فإن الرطوبة أهم عناصر الحياة، وهي الفارق المميز بين الشتاء والصيف. وثالث الأدلة-تقليب الليل والنهار بالزيادة والنقص، والحرارة والبرودة، والتعاقب المستمر، ولكل من الليل والنهار طبيعة تناسب الإنسان، فالليل للراحة والهدوء، والنهار للحركة والكسب. ورابع الأدلة-تنوع المخلوقات بأشكال شتى، وطبائع مختلفة، ومنافع متعددة، مع أن منشأها واحد وهو الماء، وتركيبها مختلف، ويخلق الله من الماء ما يشاء وما لا نعلم به إلى الآن، بالرغم من تعدد الاكتشافات العلمية؛ إذ أول ما خلق الله من العالم الماء، ثم خلق منه كل شيء، وقدرة الله فوق الحصر والعد، وأغرب من السمع والبصر. وما أجمل وأبدع ما ختمت به تلك الأدلة من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ..﴾. فهي تشمل كل الأدلة والعبر، ومنها بيان القرآن العظيم الذي اشتمل على أدلة الإيمان والاعتقاد، وأحكام العبادة والتشريع، وأصول الفضائل والآداب والأخلاق. والله يهدي بتلك الأدلة من يريد إلى طريق الحق والصواب، والسداد والاستقامة، دون انحراف أو اعوجاج، فماذا بعد بيان الحق إلا الضلال؟!

стр. 5534

البقاء على الضلال والنفاق بالرغم من البيان الشافي ﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ اِرْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٥٠)﴾ المفردات اللغوية: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي المنافقون. ﴿آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ صدقنا بتوحيد الله وبالرسول محمد. ﴿وَأَطَعْنا﴾ رضينا فيما حكما به. ﴿يَتَوَلّى﴾ يعرض ويمتنع عن قبول حكمه. ﴿وَما أُولئِكَ﴾ المعرضون. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الصادقي الإيمان التي توافق قلوبهم ألسنتهم. ﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أي ليحكم بينهم النبي ﷺ ، فإنه الحاكم الدنيوي ظاهرا، وذكر الله لتعظيمه والدلالة على أن حكمه في الحقيقة حكم الله. ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي فاجأ فريق بالإعراض عن المجيء إليك إذا كان الحق عليهم؛ لعلمهم بأنك لا تحكم لهم. ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ لهم الحكم لا عليهم ﴿إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ طائعين منقادين؛ لعلمهم بأنه يحكم لهم، وتقديم ﴿إِلَيْهِ﴾ للاختصاص. ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ كفر أو ميل إلى الظلم. ﴿اِرْتابُوا﴾ شكوا في نبوتك، فزالت ثقتهم بك. ﴿يَحِيفَ﴾ يجور ويظلم في الحكم. ﴿بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي لا، بل هم الذين يريدون ظلم الناس وإنكار حقوقهم بالإعراض عنك. سبب النزول: قال المفسرون: هذه الآيات نزلت في بشر المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في أرض، فجعل اليهودي يجرّه إلى رسول الله ﷺ ليحكم بينهما، وجعل المنافق يجرّه إلى كعب بن الأشرف، ويقول: إن محمدا يحيف علينا. وقد سبق بيان قصتهما في سورة النساء.

стр. 5535

وأخرج ابن أبي حاتم من مرسل الحسن البصري قال: كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة، فدعي إلى النبي ﷺ ، وهو محق، أذعن، وعلم أن النبي ﷺ سيقضي له بالحق، وإذا أراد أن يظلم، فدعي إلى النبي ﷺ أعرض، فقال: انطلق إلى فلان، فأنزل الله: ﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية. وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في بشر المنافق، دعاه يهودي في خصومة بينهما إلى رسول الله ﷺ ، ودعا هو اليهودي إلى كعب بن الأشرف، ثم تحاكما إلى رسول الله ﷺ ، فحكم لليهودي؛ لأنه صاحب الحق، فلم يرض المنافق بقضائه ﷺ . وقال: نتحاكم إلى عمر ﵁، فلما ذهبا إليه، قال له اليهودي: قضى لي النبي ﷺ ، فلم يرض بقضائه، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: بلى، فقال: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل ﵁ بيته، وخرج بسيفه، فضرب به عنق المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله ﷺ (١). المناسبة: بعد بيان أدلة التوحيد، ذمّ الله تعالى قوما وهم المنافقون اعترفوا بالدين بألسنتهم، ولكنهم لم يقبلوه بقلوبهم، فيقولون: ﴿آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ ثم يفعلون نقيض ذلك. التفسير والبيان: هذه صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، فقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ: آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا، ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾

стр. 5536

أي ويقول المنافقون أمام الناس: صدقنا بالله ربا وبمحمد ﷺ رسولا، وأطعنا الله فيما قضى، والرسول ﷺ فيما حكم به، ثم يعرض فريق منهم عن قبول حكمه، فيخالفون أقوالهم بأعمالهم، ويقولون ما لا يفعلون، ويرجعون بعدئذ إلى الباقين منهم، فيظهرون الرجوع عما أعلنوه، والحقيقة أن أولئك المنافقين ليسوا بالفعل من أهل الإيمان، وإنما مردوا على النفاق. وهذا دليل واضح على أن الإيمان لا يكون بالقول، إذ لو كان به، لما صح أن ينفي عنهم كونهم مؤمنين. ومن مظاهر نفاقهم وذبذبتهم: ﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي وإذا طلبوا إلى تحكيم كتاب الله واتباع هداه، وإلى الرسول ﷺ ليحكم بينهم في خصوماتهم، أعرضوا عن قبول حكم الله ورسوله ﷺ ، واستكبروا عن اتباع حكمه. وهذا ترك للرضا بحكم الرسول ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ، وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [النساء ٦٠/ ٤ - ٦١]. وفي الآية دلالة على أن حكم الرسول ﷺ هو حكم الله القائم على الحق والعدل. ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ أي إذا كان الحكم في صالحهم جاؤوا إليه سامعين مطيعين؛ لعلمهم بأنه لا يحكم إلا بالحق. وهذا دليل واضح على انتهازيتهم وإرادتهم النفع المعجل، فهم يعرضون عن حكم النبي ﷺ متى عرفوا الحق لغيرهم أو شكّوا، فأما إذا عرفوه لأنفسهم أسرعوا إلى قبول الحكم النبوي والرضا به.

стр. 5537

ثم حلّل القرآن الكريم نفسيتهم فقال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ (١) أي أن ترددهم وذبذبتهم بين قبول حكم النبي ﷺ تارة والإعراض عنه تارة أخرى لأحد الأسباب التالية: وهي إما أنهم مرضى القلوب بالكفر والنفاق، والمرض ملازم لهم، وإما أنهم شكوا في الدين وفي نبوته ﷺ ، وإما أنهم يخافون أن يجور الله تعالى ورسوله ﷺ عليهم في الحكم. وأيا كان هو السبب فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم وبصفاتهم. لذا قال تعالى: ﴿بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي بل هم الظالمون الفاجرون، يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم، لا أنهم يخافون أن يحيف الرسول ﷺ عليهم؛ لمعرفتهم بأمانته وعدله في حكمه وصونه عن الجور. فقه الحياة أو الأحكام: الإيمان بالمبدأ أو الاعتقاد لا يعرف إلا واجهة واحدة هي واجهة الصراحة في القول، والحزم والجزم بالعقيدة، ومطابقة القول العمل. أما أولئك المنافقون في صدر الإسلام وفي كل عصر الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، فهم كفرة جبناء يطعنون في الإسلام من الخلف، ويريدون في الواقع هدمه، والتنصل من أحكامه وقواعده. وهذه صورة مخزية لهم عرضها القرآن الكريم، تراهم إذا أحسوا بأن الحق في جانبهم قبلوا بحكم النبي ﷺ ؛ لأنه كما أثبت الواقع لا يحكم إلا بالحق. وإن عرفوا

стр. 5538

الحق مع غيرهم وأرادوا جحوده، طلبوا التحاكم إلى غير هذا النبي من أعدائه الذين يحكمون بأهوائهم. ففي قلوبهم مرض الكفر والنفاق، والشك والريب في نبوة النبي ﷺ وعدله، وهم في الواقع الظالمون، أي المعاندون الكافرون الذين يريدون جحود الحقوق؛ لإعراضهم عن حكم الله تعالى، وليس هناك أدنى جور في حكم الله والرسول. هذه عادة الذين يتاجرون بالإسلام وتملق أهله ما دامت لهم مصلحة، فإن زالت المصلحة أو تغيرت ابتعدوا عن الإسلام وركبه. وهذه الآية دليل على وجوب إجابة الداعي إلى الحاكم؛ لأن الله سبحانه ذمّ من دعي إلى رسوله ﷺ ليحكم بينه وبين خصمه بأقبح الذم، فقال: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. فواجب على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب، ما لم يعلم أن الحاكم فاسق، أو عداوة بينه وبين المدّعي أو المدّعى عليه. ومن المعلوم أن القضاء يكون للمسلمين في الحكم بين المعاهد والمسلم، ولا حق لأهل الذمة فيه. أما القضاء بين الذميين فذلك راجع إليهما، فإن تراضيا وجاءا قاضي الإسلام، فإن شاء حكم، وإن شاء أعرض. الطاعة والامتثال عند المؤمنين ﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾

стр. 5539

الإعراب: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ بكسر القاف على الأصل، وقرئ بسكونها على التخفيف، مثل كتف وكتف. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ ﴿طاعَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أمرنا طاعة، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي طاعة معروفة أمثل من غيرها. البلاغة: ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ استعارة، شبّه الأيمان المبالغ فيها والمؤكدة بمن يجهد نفسه في أمر شاقّ لا يستطيعه. ﴿عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ﴾ مشاكلة، أي عليه التبليغ، وعليكم إثم التكذيب. المفردات اللغوية: ﴿إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي دعوا إلى حكم الله تعالى والرسول ﷺ ﴿أَنْ يَقُولُوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ أي القول اللائق بهم أن يعلنوا الإطاعة بالإجابة ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ الناجون ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما يأمرانه، أو في الفرائض والسنن ﴿وَيَخْشَ اللهَ﴾ أي يخف الله على ما صدر عنه من الذنوب في الماضي. ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ بأن يطيعه فيما بقي من عمره ﴿الْفائِزُونَ﴾ بالنعيم المقيم في جنان الله. ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ قدر طاقتهم وأقصى غاية الأيمان ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾ بالجهاد أو الخروج عن ديارهم وأموالهم ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ جواب أقسموا، على الحكاية أي قائلين: لنخرجن ﴿قُلْ:﴾ ﴿لا تُقْسِمُوا﴾ على الكذب ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أي المطلوب منكم طاعة معروفة، لا اليمين والطاعة النفاقية المنكرة ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فلا يخفى عليه سرائركم ﴿قُلْ: أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أمر بتبليغ ما خاطبهم الله به، على الحكاية، مبالغة في تبكيتهم ﴿تَوَلَّوْا﴾ أى تتولوا وتعرضوا ﴿فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ﴾ أي على محمد ﷺ ما حمّل من مهمه التبليغ، وعليكم ما حملتم من الامتثال والطاعة ووزر التكذيب ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ﴾ في حكمه ﴿تَهْتَدُوا﴾ إلى الحق ﴿الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ التبليغ الموضح لما كلفتم به.

стр. 5540

المناسبة: جريا على عادة الله تعالى في إتباع ذكر المحق المبطل، والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره ما لا ينبغي، فبعد حكاية قول المنافقين وفعلهم وبقائهم على النفاق ونفي الإيمان الحق، ذكر الله تعالى ما هو شأن أهل الإيمان في الطاعة والامتثال، وصفات المؤمن الكامل وما يجب أن يسلكه المؤمنون. التفسير والبيان: هذه صفة المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله، الممتثلين لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، فقال تعالى: ﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا:﴾ ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي إن شأن المؤمنين الصادقي الإيمان وعادتهم أنهم إذا طلبهم أحد إلى حكم الله ورسوله في خصوماتهم أن يقولوا: سمعا وطاعة، لذا وصفهم تعالى بالفلاح، فأولئك هم الفائزون بنيل المطلوب، والسلامة من المرهوب، والنجاة من المخوف. والسمع والطاعة هو محور الميثاق الأول مع المسلمين الأوائل، ففي بيعة العقبة الأولى بايع رسول الله ﷺ اثني عشر رجلا من الأنصار على السمع والطاعة في المعروف، كما روى عبادة بن الصامت. وأخرج أبو داود والترمذي عن أبي نجيح العرباض بن سارية أن رسول الله ﷺ وعظ الصحابة فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة..» وأوصى عبادة بن الصامت ابن أخيه جنادة بن أبي أمية لما حضره الموت فقال ألا أنبئك بماذا عليك وبماذا لك؟ قال: بلى، قال: فإن عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك، وعليك أن تقيم لسانك بالعدل، وألا تنازع الأمر أهله إلا أن يأمروك بمعصية الله بواحا، فما أمرت به من شيء يخالف كتاب الله، فاتبع كتاب الله.

стр. 5541

وقال أبو الدرداء: لا إسلام إلا بطاعة الله، ولا خير إلا في جماعة، والنصيحة لله ولرسوله وللخليفة وللمؤمنين عامة. ثم أبان الله تعالى أن كل طاعة لله ورسوله محققة الفوز، فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ، فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ أي ومن يطع الله ورسوله فيما أمراه به، وترك ما نهياه عنه، وخاف الله فيما مضى من ذنوبه، واتقاه فيما يستقبل من أيامه، فأولئك هم الذين فازوا بكل خير، وأمنوا من كل شر في الدنيا والآخرة. ثم قارن الله تعالى موقف هؤلاء بموقف أولئك المنافقين، وهم كثيرون في كل زمان، فعاد إلى كشف موقفهم من الطاعة بعد بيان كراهيتهم لحكم رسول الله ﷺ فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ أي كان أهل النفاق يحلفون للرسول ﷺ مغلّظين الأيمان، مبالغين فيها إلى غايتها: لئن أمرتهم بالجهاد والخروج مع المجاهدين، ليخرجن كما طلبت، فقالوا: والله لئن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا. فرد الله تعالى عليهم مبينا أكاذيبهم بقوله: ﴿قُلْ: لا تُقْسِمُوا، طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ قل يا محمد لهم: لا تحلفوا، فإن المطلوب منكم طاعة معروفة، صدق باللسان، وتصديق بالقلب والأفعال. وقيل: معناه طاعتكم طاعة معروفة لنا، فهي مجرد طاعة باللسان فحسب من غير تصديق قلبي، وقول لا فعل معه، وكلما حلفتم كذبتم، كما قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ، فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ، فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ [التوبة ٩٦/ ٩] وقال سبحانه: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة ١٦/ ٥٨].

стр. 5542

وهذا نهي عن القسم القبيح الكاذب؛ إذ لو كان قسمهم كما يجب لم يجز النهي عنه، فتبين أن قسمهم كان لنفاقهم وأن باطنهم خلاف ظاهرهم. ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي أن الله مطلع على أعمالكم الظاهرة والباطنة، خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي، يعلم بأيمانكم الكاذبة وبكل ما في ضمائر عباده من الكفر والنفاق وخداع المؤمنين، فيجازيكم على كل عمل سيء. وهذا تهديد ووعيد. ثم رغبهم الله ورهبهم فقال: ﴿قُلْ: أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ قل لهم أيها الرسول: اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله، وهذا دليل على أنهم لم يطيعوا ما فيهما. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا، فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ﴾ أي فإن تتولوا عنه وتتركوا ما جاءكم أو إن تولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله، فإن الذي عليه أي الرسول إبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، وعليكم بقبول ذلك وبطاعته فيما أمر، وتعظيمه، فما حملتم هو الطاعة. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا، وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ اي وإن تطيعوا هذا الرسول فيما أمركم به ونهاكم عنه، تهتدوا إلى الحق؛ لأنه يدعو إلى صراط مستقيم، وما على الرسول إلا التبليغ البين والواضح والموضح لما تحتاجون إليه، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد ٤٠/ ١٣] وقوله سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨ - ٢٢]. فقه الحياة أو الأحكام: قارن الله تعالى في هذه الآيات بين المؤمنين والمنافقين في شأن الطاعة:

стр. 5543

طاعة الله تعالى والرسول ﷺ في الأمر والنهي، فإن المؤمنين الصادقين وهم عند نزول الآيات المهاجرون والأنصار كانوا إذا دعوا إلى كتاب الله تعالى وحكم رسوله ﷺ ، قالوا: سمعا وطاعة، دون تمهل ولا تردد. وهم في هذا القول لم يخسروا، وإنما حققوا لأنفسهم الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، فمن يطع أوامر الله تعالى ويلتزم بحكم رسول الله ﷺ وأمره، ويخف عذاب الله على ذنوبه الماضية، ويتق الله في مستقبل عمره، فهو من الفائزين بكل خير، البعيدين عن كل شر. ذكر أسلم أن عمر ﵁ بينما هو قائم في مسجد النبي ﷺ ، وإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه، وهو يقول: أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فقال له عمر: ما شأنك؟ قال: أسلمت لله، قال: هل لهذا سبب؟ قال: نعم! إني قرأت التوراة والزبور والإنجيل وكثيرا من كتب الأنبياء، فسمعت أسيرا يقرأ آية من القرآن جمع فيها كل ما في الكتب المتقدمة، فعلمت أنه من عند الله، فأسلمت، قال: ما هذه الآية؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ﴾ في الفرائض ﴿وَرَسُولَهُ﴾ في السنن ﴿وَيَخْشَ اللهَ﴾ فيما مضى من عمره ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما بقي من عمره ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ والفائز: من نجا من النار، وأدخل الجنة. فقال عمر: قال النبي ﷺ فيما رواه البيهقي: «أوتيت جوامع الكلم». وأما المنافقون فيقسمون بالله تعالى أغلظ الأيمان، وطاقة ما قدروا أن يحلفوا على أنهم يجاهدون مع النبي ﷺ في المستقبل ويطيعونه فيما أمر، ولكن أيمانهم كاذبة، لذا نهاهم الله تعالى عن هذا القسم القبيح الكاذب، وأمرهم بالطاعة المعروفة المعتادة لدى المؤمنين، وهي النابعة من إخلاص القلب، ولا حاجة بعدئذ إلى اليمين، فإن الله خبير بما يعملون من الطاعة بالقول، والمخالفة بالفعل.

стр. 5544

ثم أكد الله تعالى الأمر بطاعة أوامر الله تعالى وحكم الرسول ﷺ بإخلاص لا نفاق فيه، فإن تولوا عن الطاعة، فما على النبي ﷺ إلا تبليغ الرسالة، وما عليهم إلا الطاعة له، فإن أطاعوه اهتدوا إلى الحق، فجعل الاهتداء مقرونا بطاعته، ثم أكد أنه ما على الرسول ﷺ إلا التبليغ الواضح الذي لا شائبة فيه لكل ما كلف فيه الناس، فهو لا يحمل أحدا على الإيمان الحق، ولا يكره إنسانا على الدين القويم. قال بعض السلف: من أمّر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمّر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. أصول دولة الإيمان ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾ الإعراب: ﴿وَعَدَ﴾: وعد في الأصل يتعدى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما، ولهذا اقتصر في هذه الآية على مفعول واحد، وفسّر العدة بقوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾. وهو جواب قسم مضمر تقديره: وعدهم الله وأقسم ليستخلفنهم.

стр. 5545

﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿الَّذِينَ﴾ أو استئناف كلام جديد. ﴿لا يُشْرِكُونَ﴾ حال من واو ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾. البلاغة: ﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ طباق بين الخوف والأمن. المفردات اللغوية: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ خطاب للرسول ﷺ والأمة ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ليجعلنهم خلفاء متصرفين في الأرض تصرف الملوك في ممالكهم ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾ مبني للمعلوم، وقرئ مبنيا للمجهول ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من بني إسرائيل في مصر وفلسطين بدلا عن الجبابرة: فرعون وأمثاله ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ وهو الإسلام بالتقوية والتثبيت وإظهاره على جميع الأديان، فالتمكين: هو جعل هذا الدين ممكّنا في الأرض بتثبيت قواعده وإعزاز جانبه ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ أي وليجعلنهم بعد الخوف من الكفار في حالة أمن وسلام، وقد أنجز الله وعده لهم بما ذكر، فكان رسول الله ﷺ وأصحابه في مكة عشر سنين خائفين، ثم هاجروا إلى المدينة، وبقوا مستنفرين في السلاح صباح مساء، حتى أنجز الله وعده، فغلّبهم على العرب كلهم، وفتح لهم بلاد الشرق والغرب. وفيه دليل على صحة النبوة بالإخبار عن الغيب على ما هو به، وعلى صحة خلافة الراشدين. ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حال من ﴿الَّذِينَ﴾ لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد، أو استئناف ببيان المقتضي للاستخلاف والأمن ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ حال من واو ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ أي يعبدونني غير مشركين ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ﴾ أي ومن ارتد، أو كفر هذه النعمة بعد الوعد أو حصول الخلافة ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ الكاملون في فسقهم حيث ارتدوا بعد وضوح مثل هذه الآيات، أو كفروا تلك النعمة العظيمة. وأول من كفر به قتلة عثمان ﵁، فصاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخوانا. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ.﴾. معطوف على قوله: ﴿أَطِيعُوا اللهَ﴾ والفاصل وإن طال وعد على المأمور به، فيكون تكرارا للأمر بطاعة الرسول ﷺ لتأكيد وجوبها، وتعليق الرحمة بها، أي بالطاعة ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي راجين الرحمة. ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ الخطاب للرسول ﴿مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي لا تلحقهم قدرة الله على

стр. 5546

الإهلاك، بأن يفوتوا منها، أي لا تحسبن يا محمد الكفار معجزين الله عن إدراكهم وإهلاكهم في الأرض ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ﴾ ومرجعهم النار، وذلك معطوف من حيث المعنى على قوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾ كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله ومأواهم النار، والمراد بهم: المقسمون جهد أيمانهم. ﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ المرجع هي، أو المأوى الذي يصيرون إليه. سبب النزول: أخرج الحاكم وصححه، والطبراني عن أبي بن كعب قال: لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين، لا نخاف إلا الله، فنزلت: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن البراء بن عازب قال: فينا نزلت هذه الآية، ونحن في خوف شديد. المناسبة: بعد الكلام عن الطاعة وثمرتها: وهي أن من أطاع الرسول ﷺ فقد اهتدى إلى الحق وفاز بالجنة، وعد الله سبحانه بتمكين المؤمنين الطائعين في خلافة الأرض، وتأييدهم بالنصر والإعزاز، وإظهار دينهم على الدين كله، وتبديلهم من بعد خوفهم من العدو أمنا، فيعبدون الله آمنين لا يشركون به شيئا ولا يخافون. ثم أمرهم بالصلاة والزكاة شكرا لتلك النعم، وطمأنهم بتحقق الوعد السابق بإهلاك الكافرين وزجّهم في نار جهنم. التفسير والبيان: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ، كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي وعد الله الذين تحقق فيهم وصفان معا هما الإيمان

стр. 5547

بالله ورسوله والعمل الصالح الطيب الذي يقرب من الله تعالى ويرضيه بأن يجعل أمة النبي ﷺ خلفاء الأرض، أي أئمة الناس، والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، كما استخلف داود وسليمان ﵉ على الأرض، وكما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشام بعد إهلاك الجبابرة. وقوله ﴿مِنْكُمْ﴾ من للبيان كالتي في آخر سورة الفتح: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [٢٩]. وبما أن وعد الله صادق ومنجز، كما قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللهِ، لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ﴾ [الزمر ٢٠/ ٣٩] فقد أنجز الله وعده، وأظهر المسلمين على جزيرة العرب، وافتتحوا بعدئذ بلاد المشرق والمغرب، ومزّقوا ملك الأكاسرة (حكام فارس) وملكوا خزائنهم، وفتحوا بلاد القياصرة (بلاد الروم) واستولوا على الدنيا، وظلت دولة الإسلام قوية منيعة في ظل خلافات متعاقبة: الخلافة الراشدية، ثم الخلافة الأموية في الشام والأندلس، ثم الخلافة العباسية، ثم الخلافة العثمانية إلى انتهاء الربع الأول من القرن العشرين (١٩٢٤) حيث ألغى أتاتورك الخلافة. ففي عهده ﷺ فتحت مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن كلها. وأخذت الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، والمقوقس عظيم القبط في مصر، والنجاشي ملك الحبشة، وملك عمان. وفي عهد الخلفاء الراشدين افتتحت بلاد كثيرة في الشرق والغرب وهي أكثر بلاد فارس والروم في العراق والشام ومصر وبعض بلاد شمال إفريقيا، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز وقتل كثير من الترك. وفي العهد الأموي استمرت الفتوح الواسعة حتى شملت بلاد الأندلس والهند. واستقر الحكم الإسلامي في العهد العباسي في مختلف أجزاء بلاد الإسلام.

стр. 5548

وفي عهد الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى بلاد الأندلس، وقبرص والقسطنطينية، وبلاد القيروان وسبتة مما يلي المحيط الأطلسي، وامتد الفتح إلى أقصى بلاد الصين. وصدق قول الرسول ﷺ في صحيحي البخاري ومسلم ومسند أحمد: «إن الله زوي لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها». ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال ٢٦/ ٨]، وقوله سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً، وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص ٥/ ٢٨ - ٦]. ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ أي وليجعلن دين الإسلام مكينا ثابتا في الأرض، عزيزا قويا منيعا، مرهوب الجانب في نظر أعدائه، منصورا على ملة الكفر. ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ أي وليغيرن حالهم من الخوف إلى الأمن. قال رسول الله ﷺ لعدي بن حاتم حين وفد عليه: «أتعرف الحيرة؟» قال: لم أعرفها، ولكن قد سمعت بها، قال: «فو الذي نفسي بيده ليتمنّ الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة-المرأة في الهودج-من الحيرة، حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحنّ كنوز كسرى بن هرمز» قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «نعم، كسرى بن هرمز، وليبذلنّ المال حتى لا يقبله أحد». قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة، فتطوف بالبيت في

стр. 5549

غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله ﷺ قد قالها. وتحققت الثالثة في عهد الخليفة الراشد العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. وأخرج الإمام أحمد عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «بشّر هذه الأمة بالسنا والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب». ثم بيّن حال هذه الأمة أثناء تمكنها في الأرض أو علة تمكينها في الأرض فقال: ﴿يَعْبُدُونَنِي ١ لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ أي إن هذه الأمة تعبد الله وحده لا شريك له، ولا يتغيرون من عبادة الله تعالى إلى الشرك، ووعدهم الله ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم. روى الإمام أحمد والشيخان عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال له: «حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ألا يعذبهم». ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ، فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي ومن ارتد أو كفر النعمة، كقوله تعالى: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ [النحل ١١٢/ ١٦]، أو خرج عن طاعة ربه وأمره، فأولئك هم الكاملون في فسقهم حيث كفروا تلك النعمة العظيمة، وتناسوا فضل الله عليهم، وهذا ربما يصدر من بعض الأمة بدليل حديث الصحيحين وغيرهما من الأئمة: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة».

стр. 5550

وبعد الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة الرسول ﷺ أمر الله تعالى بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة شكرا للنعمة، وإحسانا إلى عباد الله الفقراء، مكررا للتأكيد الأمر بطاعة الرسول ﷺ ، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي وأدوا الصلاة في أوقاتها تامة الأركان والشروط، واعبدوا الله وحده لا شريك له، وأعطوا الزكاة المفروضة عليكم؛ لما فيها من الإحسان إلى الضعفاء والفقراء، وأطيعوا رسول الله ﷺ فيما أمركم به أو نهاكم عنه أو زجركم عنه، لعل الله يرحمكم بذلك، وينجيكم من عذاب أليم. ولا شك أن من فعل هذا سيرحمه الله، كما قال: ﴿أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ﴾ [التوبة ٧١/ ٩]. وأما المتنكرون لطاعة الله تعالى ورسوله ﷺ فهم كما قال تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النّارُ، وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي لا تظنن أيها الرسول أن الذين خالفوك وكذبوك وكفروا برسالتك يعجزون الله ويفرون من سلطانه إذا أراد إهلاكهم، بل الله قادر عليهم، وسيعذبهم على ذلك أشد العذاب في الدنيا بألوان مختلفة فردية كالمرض والهم والقلق والانتحار، أو جماعية كالقتل في الحروب والزلازل والبراكين والحرق والغرق، ومأواهم في الآخرة نار جهنم، وبئس المآل مآل الكافرين، وبئس المرجع والقرار والمهاد. ومعجزين: معناه فائتين، والمصير: المرجع، كما بيّنا. فقه الحياة أو الأحكام: هذه هي أصول دولة الإيمان، تنبئ عن قواعد ومبادئ أهمها الجمع بين الإيمان والعمل الصالح، وثمرتها أولا-إنجاز وعد الله بالعزة والسيادة في الأرض في الدنيا، ونصرة الإسلام على الكفر، وتمكين هذا الدين المرتضى وهو دين

стр. 5551

الإسلام في الأرض، أي تثبيته وتوطيده وتأمينه وتأمين أهله وإزالة الخوف الذي كانوا عليه، وثانيا-الظفر برحمة الله في الآخرة. ودلت الآيات على ما يلي (١): ١ - إثبات صفة الكلام لله وأنه متكلم؛ لأن الوعد نوع من أنواع الكلام، ومن وصف بالنوع وصف بالجنس. ٢ - الله تعالى حيّ قادر على جميع الممكنات؛ لأنه قال: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ وقد فعل ذلك كما بيّنا في التفسير السابق، وصدور هذه الأشياء لا يصح إلا من القادر على كل المقدورات. ٣ - الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده؛ لقوله: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾. ٤ - إنه سبحانه منزه عن الشريك؛ لقوله: ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ وذلك يدل على نفي الإله الآخر، وعلى أنه لا يجوز عبادة غير الله تعالى، سواء كان كوكبا كما يقول الصابئة، أو صنما كما يقول عبدة الأوثان. ٥ - صحة نبوة محمد ﷺ ؛ لأنه أخبر عن الغيب في قوله تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ.﴾. الآية، وقد تحقق الخبر المعجز، فدل على صدق المخبر وهو محمد ﷺ . ٦ - العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان. ٧ - إثبات خلافة الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، فالآية ﴿وَعَدَ اللهُ.﴾. أوضح دليل وأبينه؛ لأنهم المستخلفون الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والذين

стр. 5552

وعدهم الله بالاستخلاف بعد النبي ﷺ ، والاستخلاف: الإمامة فقط، وأما الذين من قبلهم فهم الخلفاء إما بالنبوة وإما بالإمامة والخلافة. ولكن لا تختص الخلافة بهم، بل تشمل غيرهم ممن استخلفوا على المسلمين. ٨ - إن من أتم النعم على الصحابة وتابعيهم بعد نصرة الإسلام هو تبديل خوفهم أمنا، كما وعد تعالى، وأكده رسول الله ﷺ لما قال أصحابه: أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال ﷺ : «لا تلبثون إلا قليلا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا، ليس عليه حديدة» وقال ﷺ فيما أخرجه مسلم في صحيحة: «والله ليتمنّ الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» فالآية معجزة النبوة؛ لأنها إخبار عما سيكون، فكان، كما بيّنا. ٩ - إن أساس العمل الإسلامي عبادة الله بالإخلاص، دون أن يشوبها شرك ظاهر أو خفي وهو الرياء. ١٠ - المراد بالكفران في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ﴾ في رأي أكثر المفسرين كفران النعمة؛ لأنه قال تعالى: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أما الكافر الحقيقي فهو فاسق بعد هذا الإنعام وقبله. ١١ - إن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة أوامر الرسول ﷺ واجتناب نواهيه سبب للرحمة الشاملة من الله تعالى. ١٢ - لن يعجز الله هربا في الأرض أحد من الكفار، وإنما قدرة الله تطولهم في أي مكان، وهم المقهورون، ومأواهم النار. قال صاحب الكشاف: النظم في قوله تعالى: ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ﴾ لا يحتمل أن يكون متصلا بقوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ لأن ذلك نفي، وهذا إيجاب، فهو إذن معطوف بالواو على مضمر قبله تقديره: لا تحسبنّ الذين كفروا معجزين في الأرض، بل هم مقهورون، ومأواهم النار.

стр. 5553

الحكم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر حالات الاستئذان في داخل الأسرة وتخفيف الثياب الظاهرة عن العجائز ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اِسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾ الإعراب: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه ثلاث عورات، أي هذه ثلاثة أوقات عورات، وحذف المضاف اتساعا. ويقرأ بالنصب على أنه بدل من قوله: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ وهذا ظرف زمان أي ثلاثة أوقات، وأخبر عن هذه الأوقات بالعورات لظهورها فيها، مثل ليلك نائم، ونهارك صائم. وتسكين واو ﴿عَوْراتٍ﴾ لأنه حرف العلة، والحركة تستثقل على حرف العلة. وقرئ بفتح الواو على قياس جمع التصحيح، نحو ضربة ضربات. ﴿طَوّافُونَ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هم طوافون، أي أنتم طوافون، و ﴿بَعْضُكُمْ﴾ بدل من ضمير ﴿طَوّافُونَ﴾ أي يطوف بعضكم على بعض. ﴿وَالْقَواعِدُ﴾ جمع قاعد: وهي التي قعدت عن الزواج للكبر، ولم يدخلها الهاء؛ لأن المراد

стр. 5554

به النسب، أي ذات قعود، كقولهم: حامل وحائض وطاهر وطالق، أي ذات حمل وطمث وطهر وطلاق. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ﴾ دخول الفاء في ﴿فَلَيْسَ﴾ يدل على أن ﴿اللاّتِي﴾ في موضع رفع؛ لأنه صفة للقواعد لا للنساء؛ لأنك لو جعلته صفة للنساء، لم يكن لدخول الفاء وجه؛ لأن الموصول هي التي يدخل الفاء في خبرها، فإذا جعلت ﴿اللاّتِي﴾ صفة للقواعد، فالصفة والموصوف بمنزلة شيء واحد. ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ﴾ حال من ضمير (هن) في ثيابهن، أو من ضمير ﴿يَضَعْنَ﴾. البلاغة: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ صيغة مبالغة. المفردات اللغوية: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ العبيد والإماء. ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ الصبيان الذين لم يبلغوا من الأحرار، والحلم من حلم: وقت البلوغ: إما بالاحتلام وإما ببلوغ خمس عشرة سنة. ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ أي في ثلاثة أوقات. ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ أي تخلعون ثيابكم وقت الظهر، وقوله: من الظهيرة: بيان للحين. ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ﴾ لأنه وقت التجرد عن اللباس والالتحاف باللحاف. ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾ أي ثلاثة أوقات يختل فيها تستركم وتبدو فيها العورات لإلقاء الثياب، والعورة: الخلل، والأعور: المختل العين، وسميت كل حالة عورة؛ لأن الناس يختل تحفظهم وتسترهم فيها. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ﴾ أي لا على المماليك والصبيان. ﴿جُناحٌ﴾ إثم وذنب في الدخول عليكم بغير استئذان. ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ بعد الأوقات الثلاثة. ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أي هم طوافون عليكم للخدمة والمخالطة وكثرة المداخلة. وفيه دليل على تعليل الأحكام. ﴿بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ بعضكم طائف على بعض، أو يطوف بعضكم على بعض، والجملة مؤكدة لما قبلها. ﴿كَذلِكَ﴾ مثل ذلك التبيين لما ذكر. ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ أي الأحكام. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بأمور خلقه وأحوالهم. ﴿حَكِيمٌ﴾ بما دبره لهم وشرع. ولكن تهاون الناس في ترك الاستئذان. ﴿وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ﴾ أيها الأحرار، ولا يدخل فيهم المماليك. ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ في جميع الأوقات. ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي الأحرار الكبار الذين بلغوا من قبلهم.

стр. 5555

﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كرره تأكيدا ومبالغة في الأمر بالاستئذان. ﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾ العجائز اللاتي قعدن عن الحيض والحمل والولد لكبرهن. ﴿لا يَرْجُونَ نِكاحاً﴾ لا يطمعن في النكاح لكبرهن. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ أن يتخففن بإلقاء الثياب الظاهرة كالجلباب والرداء، والقناع فوق الخمار. ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي غير مظهرات زينة خفية كقلادة وسوار وخلخال. وأصل التبرج: التكلف في إظهار ما يخفى من الزينة، مأخوذ من قولهم: سفينة بارجة أي لا غطاء عليها، إلا أنه خص بكشف المرأة زينتها ومحاسنها للرجال. ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ أي يرتدين أكمل الثياب خير لهن من الوضع؛ لأنه أبعد من التهمة. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لمقالهن للرجال وقولكم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بمقصودهن وبما في قلوبكم. سبب النزول: قال ابن عباس: وجّه رسول الله ﷺ غلاما من الأنصار يقال له: مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب ﵁ وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فقال: يا رسول الله وددت لو أن الله تعالى أمرنا ونهانا في حال الاستئذان، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ.﴾ .. وقال مقاتل: نزلت في أسماء بنت أبي مرثد كان لها غلام كبير، فدخل عليها في وقت كرهته، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فأنزل الله ﵎ هذه الآية. وفي رواية: ثم انطلق-أي عمر-إلى رسول الله ﷺ ، فوجد هذه الآية قد أنزلت، فخرّ ساجدا، شكرا لله. وهذه إحدى موافقات رأي عمر للوحي. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي أنه قال: كان أناس من أصحاب رسول الله ﷺ يعجبهم أن يباشروا نساءهم في هذه الساعات، فيغتسلوا، ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم الله تعالى أن يأمروا المملوكين والغلمان ألا يدخلوا

стр. 5556

عليهم في تلك الساعات إلا بإذن بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ الآية. فإذا صح أن سبب النزول قصة أسماء المتقدمة، كان قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطابا للرجال والنساء بطريق التغليب؛ لأن دخول سبب النزول في الحكم قطعي، كما هو الراجح في الأصول. التفسير والبيان: هذه الآيات عود إلى تتمة الأحكام السالفة في هذه السورة، بعد الفراغ من الإلهيات الدالة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام وغيرها، والوعد عليها والوعيد على الإعراض عنها. وموضوع هذه الآيات استئذان الأقارب بعضهم على بعض، والتخفيف عن العجائز بإلقاء الثياب الظاهرة. أما ما تقدم في أول السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض. وتفسير الآيات ما يأتي: الحكم الحادي عشر: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ، وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ، وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ﴾ أي أيها المؤمنون والمؤمنات بالله ورسوله يطلب من خدمكم مما ملكت أيمانكم من العبيد والإماء، وأطفالكم الصغار أن يستأذنوكم في ثلاثة أحوال أو أوقات: الأول-من قبل صلاة الفجر؛ لأنه وقت النوم في الفراش واليقظة من المضاجع وتغيير ثياب النوم وارتداء ثياب اليقظة، ويحتمل انكشاف العورة. الثاني-حين تخلعون ثياب العمل وتستعدون للنوم وقت الظهيرة أو وقت القيلولة؛ لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله.

стр. 5557

الثالث-من بعد صلاة العشاء؛ لأنه وقت خلع ثياب اليقظة، ولبس ثياب النوم. فيؤمر الخدم والأطفال ألا يهجموا على أهل البيت في هذه الأحوال؛ لما يخشى من انكشاف العورات ونحو ذلك من مقدمات النوم والراحة، فهي ساعات الخلوة والانفراد ووضع الملابس. والأمر في قوله تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ ظاهر في الوجوب، لكن قال الجمهور: إنه مصروف إلى الندب والاستحباب، والتعليم والإرشاد إلى محاسن الآداب، مثل قوله ﷺ فيما أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم عن عبد الله بن عمر: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين». فلو حدث دخول بغير استئذان لم يكن ذلك معصية، وإنما خلاف الأولى، وإخلال بالأدب. فإن علم الخادم أن في دخوله على سيده إيذاء له، حرم الدخول بسبب الأذى لغيره. وزعم البعض أن حكم الاستئذان في الأوقات الثلاثة السابقة منسوخ؛ لجريان عمل الصحابة والتابعين في الصدر الأول على خلافه، أو أنه كان يعمل بها عند عدم وجود ستور للبيوت. والأصح أن حكم الاستئذان في هذه الأوقات محكم غير منسوخ، وهو قول أكثر أهل العلم. قال أبو حنيفة ﵀: لم يصر أحد من العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ. والجمهور على أن الخطاب في الآية عام في الذكور والإناث من الأرقاء، الكبار منهم والصغار. وروي عن ابن عباس أنه خاص بالصغار، كما روي عن السّلمي أنه خاص بالإناث، وكلا الرأيين غير معقول. والمراد بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ هم الصبيان من الذكور والإناث، سواء أكانوا أجانب أم محارم. وهم المراهقون لقوله تعالى:

стр. 5558

﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور ٣١/ ٢٤]. وعلة طلب الاستئذان ما قال الله تعالى: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ أي إن هذه الأوقات المذكورة هي ثلاثة أوقات عورات يختل فيها التستر عادة، والعورة لا يجوز النظر إليها. وما عدا ذلك فهو مباح كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي لا إثم ولا حرج في ترك الاستئذان في غير الأوقات الثلاثة، وإنما الأمر مباح على أصل الإباحة في الأشياء. وأما الوقت الممتد بين العشاء والفجر، فيدخل في وقت المنع قبل صلاة الفجر، من باب أولى، وإنما سكت عنه النص لندرة الدخول فيه بسبب النوم، ولأن المعمول به عادة حصول الاستئذان فيه، منعا من التهمة وسوء الظن. وعلة الإباحة كما ذكر تعالى: ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ، بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي إن هؤلاء الخدم والأطفال الصغار يطوفون عليكم في الخدمة وغير ذلك، ويترددون على مجالسكم أنسا بكم ومعاشرة ومداخلة، وقضاء حاجات، وبعضكم طائف عادة على بعض، وكرر الله تعالى ذلك للتأكيد، فالتعبير الأول تسلية للمماليك والخدم، والتعبير الثاني مراعاة لجانب السادة المخدومين وإشعار بحاجتهم إلى خدمات الخدم. وفيه دلالة على تعليل الأحكام؛ لأن الله تعالى نبّه على علة طلب الاستئذان بقوله: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ كما نبّه على أن التطواف علة الإباحة في غير الأوقات الثلاثة، ويغتفر في الطوافين دفعا للحرج والمشقة ما لا يغتفر في غيرهم. لهذا روى الإمام مالك وأحمد بن حنبل وأهل السنن أن النبي ﷺ قال في الهزة: «إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم، والطوافات».

стр. 5559

وفي الآية دلالة أيضا على أن المميز غير البالغ يعوّد على الأدب والنظام والانضباط والإعداد لتحمل المسؤولية والتكاليف الشرعية، قال تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾ [التحريم ٦/ ٦٦] أي أدبوهم وعلموهم. وهذا التأديب والتعليم والبيان والتشريع بفضل الله تعالى، لذا قال: ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ، وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي مثل ذلك التبيين لما ذكر من الأحكام يبين الله لكم الشرائع والأنظمة في آياته البينة الواضحة الدلالة على معانيها ومقاصدها، والله عليم بأحوال عباده وبما يصلحهم وما لا يصلحهم، حكيم في تدبير أمورهم وتشريع الأصلح الأنسب لهم في الدنيا والآخرة. الحكم الثاني عشر: انتقل البيان لمعرفة حكم استئذان البالغين الأحرار، فقال تعالى: ﴿وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي إذا بلغ الحلم الأطفال الذين كانوا يستأذنون في العورات الثلاث، فيجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال، مع الأجانب والأقارب، كما استأذن الكبار الذين سبقوهم من ولد الرجل وأقاربه. فهذه الآية مبينة لآية: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور ٣١/ ٢٤] أي أن الطفل الذي لم يظهر على العورات مستثنى، فإذا ظهر على العورات، وذلك بالبلوغ، فيستأذن. وأفرد «الطفل» في الآية؛ لأنه يراد به الجنس. ولم يذكر المماليك هنا، وإنما بقي الحكم السابق مقررا عليهم وهو الاستئذان في أوقات ثلاثة؛ لأن حكم كبارهم وصغارهم واحد. وبلوغ الحلم إما بالاحتلام أو ببلوغ خمس عشرة سنة في رأي أكثر العلماء؛ لما روي عن ابن عمر ﵄ أنه عرض على النبي ﷺ يوم أحد، وله أربع عشرة سنة، فلم يجزه، وعرض عليه يوم الخندق، وله خمس عشرة سنة فأجازه.

стр. 5560

وقال أبو حنيفة ﵀: لا يكون الغلام بالغا حتى يبلغ ثماني عشرة سنة ويستكملها، والفتاة حتى تبلغ سبع عشرة سنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام ١٥٢/ ٦] وأقل حد لبلوغ الأشد ثماني عشرة سنة، فيبنى الحكم عليها للتيقن، أما الإناث فيكون إدراكهن ونشوؤهن أسرع، فنقص في حقهن سنة (١). ويرى جماعة من العلماء منهم الشافعي أن الإنبات (إنبات الشعر) من أمارات البلوغ؛ لما روى عطية القرظي أن النبي ﷺ أمر بقتل من أنبت من قريظة، واستحياء من لم ينبت، قال: فنظروا إلي فلم أكن أنبتّ، فاستبقاني ﷺ . ولا يعتبر الإنبات عند الحنفية بلوغا لظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ فإنه ينفي كون الإنبات بلوغا إذا لم يحتلم، كما نفى كون خمس عشرة سنة بلوغا. ثم عاد البيان القرآني لتأكيد نعمة الله بتشريع هذه الأحكام فقال تعالى: ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ، وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي كما بين لكم ما ذكر بيانا كافيا شافيا، يبيّن لكم أحكاما أخرى تحقق الاستقرار والاطمئنان وسعادة الدنيا والآخرة، والله عليم بأحوال عباده، حكيم في معالجة أمورهم. الحكم الثالث عشر: ﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ هذا بيان حكم النساء العجائز، والمعنى: إن النساء اللواتي كبرن، وانقطع الحيض عنهن، ويئسن من الولد، ولم يبق لهن رغبة في التزوج، فلا إثم عليهن ولا حرج أن يخففن في ملابسهن ويخلعن ثيابهن الظاهرة

стр. 5561

كالجلباب والرداء والقناع فوق الخمار (غطاء الرأس) إذا لم يقصدن إظهار ما عليهن من الزينة الخفية كشعر ونحر وساق، ولم يكن فيهن جمال ظاهر، فإن وجد حرم خلع الثياب الظاهرة، ولم يؤد إلى كشف شيء من العورة. ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ، وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي أن التعفف والاحتياط بالستر، وإبقاء ثيابهن المعتادة، وإن كان جائزا، خير وأفضل لهن، والله سميع لأحاديثهن وكلامهن مع الرجال وكلام الرجال معهن، عليم بمقاصدهن لا تخفى عليه خافية من أمرهن وغير ذلك، فإياكم ووساوس الشيطان. فقه الحياة أو الأحكام: اشتملت الآيات على أحكام ثلاثة هي: ١ - يندب ندبا مؤكدا للمماليك العبيد والإماء والأطفال غير البالغين الاستئذان عند الدخول على الأبوين (عماد الأسرة) في أوقات ثلاثة: هي ما قبل صلاة الفجر، وعند القيلولة ظهرا، وما بعد صلاة العشاء. قال ابن عباس: إن الله حليم رحيم بالمؤمنين يحبّ السّتر، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال (١)، فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل، والرجل على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور والخير، فلم أر أحدا يعمل بذلك. وسبب تخصيص هذه الأوقات أنها أوقات تقتضي عادة الناس كشف شيء من عوراتهم فيها، فطلب فيها الاستئذان منعا من الاطلاع على العورات. وهذه الآية خاصة، وأما التي سبق ذكرها فهي عامة، وهي قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها﴾.

стр. 5562

٢ - يجب على البالغين الأحرار الاستئذان في كل وقت عند الدخول على الآخرين أجانب أو أقارب. ٣ - يباح للعجائز القاعدات في البيوت اللواتي لا يشتهين عادة من الرجال خلع الثياب الظاهرة كالجلباب والرداء والقناع فوق الخمار، دون أن يؤدي ذلك إلى كشف شيء من العورة، ودون قصد التبرج أو إظهار الزينة لينظر إليهن، وإن كن لسن بمحل لذلك عادة، والاستعفاف خير وأفضل من فعل المباح. وإنما خص الله تعالى القواعد من النساء بهذا الحكم دون غيرهن لانصراف النفوس عنهن عادة. ومن التبرج أن تلبس المرأة ثوبا رقيقا يصف جسدها، وهو المراد بقوله ﷺ في الحديث الصحيح عند مسلم عن أبي هريرة: «ربّ نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها» جعلن كاسيات؛ لأن الثياب عليهن، ووصفن بعاريات لأن الثوب إذا رقّ يكشفهن، وذلك حرام (١). ٤ - قال أبو بكر الرازي الجصاص: دلت هذه الآية على أن من لم يبلغ، وقد عقل، يؤمر بفعل الشرائع، وينهى عن ارتكاب القبائح، فإن الله أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات، وقال ﷺ فيما أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عمرو: «مروهم بالصلاة، وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين». وعن ابن عمر ﵄ قال: نعلّم الصبي الصلاة إذا عرف يمينه من شماله. وكان زين العابدين علي بن الحسين يأمر الصبيان أن يصلوا الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا، فقيل له: يصلون الصلاة لغير وقتها، فقال: هذا خير من أن يتناهوا عنها. وعن ابن مسعود ﵁: إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له الحسنات، ولا تكتب عليه السيئات، حتى يحتلم.

стр. 5563

وإنما يؤمر بذلك على وجه التعليم، وليعتاده ويتمرن عليه، فيكون أسهل عليه بعد البلوغ، وأقل نفورا منه، وكذلك يجنب شرب الخمر ولحم الخنزير، وينهى عن سائر المحظورات؛ لأنه لو لم يمنع منه في الصغر، لصعب عليه الامتناع بعد الكبر، وقال الله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾ قيل في التفسير: أدبوهم وعلّموهم (١). ٥ - الآية دالة على أن الواجب اعتبار العلل في الأحكام إذا أمكن؛ لأنه تعالى نبّه على العلة في هذه الأوقات الثلاثة من وجهين: أحدهما-بقوله تعالى: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ وهي علة طلب الاستئذان. والثاني-بالتنبيه على الفرق بين هذه الأوقات الثلاثة، وبين ما عداها، وهو علة التكشف في هذه الأوقات الثلاثة، وما عداها يختلف عنها، كما تقدم بيانه. إباحة الأكل من بيوت معينة دون إذن ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾

стр. 5564

الإعراب: ﴿جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً﴾ حال من واو ﴿تَأْكُلُوا﴾. ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ منصوب على المصدر؛ لأن قوله: ﴿فَسَلِّمُوا﴾ معناه: فحيّوا. البلاغة: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾: إطناب بتكرار لفظ الحرج، تأكيدا للحكم شرعا. المفردات اللغوية: ﴿حَرَجٌ﴾ الحرج لغة: الضيق، ويراد به شرعا الإثم أو الذنب. ﴿ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ أي ما كنتم فيه وكلاء عن غيركم أو حفظة له. ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ الصديق: يطلق على الواحد والجمع، كالخليط والعدو، وهو من صدقكم في مودته. ومعنى الآية: يجوز الأكل من بيوت المذكورين، وإن لم يحضروا، إذا علم رضاهم به. ﴿جَمِيعاً﴾ أي مجتمعين. ﴿أَشْتاتاً﴾ متفرقين، جمع شتّ، أي متفرق، وشتى: جمع شتيت. ﴿فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً﴾ لكم لا أهل بها أو من هذه البيوت ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي على أهل البيوت، أو قولوا: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» فإن الملائكة تردّ عليكم، وإن كان بها أهل فسلموا عليهم. ﴿تَحِيَّةً﴾ مصدر حيّا. ﴿مُبارَكَةً﴾ كثيرة الخير. ﴿طَيِّبَةً﴾ تطيب بها نفس المستمع. ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ أي مثل ذلك البيان يبين لكم معالم دينكم، كرره مرة ثالثة لمزيد التأكيد وتفخيم الأحكام السابقة المختتمة به. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تفهموا ذلك، وتعقلوا الحق والخير في الأمور. سبب النزول: اختلف الرواة في سبب نزول هذه الآية، أذكر ثلاث روايات منها.

стр. 5565

الأولى-في نفي الحرج عن الأكل من بيوت معينة: قال سعيد بن المسيّب: أنزلت هذه الآية في أناس كانوا إذا خرجوا مع النبي ﷺ وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا إلى ذلك، وكانوا يتقون أن يأكلوا منها ويقولون: نخشى ألا تكون أنفسهم بذلك طيبة، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ.﴾. وهذا ما اختاره ابن جرير. والآية وإن نزلت في تحرج أصحاب الأعذار هؤلاء من الأكل في بيوت من خلفوهم على بيوتهم، إلا أنها ذكرت حكما عاما لكل الناس. ومعنى نفي الحرج من أكل الناس في بيوتهم إظهار التسوية بين أكلهم من بيوتهم وأكلهم من بيوت أقاربهم وموكليهم وأصدقائهم. الثانية-رفع الإثم عن المعذورين في التخلف عن الجهاد: قال الحسن البصري: نزلت الآية في ابن أم مكتوم وضع الله عنه الجهاد، وكان أعمى. وقال أبو حيان: إن الآية تنفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض في القعود عن الجهاد، وتنفي الحرج عن المخاطبين في أن يأكلوا من بيوت الذين ذكرهم الله. والجمع بينهما في مقام الإفتاء والبيان مقبول غير مستغرب. ووجه اتصال الآية حينئذ بما قبلها أنه تعالى بعد أن ذكر حكم الاستئذان، بيّن أن تخلف أصحاب الأعذار عن الجهاد لا يحتاج إلى إذن النبي ﷺ . الثالثة-نفي الحرج عن الناس في مؤاكلة المرضى ؛ قال ابن عباس ﵄: لما أنزل الله ﵎: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ تحرّج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعرج،

стр. 5566

وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والمريض لا يستوفي الطعام، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال سعيد بن جبير والضحاك: كان العرجان والعميان يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء؛ لأن الناس يتقذرونهم، ويكرهون مؤاكلتهم، وكان أهل المدينة لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا أعرج ولا مريض تقذرا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأيا ما كان سبب نزول الآية فإنها تبيح الأكل من هذه البيوت، بشرط أن يعلم الآكل رضا صاحب المال بإذن صريح أو قرينة، وخصصت هذه البيوت بالذكر لتبسط الناس فيما بينهم عادة في الأكل من بيوت أقاربهم ووكلائهم وأصدقائهم. سبب نزول آية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً﴾: قال قتادة والضحاك: نزلت في حيّ من كنانة يقال لهم: بنو ليث بن عمرو، وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده، فربما قعد الرجل، والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح، تحرّجا من أن يأكل وحده، فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال عكرمة: نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا جميعا متحلقين أو أشتاتا متفرقين. والكلام متصل بما قبله، فحين نفى الحرج عنهم في الأكل نفسه، أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية الأكل، فلا جناح في الأكل من هذه البيوت، سواء

стр. 5567

مع أصحابها أو بدونهم. وقيل: الكلام مستقل عما قبله لبيان حكم آخر، مماثل له، وهو أن الأكل كما يجوز منفردا، يجوز مع الضيف. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى حكم دخول المماليك والصبيان إلى البيوت في غير العورات الثلاث دون استئذان، ذكر هنا حكم تخلف أصحاب الأعذار عن الجهاد من غير استئذان، وحكم الأكل من البيوت المذكورة في الآية من غير إذن صريح إذا علم رضا أصحابها. التفسير والبيان: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أي ليس على هؤلاء الثلاثة إثم ولا ذنب في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم، كما نقل عن عطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وكما قال تعالى في سورة براءة: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ، ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ: لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ [٩١ - ٩٢]. وذكر الفخر الرازي أن الأكثرين قالوا: المراد منه أن القوم كانوا يحظرون الأكل مع هؤلاء الثلاثة وفي هذه المنازل، فالله تعالى رفع ذلك الحظر وأزاله. والظاهر لي أن الآية في أمر يتعلق بنظام الحياة في الأسرة، كالآيات السابقة في الاستئذان وتخفيف العجائز من الألبسة الظاهرة، وأنها تريد أن تجمع بين أفراد الأسرة الأصحاء وأصحاب الأعذار في تناول الطعام على مائدة واحدة، وترفع الكلفة والمشقة في الأكل من البيوت الخاصة أو بيوت الأقارب والأصدقاء،

стр. 5568

دون إذن صريح، وأن الحكم في البيت الخاص كبيت القريب والصديق على حدّ سواء، وذكر الأكل من البيوت ليساوي ما بعده في الحكم ويعطفه عليه، فهو أدب اجتماعي من أدب الإسلام الرفيع. ﴿وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي ولا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم الخاصة، ويشمل ذلك بيوت الأولاد؛ لأنه وإن لم ينص عليهم، فهم كبيت الإنسان؛ لأن بيت الولد كبيت الوالد، ومال الولد بمنزلة مال أبيه. روى الإمام أحمد في المسند وأصحاب السنن عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أنت ومالك لأبيك» وقال أيضا فيما أخرجه البخاري في التاريخ والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم». وقوله: ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ للإشارة إلى أن الأكل مع أصحاب الأعذار لا يخل بقدر الأصحاء أهل الشأن، وأن التواضع مطلوب، والترفع عن مؤاكلتهم منبوذ ممجوج شرعا ودينا، وفي ذلك توسعة على الناس، وبيان ما تقتضيه أواصر المحبة والصلة والود بين الأفراد. ﴿أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ﴾ أي أن الله تعالى أباح لنا الأكل من أحد عشر موضعا بلا إذن صريح، حيث علمنا رضاه وسروره، وأنه لا يبخل ولا يتألم، فإن كان يتضجر أو يتألف أو يتألم فلا نأكل من طعامه في غيبته، ويطلب التعفف حينئذ. وتلك المواضع هي: الأكل من بيوتنا ومنها بيوت أولادنا كما بينا، وبيوت آبائنا وأجدادنا، وبيوت أمهاتنا وجداتنا، وبيوت إخواننا، وبيوت أخواتنا، وبيوت أعمامنا، وبيوت عماتنا، وبيوت أخوالنا، وبيوت خالاتنا، وما ملكنا مفاتحه بالوكالة عن أصحاب البيوت، وبيوت أصدقائنا إذا عرفنا أنه راض ومسرور بما نفعل،

стр. 5569

وإلا فلا يجوز لقوله ﵌ فيما رواه أحمد وأبو داود: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» وحديث الشيخين عن ابن عمر عن النبي ﷺ : «لا يحلبنّ أحد ماشية أحد إلا بإذنه». وهؤلاء المذكورون من الأقارب تطيب نفوسهم عادة وطبعا بأكل أحد من قراباتهم عندهم. أما المقصود بقوله: ﴿ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ فيراد به كما قال ابن عباس ﵄: وكيل الرجل وقيّمه في ضيعته وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته، ويشرب من لبن ماشيته. وملك المفاتح: كونها في يده وحفظه. وهذا مأذون به ضمنا من الموكل، ولكن يأكل ولا يحمل ولا يدّخر، إذا لم يكن له أجر على عمله، فإن كان مستأجرا بأجر فلا يأكل. وأما بيوت الأصدقاء الذين ترتفع الكلفة بينهم، ويصفو الودّ معهم، فيؤكل منها إذا علم رضاهم صراحة أو بالقرائن. روي عن الحسن البصري أنه دخل داره، وإذا حلقة من أصدقائه، وقد استلوا سلالا من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة، وهم مكبّون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سرورا وضحك، وقال: هكذا وجدناهم، أي أكابر الصحابة. وكذلك يقال في دخول بيوت الأصدقاء لا بدّ فيه من إذن صريح أو قرينة. واحتج أبو حنيفة ﵀ بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع؛ لإباحة الله تعالى لهم بهذه الآية الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذنهم، فلا يكون ماله محرزا منهم، أي بسبب وجود شبهة الإذن. والحقيقة أنه لا بدّ من الإذن الصريح، أو الضمني الذي يعرف بالقرائن. ثم ذكر الله تعالى حكم الأكل الجماعي والانفرادي فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً﴾ أي يباح ولا إثم عليكم أن

стр. 5570

تأكلوا كيف شئتم مجتمعين أو متفرقين. وهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده ومع الجماعة، لكن الأكل مع الجماعة أبرك وأفضل؛ روى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلا قال للنبي ﷺ : إنا نأكل ولا نشبع، قال: «لعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه». وروى ابن ماجه أيضا عن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كلوا جميعا، ولا تفرقوا، فإن البركة مع الجماعة». ثم ذكر الله تعالى حكم تحية الداخل على بيته فقال: ﴿فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي فليسلّم بعضكم على بعض، أو فإذا دخلتم بيتا من هذه البيوت لتأكلوا فابدءوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم دينا وقرابة. وعبر بقوله: ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ للدلالة على أنهم منكم بمنزلة أنفسكم، فكأنكم حين تسلمون عليهم تسلمون على أنفسكم. ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ أي حيوا تحية ثابتة بأمر الله، مشروعة من لدنه، يرجى منها زيادة الخير والثواب، ويطيب بها قلب المستمع؛ لأن معنى التحية والتسليم طلب السلامة والحياة للمسلّم عليه، ووصفها بالبركة والطيب؛ لأنها دعوة مؤمن لمؤمن ترجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق، وتستجلب فيها مودة المسلم. قال قتادة: إذا دخلت على أهلك فسلّم عليهم، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه كان يؤمر بذلك. وكذلك قال مجاهد وابن عباس ﵃. وأخرج البخاري عن جابر بن عبد الله قال: «إذا دخلت على أهلك فسلّم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة».
следующие страницы →