قال فرعون عن موسى ﵇: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف ٥٣/ ٤٣].
٤ - ﴿أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أي وهلا ألقي عليه كنز من السماء، فينفق منه، فلا يحتاج إلى التردد في الأسواق لطلب المعاش.
٥ - ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها﴾ أي إن لم يكن له كنز فلا أقل من أن يكون كأحد الدهاقين أو المياسير، له بستان يأكل منه، ويعيش من غلته وثمرته.
قال الزمخشري: إنهم يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكا إلى اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك، حتى يتساندا في الإنذار والتخويف، ثم نزلوا أيضا فقالوا: وإن لم يكن مرفودا بملك، فليكن مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به، ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلا له بستان يأكل منه ويرتزق. (١)
وهذا تصور مادي محض، وقياس على أحوال أصحاب السلطة والنفوذ الدنيوي، وتقدير منهم أن الرسالة أمر آخر فوق البشرية، وما فهموا ولا أدركوا أن الرسول بشر أوحي إليه من عند ربه.
وبعد أن انتقصوا الرسول ﷺ بصفات أهل الدنيا، وعيروه بها، نفوا عنه صفة العقل، وهي شبهة أخرى أو صفة سادسة، فقالوا:
٦ - ﴿وَقالَ الظّالِمُونَ: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ أي وقال الكافرون: ما تتبعون إلا رجلا سحر فاختل عقله، فهو لا يدرك ما يقول، فكيف يطاع فيما يأمر؟.
стр. 5602
فأجاب تعالى عن هذه الشبهة بقوله:
﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ، فَضَلُّوا، فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ أي انظر متعجبا أيها الرسول، كيف قالوا فيك تلك الأقوال، واخترعوا لك تلك الصفات، والأحوال النادرة، وقذفوك وافتروا عليك بقولهم: ساحر مسحور، مجنون، كذاب، شاعر، وكلها أقوال باطلة، وأوصاف مفتراة، لا يصدق بها من له أدنى فهم وعقل، فصاروا متحيرين ضلاّلا عن طريق الهدى والحق، فلا يجدون طريقا إليه.
وهذا جواب إجمالي، أردفه بجواب خاص عن طلب البستان والكنز، فقال: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ أي تكاثر خير ربك، فهو إن شاء وهب لك في الدنيا خيرا مما اقترحوا أو طلبوا، وهو أن يعجل لك مثلما وعدك به في الآخرة من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، والقصور الشامخة النادرة، وأن يؤتيك خيرا مما يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن. ولكن الله تعالى ادخر لك العطاء في دار الآخرة الخالدة، لا في الدنيا الزائلة، حتى لا تشتغل بالدنيا عن الدين، وأداء مهمة تبليغ الرسالة، ولأن ما عند الله خير وأبقى.
قال خيثمة: قيل للنبي ﷺ : إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها، ما لم نعطه نبيا قبلك، ولا نعطي أحدا من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله، فقال: «اجمعوها لي في الآخرة» فأنزل الله في ذلك:
﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ﴾.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - المقارنة البناءة المثمرة بين التفكير المادي الذي يؤثر الدنيا، والتفكير
стр. 5603
الديني الذي يتخذ الدنيا وسيلة للحياة، وجسرا إلى الآخرة، وأن الدنيا ليست هي كل هدف الإنسان العاقل، فأمامه عالم آخر، عليه الاستعداد له، والإعداد للظفر بخيراته بالإيمان والعمل الصالح.
٢ - إن دخول الأسواق مباح للتجارة وطلب العيش، وكان ﷺ يدخلها لحاجته، ولتذكير الناس بأمر الله ودعوته، وعرض نفسه فيها على القبائل، لعل الله أن يرجع بهم إلى الحق.
وقد تاجر الصحابة وبخاصة المهاجرون في الأسواق، كما خرّج البخاري عن أبي هريرة: «وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصّفق (١) في الأسواق».
٣ - من لم يتأثر بعقل مجرد وقلب طاهر بأقوال النبي ﷺ وبرسالته لذاتها، لما فيها من هداية إلى الحق والخير والتوحيد، لم تنفعه إنذارات الملائكة، فما وراء الإنذار إلا العذاب.
٤ - إن الاتهامات الرخيصة والأوصاف المرذولة زائفة باطلة عند أهل الحكمة والاتزان، والحصافة والعقل. فمن يصدّق أن رسول الله ﷺ الذي عرف بالفطنة ورجاحة الرأي والعقل وسداد التفكير ساحر مسحور، وشاعر مأفون، ومجنون مختل العقل؟ إن الواقع خير شاهد على تكذيب تلك المزاعم والافتراءات. ولا تحتاج إلى جواب إلا كما قال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ﴾.
٥ - إن فضل الله وخيره ونعمه كثيرة لا تعد ولا تحصى، وقدرته شاملة لكل شيء، إذا أراد شيئا قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ لكنه تعالى لا يريد لأنبيائه وأوليائه أن يكونوا أهل غنى وثروة ودنيا، فأهل الغنى والثروة تنتهي سمعتهم بموتهم، ولا يبقى لهم ذكر أو شهرة، وإنما أراد الله تعالى لأنبيائه تخليد آثارهم
стр. 5604
وذكراهم في الحياة الإنسانية بالقيم الخالدة، والمعاني السامية، وبما قدموه للبشرية من عطاء تذكره لهم الأجيال، ويحتكم إلى أصالته الحكماء، ويظل أثرهم الخالد مضرب الأمثال، وقدوة لكل إنسان، وأمل الحيارى، وحلم المعذبين في الأرض، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾.
[الأعلى ١٦/ ٨٧ - ١٧].
يروى أن هذه الآية: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ﴾ أنزلها رضوان خازن الجنان إلى النبي ﷺ (١)؛ و
في الخبر: إن رضوان لما نزل سلّم على النبي ﷺ ؛ ثم قال: يا محمد، ربّ العزة يقرئك السلام، وهذا سفط (٢) -فإذا سفط من نور يتلألأ-يقول لك ربك: هذه مفاتيح خزائن الدنيا، مع أنه لا ينقص مالك في الآخرة مثل جناح بعوضة؛ فنظر النبي ﷺ إلى جبريل كالمستشير له؛ فضرب جبريل بيده الأرض، يشير أن تواضع، فقال: يا رضوان، لا حاجة لي فيها، الفقر أحب إليّ، وأن أكون عبدا صابرا شكورا، فقال رضوان: أصبت، الله لك.
٦ - دل قوله تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ.﴾. على أنه سبحانه يعطي العباد على حسب المصالح، فيرزق بعضهم نعمة المال، وآخر نعمة العلم، وغيرهم نعمة العقل والفهم، وهو فعال لما يريد.
стр. 5605
إنكار المشركين يوم القيامة وحالهم فيه ومقارنتهم بأهل الجنة
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً (١١) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَاُدْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤) قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦)﴾
الإعراب:
﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، تقديره: سمعوا لها صوت تغيظ وزفير. ﴿أُلْقُوا مِنْها مَكاناً﴾ ﴿مِنْها﴾ حال من ﴿مَكاناً﴾ لأنه في الأصل صفة له.
﴿قُلْ: أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ؟﴾ ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر من السعير، وجاء التفضيل بينهما على حد قولهم: الشقاء أحب إليك أم السعادة. وأفعل التفضيل يقتضي الاشتراك بين الشيئين في الأصل، وإن اختلفا في الوصف، فلا يجوز القول: العسل أحلى من الخلّ، لعدم الاشتراك في أصل الحلاوة، وأجازه الكوفيون.
﴿لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ﴾ حال من ضمير. ﴿لَهُمْ﴾ أو من ضمير ﴿يَشاؤُنَ﴾.
البلاغة:
﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ استعارة تمثيلية، شبه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره، لما فيهما من هياج واضطرام، وهو صوت يسمع من جوفه.
стр. 5606
المفردات اللغوية:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾ القيامة، والمعنى: ليس ما ذكروه من الشبهة في وصف الرسول ﷺ بما زعموا من الأوصاف الخمسة أو الستة يصلح أن يكون شبهة ذات بال أو أهمية، بل الذي حملهم على تقولهم وافترائهم تكذيبهم بالساعة، وبما فيها من ثواب وعقاب؛ لان من يخاف الآخرة ينظر ويفكر، ولا يتورط بالتكذيب والافتراء ﴿وَأَعْتَدْنا﴾ هيأنا. ﴿سَعِيراً﴾ نارا مسعّرة شديدة الاشتعال. ﴿رَأَتْهُمْ﴾ إذا كانت بمرأى منهم،
كقوله ﷺ عن المسلمين والمشركين فيما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن جرير: «لا تتراءى ناراهما» أي لا تتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى عن الأخرى، على سبيل المجاز. ﴿مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ هو أقصى ما يمكن أن يرى منه. ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ أي سمعوا لها صوت تغيظ وزفير، والتغيظ: شدة الغضب، والزفير: هو النّفس الخارج من الإنسان، ضد الشهيق.
﴿مِنْها مَكاناً﴾ أي في مكان، ومنها: بيان تقدم، فصار حالا. ﴿ضَيِّقاً﴾ بأن يضيق عليهم، ووصف بالضيق لزيادة العذاب، فإن الكرب مع الضيق، والانشراح مع السعة، ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مصفدين، قد قرنت (جمعت) أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال والسلاسل. ﴿هُنالِكَ﴾ في ذلك المكان. ﴿ثُبُوراً﴾ أي هلاكا، والمعنى:
أنهم يتمنون الهلاك ويطلبونه قائلين: يا ثبوراه تعال. فهذا حينك. ﴿وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ أي اطلبوا أنواعا من الهلاك؛ لأن عذابكم أنواع كثيرة، كل نوع منها ثبور، لشدته، أو لأنه يتجدد، كقوله تعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ [النساء ٥٦/ ٤].
﴿أَذلِكَ﴾ المذكور من الوعيد والعذاب وصفة النار. والاستفهام والتفضيل والترديد في قوله: ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ للتقريع مع التهكم. وإضافة الجنة إلى الخلد للمدح، أو الدلالة على خلودها، وتمييزها عن جنات الدنيا. ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ وعدها المتقون وهم الذين يتقون الكفر والتكذيب ﴿كانَتْ لَهُمْ﴾ في علم الله أو في اللوح المحفوظ. ﴿جَزاءً﴾ ثوابا على أعمالهم بوعد جازم من الله. ﴿وَمَصِيراً﴾ مرجعا ينقلبون إليه. ﴿ما يَشاؤُنَ﴾ ما يشاءونه من النعيم، وفيه تنبيه على ان كل المرادات والرغبات لا تحصل إلا في الجنة. ﴿وَعْداً مَسْؤُلاً﴾ أي كان ذلك موعودا، حقيقا بأن يسأل ويطلب، ويسأله الذين وعدوا به، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران ١٩٤/ ٣] أو تسأله الملائكة لهم، كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ [غافر ٨/ ٤٠].
стр. 5607
المناسبة:
بعد بيان الشبهات الثلاث المتقدمة للمشركين وهي: ﴿إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَراهُ﴾ ﴿وَقالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ الآية، وبعد الجواب عن الشبهة الثالثة بجوابين: أولهما- ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ﴾ وثانيهما- ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ﴾ بعد ما ذكر، أجاب الله تعالى بجواب ثالث عن تلك الشبهة بقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ.﴾. أي إن تقولهم عليك أيها الرسول مصدره تكذيبهم بالبعث، وعدم تصديقهم بالثواب والعقاب.
أو أنه عطف على ما حكي عنهم، ثم قال: بل أتوا بأعجب من ذلك كله، وهو تكذيبهم بالساعة.
التفسير والبيان:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾ أي إن موقف هؤلاء المشركين منك أيها الرسول بالتكذيب والعناد، لا بالتبصر والاسترشاد، والتقول عليك بالأباطيل، ناشئ من تكذيبهم بيوم القيامة، فذلك هو الذي يحملهم على ما يقولونه من تلك الأقوال الساقطة؛ لأن من لا يوقن بالقيامة، ولا بالحساب والجزاء يتورط بسرعة في الاتهام دون تقدير للمسؤولية، ولا تأمل في عواقب الأمور، ولا انتفاع بالأدلة التي ترشده إلى التعقل والتبصر بما يقول، فهذا أعجب من كل ما صدر منهم.
﴿وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً﴾ أي هيأنا وأرصدنا لمن كذب بالقيامة وما فيها من حساب وجزاء، نارا مستعرة شديدة الالتهاب، وعذابا أليما حارا في نار جهنم. والسعير: مذكر، ولكن جاء هنا مؤنثا لعود الضمير بالتأنيث في قوله تعالى: ﴿رَأَتْهُمْ﴾ وقوله ﴿سَمِعُوا لَها﴾ وإنما جاء مؤنثا على معنى النار.
ودلت الآية على أن النار مخلوقة؛ لأن ﴿أَعْتَدْنا﴾ أعددنا إخبار عن فعل
стр. 5608
وقع في الماضي، مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١/ ٣] وكذلك الجنة مخلوقة؛ لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣/ ٣].
ثم وصف الله تعالى أهوال النار بصفتين فقال:
الصفة الأولى:
﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ، سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ أي إذا كانت النار بمرأى من الناظر من بعيد، سمعوا صوت غليانها، الذي يشبه صوت المتغيظ، لشدة التهابها، وصوت الزافر الحزين الذي يخرج النّفس من جوفه.
أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن جرير عن عبيد بن عمير أنه قال: «إن جهنم لتزفر زفرة، لا يبقى ملك مقرّب، ولا نبي مرسل إلا خرّ لوجهه، ترتعد فرائصه، حتى إن إبراهيم ﵇ ليجثو على ركبتيه، ويقول: ربّ، لا أسألك اليوم إلا نفسي».
الصفة الثانية:
﴿إِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ، دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً، لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً، وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ أي بعد أن وصف الله حال الكفار، وهم في بعد من جهنم، وصف حالهم عند إلقائهم فيها، فإذا ألقوا فيها في مكان ضيق مكتّفين، أي قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال والسلاسل، صاحوا واستغاثوا وقالوا: يا ثبوراه، أي يا هلاكنا احضر، فهذا وقتك، فيقال لهم: لا تنادوا هلاكا واحدا، ونادوا هلاكا كثيرا، أي أنكم وقعتم ليس في هلاك واحد، وإنما في ثبور كثير، إما لتنوع ألوان العذاب، فكل نوع منها عذاب لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدّلوا غيرها. والمقصود تيئيسهم من الخلاص من العذاب بالهلاك، والتنبيه إلى أن عذابهم أبدي لا خلاص منه.
стр. 5609
ووصف المكان بالضيق؛ لأن الكرب مع الضيق، كما أن الرّوح مع السعة، ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض، وجاء في الأحاديث «أن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا» ولقد جمع الله على أهل النار أنواع الإرهاق والتضييق، حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصا، كما ذكر صاحب الكشاف، وكما روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: «إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزّج-الحديدة التي في أسفل الرمح-على الرمح» وسئل النبي ﷺ عن ذلك
فقال: «والذي نفسي بيده، إنهم يستكرهون في النار، كما يستكره الوتد في الحائط».
وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «أول من يكسى حلّة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه، ويسحبها من خلفه، وذريته من بعده، وهو ينادي: يا ثبوراه، وينادون: يا ثبورهم، حتى يقفوا على النار، فيقول: يا ثبوراه، وينادون: يا ثبورهم، فيقال لهم: ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً، وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾» أي لا تدعوا اليوم ويلا واحدا، وادعوا ويلا كثيرا. قال ابن كثير: الأظهر أن الثبور يجمع الهلاك والويل والخسار والدمار، كما قال موسى لفرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء ١٠٢/ ١٧]. أي هالكا.
وبعد أن وصف الله عقاب المكذبين بالساعة قارن بينه وبين ثواب المؤمنين المتقين، بما يؤكد الحسرة والندامة، فقال لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ: أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين تهكما بهم وتحسيرا لهم: أهذا العذاب الذي وصفت لكم أفضل أم نعيم جنة الخلد الذي يدوم إلى الأبد، وقد وعدها المتقون الأبرار الذين أطاعوا الله فيما أمر به، وانتهوا عما نهى عنه، وجعلها لهم جزاء طاعتهم في الدنيا، ومآلهم الحسن إليها. وجنة الخلد: هي التي لا ينقطع نعيمها، والخلد والخلود سواء كالشكر والشكور.
стр. 5610
﴿لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ﴾ للمتقين في جنة الخلد ما يشتهون من الملاذ في الأكل والشرب والملبس والمسكن والمركب والمنظر، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهم في النعيم خالدون أبدا دائما، بلا انقطاع ولا زوال، ولا يبغون عنها حولا.
وهذا دليل على تحقيق جميع الرغبات، ووعد من الله الذي تفضل به عليهم، وأحسن به إليهم، لهذا قال: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً﴾ أي لا بد أن يقع، وأن يكون وعدا واجبا، وموعودا به، جديرا بأن يسأل ويطلب، وينجز، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ، وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ، إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ [آل عمران ١٩٤/ ٣] وقال سبحانه: ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة ٢٠١/ ٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - إن منشأ إنكار المشركين لوحدانية الله، وتكذيبهم برسالة النبي ﷺ ، وطعنهم بالقرآن وبالنبوة، هو إنكار يوم القيامة وعدم الإيمان باليوم الآخر:
لأن من آمن به تبصر وتدبر، ولم يكن متهورا في سوء الاعتقاد.
٢ - دل قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً﴾ على أن النار مخلوقة الآن وموجودة، كما أن الجنة مخلوقة وموجودة لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣/ ٣]. والسعير: النار الشديدة الاستعار.
٣ - وصف الله تعالى النار بصفتين: الأولى-شدة الاستعار والالتهاب، يرى لها تغيظ، ويسمع لها زفير من مكان بعيد. والثانية-إذا ألقي فيها المعذّبون تضيق عليهم، وتشتد في المضايقة؛ لأن جو العذاب مضايق.
стр. 5611
٤ - يتمنى المعذّبون في جهنم الموت والهلاك، للخلاص من شدة العذاب، ولكن لا يتحقق لهم ذلك، ويبقون فيها معذّبين، لا أمل لهم في النجاة أو الخلاص مما هم فيه.
٥ - لا مجال أصلا للمقارنة بين عذاب النار ونعيم الجنة، فلا خير في النار، وإنما يقال للكفار: ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ للتنبيه على التفاوت بين المنزلتين، وللتهكم بهم والتحسير لهم، وتفادي ما يؤدي بهم إلى النار، وهذا رحمة من الله بهم، وإنذار مسبق، ولقد أعذر من أنذر.
٦ - في الجنة تحقيق كل الرغبات والمطالب، ففيها ما لا تتصوره العقول في الدنيا.
٧ - وعد الله المؤمنين الجنة جزاء على أعمالهم، ووعده حق وصدق ومنجز لا محالة، فسألوه ذلك الوعد، وقالوا: ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ أو أن الملائكة تسأل لهم الجنة، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾. قال زيد بن أسلم: سألوا الله الجنة في الدنيا، ورغبوا إليه بالدعاء، فأجابهم في الآخرة إلى ما سألوا وأعطاهم ما طلبوا.
أحوال الكفار مع معبوداتهم يوم القيامة
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (١٩)﴾
стр. 5612
المفردات اللغوية:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ للجزاء، وقرئ: نحشرهم. ﴿وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي من غير الله، ويشمل كل معبود من الملائكة والجن وعيسى وعزير، والأصنام، واستعمال ﴿ما﴾ لأنه أعم، أو لتغليب الأصنام تحقيرا. والأصنام ينطقها الله، أو تتكلم بلسان الحال، كما قيل في كلام الأيدي والأرجل. ﴿فَيَقُولُ﴾ تعالى للمعبودين، إثباتا للحجة على العابدين، وقرئ: فنقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ﴾: هل أنتم أوقعتموهم في الضلال، بأمركم إياهم بعبادتكم. ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي أم أخطئوا طريق الحق بأنفسهم؛ لإخلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المرشد النصيح. وهو استفهام تقريع وتبكيت للعابدين. وضلّ السبيل: فقده وخرج عنه.
﴿سُبْحانَكَ﴾ تنزيها لك عما لا يليق بك، وكان جوابهم تعجبا مما قيل لهم؛ لأنهم إما ملائكة أو أنبياء معصومون أو جمادات لا تقدر على شيء. ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾ ما كان يصح أو يستقيم لنا. ﴿مِنْ دُونِكَ﴾ غيرك، ومرادهم أنه لا يتصور منا دعوة أحد إلى عبادتنا، للعصمة أو للعجز، فكيف يصح لنا أن ندعو غيرنا أن يتولى أحدا دونك. ﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ﴾ من قبلهم بإطالة العمر وسعة الرزق وأنواع النعم، فاستغرقوا في الشهوات. ﴿حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ تركوا الموعظة والإيمان بالقرآن، وغفلوا عن ذكرك أو التذكر لآلائك ونعمك والتدبر في آياتك، و ﴿الذِّكْرَ﴾:
ما ذكّر به الناس بواسطة أنبيائهم، وهو هنا القرآن والشرائع، أو ذكر الله والإيمان به.
﴿بُوراً﴾ هلكى أو هالكين، من البوار، أي الهلاك.
﴿كَذَّبُوكُمْ﴾ كذب المعبودون العابدين، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب للتنويع في الأسلوب ولفت الأنظار. ﴿بِما تَقُولُونَ﴾ أنهم آلهة. «فما يستطيعون» أي هم، وقرئ بالتاء:
أي أنتم. ﴿صَرْفاً﴾ دفعا للعذاب عنكم. ﴿وَلا نَصْراً﴾ منعا لكم منه. ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ يشرك أو يكفر منكم أيها المخاطبون. ﴿عَذاباً كَبِيراً﴾ شديدا في الآخرة، وهو النار، وقوله:
﴿وَمَنْ يَظْلِمْ﴾ شرط، وإن عمّ كل من كفر أو فسق لكنه في اقتضاء الجزاء مقيد بعدم التوبة من العبد، والعفو من الله تعالى.
المناسبة:
بعد بيان ما أعد الله للكافرين من شدة العذاب يوم القيامة، ومقارنته بنعيم أهل الجنة، ذكر الله تعالى مشهدا من مشاهد القيامة وهو حال العابدين مع المعبودين من غير الله الذين يحشرهم الله تعالى، ويسألهم: أهم الذين أوقعوا عابديهم في الضلال عن طريق الحق، أم هم ضلوا عنه بأنفسهم؟
стр. 5613
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عما يقع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من عبدوا من دون الله كالملائكة وغيرهم فقال:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، فَيَقُولُ: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي واذكر أيها الرسول لأولئك المشركين يوم يجمعهم مع معبوديهم من الملائكة والمسيح وعزير والأصنام التي ينطقها الله وغيرهم من الناس كفرعون، الذين عبدوا من دون الله، فيقال لأولئك المعبودين على سبيل التقرير والتثبيت: أأنتم أوقعتم عبادي في الضلال عن طريق الحق، أو هل دعوتم هؤلاء إلى عبادتكم من دوني، أم هم ضلوا عنه بأنفسهم أو عبدوكم من تلقاء أنفسهم من غير دعوة منكم لهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ: اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ؟ قالَ: سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ، تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي، وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة ١١٦/ ٥].
واستعمال ﴿ما﴾ في قوله تعالى: ﴿وَما يَعْبُدُونَ﴾ لأنها موضوعة للعقلاء وغيرهم: على العموم، وفائدة ﴿أَنْتُمْ﴾ و ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ لأن السؤال ليس عن الفعل ووجوده؛ لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب، وإنما هو عن متوليه وفاعله، فلا بد من ذكره، ليعلم أنه المسؤول عنه. والسؤال ليس لإخبار الله، فالله سبحانه قد سبق علمه بالمسؤول عنه، ففائدته أن يجيبوا بما أجابوا به لتقريع عبدتهم بتكذيبهم إياهم، فيبهتوا وينخذلوا وتزيد حسرتهم، ويكون ذلك كشفا وافتضاحا لعبدة الأصنام والأوثان وغيرهم، ومسوغا لإلحاق غضب الله وعذابه، كما أبان الزمخشري.
وظاهر السؤال في قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ.﴾. من الله تعالى، ويحتمل أن يكون ذلك من الملائكة بأمر الله تعالى.
стр. 5614
ثم أخبر الله تعالى عما يجيب به المعبودون يوم القيامة فقال:
﴿قالُوا: سُبْحانَكَ، ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ، وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ، وَكانُوا قَوْماً بُوراً﴾ أي قال المعبودون بلسان المقال أو الحال على طريق التعجب مما قيل لهم: تنزيها لك يا ربّ مما نسبه إليك المشركون، ما كان يصح لنا بحال أن نتخذ أنصارا من دونك، فنحن الفقراء إليك، وليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدا سواك، فنحن ما دعوناهم إلى عبادتنا، بل هم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا ولا رضانا، ونحن برآء منهم ومن عبادتهم، وإذا كنا لا نرى من دونك أولياء، فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك؟ ولكن طال عليهم العمر، وشغلوا بما أنعمت عليهم من صنوف الخيرات، واستغرقوا في اللذات والشهوات، ونسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك، وكانوا قوما لا خير فيهم، وهلكى في نهاية الأمر.
ونظير الآية: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ، قالُوا: سُبْحانَكَ﴾ [سبأ ٤٠/ ٣٤ - ٤١].
فيقال للعابدين:
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ، فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً﴾ أي فقد كذّبكم الذين عبدتم من دون الله فيما زعمتم أنهم لكم أولياء مناصرون، وأنهم يقربونكم إلى الله زلفى، فلا يقدرون، أي الآلهة المزعومة، على صرف العذاب عنهم، ولا الانتصار لأنفسهم بأي حال أبدا، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ. وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً، وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥/ ٤٦ - ٦].
ثم أعلن الله تعالى حكم كل ظالم، فقال:
стр. 5615
﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً﴾ أي ومن يشرك بالله أو يكفر، أو يفسق نذقه يوم القيامة عذابا شديدا لا يعرف قدره. والظلم هنا هو الإشراك ونحوه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣/ ٣١] وقال سبحانه:
﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الحجرات ١١/ ٤٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه صورة مسبقة من الحوار، معروضة في الدنيا، للعظة والعبرة بين المعبودين الذين اتخذوا آلهة من غير رضا منهم، وبين العابدين الذين ضلوا عن الحق، فعبدوا من لا يستحق العبادة، يبيّن فيها سلفا مصير الكافرين. وهذا غير مألوف في أحكام الدنيا التي لا تعرف إلا بإعلان القاضي لها.
وكانت نتيجة الجواب والسؤال بيان حصر المسؤولية عن الضلال في العابدين دون المعبودين، وجعل تبرؤ المعبودين عن العابدين سببا واضحا في حسرتهم وحيرتهم.
ويقول الله تعالى عند تبرّي المعبودين: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ﴾ أي كذبتكم تلك الآلهة المزعومة في نظركم في قولكم: إنهم آلهة، وحينئذ لا يستطيع هؤلاء الكفار لما كذّبهم المعبودون صرف العذاب عن أنفسهم، ولا نصر أنفسهم مما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم.
ونوع العذاب الذي سيوقع عليهم وعلى أمثالهم هو كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً﴾ أي ومن يشرك منكم ثم يموت عليه من غير توبة، نذقه في الآخرة عذابا كبيرا أي شديدا، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ [الإسراء ٤/ ١٧] أي شديدا.
стр. 5616
بشرية الرسل
﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠)﴾
البلاغة:
﴿أَرْسَلْنا﴾ ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ جناس اشتقاق.
﴿تَصْبِرُونَ﴾ ﴿بَصِيراً﴾ جناس ناقص، لتقديم بعض الحروف، وتأخير بعضها.
المفردات اللغوية:
﴿إِلاّ إِنَّهُمْ﴾ أي إلا رسلا إنهم، فحذف الموصوف لدلالة ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ عليه، وأقيمت الصفة مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات ١٦٤/ ٣٧]. ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ أي فأنت مثلهم في ذلك، وقد قيل لهم مثل ما قيل لك.
﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ أي وجعلنا بعضكم أيها الناس لبعض ابتلاء، ومن ذلك ابتلاء الغني بالفقير، والصحيح بالمريض، والشريف بالوضيع، لمعرفة مدى قيامه بواجبه نحوه أو إيذاء أحدهم لغيره. وفيه تسلية لرسول الله ﷺ على ما قاله المشركون في حقه، بعد نقضه والرد عليه، وفيه دليل على القضاء والقدر؛ لأنه تعالى هو الذي جعل البعض فتنة للبعض.
﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ على ما تسمعون ممن ابتليتم بهم؟ وهو استفهام بمعنى الأمر، بمعنى: اصبروا، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة ٩١/ ٥] أي انتهوا، فهو حث على الصبر على الابتداء وأمر به للنبي ﷺ وغيره، أو علة لقوله: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ.﴾. والمعنى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، لنعلم أيكم يصبر، كقوله تعالى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف ٧/ ١٨]. ﴿وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ أي عالما بمن يصبر وبمن يجزع.
سبب النزول:
أخرج الواحدي وابن جرير عن ابن عباس قال: لما عيّر المشركون رسول الله
стр. 5617
صلّى الله عليه وسلم بالفاقة، وقالوا: ﴿مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ﴾ حزن رسول الله ﷺ ، فنزل: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ، وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾.
المناسبة:
هذه الآية إذن جواب عن قول المشركين: ﴿مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ﴾. فيها أبان الله تعالى أن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله، فلا وجه للطعن.
التفسير والبيان:
﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ أي إن جميع الرسل المتقدمين كانوا بشرا يأكلون الطعام، للتغذي به، ويمشون في الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك منافيا لحالهم ومنصبهم، أو يغضّ من شأنهم، وإنما امتيازهم في اتصافهم بالأخلاق الفاضلة، وقيامهم بالأعمال الكاملة، وتأييدهم بخوارق العادات أو بالمعجزات التي تدل كل عاقل على صدق رسالتهم وما جاؤوا به من عند ربهم، ومحمد ﷺ كغيره من الرسل في هذا.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ [يوسف ١٠٩/ ١٢] وقوله: ﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ [الأنبياء ٨/ ٢١].
والمعنى: أن الرسول يكون من جنس المرسل إليهم، وليس الفقر عيبا، وليس العمل منقصا من قدر الشخص واعتباره، وإنما قيم الرجال بالآداب والأعمال.
﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ أي اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم
стр. 5618
ببعض، لنعلم من يطيع ممن يعصي، فالناس طبقات في الغنى والفقر، والعلم والجهل، والفهم والغباء، والصحة والمرض، وصاحب النعمة مسئول عمن حرم منها، والله قادر على منح الدنيا رسله الكرام، ولكنه أراد تساميهم عن الدنيا، وحشد طاقاتهم وأعمالهم للآخرة، ليقتدى بهم، كما أراد سبحانه ابتلاء العباد بهم وابتلاءهم بالعباد، ليعرف المطيع من العاصي، والمسالم من المؤذي.
﴿أَتَصْبِرُونَ، وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ أي اصبروا على ما أراده الله لكم، وكان ربك أيها الرسول بصيرا بمن يصبر وبمن يجزع، وبمن يستقيم وبمن يتنكر لطريق الحق، فيجازي كلا منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب.
روى أبو الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: «ويل للعالم من الجاهل، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان، وويل للمالك من المملوك، وويل للشديد من الضعيف، وللضعيف من الشديد، بعضهم لبعض فتنة» وقرأ هذه الآية، أسنده الثعلبي رحمه الله تعالى.
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى: إني مبتليك ومبتلي بك»
وفي مسند أحمد عن رسول الله ﷺ : «لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة».
وفي صحيح البخاري أنه ﷺ خيّر بين أن يكون نبيا ملكا، أو عبدا رسولا، فاختار أن يكون عبدا رسولا.
وقال مقاتل: إن الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل وغيرهم من أشراف قريش حين رأوا أبا ذر، وعبد الله بن مسعود، وعمارا، وبلالا، وصهيبا، وسالما مولى أبي حذيفة، قالوا: أنسلم فنكون مثل هؤلاء؟! فأنزل الله تعالى يخاطب هؤلاء المؤمنين:
﴿أَتَصْبِرُونَ﴾؟ أي على ما ترون من هذه الحال الشديدة والفقر والجهد
стр. 5619
والإيذاء، كأنه جعل إمهال الكفار والتوسعة عليهم فتنة للمؤمنين، أي اختبارا لهم. ولما صبر المسلمون أنزل الله فيهم: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا﴾ (١) [المؤمنون ١١١/ ٢٣].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن الرسل ﵈ كباقي البشر فيما عدا إنزال الوحي عليهم، وتخلقهم بالأخلاق العالية، وقيامهم بالأعمال الطيبة بدرجة تفوق غيرهم، فهم يأكلون ويشربون ويتاجرون في الأسواق.
والآية أصل في وجوب اتخاذ الأسباب، وإباحة طلب المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك. وقد تكرر هذا المعنى في القرآن في غير موضع.
ودل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ على أن الدنيا دار بلاء وامتحان، فأراد سبحانه أن يجعل بعض الناس امتحانا واختبارا لبعض على العموم الذي يشمل كل مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الصابر فتنة للغني، ومعنى هذا أن كل واحد مختبر بصاحبه، فعلى الغني مواساة الفقير وألا يسخر منه، وعلى الفقير ألا يحسد الغني ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق.
والله سبحانه يأمر بالصبر على كل حال، حتى لا يهتز إيمان أحد، ويفوض الأمر في كل شيء إلى الله تعالى.
والله تعالى بصير بكل امرئ وبمن يصبر أو يجزع، ومن يؤمن ومن لا يؤمن، وبمن أدى ما عليه من الحق ومن لا يؤدّي.
стр. 5620
طلب المشركين إنزال الملائكة عليهم أو رؤية الله
والإخبار بإحباط أعمالهم
﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اِسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (٢٤)﴾
الإعراب:
﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا﴾ اللام جواب قسم محذوف.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرف، والعامل فيه فعل مقدر، تقديره: اذكر، أي اذكر يوم يرون الملائكة. ولا يجوز أن يعمل فيه ﴿لا بُشْرى﴾ لأن ما في حيّز النفي لا يعمل فيما قبله. وأجاز الزمخشري نصب ﴿يَوْمَ﴾ بما دل عليه ﴿لا بُشْرى﴾ أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى أو يعدمونها. و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ للتكرار.
و ﴿لا بُشْرى﴾: إن جعلت ﴿بُشْرى﴾ مبنية مع ﴿لا﴾ كان ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ خبرا لها؛ لأنه ظرف زمان، وظروف الزمان تكون أخبارا عن المصادر. و ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ صفة للبشرى. وإن جعلت ﴿بُشْرى﴾ غير مبنية مع ﴿لا﴾ أعملت ﴿بُشْرى﴾ في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ لأن الظروف يعمل فيها معاني الأفعال، وللمجرمين خبر ﴿لا﴾.
البلاغة:
﴿لَوْلا أُنْزِلَ﴾ ﴿لَوْلا﴾ هنا بمعنى هلا للترجي.
﴿عَتَوْا عُتُوًّا﴾ و ﴿حِجْراً مَحْجُوراً﴾ جناس الاشتقاق.
стр. 5621
﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ﴾ مبالغة بنفي الجنس، والمعنى: لا يبشر يومئذ المجرمون، وعدل عنه إلى ذلك للمبالغة.
﴿هَباءً مَنْثُوراً﴾ تشبيه بليغ، حذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه، أي كالغبار المنثور في الجو في حقارته وعدم نفعه.
المفردات اللغوية:
﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ أي لا يأملون لقاءنا بالخير لكفرهم بالبعث، أو لا يخافون لقاءنا بالشر، أي لا يخافون البعث، على لغة تهامة، أي أن الرجاء في بعض لغات العرب: الخوف، مثل قوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً﴾. وأصل اللقاء: الوصول إلى الشيء، ومنه الرؤية، فإنه وصول إلى المرئي، والمراد به: الوصول إلى جزائه، أي لقاء جزائنا.
﴿لَوْلا﴾ هلا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ﴾ أي أرسلوا إلينا، فيخبروننا بصدق محمد ﷺ ﴿أَوْ نَرى رَبَّنا﴾ فيأمرنا بتصديقه واتباعه ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي لقد تكبروا في شأن أنفسهم، حتى أرادوا لها ان تكون أنبياء أو ما هو أعظم من ذلك ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً﴾ تجاوزوا الحد في الظلم حتى بلغوا أقصى الغاية، بطلبهم رؤية الله تعالى في الدنيا، وكذبوا الرسول الذي جاء بالوحي، ولم يأبهوا بمعجزاته. و ﴿عَتَوْا﴾ بالواو على أصله، بخلاف «عتي» بالإبدال في سورة مريم في قوله:
﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [٨].
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ﴾ في جملة الخلائق، وهو يوم القيامة، وهو منصوب بفعل مقدر تقديره: اذكر ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أي الكافرين، والمعنى: يمنعون البشرى، بخلاف المؤمنين، فلهم البشرى بالجنة ﴿وَيَقُولُونَ: حِجْراً مَحْجُوراً﴾ أي ويقول الكفرة حينئذ هذه الكلمة، وهي كلمة تقال عند حصول شدة كلقاء عدو أو حدث خطير، يقصد بها العرب: الاستعاذة من وقوع الخطر، والطلب من الله أن يمنع ذلك الحادث منعا. والحجر لغة: المنع، ومنه الحجر على القاصر أي منعه من التصرف، وسمي العقل حجرا؛ لأنه يمنع صاحبه من بعض الأعمال.
﴿وَقَدِمْنا﴾ عمدنا وقصدنا إلى ما عملوا في كفرهم في الدنيا من المكارم كقرى الضيف وصلة الرحم، وإغاثة الملهوف، فأحبطناه لعدم الإيمان ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً﴾ هو ما يرى في الهواء أثناء ضوء الشمس الداخل من الكوى أو النوافذ، أي جعلناه كالغبار المفرق في عدم النفع فيه ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ أي مكانا يستقرون فيه أكثر الوقت للجلوس والمحادثة، والمعنى: أصحاب الجنة يوم القيامة خير مستقرا من الكافرين في الدنيا ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ مكانا يؤوي إليه للقيلولة والراحة: وهي الاستراحة نصف النهار في الحر تشبيها بمكان القيلولة في الدنيا؛ إذ لا نوم في الجنة. وأخذ من ذلك انقضاء
стр. 5622
الحساب في نصف نهار، كما ورد في الحديث: أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.
المناسبة:
هذا هو موضوع الشبهة الرابعة للمشركين منكري نبوة محمد ﷺ ومكذبي القرآن، ومفادها: لم لم ينزل الله الملائكة حتى يشهدوا أن محمدا محقّ في دعواه، أو نرى ربنا حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا.
والشبهات الثلاث المتقدمة لهم: هي قولهم: ﴿إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَراهُ﴾ وما حكي عنهم: ﴿وَقالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ وذكرهم خمس صفات للرسول، زعموا أنها تخل بالرسالة، منها قولهم: ﴿مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ﴾ إلخ.
التفسير والبيان:
هذا موقف عجيب من مواقف تعنت الكفار في كفرهم وعنادهم، صوره القرآن بقوله تعالى:
﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا﴾ أي وقال المشركون الذين ينكرون البعث والثواب والعقاب: هلا أنزل علينا الملائكة كما تنزل على الأنبياء فنراهم عيانا، فيخبرونا بأن محمدا ﷺ صادق في دعواه النبوة، أو نرى ربنا جهارا نهارا، فيخبرنا بأنه أرسله إلينا، ويأمرنا بتصديقه واتباعه، كقولهم في آية أخرى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء ٩٢/ ١٧] والحقيقة أنهم لا يرومون من كلامهم هذا إلا المكابرة والتمادي في الإنكار والعناد، لذا قال تعالى:
﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً﴾ أي والله لقد تكبروا وأضمروا الاستكبار عن الحق، وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه كما قال سبحانه: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ، ما هُمْ بِبالِغِيهِ﴾ [غافر ٥٦/ ٤٠] وتجاوزوا
стр. 5623
الحد في الظلم والكفر تجاوزا بلغ أقصى الغاية، فهم لم يجسروا على هذا القول الشنيع إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو.
ولن يؤمنوا في الحقيقة والواقع، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ، وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى، وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً، ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ [الأنعام ١١١/ ٦].
ثم أخبر الله تعالى مهددا عن حال رؤيتهم الملائكة، فقال:
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ، لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ، وَيَقُولُونَ: حِجْراً مَحْجُوراً﴾ أي هم لا يرون الملائكة في حال خير، وإنما في حال شر وسوء، فإنهم سيرونهم عند الموت أو يوم القيامة قائلين لهم: لا بشرى لهم بخير، ولا مرحبا بهم، وتبشرهم الملائكة بالنار وغضب الجبار، وتقول لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ، الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ، وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣/ ٦].
ويقول الكفار: حجرا محجورا، أي استعاذة وطلبا من الله أن يمنع عنهم الخطر والضرر، والمقصود أنهم يتعوذون من الملائكة. قال ابن كثير: وهذا القول، وإن كان له مأخذ ووجه، ولكنه بالنسبة إلى السياق بعيد، لا سيما وقد نص الجمهور على خلافه. وإنما هذا من قول الملائكة لهم، يراد به: حرام محرم عليكم البشرى بالمغفرة والجنة، وبما يبشر به المتقون، وحرام محرم عليكم الفلاح اليوم.
وهذا بخلاف حال المؤمنين وقت احتضارهم، فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصول المسرات؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللهُ، ثُمَّ اسْتَقامُوا، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ، وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ، وَلَكُمْ فِيها
стр. 5624
ما تَدَّعُونَ، نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت ٣٠/ ٤١ - ٣٢] وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب: «إن الملائكة تقول لروح المؤمن: اخرجي أيتها النفس الطيبة في الجسد الطيب، إن كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان، وربّ غير غضبان».
ثم أخبر الله تعالى عن إحباط أعمال الكفار الخيرية التي كانوا يعتزون بها في الدنيا كالإكرام والصدقة وفك الأسير وإنقاذ الملهوف وحماية المستجير وخدمة البيت الحرام والحجيج، فقال:
﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ أي قصدنا يوم القيامة إلى محاسن أعمال هؤلاء الكفار في الدنيا، حين حساب العباد على ما عملوه من الخير والشر، تلك الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم، كالتي ذكرت، فجعلناها مبددة لا نفع فيها ولا خير كالغبار المتناثر الذي لا جدوى فيه ولا فائدة، لفقد الشرط الشرعي لقبولها وهو إما الإخلاص فيها لله، وإما المتابعة لشرع الله، فكل عمل لا يكون خالصا لوجه الله الكريم، وليس على منهج الشريعة المرضية لله، فهو باطل، وأعمال الكفار تفقد أحد الشرطين أو كليهما، فتكون أبعد عن القبول.
ثم قارن الله تعالى حال هؤلاء الكفار بحال المؤمنين فقال:
﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ أي إن حال أهل الجنة خير مأوى ومنزلا، وأتم استقرارا، وأفضل راحة من حال المشركين في النار.
والمستقر: مكان الاستقرار، والمقيل: زمان القيلولة. وهذا إشارة إلى أنهم من المكان في أحسن مكان، ومن الزمان في أطيب زمان. وبما أنه لا خير في النار، فيكون المراد من قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا.﴾. هو ما أريد من قوله: ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ وهو التقريع والتوبيخ، كما إذا أعطى السيد خادمه
стр. 5625
مالا، فتمرد وأبى واستكبر، فيضربه ضربا وجيعا، ويقول له موبخا: هذا أطيب أم ذاك.
وهذا يدل على انتهاء حساب الخلائق في نصف يوم، كما
ورد في الحديث:
«إن الله ﵎ يفرغ من حساب الخلق في مقدار نصف يوم، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار».
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ. هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾ [يس ٥٥/ ٣٦ - ٥٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - إن عدم الخوف من البعث ولقاء الله، أي عدم الإيمان بذلك هو سبب التمادي في إنكار صدق القرآن والنبي المنزل عليه، والعناد والإصرار على الكفر. ثم إن التستر على الكفر والدفاع عنه يجعل الكفرة يطالبون بما فيه تعجيز وشطط وخروج عن المألوف، مثل المطالبة بإنزال الملائكة عليهم لإخبارهم أن محمدا ﷺ صادق، أو رؤية الله عيانا لإخبارهم برسالته، كما قال تعالى حاكيا مطالبهم في آيات أخرى: ﴿وَقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء ٩٠/ ١٧ - ٩٢].
لذا قال الله تعالى في الآيات المفسرة هنا: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً﴾ حيث سألوا الله الشطط؛ لأن الملائكة لا ترى إلا عند الموت، والله تعالى لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، فلا عين تراه. وإذا لم يكتفوا بالمعجزات وهذا القرآن فكيف يكتفون بالملائكة؟ وهم لا يميزون بينهم وبين الشياطين.
стр. 5626
٢ - إذا رؤيت الملائكة عند الموت، فتبشر المؤمنين بالجنة، وتضرب المشركين والكفار بمقامع الحديد حتى تخرج أنفسهم، وتقول الملائكة لهم:
﴿حِجْراً مَحْجُوراً﴾ أي حراما محرما أن يدخل الجنة إلا من قال: لا إله إلا الله، وأقام شرائعها، وذلك القول يحصل عند الموت، كما روي عن ابن عباس وغيره.
وقيل: إن ذلك يوم القيامة.
٣ - إن جميع أعمال الكفار لا سيما التي اعتقدوا أنها برّ وخير، وظنوا أنها تقربهم إلى الله تعالى تكون يوم القيامة مهدرة باطلة لا جدوى فيها ولا نفع منها بسبب الكفر، ولأن قبولها يفقد الشرط الشرعي لها وهو الإيمان بالله وإخلاص العمل له. وقوله سبحانه: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ تنبيه على عظم قدر يوم القيامة، ومعناه كما بينا: قصدنا في ذلك إلى ما كان يعمله المجرمون من عمل برّ عند أنفسهم.
٤ - أصحاب الجنة في مكان مستقر ومأوى ثابت، ومنزل حسن مريح طيب الإقامة، على النقيض من حال أهل النار. فقوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا، وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ كقوله: ﴿قُلْ: أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ التقريع والتوبيخ، وإنما قال: ﴿خَيْرٌ﴾ ولا خير في النار والعذاب: بالنظر إلى التفاوت بين منزلتي الجنة والنار، وهما من المنازل. أما من حيث الواقع فإن ﴿خَيْرٌ﴾ هنا ليس للمفاضلة التي تفهم من صيغة أفعل التفضيل، وإنما لتقرير أن الجنة هي الخير المحض والحسن المطلق، ولا خير أصلا في ضدها وهي النار.
стр. 5627
رهبة يوم القيامة وهوله
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً (٢٩)﴾
الإعراب:
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ﴾ الباء في قوله ﴿بِالْغَمامِ﴾ للحال، والتقدير: يوم تشقق السماء، وعليها الغمام، كقولك: خرج زيد بسلاحه، أي وعليه سلاحه.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ﴾: ﴿الْمُلْكُ﴾ مبتدأ، و ﴿الْحَقُّ﴾ صفة له، و ﴿لِلرَّحْمنِ﴾ الخبر، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف للملك.
البلاغة:
﴿يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ كناية عن الندم والحسرة، وكذلك كلمة «فلان» كناية عن الصديق الضال المضل.
المفردات اللغوية:
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ الأصل: تتشقق والمراد يوم القيامة ﴿السَّماءُ﴾ كل سماء ﴿بِالْغَمامِ﴾ هو غيم أبيض، أي مع الغمام، مثل قوله تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل ١٨/ ٧٣] والمعنى أن السماء تنفتح بغمام يخرج منها، أو عن الغمام ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ أي تنزل الملائكة من كل سماء، وفي أيديهم صحائف أعمال العباد. ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ﴾ أي الملك الثابت يوم القيامة لله تعالى وحده، لا يشركه فيه أحد ﴿وَكانَ يَوْماً﴾ أي وكان اليوم يوما عسيرا أي شديدا على الكافرين، بخلاف المؤمنين.
стр. 5628
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ كناية عن الندم والتحسر يوم القيامة، والمراد بالظالم:
الجنس، أو المشرك عقبة بن أبي معيط الذي كان نطق بالشهادتين، ثم رجع إرضاء لأبي بن خلف ﴿اِتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ محمد ﷺ طريقا إلى الهدى والنجاة ﴿يا وَيْلَتى﴾ ألفه عوض عن ياء الإضافة، أي ويلتي، ومعناه: هلكتي. وقرئ: يا ويلتي بالياء وهو الأصل؛ لأن الرجل ينادي ويلته وهي هلكته، يقول لها: تعالي فهذا أوانك: وإنما قلبت الياء ألفا كما في صحارى ومداري.
﴿أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ ذكر الله أو القرآن أو موعظة الرسول ﷺ ﴿بَعْدَ إِذْ جاءَنِي﴾ بأن ردني عن الإيمان به ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ﴾ يعني الخليل المضل أو إبليس؛ لأنه حمله على مخالفة الرسول ﷺ ﴿لِلْإِنْسانِ﴾ الكافر ﴿خَذُولاً﴾ بأن يواليه حتى يؤديه إلى الهلاك، ثم يتركه ويتبرأ منه عند البلاء، ولا ينفعه.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان أبيّ بن خلف يحضر النبي ﷺ ، فيزجره عقبة بن أبي معيط، فنزل: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿خَذُولاً﴾.
وفي رواية: كان عقبة بن أبي معيط يكثر مجالسة النبي ﷺ ، فدعاه إلى ضيافته، فأبى أن يأكل طعامه حتى ينطق بالشهادتين، ففعل، وكان أبي بن خلف صديقه، فعاتبه، وقال: صبأت؟! فقال: لا، ولكن أبى أن يأكل من طعامي، وهو في بيتي، فاستحييت منه، فشهدت له، فقال: لا أرضى منك إلا أن تأتيه، فتطأ قفاه، وتبزق في وجهه، فوجده ساجدا في دار الندوة، ففعل ذلك، فقال ﷺ : «لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف» فأسر يوم بدر، فأمر عليا فقتله، وطعن أبيا بأحد في المبارزة، فرجع إلى مكة ومات يقول: ﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾.
قال الضحاك: لما بزق عقبة في وجه رسول الله ﷺ ، عاد بزاقه في وجهه، فتشعب شعبتين، فأحرق خديه، وكان أثر ذلك فيه حتى الموت.
стр. 5629
المناسبة:
بعد بيان طلب المشركين إنزال الملائكة، أخبر الله تعالى عن هول يوم القيامة وعن نزول الملائكة حينئذ، فيحيطون بالخلائق في مقام المحشر، فيعض الظالم على يديه ألما وحسرة على ما فات، ويتمنى أن لو كان أطاع الرسول فيما أمر ونهى، ولم يكن ممن أطاع الشيطان من الإنس والجن، ثم يفصل الله تعالى القضاء بين الخلائق.
التفسير والبيان:
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ﴾ أي اذكر أيها النبي الرسول يوم تتشقق السماء عن الغمام، وتتفتح عنه، ويتبدل نظام العالم، وتنتهي الدنيا، وتصبح الشمس والكواكب أشبه بالغمام، لتفرقها وتحللها وتناثرها في الجو، كما قال تعالى:
﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار ١/ ٨٢ - ٢] وقال سبحانه: ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ، فَكانَتْ أَبْواباً، وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً﴾ [النبأ ١٩/ ٧٨ - ٢٠]. وقال : ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ، وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة ١٥/ ٦٩ - ١٦].
﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ﴾ أي وتنزل الملائكة وفي أيديهم صحائف أعمال العباد، لتكون حجة وشاهدا عليهم.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة ٢١٠/ ٢].
﴿وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً﴾ أي وكان يوم القيامة على الكافرين يوما شديدا صعبا؛ لأنه يوم عدل وقضاء فصل (محاكمة) كما في آية أخرى:
﴿فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ، عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ٩/ ٧٤ - ١٠].
стр. 5630
أما المؤمنون فكما قال تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء ١٠٣/ ٢١] روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول الله: ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج ٤/ ٧٠] ما أطول هذا اليوم؟! فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده، إنه ليخفّف على المؤمن، حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة، يصليها في الدنيا».
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ أي واذكر أيها الرسول يوم القيامة الذي يعض المشرك وكل ظالم على يديه ندما وحسرة وأسفا على ما فرّط في حياته، وعلى إعراضه عن طريق الحق والهدى الذي جاء به الرسول ﷺ ، ويقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول ﷺ طريقا إلى النجاة والسلامة.
﴿يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ أي يا هلاكي احضر فهذا أوانك، ليتني لم أتخذ فلانا الذي أضلني خليلا أي صديقا حميما، أرداني اتباعه، وصرفني عن الهدى، وعدل بي إلى طريق الضلال، سواء في ذلك أبي بن خلف أو أمية بن خلف أو غيرهما.
﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي﴾ هذا من قول الناس، أي لقد ضللني وحرفني عن ذكر الله والإيمان والقرآن بعد بلوغه إلي.
﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً﴾ هذا من قول الله، لا من قول الظالم أي إن من شأن الشيطان أن يخذل الإنسان عن الحق، ويصرفه عنه، ويدعوه إلى الباطل ويستعمله فيه، ثم يتركه ويتبرأ منه عند المحنة، ولا ينفعه في العاقبة.
والشيطان: إشارة إلى خليله سماه شيطانا؛ لأنه أضله كما يضل الشيطان، أو أراد إبليس وأنه هو الذي حمله على مصادقة أو مخالّة المضل ومخالفة
стр. 5631
الرسول ﷺ ، ثم خذله، أو أراد الجنس وكل من تشيطن من الجن والإنس.
والمعنى الأخير هو الأولى.
فقه الحياة أو الأحكام:
طلب المشركون إنزال الملائكة، فأبان سبحانه أنه يحصل ذلك في يوم له أربع صفات هي:
١ - إن في ذلك اليوم تتشقق السماء بالغمام أي عن الغمام، لأن الباء وعن يتعاقبان؛ كما تقول: رميت بالقوس وعن القوس، روي أن السماء تتشقق عن سحاب أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم، فتنشق السماء عنه، وهو الذي قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ﴾ [البقرة ٢١٠/ ٢]. وقوله: ﴿تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ﴾ جامع لمعنى الآيتين:
﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار ١/ ٨٢] وآية ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ﴾ المذكورة.
وفي ذلك اليوم تنزل الملائكة من السموات إلى الأرض لحساب الثقلين.
ومعنى ﴿تَنْزِيلاً﴾ توكيد للنزول، ودلالة على إسراعهم فيه.
٢ - يكون الملك الثابت الدائم في ذلك اليوم لله الرحمن الرحيم، وهذا دليل الألوهية؛ لأن الملك الذي يزول وينقطع ليس بملك، فبطلت يومئذ أملاك المالكين وانقطعت دعاويهم، وزال كل ملك وملكه، وبقي الملك الحق لله وحده.
٣ - يكون هذا اليوم شديدا صعبا على الكافرين؛ لما ينالهم من الأهوال، ويلحقهم من الخزي والهوان، وهو على المؤمنين أخف من صلاة مكتوبة، كما دل الحديث المتقدم، وهذه الآية؛ لأنه إذا كان على الكافرين عسيرا، فهو على المؤمنين يسير.
٤ - إنه يوم يعض فيه الظالم الكافر وكل مكذب وطاغ على يديه، حسرة
стр. 5632
وألما على ما فرط في دنياه، فلم يؤمن بربه وبالرسول محمد ﷺ ، فكلمة ﴿الظّالِمُ﴾ للعموم، يعم جميع الظلمة، ويشمل عقبة بن أبي معيط الذي همّ بالإسلام، فمنعه منه صديقه أمية بن خلف الجمحيّ، ويروى: أبي بن خلف أخ أمية. وعضّه يديه: فعل النادم الحزين لأجل طاعته خليله، وعدم اتخاذه في الدنيا طريقا إلى الجنة، فيدعو على نفسه بالويل والهلاك على محالفة الكافر ومتابعته، ويقول: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ عنى أمية، وكنى عنه ولم يصرح باسمه، لئلا يكون هذا الوعد مخصوصا به، ولا مقصورا عليه، بل يتناول جميع من فعل مثل فعلهما.
فهذه العبارات الثلاث: الظالم، وفلان، والشيطان عامة.
والخليل الصاحب قد يضل صاحبه عن ذكر الله والإيمان به والقرآن وموعظة الرسول ﷺ .
والشيطان يوسوس ويغري بالكفر والشرك والمعصية، ثم يخذل أتباعه، والخذل: الترك من الإعانة، والتبرؤ من فعله. وكل من صدّ عن سبيل الله وأطيع في معصية الله، فهو شيطان للإنسان، خذول عند نزول العذاب والبلاء، كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ: اُكْفُرْ، فَلَمّا كَفَرَ قالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ [الحشر ١٦/ ٥٩].
وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال:
«إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك (١)، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد ريحا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة» (٢).
وذكر أبو بكر البزّار
стр. 5633
عن ابن عباس قال: قيل: يا رسول الله، أيّ جلسائنا خير؟ قال: «من ذكّركم بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكّركم بالآخرة عمله».
هجر الكفار القرآن ومطالبتهم بإنزاله جملة واحدة
﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (٣١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٣٤)﴾
الإعراب:
في لام ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ وجهان: أن تتعلق بفعل مقدر، أي نزلناه لنثبت به فؤادك؛ لقولهم:
﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ﴾ أو أن تكون اللام لام القسم، وتقدر النون مع الفعل، وتظهر النون إذا فتحت اللام فيقال: «والله لنثبتن» وتسقط إذا كسرت. وكاف ﴿كَذلِكَ﴾ صفة لمصدر محذوف دل عليه نزلناه.
البلاغة:
﴿شَرٌّ مَكاناً﴾ إسناد مجازي، لأن الضلال لا ينسب إلى المكان، ولكن إلى أهله.
المفردات اللغوية:
﴿وَقالَ الرَّسُولُ﴾ محمد ﷺ مشتكيا إلى ربه في الدنيا ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشا ﴿مَهْجُوراً﴾ متروكا ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي كما جعلنا عدوا من مشركي قومك، جعلنا
стр. 5634
لكل نبي قبلك عدوا من المشركين، فاصبر كما صبروا، وفيه دليل على أن الله خالق الشر. والعدو:
يطلق على الواحد والجمع ﴿هادِياً﴾ لك إلى طريق قهرهم ﴿وَنَصِيراً﴾ ناصرا لك على أعدائك.
﴿لَوْلا﴾ هلا ﴿جُمْلَةً واحِدَةً﴾ دفعة واحدة كالتوراة والإنجيل والزبور ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أي أنزلناه كذلك مفرّقا لتقوية قلبك بتفريقه على حفظه وفهمه؛ لأنه ﷺ بخلاف حال موسى وداود وعيسى ﵈ كان أميا، وكانوا يكتبون، فلو ألقي إليه جملة، عانى التعب والإجهاد في حفظه، ولأن نزوله بحسب الوقائع يزيد الأمر تبصرا، وتعمقا في فهم المعنى. وكلمة ﴿كَذلِكَ﴾ صفة مصدر محذوف يشير إلى إنزاله مفرقا ﴿وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ أتينا به شيئا بعد شيء، أو قرأناه عليك شيئا بعد شيء، بتمهل وتؤدة، لتيسير فهمه وحفظه، في مدى ثلاث وعشرين سنة. وأصله الترتيل في الأسنان: وهو تفليجها.
﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ أي بحال وصفة غريبة ونوع من الكلام يشبه المثل في تنميقه وتحسينه ورصف لفظه، بقصد القدح في نبوتك وإبطال أمرك ﴿إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ﴾ الدافع له، أو الدامغ له في جوابه ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ أي بما هو أحسن بيانا لهم، وأصح معنى من سؤالهم العجيب الذي كأنه مثل في البطلان.
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ﴾ أي يساقون ويسحبون على وجوههم، أي مقلوبين ﴿شَرٌّ مَكاناً﴾ هو جهنم ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ أبعد عن الحق طريقا من غيرهم، وهو كفرهم
سبب النزول:
نزول الآية (٣٢):
أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: قال المشركون: إن كان محمد ﷺ ، كما يزعم نبيا، فلم يعذبه ربه، ألا ينزل عليه القرآن جملة واحدة، فينزل عليه الآية والآيتين، فأنزل الله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾.
المناسبة:
بعد بيان اعتراضات المشركين وأقاويلهم الباطلة، وأوجه تعنتهم، كطلب إنزال الملائكة أو رؤية الله، وتكذيب القرآن ووصفه بالأساطير، أوضح الله
стр. 5635
تعالى أن الرسول ﷺ ضاق صدره واشتكاهم إلى ربه بأن قومه هجروا القرآن.
التفسير والبيان:
﴿وَقالَ الرَّسُولُ: يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ أي شكى الرسول إلى ربه سوء أفعال المشركين وأقوالهم الساقطة قائلا: يا ربّ، إن قومي قريشا تركوا الإصغاء لهذا القرآن، ولم يؤمنوا به، وأعرضوا عن استماعه واتباعه، فكانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعونه، كما حكى تعالى عنهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ، لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت ٢٦/ ٤١] فكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره، حتى لا يسمعونه، فهذا من هجرانه، وكذلك ترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو من هجرانه، كما قال ابن كثير (١).
﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ هذه تسلية لرسول الله ﷺ على ما يلقى من قومه من الأذى والصدود والإعراض، أي لا تحزن يا محمد، فتلك سنة الله في خلقه، فكما جعلنا لك أعداء من المشركين يتقولون عليك الأباطيل، ويهجرون القرآن، جعلنا لكل نبي من أنبياء الأمم الماضين أعداء من المشركين الظالمين، يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام ١١٢/ ٦] فاصبر كما صبروا، وامض في تبليغ رسالتك. قال ابن عباس: كان عدو النبي ﷺ أبا جهل، وعدو موسى قارون، وكان قارون ابن عم موسى.
لكن النصر والغلبة للرسول ﷺ ، كما قال تعالى:
стр. 5636
﴿وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً﴾ أي وكفى بالله ربك هاديا لك إلى الحق، وهاديا من اتبعك وآمن بكتابك وصدقك إلى مصالح الدين والدنيا، وناصرك على أعدائك في الدنيا والآخرة.
وقد قرن الله تعالى بين الهداية والنصر؛ لأن الأولى سبيل لتحقيق نصر المؤمنين على الكافرين، وكان المشركون يصدون الناس عن اتباع القرآن لئلا يهتدي أحد بالرسول ﷺ ، ولتغلب طريقتهم طريقة القرآن، وللحفاظ على قوة التفوق والغلبة، وإبقاء ميزان القوى راجحا في صالحهم.
الشبهة الخامسة لمنكري نبوة محمد ﷺ :
بعد بيان شكوى الرسول ﷺ قومه إلى ربه، حكى الله تعالى شبهة أخرى للمشركين أهل مكة فقال:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ أي أضاف المشركون أهل مكة لطعنهم السابق في القرآن بأنه إفك مفترى وأنه أساطير الأولين، أضافوا شبهة أخرى هي قولهم: إذا كنت تزعم أنك رسول من عند الله، أفلا تأتينا بالقرآن جملة واحدة، كما أنزلت التوراة جملة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود؟ ومعنى الآية: لو كان القرآن من عند الله حقا، فهلا أنزل على محمد ﷺ جملة واحدة، كما نزلت الكتب الإلهية المتقدمة.
فأجابهم الله تعالى عن ذلك بقوله:
﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ أي أنزلناه كذلك مفرقا، وأتينا به شيئا بعد شيء وقرأناه على لسان جبريل في مدى ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث وما يحتاج إليه من الأحكام.
стр. 5637
والحكمة أو الفائدة من ذلك متنوعة وكثيرة أهمها ما يأتي (١):
أ-تثبيت قلب النبي ﷺ والمؤمنين بشريعة الله، والعون على حفظ القرآن وفهمه، وتطبيق أحكامه بنحو دقيق وشامل؛ لأن النبي ﷺ كان أميا، وكانت أمته أمية، لا يعرفون القراءة والكتابة، فلو نزل القرآن جملة واحدة، لصعب عليهم ضبطه، وجاز عليهم السهو والغلط. ثم إن مشاهدة النبي ﷺ جبريل وقتا بعد وقت مما يقوي عزيمته، ويحمله على الصبر في تبليغ الرسالة وتصحيح المسيرة، والصمود في وجه التحديات واحتمال أذى قومه، ومتابعة جهاده.
ب-دفع الحرج عن المكلفين بتكليفهم بأحكام كثيرة مرة واحدة: فلو طولب المؤمنون بتحمل أعباء الشريعة دفعة واحدة، فربما وقعوا في الحرج والمشقة، وصار التنفيذ أمرا صعبا غير سهل ولا يسير.
ج -مراعاة مبدأ التدرج في التشريع: فقد كانت العادات والتقاليد الموروثة، والأعراف العامة مسيطرة في بيئة العرب وغيرهم من الأمم، فلو طولبوا بالإقلاع عما تحكمت فيهم العادات، لنفروا وأعرضوا وقالوا جميعا:
لا نترك هذا الأمر، فكان من الحكمة والمصلحة والنجاح في التربية، وتغيير تلك العادات المستحكمة أو المألوفة أن ينزل القرآن منجّما، ويتدرج في الأحكام من مرحلة إلى أخرى، تتهيأ بها النفوس لقبول الحكم النهائي.
د-معالجة الوقائع والطوارئ والأحداث وإجابة الأسئلة بما هو الأنسب والأوفق: فلو كان التشريع دفعة واحدة، سواء فيما يتعلق بحالة السلم أو حالة الحرب، لانكشفت الخطة، ودبر الأعداء المكايد لتحقيق الغلبة على المسلمين، وهان على أهل الحيلة والمكر التشكيك في مدى صلاحية حكم تشريعي ما.
ثم أبان تعالى تأييد نبيه بالوحي وإبطال حجج المشركين فقال:
стр. 5638
﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ أي لا يأتيك هؤلاء المشركون المعاندون بحجة أو شبهة، ولا يقولون قولا يعارضون به الحق، والتشكيك في نبوتك إلا أجبناهم بما هو الحق الثابت الذي يدحض قولهم، ويبطل حجتهم، ويكون أصدق في الواقع، وأبين وأوضح وأفصح مما يقولون، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ [الأنبياء ١٨/ ٢١].
وبعد وصف القوم المتعنتين رسول الله ﷺ بأوصاف كاذبة، أورد الله تعالى وصفهم يوم القيامة بما يدل على سوء حالهم في معادهم وحشرهم إلى جهنم في أسوأ الحالات وأقبح الصفات، فقال:
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ، أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ أي إن أولئك المشركين المفترين على رسول الله ﷺ ، الذين يسحبون على وجوههم إلى جهنم إذلالا وخزيا وهوانا، ويساقون إليها بالسلاسل والأغلال، هم شر مكانا وهو جهنم من أهل الجنة، وأضل سبيلا وطريقا عن الحق.
والمقصود منه الزجر عن طريقهم، كما في قوله تعالى المتقدم: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ فلا يراد من ذلك المفاضلة، وإنما بيان سوء حال أهل النار، وحسن حال أهل الجنة، ولفت نظر الكفار إلى أن مكانهم شر من مكان المؤمنين، وسبيلهم أضل من سبيل المسلمين.
جاء في صحيح البخاري عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: «إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة».
وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفا مشاة، وصنفا ركبانا، وصنفا على وجوههم،
стр. 5639
قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - ترك المشركون والكفار القرآن في أوضاع متعددة، إما بعدم الاستماع والإصغاء إليه، وإما بترك تدبره وتفهمه، وإما بترك الإيمان به وعدم تصديقه، وإما بترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وإما بالعدول عنه إلى غيره من أنظمة الجاهلية والكفار أمثالهم.
روى أنس عن النبي ﷺ قال: «من تعلّم القرآن، وعلّق مصحفه، لم يتعاهده ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة متعلقا به يقول: يا رب العالمين، إن عبدك هذا اتخذني مهجورا، فاقض بيني وبينه».
وقال ابن القيم: هجر القرآن أنواع: أحدها-هجر سماعه والإيمان به، والثاني-هجر العمل به وإن قرأه وآمن به، والثالث-هجر تحكيمه والتحاكم إليه، والرابع-هجر تدبره وتفهم معانيه، والخامس-هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب، وكل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ وإن كان بعض الهجر أهون من بعض.
٢ - ما من حق إلا ويقابله باطل، وما من مصلح صادق إلا وله أعداء، وكما جعل الله لنبيه محمد عدوا من مشركي قومه كأبي جهل وأمثاله، جعل لكل نبي عدوا من مشركي قومه، فما على المحق والمصلح إلا الصبر كما صبر الأنبياء المتقدمون، والله هاد أهل الحق والصلاح، وناصرهم على كل من ناوأهم.
стр. 5640
٣ - استدل أهل السنة بآية ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا..﴾. على أنه تعالى خالق الخير والشر؛ لأن ذلك القول يدل على أن تلك العداوة من جعل الله، وتلك العداوة كفر.
٤ - طلب كفار قريش أو اليهود حين رأوا نزول القرآن مفرقا أن ينزل على محمد جملة واحدة، كما أنزلت التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود. والتغاير في طريقة الإنزال له معنى وحكمة.
٥ - إن نزول القرآن مفرقا لتقوية قلب النبي ﷺ في تحمله ووعيه؛ لأن الكتب المتقدمة أنزلت على أنبياء يكتبون ويقرءون، والقرآن أنزل على نبي أمي، ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور، فتفريقه ليكون أوعى للنبي ﷺ ، وأيسر على العامل به، فكان كلما نزل وحي جديد زاده قوة قلب. وقد ذكرت تلك الفوائد والحكم في أثناء التفسير للآية.
وقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ﴾ إما من قول المشركين أي كالتوراة والإنجيل، فيوقف على ﴿كَذلِكَ﴾ ثم يبتدأ بقوله: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ ويجوز الوقف على قوله: ﴿جُمْلَةً واحِدَةً﴾ ثم يبتدأ ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أي أنزلناه عليك كذلك متفرقا لنثبت به فؤادك. قال ابن الأنباري: والوجه الأول أجود وأحسن، والقول الثاني قد جاء به التفسير. وقال النحاس: والأولى أن يكون التمام ﴿جُمْلَةً واحِدَةً﴾ لأنه إذا وقف على ﴿كَذلِكَ﴾ صار المعنى كالتوراة والإنجيل والزبور، ولم يتقدم لها ذكر. وهذا موافق لرسم القرآن.
٦ - نزل القرآن مرتلا مرسلا، أي شيئا بعد شيء.
٧ - إن الله تعالى مؤيد رسوله وهاديه وناصره، فلو نزل عليه القرآن جملة واحدة، ثم سألوه عن أمر، لم يكن عنده ما يجيب به، فإذا كان مفرقا ثم سألوه أجاب بوحي من عند الله. قال النحاس: وكان ذلك من علامات النبوة؛ لأنهم