قال ابن عباس: نزلت الآية في أبي الحكم بن هشام الذي سماه رسول الله ﷺ أبا جهل بن هشام. لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالأولى حمل لفظ ﴿الْكافِرُ﴾ على العموم، ولأنه أوفق لظاهر قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾.
﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ أي أن المشركين قوم حمقى جهال، فكيف يعينون الشيطان على معصية الله ورسوله، مع أن الله أرسل رسوله محمدا ﷺ ليبشر من أطاعه بالجنة، وينذر من عصاه بالنار؟ وأما أنت أيها الرسول فلا تأبه بعنادهم وكفرهم، فما أنت إلا نذير وبشير، وعلى الله الحساب والعقاب، فلا تحزن على عدم إيمانهم. وهل من جهل أعظم من الإمعان في إيذاء من يريد نفعهم في الدنيا والآخرة؟! ونظير الآية: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة ٦٧/ ٥].
وهو يريد نفعهم بمحض الإخلاص دون أن يبغي لنفسه نفعا من أجر أو غيره، لذا قال تعالى: ﴿قُلْ: ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي قل أيها الرسول لقومك: لا أطلب على هذا البلاغ وهذا الإنذار أجرة من أموالكم، وإنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى. و ﴿مِنْ﴾ للتأكيد.
﴿إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ أي لم أسألكم أجرا أبدا، لكن من أراد أن يتقرب إلى الله بالإنفاق في الجهاد والتطوعات وغيرها، ويتخذ إلى ربه طريقا يؤدي به إلى رحمته ونيل ثوابه، بالعمل الصالح، فليفعل ولا يتردد.
والمراد: لا تصنعوا معي إحسانا بأجر تدفعونه لي، ولكن اطلبوا الأجر لأنفسكم بفعل الخير وعبادة الله وشكره.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ بعد أن بيّن سبحانه
стр. 5672
لرسوله أن الكفار متظاهرون على إيذائه، مع أنه لا يطلب منهم أجرا مطلقا، أمره بأن يتوكل عليه في أموره كلها لدفع جميع المضار، وجلب جميع المنافع، فمن يتوكل عليه فهو حسبه وكافيه من كل شر، وناصره، ثم أمره بأن ينزهه عن كل نقص كالشريك والولد، تنزيها مقترنا بحمده وشكره، فيقرن بين الحمد والتسبيح، قائلا: سبحان الله وبحمده، ولهذا
كان رسول الله ﷺ يقول:
«سبحانك اللهم ربّنا وبحمدك» أي أخلص له العبادة والتوكل. ومعنى التوكل:
تفويض الأمر كله لله بعد اتخاذ الأسباب والوسائط المطلوبة شرعا وعقلا.
وللآية نظائر كثيرة مثل: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ [المزمّل ٩/ ٧٣] ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣/ ١١] ﴿قُلْ: هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الملك ٢٩/ ٦٧].
﴿وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً﴾ أي كفاك الله عالما علما تاما بمعاصي عباده، لا تخفى عليه خافية، يعلم ما ظهر منها وما بطن، وهو محصيها عليهم، ومجازيهم عليها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد ٣/ ٥٧]. وفي هذا سلوة لرسوله، ووعيد للكفار إن لم يؤمنوا على كفرهم ومعاصيهم.
﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي أن الله الخبير العليم بكل شيء هو الذي أوجد السموات السبع والأرضين السبع في ستة أيام بقدرته وسلطانه، ثم استوى على العرش أعظم المخلوقات استواء يليق بعظمته، كما يقول السلف، وهو الأصح، واستولى على العرش كما يقول الخلف، يدبر الأمر، ويقضي بالحق، وهو خير الفاصلين. وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ للترتيب الإخباري، لا للترتيب الزمني؛ لأنها ما دخلت على خلق العرش، بل على رفعه على السموات.
стр. 5673
﴿الرَّحْمنُ، فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ أي إن ذلك الخالق هو العظيم الرحمة بكم، فلا تتكلوا إلا عليه، واستعلم أيها السامع من هو خبير به، عالم بعظمته، فاتبعه واقتد به. ومن المعلوم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد ﷺ ، فما قاله فهو الحق، وما أخبر به فهو الصدق، وهو الإمام المحكم فيما يتنازع فيه البشر: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ [النجم ٤/ ٥٣].
تبين مما ذكر أن الله سبحانه لما أمر الرسول ﷺ بأن يتوكل عليه، وصف نفسه بأمور ثلاثة هي:
الأول-أنه حي لا يموت، وهو قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾.
الثاني-أنه عالم بجميع المعلومات، وهو قوله: ﴿وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً﴾.
الثالث-أنه قادر على جميع الممكنات، وهو المراد من قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما﴾ لأنه لما كان هو الخالق للسموات والأرض وما بينهما ولا خالق سواه، ثبت أنه هو القادر على جميع وجوه المنافع ودفع المضارّ، وأن النعم كلها من جهته، فحينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه.
أما الكفار فقابلوا الشكر والتوكل بالكفر والاعتماد على النفس، فقال تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ: اُسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا: وَمَا الرَّحْمنُ﴾ أي وإذا طلب منهم السجود لله الرحمن الرحيم، وعبادته وحده دون سواه، قالوا: لا نعرف الرحمن، وكانوا ينكرون أن يسمّى الله باسم ﴿الرَّحْمنُ﴾ وإذا كنا لا نعرف الرحمن فكيف نسجد له. وهذا شبيه بقول موسى لفرعون: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف ١٠٤/ ٧] فقال فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الشعراء ٢٣/ ٢٦].
стр. 5674
﴿أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً﴾ أي أنسجد للذي أمرتنا بالسجود له، لمجرد قولك، من غير أن نعرفه، وزادهم هذا الأمر بالسجود نفورا وإعراضا، وبعدا عن الحق والصواب، ومن حقه أن يكون باعثا على الفعل والقبول.
وقد اتفق العلماء ﵏ على أن هذه السجدة التي في الفرقان يشرع السجود عندها لقارئها ومستمعها. وهذا شأن المؤمنين الذين يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم، ويفردونه بالألوهية، ويسجدون له. روى الضحاك أن رسول الله ﷺ وأصحابه سجدوا، فلما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين. فهذا هو المراد من قوله: ﴿وَزادَهُمْ نُفُوراً﴾ أي فزادهم سجودهم نفورا.
وبعد أن حكى سبحانه عن الكفار مزيد النفرة عن السجود، ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعبادة للرحمن، فقال:
﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ يمجّد الله تعالى نفسه ويعظمها على جميل ما خلق في السموات، فيذكر أنه تعاظم وتقدس الله الذي جعل في السماء كواكب عظاما ومنازل لتلك الكواكب السيارة وغيرها، التي عدها المتقومون ألفا، ورصدتها الآلات الحديثة أكثر من مائتي ألف ألف، وجعل في السماء سراجا وهي الشمس المنيرة التي هي كالسراج في الوجود، كما قال: ﴿وَجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً﴾ [النبأ ١٣/ ٧٨] وجعل في السماء أيضا قمرا منيرا، أي مشرقا مضيئا، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ [يونس ٥/ ١٠].
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾ أي والله هو الذي جعل الليل والنهار متعاقبين يخلف أحدهما الآخر ويأتي بعده، توقيتا لعبادة عباده له . فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار،
стр. 5675
ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل، فيكون في ذلك عظة لمن أراد أن يتذكر ما يجب عليه، ويتفكر في آلاء الله وعجائب صنعه، ويشكر ربه على نعمه التي لا تعد ولا تحصى.
جاء في الحديث الصحيح لدى الشيخين: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل». وقال أنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب، وقد فاتته قراءة القرآن بالليل: «يا ابن الخطاب، لقد أنزل الله فيك آية وتلا:
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾.
ما فاتك من النوافل بالليل، فاقضه في نهارك، وما فاتك من النهار فاقضه في ليلك». وروى أبو داود الطيالسي عن الحسن أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه، فقال: إنه بقي عليّ من وردي شيء فأحببت أن أتمه، أو قال: أقضيه، وتلا هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾.
وهذه الآية وما قبلها من أدلة قدرة الله تعالى ووحدانيته ووجوده.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - إن مما يثير العجب والدهشة أن الله تعالى بعد أن عدد النعم وبيّن كمال قدرته، وجد المشركين باقين على إشراكهم به من لا يقدر على نفع ولا ضرر، بسبب جهلهم وعنادهم، وشأن الكافر أنه معين للشيطان على المعاصي.
٢ - لا سلطان للرسول ﷺ في مجال الإيمان والطاعة على أحد، وإنما تقتصر مهمته على تبشير من أطاعه بالجنة، وإنذار من عصاه بالنار، يفعل ذلك بمحض الإخلاص وحب الخير للناس، دون أن يطلب على التبليغ والإنذار أو الوحي والقرآن أجرا ولا جزاء ولا شكورا.
стр. 5676
لكن باب التنافس في القربات والمبادرة إلى الخيرات مفتوح على مصراعيه، فمن أراد أن ينفق من ماله في سبيل الله من جهاد وصدقات وغيرها فليفعل.
٣ - على الرسول ﷺ وكل مؤمن بعد اتخاذ الأسباب والوسائط أن يتوكل على الله الحي الذي لا يموت. والتوكل: اعتماد القلب على الله تعالى في كل الأمور، وأن الأسباب وسائط أمر بها من غير اعتماد عليها. ويجب تنزيه الله تعالى عما يصفه الكفار به من الشركاء، فيقول الواحد: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم أستغفر الله، كما ورد في المأثور. والتسبيح: التنزيه.
وحسبك أيها الإنسان أن الله عليم بكل شيء من أمورك ظاهرها وباطنها، فيجازيك عليها خيرا أو شرا.
٤ - إن الله تعالى هو الحي الدائم الباقي الذي لا يموت ولا يفنى، وهو عالم بجميع المعلومات، قادر على كل الممكنات.
٥ - الله سبحانه هو خالق كل شيء، خلق جميع السموات في ارتفاعها واتساعها، وخلق جميع الأرضين في سفولها وكثافتها. وقد أتم خلق السماء والأرض في ستة أيام لتعليم الناس التثبت والتروي والتؤدة. وخلق العرش واستوى عليه استواء يليق بجلاله وكماله وعظمته، وما على الجاهل إلا أن يسأل خبيرا بالله من رسول أو عالم، ثم يتبعه ويقتدي به.
قال الرازي في تفسير قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾: الاستقرار غير جائز؛ لأنه يقتضي التغير الذي هو دليل الحدوث، ويقتضي التركيب والبعضية، وكل ذلك على الله محال، بل المراد: ثم خلق العرش ورفعه على السموات، وهو مستول، كقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ﴾ [محمد ٣١/ ٤٧] فإن المراد حتى يجاهد المجاهدون ونحن بهم عالمون. وليس خلق العرش بعد خلق السموات؛
стр. 5677
لقوله تعالى: ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ [هود ٧/ ١١] وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ ما دخلت على خلق العرش، بل على رفعه على السموات.
٦ - استبد العناد والاستكبار بالمشركين أنه إذا طلب منهم السجود للرحمن، قالوا على جهة الإنكار والتعجب: وما الرحمن؟ أي ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون: مسيلمة الكذاب، أنسجد لما تأمرنا أنت يا محمد؟ وزادهم هذا الأمر نفورا عن الدين، ومن شأنه حملهم على الفعل والقبول. كان سفيان الثوري يقول في هذه الآية: إلهي زادني لك خضوعا ما زاد عداك نفورا.
٧ - من أدلة قدرة الله تعالى ووحدانيته: جعله في السماء بروجا، أي منازل للكواكب العظام كالزّهرة والمشتري وزحل والسماكين ونحوها، وجعله فيها الشمس ضياء والقمر نورا ينير الأرض إذا طلع، وجعله الليل والنهار في تعاقب دائم في الضياء والظلام والزيادة والنقصان، لا عبثا وإنما ليتذكر المقصر تقصيره والمسيء إساءته، فيصلح ما بدر منه، ويشكر الله تعالى على نعمه عليه في العقل والفكر والفهم. قال عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن: معناه من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار، ومن فاته بالنهار أدركه بالليل.
ففي الليل دعة وسكون وهدوء يستدعي التذكر، وفي النهار حركة وتصرف وانشغال قد يشغل عن التذكر، أو يكون سببا لتذكر ما مر من الليل بالنوم، فيستدرك المؤمن ما فاته في أحدهما من الخير في وقت الآخر، فهما وقتان للمتذكرين والشاكرين، والله يتقبل عمل الليل وعمل النهار، فهو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.
ثم إن سكون الليل والتصرف بالنهار نعمة تستحق الشكر، كما قال تعالى:
﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص ٧٣/ ٢٨].
الإعراب:
﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ﴾: مبتدأ، وخبره: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ﴾ ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنَا اصْرِفْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنا هَبْ لَنا﴾ مبتدأ، وخبره ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾.
﴿قالُوا: سَلاماً﴾ منصوب على المصدر أي (تسليما) فسلام في موضع تسليم.
﴿وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مضمر فيها، و ﴿قَواماً﴾ خبرها، أي كان الإنفاق ذا قوام بين الإسراف والإقتار. ويجوز جعل ﴿بَيْنَ﴾ متعلقا بخبر ﴿كانَ﴾ أي كائنا بين ذلك، فيكون ﴿قَواماً﴾ خبرا بعد خبر.
﴿يُضاعَفْ﴾ بالجزم: بدل من ﴿يَلْقَ أَثاماً﴾ والفعل يبدل من الفعل، كما يبدل الاسم من الاسم. ويقرأ بالضم على أنه في موضع الحال، أو على الاستئناف والقطع مما قبله.
﴿مَتاباً﴾ منصوب على المصدر، وهو مصدر مؤكد. وأصله: متوب، فنقلت الفتحة من الواو إلى التاء، فتحركت في الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا.
﴿كِراماً﴾ حال من واو ﴿مَرُّوا﴾.
﴿صُمًّا وَعُمْياناً﴾ حال من واو ﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾.
﴿وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً﴾ ﴿إِماماً﴾ أي إماما واحدا أريد به الجمع، أي أئمة كثيرا، واكتفى بالواحد عن الجمع للعلم به، كقولهم: نزلنا الوادي فصدنا غزالا كثيرا، أي غزلانا. ويجوز أن يكون جمع (آمّ) على وزن فاعل، وفاعل يجمع على فعال نحو قائم وقيام وصاحب وصحاب.
﴿لِزاماً﴾ خبر ﴿يَكُونُ﴾ واسمها مضمر فيها، وتقديره: فسوف يكون التكذيب لزاما؛ لدلالة قوله: ﴿كَذَّبْتُمْ﴾.
البلاغة:
﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ﴾ الإضافة للتشريف والتكريم.
﴿سُجَّداً وَقِياماً﴾ و ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ بين كلّ طباق.
﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ و ﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ مقابلة بين نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار.
стр. 5680
﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً﴾ استعارة، استعار لمن لم يتغافل عن الهداية والإنذار حال من لا يسمع ولا يبصر.
﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ كناية عن الفرحة والسرور، وكذلك ﴿الْغُرْفَةَ﴾ كناية عن الدرجات العالية في الجنة.
المفردات اللغوية:
﴿هَوْناً﴾ الهون: اللين والرفق، والمراد أنهم يمشون بسكينة وتواضع ووقار، دون تكبر ولا تجبر. ﴿الْجاهِلُونَ﴾ السفهاء. ﴿سَلاماً﴾ أي تسليم متاركة بلا خير ولا شر، أو سدادا من القول يسلمون فيه من الإيذاء والإثم. ﴿يَبِيتُونَ﴾ يدركون الليل، ناموا أو لم يناموا. ﴿سُجَّداً﴾ جمع ساجد. ﴿وَقِياماً﴾ أي قائمين يصلون بالليل. وخصّ البيتوتة؛ لأن العبادة بالليل أبعد عن الرياء، وأكثر خشوعا وقربة إلى الله تعالى.
﴿غَراماً﴾ لازما لا يفارق؛ لأنه عذاب دائم، وهو إشارة إلى أنهم مع اجتهادهم في عبادة الحق خائفون من العذاب، مبتهلون إلى الله في صرفه عنهم، لعدم اعتدادهم بأعمالهم. ﴿ساءَتْ﴾ بئست. ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ موضع استقرار وإقامة. والجملة تعليل لما سبق.
﴿أَنْفَقُوا﴾ على عيالهم وأنفسهم. ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ لم يجاوزوا الحدّ المعتاد، ولم يضيقوا تضييق الشحيح، والقتر والإقتار والتقتير: البخل. ﴿وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ أي كان الإنفاق بين الإسراف والإقتار وسطا عدلا. وقرئ بكسر القاف أي ما يقام به الحاجة، لا يفضل عنها ولا ينقص، وهو ما يدوم عليه الأمر ويستقر.
﴿لا يَدْعُونَ﴾ لا يعبدون ولا يشركون. ﴿حَرَّمَ اللهُ﴾ أي حرّمها بمعنى حرّم قتلها.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ واحدا من الثلاثة. ﴿أَثاماً﴾ عقوبة وجزاء إثم في الآخرة، والآثام: الإثم، والمراد جزاؤه. ﴿يُضاعَفْ﴾ وفي قراءة: يضعّف، وسبب مضاعفة العذاب انضمام المعصية إلى الكفر. ﴿مُهاناً﴾ ذليلا مستحقرا. ﴿يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ أي في الآخرة. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أي ولم يزل متصفا بذلك، فيعفو عن السيئات ويثيب على الحسنات. ﴿وَمَنْ تابَ﴾ من ذنوبه أو معاصيه، بتركها والندم عليها. ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ يتلافى به ما فرط. ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتاباً﴾ يرجع إلى الله رجوعا مرضيا عند الله، ماحيا للعقاب، ومحصلا للثواب، فيجازيه عليه. وهذا تعميم بعد تخصيص.
﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ لا يقيمون الشهادة الباطلة أو الكاذبة، و ﴿الزُّورَ﴾ الكذب والباطل، والمقصود: لا يعينون أهل الباطل على باطلهم. ﴿بِاللَّغْوِ﴾ ما يجب أن يلغى ويطرح
стр. 5681
من الكلام القبيح وغيره. ﴿مَرُّوا كِراماً﴾ معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الخوض فيه، ومن ذلك الإغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب.
﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أي وعظوا بالقرآن. ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها﴾ يسقطوا، والخرور: السقوط على غير نظام ولا ترتيب. ﴿صُمًّا وَعُمْياناً﴾ المراد: لم يقيموا عليها غير واعين ولا متبصرين بما فيها، كمن لا يسمع ولا يبصر، بل أقبلوا عليها سامعين بآذان واعية، مبصرين ناظرين منتفعين. ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ لنا بأن نراهم مطيعين لك، والمراد: الفرح والسرور بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل، فإن المؤمن يسرّ قلبه بطاعة أهله وأولاده لربهم، ليلحقوا به في الجنة.
و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَزْواجِنا.﴾. ابتدائية أو بيانية. وتنكير الأعين للتعظيم، والإتيان بجمع القلة في كلمة ﴿أَعْيُنٍ﴾ لأن المراد أعين المتقين، وهي قليلة بالنسبة إلى عيون غيرهم.
﴿وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً﴾ في الخير، يقتدون بنا في أمر الدين، بإفاضة العلم والتوفيق للعمل.
وأفرده، وأراد به الجمع، أي أئمة يقتدى بهم في إقامة مراسم الدين، لأنه يستعمل للمفرد والجمع.
﴿الْغُرْفَةَ﴾ كل بناء مرتفع عال، والمراد الدرجة العليا في الجنة أو أعلى مواضع الجنة، وهي اسم جنس أريد به الجمع، لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ ٣٧/ ٣٤].
﴿بِما صَبَرُوا﴾ بصبرهم على المشاق والقيام بطاعة الله. ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها﴾ بالتشديد، والتخفيف، أي يلقون في الغرفة. ﴿تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ من الملائكة، أي تحييهم الملائكة ويسلمون عليهم، وهو دعاء بالتعمير والسلامة. أو يحيي بعضهم بعضا ويسلم عليه. ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ موضع استقرار وإقامة دائمة لهم.
﴿قُلْ﴾ يا محمد لأهل مكة ﴿ما يَعْبَؤُا بِكُمْ﴾ ما يعتدّ بكم ولا يبالي ولا يكترث، و ﴿ما﴾:
نافية. ﴿لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ إياه في الشدائد، فيكشفها، أو عبادتكم له تعالى، فإن شرف الإنسان وكرامته بالمعرفة والطاعة، وإلا فهو وسائر الحيوانات سواء. ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أي كيف يعبأ بكم وقد ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ الرسول والقرآن. ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ أي سوف يكون العذاب وجزاء التكذيب ملازما لكم في الآخرة حتى يقذفكم في النار، بعد ما يحلّ بكم في الدنيا، فقتل منهم يوم بدر سبعون. وجواب ﴿لَوْلا﴾ دلّ عليه ما قبله، أي لولا دعاؤكم لم يبال بكم.
سبب النزول:
نزول الآية (٦٨):
﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ﴾:
أخرج الشيخان عن ابن مسعود قال: سألت
стр. 5682
رسول الله ﷺ ، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندّا، وهو خلقك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ الآية.
وأخرج الشيخان عن ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدا ﷺ ، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة؟ فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُوراً رَحِيماً﴾. ونزل: ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الزمر ٥٣/ ٣٩].
سبب نزول الآية (٧٠):
﴿إِلاّ مَنْ تابَ﴾: أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: لما أنزلت في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ الآية، قال مشركو أهل مكة: قد قتلنا النفس بغير حق، ودعونا مع الله إلها آخر، وأتينا الفواحش، فنزلت: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى جهالات المشركين وطعنهم في القرآن والنبوة، وإعراض الكافرين عن السجود له، بالرغم من اطلاعهم على دلائل التوحيد والقدرة الإلهية، ذكر صفات المؤمنين عباد الرحمن التي استحقوا من أجلها أعلى منازل الجنان، وأنه خصّ اسم العبودية بالمشتغلين بالعبادة، مما يدل على أن هذه الصفة من أشرف صفات المخلوقات، فمن أطاع الله وعبده وشغل سمعه وبصره وقلبه ولسانه بما أمره، فهو الذي يستحق اسم العبودية.
стр. 5683
ووصفهم سبحانه بتسع صفات كما ذكر الرازي، وقال القرطبي: وصف تعالى عباد الرحمن بإحدى عشرة صفة حميدة من التحلّي والتخلّي، وهي: (التواضع، والحلم، والتهجد، والخوف، وترك الإسراف والإقتار، والنزاهة عن الشرك، والبعد عن الزنى والقتل، والتوبة وتجنب الكذب، والعفو عن المسيء، وقبول المواعظ، والابتهال إلى الله).
ثم بيّن الله تعالى جزاءهم الكريم وهو نيل الغرفة التي هي الدرجة الرفيعة، وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها، كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا (١).
التفسير والبيان:
هذه صفات عباد الله المؤمنين عباد الرحمن الذين استحقوا أعلى الدرجات في الجنة، وهي في الجملة تسع صفات:
١ - التواضع: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ أي وعباد الله المخلصين الربانيين الذين لهم الجزاء الحسن من ربهم هم الذين يمشون في سكينة ووقار، من غير تجبر ولا استكبار، يطؤون الأرض برفق، ويعاملون الناس بلين، لا يريدون علوّا في الأرض ولا فسادا، كما قال تعالى حاكيا وصية لقمان لابنه: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً، إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان ١٨/ ٣١].
وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعا ورياء، وإنما بعزة وأنفة هي عزة المؤمن المتواضع لله وحده، فقد كان النبي ﷺ سيد ولد آدم إذا مشى كأنما ينحطّ من صبب (٢)، وكأنما الأرض تطوى له.
стр. 5684
وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى شابا يمشي رويدا، فقال: مالك أأنت مريض؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين، فعلاه بالدّرة، وأمره أن يمشي بقوة.
وإنما المراد بالهون هنا: السكينة والوقار، كما
قال رسول الله ﷺ في الصحيحين عن أبي هريرة: «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها، وعليكم السكينة، فما أدركتم منها فصلوا، وما فاتكم فأتموا».
وروي أيضا أن عمر ﵁ رأى غلاما يتبختر في مشيته، فقال: إن البخترة مشية تكره إلا في سبيل الله، وقد مدح الله أقواما فقال: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ فاقصد في مشيتك.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً، إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ، وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً﴾ [الإسراء ٣٧/ ١٧].
٢ - الحلم أو الكلام الطيب: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا: سَلاماً﴾ أي إذا سفه عليهم الجهال بالقول السيء، لم يقابلوهم بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرا، كما كان رسول الله ﷺ لا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حلما، وكما قال تعالى: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص ٥٥/ ٢٨].
قال النحاس: ليس ﴿سَلاماً﴾ من التسليم، إنما هو من التسلّم، تقول العرب:
سلاما، أي تسلّما منك، أي براءة منك.
وروى الإمام أحمد عن النعمان بن مقرّن المزني قال: قال رسول الله ﷺ وسبّ رجل رجلا عنده، فجعل المسبوب يقول: عليك السلام-: «أما إن ملكا بينكما يذبّ عنك، كلما شتمك هذا، قال له: بل أنت، وأنت أحقّ به، وإذا قلت له: وعليك السلام قال: لا، بل عليك، وأنت أحق به».
стр. 5685
وقوله: ﴿قالُوا: سَلاماً﴾ يعني قالوا سدادا، أو ردوا معروفا من القول.
وقال الحسن البصري: قالوا: سلام عليكم: إن جهل عليهم حلموا، يصاحبون عباد الله نهارهم بما يسمعون.
هاتان صفتان بينهم وبين الناس وهما ترك الإيذاء وتحمل الأذى، ثم ذكر الله تعالى صفاتهم فيما بينه وبينهم فقال:
٣ - التهجد ليلا: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً﴾ أي أن سيرتهم في الليل كسيرتهم في النهار، فنهارهم خير نهار، وليلهم خير ليل، فإذا أمسوا أو أدركوا الليل باتوا ساجدين قائمين لربهم، يصلّون بعض الليل أو أكثره، طائعين عابدين، كما قال تعالى: ﴿كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات ١٧/ ٥١ - ١٨]، وقال سبحانه: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ [السجدة ١٦/ ٣٢]، وقال : ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً، يَحْذَرُ الْآخِرَةَ، وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٩/ ٣٩].
قال ابن عباس: من صلّى ركعتين أو أكثر بعد العشاء، فقد بات لله ساجدا وقائما.
٤ - الخوف من عذاب الله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنَا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ﴾ أي والذين يخافون ربّهم ويدعونه في وجل، ويقولون في حذر: ربّنا أبعد عنا عذاب جهنّم وشدته، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون ٦٠/ ٢٣]. ثم ذكر تعالى أن علة سؤالهم ودعائهم شيئان:
الأول- ﴿إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً﴾ أي إن عذابا كان ملازما دائما للإنسان العاصي، لزوم الدائن الغريم لمدينه، أو هلاكا وخسرانا لازما.
стр. 5686
الثاني- ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ أي إن جهنم بئس المنزل مستقرا ومنظرا يستقر فيه، وبئس المقيل مقاما. وهذا أمر لا شك فيه يعلمه كل من اكتوى بشيء من نار الدنيا.
٥ - الاعتدال في الإنفاق: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ أي والذين إذا أنفقوا على أنفسهم أو عيالهم ليسوا بالمبذّرين في إنفاقهم، فلا ينفقون فوق الحاجة، ولا بالبخلاء، فيقصرون في حقهم وفيما يجب عليهم، بل ينفقون عدلا وسطا خيارا، بقدر الحاجة، وخير الأمور أوسطها، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ، وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء ٢٩/ ١٧] أي الوسطية في الاعتدال، وترك الإسراف والتقتير.
وهذا أساس الاقتصاد وعماد الإنفاق في الإسلام،
روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «من فقه الرجل قصده في معيشته».
وروى الإمام أحمد أيضا عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «ما عال من اقتصد».
وروى الحافظ أبو بكر البزّار عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أحسن القصد في الغنى، وما أحسن القصد في الفقر، وما أحسن القصد في العبادة».
فالتبذير سبب في ضياع مال الشخص ومال الأمة: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء ٢٧/ ١٧] ومن المعلوم أنه لا سرف في الخير، ولا خير في السرف، قال الحسن البصري: ليس في النفقة في سبيل الله سرف. وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله تعالى فهو سرف. وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوّجه ابنته فاطمة: ما نفقتك؟ فقال له عمر:
الحسنة بين سيئتين، ثم تلا هذه الآية. وقال عمر بن الخطاب: كفى بالمرء سرفا
стр. 5687
ألا يشتهي شيئا إلا اشتراه فأكله.
وفي سنن ابن ماجه عن أنس بن مالك قال:
قال رسول الله ﷺ : «إن من السّرف أن تأكل كل ما اشتهيت».
ثم ذكر الله تعالى صفات سلبية بعيدة عن المؤمنين، وإنما هي من صفات المشركين والفاسقين فقال:
٦ - البعد عن الشرك والقتل والزنى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي والذين لا يعبدون مع الله إلها آخر، فيجعلون مع الله في عبادتهم شريكا آخر، وإنما يخلصون له الطاعة والعبادة، ولا يقتلون النفس عمدا إلا بحق، كالكفر بعد الإيمان، والزنى بعد الإحصان، وقتل النفس بغير حق، ويكون القتل بحكم الحاكم أو القاضي لا برأي شخصي، ولا يزنون، وهذه أعظم الجرائم: الشرك، والقتل العمد العدوان، والزنى، والجريمة الأولى عدوان على الله، والثانية عدوان على الإنسانية، والثانية عدوان على الحقوق وانتهاك للأعراض.
فإذا جعلنا هذه الصفات ثلاثا، صارت إحدى عشرة، كما ذكر القرطبي. ثم توعد الله تعالى مرتكب هذه الجرائم فقال:
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً﴾ أي ومن يفعل واحدة من تلك الجرائم الثلاث، يلق في الآخرة عقابا شديدا وجزاء إثمه وذنبه الذي ارتكبه، بل يضاعف له العذاب ضعفين بسبب انضمام المعصية إلى الكفر، ويخلد في نار جهنم أبدا مع الإهانة والإذلال والاحتقار، وذلك عذابان: حسي ومعنوي.
ثم فتح الله تعالى باب التوبة للترغيب في الإصلاح والعودة إلى الاستقامة فقال:
﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً، فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أي لكن من تاب في الدنيا إلى الله عن جميع ذلك بأن أقلع عن
стр. 5688
الذنب، وندم على المعصية، وكان مؤمنا مصدقا بالله ورسله واليوم الآخر، وعمل الصالحات، فأولئك يمحو الله عنهم بالتوبة السيئات، ويبدلهم مكانها حسنات بإثبات لواحق الطاعة، أو تنقلب تلك السيئات الماضية بنفس التوبة حسنات.
روى أبو ذر عن النبي ﷺ : «إن السيئات تبدل بحسنات»
وروى أحمد والترمذي والبيهقي عن معاذ أن النبي ﷺ قال: «أتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» وهذا الحديث مؤكد لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود ١١٤/ ١١].
والخلاصة: في معنى قوله ﴿يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قولان (١):
القول الأول-أنهم بدّلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات. قال الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل السيء العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصا، وأبدلهم بالفجور إحصانا، وبالكفر إسلاما. أي أن التبديل يكون في الدنيا، وأثره في الآخرة.
والقول الثاني-أن تلك السيئات تنقلب بالتوبة النصوح نفسها حسنات، وما ذاك إلا لأنه كلما تذكر ما مضى ندم، واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار، أي أن التبديل يكون في الآخرة.
والظاهر القول الأول، وأن التوبة تجبّ ما قبلها، وتفتح للتائب صفحة جديدة، فيثاب على الأعمال الصالحة، ويعاقب على السيئات، كغيره من المؤمنين.
﴿وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً، فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتاباً﴾ أي ومن تاب عن معاصيه، وعمل الأعمال الصالحة، فإن الله يقبل توبته، لأنه رجع إلى الله رجوعا مرضيا عند الله، فيمحو عنه العقاب، ويجزل له الثواب.
стр. 5689
وهذا تعميم لقبول التوبة عن جميع المعاصي، بعد تخصيص قبولها ممن تاب عن كبائر المعاصي السابقة التي هي الشرك والقتل العمد والزنى.
وللآية نظائر كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [التوبة ١٠٤/ ٩] وقوله سبحانه: ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر ٥٣/ ٣٩].
٧ - البعد عن شهادة الزور أو تجنب الكذب: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ أي الذين لا يشهدون شهادة الزور وهي الكذب متعمدا على غيره، أو لا يحضرون مواضع الكذب، قال ابن كثير:
والأظهر من السياق أن المراد لا يحضرون الزور، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ أي لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به مرّوا، ولم يتدنسوا منه بشيء. ونظير الآية: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ، وَقالُوا:﴾
﴿لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ [القصص ٥٥/ ٢٨].
والواقع أن الآية تدل على أمرين: تحريم شهادة الزور وتجنب مجالس اللغو أو العفو عن المسيء، ويستدل بها الفقهاء على الأمر الأول، كما
ورد في الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» ثلاثا، قلنا: بلى، يا رسول الله، قال: «الشرك بالله، وعقوق الوالدين» وكان متكئا فجلس فقال: «ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور» فما يزال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. وكان عمر بن الخطاب يجلد شاهد الزور أربعين جلدة، ويسخّم وجهه (يطليه بالسواد) ويحلق رأسه، ويطوّف به السوق.
٨ - قبول المواعظ: ﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً﴾ أي والذين إذا ذكّروا بالآيات، أكبّوا عليها حرصا على استماعها،
стр. 5690
وأقبلوا على من ذكّرهم بها بآذان صاغية واعية، وعيون مبصرة متفتحة، وقلوب مستوعبة، لا كالكفار والمنافقين والعصاة من المؤمنين إذا سمعوا كلام الله لم يتأثروا به، ولم يغيروا ما هم عليه، بل يستمرون على كفرهم وعصيانهم، وجهلهم وطغيانهم، كأنهم صمّ عمي، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً، وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ، وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤/ ٩ - ١٢٥].
٩ - الابتهال إلى الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً﴾ أي والذين يبتهلون إلى ربّهم داعين الله أن يرزقهم زوجات صالحات وأولادا مؤمنين صالحين مهديين للإسلام يعملون الخير، ويبتعدون عن الشر، تقرّ بهم أعينهم، وتسرّ بهم نفوسهم، فإن المؤمن إذا رأى من يعمل بطاعة الله قرّت عينه، وسرّ قلبه في الدنيا والآخرة. ويدعونه أيضا أن يجعلهم أئمة يقتدى بهم في الخير واتباع أوامر الدين.
وبذلك أحبوا أن تتصل عبادتهم بعبادة زوجاتهم وذرياتهم، وأن يكون هداهم متعديا إلى غيرهم بالنفع فهم دعاة خير وبر، وذلك أكثر ثوابا، وأحسن مآبا.
روى مسلم في صحيحة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
قال بعضهم: في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها، قال إبراهيم الخليل ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾.
ثم ذكر الله تعالى جزاء المتصفين بتلك الصفات الإحدى عشرة فقال:
стр. 5691
﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا، وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة، والأقوال والأفعال الحميدة يجزون يوم القيامة الغرفة أي الغرفات لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ ٣٧/ ٣٤] وهي المنازل العالية، والدرجات الرفيعة في الجنان، بصبرهم على القيام بها، ويلقّون في الجنة تحية وسلاما، أي يبتدرون فيها بالتحية والإكرام، ويعاملون بالتوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم السلام، كما قال تعالى:
﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ [الرعد ٢٣/ ١٣ - ٢٤]. ودلّ قوله: ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ على أن الجنة بالاستحقاق.
ومفاد الآية أن الطائعين في نعيم الجنة مع التعظيم والاحترام، على عكس العصاة الذين يضاعف لهم العذاب، مع الإهانة والاحتقار.
﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ أي إن نعيمهم دائم لا ينقطع، فهم مقيمون في الجنان، إقامة مستمرة لا يحوّلون، ولا يموتون ولا يزولون عنها، ولا يبغون عنها حولا، حسنت منظرا، وطابت مقيلا ومنزلا، كما قال تعالى:
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨/ ١١].
والخلاصة: أن الله وعد عباد الرحمن بالمنافع الجلي في الجنة أولا، وبالتعظيم ثانيا، ثم بيّن أن صفتهما الدوام: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾، والخلوص أيضا ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾.
﴿قُلْ: ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ أي إن الله غني عن عباده، وإنما كلفهم لينتفعوا، وعذبهم لعصيانهم، فلا يبالي بهم ولا يكترث إذا لم يؤمنوا به ولم يعبدوه، فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرة وأصيلا، كما قال سبحانه: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦/ ٥١].
стр. 5692
﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ أي أنكم أيها الكافرون والعصاة إذا كذبتم رسلي، ولم تؤمنوا بلقائي، فسوف يكون تكذيبكم سببا ملازما ومؤديا لعذابكم وهلاككم ودماركم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ، إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٦/ ١١ - ١٠٧]. واللّزام: الملازمة.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه هي صفات عباد الرحمن، وهي إحدى عشرة صفة، يستحق بها أهلها المنازل العالية في الجنان.
الصفة الأولى:
التواضع والطاعة لله تعالى: ويكون ذلك بالعلم بالله والخوف منه، والمعرفة بأحكامه، والخشية من عذابه وعقابه.
الصفة الثانية:
الحلم والكلام الطيب: فإذا أوذوا قابلوا الإساءة بالإحسان، قال الحسن البصري: «حلماء، إن جهل عليهم لم يجهلوا» أي على نقيض خلق الجاهلية:
«ونجهل فوق جهل الجاهلين» وإنما يقول المؤمن للجاهل كلاما موصوفا بالرفق واللين.
الصفة الثالثة:
التهجّد ليلا: أي العبادة الخالصة لله تعالى في جوف الليل، فإنها أكثر خشوعا، وأضبط معنى، وأبعد عن الرياء.
стр. 5693
الصفة الرابعة:
الخوف من عذاب الله تعالى: أي أنهم مع طاعتهم مشفقون خائفون وجلون من عذاب الله، سواء في سجودهم وقيامهم؛ لأن عذاب جهنم لازم دائم غير مفارق، وبئس المستقر، وبئس المقام، وهم يقولون ذلك عن علم، وإذا قالوه عن علم، كانوا أعرف بعظم قدر ما يطلبون، فيكون ذلك أقرب إلى النجاح.
الصفة الخامسة:
الاعتدال في الإنفاق دون إسراف ولا تقتير، والمراد من النفقة نفقة الطاعات في المباحات، فهذه يطالب فيها الإنسان ألا يفرط فيها حتى يضيع حقا آخر أو عيالا، وألا يضيق أيضا ويقتر، حتى يجيع العيال، ويفرط في الشح، والحسن في ذلك هو القوام، أي العدل، والقوام في كل واحد بحسب حاله وعياله، وصبره وجلده على الكسب، وخير الأمور أوساطها، وهذه الوسطية خير للإنسان في دينه وصحته ودنياه وآخرته.
أما النفقة في معصية الله فهو محظور حظرته الشريعة قليلا كان أو كثيرا، وكذلك التعدي على مال الغير، هو حرام أيضا.
الصفة السادسة:
البعد عن الشرك: وهو عبادة أحد مع الله أو عبادة غير الله، وهو أكبر الجرائم، لذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ٤٨/ ٤].
الصفة السابعة:
الابتعاد عن القتل العمد: وهو إزهاق النفس الإنسانية عمدا دون حق، وهو اعتداء على صنع الله، وإهدار لحق الحياة الذي هو أقدس حقوق الإنسان.
стр. 5694
أما القتل بحق كالقتل بسبب الردة أو زنى المحصن أو القصاص فجائز من قبل الحاكم.
الصفة الثامنة:
اجتناب الزنى: وهو انتهاك حرمة العرض، وهو جريمة خطيرة تؤدي إلى اختلاط الأنساب، وإشاعة الأمراض، وهدم الحقوق، وإثارة العداوات والأحقاد والبغضاء.
ومن يرتكب هذه الجرائم العظمى (الشرك، والقتل، والزنى) يضاعف له العذاب في نار جهنم، ويكون مخلّدا فيها ذليلا خاسئا مبعدا مطرودا من رحمة الله تعالى.
لكن إذا تاب الكافر والقاتل والزاني تقبل توبته، ويبدل الله سيئته حسنة إما في الدنيا على رأي، بأن يجعل الإيمان محل الشرك، والإخلاص محل الشك، والإحصان مكان الفجور، وإما في الآخرة على رأي آخر فيمن غلبت حسناته على سيئاته. وقيل: التبديل عبارة عن الغفران، أي يغفر الله لهم تلك السيئات، لا أن يبدلها حسنات.
ثم أكّد الله قبول التوبة الصادقة النصوح من كل إنسان.
الصفة التاسعة:
تجنب الكذب والباطل وشهادة الزور، فلا يحضر المسلم مجالس اللغو والكذب والغناء واللهو ونحوها، ولا يؤدي شهادة الزور مهما كانت البواعث والأسباب؛ لأنها محرمة لذاتها. لذا قال أكثر أهل العلم: ولا تقبل له شهادة أبدا، وإن تاب وحسنت حاله، فأمره إلى الله تعالى.
стр. 5695
الصفة العاشرة:
قبول المواعظ: فإذا قرئ القرآن عليهم ذكروا آخرتهم ومعادهم، ولم يتغافلوا حتى يكونوا بمنزلة من لا يسمع.
الصفة الحادية عشرة:
الابتهال إلى الله بجعل توابع الإنسان من أزواج وذريات هداة مهديين مطيعين لله، تقرّ النفوس بهم، وتثلج الصدور بسيرتهم العطرة، وأن يكونوا أئمة وقدوة يقتدى بهم في الخير، ولا يكون ذلك إلا إذا كان الداعي تقيا صالحا.
وهذا يدل على جواز الدعاء بالولد، وللولد وللزوجة، وبأن يكون نفع الإنسان شاملا غيره.
وجزاؤهم الدرجات العليا في غرفات الجنان، مع التوقير والاحترام، بالتحية والسلام، والخلود الدائم، والتمتع بحسن المقام والمنظر والاستقرار.
ونفع الطاعة للعباد لا لله، فالله غني عن عباده، فلولا عبادتهم وكثرة استغاثتهم إليه في الشدائد ونحوها، لما ب إلى الله بهم ولا اكترث بشأنهم. فإن كذبوا بما دعوا إليه من الإيمان وعبادة الله كان تكذيبهم ملازما لهم، وجزاء التكذيب دائم لا مفرّ منه.
стр. 5696
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الشعراء
مكية، وهي مائتان وسبع وعشرون آية.
تسميتها:
سميت (سورة الشعراء) لما ختمت به من المقارنة بين الشعراء الضالين والشعراء المؤمنين في قوله سبحانه: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ إلى قوله:
﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [٢٢٤ - ٢٢٦] بقصد الرد على المشركين الذين زعموا أن محمدا ﷺ كان شاعرا، وأن ما جاء به من قبيل الشعر.
مناسبتها لما قبلها:
تتضح مناسبة هذه السورة لسورة الفرقان في الموضوع والبداية والنهاية.
أما الموضوع: ففيها تفصيل لما أجمل في الفرقان من قصص الأنبياء بحسب ترتيبها المذكور في تلك السورة، فبدأ بقصة موسى، وهذا سر لطيف يجمع بين السورتين. وكان في الفرقان إشارة إلى قرون بين ذلك كثيرة، ففصلت هنا قصة إبراهيم، وقوم شعيب، وقوم لوط.
وأما البداية: فقد بدئت كلتا السورتين بتمجيد القرآن العظيم: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ.﴾. ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾.
وأما النهاية: فإن خاتمة كلتا السورتين متشابهة، فقد ختمت الفرقان بوعيد المكذبين، ووصف المؤمنين بأنهم يقولون: ﴿سَلاماً﴾ للجاهلين، وأنهم
стр. 5697
يمرون مر الكرام باللغو، وختمت الشعراء بتهديد الظالمين المكذبين، والرضا عن الشعراء المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ويذكرون الله كثيرا، وينتصرون ممن ظلمهم.
مشتملاتها:
تضمنت هذه السورة كسائر السور المكية الكلام عن أصول الاعتقاد والإيمان من إثبات «التوحيد، والرسالة النبوية، والبعث» لذا كانت آياتها قصارا للزجر والردع وشدة التأثير.
وابتدأت الكلام عن القرآن الكريم وبيان هدفه في الهداية، وتبشير المؤمنين الصالحين بالجنة، وإنذار الكافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة بسوء العذاب، وإثبات إنزال القرآن وحيا على النبي ﷺ ، وتسليته عن إعراض قومه عن الإيمان برسالته، والاستدلال بخلق النباتات على وجود الله وتوحيده.
ثم أوردت قصص الأنبياء ﵈ مع أقوامهم لعظة المكذبين، مبتدئة بقصة موسى ومعجزاته، ومحاورته مع فرعون الجبار وقومه في شأن توحيد الله، وتأييده بالآيات البيّنات، وإيمان السحرة برب موسى وهارون، ثم تلتها قصة إبراهيم الخليل مع أبيه وقومه عبدة الأوثان، وإبطاله عبادتها، وإثباته وحدانية الله .
ثم جاء بعدها قصص «نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب» ﵈ وما فيها من حملاتهم العنيفة ضد الوثنية، والفساد الخلقي والاجتماعي، وبيان عاقبة التكذيب للرسل، ونهاية الجبابرة العتاة بأنواع رهيبة من العذاب.
وأعقب ذلك جعل الخاتمة كبدء السورة بإثبات كون القرآن العظيم وحيا وتنزيلا من رب العالمين لا من كلام الشياطين، وأن محمدا ﷺ رسول من الله لتبليغ رسالته إلى عشيرته والأمم جميعا، ليس بكاهن ولا شاعر، وأنه من سلالة
стр. 5698
الموحدين، وبراءته من أفعال المشركين، والرد على افترائهم وزعمهم أن القرآن من تنزل الشياطين التي تتنزل على كل أفّاكّ أثيم، وإعلامهم بأن الغاوين الضالين هم أتباع الشعراء، وليسوا المؤمنين الصلحاء المجاهدين.
فضلها:
ورد في فضل هذه السورة خبران: الأول عن ابن عباس، والثاني عن البراء.
-
روى ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «أعطيت السورة التي تذكر فيها البقرة من الذّكر الأول، وأعطيت طه، وطسم من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن، وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصّل نافلة».
-و
روى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: «إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المبين مكان الإنجيل، وأعطاني الطواسين مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصّل، ما قرأهن نبي قبلي» (١).
تكذيب المشركين بالقرآن وإنذارهم وإثبات وحدانية الله
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾
стр. 5699
الإعراب:
﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ ﴿فَظَلَّتْ﴾ في موضع جزم بالعطف على ﴿نُنَزِّلْ﴾.
و ﴿أَعْناقُهُمْ﴾: اسمها، و ﴿خاضِعِينَ﴾: خبرها.
وإنما قال ﴿خاضِعِينَ﴾ لأنه أراد بالأعناق الرؤساء، أي فظلت الرؤساء خاضعين لها، أو بتقدير مضاف محذوف، أي فظلت أصحاب الأعناق.
البلاغة:
﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ كناية عن الذل والهوان الذي يلحقهم.
﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ وعيد وتهديد.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ﴾ استفهام للتوبيخ على إهمال النظر في دلائل وجود الله وتوحيده.
المفردات اللغوية:
﴿طسم﴾ تقرأ طا، سين، ميم، مع إدغام السين في الميم والمراد بهذه الأحرف الهجائية كما بينا سابقا الإشارة إلى إعجاز القرآن الكريم، وتحدي العرب بالإتيان بمثله، مع أنه مركب من الحروف الهجائية التي تتركب منها لغتهم، وينطق بها كل عربي، وهم أساطين البيان وفرسان الفصاحة والبلاغة. وعليه، فهي حروف تنبيه مثل ألا ونحوها، ويا للنداء.
﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ أي هذه الآيات في هذه السورة، أو آيات القرآن كله، هي آيات القرآن الظاهر إعجازه وصحته، والمظهر الحق من الباطل، وإضافة ﴿آياتُ﴾ إلى ﴿الْكِتابِ﴾ بمعنى من ﴿لَعَلَّكَ﴾ يا محمد، ولعل: هنا يراد بها الاستفهام المقصود به الإنكار والإشفاق، أي أشفق على نفسك بتخفيف هذا الغم. ﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قاتلها أو مهلكها غما وحزنا. ﴿أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي من أجل عدم إيمان قومك أهل مكة. وأصل البخع: أن يبلغ بالذّبح البخاع: وهو عرق في فقرات الرقبة، مبالغة في الذبح. ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ دلالة ملجئة إلى الإيمان، أو بلية قاسرة عليه. ﴿فَظَلَّتْ﴾ بمعنى المضارع، أي تظل
стр. 5700
وتدوم. ﴿أَعْناقُهُمْ﴾ أي أصحابها، كما يكنى عن النفس بالوجه، ولما وصفت الأعناق بصفات العقلاء وهو الخضوع أجريت مجراهم، وجمعت الصفة جمع العقلاء وهي: خاضعين، أي منقادين، وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين.
﴿ذِكْرٍ﴾ تذكير وموعظة، وهو القرآن. ﴿مِنَ الرَّحْمنِ﴾ بوحيه إلى نبيه. ﴿مُحْدَثٍ﴾ مجدّد إنزاله؛ لتكرار التذكير وتنويع التقرير. ﴿إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ إلا جددوا إعراضا عنه وإصرارا على ما كانوا عليه ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ به أي بالذكر بعد إعراضهم، وأمعنوا في تكذيبه، بحيث أدى بهم إلى الاستهزاء به. ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ أي سيحل بهم العذاب إما في الدنيا كيوم بدر، وإما يوم القيامة. ﴿أَنْبؤُا﴾ عواقب. ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ من أنه كان حقا أم باطلا.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أو لم ينظروا إلى عجائبها. ﴿كَمْ أَنْبَتْنا﴾ أي كثيرا. ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ صنف محمود كثير المنفعة، وهو صفة لكل ما يحمد ويرضي. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ إن في إنبات تلك الأصناف. ﴿لَآيَةً﴾ دلالة على أن منبتها تام القدرة والحكمة، سابغ النعمة والرحمة. ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في علم الله تعالى، فلا ينفعهم أمثال هذه الآيات العظام. ﴿الْعَزِيزُ﴾ ذو العزة الغالب القادر على الانتقام من الكفرة. ﴿الرَّحِيمُ﴾ حيث أمهلهم. أو العزيز في انتقامه ممن كفر، الرحيم لمن تاب وآمن.
التفسير والبيان:
﴿طسم، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ أي هذا القرآن مكون من أحرف عربية، مثل الطاء والسين والميم، يقصد بها تحدي العرب به ليأتوا مثله، فإذا عجزوا دل على أنه كلام الله الموحى به إلى نبيه. وهذه آيات القرآن البيّن الواضح الجلي الذي يفصل بين الحق والباطل والغي والرشاد.
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أأنت يا محمد مهلك نفسك حزنا وأسفا على عدم إيمان قومك برسالتك؟! وهذه تسلية من الله لرسوله في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر ٨/ ٣٥] وقال سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف ٦/ ١٨].
стр. 5701
﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً، فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ أي إن الله قادر على كل شيء، فلو نشاء لأنزلنا عليهم من السماء آية تضطرهم إلى الإيمان قهرا، وتقسرهم عليه، فتصبح رقابهم خاضعة ذليلة منقادة لما نريد، أو يصبح كبراؤهم ورؤساؤهم منقادين، ولكنا لا نفعل ذلك؛ لأنا لا نريد من أحد إلا الإيمان عن اختيار وطواعية ورضا، لا بالقسر والإكراه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً، أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٩٩/ ١٠] وقال : ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [هود ١١٨/ ١١]. وأضحت سنتنا إرسال الرسل إلى البشر، وإنزال الكتب عليهم، ليؤمنوا عن بيّنة واقتناع.
لكن الكفار ممعنون في الكفر، موغلون في الضلال، معاندون معرضون، فقال: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ أي كلما جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس، وما الهدف من تجديد إنزال الكتب الإلهية إلا تكرار التذكير، وتنويع البيان، للتأمل وإعمال الفكر، والهداية والإصلاح، غير أنه كلما جدد الله لهم موعظة وتذكيرا جددوا إعراضا وتكذيبا كما قال:
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا، فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي فقد كذب أولئك المشركون بما جاءهم من الذّكر والحق، ثم بادروا إلى الاستهزاء، فسيعلمون نبأ هذا التكذيب والاستهزاء في المستقبل، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص ٨٨/ ٣٨] وقال: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [يس ٣٠/ ٣٦].
ثم إنهم أعرضوا عن التفكير في آيات الله الكونية وآثاره المشاهدة فقال:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي أولم ينظروا إلى
стр. 5702
الأرض التي خلقها الله، وأنبت فيها من كل صنف كثير النفع من الزروع والثمار، فيستدلوا بذلك على عظمة سلطان الله، وباهر قدرته، فهو موجود واحد قادر على كل شيء من هداية القوم وغيرها.
والجمع بين ﴿كَمْ﴾ و ﴿كُلِّ﴾ لدلالة ﴿كُلِّ﴾ على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، ودلالة ﴿كَمْ﴾ على أن هذا المحيط متكاثر، فجمع بين الكثرة والإحاطة.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي في ذلك الإنبات لدلالة على قدرة الخالق للأشياء، وقدرته على البعث والإحياء، ومع هذا ما آمن أكثر الناس، بل كذبوا به وبرسله وكتبه، وخالفوا أمره، وارتكبوا نهيه.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي وإن ربك أيها الرسول لهو القادر على كل ما يريد، القاهر الغالب الذي قهر كل شيء وغلبه، الرحيم بخلقه، فلا يعجل على من عصاه، بل يمهله ويؤجله، لعله يرجع عن غيه، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن القرآن الكريم كلام الله المعجز الواضح الجلي الذي أبان الحق وزيّف الباطل، وقرر الأحكام، ودعا إلى الهدى والرشاد.
٢ - لا حاجة بك أيها النبي إلى الإسراف في الأسى والحزن على تكذيب القوم وإعراضهم عن رسالتك، وعدم إيمانهم بالقرآن ودعوة الإسلام.
٣ - إن الله جلت قدرته قادر على إنزال معجزة ظاهرة تجبرهم على الإيمان، ولكنه لم يفعل؛ لأن سنته وحكمته اقتضت جعل الإيمان اختياريا لا قسر فيه ولا
стр. 5703
إكراه: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦/ ٢].
٤ - بالرغم من تجدد المواعظ والمذكّرات فإن المشركين أعرضوا عن الهدى، وكذبوا بالمنزل على الأنبياء، فسوف يأتيهم عاقبة ما كذبوا، والذي استهزءوا به.
ويلاحظ أنه تعالى وصف الكفار بالإعراض عن القرآن المنزل أولا، وبالتكذيب ثانيا، والإنكار إلى درجة الاستهزاء ثالثا.
٥ - احتجت المعتزلة بقوله تعالى: ﴿مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ﴾ على خلق القرآن فقالوا: الذكر هو القرآن، لقوله تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ [الأنبياء ٥٠/ ٢١] وبيّن في هذه الآية أن الذكر محدث، فيلزم منه أن القرآن محدث، والجواب: أن الحدوث إنما هو لهذه الألفاظ المتلوة بالوحي الحاصل، أما أصل القرآن الذي هو كلام الله فهو قديم قدم الله تعالى.
٦ - نبّه الله تعالى بقوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ.﴾. على عظمته وقدرته، وأنهم لو رأوا بقلوبهم ونظروا ببصائرهم، لعلموا أن الله هو الذي يستحق أن يعبد، إذ هو القادر على كل شيء، لذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ أي إن فيما ذكر من الإنبات في الأرض لدليلا واضحا على أن الله قادر، ولكن، وما أكثر الناس بمصدقين، لما سبق من علمي فيهم، وإن الله هو المنيع المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه.
﴿إِنّا رَسُولُ﴾ قال ﴿رَسُولُ﴾ بالإفراد، لأنه أراد بالرسول الجنس، فوحّد، أو أن يكون ﴿رَسُولُ﴾ بمعنى رسالة، أي إنا ذوا رسالة ربّ العالمين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا.﴾. أي بأن أرسل معنا، فحذف حرف الجر، وهي تحذف معها كثيرا.
﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾ إما بدل مرفوع من ﴿نِعْمَةٌ﴾ وإما منصوب بتقدير: لأن عبدت، ثم حذف حرف الجر، لطول الكلام بصلة ﴿أَنْ﴾ طلبا للتخفيف.
البلاغة:
﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ ﴿وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ بينهما مقابلة.
﴿رَسُولُ﴾ ﴿أَرْسِلْ﴾ جناس اشتقاق.
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ جناس ناقص، لاختلاف الشكل واتحاد الحروف.
﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ.﴾. إيجاز بالحذف، تقديره: فأتيا فرعون فقالا له ذلك، فقال لموسى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾.
﴿فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ﴾ كذلك إيجاز بالحذف، أي فأرسل جبريل إلى هارون واجعله نبيا يؤازرني ويعاضدني.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ نادى﴾ متعلق بفعل مقدر، أي اذكر أو اتل يا محمد لقومك. ﴿إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ ليلة رأى النار والشجرة. ﴿أَنِ ائْتِ﴾ بأن ائت رسولا. ﴿الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ بالكفر واستعباد بنى إسرائيل وذبح أولادهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ بدل من ﴿الْقَوْمَ﴾ الأول أو عطف بيان له. ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾ الله بطاعته، فيوحدوه، والاستفهام إنكاري، وهو استئناف أتبعه إرساله إليهم للإنذار، تعجيبا له من إفراطهم في الظلم واجترائهم عليه، وفيه مزيد الحثّ على التقوى. ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذيبهم لي. ﴿وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ بأداء الرسالة، للعقدة التي فيه. ﴿فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ﴾ أي أرسل جبريل إلى أخي هارون معي، ليكون نبيا. ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ لهم علي تبعة ذنب، فحذف المضاف، والمراد قتل القبطي، وإنما سماه ذنبا على زعمهم. ﴿فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به، وكان القتل قبل أداء الرسالة.
﴿كَلاّ﴾ كلمة زجر وردع، أي ثق بالله، ولا تخف منهم، فلا يقتلونك. ﴿فَاذْهَبا﴾ أنت وأخوك، فيه تغليب الحاضر على الغائب، وهو معطوف على الفعل الذي دلّ عليه ﴿كَلاّ﴾ كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب أنت والذي طلبته ليكون معك نبيا وهو هارون.
стр. 5706
﴿بِآياتِنا﴾ معجزاتنا. ﴿إِنّا مَعَكُمْ﴾ يعني موسى وهارون وفرعون، أو أجريا مجرى الجماعة.
﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ ما تقولون وما يقال لكم وما يجري بينكما وبينه، فأجعل لكما الغلبة عليه.
﴿إِنّا رَسُولُ﴾ أي إن كلاّ منا رسول من الله إليك، أو أراد به الجنس أو ضمنه معنى الإرسال والرسالة. ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا﴾ أي بأن أرسل معنا إلى الشام، ﴿قالَ: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا﴾ أي فأتياه فقالا له ما ذكر، فقال فرعون لموسى: ألم نكن ربّيناك في منازلنا. ﴿وَلِيداً﴾ طفلا صغيرا، سمي بذلك لقربه من الولادة بعد فطامه. ﴿وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ أي ثلاثين سنة، يلبس من ملابس فرعون، ويركب من مراكبه، وكان يسمى ابنه. ثم خرج إلى مدين عشر سنين، ثم عاد إليهم يدعوهم إلى الله ثلاثين، ثم بقي بعد الإغراق لفرعون وقومه خمسين. ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ وهي قتل القبطي، وبّخه به معظما إياه، بعد ما عدّد عليه نعمته. ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ الجاحدين لنعمتي عليك بالتربية وعدم الاستعباد. وهو حال من تاء ﴿فَعَلْتَ﴾.
﴿قالَ: فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أي قال موسى: فعلتها حينئذ وأنا من المخطئين أو من الجاهلين، قبل أن يؤتيني الله العلم والرسالة، لأنه لم يتعمد قتله. ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ خرجت من بينكم إلى مدين. ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾ حكمة وعلما. ﴿تَمُنُّها﴾ تمنّ بها، أي وتلك التربية نعمة تمتن علي بها ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل وذبح أبنائهم، أي اتخذتهم عبيدا، ولم تستعبدني، لا نعمة لك بذلك لظلمك باستعبادهم. وقدر بعضهم أول الكلام همزة استفهام للإنكار، أي أو تلك نعمة تمنها علي وهي أن عبدت؟ والمعنى: تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي، وأنك لم تستعبدني.
المناسبة:
هذه القصة التي ترددت في القرآن كثيرا في سور عديدة (١) يراد من ذكرها هنا تسلية النبي ﷺ عما يلقاه من قومه من صدود وإعراض وتكذيب، فبعد أن ذكر الله تعالى تكذيب المشركين برسالته وإنذارهم وإثبات وحدانية الله لهم بإنبات النبات، ذكر قصة موسى مع فرعون وقومه الذين كذبوه مع إثبات نبوته بالمعجزات البينات، ولما لم تغن الآيات والنذر، حاق بالمكذبين سوء العذاب، وأغرقهم الله في اليم، جزاء جحودهم وتكذيبهم.
стр. 5707
التفسير والبيان:
يبدأ الله تعالى القصة من بدء بعثة موسى بن عمران ﵇ وتكليم ربّه له ومناجاته إياه من جانب الطور الأيمن، فيقول:
﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ، قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾ أي، اذكر يا محمد لقومك حين نادى الله موسى من جانب الطور الأيمن بالوادي المقدس طوى، وكلمه وناجاه، وأرسله واصطفاه، وأمره بالذهاب إلى فرعون وملئه القوم الظالمين أنفسهم بالشرك واستعباد بني إسرائيل وذبح أولادهم، فيدعوهم إلى عبادة الله وحده، وتخلّيهم عن فكرة تأليه فرعون.
وقال الله لموسى تعجيبا من حالهم: ألا يتقونني، ألا يخافون بطشي وانتقامي في الآخرة، ويحذرون عصياني وعذابي على كفرهم وبغيهم. وقوله:
﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾ كلام مستأنف، أتبعه تعالى إرساله إليهم للإنذار وتسجيل الظلم عليهم، وأمنهم العواقب وقلة خوفهم.
والنداء الذي سمعه موسى ﵇ من الله تعالى هو كلام الله القديم المنزه عن مشابهة الحروف والأصوات، مع أنه مسموع، على رأي أبي الحسن الأشعري.
وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى ﵇ كان نداء من جنس الحروف والأصوات (١).
﴿قالَ: رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ، وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ أي قال موسى مجيبا ربّه: يا ربّ، إني أخشى تكذيبهم لي، فأحزن ويضيق صدري تأثرا وتألما بما يعملون، ولا ينطلق لساني بما يجب علي من أداء الرسالة، بل أتلعثم، وأخي هارون أفصح مني لسانا، وأقوى بنيانا.
стр. 5708
﴿فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ﴾ أي فاجعل هارون نبيا مثلي، أو أرسل جبريل ﵇ له بالوحي ليكون معي نبيا ورسولا، يؤازرني ويعاضدني، فتتحقق أعباء الرسالة على الوجه الأكمل. وسبب آخر هو:
﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي ولهم آل القبط علي تبعة جرم بقتل قبطي خطأ قبل الرسالة أدى إلى خروجي من مصر، فأخاف إن كنت وحدي أن يقتلوني بسبب ذلك، وحينئذ لا يحصل المقصود من البعثة، وأما هارون فليس متهما بشيء، فيتحقق المقصود من البعثة. وهذا إيماء إلى أن الخوف قد يطرأ على الأنبياء كما يطرأ على غيرهم من البشر، وقد وقع مثل هذا لنبينا، حتى طمأنه الله بقوله: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة ٦٧/ ٥].
والخلاصة: هذه أعذار سأل الله إزاحتها عنه، وأسباب لبعثة هارون معه إلى فرعون وقومه، بدأ بخوف التكذيب من فرعون وملئه، ثم ثنّى بضيق الصدر تأثرا وتألما، ثم ثلّث بعدم انطلاق اللسان، وأما هارون فهو أفصح لسانا، وأهدأ بالا، ثم ربّع بوجود تبعة الذنب وهو جرم القتل خطأ قبل النبوة، فخاف أن يبادروا إلى قتله، فيفوت أداء الرسالة ونشرها. ويجمع مطالبه أمران: طلب دفع السوء أو الشر أو التقصير عنه، وإرسال هارون معه.
فأجابه الله إليها فقال:
﴿قالَ: كَلاّ، فَاذْهَبا بِآياتِنا، إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ أي قال الله له:
ارتدع يا موسى عما تظن، ولا تخف من شيء، فإنهم لا يقدرون على قتلك، وأجابه إلى المطلب الثاني بقوله: ﴿فَاذْهَبا﴾ أي اذهب أنت وأخوك الذي طلبته وهو هارون إلى فرعون وملئه بآياتنا ومعجزاتنا الدالة على صدقكما، وأنا ناصركما ومعينكما، كما قال تعالى: ﴿لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ [طه ٤٦/ ٢٠] أي إنني معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي، وقوله: ﴿إِنّا﴾ يريد
стр. 5709
نفسه تعالى، وقوله: ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ أي سامعون ما يقولون وما يجاوبون، وإنما أراد بذلك تقوية قلبيهما، وأنه يعينهما ويحفظهما.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا: إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ، أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي فاذهبا إلى فرعون، فقولا له بلين ورفق: إننا رسولا ربّ العالمين أرسلنا الله لك ولقومك أي أرسل كلا منا إليك، فأطلق حرية بني إسرائيل، ليعبدوا ربّهم في أرض الله الواسعة، ويعودوا معنا إلى الأرض المقدسة:
فلسطين.
وجاء لفظ الرسول هنا مفردا، وفي آية أخرى مثنى ﴿إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه ٤٧/ ٢٠] لأن الرسول يطلق على الواحد وغيره، لأنه اسم جنس، أو لأنه بمعنى الرسالة، أي إنا ذوا رسالة ربّ العالمين، أو لأنهما على شريعة واحدة وإخوة كأنهما رسول واحد، أو كل واحد منا رسول.
فأعرض عنهما فرعون، ونظر إلى موسى وأجابه بازدراء وتقريع معاتبا إياه بأمرين:
الأول:
﴿قالَ: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً، وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾؟ أي في الكلام حذف، وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به، فعند ذلك قال فرعون:
ما هذا هو المؤمل منك، أأنت الذي ربيناك صغيرا في بيوتنا وعلى فراشنا، ولم نقتلك من جملة من قتلنا، وأنعمنا عليك مدة من السنين-قيل: لبث عندهم ثلاثين سنة-ثم تقابل الإحسان بكفر النعمة، وتبادرنا بما تقول؟ ومتى كان هذا الذي تدعيه؟
стр. 5710
الثاني:
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ أي وقتلت أيضا رجلا منا، وهو ذلك القبطي الذي وكزته فقضيت عليه، وهو من أتباعي، فإنه كان خباز فرعون، وكنت من جاحدي النعمة، وهذا لا يليق في أخلاق الرجال من الوفاء وردّ الجميل.
فأجاب موسى عن قضية القتل، وترك أمر التربية المعلومة الظاهرة والتي لم ينكرها موسى، لأن الرسول مطالب بتبليغ الرسالة سواء كان المرسل عليه أنعم عليه أم لا، والإعراض عن مثل هذا الكلام أولى، إذ لا مكابرة فيه.
﴿قالَ: فَعَلْتُها إِذاً، وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أي قال موسى لفرعون: فعلت تلك الفعلة السيئة وهي قتل القبطي في تلك الحال، وأنا من المخطئين لا المتعمدين قبل أن يوحى إلى وينعم الله علي بالرسالة والنبوة كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل، أو: وأنا من الجاهلين بأن ضربتي تؤدي إلى القتل، فإني تعمدت الوكز دفاعا وتأديبا، فأدى ذلك إلى القتل، وهو ما يسمى في القوانين الحديثة بالضرب المفضي إلى الموت. أي إن القتل الذي تعاتبني عليه لم يكن مقصودا مني.
﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ، فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي فولّيت هاربا إلى مدين خوفا من بأسكم، حين أخبرني رجل، فقال لي:
﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص ٢٠/ ٢٨] وجاء أمر آخر وهو أن الله منحني فهما وعلما وحكمة (١)، وأرسلني إليك، فإن أطعته سلمت، وإن خالفته هلكت.