← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

﴿وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً﴾ أي وكفى بالله ربك هاديا لك إلى الحق، وهاديا من اتبعك وآمن بكتابك وصدقك إلى مصالح الدين والدنيا، وناصرك على أعدائك في الدنيا والآخرة. وقد قرن الله تعالى بين الهداية والنصر؛ لأن الأولى سبيل لتحقيق نصر المؤمنين على الكافرين، وكان المشركون يصدون الناس عن اتباع القرآن لئلا يهتدي أحد بالرسول ﷺ ، ولتغلب طريقتهم طريقة القرآن، وللحفاظ على قوة التفوق والغلبة، وإبقاء ميزان القوى راجحا في صالحهم. الشبهة الخامسة لمنكري نبوة محمد ﷺ : بعد بيان شكوى الرسول ﷺ قومه إلى ربه، حكى الله تعالى شبهة أخرى للمشركين أهل مكة فقال: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ أي أضاف المشركون أهل مكة لطعنهم السابق في القرآن بأنه إفك مفترى وأنه أساطير الأولين، أضافوا شبهة أخرى هي قولهم: إذا كنت تزعم أنك رسول من عند الله، أفلا تأتينا بالقرآن جملة واحدة، كما أنزلت التوراة جملة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود؟ ومعنى الآية: لو كان القرآن من عند الله حقا، فهلا أنزل على محمد ﷺ جملة واحدة، كما نزلت الكتب الإلهية المتقدمة. فأجابهم الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ أي أنزلناه كذلك مفرقا، وأتينا به شيئا بعد شيء وقرأناه على لسان جبريل في مدى ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث وما يحتاج إليه من الأحكام.

стр. 5637

والحكمة أو الفائدة من ذلك متنوعة وكثيرة أهمها ما يأتي (١): أ-تثبيت قلب النبي ﷺ والمؤمنين بشريعة الله، والعون على حفظ القرآن وفهمه، وتطبيق أحكامه بنحو دقيق وشامل؛ لأن النبي ﷺ كان أميا، وكانت أمته أمية، لا يعرفون القراءة والكتابة، فلو نزل القرآن جملة واحدة، لصعب عليهم ضبطه، وجاز عليهم السهو والغلط. ثم إن مشاهدة النبي ﷺ جبريل وقتا بعد وقت مما يقوي عزيمته، ويحمله على الصبر في تبليغ الرسالة وتصحيح المسيرة، والصمود في وجه التحديات واحتمال أذى قومه، ومتابعة جهاده. ب-دفع الحرج عن المكلفين بتكليفهم بأحكام كثيرة مرة واحدة: فلو طولب المؤمنون بتحمل أعباء الشريعة دفعة واحدة، فربما وقعوا في الحرج والمشقة، وصار التنفيذ أمرا صعبا غير سهل ولا يسير. ج -مراعاة مبدأ التدرج في التشريع: فقد كانت العادات والتقاليد الموروثة، والأعراف العامة مسيطرة في بيئة العرب وغيرهم من الأمم، فلو طولبوا بالإقلاع عما تحكمت فيهم العادات، لنفروا وأعرضوا وقالوا جميعا: لا نترك هذا الأمر، فكان من الحكمة والمصلحة والنجاح في التربية، وتغيير تلك العادات المستحكمة أو المألوفة أن ينزل القرآن منجّما، ويتدرج في الأحكام من مرحلة إلى أخرى، تتهيأ بها النفوس لقبول الحكم النهائي. د-معالجة الوقائع والطوارئ والأحداث وإجابة الأسئلة بما هو الأنسب والأوفق: فلو كان التشريع دفعة واحدة، سواء فيما يتعلق بحالة السلم أو حالة الحرب، لانكشفت الخطة، ودبر الأعداء المكايد لتحقيق الغلبة على المسلمين، وهان على أهل الحيلة والمكر التشكيك في مدى صلاحية حكم تشريعي ما. ثم أبان تعالى تأييد نبيه بالوحي وإبطال حجج المشركين فقال:

стр. 5638

﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ أي لا يأتيك هؤلاء المشركون المعاندون بحجة أو شبهة، ولا يقولون قولا يعارضون به الحق، والتشكيك في نبوتك إلا أجبناهم بما هو الحق الثابت الذي يدحض قولهم، ويبطل حجتهم، ويكون أصدق في الواقع، وأبين وأوضح وأفصح مما يقولون، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ [الأنبياء ١٨/ ٢١]. وبعد وصف القوم المتعنتين رسول الله ﷺ بأوصاف كاذبة، أورد الله تعالى وصفهم يوم القيامة بما يدل على سوء حالهم في معادهم وحشرهم إلى جهنم في أسوأ الحالات وأقبح الصفات، فقال: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ، أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ أي إن أولئك المشركين المفترين على رسول الله ﷺ ، الذين يسحبون على وجوههم إلى جهنم إذلالا وخزيا وهوانا، ويساقون إليها بالسلاسل والأغلال، هم شر مكانا وهو جهنم من أهل الجنة، وأضل سبيلا وطريقا عن الحق. والمقصود منه الزجر عن طريقهم، كما في قوله تعالى المتقدم: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ فلا يراد من ذلك المفاضلة، وإنما بيان سوء حال أهل النار، وحسن حال أهل الجنة، ولفت نظر الكفار إلى أن مكانهم شر من مكان المؤمنين، وسبيلهم أضل من سبيل المسلمين. جاء في صحيح البخاري عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: «إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة». وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفا مشاة، وصنفا ركبانا، وصنفا على وجوههم،

стр. 5639

قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك». فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - ترك المشركون والكفار القرآن في أوضاع متعددة، إما بعدم الاستماع والإصغاء إليه، وإما بترك تدبره وتفهمه، وإما بترك الإيمان به وعدم تصديقه، وإما بترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وإما بالعدول عنه إلى غيره من أنظمة الجاهلية والكفار أمثالهم. روى أنس عن النبي ﷺ قال: «من تعلّم القرآن، وعلّق مصحفه، لم يتعاهده ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة متعلقا به يقول: يا رب العالمين، إن عبدك هذا اتخذني مهجورا، فاقض بيني وبينه». وقال ابن القيم: هجر القرآن أنواع: أحدها-هجر سماعه والإيمان به، والثاني-هجر العمل به وإن قرأه وآمن به، والثالث-هجر تحكيمه والتحاكم إليه، والرابع-هجر تدبره وتفهم معانيه، والخامس-هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب، وكل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ وإن كان بعض الهجر أهون من بعض. ٢ - ما من حق إلا ويقابله باطل، وما من مصلح صادق إلا وله أعداء، وكما جعل الله لنبيه محمد عدوا من مشركي قومه كأبي جهل وأمثاله، جعل لكل نبي عدوا من مشركي قومه، فما على المحق والمصلح إلا الصبر كما صبر الأنبياء المتقدمون، والله هاد أهل الحق والصلاح، وناصرهم على كل من ناوأهم.

стр. 5640

٣ - استدل أهل السنة بآية ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا..﴾. على أنه تعالى خالق الخير والشر؛ لأن ذلك القول يدل على أن تلك العداوة من جعل الله، وتلك العداوة كفر. ٤ - طلب كفار قريش أو اليهود حين رأوا نزول القرآن مفرقا أن ينزل على محمد جملة واحدة، كما أنزلت التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود. والتغاير في طريقة الإنزال له معنى وحكمة. ٥ - إن نزول القرآن مفرقا لتقوية قلب النبي ﷺ في تحمله ووعيه؛ لأن الكتب المتقدمة أنزلت على أنبياء يكتبون ويقرءون، والقرآن أنزل على نبي أمي، ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور، فتفريقه ليكون أوعى للنبي ﷺ ، وأيسر على العامل به، فكان كلما نزل وحي جديد زاده قوة قلب. وقد ذكرت تلك الفوائد والحكم في أثناء التفسير للآية. وقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ﴾ إما من قول المشركين أي كالتوراة والإنجيل، فيوقف على ﴿كَذلِكَ﴾ ثم يبتدأ بقوله: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ ويجوز الوقف على قوله: ﴿جُمْلَةً واحِدَةً﴾ ثم يبتدأ ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أي أنزلناه عليك كذلك متفرقا لنثبت به فؤادك. قال ابن الأنباري: والوجه الأول أجود وأحسن، والقول الثاني قد جاء به التفسير. وقال النحاس: والأولى أن يكون التمام ﴿جُمْلَةً واحِدَةً﴾ لأنه إذا وقف على ﴿كَذلِكَ﴾ صار المعنى كالتوراة والإنجيل والزبور، ولم يتقدم لها ذكر. وهذا موافق لرسم القرآن. ٦ - نزل القرآن مرتلا مرسلا، أي شيئا بعد شيء. ٧ - إن الله تعالى مؤيد رسوله وهاديه وناصره، فلو نزل عليه القرآن جملة واحدة، ثم سألوه عن أمر، لم يكن عنده ما يجيب به، فإذا كان مفرقا ثم سألوه أجاب بوحي من عند الله. قال النحاس: وكان ذلك من علامات النبوة؛ لأنهم

стр. 5641

لا يسألون عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي، فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم. ولو نزل جملة بما فيه من الفرائض لثقل عليهم، ولو نزل جملة واحدة لزال معنى تنبيه الناس إلى ما فيه الخير والحكمة والصواب. ٨ - أهل النار وهم الكفار يحشرون إليها على وجوههم إما حقيقة كما تقدم، وإما أن القصد الذل والخزي والهوان، وإما الدلالة على الحيرة في طريق الذهاب. وهم في شر مكان؛ لأنهم في جهنم، وأضل دينا وطريقا. قصص بعض الأنبياء وعقوبات مكذبيهم ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) فَقُلْنَا اِذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠)﴾ الإعراب: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ ﴿قَوْمَ﴾ منصوب عطفا على الهاء والميم في ﴿فَدَمَّرْناهُمْ﴾ أو بتقدير فعل يفسره ﴿أَغْرَقْناهُمْ﴾ أي أغرقنا قوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم، أو بتقدير فعل «اذكر». ﴿وَعاداً وَثَمُودَ﴾ منصوبان بالعطف على ﴿قَوْمَ نُوحٍ﴾ إذا نصب بتقدير «اذكر» أو بالعطف على ﴿فَدَمَّرْناهُمْ﴾. ولا يجوز العطف على ﴿وَجَعَلْناهُمْ﴾.

стр. 5642

﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا﴾ ﴿كُلاًّ﴾ منصوب بفعل تقديره: أنذرنا كلا؛ لأن ضرب الأمثال في معنى الإنذار، فجاز أن يكون تفسيرا ل «أنذرنا». ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً﴾ ﴿كُلاًّ﴾ منصوب بتبرنا، و ﴿تَتْبِيراً﴾ مصدر مؤكد. المفردات اللغوية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ أي التوراة ﴿وَزِيراً﴾ معينا يؤازره في الدعوة إلى الله وإعلاء كلمته، ولا ينافي ذلك مشاركته في النبوة، لتآزرهما في الأمر. والوزير: من يستعان برأيه ويستشار في الأمور، يقال: وزير الملك أو الرئيس لأنه يؤازره ويعينه في أعباء الملك أو الرئاسة ﴿إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ هم فرعون وقومه القبط ﴿فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً﴾ أهلكناهم إهلاكا، وفيه محذوف تقديره: فذهبا إليهم فكذبوهما. ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ أي واذكر ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ أي نوحا وغيره، أو نوحا وحده؛ لأن تكذيبه تكذيب لباقي الرسل؛ لاشتراكهم في الدعوة إلى التوحيد ﴿أَغْرَقْناهُمْ﴾ بالطوفان وهو جواب لمّا ﴿وَجَعَلْناهُمْ لِلنّاسِ﴾ بعدهم أي جعلنا إغراقهم أو قصتهم للناس ﴿آيَةً﴾ عبرة ﴿وَأَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً﴾ أعددنا في الآخرة للكافرين عذابا مؤلما، سوى ما يحل بهم في الدنيا. والجملة إما للتعميم، وإما للتخصيص فيكون وضعا للظاهر موضع الضمير. ﴿وَعاداً﴾ أي واذكر عادا قوم هود وثمود أو: وثمودا: قوم صالح، فهو إما ممنوع من الصرف على أنه اسم قبيلة، وإما مصروف على أنه الحي أو اسم الأب الأكبر ﴿وَأَصْحابَ الرَّسِّ﴾ هم قوم كانوا يعبدون الأصنام ولهم آبار ومواش، فبعث الله إليهم شعيبا، وقيل: غيره، فكذبوه، فبينا هم حول الرّس: وهي البئر غير المطوية (غير المبنية) قعودا، انهارت بهم وبمنازلهم، جمع رساس. ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ﴾ أقواما بين ذلك المذكور، بين عاد وأصحاب الرس. ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ في إقامة الحجة عليهم، فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً﴾ أهلكنا إهلاكا بتكذيبهم أنبياءهم. ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ أي مرّ كفار مكة أثناء تجارتهم إلى الشام ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ هي سدوم عظمي قرى قوم لوط، فأهلك الله أهلها لفعلهم الفاحشة، بمطر مصحوب بالحجارة. والسوء: مصدر ساء ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ في أثناء سفرهم إلى الشام، فيعتبروا ويتعظوا بما يرون فيها من آثار عذاب الله. والاستفهام للتقرير. ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ أي بل كانوا كفرة لا يخافون بعثا، فلا يؤمنون ولا يتعظون.

стр. 5643

المناسبة: بعد بيان شبهات المشركين حول القرآن والنبوة والبعث، ذكر الله تعالى قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم وما نزل بهم من عذاب بسبب تكذيبهم الرسل، ليعتبر هؤلاء المشركون، ويحذروا ما حلّ بمن سبقهم من الأمم الماضية من أليم العقاب، إذا بقوا على كفرهم وعنادهم، وذكر تعالى أربعة قصص هي ما يأتي: القصة الأولى-قصة موسى وهارون ﵉: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً﴾ بدأ تعالى بذكر موسى، فقال: وتالله لقد آتينا موسى التوراة، وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا له، أي نبيا مؤازرا ومعينا وناصرا. ونبوة هارون ثابتة في آية أخرى هي قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم ٥٣/ ١٩] لكنه وإن كان نبيا فالشريعة لموسى ﵇، وهو تابع له فيها، لذا أمر الاثنان بتبليغ رسالتهما في قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا: اِذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً﴾ أي فقال الله تعالى آمرا موسى وهارون: اذهبا إلى فرعون وقومه لتبليغ الرسالة وهي إعلان الوحدانية والربوبية لله ، فلا إله غيره، ولا معبود سواه، فلما ذهبا كذبهما فرعون وجنوده، كما قال تعالى: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى، فَقُلْ: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى، وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى، فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى، فَكَذَّبَ وَعَصى﴾ [النازعات ١٧/ ٧٩ - ٢١] وقال سبحانه: ﴿اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي، وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي، اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ، إِنَّهُ طَغى، فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى، قالا: رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى، قالَ:﴾ ﴿لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ [طه ٤٢/ ٢٠ - ٤٦]. فلما كذب فرعون وقومه برسالة موسى وأخيه هارون، ولم يعترفوا بوحدانية

стр. 5644

الله تعالى، أهلكهم الله إهلاكا، كما قال: ﴿دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾ [محمّد ١٠/ ٤٧]. فانظروا يا كفار مكة عاقبة الكفر وتكذيب الرسل. القصة الثانية-قصة نوح ﵇: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ، وَجَعَلْناهُمْ لِلنّاسِ آيَةً﴾ أي واذكر يا محمد لقومك ما فعله قوم نوح حين كذبوا رسولهم نوحا ﵇ الذي مكث فيهم يدعوهم إلى توحيد الله ويحذرهم من عقابه ونقمته ألف سنة إلا خمسين، فما آمن به إلا قليل، فأغرقناهم بالطوفان، وجعلناهم عبرة وعظة للناس يعتبرون بها، كما قال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ، لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً، وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة ١١/ ٦٩ - ١٢]. وقوله ﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ قصد به تكذيب نوح ﵇، على أساس أن من كذب رسولا واحدا، فقد كذب بجميع الرسل؛ إذ لا فرق بين رسول ورسول، فدعوتهم إلى توحيد الله ونبذ عبادة الأصنام واحدة، ولو فرض أن الله تعالى بعث إليهم كل رسول، فإنهم كانوا يكذبون. ثم عمّم تعالى الحكم فقال: ﴿وَأَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً﴾ أي وأعددنا وهيأنا عذابا مؤلما في الآخرة لكل ظالم كفر بالله، ولم يؤمن برسله، وسلك سبيلهم في تكذيب الرسل. وفي هذا تهديد لكفار قريش أنه سيصيبهم من العذاب مثلما أصاب قوم نوح. القصة الثالثة-قصة عاد وثمود وأصحاب الرّس: ﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ﴾ أي واذكر أيها الرسول أيضا لقومك قصة عاد الذين كذبوا رسولهم هودا، وقصة قبيلة ثمود الذين كذبوا رسولهم صالحا، وقصة أصحاب الرس أي البئر وهم قوم من عبدة الأصنام أصحاب آبار وماشية،

стр. 5645

بعث الله لهم شعيبا وقيل غيره، فدعاهم إلى توحيد الله والإيمان به وبرسالته، فكذّبوه، فبينا هم حول البئر قعود، خسف الله بهم وبمنازلهم. واختار ابن جرير أن المراد بأصحاب الرسّ: هم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج. ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً﴾ أي واذكر لهم أمما كثيرة بين قوم نوح وعاد وأصحاب الرس، لما كذبوا الرسل، أهلكناهم جميعا. ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ، وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً﴾ أي وكل واحد من هؤلاء الأقوام بيّنا لهم الحجج، وأوضحنا لهم الأدلة، وأزحنا الأعذار عنهم، فلم يؤمنوا وإنما كذّبوا، بالرغم من الرد على كل الشبهات والاعتراضات، فأهلكناهم إهلاكا شديدا، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء ١٧/ ١٧]. والقرن في الأظهر: هو الأمة المتعاصرون في الزمن الواحد، فإذا ذهبوا وخلفهم جيل آخر فهو قرن آخر، كما ثبت في الصحيحين: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». والتتبير: التفتيت والتكسير. القصة الرابعة-قصة لوط ﵇: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ أي ذكّر مشركي مكة بعبرة أخرى، وهي أنهم والله لقد مروا أثناء تجارتهم إلى الشام في رحلة الصيف على سدوم أعظم قرى قوم لوط التي أهلكها الله بالقلب (جعل عاليها سافلها) وبالمطر المصحوب بالحجارة من سجّيل، كما قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً، فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء ١٧٣/ ٢٦] لارتكابهم الفاحشة. ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها، بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ أي أفلم يروا ما حلّ بتلك القرية من عذاب الله ونكاله، بسبب تكذيبهم بالرسول، وبمخالفتهم أوامر الله، إنهم فعلا يرون ذلك، ولكنهم لم يعتبروا، ومنشأ عدم العظة والعبرة

стр. 5646

وتكذيب النبي محمد ﷺ أنهم قوم لا يخافون أو لا يتوقعون نشورا، أي معادا يوم القيامة. وهذا تأكيد لما قال تعالى سابقا في هذه السورة نفسها: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾ [١١] فإن عدم الخوف من اليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب هو السبب الجوهري في الإعراض عن دعوة الرسول ﷺ . ورجح الرازي أن الرجاء في قوله تعالى ﴿لا يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ على حقيقته؛ لأن الإنسان لا يتحمل متاعب التكاليف إلا لرجاء ثواب الآخرة، فإذا لم يؤمن بالآخرة لم يرج ثوابها، فلا يتحمل تلك المتاعب. فقه الحياة أو الأحكام: الغرض من إيراد هذه القصص هنا واضح، وهو تحذير المشركين من تكذيب النبي ﷺ ، فيحل بهم من العذاب، كما حلّ بالأمم الماضية المكذبين رسل الله. فالقصة الأولى-قصة موسى وأخيه هارون ﵉، كان معهما التوراة، وأمرا بالذهاب إلى فرعون وقومه من أقباط مصر لدعوتهم إلى الإيمان بوجود الله، والإقرار بوحدانيته، فكذبوا بآيات الله الدالة على صدق النبوة والتوحيد، فدمرهم الله تدميرا، وأهلكهم إهلاكا شديدا بالإغراق في البحر. والقصة الثانية-قصة نوح ﵇ مع قومه الذي مكث يدعوهم إلى توحيد الله ونبذ عبادة الأصنام زمنا هو ألف سنة إلا خمسين، مما لم يمكث فيه نبي مع قومه مثل هذا، فبعد أن كذبوه ويئس من إيمانهم، أغرقهم الله جميعا بالطوفان، وجعلهم للناس آية أي علامة ظاهرة على قدرته، وأعدّ لهؤلاء المشركين من قوم نوح ولكل ظالم عذابا شديد الألم في الآخرة، ونجّى الله الذين آمنوا مع نوح في السفينة.

стр. 5647

وقوله: ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ ذكر الجنس، وأراد به نوحا وحده؛ لأنه لم يكن في ذلك الوقت رسول إليهم إلا نوح وحده، فنوح إنما بعث ب «لا إله إلا الله» وبالإيمان بما ينزل الله تعالى، فلما كذبوه كان في ذلك تكذيب لكل من بعث بعده بهذه الكلمة. والقصة الثالثة-قصة عاد وثمود وأصحاب الرس وأقوام آخرين مما لا يعلمهم إلا الله بين قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس، أنذروا جميعا، وضربت لهم الأمثال الحقة، وبيّنت لهم الحجة، فأبوا الإيمان، وكذبوا الرسل، فأهلكهم الله بالعذاب ودمرهم تدميرا. والرس في كلام العرب: البئر التي تكون غير مطوية. وأصحاب الرسّ كما عرفنا كانوا قوما من عبدة الأصنام أصحاب آبار ومواش، فبعث الله تعالى إليهم شعيبا ﵇، فدعاهم إلى الإسلام، فتمادوا في طغيانهم وفي إيذائه، فبينما هم حول الرس، خسف الله بهم وبدارهم. وقيل: الرس: قرية باليمامة قتلوا نبيهم، فهلكوا، وهم بقية ثمود. والقصة الرابعة-قصة لوط ﵇ مع قومه في قرية سدوم إحدى قرى قوم لوط الخمس، دعاهم إلى الإيمان بالله وترك عبادة الأصنام، والتطهر من الفاحشة، فأصروا على ما هم عليه؛ لأنهم لا يصدقون بالبعث، أو لا يرجون ثواب الآخرة، فأهلكهم الله بمطر السوء، أي بالحجارة من السماء، وكان مشركو مكة يمرون في أسفارهم بتلك المدائن، ومع ذلك لم يعتبروا. قال ابن عباس: كانت قريش في تجارتها إلى الشام تمر بمدائن قوم لوط، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات ١٣٧/ ٣٧] وقال: ﴿وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر ٧٩/ ١٥]. وقد أهلك الله تعالى أربعا من قرى قوم لوط بأهلها، وبقيت واحدة.

стр. 5648

استهزاء المشركين بالنبي ﷺ وتسمية دعوته إضلالا ﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤)﴾ الإعراب: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً﴾ ﴿إِنْ﴾ بمعنى «ما» أي ما يتخذونك إلا ذا هزء أو موضع هزء أو مهزوءا به، مثل ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ أي ما الكافرون إلا في غرور. ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ محكي بعد قول مضمر تقديره: قائلين: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾. و ﴿أَهذَا﴾ مبتدأ، و ﴿الَّذِي﴾ خبره، و ﴿رَسُولاً﴾ إما منصوب على الحال وهو الأولى، أو على المصدر، بجعل ﴿رَسُولاً﴾ بمعنى «رسالة» مثل قول الشاعر: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم... بسرّ ولا أرسلتهم برسول أي برسالة. ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا عند البصريين مخففة من الثقيلة، تقديره: ما كاد إلا يضلّنا. البلاغة: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ الاستفهام للاستهزاء والتهكم، والإشارة للاستحقار. ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ تعجيب، وفيه تقديم المفعول الثاني على الأول للعناية به، والأصل: اتخذ هواه إلها له، بأن أطاعه وبنى عليه دينه، لا يسمع حجة، ولا يبصر دليلا.

стр. 5649

المفردات اللغوية: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً﴾ أي ما يتخذونك إلا موضع هزء أو مهزوءا به ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ هناك محذوف تقديره: يقولون، أو قائلين: أهذا الذي بعث الله رسولا في دعواه، والاستفهام للاستهزاء والتقدير، والإشارة للاستحقار وعدم تأهله للرسالة في زعمهم. ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا..﴾. يصرفنا و ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي إنه قارب إضلالنا، وصرفنا عن آلهتنا بفرط اجتهاده في الدعوة إلى التوحيد، لولا أننا ثبتنا على عبادة آلهتنا. وهذا اعتراف صريح من المشركين بأن محمدا بلغ الغاية في الدعوة إلى ربه. ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ﴾ عيانا في الآخرة، وهذا كالجواب عن قولهم: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾ فإنهم نسبوا الرسول ﷺ إلى الضلال، وفيه وعيد ودلالة على أنهم لا يفوتونه، وإن طالت مدة الإمهال، ولا بد للوعيد أن يلحقهم، فلا يغرنهم التأخير، وسينزل بهم العقاب ويعرفون حينئذ من أخطأ طريقا، أهم أم المؤمنون؟! ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ أخبرني عمن جعل هواه إلهه، بأن أطاعه وبنى عليه دينه لا يسمع حجة، ولا يبصر دليلا ﴿وَكِيلاً﴾ حافظا تحفظه عن اتباع هواه أي مهويه، وتمنعه عن الشرك والمعاصي، وحاله هذا؟ لا، فالاستفهام الأول للتقرير والتعجيب، والثاني للإنكار. ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ بل أتحسب ﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾ سماع تفهم ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ ما تقول لهم، فتجديهم الآيات أو الحجج، فتهتم بشأنهم وتطمع في إيمانهم، وهو أشد مذمة مما قبله حتى حق بالإضراب عنه إليه ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ﴾ أي ما هم إلا كالسوائم في عدم انتفاعهم بقرع الآيات ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ أبعد عن الحق طريقا منها؛ لأنها تنقاد لمن يتعهدها بالرعاية، وهم لا يطيعون مولاهم وخالقهم المنعم عليهم بنعم كثيرة، ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار. سبب النزول: نزول الآية (٤١): روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل، فإنه كان إذا مرّ رسول الله ﷺ مع صحبه قال مستهزئا: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾؟.

стр. 5650

المناسبة: بعد بيان مواقف المشركين في إنكار نزول القرآن من الله، والطعن في نبوة محمد ﷺ ، وعدم الإيمان برسالته، وإيراد الشبهات الواهية حول ذلك، أبان الله تعالى إسرافهم في الشطط والغلو والاستعلاء، وإساءتهم لهذا الرسول ﷺ بالاستهزاء به، والاستهانة بشخصه، والحط من قدره، متهكمين على اختياره للبعثة النبوية، ومغالين في ذلك حتى سموا دعوته إضلالا، ولجؤوا إلى التحذير من تأثير تلك الدعوة القوية والآيات والحجج البالغة التي شارفت أن تجرفهم إلى الإيمان، وترك دينهم إلى دين الإسلام، لولا ثباتهم على الوثنية، واستمساكهم بعبادة آلهتهم. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول ﷺ وتعييره بالعيب والنقص، فيقول: ﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً﴾ أي إذا رآك أيها النبي المشركون الذين كفروا بالله ورسوله، ما يتخذونك إلا موضع هزء وسخرية، أو مهزوءا به، مقارنة بما هم عليه من العزة والسيادة والغنى، وما أنت عليه من الفقر واليتم والمسكنة. ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ ويقولون على سبيل التنقص والازدراء: أهذا المبعوث من عند الله رسولا إلينا؟ كما قال تعالى في شأن غيره: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام ١٠/ ٦]. قبحهم الله، فلم يكن رسول الله ﷺ إلا المثل الأعلى للأنبياء وللبشر قاطبة في مشيه وسلوكه وتصرفاته وأخلاقه وفكره ومنطقه العذب، ولكنه العناد في

стр. 5651

الكفر الذي يصر أهله على تدليس الحقائق وطمس الفضائل، وهم في أصائل قلوبهم يرون الحقيقة ويظهرون غيرها، بدليل قولهم الآتي: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ أي قارب محمد أن يثنيهم عن عبادة الأصنام، ويحملهم على ترك دينهم إلى دين الإسلام، لولا أن صبروا وتجلدوا واستمروا على ما هم عليه، وتمسكوا بالوثنية والأسطورة والخرافة التي لا يقبل بها عاقل رشيد. وفي هذا دلالة واضحة على تناقضهم وإظهارهم خلاف ما يعتقدون من الحقيقة؛ لأنهم عرفوا محمدا الصادق الأمين الراجح العقل في غضون أربعين عاما من العمر قبل النبوة، ولم يوجهوا له يوما ما أي طعن أو نقد، وإنما على العكس كان محل احترام وإجلال من جميع قومه، كما هو معروف. ثم إن في هذا القول اعترافا ضمنيا بقوة تأثير محمد ﷺ فيهم، بدعوتهم إلى التوحيد ونبذ عبادة الأصنام؛ بحجج بالغة وأدلة دامغة، حتى إنهم شارفوا مفارقة دينهم إلى الإسلام، لولا المكابرة والعناد والاستكبار والغلو، فراحوا يقولون بأن صنيعه إضلال. وبعد أن حكى الله تعالى كلامهم زيّف طريقتهم وسفه آراءهم من وجوه ثلاثة: الأول: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ هذا وعيد شديد لهم وتهديد على التعامي عن الحق والإعراض عن الاستدلال والنظر، وعلى وصفهم له بالإضلال، فإنهم حين يشاهدون العذاب الذي لا مفرّ لهم منه يدركون من أخطأ طريقا، أهم أم المؤمنون وهو ﷺ قائدهم، ومن الضّال ومن المضلّ؟ الثاني: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ، أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ وهذا تنبيه على

стр. 5652

عدم الفائدة من دعوة من سيطرت عليه الأهواء إلى الدين الحق، فانظر فيمن جعل هواه إلهه، بأن أطاعه وبنى عليه أمر دينه، واستولى عليه التقليد، وصمّ أذنه عن سماع الدليل المقنع والبرهان الساطع، فكل ما زين له الهوى شيئا انقاد له، وحينئذ لن تستطيع منعه من الشرك والمعاصي، ولن تكون مستطيعا دعوته إلى الهدى ولا وليا حافظا على شؤونه لتقمعه عن الضلال، وترشده إلى الهدى والصواب؛ فما استحسنه بهواه جعله دينه ومذهبه، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَرَآهُ حَسَناً، فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ الآية [فاطر ٨/ ٣٥]. قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني، وترك الأول. وهذا دليل على ألا حجة لهم في عبادة الأصنام إلا التقليد واتباع الأهواء، ولا يرشد إلى طريقهم فكر ولا عقل سليم. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢٢/ ٨٨]، وقوله سبحانه: ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق ٤٥/ ٥٠]، وقوله : ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة ٢٥٦/ ٢]. الثالث: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ، إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ وهذا ذمّ أشد مما سبق، لذا عبر عنه بقوله ﴿أَمْ﴾ أي بل للإضراب عما سبق إليه، والمعنى بل أتظن أن أكثرهم يسمعون سماع تدبر وفهم، أو يتعقلون ويفكرون فيما تتلو عليهم، وترشدهم إليه من الفضائل والأخلاق الحميدة، فتجهد نفسك في إقناعهم بدعوتك، ونقلهم إلى العقيدة الصحيحة، فما حالهم إلا كالأنعام السائمة، بل هم أسوأ حالا من الأنعام السارحة، وأخطأ طريقا منها، فإن تلك البهائم تفعل ما هو خير لها ونفع، وتتجنب ما هو ضارّ

стр. 5653

بها وخطر عليها، أما هؤلاء فلا يقدّرون مصلحتهم حق التقدير، فتراهم متهورين في المعاصي، قاذفين أنفسهم في المهالك، لا يشكرون نعمة الخالق عليهم ولا يعرفون إحسانه، وإساءة الشيطان لهم، ولا يفعلون ما يحقق لهم الثواب الأخروي، ولا يتجنبون ما يؤدي بهم إلى العقاب والعذاب. والسبب في قوله ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ لا الكل أن بعضهم عرف الله تعالى وعلم أن الإسلام حق، لكنه لم يعلن إسلامه لمجرد حب الرياسة. وهذا دليل على فقدهم الإدراك الصحيح والوعي السليم، وتعطيلهم طاقات الحواس والمواهب الإلهية التي لو فكروا بموجبها دون تأثر بعصبية، أو تقليد موروث، أو هوى متبع كحب الزعامة والسيطرة، لانقادوا إلى رسالة الحق والتوحيد، وآمنوا بدعوة النبي محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - اتّخذ المشركون النبي ﷺ موضع استهزاء وسخرية، فهل بعد هذا من جرم أفظع منه وأشنع؟ ٢ - دلّ قوله تعالى: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا.﴾. على أمور: هي أنهم سمّوا ذلك إضلالا، وأن الرسول ﷺ بلغ أقصى الجهد والاجتهاد في صرفهم عن عبادة الأوثان، وأنهم لم يعترضوا على دلائل النبوة إلا بمحض الجحود والتقليد، وأن القوم أقروا بقوة حجته ﷺ وكمال عقله، لكنهم طاشوا كالمجانين، فاستهزؤوا به، وذلك فعل الجاهل العاجز المتحير في أمره. ٣ - كان الرد الحاسم من الله على قبائح المشركين هذه من وجوه ثلاثة:

стр. 5654

أولها: أنهم حين مشاهدة العذاب يدركون من أضل دينا أهم أم محمد؟ ثانيها: أنهم لجهالتهم وإعراضهم عن آيات الله اتخذوا أهواءهم آلهة، فأصروا على الشرك، وقلدوا آباءهم، مع إقرارهم بأن الله خالقهم ورازقهم، وعبدوا الأحجار من غير حجة. ثالثها: أن أكثرهم لا يسمعون سماع قبول أو يفكرون فيما يقوله النبي ﷺ فيعقلونه، أي هم بمنزلة من لا يعقل ولا يسمع، وما هم إلا كالأنعام لا يفكرون في الآخرة، بل هم أضل؛ إذ لا حساب ولا عقاب على الأنعام. ٤ - دلّ قوله سبحانه: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ أي حفيظا وكفيلا حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من هذا الفساد، على أن الهداية والضلالة ليستا موكولتين إلى مشيئة النبي ﷺ ، وإنما عليه التبليغ. والآية تسلية له عن تركهم الإيمان وإعراضهم عن دعوته. أدلة خمسة على وجود الله وتوحيده ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً (٥٠) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤)﴾

стр. 5655

الإعراب: ﴿وَأَناسِيَّ﴾ معطوف على ﴿أَنْعاماً﴾ وواحده (أنسي) أو (إنسان). قال الفراء والزجاج: الأنسي والأناسي كالكرسي والكراسي. وقال الزمخشري: الأناسي: جمع أنسي أو إنسان. البلاغة: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً﴾ تشبيه بليغ، حذف منه أداة الشبه ووجه التشبيه، أي كاللباس الساتر. ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً﴾ مقابلة بين الليل والنهار، والنوم والتقلب في المعاش. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ استعارة، استعار اليدين لما هو أمام الشيء وقدّامه. ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ التفات من الغيبة: ﴿أَرْسَلَ الرِّياحَ﴾ إلى التكلم للتعظيم والامتنان. ﴿هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ بينهما مقابلة، أي في نهاية العذوبة ونهاية الملوحة. المفردات اللغوية: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تنظر. ﴿إِلى رَبِّكَ﴾ إلى صنعه وفعله. ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ بسطه، والظل: خيال الأشياء المادية ذات الجسم كجبل أو بناء أو شجر من حين طلوع الشمس حتى غروبها. وهو دليل الحدوث وتصرف الله فيه على الوجه النافع، مما يدل على أن ذلك فعل الصانع الحكيم. ﴿وَلَوْ

стр. 5656

شاءَ﴾ ربك. ﴿ساكِناً﴾ ثابتا مقيما على حاله في القدر، فلا يزول ولا تذهبه الشمس بأن يجعل الشمس قائمة على وضع واحد. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ أي جعلنا الشمس علامة على الظل، فلولا الشمس ما عرف الظل. ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً﴾ أي أزلنا الظل ومحوناه بإيقاع الشعاع عليه تدريجيا قليلا قليلا شيئا فشيئا بمعدل سير الشمس في فلكها وبمقدار ارتفاعها. ﴿لِباساً﴾ جعل ظلام الليل ساترا كاللباس. ﴿سُباتاً﴾ راحة لأبدانكم بقطع الأعمال والمشاغل، من السبت وهو القطع. ﴿نُشُوراً﴾ ذا نشور، أي انتشار ينتشر فيه الناس للمعاش وابتغاء الرزق، أو بعثا من النوم بعث الأموات. ﴿بُشْراً﴾ مبشرات. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي قدّام المطر، وقرئ: نشرا أي متفرقة قدّام المطر، جمع نشور كرسول ورسل. ﴿طَهُوراً﴾ مطهرا يتطهر به، لقوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال ١١/ ٨] وهو اسم لما يتطهر به، كالوضوء لما يتوضأ به، والوقود لما يوقد به. وتطهير الظواهر دليل على تطهير البواطن. ﴿بَلْدَةً مَيْتاً﴾ أي لا نبات فيها، والميت يستوي فيه المذكر والمؤنث، وذكّر ميتا باعتبار المكان، أي لأن البلدة في معنى البلد. والفرق بين الميت بالتخفيف، والميّت بالتشديد أن الأول لمن مات حقيقة، والثاني لمن سيموت. ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ أي الماء. ﴿أَنْعاماً﴾ هي الإبل والبقر والغنم. ﴿وَأَناسِيَّ كَثِيراً﴾ هم الناس، جمع أنسي. والمراد: أنعاما كثيرة وبشرا كثيرين؛ لأن فعيل يراد به الكثرة. ﴿صَرَّفْناهُ﴾ أي الماء بمعنى فرقناه وحولناه من جهة إلى أخرى، ومنه: تصريف الأمور. ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي يتذكروا نعمة الله به ويعتبروا. ﴿كُفُوراً﴾ كفران النعمة وإنكارها وقلة الاكتراث بها، حيث قالوا: مطرنا بنوء كذا أي سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه من المشرق، يقابله من ساعته في كل ثلاثة عشر يوما، ما عدا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، وقيل: إلى الطالع؛ لأنه في سلطانه، وجمعه أنواء. ﴿نَذِيراً﴾ نبيا ينذر أهلها ويخوفهم، ولكن بعثناك إلى أهل القرى كلها نذيرا، ليعظم أجرك. ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ﴾ في هواهم وفيما يريدون منك وهو تهييج له وللمؤمنين. ﴿وَجاهِدْهُمْ بِهِ﴾ بالقرآن أو بترك طاعتهم الذي يدل عليه. ﴿فَلا تُطِعِ﴾ والمعنى أنهم يجتهدون في إبطال حقك، فقابلهم بالاجتهاد في مخالفتهم وإزاحة باطلهم. ﴿جِهاداً كَبِيراً﴾ لأن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان. ﴿فُراتٌ﴾ مفرط العذوبة. ﴿مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ شديد الملوحة. ﴿بَرْزَخاً﴾ حاجزا. ﴿وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾ تنافرا بليغا شديدا أو حدا محدودا. ﴿نَسَباً وَصِهْراً﴾ أي ذوي نسب وهم الذكور الذين ينسب إليهم، والصهر: أي ذوي صهر وهم الإناث اللائي يصاهر بهن.

стр. 5657

المناسبة: لما بيّن الله تعالى جهل المعرضين عن أدلة التوحيد ومناقشتهم وفساد تفكيرهم في ذلك، ذكر خمسة أدلة دالة بنحو قاطع حسا وعقلا على وجود الصانع الحكيم، وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة. التفسير والبيان: أورد الحق تعالى أدلة خمسة على وجوده وقدرته من الظواهر الكونية التي يدركها ويشاهدها عيانا كل مخلوق وهي خلق الظل، والليل والنهار، والرياح والأمطار، والبحار المالحة والعذبة، والإنسان من الماء، وهي ما يلي: ١ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ، وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً﴾ ألم تنظر أيها الرسول وكل سامع إلى صنع ربك الذي يدل على كمال قدرته ومنتهى رحمته كيف بسط الظل، يتفيأ به الناس طوال النهار، وينعمون فيه بالوقاية من شدة حر الشمس، من طلوع الشمس إلى غروبها. ولو شاء لجعله ثابتا دائما على حال واحدة لا يتغير طولا وقصرا، وإنما جعله متفاوتا في ساعات النهار والفصول المختلفة، وفي ذلك فوائد كثيرة للإنسان والنبات والحيوان، ومن فوائده: اتخاذه مقياسا للزمن، حتى إن الفقهاء جعلوه علامة على بعض أوقات الصلاة، كالظهر عند الزوال، أي تحول الظل نحو المشرق وميل الشمس نحو المغرب، والعصر إذا بلغ ظل كل شيء مثله في رأي الجمهور، وعند أبي حنيفة: إذا بلغ ظل كل شيء مثليه. وهذا على تفسير ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ برؤية العين، والأولى في رأي الرازي حمله على رؤية القلب، والمعنى: ألم تعلم؛ لأن الظل من المبصرات ولكن تأثير قدرة الله في تمديده غير مرئي.

стр. 5658

﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً، ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً﴾ أي ثم جعلنا طلوع الشمس علامة على الظل، فلولا طلوعها لما عرف الظل؛ فإن كل شيء يتميز بضده. وهذا يعني أن الله تعالى خلق الظل أولا، ثم جعل الشمس دليلا عليه. ثم أزلنا الظل وحولناه وغيرنا اتجاهه بضوء الشمس قليلا قليلا وشيئا فشيئا على مهل غير فجأة بحسب سير الشمس وارتفاعها، حتى لا يبقى على الأرض ظل إلا تحت سقف أو تحت شجرة، وقد أظلت الشمس ما فوقه. وفي إيجاد الظل وتغيره بعد شروق الشمس إلى غروبها، وانتقاله من حال إلى حال، وقبضه وبسطه، والتصرف فيه على وفق الحكمة دليل واضح على وجود الإله القادر، الخبير البصير، العليم الحكيم، الرؤوف الرحيم. ٢ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً، وَالنَّوْمَ سُباتاً، وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً﴾ أي والله هو الذي جعل ظلام الليل ساترا كاللباس، كما قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ [الليل ١/ ٩٢] وجعل النوم كالموت قاطعا للحركة، توفيرا لراحة الأبدان والحواس والأعضاء، بعد إجهاد النهار، وعناء العمل، فبالنوم تسكن الحركات وتستريح الأعصاب والأعضاء والبدن والروح معا. وجعل تعالى النهار مجالا للانتشار في الأرض، ينتشر فيه الناس لابتغاء الرزق وغيره، ويتوزعون فيه لمعايشهم ومكاسبهم. وكما أن النوم يشبه الموت، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام ٦٠/ ٦] وقال: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ [الزمر ٤٢/ ٣٩] فإن الانتشار واليقظة يشبه البعث، قال لقمان لابنه: كما تنام فتوقظ، كذلك تموت فتنشر. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص ٧٣/ ٢٨].

стр. 5659

وفي الليل وسكونه، والنوم وراحته، والنهار وحركته دليل واضح على وجود الإله الخالق القادر المتصرف في الكون، ففي ضوء النهار الحياة والبهجة والحركة والعمل، وفي الليل الهدوء والسكون وإعداد النفس للكد والكدح والجهاد، والله تعالى جعل لكل ظرف ما يناسبه تماما ويحقق المقصود على أكمل وجه. وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق، فيها إظهار لنعمته على خلقه؛ لأن في ستر الليل فوائد دينية ودنيوية، وفي تشبيه النوم واليقظة بالموت والحياة عبرة لمن اعتبر. ٣ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي والله تعالى الذي يرسل الرياح مبشّرات بمجيء السحاب وهطول الأمطار. ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً﴾ أي وأنزلنا مطرا من السماء، أي السحاب وجعلناه طاهرا مطهّرا، أي وسيلة يتطهر بها في تنظيف الأجسام والملابس والأشياء المختلفة، والانتفاع به في الطعام والشراب وسقي النباتات والحيوانات. والطهور: اسم لما يتطهر به كالوضوء لما يتوضأ به، والوقود لما يوقد به. روى الشافعي وأحمد وصححه، وأبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «إن الماء طهور لا ينجّسه شيء». وروى أبو داود والترمذي والنسائي أن النبي ﷺ قال لما سئل عن التوضؤ بماء البحر: «هو الطّهور ماؤه، الحلّ ميتته». وقال سعيد بن المسيّب في هذه الآية: أنزله الله طهورا، لا ينجسه شيء. ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾ أي وأنزلناه لإحياء الأرض التي لا نبات فيها، وطال انتظارها للغيث، فتصبح بعد ريها مزدهرة بأنواع النبات والزهر والشجر، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج ٥/ ٢٢].

стр. 5660

﴿وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً﴾ أي وليشرب منه الحيوان والإنسان المحتاجان إليه أشد الحاجة لبقاء الحياة وسقي الزروع والأشجار، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا، وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى ٢٨/ ٤٢]. والخلاصة: ذكر الله تعالى لمنافع الماء أمرين: إحياء النبات، لقوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾ وإحياء الحيوان والإنسان لقوله: ﴿أَنْعاماً وَأَناسِيَّ﴾. والسبب في تخصيص الإنسان والأنعام هنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء هو شدة الحاجة، فالطير والوحش تبعد في طلب الماء، وتصبر على فقده أكثر من الناس والحيوان الأهلي، فلا يعوزها الشرب غالبا. وتنكير الأنعام والأناسي، ووصفهما بالكثرة، لملاحظة أحوال الماشية البعيدة عن منابع الماء، وأهل البوادي الذين يعيشون بالمطر، أما أهل المدن والقرى فيقيمون عادة بقرب الأنهار ومنابع الماء، فهم في غنية عن المطر بشرب المياه المجاورة لهم. وقدم الأنعام وأخر الإنسان عن النبات والحيوان لشدة حاجة الحيوان وكونه عاجزا عن التعبير عن مراده، أما الإنسان فيتفنن في استخراج الماء بوسائل عديدة، ولأن الناس إذا ظفروا بما يسقي أرضهم ومواشيهم، فقد ظفروا أيضا بسقياهم، فقدم ما هو سبب حياتهم ومعيشتهم على سقيهم. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا، فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ أي ولقد فرقنا المطر وحولناه من جهة إلى أخرى، فأمطرنا هذه الأرض دون هذه، وسقنا السحاب من مكان إلى آخر ليتذكروا نعمة الله ويعتبروا، فإن الحرمان من الشيء ثم الإفاضة به يذكّر بفضل الله ونعمته، فيوجب الشكر، ويدفع الإنسان إلى العظة والعبرة، ولكن أكثر الناس يأبون شكر النعمة، ويكفرون بها

стр. 5661

ويجحدونها، وينسبون ذلك لغير الخالق الحقيقي، فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، أي من النجوم الساقطة أو الطالعة، كما ورد في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال لأصحابه يوما على أثر سماء أصابتهم من الليل: «أتدرون ماذا قال ربّكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي، مؤمن بالكوكب». وفسر بعضهم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ أي تصريف القرآن وتقليب حججه وآياته من حال إلى حال، ليذكر الناس ويتعظوا، ومع ذلك كفر به كثيرون. وفي إنزال المطر والتحكم فيه من قبل الله دليل على وجوده وقدرته وحكمته، فإذا ما أحيا الله الأرض الميتة به، تذكر الناس أنه قادر على إحياء الأموات والعظام الرفات، وإذا ما حرم قوم المطر تذكروا أنما أصيبوا بالحرمان بذنب حدث منهم، فيقلعون عما هم عليه، ليتعرضوا إلى رحمة الله. وكما أن المطر نعمة ينبغي أن تذكر فتشكر، هناك نعمة عظمي على الإنسانية وهي إرسال الرسول محمد ﷺ بالقرآن، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً﴾ أي لو أردنا أن نبعث في كل قرية رسولا منذرا يخوف الناس من عذاب أليم لفعلنا، ولكنا بعثناك يا محمد إلى الثقلين: الجن والإنس، وإلى جميع أهل الأرض، وأمرناك أن تبلغهم هذا القرآن، كما قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الشورى ٧/ ٤٢] وقال: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا النّاسُ، إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف ١٥٨/ ٧] وجاء في الصحيحين: «بعثت إلى الأحمر والأسود» أي إلى العجم والعرب. وفيهما أيضا: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» وعموم البعثة لندّخر

стр. 5662

لك أيها الرسول عظيم الثواب، وواسع الجزاء، فما عليك إلا الجهاد والصبر، ولا تأبه بإعراضهم عن دعوتك. لهذا قال: ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً﴾ أي فلا تتبع الكفار فيما يدعونك إليه من مجاملة أو موافقة لآرائهم ومذاهبهم، وجاهدهم بكل سلاح مادي أو عقلي وهو القرآن جهادا شاملا لا هوادة فيه، متناسبا مع كل فرصة تنتهزها، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ، وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٧٣/ ٩]. والجهاد الكبير: هو الذي لا يخالطه فتور. ٤ - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ، هذا عَذْبٌ فُراتٌ، وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ، وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾ أي والله الذي جعل البحرين المتضادين متجاورين متلاصقين لا يمتزجان، هذا ماء زلال عذب شديد العذوبة، وهذا مالح شديد الملوحة، ولكن لا يختلط أحدهما بالآخر، كأن بينهما حاجزا منيعا، وكأنهما ضدان مفترقان متنافران لا يجتمعان، ولا يصل أحدهما إلى الآخر، فهما في مرأى العين واحد، ولكنهما في الحقيقة والواقع منفصلان، كما قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن ١٩/ ٥٥ - ٢١] وقال: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً، أَإِلهٌ مَعَ اللهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل ٦١/ ٢٧]. أي دليل آخر يدل على قدرة الله الباهرة غير مثل هذا الدليل؟ إن الماء ماء واحد، ولكن الماء العذب لا يختلط بالماء المالح، والله خلق الماءين: الحلو والملح، وجعل الأنهار والعيون والآبار حلوة، وهي البحر الحلو الفرات الزلال، وجعل البحار في المشارق والمغارب والمحيطات الخمس مالحة، وملوحتها سبب لنقاوتها وعدم فسادها، ويتجدد هواء البحر بالمد والجزر، فتستطيع الأسماك في قيعانه العيش بسلام.

стр. 5663

٥ - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً، فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً، وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾ أي والله سبحانه الذي خلق الإنسان من نطفة ضعيفة، فسواه وعدّله، وجعله كامل الخلقة، ذكرا وأنثى كما يشاء، فقسمه قسمين: ذكورا تنسب إليهم الأنساب، وإناثا يصاهر بهن، كما قال: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ [القيامة ٣٩/ ٧٥] وكان الله قديرا بالغ القدرة على كل شيء من هذا وغيره، يخلق ما يريد، وقد أبدع كل شيء خلقه، وأتقن كل ما في الوجود، وهو ما يزال كامل القدرة على الإبداع والخلق والتكوين. وختم الآية بإثبات القدرة هو مسك الختام. قال ابن سيرين: نزلت هذه الآية في النبي ﷺ وعلي ﵁؛ لأنه جمعه معه نسب وصهر. وقال ابن عطية: فاجتماعهما وكادة حرمة إلى يوم القيامة. وهذا دليل آخر على قدرة الله تعالى إذ خلق الإنسان في أحسن تقويم، وزوده بطاقات الحس والعقل، والمعرفة والتفكير، وأقدره على مخلوقات الدنيا، وجعلها مذلّلة مسخرة لخدمته ونفعه، فسبحانه من إله بديع الخلق، عجيب الصنع، واهب الوجود، ومبدع الكون العجيب. فقه الحياة أو الأحكام: في هذه الآيات أدلة خمسة على وجود الله ووحدانيته وقدرته وهي: أولا-خلق الظل المقابل للشمس وتمديده طوال النهار وانعدامه عند الظهيرة ما عدا سقف البيت والشجر، حكى أبو عبيدة عن رؤبة: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل. والظل نعمة عظمي للأحياء والعقلاء في كل مكان، لا سيما في البلاد الحارة، ففيه الراحة والهدوء، وتوقي الحر، أو الوقاية من ضربات الشمس الحادّة، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ، يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ، عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ، سُجَّداً لِلّهِ، وَهُمْ داخِرُونَ﴾ [النحل ٤٨/ ١٦].

стр. 5664

وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ﴾ يجوز أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين، ويجوز أن تكون من العلم، أي من رؤية القلب. والخطاب وإن كان في الظاهر للرسول ﷺ فهو عام في المعنى. والشمس دليل على الظل؛ لأن الأشياء تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، فالشمس دليل، أي حجة وبرهان. ويتفاوت طول الظل وقصره أثناء النهار تفاوتا سهلا يسيرا، شيئا فشيئا، والله هو الذي يقبضه بيسر وسهولة، وكل أمر ربنا عليه يسير. ثانيا-الليل ستر للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن، والنوم راحة للأبدان بالانقطاع عن الأشغال، والنهار ذو نشور، أي انتشار للمعاش، فهو سبب الإحياء للانتشار. والنوم ليلا يشبه الإماتة، واليقظة نهارا تشبه البعث، وكان ﷺ إذا أصبح قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور». ثالثا-الرياح مبشّرات بهطول المطر، تقود السحب من مكان إلى آخر، والأمطار الهاطلة حياة الأبدان والنباتات والحيوانات، وهي ماء طهور أي ما يتطهر به، والمراد أنه مطهر. وأجمعت الأمة على أن وصف (طهور) يختص بالماء، ولا يتعدى إلى سائر المائعات، وهي طاهرة. والمياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة، على اختلاف ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها. والمخالط للماء ثلاثة أنواع: نوع يوافقه في صفتيه جميعا وهو التراب طاهر مطهر، ونوع يوافقه في إحدى صفتيه وهي الطهارة، فإذا خالطه فغيّره سلبه صلاحية التطهير وهو ماء الورد وسائر المائعات الطاهرات، ونوع يخالفه في الصفتين جميعا، وهو النجس. ويرى الجمهور أن قليل الماء يفسده قليل النجاسة، والكثير لا يفسده إلا

стр. 5665

ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه من النجاسات. ويرى أبو حنيفة أنه إذا وقعت نجاسة في الماء أفسدته، كثيرا كان أو قليلا إذا تحققت النجاسة فيه، فإن وقعت نقطة بول في بركة، فإن كانت البركة يتحرك طرفاها بتحرك أحدهما فالكل نجس، وإن كانت حركة أحد الطرفين لا تحرك الآخر لم ينجس. وميّز الشافعية بين القليل والكثير بمقدار القلتين (١٥ صفيحة) فإذا بلغ الماء قلتين، فوقعت فيه نجاسة، ولم تغير طعمه أو لونه أو ريحه، فهو طاهر مطهر، وإذا غيرت أحد أوصافه، ولو تغيرا يسيرا فنجس؛ لقوله ﷺ فيما رواه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر: «إذا بلغ الماء قلّتين، لم يحمل الخبث» أو «لم ينجس» قال الحاكم: على شرط الشيخين: البخاري ومسلم. ولا حدّ عند المالكية بين القليل والكثير، والمرجع فيه إلى العرف والعادة، فما هو قدر آنية الوضوء والغسل قليل يسير، وما يزيد عن ذلك كثير. ولا يضر تغير الماء بما في مقره وممره كزرنيخ وطحلب وورق شجر ينبت عليه. وكذلك لا يضر ما مات في الماء مما لا دم له، أو له دم سائل من دواب الماء، كالحوت والضفدع إن لم يغيّر ريحه. والماء المستعمل القليل في رفع حدث أو إزالة نجس طاهر مطهر عند المالكية، وطاهر غير مطهر عند الجمهور. ودليل المالكية: الآية التي وصفت الماء بالطهور والمطهر، والأصل في الثابت بقاؤه، والسنة وهو أنه ﷺ توضأ فمسح رأسه بفضل ماء في يده، وأنه توضأ فأخذ من بلل لحيته، فمسح به رأسه، والقياس: وهو أنه ماء طاهر لقي جسدا طاهرا، فأشبه ما إذا لقي حجارة أو حديدا. ودليل الجمهور قوله ﷺ فيما رواه مسلم: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم (١) وهو جنب» ولو بقي الماء كما كان طاهرا مطهرا لما كان للمنع منه معنى.

стр. 5666

والقياس وهو أن الصحابة كانوا يتوضئون في الأسفار وما كانوا يجمعون تلك المياه، مع علمهم باحتياجهم بعد ذلك إلى الماء، ولو كان ذلك الماء مطهرا لحملوه ليوم الحاجة. (١) والماء الطاهر المطهر الذي يجوز به الوضوء وغسل النجاسات: هو الماء الصافي من ماء السماء والأنهار والبحار والعيون والآبار، وما عرفه الناس ماء مطلقا غير مضاف إلى شيء خالطه كماء الورد، ولا يضره لون أرضه، كما بينا. ولا بأس في مذهب الجمهور أن يتوضأ الرجل بفضل ماء وضوء المرأة وتتوضأ المرأة من فضل ماء وضوء الرجل، سواء انفردت المرأة بالإناء أو لم تنفرد؛ روى الترمذي عن ابن عباس قال: حدثتني ميمونة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد من الجنابة. وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه مسلم أيضا. رابعا-أرسل الله البحرين: العذب والمالح، وجعلهما متجاورين متلاصقين لا يمتزجان ولا يختلطان، وجعل بينهما حاجزا من قدرته لا يغلب أحدهما على صاحبه، وسترا مستورا يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر، فالبرزخ: الحاجز، والحجر: المانع. خامسا-خلق الله تعالى من النطفة إنسانا، وجعل من الإنسان صنفين: الذكر والأنثى، وجعل الذكر موضع نسبة النسب، والأنثى سببا للمصاهرة، وإيجاد قرابات جديدة، فكل من النسب والصهر قرابة ويعمان كل قربى بين آدميين. وتضمنت الآيات أيضا بالإضافة إلى الاستدلال بها على قدرة الله تعداد النعم على بني الإنسان من إيجاد الظل، وتعاقب الليل والنهار، وإنزال الأمطار،

стр. 5667

وخلق الماءين: الحلو والمالح، وتسخير البحار والأنهار لسير المراكب وتنقل الناس، وإيجاد الإنسان بعد العدم، والتنبيه على العبرة في كل ذلك. كما تضمنت الآيات بيان فضله تعالى في إنزال القرآن على تفسير التصريف بتصريف آيات القرآن وترداد الحجج والبينات فيه، وفي بعثة النبي ﷺ لجميع العالم في الشرق والغرب، فهاتان هما النعمتان العظيمتان على بني الإنسان، وعلى التخصيص المسلمين. وإذا لم يكن النسب ثابتا شرعا لم تثبت حرمة المصاهرة، وعليه قال الجمهور: إذا لم يكن نسب شرعا، فلا صهر شرعا، فلا يحرّم الزنى بنت أم ولا أمّ بنت، ولا بنتا من الزنى، وما يحرّم من الحلال لا يحرّم من الحرام؛ لأن الله امتنّ بالنسب والصهر على عباده، ورفع قدرهما، وعلّق الأحكام في الحل والحرمة عليهما، فلا يلحق الباطل بهما ولا يساويهما. وقال الحنفية: تحرم البنت من الزنى أو الأخت أو بنت الابن من الزنى؛ بسبب التولد من ماء الرجل. جهل المشركين في عبادة الأوثان وتوجيه النبي وسبب جعل العبادة للرحمن ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (٥٥) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (٥٦) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٥٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اُسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (٦٠) تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢)﴾

стр. 5668

الإعراب: ﴿وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ..﴾. أي على معصية ربه، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ﴾ ﴿مِنْ﴾ في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، و ﴿إِلى رَبِّهِ﴾ أي إلى قربة ربه، فحذف المضاف. ﴿وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً﴾ أي كفاك الله، فحذف المفعول الذي هو الكاف، والباء: زائدة، و ﴿خَبِيراً﴾ تمييز أو حال. ﴿الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ﴿الرَّحْمنُ﴾: إما خبر مبتدأ محذوف أي هو الرحمن، أو مبتدأ، و ﴿فَسْئَلْ بِهِ﴾ خبره، أو الخبر ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ أو بدل من ضمير ﴿اِسْتَوى﴾. ويجوز النصب على المدح، والجر على البدل من ﴿الْحَيِّ﴾ و ﴿خَبِيراً﴾: مفعول اسأل، وهو وصف لموصوف محذوف، تقديره: فاسأل به إنسانا خبيرا، والباء بمعنى (عن) مثل: فإن تسألوني بالنساء أي عن النساء. ﴿أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ ما: إما اسم موصول، والتقدير: للذي تأمرنا به، فحذف حرف الجر ثم الهاء العائدة إلى الاسم الموصول. وإما مصدرية، فلا يكون هناك شيء محذوف. المفردات اللغوية: ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ أي الكفار. ﴿ما لا يَنْفَعُهُمْ﴾ بعبادته. ﴿وَلا يَضُرُّهُمْ﴾ بتركها، وهو الأصنام. ﴿ظَهِيراً﴾ معينا للشيطان بالعداوة والشرك. ﴿مُبَشِّراً﴾ بالجنة. ﴿وَنَذِيراً﴾ مخوّفا من النار. ﴿أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي على تبليغ ما أرسلت به. ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ﴾ أي لكن فعل من أراد. ﴿سَبِيلاً﴾ طريقا بإنفاق ماله في مرضاته تعالى، فلا أمنعه من ذلك، أو إلا من أراد أن يتقرب

стр. 5669

إلى ربه ويطلب الزلفى عنده بالإيمان والطاعة. وفيه إشعار بأن الطاعة تعود على صاحبها بالثواب. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ نزّهه عن صفات النقصان وصفه بصفات الكمال، قائلا: سبحان الله والحمد لله. ﴿خَبِيراً﴾ عالما بالظاهر والباطن. ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ أي قدر ستة أيام من أيام الدنيا، ولو شاء لخلقهن في لمحة واحدة، ولكنه عدل إلى ذلك لتعليم خلقه التثبت والتأني في الأمر والتدرّج. ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي استوى استواء يليق به على العرش الذي هو أعظم من خلق السموات والأرض وأعظم المخلوقات، وليس خلق العرش بعد خلق السموات؛ لقوله تعالى: ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ [هود ٧/ ١١]. ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ أي اسأل بالرحمن أي عن الرحمن خبيرا يخبرك بصفاته. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ﴾ لكفار مكة أي قال لهم الرسول ﷺ ، فهو الآمر بالسجود. ﴿لِما تَأْمُرُنا﴾ للذي تأمرنا به أي تأمرنا بسجوده. ﴿وَزادَهُمْ﴾ هذا القول ﴿نُفُوراً﴾ إعراضا عن الإيمان. ﴿تَبارَكَ﴾ تعاظم. ﴿بُرُوجاً﴾ منازل الكواكب السيارة الاثني عشر المعروفة وهي الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، المجموعة في قول الشاعر: حمل الثور جوزة السّرطان... ورعى الليث سنبل الميزان ورمى عقرب بقوس لجدي... نزح الدلو بركة الحيتان وهي منازل الكواكب السيارة السبعة وهي المرّيخ: وله الحمل والعقرب، والزّهرة: ولها الثور والميزان، وعطارد: وله الجوزاء والسنبلة، والقمر: وله السرطان، والشمس: ولها الأسد والمشتري: وله القوس والحوت، وزحل: وله الجدي والدلو. ونظم الشاعر هذه الكواكب بقوله: زحل شرى مرّيخه من شمه... فتزاهرت لعطارد الأقمار وسميت بالبروج وهي لغة: القصور العالية للتشبيه بها، فهي للكواكب السيارة كالمنازل لسكانها. ﴿سِراجاً﴾ هو الشمس، وقرئ: سرجا بالجمع وهي الشمس والكواكب الكبار فيها. ﴿وَقَمَراً مُنِيراً﴾ مضيئا بالليل، وقرئ: قمر جمع قمراء، وخص الشمس والقمر بالذكر لفضيلتهما. ﴿خِلْفَةً﴾ أي يخلف كل منهما الآخر بأن يأتي بعده ويقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه. ﴿أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ أن يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه، فيعلم أنه لا بدّ له من صانع حكيم واجب الذات رحيم بالعباد، ويتذكر أيضا ما فاته في أحدهما من خير فيفعله في الآخر. ﴿أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾ أن يشكر الله على ما فيه من النعم.

стр. 5670

المناسبة: بالرغم مما أبان الله تعالى من أدلة التوحيد في ظواهر الكون، فإن المشركين ظلوا يعكفون على عبادة الأصنام، فأخبر تعالى عن جهلهم في عبادة ما لا يضر ولا ينفع، بلا دليل ولا حجة في ذلك، بل بمجرد التقليد والهوى والتشهي، تاركين اتباع الرسول ﷺ الذي جاء يبشرهم بالخير إن أطاعوا، وينذرهم بالعذاب إن عصوا وأعرضوا، وهو لا يبتغي على ذلك أجرا. ثم وجه الله تعالى رسوله بأن يتوكل على الله الحي الذي لا يموت، العالم بجميع المعلومات، القادر على كل الممكنات، فلا يرهب جانب المشركين ولا يخشى بأسهم، وأمره أيضا بأن ينزه ربه عن كل صفات النقص كالشريك والولد، ويصفه بجميع صفات الكمال، وأبان له أن وجوب السجود والعبادة لا يكون إلا للرحمن الذي خلق الكواكب السيارة وجعل لها منازل، وجعل الليل والنهار في تعاقب دائم للتذكر وتوجيه الشكر لله تعالى. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن ضلال المشركين عن عبادة الله وجهلهم وكفرهم بربهم فيقول: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ﴾ أي ويعبد المشركون آلهة من غير الله لا تنفعهم عبادتها، ولا يضرهم هجرها وتركها، ولا دليل لهم على ذلك إلا مجرد الهوى والتشهي، ويتركون عبادة من أنعم عليهم بالنعم السابق ذكرها في الآيات من مدّ الظل وغيره. ﴿وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً﴾ أي وكان الكافر على معصية ربه معينا للشيطان بالعداوة والشرك أو يعينه على معصية الله. والمراد: جنس الكافر وهو عام في كل كافر.

стр. 5671

قال ابن عباس: نزلت الآية في أبي الحكم بن هشام الذي سماه رسول الله ﷺ أبا جهل بن هشام. لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالأولى حمل لفظ ﴿الْكافِرُ﴾ على العموم، ولأنه أوفق لظاهر قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾. ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ أي أن المشركين قوم حمقى جهال، فكيف يعينون الشيطان على معصية الله ورسوله، مع أن الله أرسل رسوله محمدا ﷺ ليبشر من أطاعه بالجنة، وينذر من عصاه بالنار؟ وأما أنت أيها الرسول فلا تأبه بعنادهم وكفرهم، فما أنت إلا نذير وبشير، وعلى الله الحساب والعقاب، فلا تحزن على عدم إيمانهم. وهل من جهل أعظم من الإمعان في إيذاء من يريد نفعهم في الدنيا والآخرة؟! ونظير الآية: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة ٦٧/ ٥]. وهو يريد نفعهم بمحض الإخلاص دون أن يبغي لنفسه نفعا من أجر أو غيره، لذا قال تعالى: ﴿قُلْ: ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي قل أيها الرسول لقومك: لا أطلب على هذا البلاغ وهذا الإنذار أجرة من أموالكم، وإنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى. و ﴿مِنْ﴾ للتأكيد. ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ أي لم أسألكم أجرا أبدا، لكن من أراد أن يتقرب إلى الله بالإنفاق في الجهاد والتطوعات وغيرها، ويتخذ إلى ربه طريقا يؤدي به إلى رحمته ونيل ثوابه، بالعمل الصالح، فليفعل ولا يتردد. والمراد: لا تصنعوا معي إحسانا بأجر تدفعونه لي، ولكن اطلبوا الأجر لأنفسكم بفعل الخير وعبادة الله وشكره. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ بعد أن بيّن سبحانه

стр. 5672

لرسوله أن الكفار متظاهرون على إيذائه، مع أنه لا يطلب منهم أجرا مطلقا، أمره بأن يتوكل عليه في أموره كلها لدفع جميع المضار، وجلب جميع المنافع، فمن يتوكل عليه فهو حسبه وكافيه من كل شر، وناصره، ثم أمره بأن ينزهه عن كل نقص كالشريك والولد، تنزيها مقترنا بحمده وشكره، فيقرن بين الحمد والتسبيح، قائلا: سبحان الله وبحمده، ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول: «سبحانك اللهم ربّنا وبحمدك» أي أخلص له العبادة والتوكل. ومعنى التوكل: تفويض الأمر كله لله بعد اتخاذ الأسباب والوسائط المطلوبة شرعا وعقلا. وللآية نظائر كثيرة مثل: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ [المزمّل ٩/ ٧٣] ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣/ ١١] ﴿قُلْ: هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الملك ٢٩/ ٦٧]. ﴿وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً﴾ أي كفاك الله عالما علما تاما بمعاصي عباده، لا تخفى عليه خافية، يعلم ما ظهر منها وما بطن، وهو محصيها عليهم، ومجازيهم عليها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد ٣/ ٥٧]. وفي هذا سلوة لرسوله، ووعيد للكفار إن لم يؤمنوا على كفرهم ومعاصيهم. ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي أن الله الخبير العليم بكل شيء هو الذي أوجد السموات السبع والأرضين السبع في ستة أيام بقدرته وسلطانه، ثم استوى على العرش أعظم المخلوقات استواء يليق بعظمته، كما يقول السلف، وهو الأصح، واستولى على العرش كما يقول الخلف، يدبر الأمر، ويقضي بالحق، وهو خير الفاصلين. وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ للترتيب الإخباري، لا للترتيب الزمني؛ لأنها ما دخلت على خلق العرش، بل على رفعه على السموات.

стр. 5673

﴿الرَّحْمنُ، فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ أي إن ذلك الخالق هو العظيم الرحمة بكم، فلا تتكلوا إلا عليه، واستعلم أيها السامع من هو خبير به، عالم بعظمته، فاتبعه واقتد به. ومن المعلوم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد ﷺ ، فما قاله فهو الحق، وما أخبر به فهو الصدق، وهو الإمام المحكم فيما يتنازع فيه البشر: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ [النجم ٤/ ٥٣]. تبين مما ذكر أن الله سبحانه لما أمر الرسول ﷺ بأن يتوكل عليه، وصف نفسه بأمور ثلاثة هي: الأول-أنه حي لا يموت، وهو قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾. الثاني-أنه عالم بجميع المعلومات، وهو قوله: ﴿وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً﴾. الثالث-أنه قادر على جميع الممكنات، وهو المراد من قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما﴾ لأنه لما كان هو الخالق للسموات والأرض وما بينهما ولا خالق سواه، ثبت أنه هو القادر على جميع وجوه المنافع ودفع المضارّ، وأن النعم كلها من جهته، فحينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه. أما الكفار فقابلوا الشكر والتوكل بالكفر والاعتماد على النفس، فقال تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ: اُسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا: وَمَا الرَّحْمنُ﴾ أي وإذا طلب منهم السجود لله الرحمن الرحيم، وعبادته وحده دون سواه، قالوا: لا نعرف الرحمن، وكانوا ينكرون أن يسمّى الله باسم ﴿الرَّحْمنُ﴾ وإذا كنا لا نعرف الرحمن فكيف نسجد له. وهذا شبيه بقول موسى لفرعون: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف ١٠٤/ ٧] فقال فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الشعراء ٢٣/ ٢٦].

стр. 5674

﴿أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً﴾ أي أنسجد للذي أمرتنا بالسجود له، لمجرد قولك، من غير أن نعرفه، وزادهم هذا الأمر بالسجود نفورا وإعراضا، وبعدا عن الحق والصواب، ومن حقه أن يكون باعثا على الفعل والقبول. وقد اتفق العلماء ﵏ على أن هذه السجدة التي في الفرقان يشرع السجود عندها لقارئها ومستمعها. وهذا شأن المؤمنين الذين يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم، ويفردونه بالألوهية، ويسجدون له. روى الضحاك أن رسول الله ﷺ وأصحابه سجدوا، فلما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين. فهذا هو المراد من قوله: ﴿وَزادَهُمْ نُفُوراً﴾ أي فزادهم سجودهم نفورا. وبعد أن حكى سبحانه عن الكفار مزيد النفرة عن السجود، ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعبادة للرحمن، فقال: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ يمجّد الله تعالى نفسه ويعظمها على جميل ما خلق في السموات، فيذكر أنه تعاظم وتقدس الله الذي جعل في السماء كواكب عظاما ومنازل لتلك الكواكب السيارة وغيرها، التي عدها المتقومون ألفا، ورصدتها الآلات الحديثة أكثر من مائتي ألف ألف، وجعل في السماء سراجا وهي الشمس المنيرة التي هي كالسراج في الوجود، كما قال: ﴿وَجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً﴾ [النبأ ١٣/ ٧٨] وجعل في السماء أيضا قمرا منيرا، أي مشرقا مضيئا، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ [يونس ٥/ ١٠]. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾ أي والله هو الذي جعل الليل والنهار متعاقبين يخلف أحدهما الآخر ويأتي بعده، توقيتا لعبادة عباده له . فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار،

стр. 5675

ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل، فيكون في ذلك عظة لمن أراد أن يتذكر ما يجب عليه، ويتفكر في آلاء الله وعجائب صنعه، ويشكر ربه على نعمه التي لا تعد ولا تحصى. جاء في الحديث الصحيح لدى الشيخين: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل». وقال أنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب، وقد فاتته قراءة القرآن بالليل: «يا ابن الخطاب، لقد أنزل الله فيك آية وتلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾. ما فاتك من النوافل بالليل، فاقضه في نهارك، وما فاتك من النهار فاقضه في ليلك». وروى أبو داود الطيالسي عن الحسن أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه، فقال: إنه بقي عليّ من وردي شيء فأحببت أن أتمه، أو قال: أقضيه، وتلا هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾. وهذه الآية وما قبلها من أدلة قدرة الله تعالى ووحدانيته ووجوده. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: ١ - إن مما يثير العجب والدهشة أن الله تعالى بعد أن عدد النعم وبيّن كمال قدرته، وجد المشركين باقين على إشراكهم به من لا يقدر على نفع ولا ضرر، بسبب جهلهم وعنادهم، وشأن الكافر أنه معين للشيطان على المعاصي. ٢ - لا سلطان للرسول ﷺ في مجال الإيمان والطاعة على أحد، وإنما تقتصر مهمته على تبشير من أطاعه بالجنة، وإنذار من عصاه بالنار، يفعل ذلك بمحض الإخلاص وحب الخير للناس، دون أن يطلب على التبليغ والإنذار أو الوحي والقرآن أجرا ولا جزاء ولا شكورا.
следующие страницы →