﴿بِآياتِنا﴾ معجزاتنا. ﴿إِنّا مَعَكُمْ﴾ يعني موسى وهارون وفرعون، أو أجريا مجرى الجماعة.
﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ ما تقولون وما يقال لكم وما يجري بينكما وبينه، فأجعل لكما الغلبة عليه.
﴿إِنّا رَسُولُ﴾ أي إن كلاّ منا رسول من الله إليك، أو أراد به الجنس أو ضمنه معنى الإرسال والرسالة. ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا﴾ أي بأن أرسل معنا إلى الشام، ﴿قالَ: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا﴾ أي فأتياه فقالا له ما ذكر، فقال فرعون لموسى: ألم نكن ربّيناك في منازلنا. ﴿وَلِيداً﴾ طفلا صغيرا، سمي بذلك لقربه من الولادة بعد فطامه. ﴿وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ أي ثلاثين سنة، يلبس من ملابس فرعون، ويركب من مراكبه، وكان يسمى ابنه. ثم خرج إلى مدين عشر سنين، ثم عاد إليهم يدعوهم إلى الله ثلاثين، ثم بقي بعد الإغراق لفرعون وقومه خمسين. ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ وهي قتل القبطي، وبّخه به معظما إياه، بعد ما عدّد عليه نعمته. ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ الجاحدين لنعمتي عليك بالتربية وعدم الاستعباد. وهو حال من تاء ﴿فَعَلْتَ﴾.
﴿قالَ: فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أي قال موسى: فعلتها حينئذ وأنا من المخطئين أو من الجاهلين، قبل أن يؤتيني الله العلم والرسالة، لأنه لم يتعمد قتله. ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ خرجت من بينكم إلى مدين. ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾ حكمة وعلما. ﴿تَمُنُّها﴾ تمنّ بها، أي وتلك التربية نعمة تمتن علي بها ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل وذبح أبنائهم، أي اتخذتهم عبيدا، ولم تستعبدني، لا نعمة لك بذلك لظلمك باستعبادهم. وقدر بعضهم أول الكلام همزة استفهام للإنكار، أي أو تلك نعمة تمنها علي وهي أن عبدت؟ والمعنى: تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي، وأنك لم تستعبدني.
المناسبة:
هذه القصة التي ترددت في القرآن كثيرا في سور عديدة (١) يراد من ذكرها هنا تسلية النبي ﷺ عما يلقاه من قومه من صدود وإعراض وتكذيب، فبعد أن ذكر الله تعالى تكذيب المشركين برسالته وإنذارهم وإثبات وحدانية الله لهم بإنبات النبات، ذكر قصة موسى مع فرعون وقومه الذين كذبوه مع إثبات نبوته بالمعجزات البينات، ولما لم تغن الآيات والنذر، حاق بالمكذبين سوء العذاب، وأغرقهم الله في اليم، جزاء جحودهم وتكذيبهم.
стр. 5707
التفسير والبيان:
يبدأ الله تعالى القصة من بدء بعثة موسى بن عمران ﵇ وتكليم ربّه له ومناجاته إياه من جانب الطور الأيمن، فيقول:
﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ، قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾ أي، اذكر يا محمد لقومك حين نادى الله موسى من جانب الطور الأيمن بالوادي المقدس طوى، وكلمه وناجاه، وأرسله واصطفاه، وأمره بالذهاب إلى فرعون وملئه القوم الظالمين أنفسهم بالشرك واستعباد بني إسرائيل وذبح أولادهم، فيدعوهم إلى عبادة الله وحده، وتخلّيهم عن فكرة تأليه فرعون.
وقال الله لموسى تعجيبا من حالهم: ألا يتقونني، ألا يخافون بطشي وانتقامي في الآخرة، ويحذرون عصياني وعذابي على كفرهم وبغيهم. وقوله:
﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾ كلام مستأنف، أتبعه تعالى إرساله إليهم للإنذار وتسجيل الظلم عليهم، وأمنهم العواقب وقلة خوفهم.
والنداء الذي سمعه موسى ﵇ من الله تعالى هو كلام الله القديم المنزه عن مشابهة الحروف والأصوات، مع أنه مسموع، على رأي أبي الحسن الأشعري.
وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى ﵇ كان نداء من جنس الحروف والأصوات (١).
﴿قالَ: رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ، وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ أي قال موسى مجيبا ربّه: يا ربّ، إني أخشى تكذيبهم لي، فأحزن ويضيق صدري تأثرا وتألما بما يعملون، ولا ينطلق لساني بما يجب علي من أداء الرسالة، بل أتلعثم، وأخي هارون أفصح مني لسانا، وأقوى بنيانا.
стр. 5708
﴿فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ﴾ أي فاجعل هارون نبيا مثلي، أو أرسل جبريل ﵇ له بالوحي ليكون معي نبيا ورسولا، يؤازرني ويعاضدني، فتتحقق أعباء الرسالة على الوجه الأكمل. وسبب آخر هو:
﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي ولهم آل القبط علي تبعة جرم بقتل قبطي خطأ قبل الرسالة أدى إلى خروجي من مصر، فأخاف إن كنت وحدي أن يقتلوني بسبب ذلك، وحينئذ لا يحصل المقصود من البعثة، وأما هارون فليس متهما بشيء، فيتحقق المقصود من البعثة. وهذا إيماء إلى أن الخوف قد يطرأ على الأنبياء كما يطرأ على غيرهم من البشر، وقد وقع مثل هذا لنبينا، حتى طمأنه الله بقوله: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة ٦٧/ ٥].
والخلاصة: هذه أعذار سأل الله إزاحتها عنه، وأسباب لبعثة هارون معه إلى فرعون وقومه، بدأ بخوف التكذيب من فرعون وملئه، ثم ثنّى بضيق الصدر تأثرا وتألما، ثم ثلّث بعدم انطلاق اللسان، وأما هارون فهو أفصح لسانا، وأهدأ بالا، ثم ربّع بوجود تبعة الذنب وهو جرم القتل خطأ قبل النبوة، فخاف أن يبادروا إلى قتله، فيفوت أداء الرسالة ونشرها. ويجمع مطالبه أمران: طلب دفع السوء أو الشر أو التقصير عنه، وإرسال هارون معه.
فأجابه الله إليها فقال:
﴿قالَ: كَلاّ، فَاذْهَبا بِآياتِنا، إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ أي قال الله له:
ارتدع يا موسى عما تظن، ولا تخف من شيء، فإنهم لا يقدرون على قتلك، وأجابه إلى المطلب الثاني بقوله: ﴿فَاذْهَبا﴾ أي اذهب أنت وأخوك الذي طلبته وهو هارون إلى فرعون وملئه بآياتنا ومعجزاتنا الدالة على صدقكما، وأنا ناصركما ومعينكما، كما قال تعالى: ﴿لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ [طه ٤٦/ ٢٠] أي إنني معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي، وقوله: ﴿إِنّا﴾ يريد
стр. 5709
نفسه تعالى، وقوله: ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ أي سامعون ما يقولون وما يجاوبون، وإنما أراد بذلك تقوية قلبيهما، وأنه يعينهما ويحفظهما.
﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا: إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ، أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي فاذهبا إلى فرعون، فقولا له بلين ورفق: إننا رسولا ربّ العالمين أرسلنا الله لك ولقومك أي أرسل كلا منا إليك، فأطلق حرية بني إسرائيل، ليعبدوا ربّهم في أرض الله الواسعة، ويعودوا معنا إلى الأرض المقدسة:
فلسطين.
وجاء لفظ الرسول هنا مفردا، وفي آية أخرى مثنى ﴿إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه ٤٧/ ٢٠] لأن الرسول يطلق على الواحد وغيره، لأنه اسم جنس، أو لأنه بمعنى الرسالة، أي إنا ذوا رسالة ربّ العالمين، أو لأنهما على شريعة واحدة وإخوة كأنهما رسول واحد، أو كل واحد منا رسول.
فأعرض عنهما فرعون، ونظر إلى موسى وأجابه بازدراء وتقريع معاتبا إياه بأمرين:
الأول:
﴿قالَ: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً، وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾؟ أي في الكلام حذف، وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به، فعند ذلك قال فرعون:
ما هذا هو المؤمل منك، أأنت الذي ربيناك صغيرا في بيوتنا وعلى فراشنا، ولم نقتلك من جملة من قتلنا، وأنعمنا عليك مدة من السنين-قيل: لبث عندهم ثلاثين سنة-ثم تقابل الإحسان بكفر النعمة، وتبادرنا بما تقول؟ ومتى كان هذا الذي تدعيه؟
стр. 5710
الثاني:
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ أي وقتلت أيضا رجلا منا، وهو ذلك القبطي الذي وكزته فقضيت عليه، وهو من أتباعي، فإنه كان خباز فرعون، وكنت من جاحدي النعمة، وهذا لا يليق في أخلاق الرجال من الوفاء وردّ الجميل.
فأجاب موسى عن قضية القتل، وترك أمر التربية المعلومة الظاهرة والتي لم ينكرها موسى، لأن الرسول مطالب بتبليغ الرسالة سواء كان المرسل عليه أنعم عليه أم لا، والإعراض عن مثل هذا الكلام أولى، إذ لا مكابرة فيه.
﴿قالَ: فَعَلْتُها إِذاً، وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أي قال موسى لفرعون: فعلت تلك الفعلة السيئة وهي قتل القبطي في تلك الحال، وأنا من المخطئين لا المتعمدين قبل أن يوحى إلى وينعم الله علي بالرسالة والنبوة كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل، أو: وأنا من الجاهلين بأن ضربتي تؤدي إلى القتل، فإني تعمدت الوكز دفاعا وتأديبا، فأدى ذلك إلى القتل، وهو ما يسمى في القوانين الحديثة بالضرب المفضي إلى الموت. أي إن القتل الذي تعاتبني عليه لم يكن مقصودا مني.
﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ، فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي فولّيت هاربا إلى مدين خوفا من بأسكم، حين أخبرني رجل، فقال لي:
﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص ٢٠/ ٢٨] وجاء أمر آخر وهو أن الله منحني فهما وعلما وحكمة (١)، وأرسلني إليك، فإن أطعته سلمت، وإن خالفته هلكت.
стр. 5711
ثم أجاب موسى عن فضل التربية لفرد والإساءة إلى جماعة وهم بنو إسرائيل فقال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي وما أحسنت إلي وربيتني إلا وقد أسأت إلى بني إسرائيل قومي، فجعلتهم عبيدا وخدما، يقومون في أعمالك وأعمال رعيتك الشاقة، فهل الإحسان إلى رجل واحد منهم له قيمة بالنظر إلى الإساءة إلى مجموعهم؟ فليس ما ذكرته شيئا بالنسبة إلى ما فعلت بهم.
فقوله: ﴿عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ معناه اتخذتهم عبيدا لك مستذلّين. وإنما جمع الضمير في ﴿مِنْكُمْ﴾ و ﴿خِفْتُكُمْ﴾ مع إفراده في ﴿تَمُنُّها﴾ و ﴿عَبَّدْتَ﴾ لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله، بدليل قوله تعالى المتقدم: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ وأما الامتنان فمنه وحده وكذلك التعبيد (١)
فقه الحياة أو الأحكام:
هذا هو الفصل الأول من قصة موسى وهارون مع فرعون وملئه، ويستفاد منه ما يأتي:
١ - كان إرسال موسى وأخيه هارون إلى فرعون الطاغية الجبار الذي ادعى الألوهية، ومعه قومه الظالمون بالشرك واستعباد الضعفاء إعذارا وإنذارا، حتى لا يبقى لهم ولأمثالهم حجة يتذرعون بها للجهل بحقيقة الإيمان والدين.
٢ - في قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾ حثّ شديد على التقوى لمن تدبر وتأمل ووعى المستقبل المنتظر.
٣ - قدّر موسى خطورة المهمة وأداء الرسالة التي كلف بها إلى فرعون فسأل ربّه أمرين: أن يدفع عنه شرهم، وأن يرسل معه هارون نبيا، فأجابه الله تعالى
стр. 5712
إلى الأمرين، فهدّأ خوفه وروعه، وأمره بالثقة بالله تعالى، وأيّده بنصره وعونه، وجعل أخاه رسولا مثله، ليؤازره ويعاونه، كما قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه ٢٩/ ٢٠ - ٣٢]، وقال سبحانه: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص ٣٤/ ٢٨].
قال القرطبي: وكأن موسى أذن له في هذا السؤال، ولم يكن ذلك استعفاء من الرسالة، بل طلب من يعينه. ففي هذا دليل على أن من لا يستقل بأمر، ويخاف من نفسه تقصيرا، أن يأخذ من يستعين به عليه، ولا يلحقه في ذلك لوم (١).
٤ - لا بدّ من اتخاذ الأسباب لكل مهمة خطيرة أو غير خطيرة، فذلك مأمور به شرعا، كما أن الحذر مطلوب، وتقدير المخاطر مما يوجبه الشرع والعقل.
٥ - لم يتردد موسى وأخوه هارون بعد هذا التأييد الإلهي من الذهاب إلى فرعون الظالم، وأعلنا له أنهما رسولان إليه من ربّ العالمين، وهذا واجب التبليغ الذي لا بدّ فيه من الجرأة والشجاعة والصبر، حتى إنه ذكر أن فرعون لم يأذن لهما سنة في الدخول عليه، ثم أذن استهزاء، فدخلا عليه وأدّيا الرسالة.
٦ - كان مطلب موسى وهارون بعد إعلان الرسالة والدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك مطلبا عدلا، وهو إخلاء سبيل بني إسرائيل حتى يسيروا مع هذين الرسولين إلى فلسطين، وإنهاء عهد الاستعباد، فإن فرعون استعبدهم أربع مائة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ست مائة وثلاثين ألفا.
٧ - إن حادثة قتل القبطي من قبل موسى ﵇ كانت قبل النبوة في
стр. 5713
عهد الشباب، بدليل قوله بعدئذ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، وحدثت تلك الحادثة خطأ من غير تعمد القتل، وجهلا بأن الوكزة تؤدي إلى القتل. وقد أجاب موسى ﵇ فرعون عن ذلك أولا.
٨ - قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ مختلف في معناه وفائدته:
-قال السدي والطبري والفراء: هذا الكلام من موسى ﵇ على جهة الإقرار بالنعمة، كأنه يقول: نعم، وتربيتك نعمة عليّ من حيث عبّدت غيري وتركتني، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي.
-وقال قتادة وغيره: هو من موسى ﵇ على جهة الإنكار، أي أتمنّ عليّ بأن ربيتني وليدا، وأنت قد استعبدت بني إسرائيل وقتلتهم؟ أي ليست بنعمة، لأن الواجب كان ألا تقتلهم ولا تستعبدهم، فإنهم قومي، فكيف تذكر إحسانك إليّ على الخصوص؟! وقال الأخفش والفراء أيضا: فيه تقدير استفهام، أي أو تلك نعمة؟! -وقال الضحّاك: إن الكلام خرج مخرج التبكيت، والتبكيت يكون باستفهام وبغير استفهام، والمعنى: لو لم تقتل بني إسرائيل لربّاني أبواي، فأي نعمة لك علي! فأنت تمنّ عليّ بما لا يجب أن تمنّ به.
والظاهر لي هو المعنى الثاني، وهو ما جريت عليه في أثناء التفسير.
стр. 5714
- ٢ -
الجدل بين موسى وفرعون في إثبات وجود الله
﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٣١)﴾
البلاغة:
﴿أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ صيغة تعجيب.
﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ التأكيد بأنّ واللام لتشكك السامع وتردده.
﴿الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ بينهما طباق.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ قال موسى ذلك في بدء مناظرته لفرعون وقومه بطريق التلطف والملاينة طمعا في إيمانهم، ثم لما رأى عنادهم ومغالطتهم وبخهم بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وهذا مقابل لقول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾ لموسى. ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أي وما حقيقته وأيّ شيء هو الذي قلت:
إنك رسوله. ﴿قالَ: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا﴾ لما لم يكن للخلق سبيل إلى معرفة حقيقته تعالى، وإنما يعرفونه بصفاته، أجابه موسى ﵇ بأنه خالق السموات والأرض وما بينهما، وهو أظهر خواصه وآثاره. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ بأنه تعالى خلق ذلك، فآمنوا به
стр. 5715
وحده، أو إن كنتم ذوي قلوب موقنة وأبصار نافذة، والمعنى: إن كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدي إليه النظر الصحيح، نفعكم هذا الجواب، وإلا لم ينفع.
﴿قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ قال فرعون لأشراف قومه ﴿أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ جوابه الذي لم يطابق السؤال، سألته عن حقيقة رب العالمين، فذكر أفعاله، أو يزعم أنه رب السموات وهي متحركة بذواتها وغير محتاجة إلى مؤثر، وهذا مذهب الدهرية، وفيه تعجب من نسبة الربوبية إلى غيره.
﴿قالَ: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال موسى: إنه رب جميع الخلائق وإنه رب المشرق والمغرب، وهذا وإن كان داخلا فيما قبله الذي استوعب به الخلائق كلها، فإنه تخصيص بعد تعميم، لأنه أقرب إلى الناظر وأوضح عند التأمل. ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ أسأله عن شيء ويجيبني عن آخر، وسماه رسولا على سبيل السخرية.
﴿قالَ: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما﴾ قال موسى: إنه الرب الذي تشاهدون آثاره كل يوم، فيأتي بالشمس من المشرق، ويحركها على مدار غير مدار اليوم الذي قبله، حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع ينتظم به أمور الكائنات. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إن كان لكم عقل علمتم ألا جواب لكم فوق ذاك. إنه بقوله السابق: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ لاينهم أولا، ثم لما رأى شدتهم وخشانتهم عارضهم بمثل مقالتهم.
﴿قالَ: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ قال فرعون، عدولا إلى التهديد عن المحاجة والمناظرة، وهكذا شأن المعاند المحجوج. وهذا دليل على ادعائه الألوهية وإنكاره للصانع. واللام في المسجونين للعهد، أي ممن عرفت حالهم في سجوني، فإن سجنه كان شديدا، يحبس الشخص في مكان تحت الأرض وحده، لا يبصر ولا يسمع فيه أحدا، حتى يموت، فكان ذلك أشد من القتل.
﴿قالَ: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ أي قال له موسى: أتفعل ذلك ولو جئتك ببرهان على رسالتي يعني المعجزة. والواو في قوله: ﴿أَوَ﴾ واو الحال، دخلت عليها همزة الاستفهام. ﴿قالَ:﴾
﴿فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي قال فرعون له: فائت به إن كنت صادقا في أن لك بينة، أو في دعواك النبوة، فإن مدعي النبوة لا بد له من حجة.
المناسبة:
لما سمع فرعون جواب موسى عما طعن به فيه وهو القتل والتربية، ورأى أن موسى وهارون مصران على دعوتهما إلى توحيد الله، وطلبهما إخراج بني إسرائيل من مصر، شرع في الاعتراض على الدعوى، فبدأ بالاستفسار عن حقيقة المرسل
стр. 5716
للأنبياء، علما بأن فرعون لم يقل لموسى: وما ربّ العالمين إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين، بدليل ما تقدم من قوله: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا: إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾.
التفسير والبيان:
هذه مناظرة بين موسى وفرعون حول الإله، فلما قال موسى وهارون لفرعون: إنا أرسلنا إليك من رب العالمين لهدايتك إلى الحق وتوحيد الله، وتفوّقا عليه بالحجة، لجأ إلى المعارضة، وأصرّ على جحوده وتمرده وطغيانه، فقال:
﴿قالَ فِرْعَوْنُ: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أي قال فرعون لموسى: وما حقيقة رب العالمين الذي أرسلك؟ ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ وسبب السؤال أنه كان يقول لقومه: ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨/ ٢٨] فجحدوا الإله الصانع جلّ وعلا، واعتقدوا أنه لا رب لهم سوى فرعون.
فأجابه موسى ﵇:
﴿قالَ: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي قال موسى: هو خالق ومالك السموات والأرض وما فيهما من كواكب ونجوم، وبحار وجبال وأنهار وأشجار، وإنسان وحيوان ونبات، وما بينهما من الهواء والطير وما يحتوي عليه الجو، إن كانت لكم قلوب موقنة، وأبصار نافذة، الجميع عبيد له، خاضعون ذليلون، خلق الأشياء كلها، وهو المتصرف فيها. أو إن كنتم موقنين بإسناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود لذاته، فاعرفوا أنه هو الله، وأنه لا يمكن تعريفه إلا بآثاره. ونظير الآية قوله: ﴿قالَ: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى قالَ: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٤٩/ ٢٠ - ٥٠].
стр. 5717
فلم يعجبه الجواب والتفت إلى خاصته ورؤساء دولته قائلا لهم على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله:
﴿قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ أي قال فرعون لحاشيته: ألا تعجبون من قوله وزعمه أن لكم إلها غيري، وأ لا تستمعون لتخريفه وتهربه من الجواب؟ أسأله عن حقيقة رب العالمين، فيذكر أفعاله وآثاره.
فذكر موسى جوابا آخر أخص مما ذكر وأدل على المراد، لأنه واقع حسي مشاهد لهم:
﴿قالَ: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي إنه تعالى خالقكم وخالق آبائكم المتقدمين الذين كانوا قبل فرعون وزمانه، والمقصود أن التغير من وجود إلى عدم وبالعكس دليل الحدوث، فأنتم محدثون، كنتم بعد العدم، وآباؤكم ماتوا بعد أن كانوا موجودين، وأنتم مثلهم على الطريق، أما الإله الواجب لذاته فهو الباقي الذي لا يطرأ عليه الفناء، ولا أول لوجوده ولا آخر، فهو إذن الإله.
فلما حار فرعون ولم يجد جوابا مقنعا، لجأ إلى عقلية الصبية والاتهام الرخيص:
﴿قالَ: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ أي قال فرعون لقومه: إن رسولكم ليس له عقل، لا يفهم السؤال، فضلا عن أن يجيب عنه، وهو يخلط في كلامه، ويدعي أن هناك إلها غيري.
فعدل موسى إلى طريق ثالث أوضح من الجواب الثاني فقال:
﴿قالَ: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي قال موسى:
إنه الله تعالى رب طلوع الشمس وظهور النهار، ورب غروب الشمس وزوال النهار، وهو الذي جعل المشرق مشرقا تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربا
стр. 5718
تغرب فيه الكواكب، ثوابتها وسياراتها، مع انتظام مداراتها، فهذا الذي يغير ويبدل، وينظم ويدبر تدبيرا مستمرا كل يوم هو الله، بل هو الذي يدبر الكون كله، لا أنتم، إن كان لكم عقل تدركون به ظواهر الكون، وهذا مناسب لقولهم واتهامهم بأنه مجنون. فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقا، فليعكس الأمر، وليجعل المشرق مغربا، والمغرب مشرقا.
وهذا الطريق في الاستدلال على وجود الله هو الذي سلكه إبراهيم الخليل ﵇ مع نمروذ، فإنه استدل أولا بالإحياء والإماتة، وهو بعينه الذي أجاب به موسى هنا بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ فأجابه نمروذ بقوله:
﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨/ ٢] فقال إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة ٢٥٨/ ٢] وهو الذي ذكره موسى هنا بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾.
ولما غلب موسى فرعون بحجته، اتجه كأهل السلطة في كل زمان ومكان إلى التهديد والوعيد باستخدام القوة والقهر والسلطان، فقال:
﴿قالَ: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ أي قال فرعون:
لئن ألّهت غيري، لجعلتك في عداد المسجونين الذين يزجّ بهم كما تعلم في قيعان السجون تحت الأرض، ويتركون حتى يموتوا، وكان سجنه أشد من القتل.
فقابل موسى التهديد والتخويف بالمعجزات الخارقة للعادة بعد أن لم تفلح الأدلة العقلية، فقال:
﴿قالَ: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ أي قال موسى: أتفعل هذا وهو السجن، ولو أتيتك بحجة بيّنة، وبرهان قاطع واضح على صدق دعواي النبوة؟ وهي المعجزة الدالة على وجود الله تعالى.
стр. 5719
﴿قالَ: فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ قال فرعون: فأت بهذا الشيء الذي يشهد لك، والدليل الواضح على دعوى الرسالة، فكل من يدعي النبوة عليه تأييد دعواه، ظنا منه أنه سيعارضه.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه مناظرة حاسمة في شأن إثبات وجود الله بين موسى ﵇ وفرعون الطاغية الجبار.
يتبين منها النزعة المادية عند الماديين والملحدين، الذين يريدون رؤية الله تعالى بالعين المجردة أو لمسه بالحس المجاور، كشأن بقية المواد، لذا استفهم فرعون عن حقيقة رب العالمين، فأتى موسى ﵇ بالصفات الدالة على الله من مخلوقاته، التي لا يشاركه فيها مخلوق؛ لأن حقيقة الله لا يدركها أحد، ولأن المادة المجسدة محدثة، والله تعالى هو خالقها وموجدها.
وكان جواب موسى الأول أن الله هو خالق السموات والأرض وما بينهما، فهو المالك والمتصرف وخالق الأشياء كلها، العالم العلوي وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيّرات، والعالم السفلي وما فيه من بحار وقفار وجبال وأشجار وحيوانات ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطير وغيرهما.
وخلق الأشياء هو الدليل القاطع على وجود الله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ، أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل ١٧/ ١٦].
فلما أدرك فرعون عجزه عن الإيجاد والخلق، قال: ﴿أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾؟ مستخدما أسلوب الإغراء والتعجب من غرابة المقالة التي تصادم المقرر في عقيدة القوم أن فرعون ربهم ومعبودهم، كالفراعنة المتقدمين.
ثم أتى موسى ﵇ ثانيا بدليل يفهمونه عنه من الحس والمشاهدة التي
стр. 5720
يطلبونها، فقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي أن الله خالقهم وخالق آبائهم الأوائل، فانحدارهم من آباء فنوا، ووجودهم بعد أن لم يكونوا، دليل على أنه لا بدّ لهم من مغيّر، فهم محدثون، ولا بد لهم من مكوّن وهم مخلوقون.
لم يجد فرعون جوابا، فلجأ إلى التهكم والاستخفاف واتهم موسى بالجنون؛ لأنه لا يجيب عما سأله تماما.
فأجابه موسى ثالثا بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ أي إن الله هو مسيّر نظام الكون كله، ومحرك هذا العالم بأجمعه في نظام بديع لا يعرف الخلل والاضطراب، ومالك جميع أنحاء الأرض، أما فرعون فيملك بلدا واحدا، لا سلطان له على غيره، فهل من عقل يدرك هذا، وهل من إدراك يؤدي بهم إلى ضرورة الإيمان بصاحب الملك المطلق، وأن المالك الجزئي عبث وسفه وجنون أن يكون إلها، فمن إله بقية العالم؟ ولما هزم فرعون أمام حجة موسى، لم يجد بدا من استخدام السلطة الإرهابية، فتوعد موسى بالسجن، وذلك عين الضعف، مع أنه كما يروى كان سجنه أشد من القتل، وكان إذا سجن أحدا، لم يخرجه من سجنه حتى يموت، فكان مخوفا.
ولكن التأييد الإلهي أشد نفاذا وإرهابا وإقناعا، ولا يجدي معه توعد فرعون، ويهون أمامه كل مخاوف الدنيا، فحينئذ طلب موسى ﵇ إثبات صدق دعواه النبوة بالمعجزة الخارقة للعادة التي لا تحدث إلا على يد نبي أو رسول بإحداث الله تعالى وإيجاده، فقبل فرعون إظهار تلك المعجزة، ظنا منه أنه سيبطلها، ويأتي بما يعارضها.
стр. 5721
- ٣ -
معجزة موسى ﵇ ووصف فرعون لها بالسحر
﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ (٣٣) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾
الإعراب:
﴿أَرْجِهْ﴾ فعل أمر، أي أخر أمره وأمر أخيه، يقال: أرجأته وأرجيته، أي أخرته.
وسكّنت الهاء؛ لأنه أجرى الوصل مجرى الوقف. وقرئ بكسر الهاء من غير إشباع، اكتفاء بالكسرة عن الياء، وقرئ بكسر الهاء والإشباع، وقرئ بالضم دون الإشباع على الأصل، وبالضم دون الإشباع، اكتفاء بالضمة عن الواو.
المفردات اللغوية:
﴿ثُعْبانٌ﴾ ذكر الحيات. ﴿مُبِينٌ﴾ ظاهر ثعبانيته بلا تمويه ولا تخييل، كما يفعل السحرة. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أخرجها من جيبه. ﴿بَيْضاءُ﴾ ذات شعاع يكاد يغشى الأبصار ويسدّ الأفق. ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ خلاف ما كانت عليه من ظاهرة الجلد واللحم والعظم. ﴿لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ للأشراف والرؤساء المستقرين حوله، فهو ظرف وقع موقع الحال. ﴿إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ فائق في علم السحر. ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ بهره سلطان المعجزة حتى أنساه دعوى الربوبية إلى الاستعانة بائتمار القوم وتنفيرهم عن موسى، وفيه استشعار بتغلبه واستيلائه على ملكه.
﴿أَرْجِهْ وَأَخاهُ﴾ أخر أمرهما، وقيل: احبسهما. ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أرسل في أنحاء البلاد شرطا يحشرون (يجمعون) السحرة. ﴿سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ خبير بفن السحر يتفوق على موسى ويفضله.
стр. 5722
التفسير والبيان:
بعد أن وافق فرعون على إظهار موسى ﵇ معجزته، أظهرها، فقال تعالى: ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أي رمى موسى عصاه من يده، فانقلبت ثعبانا واضحا ظاهرا، لا لبس فيه، ولا تمويه ولا تخييل. روي أنه لما انقلبت حية، ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة إلى فرعون، وجعلت تقول: يا موسى، مرني بما شئت، ويقول فرعون: يا موسى، أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها، فعادت عصا (١).
والسبب في قوله هنا: ﴿ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ وفي آية أخرى: ﴿فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه ٢٠/ ٢٠] وفي آية ثالثة: ﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ [القصص ٣١/ ٢٨]: أن الحية اسم الجنس، ثم إنها لكبرها صارت ثعبانا، وشبهها بالجان لخفتها وسرعتها.
ولما أتى موسى ﵇ بهذه الآية قال له فرعون: هل غيرها؟ قال:
نعم، وهذا في الآية التالية:
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أي أدخل موسى يده في جيبه، ثم أخرجها، فإذا هي بيضاء تلمع وتتلألأ للناظرين، لها شعاع كالشمس، يكاد يغشى الأبصار، ويسدّ الأفق.
ومع هذا كله، أراد فرعون تعمية الأمر، فبادر بشقاوته إلى التكذيب والعناد، فذكر أمورا ثلاثة:
١ - ﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ: إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي قال لحاشيته من القادة وأشراف قومه الذين حوله: إن هذا الرجل لبارع في السحر، يريد بذلك وصف فعله بأنه سحر لا معجز. ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته والكفر به فقال:
стр. 5723
٣، ٢ - ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ، فَماذا تَأْمُرُونَ﴾؟ أي يريد إخراجكم من وطنكم، ويتغلب عليكم بسحره، وبما يلقيه بينكم من العداوات، فيفرق جمعكم، ويكثر أعوانه وأنصاره، ويغلبكم على دولتكم، ويأخذ معه بني إسرائيل، فأشيروا علي فيه ماذا أصنع به؟ إني متبع لرأيكم ومنقاد لقولكم، وهذا أسلوب يستنفر حماسهم وجهودهم وتوحيد كلمتهم لمطاردته والتغلب عليه، فاتفقوا على جواب واحد وهو:
﴿قالُوا: أَرْجِهْ وَأَخاهُ، وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أي قال مستشاروه بعد أن تشاوروا فيما يفعلون: أخر أمره ومناظرته وأخاه ولا تتعجل في عقابهما لوقت اجتماع السحرة، بأن تجمعهم من أنحاء البلاد، فتبعث في أرجاء مملكتك جامعين يحشرون السحرة، ويأتونك بكل خبير في السحر ماهر فيه، فيقابلون موسى بنظير ما جاء به، فتغلبه أنت ويكون لك النصر والتأييد عليه.
وكان هذا من تسخير الله تعالى لموسى وأخيه، ليجتمع الناس في صعيد واحد، وتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس جهارا نهارا.
وقيل: معنى ﴿أَرْجِهْ﴾ احبسه، روي أن فرعون أراد قتله، ولم يكن يصل إليه، فقالوا له: لا تفعل، فإنك إن قتلته أدخلت على الناس في أمره شبهة، ولكن أرجئه وأخاه إلى أن تحشر السحرة ليقاوموه، فلا يثبت له عليك حجة، ثم أشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون السحرة، ظنا منهم بأنهم إذا كثروا غلبوه، وكشفوا حاله.
ويلاحظ أنهم عارضوا قوله: ﴿إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ بقولهم: ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ فجاءوا بكلمة الإحاطة وبصيغة المبالغة، ليطيبوا قلبه، وليسكنوا بعض قلقه.
стр. 5724
فقه الحياة أو الأحكام:
كانت معجزة موسى ﵇ العصا واليد، فألقى عصاه من يده، فانقلبت ثعبانا وهو أعظم ما يكون من الحيّات، وأدخل يده في جيبه ثم أخرجها، فإذا هي تلألأ، كأنها قطعة من الشمس، لكن كان بياضها نورانيا كالقمر.
فوصف فرعون تلك المعجزة لقومه بأنها من قبيل السحر، لا من قبيل المعجزة، وحرضهم على اتخاذ خطة للغلبة على موسى وأخيه، حتى لا يأخذ البلاد من أيديهم.
وهنا جاء دور المزايدة كما يفعل أتباع الرؤساء اليوم، فأشاروا على فرعون بجمع مهرة السحرة من أرجاء البلاد، ليقابلوه بنظير ما جاء به موسى، وتتحقق لفرعون الغلبة والنصرة عليه.
ولكن كان في هذا الجمع مفاجأة إلهية أدت إلى إيمان السحرة جميعا بإله موسى وهارون.
- ٤ -
إيمان السحرة بالله في المبارزة الحاسمة في مشهد عظيم
﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قالُوا لا ضَيْرَ إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾
стр. 5725
الإعراب:
﴿قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ بدل اشتمال من ﴿فَأُلْقِيَ﴾ أو حال بإضمار: قد.
﴿رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ بدل للتوضيح.
المفردات اللغوية:
﴿لِمِيقاتِ﴾ ما وقت به من ساعات يوم معين، وهو وقت الضحى من يوم الزينة الذي حدده موسى ﵇. والميقات يطلق على الميقات الزماني كأشهر الحج، والميقات المكاني وهو مواقيت الإحرام. ﴿وَقِيلَ لِلنّاسِ: هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ الاستفهام للحث على مبادرتهم إلى الاجتماع.
﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ﴾ لعلنا نتبعهم في دينهم إن غلبوا، والترجي على تقدير غلبتهم، ليستمروا على دينهم، فلا يتبعوا موسى، فالمقصود الأصلي ألا يتبعوا موسى، لا أن يتبعوا السحرة، فساقوا الكلام مساق الكناية؛ لأنهم إذا اتبعوهم لم يتبعوا موسى ﵇.
﴿قالَ: نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي التزم لهم الأجر والقربة عنده زيادة عليه إن غلبوا. ﴿أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ لم يرد به الأمر بالسحر والتمويه، بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه لا محالة، توسلا به إلى إظهار الحق. ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ أقسموا بعزة فرعون، أي قوته على أن الغلبة لهم، لفرط اعتقادهم في أنفسهم وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر.
﴿تَلْقَفُ﴾ تبتلع. ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ ما يقلبونه عن وجهه، بتمويههم وتزويرهم، فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى. ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ لعلمهم بأن مثله لا يتأتى بالسحر، وفيه دليل على أن منتهى السحر تمويه وتزويق، يخيل شيئا لا حقيقة له. وإنما بدّل الخرور بالإلقاء ليشاكل ما قبله، ويدل على أنهم لما رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أنفسهم، فكأنهم أخذوا وطرحوا على
стр. 5726
وجوههم، وأنه تعالى ألقاهم بما تعهدهم به من التوفيق. ﴿رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ فيه إشعار بأن موجب إيمانهم ما أجراه الله على يدي موسى وهارون؛ لعلمهم بأن ما شاهدوه من العصا لا يتأتى بالسحر.
﴿قالَ: آمَنْتُمْ لَهُ﴾ قال فرعون أآمنتم لموسى. ﴿آذَنَ لَكُمْ﴾ أنا. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ إن المسؤول هو كبيركم موسى الذي علمكم شيئا دون شيء، ولذلك غلبكم، وتواطأتم على ما حدث. أراد بذلك التلبيس على قومه لئلا يعتقدوا أنهم آمنوا عن بصيرة وظهور حق. ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبال ما فعلتم، وما ينالكم مني.
﴿لا ضَيْرَ﴾ لا ضرر علينا في ذلك وفيما يلحقنا من عذاب الدنيا. ﴿إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ أي إنا راجعون في الآخرة بعد موتنا إلى الله ربنا بأي وجه كان، فالصبر على الإيمان محاء للذنوب موجب للثواب والقرب من الله تعالى. ﴿إِنّا نَطْمَعُ﴾ نرجو. ﴿أَنْ كُنّا﴾ بأن كنا أو لأن. ﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في زماننا.
التفسير والبيان:
أراد فرعون وقومه القبط أن يطفئوا نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون، وهذا شأن الإيمان والكفر، والحق والباطل، ما تواجها وتقابلا إلا غلب الإيمان الكفر: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ، فَيَدْمَغُهُ، فَإِذا هُوَ زاهِقٌ، وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء ١٨/ ٢١]، ﴿وَقُلْ:﴾
﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ، إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء ٨١/ ١٧].
وهذا مشهد من مشاهد الصراع بين الحق والباطل، قال تعالى:
﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ جمع السحرة وجاؤوا من أقاليم مصر، في اليوم المخصص للقاء موسى، وهو وقت الضحى من يوم الزينة (العيد) كما حدد موسى: ﴿قالَ: مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ، وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه ٥٩/ ٢٠] والميقات: ما وقت به الزمان أو المكان، ومنه مواقيت الإحرام.
وكان السحرة أسحر الناس وأصنعهم وأشدهم تخييلا في ذلك، وكانوا هم الفئة المثقفة، وكانوا جمعا كثيرا، قيل: كانوا اثني عشر ألفا، وقيل أكثر، والله أعلم
стр. 5727
بعددهم. قال ابن إسحاق: وكان أمرهم راجعا إلى أربعة منهم وهم رؤساؤهم وهم:
سابور وعاذور وحطحط ومصفى.
وأراد موسى ﵇ أن تقع تلك المبارزة يوم عيد لهم، ليكون ذلك أمام حشد عظيم، ولتظهر حجته عليهم أمام الجموع الغفيرة، وهذا كله من لطف الله تعالى في إظهار أمر موسى ﵇.
﴿وَقِيلَ لِلنّاسِ: هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾؟ أي طلب من الناس الاجتماع، وحثهم قوم فرعون على الحضور لمشاهدة ما يحدث من الجانبين، ثقة من فرعون بالغلبة، وهم أرادوا ذلك حتى لا يؤمن أحد بموسى، وموسى ﵇ رغب أيضا في هذا التجمع لتعلو كلمة الله، وتتغلب حجة الله على حجة الكافرين.
﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ﴾ أي وقال قائلهم: إنا نرجو أن يتغلب السحرة، فنستمر على دينهم، ولا نتبع دين موسى. ولم يقولوا: نتبع الحق، سواء كان من السحرة أو من موسى؛ لأن الرعية على دين ملكهم.
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ: أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾.
﴿قالَ: نَعَمْ، وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي لما قدم السحرة إلى مجلس فرعون، وقد جمع حوله وزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته، قالوا: هل لنا أجر من مال أو غيره إن تغلبنا على موسى، قال: نعم لكم الأجر، وزيادة على ذلك أجعلكم من المقربين عندي ومن جلسائي، فهم ابتدؤوا بطلب الجزاء: وهو إما المال وإما الجاه، فبذل لهم كلا الأمرين.
وبعدئذ تحاوروا مع موسى على البادئ بالإلقاء، فجعلهم أولا كما قال تعالى:
﴿قالَ لَهُمْ مُوسى: أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ، فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ، وَقالُوا: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ﴾ أي أذن لهم موسى بالبدء بالإلقاء، وقال: ألقوا ما تريدون إلقاءه من العصي والحبال، ثقة منه بأن الله غالبة ومؤيده، وليكون
стр. 5728
ما يلقونه طعمة لعصاه، بعد أن عرضوا عليه أن يبدأ أولا بالإلقاء، فألقوا ما معهم من الحبال المطلية بالزئبق، والعصي المحشوة به، وقالوا: بعزة فرعون أي بقوته وجبروته إنا لنحن المتغلبون عليه.
فلما حميت الشمس، تحركت العصي والحبال، وامتلأت الساحة بالحيات والثعابين، وخيل إلى موسى أنها تسعى، وسحروا أعين الناس، واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى، قُلْنا: لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ [طه ٦٦/ ٢٠ - ٦٨] وقال سبحانه: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ، وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾. [الأعراف ١١٦/ ٧]. وحينئذ ابتهج فرعون وقومه، واعتقدوا أن السحرة غلبوا، وأن عصا موسى لن تفعل شيئا أمام آلاف الحيات.
فأمره الله أن يلقي عصاه:
﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ، فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ أي فلما ألقى موسى عصاه، فإذا هي تبتلع من كل بقعة ما قلبوا صورته وزيفوا حاله بتمويههم وتخييلهم أنها حيات تسعى، فلم تدع منه شيئا، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ، فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ. فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف ١١٧/ ٧ - ١١٨].
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أي فخرّ السحرة ساجدين بلا شعور؛ لأنهم أدركوا أن ما فعله موسى فوق قدرة البشر، وأنه من فعل إليه الكون رب موسى وهارون، فلم يتمالكوا أنفسهم إلا ووجدوها ساجدة لهذا الإله، أما هم فقد بذلوا أقصى ما لديهم من علم وطاقة، وما هو منتهى فعل السحرة من تخييل وتمويه.
стр. 5729
وفاعل الإلقاء في ﴿فَأُلْقِيَ﴾ أو نائب الفاعل هو الله بما رزقهم من التوفيق، أو هو إيمانهم، أو ما عاينوا من المعجزة الباهرة. ويجوز عدم تقدير فاعل؛ لأن ألقوا بمعنى خروا وسقطوا.
والتعبير بالإلقاء إشارة إلى الدهشة التي اعترتهم، حتى لكأنهم أخذوا فطرحوا وسقطوا ساجدين لله. ثم أعلنوا ما وقر في صدورهم:
﴿قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ، رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ أي قال السحرة:
صدقنا واعترفنا برب العالمين الذي دعا إليه موسى وهارون، مفضلين الإيمان على الكفر، والحق على الباطل، غير عائبين بعزة فرعون وجبروته وباطله، ولا طامعين بأجره وقربته ومنافعه.
وهذا دليل على إسقاط ربوبية فرعون، وأن سبب الإيمان هو ما رأوه من معجزة الرسولين: موسى وهارون ﵉.
ولما رأى فرعون ما حدث أسقط في يده، وتحير في أمره، فلجأ إلى التهديد والوعيد شأن العتاة الظالمين، حتى لا تسقط هيبته أمام شعبه، وتتداعى أركان حكمه وسلطانه، ويفعل الناس مثل فعل السحرة الكثيرين، فإنه توقع الغلبة، ففوجئ بالهزيمة المنكرة، ولكن لم تفلح تهديداته في السحرة شيئا، وأصروا على الإيمان بالله تعالى، لانكشاف الحقيقة لهم، وقال لإنقاذ موقفه:
أولا- ﴿قالَ: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ قال فرعون للسحرة: أتؤمنون بموسى قبل استئذاني، وكيف تخرجون عن طاعتي، وأنا الحاكم المطاع؟! وفي هذا إيهام أن مسارعتكم إلى الإيمان به دالة على ميلكم إليه، وأنكم متهمون بالتواطؤ معه، فربما قصروا في إتقان السحر.
وإنما قال ﴿لَهُ﴾ لا (به) لأنه الذي يدعو إليه موسى وهارون.
стр. 5730
ثانيا- ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهذا تصريح بما رمز إليه أولا، فإنكم فعلتم ذلك بتواطؤ بينكم وبينه، وقصّرتم في السحر، ليظهر أمر موسى.
وهذا تلبيس على القوم وتضليل لهم لئلا يعتقدوا أن إيمان السحرة حق، ومبالغة في التنفير عن موسى ﵇، ومكابرة ظاهرة الضعف، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل الموعد أصلا، فكيف يكون هو كبيرهم الذي علمهم السحر؟! ثالثا- ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبال ما فعلتم، وما ينالكم مني من عقاب.
وهذا وعيد مطلق وتهديد شديد.
رابعا- ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ، وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي توعدهم بتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، والصلب بعد ذلك جميعا. وليس في الإهلاك أشد من ذلك.
فأجابوه بما يدل على صلابة الإيمان بوجهين:
الأول- ﴿قالُوا: لا ضَيْرَ إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ الضر والضير واحد، أي لا حرج ولا ضرر علينا من ذلك، ولا نبالي به، فكل إنسان ميت، ولو بعد حين، والمرجع إلى الله ، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملا، ولا يخفى عليه ما فعلت بنا، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء، وهذا دليل على أنهم ما آمنوا رغبة في ثواب أو رهبة من عقاب، وإنما مقصودهم مرضاة الله تعالى، ولهذا قالوا:
الثاني- ﴿إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا إشارة منهم إلى الكفر والسحر، أي إنا نأمل أن يغفر لنا ربنا ذنوبنا وما أكرهتنا عليه من السحر، من أجل أن كنا أول المؤمنين الذين شهدوا هذا الموقف، أو بسبب أنا بادرنا قومنا من القبط إلى الإيمان. فما كان من فرعون إلا أن قتلهم جميعا. والطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين، كقول إبراهيم:
стр. 5731
﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء ٨٢/ ٢٦] ويحتمل الظن؛ لأن المرء لا يعلم ما سيحصل في المستقبل.
ونظير الآية: ﴿قالُوا: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ، وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ، إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا. إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ، وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [طه ٧٢/ ٢٠ - ٧٣].
فقه الحياة أو الأحكام:
كان اجتماع السحرة مع موسى ﵇ للمبارزة أمام فرعون وملئه في مشهد عظيم خلده التاريخ، تبين فيه موقف أهل الحق والإيمان بالله، وموقف الأفاكين والمبطلين.
اجتمع الناس يوم عيد للقبط هو يوم الزينة، كما حدد موسى ﵇:
﴿قالَ: مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ، وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه ٥٩/ ٢٠] وحرض بعضهم بعضا على الحضور، ورجوا أو تأملوا غلبة السحرة على موسى وأخيه هارون.
وبوادر الهزيمة كانت قائمة، فالسحرة أرادوا التفوق والغلبة لهدف دنيوي إما المال وإما الجاه، ووعدهم فرعون بالأمرين معا، وأما موسى وأخوه ﵉ فأرادوا نصرة الحق، وإثبات صدق النبوة والرسالة، وإعلاء كلمة الله، فأيدهما الله بنصره؛ لأن المعجزة أمر خارق للعادة، مصدرها الإرادة الإلهية، وشتان بين قدرة الله وقدرة البشر! ومن علائم الهزيمة: ابتداء السحرة بإلقاء حبالهم وعصيهم لتكون طعمة لعصا موسى ﵇، بالرغم من انشداه الناس وانبهارهم بها، روي عن ابن عباس: أنهم لما ألقوا حبالهم وعصيهم، وقد كانت الحبال مطلية بالزئبق،
стр. 5732
والعصي مجوفة مملوءة بالزئبق، فلما حميت اشتدت حركتها، فصارت كأنها حيات تدب من كل جانب من الأرض، فهاب موسى ﵇ ذلك، فقيل له: ألق ما في يمينك ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ثم فتحت فاها، فابتلعت كل ما رموه من حبالهم وعصيهم، حتى أكلت الكل، ثم أخذ موسى عصاه، فإذا هي كما كانت، فلما رأى السحرة ذلك قالوا لفرعون: كنا نساحر الناس، فإذا غلبناهم بقيت الحبال والعصي، وكذلك إن غلبونا، ولكن هذا حق، فسجدوا وآمنوا برب العالمين.
أما عدد السحرة والحبال والعصي فليس فيها رواية ثابتة، والذي يدل عليه القرآن أنها كانت كثيرة، من حيث حشروا من كل بلد، ولأن فرعون اطمأن إلى الغلبة بهذا الجمع الغفير.
ومن أمارات الهزيمة: أن السحرة قالوا حين الإلقاء: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ، إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ﴾ أي قطعوا بالغلبة، أما موسى فألقى باسم الله وعزته.
والمفاجأة العظمى الأخرى غير نصر المعجزة لموسى ﵇ هي إيمان السحرة بالله ، فخروا ساجدين لله تعالى؛ لأنهم كانوا عالمين بمنتهى السحر، فلما رأوا أن عصا موسى تبتلع كل ما صنعوا من تخييل وتمويه، وشاهدوا أن ذلك خارج عن حدّ السحر، علموا أنه ليس بسحر.
وقد أعلنوا إيمانهم الجازم بالله غير عائبين بتهديدات فرعون الجبار العاتي، وفضلوا الموت استشهادا في سبيل هذا الإيمان، مع تقطيع الأيدي والأرجل والصلب، على العودة إلى مستنقع الكفر وضلال السحر، وخلد القرآن الكريم موقفهم الصلب الثابت ﵃، بأمرين:
الأول-التفاني في حب الله وابتغاء مرضاته، وأنهم ما آمنوا رغبة في ثواب أو
﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ إنما جمع ﴿قَلِيلُونَ﴾ وإن كان لفظ ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ مفردا، حملا على المعنى؛ لأن الشرذمة جماعة من الناس، موافقة لرؤوس الآي، ولو أفرد لكان جائزا حملا على اللفظ.
﴿كَذلِكَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: النصب بفعل مقدر أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا. والجر على أنه وصف لمقام، أي مقام مثل ذلك المقام الذي كان لهم، والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك. ﴿مُشْرِقِينَ﴾ حال لقوم فرعون.
﴿فَانْفَلَقَ﴾ معطوف على جملة فعلية محذوفة، تقديرها: ضرب البحر فانفلق، ويجوز حذف الجملة الفعلية، كما يجوز حذف الجملة الاسمية، كقولهم: زيد أبوه منطلق وعمرو، أي وعمرو أبوه منطلق، مثل: ﴿وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أي واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر.
البلاغة:
﴿فَانْفَلَقَ﴾ إيجاز بالحذف، أي فضرب البحر فانفلق.
﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ تشبيه مرسل مجمل، ذكرت أداة الشبه وحذف وجه الشبه، أي كالجبل في رسوخه وثباته.
المفردات اللغوية:
﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى﴾ أي بعد سنين أقامها في مصر يدعو شعبها بآيات الله إلى الحق، فلم يزيدوا إلا عتوا وفسادا وإعراضا. ﴿أَنْ أَسْرِ﴾ أي سر بهم ليلا، وأسر: من سرى بمعنى أسرى:
سار ليلا، وقد أمر موسى بالتوجه إلى البحر. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ يتبعكم فرعون وجنوده، وهو علة الأمر بالإسراء، فإذا اتبعوكم مصبحين قبل وصولكم إلى البحر أنجيكم وأغرقهم، إذ إنهم يسيرون وراءكم، ويدخلون في مساركم في البحر. ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾ حين أخبر بسيرهم. ﴿فِي الْمَدائِنِ﴾ قيل: كان له ألف مدينة، واثنا عشر ألف قرية. ﴿حاشِرِينَ﴾ جامعين العساكر ليتبعوهم.
﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ طائفة. ﴿قَلِيلُونَ﴾ قللهم بالنظر إلى كثرة جيشه، قيل: كان بنو إسرائيل ست مائة وسبعين ألفا، ومقدمة جيش فرعون سبع مائة ألف، كل رجل على حصان، وعلى رأسه خوذة، أما الجيش فهو مليون وخمس مائة ألف، والتحديد بهذه الأعداد محل نظر لم يثبت، والظاهر أنه من مجازفات بني إسرائيل. ﴿وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ﴾ أي لفاعلون ما يغيظنا. ﴿وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ وإنا لجميع مستعدون في حذر وحزم في الأمور. وقرئ: حذرون أي متيقظون.
﴿فَأَخْرَجْناهُمْ﴾ أي فرعون وقومه من مصر ليلحقوا موسى وقومه، أي هيأنا في أنفسهم دواعي الخروج وحملناهم عليه. ﴿جَنّاتٍ﴾ بساتين كانت على جانبي النيل. ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار
стр. 5735
جارية في الدور من النيل. ﴿وَكُنُوزٍ﴾ أموال كنزوها أو خزنوها في الأرض. ﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ أي قصور عالية ومنازل فخمة. ﴿كَذلِكَ﴾ أي مثل ذلك الإخراج أخرجناهم، أو كذلك إخراجنا كما وصفنا. ﴿وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ بعد إغراق فرعون وقومه. ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ لحقوهم.
﴿مُشْرِقِينَ﴾ داخلين وقت شروق الشمس.
﴿فَلَمّا تَراءَا الْجَمْعانِ﴾ تقاربا بحيث رأى كل منهما الآخر. ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ لملحقون، يدركنا جمع فرعون، ولا طاقة لنا به. ﴿قالَ﴾ موسى. ﴿كَلاّ﴾ أي لن يدركونا. ﴿إِنَّ مَعِي رَبِّي﴾ بالحفظ والنصرة. ﴿سَيَهْدِينِ﴾ طريق النجاة منهم.
﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ﴾ أي البحر الأحمر (القلزم) أو النيل. ﴿فَانْفَلَقَ﴾ أي فضرب، فانشق اثني عشر فرقا بينها مسالك. ﴿فِرْقٍ﴾ قطعة من البحر. ﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ كالجبل الضخم الثابت، فدخلوا في شعابها، كل سبط في شعب، لم يبتل منها أحد. ﴿وَأَزْلَفْنا﴾ قرّبنا.
﴿ثَمَّ﴾ هناك. ﴿الْآخَرِينَ﴾ فرعون وقومه، حتى دخلوا وراءهم مداخلهم، وسلكوا مسالكهم.
﴿وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ بحفظ البحر على تلك الهيئة إلى أن عبروا. ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ فرعون وقومه، بإطباق البحر عليهم، لما تمّ دخولهم في البحر، وخروج بني إسرائيل منه. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ الإغراق. ﴿لَآيَةً﴾ لعظة وعبرة. ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وما تنبه عليها أكثرهم، إذ لم يؤمن بها أحد ممن بقي. مصر من القبط غير آسية امرأة فرعون، وأبيها (حزقيل) مؤمن ال فرعون، ومريم بنت ذا موسى التي دلت على عظام يوسف ﵇، وكذلك بنو إسرائيل بعد النجاة سألوا بقرة يعبدونها، واتخذوا العجل، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥/ ٢]. ﴿الْعَزِيزُ﴾ المنتقم من أعدائه. ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين، فأنجاهم من الغرق.
مقدمة لخروج بني إسرائيل من مصر:
ذكر المفسرون أنه لما طال مقام موسى ﵇ ببلاد مصر، وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملئه، وهم في ذلك يكابرون ويعاندون، لم يبق لهم إلا العذاب والنكال، فأمر الله تعالى موسى ﵇ أن يخرج ببني إسرائيل ليلا من مصر، وأن يمضي بهم حيث يؤمر، ففعل موسى ﵇ ما أمره به ربه . خرج بهم بعد ما استعاروا من قوم فرعون حليا كثيرا، قائلين لهم: إن لنا في هذه الليلة عيدا. وكان خروجه بهم وقت طلوع القمر.
стр. 5736
وكان موسى ﵇ سأل عن قبر يوسف ﵇، فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه، فاحتمل تابوته معهم؛ لأن يوسف ﵇ قد أوصى بذلك إذا خرج بنو إسرائيل أن يحتملوه معهم.
التفسير والبيان:
﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾: أوحى الله إلى موسى أن يسير ليلا باتجاه البحر مع قومه بني إسرائيل، ففعل موسى، وقد أخبره الله أن فرعون وقومه سيتبعونهم، حتى إذا تبعوهم مصبحين، تقدموا عليهم ولم يدركوهم قبل وصولهم إلى البحر، فيدخلون فيه، ثم يلحقهم في مسالكهم فرعون وجنده، فيطبقه عليهم ويغرقهم.
وكانت إقامة بني إسرائيل في مصر ٤٣٠ سنة، وليلة الخروج هي عيد الفصح عندهم إلى الأبد. وكان عددهم كما روي عن ابن عباس ست مائة ألف ماش من الرجال.
﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أي فلما أصبح فرعون وقومه وعلم بخروج بني إسرائيل، غاظه ذلك واشتد غضبه على بني إسرائيل، فأرسل سريعا في مدائن مصر من يحشر الجند كالنقباء والحجّاب.
واستخدم فرعون أسلوب التعبئة المعنوية لتحريض قومه على الخروج معه، فوصف بني إسرائيل بثلاث صفات:
١ - ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ إن بني إسرائيل لطائفة قليلة، فيسهل متابعتهم وأسرهم أو قتلهم أو إعادتهم إلى العبودية.
٢ - ﴿وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ﴾ أي أنهم في كل آونة يغيظوننا ويضايقوننا، بالفتنة والشغب، وقد ذهبوا بأموالنا، وخرجوا عن عبوديتنا، وخالفوا ديننا.
стр. 5737
٣ - ﴿وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ أي وإن جميعنا قوم آخذون حذرنا وأهبتنا ومستعدون بالسلاح، وإني أريد إبادتهم واستئصالهم.
فجمع الجموع الغفيرة، ولا يوجد رواية ثابتة تحصي عددهم، ولا عدد بني إسرائيل، لكن من المؤكد أن عددهم كان أقل من عدد جند فرعون.
﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ أي فجعلنا في قلوبهم داعية الخروج، وخرجوا من النعيم إلى الجحيم، وتركوا البساتين الخضراء، والرياض الغناء، والأنهار الجارية والأموال المكنوزة المخزونة في الأرض والمنازل العالية والدور الفخمة والملك والجاه العظيم في الدنيا.
﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي كان الأمر حقا كما قلنا، وكذلك كان إخراجنا كما وصفنا، وورثنا بني إسرائيل تلك الثروات، وتحولوا من العبودية إلى الحرية والاستقلال والترف والنعيم، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف ١٣٧/ ٧]، وقال سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً، وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ [القصص ٥/ ٢٨].
﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ أي وصلوا إليهم عند شروق الشمس على خليج السويس. وفي هذه الآونة ظهرت المخاوف على بني إسرائيل، فقال تعالى:
﴿فَلَمّا تَراءَا الْجَمْعانِ، قالَ أَصْحابُ مُوسى: إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أي فلما رأى كل من الفريقين صاحبه، قال بنو إسرائيل وقد أيقنوا بالهلاك: إن فرعون وجنوده لحقوا بنا وسيقتلوننا، أو إنا لمتابعون وسنموت على أيديهم.
فطمأنهم موسى ﵇ وهدّأ نفوسهم قائلا:
﴿قالَ: كَلاّ، إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قال موسى: كلا لا يدركوننا، إن
стр. 5738
معي ربي بالحفظ والنصرة سيهديني إلى طريق النجاة والخلاص منهم، وسينصرني عليهم؛ وأوحى الله إلى موسى:
﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ، فَانْفَلَقَ، فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ أي أمر الله موسى بضرب البحر بعصاه، فضربه بها، ففيها سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق اثني عشر طريقا، وصارت كل قطعة من الماء المجوز عن الانسياب الواقف عن التحرك كالجبل الشامخ الكبير، وكانت الطرق الجافة بالهواء والشمس بعدد أسباط بني إسرائيل، لكل سبط منهم طريق، كما قال تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى﴾ [طه ٧٧/ ٢٠].
﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ أي وقرّبنا من البحر هنالك الآخرين وهم فرعون وجنوده، فتبعوهم.
﴿وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ أي أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن اتبعهم على دينهم، فلم يهلك منهم أحد، وأغرق فرعون وجنوده، ولم يبق منهم أحد.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ أي إن في هذه القصة وما فيها من العجائب لعبرة وعظة وآية دالة على قدرة الله تعالى وعلى صدق موسى ﵇، وعلى إنجاء عباد الله المؤمنين وإهلاك الكافرين.
﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي ولم يؤمن أكثر من بقي في مصر من القبط، وكذلك لم يؤمن أكثر بني إسرائيل، فإن هذه المعجزة تحمل على الإيمان، ومع ذلك كذب بنو إسرائيل، واتخذوا العجل إلها، وقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة.
وفي هذا تسلية للرسول ﷺ عما أغمه وأحزنه من تكذيب قومه، مع قيام
стр. 5739
الأدلة والمعجزات على الإيمان بالله والرسل.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي وإن الله تعالى لهو المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه المؤمنين. وهذا بشارة بالنصر للنبي ﷺ في المستقبل القريب.
فقه الحياة أو الأحكام:
في هذا الفصل الخامس والأخير من قصة موسى وفرعون حسم الموقف حسما يظهر قدرة الله تعالى في أحلك الساعات وأشد الأزمات، ويبين مدى ضعف الاعتماد على القوة البشرية الظالمة في مواجهة قدرة الله تعالى واختراعه، أما عصا موسى فمجرد ضربها ليس بفارق للبحر إلا بما اقترن به من إظهار القدرة الإلهية، وهذا ما يجب التبصر به بالنسبة للكافرين غير المؤمنين الهازئين بتأثير العصا في فلق البحر اثني عشر طريقا يبسا.
ومن حكمته تعالى أن يستدرج الظالمين إلى الهاوية والهلاك، فيغرقهم جميعا ليكون عبرة للمعتبر، وأن يقود جيش الإيمان بقيادة نبيهم إلى ساحل النجاة، ليظهر فضله، وتمام نعمته عليهم، وكان بإمكان الله تعالى أن يهلك فرعون وجنوده في قلب مملكته وفي أرض دولته.
وإظهارا لتلك الحكمة وسنته تعالى في عباده لإنجاء المؤمنين المصدقين من أوليائه، المعترفين برسالة رسله وأنبيائه، وإهلاك الكافرين المكذبين لهم من أعدائه، أمر موسى ﵇ أن يخرج ببني إسرائيل ليلا وسماهم عباده؛ لأنهم آمنوا بموسى، وأوحى إليه أن فرعون وجنوده سيتبعونهم ليردوهم إلى بلاد مصر، لإبقائهم عبيدا أرقاء.
فجمّع فرعون عساكره، وأعد جيشه في اليوم التالي لمسيرة موسى ببني إسرائيل ليلا، مستنفرا القوى العسكرية بأن هؤلاء طائفة قليلة حقيرة، وأنهم
стр. 5740
أعداء لنا لمخالفتهم ديننا وذهابهم بأموالنا التي استعاروها كما تقدم بيانه، وأننا مجتمع أخذنا حذرنا وأسلحتنا.
وكان هذا الاستنفار تجريدا لهم من أرض مصر وما فيها من أشجار وأنهار ومنازل عالية، وجعل ممتلكاتهم إرثا مشروعا لبني إسرائيل الذين كانوا عبيدا أذلاء مستضعفين في مصر. قال الحسن وغيره: رجع بنو إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه. وقيل: أراد بالوراثة هنا ما استعاروه من حليّ آل فرعون بأمر الله تعالى. قال القرطبي: وكلا الأمرين حصل لهم، والحمد لله، أي فقد عادوا إلى مصر وأصبحوا قادتها وسادتها وملاكها.
وتبع فرعون وقومه بني إسرائيل حين أشرقت الشمس. وكان سبب تأخر فرعون وقومه إما اشتغالهم بدفن بناتهم الأبكار الذين ماتوا في تلك الليلة بسبب وباء وقع فيهم، وإما لأن سحابة أظلتهم وظلمة أعاقتهم، فما تقشعت عنهم حتى أصبحوا.
فلما تقابل الجمعان بحيث يرى كل فريق صاحبه، خاف أصحاب موسى، وقالوا: لقد قرب منا العدو ولا طاقة لنا به، فالعدو وراءنا والبحر أمامنا، وساءت ظنونهم، وقالوا لموسى على جهة التوبيخ والجفاء: ﴿إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ فردّ عليهم قولهم وزجرهم وذكّرهم وعد الله سبحانه بالهداية والظفر، قائلا لهم:
﴿كَلاّ﴾ لم يدركوكم ﴿إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ أي معي بالنصر على العدو، وسيدلني على طريق النجاة.
فلما عظم البلاء واشتدّ خوف بني إسرائيل، ورأوا من الجيوش ما لا طاقة لهم بها، أمر الله تعالى موسى أن يضرب البحر بعصاه؛ لأنه تعالى أراد أن تكون الآية متصلة بموسى ومتعلقة في الظاهر بفعل يفعله، وإلا فضرب العصا ليس بفارق للبحر، ولا معين على ذلك بذاته إلا بما اقترن به من قدرة الله تعالى
стр. 5741
واختراعه، وجعل هذا من معجزات موسى ﵇.
ولما انفلق صار فيه اثنا عشر طريقا على عدد أسباط بني إسرائيل، ووقف الماء بينها كالجبل العظيم، وكأنه جمّد، فصار البحر طريقا يبسا بتأثير رياح لفحتها وجففتها وجعلتها كوجه الأرض، كما قال تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً، لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى﴾ [طه ٧٧/ ٢٠].
وقرّب الله فرعون وقومه إلى البحر، والغيظ يملأ نفوسهم، ونار الحقد تغلي في قلوبهم كالمراجل، وأنجى موسى ومن معه أجمعين، ثم لما صار الآخرون في وسط البحر أطبقه عليهم وأغرقهم جميعا.
إنها آية وأي آية! عظة للمتعظ وعبرة للمعتبر المتأمل، حقا، إن الذي حدث في البحر آية عجيبة من آيات الله العظام الدالة على قدرته، وعلى صدق موسى ﵇ من حيث كان معجزة له، وعلى اعتبار المعتبرين به أبدا.
وفي هذا تحذير شديد من الإقدام على مخالفة أمر الله تعالى، وأمر رسوله، ويكون فيه اعتبار وتسلية لمحمد ﷺ الذي كان يغتم بتكذيب قومه مع ظهور المعجزات، فلا تعجب يا محمد من تكذيب أكثر قومك لك، واصبر على إيذائهم، فلعلهم أن يصلحوا، لذا قال تعالى عقيب ذلك:
﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سواء من قوم فرعون أو من قوم موسى، فإنه لم يؤمن من قوم فرعون إلا مؤمن آل فرعون واسمه حزقيل، وابنته آسية امرأة فرعون، ومريم بنت ذا موسى العجوز التي دلت على قبر يوسف الصديق ﵇. وأما قوم موسى فبعد أن نجوا، عبدوا العجل، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾!! [البقرة ٥٥/ ٢].
стр. 5742
القصة الثانية
قصة إبراهيم ﵇
- ١ -
التنديد بعبادة الأصنام وبيان صفات الرّب المستحق للعبادة
﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾
الإعراب:
﴿إِذْ قالَ﴾ بدل من قوله ﴿نَبَأَ إِبْراهِيمَ﴾.
﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ فيه مضاف محذوف، أي هل يسمعون دعاءكم إذ تدعون.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ ﴿عَدُوٌّ﴾: اسم مفرد يؤدي معنى الجمع. و ﴿رَبَّ الْعالَمِينَ﴾: منصوب على الاستثناء المنقطع؛ لأنه سبحانه ليس من أعداء إبراهيم.
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ﴿الَّذِي﴾ مبتدأ، و ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ خبره، والفاء للسببية.
стр. 5743
﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ عطف على ﴿الَّذِي﴾ المتقدم، وخبره محذوف.
وتقديره: والذي هو يطعمني ويسقيني، فهو يهدين. وكذلك كل ما جاء بعدها من ﴿الَّذِي﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي..﴾. خبره: «فهو يهدين» مقدرا.
البلاغة:
﴿يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ بينهما طباق، وكذلك بين ﴿يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾.
﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أسند المرض لنفسه مراعاة للأدب تأدبا مع الله؛ لأن الشر لا ينسب إليه تعالى أدبا، وإن كان المرض والشفاء كلاهما من الله، فلم يقل: أمرضني.
المفردات اللغوية:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ على مشركي العرب ومنهم كفار مكة وأمثالهم. ﴿نَبَأَ﴾ خبر مهم.
﴿ما تَعْبُدُونَ﴾؟ سألهم ليريهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة. ﴿نَعْبُدُ أَصْناماً﴾ صرحوا بالفعل. ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أي: ندوم مقيمين على عبادتها، وزادوا هذا الجواب على قولهم:
﴿نَعْبُدُ﴾ تبجحا وافتخارا به، وإظهارا لما في نفوسهم من الابتهاج. ﴿إِذْ تَدْعُونَ﴾ حين تدعون.
﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ حين تعبدونهم. ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ أي يضرونكم إن لم تعبدوهم. ومجيئه مضارعا مع ﴿إِذْ﴾ على حكاية الحال الماضية استحضارا لها. ﴿كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ مثل فعلنا، لم يجدوا جوابا إلا التمسك بالتقليد. ﴿وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ التقدم لا يدل على الصحة، ولا ينقلب به الباطل حقا.
﴿عَدُوٌّ لِي﴾ لا أعبدهم، والمراد أنهم أعداء لعابديهم؛ لأنهم يتضررون من جهتهم، لكنه صوّر الأمر في نفسه تعريضا لهم، فإنه أنفع في النصح من التصريح، وإشعارا بأنها نصيحة بدأ بها نفسه، ليكون أدعى إلى القبول. وإفراد لفظ العدو لأنه في الأصل مصدر أو بمعنى النسب أي عدوي، أجراه على النسب. ﴿إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ لكن ربّ العالمين فإني أعبده، استثناء منقطع.
﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ إلى الدين؛ لأنه يهدي كل مخلوق لما خلق له من أمور المعاش والمعاد، هداية مطردة من مبدأ إيجاده إلى منتهى أجله، يتمكن بها من جلب المنافع ودفع المضارّ، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى ٣/ ٨٧] وتبدأ الهداية في الإنسان من وقت هداية الجنين إلى امتصاص دم الطمث من الرحم، وتنتهي إلى طريق الجنة والتنعم بلذائذها. ﴿أَطْمَعُ﴾ أرجو. ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ الجزاء.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى في أول السورة شدة حزن محمد ﷺ بسبب كفر
стр. 5744
قومه، ذكر قصة موسى ﵇ ليعرف محمد أن مثل تلك المحنة حصلت لموسى فيكون ذلك تسلية له، ثم ذكر عقبها قصة إبراهيم ﵇ ليعرف محمد أيضا أن حزن إبراهيم كان أشد من حزنه؛ لأنه يرى أباه وقومه في النار، وهو لا يتمكن من إنقاذهم، وكل ذلك إشارة إلى أن معارضة الرسل من أقوامهم أمر قديم ومستمر، فلا داعي للغم والحزن.
التفسير والبيان:
هذا هو الفصل الأول من قصة إبراهيم إمام الحنفاء ﵇ مع قومه، موضوعه الإنكار على قومه عبادة الأصنام مع الله ، وتبيان صفات الربّ الذي يجب أن يعبد، فقال تعالى:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ، إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ أي واتل يا محمد على أمتك خبر إبراهيم ﵇، ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل على الله، وعبادته وحده لا شريك له، والتبري من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من صغره إلى كبره، ولما شبّ أنكر على قومه عبادة الأصنام، وقال لأبيه وقومه: ما الذي تعبدونه؟ ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ ليلفت نظرهم إلى أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة في شرع ولا عقل.
فأجابوه مقرين بعبادة الأصنام، ومظهرين لما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار بها: ﴿قالُوا: نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أي قال قوم إبراهيم:
نعبد هذه الأصنام، وندوم مقيمين على عبادتها في الليل والنهار.
فناقشهم في جدوى تلك العبادة متعجبا من فعلهم:
﴿قالَ: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾؟ أي قال إبراهيم: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، وهل يجلبون لكم نفعا أو يدفعون
стр. 5745
عنكم ضررا؟ إذ ما الفائدة من عبادة لا هدف لها؟ فهل تفكرون قليلا، وتتأملون كثيرا فيما تفعلون؟ وكيف تستجيزون أن تعبدوا ما هذا وصفه؟ ﴿قالُوا: بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ لم يجدوا جوابا مقنعا يرد حجة إبراهيم إلا التمسك بالتقليد الأعمى للآباء والأجداد، وليس لهم حجة مقبولة لتسويغ عبادتها وتقديسها. وهذا من أقوى الأدلة على فساد التقليد في العقائد ووجوب الاعتماد على الاستدلال العقلي المقنع؛ لأن الله أورد ذلك ذما لطريقة الكفار وإنكارا لمنهجهم.
فتقوّى إبراهيم في تقريعهم وتوبيخهم وتحديهم، فسألهم:
﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ أخبروني عن حال ما تعبدونه، أنتم وآباؤكم وأجدادكم الغابرون من قديم الزمان إلى الآن، هل حققت هذه العبادة شيئا، وهل استحقت تلك الأصنام الجمادات التي لا تسمع ولا تنطق عبادة العابدين؟ فإن كان لهذه الأصنام تأثير، فلتجلب إليّ الإساءة والأذى، فإني عدو لها لا أعبدها، ولا أبالي بها، ولا أفكر فيها. وهذا استهزاء منه بعبدة الأصنام، وتحد صارخ لصحة ما يعبدون.
لكن ربّ العالمين الذي خلقني ورزقني، وهو وليي في الدنيا والآخرة هو الذي أعبده وأنحني إجلالا لعظمته وعزته، فعبادتي للأصنام عبادة للعدو، لذا اجتنبتها، وآثرت عبادة من بيده الخير كله. وهذا نصيحة لنفسه، فيكون ذلك أدعى لهم إلى القبول، وأبعث على الاستماع منه.
وهذا نظير قول نوح ﵇: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ، ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً، ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس ٧١/ ١٠] وقول هود ﵇: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً، ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ، ما مِنْ دَابَّةٍ