← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والمريض لا يستوفي الطعام، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال سعيد بن جبير والضحاك: كان العرجان والعميان يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء؛ لأن الناس يتقذرونهم، ويكرهون مؤاكلتهم، وكان أهل المدينة لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا أعرج ولا مريض تقذرا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأيا ما كان سبب نزول الآية فإنها تبيح الأكل من هذه البيوت، بشرط أن يعلم الآكل رضا صاحب المال بإذن صريح أو قرينة، وخصصت هذه البيوت بالذكر لتبسط الناس فيما بينهم عادة في الأكل من بيوت أقاربهم ووكلائهم وأصدقائهم. سبب نزول آية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً﴾: قال قتادة والضحاك: نزلت في حيّ من كنانة يقال لهم: بنو ليث بن عمرو، وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده، فربما قعد الرجل، والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح، تحرّجا من أن يأكل وحده، فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال عكرمة: نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا جميعا متحلقين أو أشتاتا متفرقين. والكلام متصل بما قبله، فحين نفى الحرج عنهم في الأكل نفسه، أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية الأكل، فلا جناح في الأكل من هذه البيوت، سواء

стр. 5567

مع أصحابها أو بدونهم. وقيل: الكلام مستقل عما قبله لبيان حكم آخر، مماثل له، وهو أن الأكل كما يجوز منفردا، يجوز مع الضيف. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى حكم دخول المماليك والصبيان إلى البيوت في غير العورات الثلاث دون استئذان، ذكر هنا حكم تخلف أصحاب الأعذار عن الجهاد من غير استئذان، وحكم الأكل من البيوت المذكورة في الآية من غير إذن صريح إذا علم رضا أصحابها. التفسير والبيان: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أي ليس على هؤلاء الثلاثة إثم ولا ذنب في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم، كما نقل عن عطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وكما قال تعالى في سورة براءة: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ، ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ: لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ [٩١ - ٩٢]. وذكر الفخر الرازي أن الأكثرين قالوا: المراد منه أن القوم كانوا يحظرون الأكل مع هؤلاء الثلاثة وفي هذه المنازل، فالله تعالى رفع ذلك الحظر وأزاله. والظاهر لي أن الآية في أمر يتعلق بنظام الحياة في الأسرة، كالآيات السابقة في الاستئذان وتخفيف العجائز من الألبسة الظاهرة، وأنها تريد أن تجمع بين أفراد الأسرة الأصحاء وأصحاب الأعذار في تناول الطعام على مائدة واحدة، وترفع الكلفة والمشقة في الأكل من البيوت الخاصة أو بيوت الأقارب والأصدقاء،

стр. 5568

دون إذن صريح، وأن الحكم في البيت الخاص كبيت القريب والصديق على حدّ سواء، وذكر الأكل من البيوت ليساوي ما بعده في الحكم ويعطفه عليه، فهو أدب اجتماعي من أدب الإسلام الرفيع. ﴿وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي ولا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم الخاصة، ويشمل ذلك بيوت الأولاد؛ لأنه وإن لم ينص عليهم، فهم كبيت الإنسان؛ لأن بيت الولد كبيت الوالد، ومال الولد بمنزلة مال أبيه. روى الإمام أحمد في المسند وأصحاب السنن عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أنت ومالك لأبيك» وقال أيضا فيما أخرجه البخاري في التاريخ والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم». وقوله: ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ للإشارة إلى أن الأكل مع أصحاب الأعذار لا يخل بقدر الأصحاء أهل الشأن، وأن التواضع مطلوب، والترفع عن مؤاكلتهم منبوذ ممجوج شرعا ودينا، وفي ذلك توسعة على الناس، وبيان ما تقتضيه أواصر المحبة والصلة والود بين الأفراد. ﴿أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ﴾ أي أن الله تعالى أباح لنا الأكل من أحد عشر موضعا بلا إذن صريح، حيث علمنا رضاه وسروره، وأنه لا يبخل ولا يتألم، فإن كان يتضجر أو يتألف أو يتألم فلا نأكل من طعامه في غيبته، ويطلب التعفف حينئذ. وتلك المواضع هي: الأكل من بيوتنا ومنها بيوت أولادنا كما بينا، وبيوت آبائنا وأجدادنا، وبيوت أمهاتنا وجداتنا، وبيوت إخواننا، وبيوت أخواتنا، وبيوت أعمامنا، وبيوت عماتنا، وبيوت أخوالنا، وبيوت خالاتنا، وما ملكنا مفاتحه بالوكالة عن أصحاب البيوت، وبيوت أصدقائنا إذا عرفنا أنه راض ومسرور بما نفعل،

стр. 5569

وإلا فلا يجوز لقوله ﵌ فيما رواه أحمد وأبو داود: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» وحديث الشيخين عن ابن عمر عن النبي ﷺ : «لا يحلبنّ أحد ماشية أحد إلا بإذنه». وهؤلاء المذكورون من الأقارب تطيب نفوسهم عادة وطبعا بأكل أحد من قراباتهم عندهم. أما المقصود بقوله: ﴿ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ فيراد به كما قال ابن عباس ﵄: وكيل الرجل وقيّمه في ضيعته وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته، ويشرب من لبن ماشيته. وملك المفاتح: كونها في يده وحفظه. وهذا مأذون به ضمنا من الموكل، ولكن يأكل ولا يحمل ولا يدّخر، إذا لم يكن له أجر على عمله، فإن كان مستأجرا بأجر فلا يأكل. وأما بيوت الأصدقاء الذين ترتفع الكلفة بينهم، ويصفو الودّ معهم، فيؤكل منها إذا علم رضاهم صراحة أو بالقرائن. روي عن الحسن البصري أنه دخل داره، وإذا حلقة من أصدقائه، وقد استلوا سلالا من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة، وهم مكبّون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سرورا وضحك، وقال: هكذا وجدناهم، أي أكابر الصحابة. وكذلك يقال في دخول بيوت الأصدقاء لا بدّ فيه من إذن صريح أو قرينة. واحتج أبو حنيفة ﵀ بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع؛ لإباحة الله تعالى لهم بهذه الآية الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذنهم، فلا يكون ماله محرزا منهم، أي بسبب وجود شبهة الإذن. والحقيقة أنه لا بدّ من الإذن الصريح، أو الضمني الذي يعرف بالقرائن. ثم ذكر الله تعالى حكم الأكل الجماعي والانفرادي فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً﴾ أي يباح ولا إثم عليكم أن

стр. 5570

تأكلوا كيف شئتم مجتمعين أو متفرقين. وهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده ومع الجماعة، لكن الأكل مع الجماعة أبرك وأفضل؛ روى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلا قال للنبي ﷺ : إنا نأكل ولا نشبع، قال: «لعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه». وروى ابن ماجه أيضا عن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كلوا جميعا، ولا تفرقوا، فإن البركة مع الجماعة». ثم ذكر الله تعالى حكم تحية الداخل على بيته فقال: ﴿فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي فليسلّم بعضكم على بعض، أو فإذا دخلتم بيتا من هذه البيوت لتأكلوا فابدءوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم دينا وقرابة. وعبر بقوله: ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ للدلالة على أنهم منكم بمنزلة أنفسكم، فكأنكم حين تسلمون عليهم تسلمون على أنفسكم. ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ أي حيوا تحية ثابتة بأمر الله، مشروعة من لدنه، يرجى منها زيادة الخير والثواب، ويطيب بها قلب المستمع؛ لأن معنى التحية والتسليم طلب السلامة والحياة للمسلّم عليه، ووصفها بالبركة والطيب؛ لأنها دعوة مؤمن لمؤمن ترجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق، وتستجلب فيها مودة المسلم. قال قتادة: إذا دخلت على أهلك فسلّم عليهم، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه كان يؤمر بذلك. وكذلك قال مجاهد وابن عباس ﵃. وأخرج البخاري عن جابر بن عبد الله قال: «إذا دخلت على أهلك فسلّم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة».

стр. 5571

وهذا الحكم وهو التحية على الأهل، وإن كان معلوما من الآية المتقدمة: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها﴾ إلا أنه أعيد هنا لطلبه بين الأقارب، حتى لا يظن أن علاقة القرابة لا تحتاج إلى تبادل السلام والتحية، فذلك من الآداب العامة والحقوق الإسلامية التي لا يصح إهمالها. قال الضحاك: في السلام عشر حسنات، ومع الرحمة عشرون، ومع البركات ثلاثون. ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي هكذا يفصل الله لكم معالم دينكم، كما فصل لكم في هذه الآية ما أحل لكم فيها، وكما بيّن لكم ما في هذه السورة أيضا من أحكام وشرائع بيانا شافيا، لكي تتدبروها وتتفهموا عن الله أمره ونهيه وآدابه، فتفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على ما يأتي: ١ - لا إثم ولا حرج على أصحاب الأعذار في التخلف عن الجهاد، وهم الأعمى والأعرج والمريض، أي أن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط فيه المشي للتكليف به، وما يتعذر من الأفعال مع وجود العرج، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه؛ كالصوم وشروط الصلاة وأركانها، والجهاد ونحو ذلك. ولا مانع من مؤاكلة هؤلاء ذوي الأعذار، وترك عادة تخصيصهم بطعام خاص حذرا من استقذارهم والترفع عن مجالستهم. ٢ - أباح الله للناس الأكل من مواضع أحد عشر دون استئذان صريح إذا علم رضا صاحب الطعام؛ لما علم بالعادة أن هؤلاء القوم تطيب نفوسهم في الأغلب بأكل من يدخل عليهم، والعادة كالإذن في ذلك، لذا خصهم الله تعالى بالذكر،

стр. 5572

وافتتحها تعالى بالأكل من البيوت الخاصة بأصحابها للإشارة إلى التسوية بينها وبين تلك المواضع العشرة الباقية. وأسباب رفع الحرج في الأكل من هذه المواضع إذن: إما الملك الخاص وإما القرابة وإما الوكالة والاستئجار، وإما الصداقة. والقرابة، وكذا الملك الخاص للبيوت: تشمل بيوت الأبناء والآباء والأمهات والإخوان والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات. والوكالة مفهومة من قوله: ﴿أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ فإنه يشمل عند جمهور المفسرين الوكلاء والعبيد والأجراء. والصداقة تبيح الأكل والشرب من بيوت الأصدقاء بغير إذن إذا علم أن نفس صاحب الشيء تطيب به لتفاهته ويسير مؤنته، أو لما بينهما من المودة. والصديق: من يصدقك في مودّته وتصدقه في مودتك، ولكن لا يجوز الادخار والحمل، واتخاذ ذلك وقاية لماله، ولو كان المتناول تافها يسيرا. وكان ﷺ يدخل حائط (بستان) أبي طلحة المسمى ب (بيرحا) ويشرب من ماء فيها طيب بغير إذنه. وبناء عليه، لا تجوز في رأي المالكية شهادة الصديق لصديقه، ولا شهادة القريب لقريبه. ٣ - يباح الأكل منفردا أو جماعة، وإن اختلفت أحوال الجماعة في الأكل كمّا وكيفا، فللإنسان أن يأكل وحده، أو مع القريب أو الصديق أو الجار أو أي شخص مسلم أو كافر. وقد نزلت الآية كما عرفنا في بني ليث بن عمرو من كنانة، كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده، ويمكث أياما جائعا حتى يجد من يؤاكله، ومنه قول بعض الشعراء: إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له... أكيلا، فإني لست آكله وحدي أو أنها نزلت في قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا معه، أو في قوم تحرّجوا عن الاجتماع على الطعام؛ لاختلاف الطباع في القزازة.

стр. 5573

قال ابن عطية: وكانت هذه السيرة موروثة عند العرب عن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام؛ فإنه كان لا يأكل وحده. وكان بعض العرب إذا كان له ضيف لا يأكل إلا أن يأكل مع ضيفه؛ فنزلت الآية مبينة سنّة الأكل، ومذهبة كل ما خالفها من سيرة العرب، ومبيحة من أكل المنفرد ما كان عند العرب محرّما، نحت به نحو كرم الخلق، فأفرطت في إلزامه، وإن إحضار الأكيل لحسن، ولكن بألا يحرم الانفراد. ٤ - يسن السلام عند الدخول على الأهل والأقارب في البيوت المسكونة، وكذا غير المسكونة، فيسلّم المرء فيها على نفسه بأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وكذا المساجد، فيسلّم على من كان فيها، فإن لم يكن في المساجد أحد، فالسلام أن يقول المرء: السلام على رسول الله ﷺ . قال إبراهيم النخعي والحسن البصري عن آية: ﴿فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً﴾ أراد المساجد. قال ابن العربي: «القول بالعموم في البيوت هو الصحيح، ولا دليل على التخصيص» وأطلق القول ليدخل تحت هذا العموم كل بيت كان لغيره أو لنفسه، فإذا دخل الإنسان بيتا لغيره استأذن كما تقدم، فإذا دخل بيتا لنفسه سلّم، كما ورد في الخبر المتقدم عن ابن عمر، يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فإن كان فيه أهله وخدمه فليقل: السلام عليكم. وإن كان مسجدا فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال القشيري في قوله: ﴿فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً﴾: والأوجه أن يقال: إن هذا عام في دخول كل بيت، فإن كان فيه ساكن مسلم يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإن لم يكن فيه ساكن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وإن كان في البيت من ليس بمسلم قال: السلام على من اتّبع الهدى، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

стр. 5574

٥ - كرر الله تعالى ثلاث مرات في آيات متعاقبة [٦١، ٥٩، ٥٨] قوله سبحانه: ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ [٦١، ٥٨] لكن في الآية [٥٩] لفظ: «آياته» للتأكيد وتفخيم الأحكام المختتمة به، والمعنى: كما بيّن لكم سنة دينكم في هذه الأشياء، يبين لكم سائر ما بكم حاجة إليه في دينكم. الاستئذان عند الخروج وأدب خطاب النبي ﷺ والتحذير من مخالفة أمره ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اِسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾ الإعراب: ﴿كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ الكاف في موضع نصب؛ لأنه مفعول لفعل ﴿تَجْعَلُوا﴾. ﴿لِواذاً﴾: منصوب على المصدر في موضع الحال من واو ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ أي يتسللون ملاوذين، وهو مصدر (لاوذ) كقاوم قواما؛ لأن المصدر يتبع الفعل في الصحة والاعتلال، ولو كان مصدر (لاذ) لكان (لياذا) معتلا لاعتلال الفعل، كقام قياما.

стр. 5575

البلاغة: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿أَلِيمٌ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ التفات عن الخطاب إلى الغيبة. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي الكاملون في الإيمان. ﴿مَعَهُ﴾ مع الرسول ﵌. ﴿عَلى أَمْرٍ جامِعٍ﴾ أمر عام مهم يحتاج إلى الاجتماع والتشاور، كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورة في الأمور، ووصف الأمر بالجمع للمبالغة، وقرئ «أمر جميع». ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ لطروء عذر لهم. ﴿حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ يستأذنوا رسول الله ﷺ ، فيأذن لهم، والمطالبة بالإذن واعتباره في كمال الإيمان؛ لأنه دليل مصدق لصحته، ومميز للمخلص فيه من المنافق، ومبين تعظيم الجرم في الذهاب عن مجلس الرسول ﷺ بغير إذنه، ولذلك أعاده مؤكدا بأسلوب أبلغ، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ، أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة، وإن الذاهب بغير إذن ليس مؤمنا. ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أمرهم أو ما يعرض لهم من المهام، وفيه مبالغة وتضييق للأمر. ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ بالانصراف. ﴿دُعاءَ الرَّسُولِ﴾ طلب اجتماع الرسول ﷺ بهم. ﴿كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ بأن تقولوا: يا محمد، بل قولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، في لين وتواضع وخفض صوت، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا في جواز الإعراض، والمساهلة في الجواب، والرجوع بغير إذن، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، والخروج بغير إذنه محرّم. ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً﴾ أي ينسلون أو يخرجون من المسجد خفية مستترين بشيء، فالتسلل: الخروج خفية، واللواذ: تستر بعضهم ببعض. وقد: للتحقيق. ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي عن أمر الله تعالى أو أمر الرسول ﷺ ، فإن الأمر لله في الحقيقة، ويصح عود الضمير للرسول ﷺ ؛ لأنه المقصود بالذكر. والمخالفة: اتخاذ طريق مخالف في القول أو الفعل. ﴿فِتْنَةٌ﴾ بلاء ومحنة وامتحان في الدنيا. ﴿أَلِيمٌ﴾ عذاب مؤلم موجع في الآخرة. ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ملكا وخلقا وعبيدا. ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ قد يعلم ما أنتم عليه أيها المكلفون من الإيمان والنفاق والمخالفة والوفاق. وأكد علمه بقد: لتأكيد الوعيد. ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يوم يرجع المنافقون إليه للجزاء. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا﴾ يخبرهم بما عملوا من خير أو شر، فيجازي على سوء الأعمال بالتوبيخ وغيره. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي الله عالم بكل شيء من أعمالهم، لا تخفى عليه خافية.

стр. 5576

سبب النزول: أخرج ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن عروة ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما قالوا: لما أقبلت قريش عام الأحزاب، نزلوا بمجمع الأسيال من رومة -بئر بالمدينة-قائدها أبو سفيان، وأقبلت غطفان، حتى نزلوا بنعمى إلى جانب أحد، وجاء رسول الله ﷺ الخبر، فضرب الخندق على المدينة، وعمل فيه، وعمل المسلمون فيه، وأبطأ رجال من المنافقين، وجعلوا يأتون بالضعيف من العمل، فيتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله ﷺ ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بدّ منها، يذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، ويستأذنه في اللحوق لحاجته، فيأذن له، وإذا قضى حاجته رجع، فأنزل الله في أولئك المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقال الكلبي: كان النبي ﷺ يعرّض في خطبته بالمنافقين ويعيبهم، فينظر المنافقون يمينا وشمالا، فإذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا ولم يصلوا، وإن أبصرهم أحد ثبتوا وصلوا خوفا، فنزلت هذه الآية، فكان بعد نزول هذه الآية لا يخرج المؤمن لحاجته، حتى يستأذن رسول الله ﷺ ، وكان المنافقون يخرجون بغير إذن. نزول الآية (٦٣): ﴿لا تَجْعَلُوا﴾ الآية: أخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فأنزل الله: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ فقالوا: يا نبي الله، يا رسول الله.

стр. 5577

المناسبة: بعد الأمر بالاستئذان عند الدخول، أمر الله تعالى بالاستئذان حين الخروج، لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول ﷺ من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو تشاور في أمر مهم، ثم أمر المؤمنين بتعظيم النبي ﷺ ورعاية الأدب في مخاطبته، وحذرهم من مخالفة أمره وسنته وشريعته. التفسير والبيان: هذه آداب اجتماعية دينية إلزامية، وهي ثلاثة: الأول-قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ، لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ أي إنما المؤمنون الكاملون في الإيمان الذين صدقوا بوجود الله ووحدانيته وصحة رسالة رسوله من عنده، وإذا كانوا معه في أمر اجتماعي مهم، كصلاة جمعة أو جماعة أو عيد، أو مشاركة في مقاتلة عدو، أو تشاور في أمر خطير قد حدث، لم ينصرفوا عن المجلس حتى يستأذنوا رسول الله ﷺ ، فيأذن لهم. وهذا الأدب مكمل لما سبقه، فلما أمر الله بالاستئذان حين الدخول، أمر بالاستئذان حين الخروج، ولا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول ﷺ . والأمر الجامع: هو الأمر الموجب للاجتماع عليه، فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز. روى أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس، فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، ثم إذا قام فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة». ثم أعاد الله تعالى طلب الإذن على سبيل التأكيد بأسلوب أبلغ من طريق جعله دليلا على كمال الإيمان، ومميزا المخلص من غيره، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ

стр. 5578

يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إن الذين يستأذنون الرسول ﷺ في الانصراف، ويشاورونه في الخروج، هم من المؤمنين الكاملين المصدقين الله ورسوله، الذين يعملون بموجب الإيمان ومقتضاه. وبعد الاستئذان تعظيما للنبي ورعاية للأدب، تكون حرية الإذن له، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ، فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ أي إذا استأذنك أحد منهم في بعض ما يطرأ له من مهمة، فأذن لمن تشاء منهم على وفق الحكمة والمصلحة، فقد استأذن عمر بن الخطاب ﵁ في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله، فأذن له، وقال له: «انطلق فو الله ما أنت بمنافق» يريد أن يسمع المنافقين ذلك الكلام، فلما سمعوا ذلك قالوا: ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم، وإذا استأذناه لم يأذن لنا، فو الله ما نراه يعدل. وقال ابن عباس ﵄: إن عمر استأذن رسول الله ﷺ في العمرة، فأذن له، ثم قال: يا أبا حفص، لا تنسنا من صالح دعائك. والآية تدل على أنه سبحانه فوض إلى رسوله ﷺ بعض أمر الدين، ليجتهد فيه برأيه. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ، إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي واطلب من الله أن يغفر لهم ما قد يصدر عنهم من زلات أو هفوات، إن الله غفور لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم فلا يعاقبهم بعد التوبة. وهذا مشعر بأن الاستئذان، وإن كان لعذر مقبول، فيه ترك للأولى، لما فيه من تقديم مصالح الدنيا على مصالح الآخرة، فالاستئذان مهما كانت أسبابه مما يقتضي الاستغفار، لترك الأهم.

стр. 5579

ثم أمر الله تعالى أن يهاب نبيه ﷺ وأن يبجّل وأن يعظم وأن يسود، فقال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ أي لا تدعوا رسول الله باسمه بأن تقولوا: يا محمد أو يا ابن عبد الله، ولكن عظموه، فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله مع التوقير والتعظيم والصوت المنخفض والتواضع، فهذا نهي من الله عن مناداة النبي باسمه أو نسبه، وهو الظاهر من السياق، فلا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم كما يسمي بعضكم بعضا، ويناديه باسمه الذي سماه به أبواه. وفي تفسير آخر: لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا في جواز الإعراض والتساهل في الإجابة والانصراف من مجلسه بغير إذن، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، والرجوع عن مجلسه بغير إذن محرّم. ثم حذر الله تعالى وأوعد المخالفين تلك الآداب فقال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً﴾ قد: للتحقيق، أي إنه تعالى يعلم يقينا أولئك الذين ينسلون من المسجد في الخطبة أو من مجلس النبي ﷺ خفية، واحدا بعد الآخر، دون استئذان، يتستر بعضهم ببعض أو بشيء آخر، فالله لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، يعلم البواعث والدواعي، والخفايا والأسرار، والظواهر والأفعال والأقوال. روى أبو داود أن بعض المنافقين كان يثقل عليه استماع الخطبة والجلوس في المسجد، فإذا استأذن أحد من المسلمين، قام المنافق إلى جنبه، يستتر به، فأنزل الله الآية. ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي فليخش من خالف شريعة الرسول ﷺ باطنا وظاهرا، وصدّ وخرج عن أمره وطاعته، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، وهم

стр. 5580

المنافقون، أن يتعرضوا لمحنة أو بلاء وامتحان في الدنيا من كفر أو نفاق، أو يصيبهم عذاب مؤلم في الآخرة. وضمير ﴿أَمْرِهِ﴾ إما عائد إلى أمر الله تعالى أو أمر رسوله ﷺ . والاية تدل على ان ظاهر الأمر للوجوب؛ لان تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر، ومخالف الأمر مستحق للعقاب، فتارك المأمور به مستحق للعقاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك. والآية أيضا تعم كل من خالف أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ ، وليس المنافقين فقط. ثم ختم تعالى السورة ببيان نطاق المخلوقات، وأنهم تحت سلطان الله وعلمه، فقال: ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ﴿قَدْ﴾ للتحقيق أيضا كما هو حال ما قبلها، أي إن جميع ما في السموات والأرض مختص بالله خلقا، وملكا، وعلما، وتصرفا وإيجادا وإعداما، يعلم كل ما لدى العباد من سر وجهر، فكيف تخفى عليه أحوال المنافقين، وإن اجتهدوا في سترها عن العيون وإخفائها. فقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ معناه أنه عالم به، مشاهد إياه، لا يعزب عنه مثقال ذرة، كما قال: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ، وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ، إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس ٦١/ ١٠]. ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ، فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا، وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي إن الله تعالى سينبئهم يوم القيامة بما أبطنوا من سوء أعمالهم، وسيجازيهم حق الجزاء: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة ١٣/ ٧٥]، ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف ٤٩/ ١٨] والله ذو علم شامل محيط بكل شيء، يوفره لهم، ويفاجئهم به يوم الحساب والعرض عليه. وهذا دليل على فصل القضاء الذي يتفرد به الله تعالى.

стр. 5581

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - وجوب استئذان النبي ﷺ عند الانصراف من مجلسه، وأما غير النبي فيطلب الاستئذان من صاحب البيت وجوبا أيضا حتى لا يطلع الضيف على العورات كوجوب الاستئذان عند الدخول، كما تقدم، ويطلب الاستئذان من الإمام أيضا. وقد أوجبت الآية الاستئذان في الأمر الجامع وهو ما للإمام من حاجة إلى جمع الناس فيه لإذاعة مصلحة، من إقامة سنّة في الدين، أو لترهيب عدو باجتماعهم، وللحروب، قال الله تعالى: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران ١٥٩/ ٣]. فللإمام أن يجمع أهل الرأي والمشورة أو الناس لأمر فيه نفع أو ضرر. ٢ - وقوله تعالى: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ دليل على التفويض إلى الرسول ﷺ أو الإمام المجتهد بعض أمر الدين ليجتهد فيه برأيه النابع من أصول الشريعة وروح التشريع، والمنسجم مع المبادئ الشرعية. ٣ - الآية كما قدمنا دليل على أن ظاهر الأمر للوجوب. ٤ - كان المنافقون يتلوذون ويخرجون عن الجماعة ويتركون رسول الله ﷺ ، فأمر الله جميع المسلمين بألا يخرج أحد منهم حتى يأذن له رسول الله ﷺ ، ليتبين إيمانه؛ ولأنه لم يكن على المنافقين أثقل من يوم الجمعة وحضور الخطبة. ٥ - قيل: إن قوله تعالى: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ وقوله: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ دالان على أن ذلك مخصوص في الحرب. أما في أثناء الخطبة، فليس للإمام خيار في منعه ولا إبقائه. والأصح القول بالعموم، فهو أولى وأحسن، ويشمل ذلك كل مجلس للنبي ﷺ . ٦ - إن تعظيم الرسول ﷺ واجب، فلا ينادى كما ينادي الناس بعضهم

стр. 5582

بعضا، فيقال: يا محمد أو يا أبا القاسم، وإنما يقال: يا رسول الله، في رفق ولين، وبتشريف وتفخيم، كما قال تعالى في سورة الحجرات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [٣]. ٧ - تكرر في الآيات التأكيد على إحاطة علم الله بكل شيء، ومنه نوايا المنافقين وأفعالهم وأقوالهم: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً﴾ ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وبيان علم الله في هذه الأحوال للتحذير والوعيد والزجر عن مخالفة أمره. ٨ - احتج الفقهاء بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ على أن الأمر للوجوب وعلى وجوب طاعة الرسول ﷺ ؛ لأن الله ﵎ قد حذر من مخالفة أمره، وتوعد بالعقاب عليها بقوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ فتحرم مخالفته، فيجب امتثال أمره. ومخالفة أمره توجب أحد أمرين: العقوبة في الدنيا كالقتل والزلازل والأهوال وتسلط السلطان الجائر، والطبع على القلوب بشؤم مخالفة الرسول ﷺ ، والعذاب الشديد المؤلم في الآخرة. وقوله: ﴿يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ معناه: يعرضون عن أمره، أو يخالفون بعد أمره. ٩ - لله جميع ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وعلما، ومنه العلم بأحوال المنافقين، فهو يجازيهم به، ويخبرهم بأعمالهم يوم القيامة، ويجازيهم بها، والله علام بكل شيء من أعمالهم وأحوالهم. وهذا دليل على القدرة الفائقة لله تعالى، واقتداره على المكلف فيما يعامل به من مجازاة بثواب أو بعقاب، وعلمه بما يخفيه ويعلنه، وأن له تعالى فصل القضاء. آمنت بالله

стр. 5583

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الفرقان مكية، وهي سبع وسبعون آية. تسميتها: سميت سورة الفرقان؛ لافتتاحها بالثناء على الله الذي نزل الفرقان، هذا الكتاب المجيد على رسوله محمد ﷺ ، فهو النعمة العظمى، الذي فرق الله به بين الحق والباطل، وجعله نذيرا للعالمين: الجن والإنس، من بأس الله تعالى. مناسبتها لما قبلها: تظهر مناسبة سورة الفرقان لسورة النور من وجوه: أهمها: أن سورة النور ختمت بأن الله تعالى مالك جميع ما في السموات والأرض، وبدئت سورة الفرقان بتعظيم الله الذي له ملك السموات والأرض من غير ولد ولا شريك في الملك. وأوجب الله تعالى في أواخر سورة النور إطاعة أمر النبي ﷺ ، وأبان مطلع الفرقان وصف دستور الطاعة، وهو هذا القرآن العظيم الذي يرشد العالم لأقوم طريق. وتضمنت سورة النور القول في الإلهيات، وأبانت ثلاثة أنواع من دلائل التوحيد: أحوال السماء والأرض، والآثار العلوية من إنزال المطر وكيفية تكون الثلج والبرد، وأحوال الحيوانات، وذكر في الفرقان جملة من المخلوقات الدالة على توحيد الله، كمدّ الظل، والليل والنهار، والرياح والماء، والأنعام،

стр. 5584

والأناسي، ومرج البحرين، وخلق الإنسان والنسب والصهر، وخلق السموات والأرض في ستة أيام، والاستواء على العرش، وبروج السماء، والسراج والقمر ونحو ذلك مما هو تفصيل لقوله سبحانه: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقال في النور: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً﴾ [٤٣]، وقال في الفرقان: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً﴾ [٤٨] وقال في النور: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ﴾ [٤٥] وقال في الفرقان: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً، فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾ [٥٤]. وفي كلتا السورتين وصف أعمال الكافرين والمنافقين يوم القيامة وأنها تكون مهدرة باطلة، فقال في النور: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [٣٩] وقال في الفرقان: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ [٢٣]. وشمل آخر سورة النور الكلام على فصل القضاء: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا﴾ [٦٤] وافتتحت سورة الفرقان بالثناء على الله مالك الملك، وصاحب السلطان المطلق. ما اشتملت عليه السورة: هذه السورة كسائر السور المكية اهتمت بأصول العقيدة من التوحيد والنبوة وأحوال القيامة. فبدأت بإثبات الوحدانية لله ، وصدق القرآن، وصحة رسالة النبي ﷺ ، ووقوع البعث والجزاء يوم القيامة لا محالة، وفندت أضداد هذه العقائد، ونعت على المشركين عبادة الأصنام والأوثان ونسبة الولد لله ، وتكذيبهم بالبعث والقيامة، وهددتهم بما سيلقون من ألوان العذاب والنكال في نار جهنم، ومفاجأتهم بما في جنان الخلد من أصناف النعيم المقيم.

стр. 5585

ثم أبانت شؤم مصير بعض المشركين كعقبة بن أبي معيط الذي عرف الحق ثم ارتدّ عنه، فسمّاه القرآن بالظالم: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ متأثرا بصديقه الذي سمي بالشيطان وهو أبيّ بن خلف. ثم ذكرت قصص بعض الأنبياء السابقين وتكذيب أقوامهم لهم، وما حلّ بهم من نكال ودمار وهلاك بسبب تكذيبهم رسل الله، كقوم نوح، وعاد، وثمود، وأصحاب الرّس، وقوم لوط، وأمثالهم من الكافرين الطغاة. وأوردت السورة أدلة على قدرة الله ووحدانيته، مما في الكون البديع من عجائب صنعه، وما في الأرض من آثار خلقه في الإنسان، والبحر، وخلق السموات والأرض في ستة أيام، وإنزال الأمطار وإرسال الرياح مبشرات بالمطر، وجعل البروج في السماء، وتعاقب الليل والنهار. ثم ختمت السورة ببيان صفات عباد الرحمن المخلصين الموقنين، وما يتحلون به من أخلاق سامية وآداب رضية، تجعلهم يستحقون بها إكرام الله تعالى وثوابه الجزيل في جنات النعيم. إنزال القرآن ووحدانية الله تعالى ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣)﴾

стр. 5586

الإعراب: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ.﴾. بدل من ﴿الَّذِي﴾ الاول، أو مدح مرفوع أو منصوب. البلاغة: ﴿عَلى عَبْدِهِ﴾ إضافة عبد إلى الله للتشريف والتكريم، دون ذكر اسم النبي. ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ أي وبشيرا، واكتفى بأحد الوصفين لبيان حال المعاندين ومناسبة الكلام مع الكفار. ﴿يَخْلُقُونَ﴾ و ﴿يَخْلُقُونَ﴾ جناس ناقص لتغاير الشكل فقط. ﴿ضَرًّا﴾ و ﴿نَفْعاً﴾ ﴿مَوْتاً﴾ و ﴿حَياةً﴾ بين كلّ منهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿تَبارَكَ﴾ تعالى وتعاظم وتكاثر خيره، من البركة: وهي كثرة الخير، ففي إنزال القرآن خير كثير من الله لعباده، ودلالة على تعاليه عنه وعلى كل شيء في صفاته وأفعاله. ﴿الْفُرْقانَ﴾ القرآن؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، وبين المحق والمبطل بإعجازه، أو لأنه فرّق وفصل بعضه عن بعض في الإنزال كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ [الإسراء ١٠٦/ ١٧]. ﴿عَبْدِهِ﴾ أي رسوله محمد ﷺ ، ووصف بأنه عبد تشريفا له بكونه في أكمل مراتب العبودية، وتنبيها إلى أن الرسول عبد للمرسل، وهو ردّ على النصارى الذين يدّعون ألوهية عيسى ﵇. ﴿لِيَكُونَ﴾ العبد أو الفرقان. ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ للجن والأنس دون الملائكة. ﴿نَذِيراً﴾ منذرا مخوفا من عذاب الله تعالى. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ كزعم النصارى. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كقول الثنوية والمشركين. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي خلق كل ما من شأنه أن يخلق. ويلاحظ أنه تعالى في أول الآية أثبت الملك له مطلقا، ثم نفى ما يقوم مقامه وما يقاومه فيه، ثم نبّه بقوله: ﴿وَخَلَقَ﴾ على ما يدل عليه، والخلق: إحداث مراعى فيه التقدير حسب إرادته، كخلقة الإنسان من مواد مخصوصة وصور أشكال معينة. ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ سواه تسوية، وهيأه لما أراد منه من الخصائص والأفعال، كتهيئة الإنسان للإدراك والفهم والنظر والتدبير، واستخراج الصنائع المتنوعة، ومزاولة الأعمال المختلفة وغير ذلك.

стр. 5587

﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ بعد أن أثبت التوحيد والنبوة، أخذ في الرّد على المخالفين فيهما ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لأن عبدتهم ينحتونهم ويصوّرونهم، ومن دونه أي غير الله، وآلهة: هي الأصنام. ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ أي دفع ضر ولا جلب نفع ﴿وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً﴾ أي إماتة أحد أو إحياء أحد ﴿وَلا نُشُوراً﴾ ولا بعث أحد من الأموات، فالنشور: الإحياء بعد الموت للحساب. التفسير والبيان: افتتح الله تعالى سورة الفرقان بالكلام عن إثبات الصانع ووصفه بالجلال والكمال، وتنزهه عن النقصان والمحال، فقال: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ أي أن الله تعالى يحمد نفسه الكريمة على ما نزّله على رسوله ﷺ من القرآن العظيم، لينذر به الثقلين: الجن والإنس ويخوفه من بأسه أو عذابه وعقابه. وهذا دليل قاطع على عموم الرسالة الإسلامية للناس قاطبة وللجن أيضا. ومعنى: ﴿تَبارَكَ﴾: تعالى وتعاظم وكثر خيره، ولا خير، أكثر ولا أفضل من إنزال القرآن المجيد دستور الحياة الإنسانية، المشتمل على التبشير والإنذار، تبشير الطائعين بالجنة، والمخالفين المعاندين المعارضين بالنار. وإنما ذكر الإنذار فقط ولم يذكر التبشير، مع أن مهمة الرسول تشملهما، لمناسبة الكلام مع الكفار المعارضين الذين اتخذوا لله ولدا، وجعلوا معه شريكا. والعبد: هو محمد رسول الله، و ﴿الْفُرْقانَ﴾: القرآن الذي فرق الله به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والحلال والحرام، وفرّقه في الإنزال منجما حسب المناسبات. ونظير الآية قوله تعالى في فاتحة سورة الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. قَيِّماً، لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ، وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ [١ - ٢] وتكرار كلمة ﴿عَبْدِهِ﴾ في الآيتين مدح للنبي ﷺ وثناء عليه؛ للإشارة إلى كمال عبوديته في

стр. 5588

منزلة الخلق والسلطان، كما وصفه بذلك في أشرف أحواله وهي ليلة الإسراء فقال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ ووصفه بذلك أيضا في مقام الدعوة إليه في قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن ١٩/ ٧٢] ووصفه هنا عند إنزال الكتاب عليه وتكليفه بتبليغ الرسالة. ثم وصف الله تعالى ذاته بأربع صفات من صفات الكبرياء، فقال: ١ - ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي أن المالك الحقيقي لجميع ما في السموات والأرض هو الله تعالى، والمالك: له السلطان المطلق في التصرف في ملكه كما يشاء، وله القدرة التامة على ما في ملكه إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، وأمرا ونهيا على وفق الحكمة والمصلحة. وهذا دليل على وجود الله تعالى، لأنه لا طريق إلى إثباته إلا ببيان احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه في أصل وجودها، وزمان حدوثها، وأثناء بقائها، وتصرفه تعالى فيها كيف يشاء، والحاجة إلى الموجد المتصرف يوجب وجوده، لذا قدمت هذه الصفة على سائر الصفات. ٢ - ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ أي لم يكن له ولد إطلاقا، خلافا لما زعم اليهود والنصارى ومشركو العرب من جعل عزير والمسيح ابن الله والملائكة بنات الله، كما حكى القرآن عنهم: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى:﴾ ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ [التوبة ٣٠/ ٩] ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ. أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ. أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ. وَلَدَ اللهُ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ؟!﴾ [الصافات ١٤٩/ ٣٧ - ١٥٣]. ٣ - ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ أي ليس لله في ملكه وسلطانه شريك، فهو المتفرد بالألوهية، المستحق وحده للعبادة والعبودية، وإذا عرف

стр. 5589

العبد ذلك وجّه رجاءه إلى الله تعالى ولم يخف إلا منه، ولم يشغل قلبه إلا برحمته وإحسانه. وهذا ردّ على الثنوية القائلين بوجود إلهين اثنين للعالم: وهما النور والظلمة، وعلى عبدة النجوم والكواكب من الصابئة، وعلى عبدة الأوثان من مشركي العرب الذين كانوا يقولون في تلبية الحج: «لبّيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك». والصفتان المتقدمتان نزّه الله تعالى نفسه فيهما عن الولد وعن الشريك. ٤ - ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ أي أوجد كل شيء مما سواه، وأحدثه إحداثا راعى فيه التقدير بقدر معين والتسوية بشكل محدد، وهيأه لما يصلح له من الخصائص والأفعال اللائقة به، فالإنسان مثلا خلقه الله بشكل مقدر مسوّى في أحسن تقويم، وأوجد فيه من الحواس والطاقات والإمكانات للإدراك والفهم، والنظر والتدبير، واستنباط الصنائع، ومزاولة الأعمال المختلفة، وكذلك الحيوان والجماد جاء به على خلقة مستوية مقدرة، مطابقة لما يراه من الحكمة والمصلحة والتدبير، ولما قدر له غير منافر أو متجاف عنه. والخلاصة: أنه قدر كل شيء مما خلق بحكمته على ما أراد. وفسّر ابن كثير الجملة الأخيرة بأن كل شيء مخلوق مربوب لله، والله هو خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، وكل شيء تحت قهره وتدبيره وتسخيره وتقديره. وبعد أن وصف الله تعالى نفسه بصفات الجلال والعزة والعلو، أردف ذلك بتزييف مزاعم عبدة الأوثان فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً.﴾. إلى قوله: ﴿وَلا نُشُوراً﴾ والمعنى أن تلك الآلهة المزعومة لا تستحق الألوهية لنقصانها من وجوه أربعة هي.

стр. 5590

أ-أنها لا تخلق شيئا، والإله يجب أن يكون قادرا على الخلق والإيجاد. ب-أنها مخلوقة، والمخلوق محتاج، والإله يجب أن يكون غنيا عن غيره. ولما اعتقد المشركون في أصنامهم أنها تضرّ وتنفع عبّر عنها بقوله: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ كما يعبر عن العقلاء. ج -أنها لا تملك لأنفسها ضرا ولا نفعا، أي لا دفع ضرر ولا جلب نفع، فلا تملك ذلك لغيرها، ومن لا يملك لنفسه ولا لغيره النفع ودفع الضرر لا فائدة في عبادته. د-أنها لا تملك موتا ولا حياة ولا نشورا، أي لا تقدر على الإماتة والإحياء المبتدأ والمعاد في زماني التكليف والجزاء، ومن كان كذلك كيف يسمى إلها؟ بل ذلك كله مرجعه إلى الله الذي هو يحيي ويميت، وهو الذي يعيد الخلائق يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان ٢٨/ ٣١]. والخلاصة: أن الله هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، لا إله غيره، ولا ربّ سواه، ولا تنبغي العبادة إلا له، لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وأما عبدة الأصنام والمشركون فقد عبدوا غير الخالق، الذي لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا، ولا يقبل بهذا عاقل متزن، أو عالم متأمل. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يلي: ١ - الله تعالى هو الإله الموجود الواحد الأحد، الخالق المالك لكل شيء. ٢ - الله تعالى مصدر الخير الكثير الفياض على عباده، ومن أتمّ فضائله

стр. 5591

وخيراته ونعمه إنزاله القرآن الكريم على عبده ورسوله محمد ﷺ . ٣ - إثبات نبوة محمد ﷺ ، وتحديد مهمته في الإنذار والتبشير، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار. ٤ - الرسالة الإسلامية رسالة شاملة للثقلين: الجن والإنس، عالمية الهدف، موجهة لكل أبناء البشرية في مشارق الأرض ومغاربها، لأنها التي تمثل الدين الحق، وخاتمة الرسالات الإلهية كما قال ﷺ فيما ورد في الصحيحين والنسائي عن جابر: «بعثت إلى الأحمر والأسود» وقال فيما رواه أحمد عن علي: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي» وذكر منها: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى الناس عامة» فالنبي ﷺ قد كان رسولا إلى العالمين: الإنس والجن، ونذيرا لهما، وأنه خاتم الأنبياء، ولم يكن غيره عام الرسالة إلا نوح ﵇، فإنه عمّ برسالته جميع الإنس بعد الطوفان، بحكم الواقع؛ لأنه بدأ به الخلق. ٥ - عظم الله تعالى نفسه بأربع صفات من صفات الكبرياء وهي أنه مالك السموات والأرض، ولم يتخذ ولدا، فنزّه نفسه عما قاله المشركون من أن الملائكة أولاد الله أي بناته، وعما قالت اليهود: عزير ابن الله، وعما قالت النصارى: المسيح ابن الله، تعالى الله، وأنه لا شريك له في الملك لا كما قال عبدة الأوثان؛ وخلق كل الأشياء لا كما قال المجوس والثّنوية: إن الشيطان أو الظلمة يخلق بعض الأشياء. ٦ - دلّ قوله سبحانه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ على أنه تعالى خالق لأعمال العباد. ٧ - بالرغم من هذه الأدلة على وحدانية الله وقدرته اتخذ المشركون آلهة لا تتصف بأي صفة من صفات الله تعالى، بل إنها أعجز من البشر الذين عبدوها مع الله، فهي مخلوقة غير خالقة، ولا تدفع ضررا ولا تجلب نفعا لنفسها ولمن

стр. 5592

يعبدها، لأنها جمادات، ولا تقدر على التصرف في شيء بالإحياء، والإماتة، والنشور: الإحياء بعد الموت، فهل بعد هذا يقبل عاقل اتخاذها آلهة معبودة؟! لقد احتقر الإنسان نفسه إذ يسجد لصنم أو وثن، أو يستوعب مثل هذه الخرافات والأباطيل. مطاعن المشركين في القرآن ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ اِفْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦)﴾ الإعراب: ﴿وَقالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أساطير: خبر مبتدأ محذوف، أي هذه أساطير الأولين، والأساطير: جمع أسطورة، أو أسطار: وهو ما سطره المتقدمون. المفردات اللغوية: ﴿إِنْ هَذا﴾ ما القرآن. ﴿إِلاّ إِفْكٌ﴾ كذب واختلاق. ﴿اِفْتَراهُ﴾ اختلقه محمد. ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ جماعة من اليهود، فإنهم يلقون إليه أخبار الأمم، وهو يعبر عنه بعبارته، وقيل: هم جبر ويسار وعدّاس. ﴿ظُلْماً﴾ الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وهو هنا جعل الكلام المعجز إفكا مختلفا متلقفا من اليهود. ﴿وَزُوراً﴾ الزور: الكذب والقول الباطل البعيد عن الحق، وهو هنا نسبة ما هو بريء منه إليه. والمعنى: جاؤوا بالأمرين: الظلم والزور، أي الكفر والكذب. ﴿وَقالُوا﴾ أيضا: هو ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيب المتقدمين التي سطروها وهو جمع أسطورة أو أسطار. ﴿اِكْتَتَبَها﴾ انتسخها من ذلك القوم، بأن كتبها بنفسه أو استكتبها وأمر بكتابتها. ﴿تُمْلى عَلَيْهِ﴾ تقرأ عليه ليحفظها. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ غدوة وعشية، أو صباحا ومساء، والمراد: دائما.

стр. 5593

﴿قُلْ: أَنْزَلَهُ﴾ رد عليهم. ﴿السِّرَّ﴾ الغيب، أي أعجزكم جميعا بفصاحته وتضمنه أخبارا عن مغيبات مستقبلة، وأشياء خفية لا يعلمها إلا عالم الأسرار، فكيف تجعلونه أساطير الأولين؟! ﴿إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أي إنه تعالى كان وما يزال غفورا للمؤمنين رحيما بهم، ولا يعجّل أيضا في عقوبتكم على ما تقولون مع كمال قدرته على العقاب، واستحقاقكم إنزال العذاب. سبب النزول: قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، فهو الذي قال هذا القول. وعنى بقوله تعالى: ﴿وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ عدّاس مولى حويطب بن عبد العزّى، ويسار غلام عامر بن الحضرمي، وجبر مولى عامر أو أبو فكيهة الرومي، وكان هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب، وكانوا يقرءون التوراة ويحدثون أحاديث منها، فلما أسلموا، وكان النبي ﷺ يتعهدهم، قال النضر ما قال. فرد الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: ﴿فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً﴾. المناسبة: بعد أن تكلم سبحانه أولا في التوحيد، وثانيا في الرد على عبدة الأوثان، تكلم ثالثا في النبوة، وذكر مطاعن المشركين: طعنهم في القرآن، وطعنهم في نبوة النبي محمد ﷺ الذي نزل عليه القرآن. التفسير والبيان: ذكر الله تعالى في هذه الآيات شبهتين من شبهات المشركين الواهية التي تدل على سخافة عقولهم وجهلهم، فقال: الشبهة الأولى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَراهُ، وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ أي وقال هؤلاء الجهلة من الكفار: ما هذا القرآن إلا كذب واختلاق، اختلقه

стр. 5594

محمد ﷺ ، واستعان على جمعه بقوم آخرين من أهل الكتاب الذين أسلموا فيما بعد، كما ذكر في سبب النزول. فأجابهم تعالى عن هذه الشبهة بقوله: ﴿فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً﴾ أي فقد افتروا هم قولا باطلا، وهم يعلمون أنه باطل، ويعرفون كذب أنفسهم فيما زعموه، فكان قولهم كفرا وظلما بيّنا في غير موضعه، وكذبا مفترى على ربهم، إذ جعلوا الكلام المعجز وهو هذا القرآن إفكا مفترى من قبل البشر. وهذه غاية حجة الضعيف، فإنه إذا لم يجد جوابا مقنعا، بادر إلى الإنكار الذي لا دليل عليه، والتكذيب الذي لا مستند له، فلو صح ما قالوا فلم لم يأتوا بمثله، واستعانوا كما استعان محمد ﷺ بغيره على وفق زعمهم، فإعجاز القرآن دليل كاف وحده للرد عليهم وإبطال مفترياتهم، وهم أهل الفصاحة والبيان. الشبهة الثانية: ﴿وَقالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها، فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي وقال الكفار المشركون أيضا: إن هذا القرآن أساطير الأولين أي أكاذيب المتقدمين، وأحاديث السابقين الذين سطروها في كتبهم كأحاديث رستم واسفنديار، انتسخها محمد ﷺ بوساطة أهل الكتاب يعني عامرا ويسارا، وجبرا أو أبا فكيهة مولى ابن الحضرمي، فهي تقرأ عليه صباح مساء، أي دائما، وخفية ليحفظها، إذ هو أمي لا يقرأ ولا يكتب. وهذا محض افتراء آخر، وتضليل وبعد عن الحق ومكابرة، فقد عرفوا صدق محمد ﷺ ، وأمانته وسلوكه، وبعده عن الكذب، مدة أربعين عاما قبل البعثة، حتى لقّبوه بالأمين، لما يعلمون من صدقه واستقامته، وكان أميا لا يعرف شيئا من الكتابة، لا في أول عمره ولا في آخره، فلما أكرمه الله بالرسالة عادوه واتهموه بما هو بريء منه، ووصفوا القرآن

стр. 5595

المنزل عليه بالأساطير، مع أنه دستور الحكمة والمدنية والحضارة والعلم والتشريع الأمثل للحياة الإنسانية. ثم أجابهم الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ: أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي قل لهم يا محمد النبي: أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين بصدق مطابق للواقع الله الذي يعلم غيب السموات والأرض، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر. ﴿إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أي إن هذا القرآن إنما نزل رحمة بالعباد، فلا يكون سببا لتعجيل العقاب، لذا لم يعاجلكم بالعقوبة رحمة بكم؛ لأنه تعالى غفور رحيم، يمهل ولا يعجل، لتتوبوا وتقلعوا عن الكفر والشرك. فهذه دعوة لهم إلى التوبة والإنابة والإقبال على ساحة الإسلام والهدى، وإخبار لهم بأن رحمته واسعة، وأن حلمه عظيم، فمن تاب تاب الله عليه، بالرغم مما صدر منهم من افتراء وكذب، وكفر وعناد، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا: إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٧٣/ ٥ - ٧٤] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا، فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ، وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠/ ٨٥] قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة. وهذا دليل على أن التوبة الصادقة تسقط الإثم والذنب وتجبّ ما قبلها من الذنوب، فهي مغفورة كرما من الله تعالى، وفضلا ورحمة.

стр. 5596

فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات حكاية شبهتين للمشركين وجوابين عنهما، أما الشبهتان فهما: أن القرآن كذب مختلق اختلقه محمد ﷺ وأعانه عليه قوم من اليهود وأن القرآن أساطير أي أكاذيب وحكايات المتقدمين، فهي تلقى على محمد، وتقرأ في أول النهار وآخره، أي دائما، حتى تحفظ. والرد على الشبهة الأولى: أنهم هم الذين افتروا هذا القول الباطل وهم يعلمون بطلانه، لا أن القرآن مفترى. والرد على الشبهة الثانية أن منزل القرآن هو الله الذي يعلم السر والغيب والجهر، فلا يحتاج إلى معلّم، ولو كان القرآن مأخوذا من أهل الكتاب وغيرهم لما زاد عليها، وقد جاء بفنون تخرج عنها، فليس مأخوذا منها، وأيضا لو كان مأخوذا من هؤلاء، لتمكّن المشركون منه أيضا، كما تمكن محمد ﷺ ، فهلا عارضوه؟ فبطل اعتراضهم من كل وجه. وبيان هذا الجواب: إن الله تحداهم بالمعارضة، وظهر عجزهم عنها ولو كان ﷺ أتى بالقرآن مستعينا بأحد، لسهل عليهم الاستعانة بآخرين، فيأتون بمثل هذا القرآن، فلما عجزوا عنه، ثبت أنه وحي الله وكلامه، لهذا قال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أي أن تلك الفصاحة القرآنية لا تتأتى إلا من العالم بكل المعلومات، وأن القرآن مشتمل على الإخبار عن المغيبات، وذلك لا يتأتى إلا من كامل العلم، وأن القرآن مبرأ عن النقص والتعارض، وذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء ٨٢/ ٤] والقرآن مشتمل على أحكام منسجمة مع مصالح العالم ونظام الناس، وهو لا يكون إلا من العالم الواسع العلم، وكذلك القرآن مشتمل على أنواع العلوم، وهو لا يتأتى إلا من العليم الخبير.

стр. 5597

طعن المشركين في النبي المنزل عليه القرآن ﴿وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٨) اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٩) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠)﴾ الإعراب: ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ ﴿فَيَكُونَ﴾ منصوب لأنه جواب التحضيض بالفاء، بتقدير «أن». ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ معطوف على ﴿يُلْقى﴾ وكلاهما داخل في التحضيض، وليس بجواب له. ﴿وَيَجْعَلْ﴾ معطوف على جواب الشرط وهو «جعل» وموضعه الجزم، وحسن أن يعطف المستقبل على الماضي لفظا؛ لأنه في معنى المستقبل؛ لأن «إن» الشرطية تنقل الفعل الماضي إلى الاستقبال. وقرئ بالرفع على أنه مستأنف، تقديره: وهو يجعل لك. البلاغة: ﴿مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ استفهام يراد به التهكم والتحقير. ﴿وَقالَ الظّالِمُونَ﴾ وضع الظاهر موضع الضمير تسجيلا عليهم ظلم ما قالوه. المفردات اللغوية: ﴿مالِ هذَا الرَّسُولِ﴾ أي ما لهذا يزعم الرسالة؟ وفيه استهانة وتهكم. ﴿يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ كما

стр. 5598

نأكل ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ﴾ لطلب المعاش كما نمشي، والمعنى: إن صح ادعاؤه، فما باله يخالف حاله حالنا، وذلك لقصور نظرهم على المحسوسات، فإن تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية، وإنما بالأمور المعنوية، كما أشار تعالى: ﴿قُلْ: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ [الكهف ١١٠/ ١٨، وفصلت ٦/ ٤١]. ﴿لَوْلا﴾ هلا. ﴿أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ يصدقه، فنعلم صدقه بتصديق الملك. ﴿أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ من السماء ينفقه ويستغني به عن طلب المعاش. ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستان، أي إن لم يلق إليه كنز، فلا أقل من أن يكون له بستان، كما للدهاقين والمياسير، فيعيش من ريعه وغلته، وهذا منهم على سبيل التنزل. ﴿يَأْكُلُ مِنْها﴾ أي من أثمارها، فيكتفي بها ويتميز علينا بها. وقرئ نأكل أي نحن، وهذا كله تفكير الماديين. ﴿وَقالَ الظّالِمُونَ﴾ الكافرون. ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾ أي ما تتبعون. ﴿إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ أي سحر فغلب على عقله واختل تفكيره. ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ﴾ أي قالوا فيك الأقوال العجيبة الشاذة التي جرت مجرى الأمثال، واخترعوا لك الأحوال النادرة، كالمسحور والمحتاج إلى ما ينفقه، وإلى ملك يعاونه في الأمر. ﴿فَضَلُّوا﴾ بذلك عن الهدى وعن الطريق الموصل إلى معرفة خواص النبي ﷺ ، والمميز بينه وبين المتنبئ، فخبطوا خبط عشواء وقوله: ضلوا: أي بقوا متحيرين في ضلالهم. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ طريقا إلى الرشد والهدى، أو إلى القدح في نبوتك. ﴿قُصُوراً﴾ جمع قصر وهو كل بيت مشيد بالحجارة ونحوها، أما ما يتخذ من الصوف أو الشعر فهو البيت في عرف العرب. سبب النزول: أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه وابن جرير وابن أبي حاتم عن خيثمة قال: قيل للنبي ﷺ : إن شئت أعطيناك مفاتيح الأرض وخزائنها، لا ينقصك ذلك عندنا شيئا في الآخرة، وإن شئت جمعتهما لك في الآخرة، فقال: لا، بل اجمعها لي في الآخرة، فنزلت: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ﴾ الآية. أي أن عرض الخزائن من الله. وجاء في السيرة النبوية أن عروض الإغراء بالمال والغنى، والسيادة والجاه، والملك والسلطان كانت من زعماء قريش.

стр. 5599

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: إن عتبة بن ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، وأبا البحتري بن هشام، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ومنبّه بن الحجاج اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد، وكلّموه وخاصموه حتى تعذروا منه، فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا ليكلموك، قال: فجاءهم رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، إنا بعثنا إليك لنعذر منك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تطلب به الشرف، فنحن نسوّدك، وإن كنت تريد به ملكا ملّكناك؟. فقال رسول الله ﷺ : ما بي مما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلّغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك، فسل لربك، وسل لنفسك أن يبعث معك ملكا يصدّقك فيما تقول، ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنيك عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. فقال لهم رسول الله ﷺ : ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا، فأنزل الله في ذلك هذه الآية.

стр. 5600

المناسبة: بعد بيان شبهتي المشركين في القرآن، أبان الله تعالى شبهة ثالثة في النبي المنزل عليه القرآن، وهو الرسول محمد ﷺ ، ثم أبطل تعالى تلك الشبه، وكشف سخفها وزيفها وعدم صلاحيتها للطعن في النبي ﷺ ، فهي في غاية السخافة والسقوط، ولا دليل عليها، وإنما هي تعللات تشير إلى تعنت الكفار وعنادهم وتكذيبهم للحق بلا حجة. التفسير والبيان: ذكر المشركون خمس صفات للنبي ﷺ تتعارض مع النبوة في زعمهم وهي: ١ - ﴿وَقالُوا: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ أي قال المشركون: لا ميزة لهذا النبي الذي يدعي الرسالة، فهو يأكل كما نأكل، ويشرب كما نشرب، ويحتاج إلى ذلك كما نحتاج إليه، يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش. ٢ - ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ﴾ أي يتردد فيها وإليها، طلبا للتكسب والتجارة وابتغاء للرزق والمعيشة، فمن أين له الفضل علينا، وهو مثلنا في هذه الأمور؟ وهذا منهم تصور مادي محض، وموازنة ساذجة، فإن الرسل لم يمتازوا بصفات حسية مادية، فهم في هذا كغيرهم من البشر، وإنما امتازوا بقيم معنوية، ومكاسب أدبية، وطهارة نفسية، لذا قال تعالى: ﴿قُلْ: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ [الكهف ١١٠/ ١٨]. ٣ - ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ أي هلا أنزل إليه ملك من عند الله، فيكون له شاهدا على صدق ما يدعيه، ويرد على من خالفه، كما

стр. 5601

قال فرعون عن موسى ﵇: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف ٥٣/ ٤٣]. ٤ - ﴿أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أي وهلا ألقي عليه كنز من السماء، فينفق منه، فلا يحتاج إلى التردد في الأسواق لطلب المعاش. ٥ - ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها﴾ أي إن لم يكن له كنز فلا أقل من أن يكون كأحد الدهاقين أو المياسير، له بستان يأكل منه، ويعيش من غلته وثمرته. قال الزمخشري: إنهم يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكا إلى اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك، حتى يتساندا في الإنذار والتخويف، ثم نزلوا أيضا فقالوا: وإن لم يكن مرفودا بملك، فليكن مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به، ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلا له بستان يأكل منه ويرتزق. (١) وهذا تصور مادي محض، وقياس على أحوال أصحاب السلطة والنفوذ الدنيوي، وتقدير منهم أن الرسالة أمر آخر فوق البشرية، وما فهموا ولا أدركوا أن الرسول بشر أوحي إليه من عند ربه. وبعد أن انتقصوا الرسول ﷺ بصفات أهل الدنيا، وعيروه بها، نفوا عنه صفة العقل، وهي شبهة أخرى أو صفة سادسة، فقالوا: ٦ - ﴿وَقالَ الظّالِمُونَ: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ أي وقال الكافرون: ما تتبعون إلا رجلا سحر فاختل عقله، فهو لا يدرك ما يقول، فكيف يطاع فيما يأمر؟.

стр. 5602

فأجاب تعالى عن هذه الشبهة بقوله: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ، فَضَلُّوا، فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ أي انظر متعجبا أيها الرسول، كيف قالوا فيك تلك الأقوال، واخترعوا لك تلك الصفات، والأحوال النادرة، وقذفوك وافتروا عليك بقولهم: ساحر مسحور، مجنون، كذاب، شاعر، وكلها أقوال باطلة، وأوصاف مفتراة، لا يصدق بها من له أدنى فهم وعقل، فصاروا متحيرين ضلاّلا عن طريق الهدى والحق، فلا يجدون طريقا إليه. وهذا جواب إجمالي، أردفه بجواب خاص عن طلب البستان والكنز، فقال: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ أي تكاثر خير ربك، فهو إن شاء وهب لك في الدنيا خيرا مما اقترحوا أو طلبوا، وهو أن يعجل لك مثلما وعدك به في الآخرة من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، والقصور الشامخة النادرة، وأن يؤتيك خيرا مما يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن. ولكن الله تعالى ادخر لك العطاء في دار الآخرة الخالدة، لا في الدنيا الزائلة، حتى لا تشتغل بالدنيا عن الدين، وأداء مهمة تبليغ الرسالة، ولأن ما عند الله خير وأبقى. قال خيثمة: قيل للنبي ﷺ : إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها، ما لم نعطه نبيا قبلك، ولا نعطي أحدا من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله، فقال: «اجمعوها لي في الآخرة» فأنزل الله في ذلك: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ﴾. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - المقارنة البناءة المثمرة بين التفكير المادي الذي يؤثر الدنيا، والتفكير

стр. 5603

الديني الذي يتخذ الدنيا وسيلة للحياة، وجسرا إلى الآخرة، وأن الدنيا ليست هي كل هدف الإنسان العاقل، فأمامه عالم آخر، عليه الاستعداد له، والإعداد للظفر بخيراته بالإيمان والعمل الصالح. ٢ - إن دخول الأسواق مباح للتجارة وطلب العيش، وكان ﷺ يدخلها لحاجته، ولتذكير الناس بأمر الله ودعوته، وعرض نفسه فيها على القبائل، لعل الله أن يرجع بهم إلى الحق. وقد تاجر الصحابة وبخاصة المهاجرون في الأسواق، كما خرّج البخاري عن أبي هريرة: «وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصّفق (١) في الأسواق». ٣ - من لم يتأثر بعقل مجرد وقلب طاهر بأقوال النبي ﷺ وبرسالته لذاتها، لما فيها من هداية إلى الحق والخير والتوحيد، لم تنفعه إنذارات الملائكة، فما وراء الإنذار إلا العذاب. ٤ - إن الاتهامات الرخيصة والأوصاف المرذولة زائفة باطلة عند أهل الحكمة والاتزان، والحصافة والعقل. فمن يصدّق أن رسول الله ﷺ الذي عرف بالفطنة ورجاحة الرأي والعقل وسداد التفكير ساحر مسحور، وشاعر مأفون، ومجنون مختل العقل؟ إن الواقع خير شاهد على تكذيب تلك المزاعم والافتراءات. ولا تحتاج إلى جواب إلا كما قال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ﴾. ٥ - إن فضل الله وخيره ونعمه كثيرة لا تعد ولا تحصى، وقدرته شاملة لكل شيء، إذا أراد شيئا قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ لكنه تعالى لا يريد لأنبيائه وأوليائه أن يكونوا أهل غنى وثروة ودنيا، فأهل الغنى والثروة تنتهي سمعتهم بموتهم، ولا يبقى لهم ذكر أو شهرة، وإنما أراد الله تعالى لأنبيائه تخليد آثارهم

стр. 5604

وذكراهم في الحياة الإنسانية بالقيم الخالدة، والمعاني السامية، وبما قدموه للبشرية من عطاء تذكره لهم الأجيال، ويحتكم إلى أصالته الحكماء، ويظل أثرهم الخالد مضرب الأمثال، وقدوة لكل إنسان، وأمل الحيارى، وحلم المعذبين في الأرض، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾. [الأعلى ١٦/ ٨٧ - ١٧]. يروى أن هذه الآية: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ﴾ أنزلها رضوان خازن الجنان إلى النبي ﷺ (١)؛ و في الخبر: إن رضوان لما نزل سلّم على النبي ﷺ ؛ ثم قال: يا محمد، ربّ العزة يقرئك السلام، وهذا سفط (٢) -فإذا سفط من نور يتلألأ-يقول لك ربك: هذه مفاتيح خزائن الدنيا، مع أنه لا ينقص مالك في الآخرة مثل جناح بعوضة؛ فنظر النبي ﷺ إلى جبريل كالمستشير له؛ فضرب جبريل بيده الأرض، يشير أن تواضع، فقال: يا رضوان، لا حاجة لي فيها، الفقر أحب إليّ، وأن أكون عبدا صابرا شكورا، فقال رضوان: أصبت، الله لك. ٦ - دل قوله تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ.﴾. على أنه سبحانه يعطي العباد على حسب المصالح، فيرزق بعضهم نعمة المال، وآخر نعمة العلم، وغيرهم نعمة العقل والفهم، وهو فعال لما يريد.

стр. 5605

إنكار المشركين يوم القيامة وحالهم فيه ومقارنتهم بأهل الجنة ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً (١١) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَاُدْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤) قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦)﴾ الإعراب: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، تقديره: سمعوا لها صوت تغيظ وزفير. ﴿أُلْقُوا مِنْها مَكاناً﴾ ﴿مِنْها﴾ حال من ﴿مَكاناً﴾ لأنه في الأصل صفة له. ﴿قُلْ: أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ؟﴾ ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر من السعير، وجاء التفضيل بينهما على حد قولهم: الشقاء أحب إليك أم السعادة. وأفعل التفضيل يقتضي الاشتراك بين الشيئين في الأصل، وإن اختلفا في الوصف، فلا يجوز القول: العسل أحلى من الخلّ، لعدم الاشتراك في أصل الحلاوة، وأجازه الكوفيون. ﴿لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ﴾ حال من ضمير. ﴿لَهُمْ﴾ أو من ضمير ﴿يَشاؤُنَ﴾. البلاغة: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ استعارة تمثيلية، شبه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره، لما فيهما من هياج واضطرام، وهو صوت يسمع من جوفه.
следующие страницы →