← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

واختراعه، وجعل هذا من معجزات موسى ﵇. ولما انفلق صار فيه اثنا عشر طريقا على عدد أسباط بني إسرائيل، ووقف الماء بينها كالجبل العظيم، وكأنه جمّد، فصار البحر طريقا يبسا بتأثير رياح لفحتها وجففتها وجعلتها كوجه الأرض، كما قال تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً، لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى﴾ [طه ٧٧/ ٢٠]. وقرّب الله فرعون وقومه إلى البحر، والغيظ يملأ نفوسهم، ونار الحقد تغلي في قلوبهم كالمراجل، وأنجى موسى ومن معه أجمعين، ثم لما صار الآخرون في وسط البحر أطبقه عليهم وأغرقهم جميعا. إنها آية وأي آية! عظة للمتعظ وعبرة للمعتبر المتأمل، حقا، إن الذي حدث في البحر آية عجيبة من آيات الله العظام الدالة على قدرته، وعلى صدق موسى ﵇ من حيث كان معجزة له، وعلى اعتبار المعتبرين به أبدا. وفي هذا تحذير شديد من الإقدام على مخالفة أمر الله تعالى، وأمر رسوله، ويكون فيه اعتبار وتسلية لمحمد ﷺ الذي كان يغتم بتكذيب قومه مع ظهور المعجزات، فلا تعجب يا محمد من تكذيب أكثر قومك لك، واصبر على إيذائهم، فلعلهم أن يصلحوا، لذا قال تعالى عقيب ذلك: ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ سواء من قوم فرعون أو من قوم موسى، فإنه لم يؤمن من قوم فرعون إلا مؤمن آل فرعون واسمه حزقيل، وابنته آسية امرأة فرعون، ومريم بنت ذا موسى العجوز التي دلت على قبر يوسف الصديق ﵇. وأما قوم موسى فبعد أن نجوا، عبدوا العجل، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾!! [البقرة ٥٥/ ٢].

стр. 5742

القصة الثانية قصة إبراهيم ﵇ - ١ - التنديد بعبادة الأصنام وبيان صفات الرّب المستحق للعبادة ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ الإعراب: ﴿إِذْ قالَ﴾ بدل من قوله ﴿نَبَأَ إِبْراهِيمَ﴾. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ فيه مضاف محذوف، أي هل يسمعون دعاءكم إذ تدعون. ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ ﴿عَدُوٌّ﴾: اسم مفرد يؤدي معنى الجمع. و ﴿رَبَّ الْعالَمِينَ﴾: منصوب على الاستثناء المنقطع؛ لأنه سبحانه ليس من أعداء إبراهيم. ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ﴿الَّذِي﴾ مبتدأ، و ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ خبره، والفاء للسببية.

стр. 5743

﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ عطف على ﴿الَّذِي﴾ المتقدم، وخبره محذوف. وتقديره: والذي هو يطعمني ويسقيني، فهو يهدين. وكذلك كل ما جاء بعدها من ﴿الَّذِي﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي..﴾. خبره: «فهو يهدين» مقدرا. البلاغة: ﴿يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ بينهما طباق، وكذلك بين ﴿يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾. ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أسند المرض لنفسه مراعاة للأدب تأدبا مع الله؛ لأن الشر لا ينسب إليه تعالى أدبا، وإن كان المرض والشفاء كلاهما من الله، فلم يقل: أمرضني. المفردات اللغوية: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ على مشركي العرب ومنهم كفار مكة وأمثالهم. ﴿نَبَأَ﴾ خبر مهم. ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾؟ سألهم ليريهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة. ﴿نَعْبُدُ أَصْناماً﴾ صرحوا بالفعل. ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أي: ندوم مقيمين على عبادتها، وزادوا هذا الجواب على قولهم: ﴿نَعْبُدُ﴾ تبجحا وافتخارا به، وإظهارا لما في نفوسهم من الابتهاج. ﴿إِذْ تَدْعُونَ﴾ حين تدعون. ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ حين تعبدونهم. ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ أي يضرونكم إن لم تعبدوهم. ومجيئه مضارعا مع ﴿إِذْ﴾ على حكاية الحال الماضية استحضارا لها. ﴿كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ مثل فعلنا، لم يجدوا جوابا إلا التمسك بالتقليد. ﴿وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ التقدم لا يدل على الصحة، ولا ينقلب به الباطل حقا. ﴿عَدُوٌّ لِي﴾ لا أعبدهم، والمراد أنهم أعداء لعابديهم؛ لأنهم يتضررون من جهتهم، لكنه صوّر الأمر في نفسه تعريضا لهم، فإنه أنفع في النصح من التصريح، وإشعارا بأنها نصيحة بدأ بها نفسه، ليكون أدعى إلى القبول. وإفراد لفظ العدو لأنه في الأصل مصدر أو بمعنى النسب أي عدوي، أجراه على النسب. ﴿إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ لكن ربّ العالمين فإني أعبده، استثناء منقطع. ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ إلى الدين؛ لأنه يهدي كل مخلوق لما خلق له من أمور المعاش والمعاد، هداية مطردة من مبدأ إيجاده إلى منتهى أجله، يتمكن بها من جلب المنافع ودفع المضارّ، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى ٣/ ٨٧] وتبدأ الهداية في الإنسان من وقت هداية الجنين إلى امتصاص دم الطمث من الرحم، وتنتهي إلى طريق الجنة والتنعم بلذائذها. ﴿أَطْمَعُ﴾ أرجو. ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ الجزاء. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى في أول السورة شدة حزن محمد ﷺ بسبب كفر

стр. 5744

قومه، ذكر قصة موسى ﵇ ليعرف محمد أن مثل تلك المحنة حصلت لموسى فيكون ذلك تسلية له، ثم ذكر عقبها قصة إبراهيم ﵇ ليعرف محمد أيضا أن حزن إبراهيم كان أشد من حزنه؛ لأنه يرى أباه وقومه في النار، وهو لا يتمكن من إنقاذهم، وكل ذلك إشارة إلى أن معارضة الرسل من أقوامهم أمر قديم ومستمر، فلا داعي للغم والحزن. التفسير والبيان: هذا هو الفصل الأول من قصة إبراهيم إمام الحنفاء ﵇ مع قومه، موضوعه الإنكار على قومه عبادة الأصنام مع الله ، وتبيان صفات الربّ الذي يجب أن يعبد، فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ، إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ أي واتل يا محمد على أمتك خبر إبراهيم ﵇، ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل على الله، وعبادته وحده لا شريك له، والتبري من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من صغره إلى كبره، ولما شبّ أنكر على قومه عبادة الأصنام، وقال لأبيه وقومه: ما الذي تعبدونه؟ ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ ليلفت نظرهم إلى أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة في شرع ولا عقل. فأجابوه مقرين بعبادة الأصنام، ومظهرين لما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار بها: ﴿قالُوا: نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ أي قال قوم إبراهيم: نعبد هذه الأصنام، وندوم مقيمين على عبادتها في الليل والنهار. فناقشهم في جدوى تلك العبادة متعجبا من فعلهم: ﴿قالَ: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾؟ أي قال إبراهيم: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، وهل يجلبون لكم نفعا أو يدفعون

стр. 5745

عنكم ضررا؟ إذ ما الفائدة من عبادة لا هدف لها؟ فهل تفكرون قليلا، وتتأملون كثيرا فيما تفعلون؟ وكيف تستجيزون أن تعبدوا ما هذا وصفه؟ ﴿قالُوا: بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ لم يجدوا جوابا مقنعا يرد حجة إبراهيم إلا التمسك بالتقليد الأعمى للآباء والأجداد، وليس لهم حجة مقبولة لتسويغ عبادتها وتقديسها. وهذا من أقوى الأدلة على فساد التقليد في العقائد ووجوب الاعتماد على الاستدلال العقلي المقنع؛ لأن الله أورد ذلك ذما لطريقة الكفار وإنكارا لمنهجهم. فتقوّى إبراهيم في تقريعهم وتوبيخهم وتحديهم، فسألهم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ أخبروني عن حال ما تعبدونه، أنتم وآباؤكم وأجدادكم الغابرون من قديم الزمان إلى الآن، هل حققت هذه العبادة شيئا، وهل استحقت تلك الأصنام الجمادات التي لا تسمع ولا تنطق عبادة العابدين؟ فإن كان لهذه الأصنام تأثير، فلتجلب إليّ الإساءة والأذى، فإني عدو لها لا أعبدها، ولا أبالي بها، ولا أفكر فيها. وهذا استهزاء منه بعبدة الأصنام، وتحد صارخ لصحة ما يعبدون. لكن ربّ العالمين الذي خلقني ورزقني، وهو وليي في الدنيا والآخرة هو الذي أعبده وأنحني إجلالا لعظمته وعزته، فعبادتي للأصنام عبادة للعدو، لذا اجتنبتها، وآثرت عبادة من بيده الخير كله. وهذا نصيحة لنفسه، فيكون ذلك أدعى لهم إلى القبول، وأبعث على الاستماع منه. وهذا نظير قول نوح ﵇: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ، ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً، ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس ٧١/ ١٠] وقول هود ﵇: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً، ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ، ما مِنْ دَابَّةٍ

стр. 5746

إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود ٥٤/ ١١ - ٥٦]. ثم أكد إبراهيم أنه لا يعبد إلا المتصف بهذه الأوصاف الخمسة وهي: ١ - ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ أي هو الخالق المبدع الموجد الذي خلقني وغيري من المخلوقات، وهو الذي يهديني دائما لما فيه الخير في الدنيا والآخرة، كما قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى ٢/ ٨٧ - ٣] أي الخالق الذي قدر قدرا، وسوى المخلوق في أحسن تقويم، وهدى الخلائق إليه، فكلّ يجري على ما قدر له، فبالخلق والهداية يحصل جميع المنافع لكل منتفع. ٢ - ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ أي هو خالقي ورازقي بما يسّر من الأسباب السماوية والأرضية، فأنزل الماء، وأحيى به الأرض، وأخرج به من الثمرات المختلفة رزقا للعباد، وأوجد الأنعام وغيرها، فوفر للإنسان الطعام والشراب وغيرهما من كل ما يتصل بالرزق. ٣ - ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أي وإذا طرأ علي مرض، فهو تعالى الذي ينعم علي بالشفاء منه. ويلاحظ أنه نسب المرض إلى نفسه ولم يقل: أمرضني، تأدبا مع الله، وإن كان المرض والشفاء من الله جميعا؛ وكلاهما يحدث بقدر الله وقضائه، كما قال تعالى آمرا المصلي أن يقول: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦/ ١] ثم قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.﴾. [الفاتحة ٧/ ١] أسند الإنعام والهداية إلى الله تعالى، وحذف فاعل الغضب أدبا وأسند الضلال إلى البشر، وكما قال فتى موسى: ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ﴾ [الكهف ٦٣/ ١٨]، وكما قالت الجن: ﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن ١٠/ ٧٢]. وهنا أضاف إبراهيم المرض إليه، أي إذا وقعت في مرض، فإنه لا يقدر على شفائي أحد غير الله بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه.

стр. 5747

٤ - ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ أي وهو الذي يحيي ويميت، لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد، والمراد منه الإماتة في الدنيا، والإعادة والبعث في الآخرة، بدليل عطفه ب ﴿ثُمَّ﴾. ٥ - ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي وهو الذي أرجو أن يستر ذنبي يوم القيامة، فإنه لا يقدر على غفران الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو، كما قال: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾؟ [آل عمران ١٣٥/ ٣]. وإنما قال ﴿أَطْمَعُ﴾ مع أنه ﷺ كان قاطعا بذلك؛ لأنه لا يجب على الله لأحد شيء، فاستعمال الرجاء والظن للدلالة على أن الثواب ورفع العذاب فضل من الله ونعمة. وأسند إلى نفسه الخطيئة، مع أن الأنبياء منزهون عن الخطايا قطعا، مريدا بذلك تسمية ما صدر عنه من عمل هو خلاف الأولى خطيئة، استعظاما له. وعلّق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، وإنما تغفر في الدنيا؛ لأن أثرها يظهر يوم الدين. وقال: ﴿لِي﴾ في قوله: ﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ لبيان أن غفرانه لي ولأجلي، لا لأجل أمر عائد إليه البتة. والخلاصة: أن هذا من إبراهيم ﵇ إظهار للعبودية، وإن كان يعلم أنه مغفور له. جاء في صحيح مسلم عن عائشة: «قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يوما: ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين». ويوم الدين: هو يوم الجزاء حيث يجازي العباد بأعمالهم.

стр. 5748

فقه الحياة أو الأحكام: إن إيراد قصة إبراهيم ﵇ هنا كان لتنبيه المشركين على فرط جهلهم إذا رغبوا عن اعتقاد إبراهيم ودينه، وهو أبوهم، وليسرّى (١) عن النبي ﷺ مما وقع فيه من همّ وغم وحزن لإعراض قومه عن الإيمان برسالته. وتتضمن القصة نقاشا حادا بين سيدنا إبراهيم الخليل ﵇ وبين أبيه وقومه في فائدة عبادة الأصنام، حرصا على عدم إضاعة جهودهم سدى، فإن العبادة تكون عادة لفائدة، ويدرك كل عاقل أن هذه الأصنام الجمادات لا تأتي بخير أو رزق، ولا تملك لأحد خيرا، كما لا تدفع عنه ضرا إن عصيت، فإذا لم ينفعوكم أيها الوثنيون ولم يضروا، فما معنى عبادتكم لها؟ ولما وجدوا هذه الحجة مقنعة وقاطعة في الإفهام وإثبات المراد، لجؤوا إلى التمسك بالتقليد للآباء والأجداد من غير حجة ولا دليل. وفي هذا دلالة كافية على ذم التقليد وفساده في شأن العقائد، وأنه لا بد في تكوينه وإثباته من الاعتماد على الدليل المقنع المنطقي. فأكد إبراهيم الخليل قوله السابق، وأفهم هؤلاء القوم الجهلة بأن عبادة هذه الأصنام ضرر محض لعابديها، وأنه لا تنبغي العبادة إلا لله ربّ العالمين من الإنس والجن والملائكة، فمن عبده انتفع ودفع الضرر عن نفسه في الدنيا والآخرة، ومن أنعم وجب أن يطاع ولا يعصى. ثم إن صفات هذا المعبود بحق تستوجب عبادته والتقرب إليه، فهو الخالق الهادي المرشد إلى الدين الحق، وهو الذي يرزق الطعام والشراب وغيرهما من المنافع، لا غيره، وهو الشافي المعافي، وهو المميت والمحيي، أي الموجد من العدم،

стр. 5749

ثم المفني، ثم الباعث البعث، وهو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، الفعال لما يشاء. - ٢ - دعاء إبراهيم ﵇ دعاء المخلصين الأوّابين ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ (٨٣) وَاِجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاِجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ (٨٦) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ البلاغة: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ استعارة، استعار اللسان للذكر الجميل والثناء الحسن. المفردات اللغوية: ﴿حُكْماً﴾ فهما وعلما بالخير وعملا به ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ الكاملين في الصلاح وهم الأنبياء، والمراد: وفقني للأعمال التي تجعلني في زمرة الصالحين البعيدين عن صغائر الذنوب وكبائرها. ﴿لِسانَ صِدْقٍ﴾ ثناء حسنا وصيتا طيبا في الدنيا يبقى أثره إلى يوم الدين، بتوفيقي للعمل الصالح، حتى يقتدي بي الناس. ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة. ﴿مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ في الآخرة، أي ممن يعطاها ويتمتعون بها، كما يتمتع الناس بميراث الدنيا. ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ بأن توفقه للهداية والإيمان وتتوب عليه، فتغفر له؛ لأن المغفرة مشروطة بالإسلام، فهذا دعاء لأبيه بالإسلام. ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ طريق الحق أي المشركين. وهذا قبل أن يتبين له أنه عدو لله. ﴿وَلا تُخْزِنِي﴾ لا تهنّي، من الخزي: وهو الهوان، أو من الخزاية وهي الحياء. ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أي الناس، فالضمير للعباد؛ لأنهم معلومون أو للضالين. ﴿إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أي مخلصا سليم القلب من الكفر والنفاق وميل للمعاصي، وهو قلب المؤمنين.

стр. 5750

المناسبة: بعد أن أثنى إبراهيم ﵇ على ربه وعظم شأنه، وعدّد نعمته من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته، مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، أتبع ذلك بالدعاء بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوّابين، وهذا على ما هو مطلوب من تقديم الثناء على الدعاء. التفسير والبيان: سأل إبراهيم الخليل ربّه أمورا في هذه الدعوات تجعله من الأخيار المصطفين، للتعليم والاقتداء به، وتلك الأمور هي: ١ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾ أي امنحني يا رب علما وفهما ومعرفة تنير بها قلبي للتعرف على صفاتك، وإدراك الحق والصواب لأعمل به. ٢ - ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أي وفقني لطاعتك، لأنتظم في زمرة الكاملين في الصلاح المنزهين عن الذنوب كلها صغيرها وكبيرها، واجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي ﷺ عند الاحتضار: «اللهم في الرفيق الأعلى» قالها ثلاثا. وقال ﷺ في دعائه: «اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مبدّلين». وقد أجاب الله دعاء إبراهيم كما قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت ٢٧/ ٢٩]. ٣ - ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي واجعل لي ذكرا جميلا بعدي، أذكر به في الدنيا، بتوفيقي للعمل الصالح، فيقتدى بي في الخير. فأجاب الله دعاءه كما قال: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ، كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات ١٠٨/ ٣٧ - ١١٠].

стр. 5751

قال مجاهد وقتادة: اللسان الصدق: يعني الثناء الحسن. وقد اتفقت الملل على محبة إبراهيم ﵇ وجعله قدوة في الدين. وبعد أن طلب سعادة الدنيا، طلب ثواب الآخرة، فقال: ٤ - ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ أي واجعلني من أهل الجنة الذين يتمتعون بخيراتها ونعيمها، كما يتمتع الوارث بإرث غيره في الدنيا. وبعد أن طلب لنفسه السعادة الدنيوية والأخروية طلبها لأبيه ولي نعمته وسبب وجوده، فقال: ٥ - ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ كما قال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ﴾ [إبراهيم ٤١/ ١٤] أي اغفر له ذنوبه ووفقه للتوبة والإسلام، فإنه ضالّ عن طريق الهدى والحق، أي إنه مشرك. وهذا وفاء بما وعده من قبل، وقبل أن يتبين أنه عدو لله، كما قال تعالى: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ، تَبَرَّأَ مِنْهُ، إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة ١١٤/ ٩]. ثم طلب الستر التام في الآخرة فقال: ٦ - ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أي لا تفضحني بعتاب على ما فرطت، أو بنقص منزلة عن وارث، وأجرني من الخزي والهوان يوم القيامة ويوم يبعث الخلائق أولهم وآخرهم. وهذا مبالغة منه ﷺ في تحري الكمال والسلامة والنجاة، في يوم شديد الأهوال، وصفه فقال: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أي ذلك اليوم الذي لا يقي المرء من عذاب الله ماله، ولو افتدى بملء الأرض ذهبا، ولا أولاده ولو افتدى بمن على الأرض جميعا، وإنما ينفع يومئذ الإيمان بالله تعالى،

стр. 5752

وإخلاص الدين له، والتبري من الشرك وأهله. فالمراد بالقلب السليم: هو الخالي من العقائد الفاسدة والأخلاق المرذولة والميل إلى المعاصي، وعلى رأسها الكفر والشرك والنفاق، وقال سعيد بن المسيب ﵀: القلب السليم: هو القلب الصحيح وهو قلب المؤمن؛ لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة ١٠/ ٢]. فقه الحياة أو الأحكام: جمع إبراهيم الخليل ﵇ في دعائه هذا خيري الدنيا والآخرة، فطلب أن يؤتيه الله علما وفهما ومعرفة بالله وبحدوده وأحكامه. ثم طلب أن يخلد ذكره الجميل في الدنيا، ويمنح الثناء الحسن بالتوفيق لصالح العمل، وقال ابن عباس: هو اجتماع الأمم عليه، ثم سأل الله أن يكون من أهل الجنة الذين يتمتعون بنعيمها. روى أشهب عن مالك قال: قال الله ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾: لا بأس أن يحبّ الرجل أن يثنى عليه صالحا، ويرى في عمل الصالحين إذا قصد به وجه الله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه ٣٩/ ٢٠] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ [مريم ٩٦/ ١٩] أي حبا في قلوب عباده، وثناء حسنا. فنبه تعالى بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء ٨٤/ ٢٦] على استحباب اكتساب ما يورث الذكر الجميل، فهو الحياة الثانية. وفي هذا دليل على الترغيب في العمل الصالح الذي يكسب الثناء الحسن، قال النبي ﷺ -فيما يرويه مسلم والبخاري في الأدب وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن أبي هريرة-: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

стр. 5753

ثم سأل الله تعالى أن يوفق أباه، ويهديه للإسلام والإيمان، ويخرجه من الشرك، لأن أباه وعده في الظاهر أن يؤمن به، فاستغفر له لهذا، فلما بأن أنه لا يفي بما قال، تبرأ منه. وختم إبراهيم دعاءه بالستر التام والسلامة والنجاة فقال: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أي لا تفضحني على رؤوس الأشهاد، أو لا تعذبني يوم القيامة. ثبت في البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن إبراهيم يرى أباه يوم القيامة، عليه الغبرة والقترة» والغبرة هي القترة. وفي البخاري أيضا عن النبي ﷺ قال: «يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يا ربّ، إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين». ووصف إبراهيم يوم القيامة بأنه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون أحدا، ولكن ينفع القلب السليم وهو الخالص من الشك والشرك. أما الذنوب فلا يسلم منها أحد، وهذا رأي أكثر المفسرين. وخص القلب بالذكر؛ لأنه الذي إذا سلم سلمت الجوارح، وإذا فسد فسدت الجوارح. ومن المعلوم أن ذكر الله تعالى على الدوام من أهم حالات وأسباب ترويض القلوب على السلامة والخلوص من الأوصاف الذميمة، والاتصاف بالأوصاف الجميلة، جاء في الأثر أو الحديث القدسي عن الله تعالى فيما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري: «من شغله القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين». وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه عن ثوبان قال: لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية، قال بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، لو علمنا أيّ المال خير اتخذناه، فقال رسول الله ﷺ : «أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة صالحة تعين المؤمن على إيمانه».

стр. 5754

والخلاصة: أن هذه الأدعية من أبي الأنبياء وإمام الحنفاء تستهدف التوجيه والتعليم والاتباع والالتزام، فما علينا إلا تردادها والعمل بها. - ٣ - أوصاف يوم القيامة وثواب الله وعقابه وندم المشركين على ضلالهم ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ الإعراب: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ إما تأكيد للجنود إن جعل مبتدأ، وخبره ما بعده، وإما تأكيد للضمير ﴿هُمْ﴾ وما عطف عليه. ﴿تَاللهِ إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه. ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً، فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: فتح أن لوقوعها بعد لو وإنما فتحت بعد لو لأنها لا يقع بعدها إلا الفعل، وهو فعل لا يجوز إظهاره، وتقديره: لو وقع أن لنا كرة. ونكون: منصوب على جواب التمني بالفاء بتقدير «أن» لأن «لو» في معنى التمني.

стр. 5755

البلاغة: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ و ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ بينهما مقابلة. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿لِلْغاوِينَ﴾ ﴿مُبِينٍ﴾ ﴿الْعالَمِينَ﴾ ﴿شافِعِينَ﴾ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ سجع ومراعاة للفواصل أواخر الآيات. ﴿تَعْبُدُونَ﴾ ﴿يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿الْغاوُونَ﴾ ﴿أَجْمَعُونَ﴾ ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ سجع ومراعاة فواصل أيضا. المفردات اللغوية: ﴿وَأُزْلِفَتِ﴾ قرّبت ليدخلوها بحيث يرونها من الموقف. ﴿وَبُرِّزَتِ﴾ أظهرت وجعلت بارزة لهم بحيث يرون أهوالها. ﴿لِلْغاوِينَ﴾ الكافرين الضالين عن طريق الحق. ﴿أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، مِنْ دُونِ اللهِ﴾ قيل لهم على سبيل التوبيخ: أين آلهتكم الذين تزعمون أنهم شفعاؤكم من غير الله من الأصنام. ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بدفع العذاب عنكم. ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بدفعه عن أنفسهم؛ لأنهم وآلهتهم يدخلون النار، كما قال: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ﴾ ألقوا فيها على وجوههم، الآلهة وعبدتها. ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ أتباعه ومطيعوه من عصاة الثقلين: الجن والإنس. ﴿مُبِينٍ﴾ بيّن. ﴿قالُوا﴾ أي الغاوون. ﴿وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ يتخاصمون مع معبوديهم، على أساس أن الله ينطق الأصنام، فتخاصم العبدة، ويؤيده الخطاب في قوله: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي نجعلكم مساوين له في استحقاق العبادة. قال البيضاوي: ويجوز أن تكون الضمائر للعبدة، كما في ﴿قالُوا﴾ والخطاب للمبالغة في التحسر والندامة، والمعنى: أنهم مع تخاصمهم في مبدأ ضلالهم معترفون بانهماكهم في الضلالة، متحسرون عليها. ﴿وَما أَضَلَّنا﴾ عن الهدى. ﴿إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ الشياطين أو آباؤنا الذين اقتدينا بهم. ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء. ﴿صَدِيقٍ﴾ صادق في وده. ﴿حَمِيمٍ﴾ يهمه أمرنا. وجمع الشافع ووحد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق، أو لإطلاق الصديق على الجمع كالعدو؛ لأنه في الأصل مصدر كالحنين والصهيل. ﴿كَرَّةً﴾ رجعة إلى الدنيا وقوله: ﴿فَلَوْ﴾ للتمني، أقيم مقام «ليت» لتلاقيهما في معنى التقدير، ونكون: جواب التمني. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ فيما ذكر من قصة إبراهيم ﴿لَآيَةً﴾ لحجة وعظة لمن أراد أن يستبصر بها ويعتبر. ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ أكثر قومه ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ به. ﴿الْعَزِيزُ﴾ القادر على تعجيل الانتقام. ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالإمهال لكي يؤمنوا، هم أو أحد من ذريتهم.

стр. 5756

المناسبة: بعد أن دعا إبراهيم ﵇ بدعوات المخلصين الأوابين، وختمها بألا يخزيه الله يوم البعث، وصف يوم القيامة، وما فيه من ثواب وعقاب، وندم المشركين وحسرتهم على ما كانوا فيه من الضلال، وتمني الكرّة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا. التفسير والبيان: وصف إبراهيم ﵇ يوم القيامة بثلاثة أوصاف هي: ١ - ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ. وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أي إن ذلك اليوم هو اليوم الذي قرّبت وأدنيت فيه الجنة للمتقين السعداء، ينظرون إليها، ويدخلون فيها، تعجيلا للبشارة والمسرّة بما عملوا في الدنيا من صالحات الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق ٣١/ ٥٠]. وهو اليوم الذي أظهرت فيه النار وجعلت بارزة مكشوفة للضالين عن الحق الكافرين الأشقياء، بحيث يرونها، ويعلمون أنهم مواقعوها، تعجيلا للغم والحسرة على شقاوتهم في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَقِيلَ: الْيَوْمَ نَنْساكُمْ، كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا، وَمَأْواكُمُ النّارُ، وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [الجاثية ٣٤/ ٤٥] وقال سبحانه: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك ٢٧/ ٦٧]. ثم يسأل أهل النار تقريعا وتوبيخا، فيقال لهم: ٢ - ﴿وَقِيلَ لَهُمْ: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، مِنْ دُونِ اللهِ، هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾؟ أي أين آلهتكم التي عبدتموها من دون الله من تلك الأصنام والأنداد، هل ينفعونكم بنصرتهم لكم ويمنعونكم من العذاب، وهل ينفعون أنفسهم

стр. 5757

بانتصارهم ودفع العذاب عنهم؟ لا يحصل كلا الأمرين، فإنهم وآلهتهم وقود النار، وحصب جهنم، هم لها واردون، كما قال: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ، وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ أي فدهوروا فيها، أي الآلهة غير المؤمنة وعبدتهم، والقادة وأتباعهم يلقون فيها إلقاء مكررا، بعضهم على بعض، كما يلقى معهم متّبعو إبليس من عصاة الإنس والجن أجمعين، أولهم وآخرهم. وتقديم إلقاء الآلهة ليشاهد الغاوون سوء حالهم، وييأسوا من النجاة. ٣ - ﴿قالُوا-وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ -: تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي قال أهل الغواية، وهم في حال الغيظ الشديد من المخاصمة والمحاجة بينهم وبين الآلهة المعبودة والشياطين الداعية لتلك العبادة: والله لقد كنا في ضلال عن الحق واضح بيّن حين نجعلكم أيها الأصنام والأحجار والملائكة وبعض البشر متساوين في استحقاق العبادة وإطاعة الأمر مع رب العالمين من الإنس والجن: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ﴾ [ص ٦٤/ ٣٨]. وهذا خطاب في الحقيقة بدليل قولهم: ﴿وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي والحق أنه ما دعانا إلى ذلك الخطأ العظيم إلا المجرمون من الشياطين والقادة والرؤساء، كما قال تعالى: ﴿وَقالُوا: رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا، فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب ٦٧/ ٣٣]. وقد أفلسنا اليوم من وعودهم الكاذبة والآمال المعقودة كما قال: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ أي فليس لنا اليوم شفيع يشفع، ولا صديق ودود قريب يهمه أمرنا، من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء؛ لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى، وكان لهم أصدقاء من شياطين الإنس يعدونهم بالنجاة والإنقاذ، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ

стр. 5758

فَيَشْفَعُوا لَنا، أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف ٥٣/ ٧] وقال سبحانه: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧/ ٤٣]. ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ليت لنا رجعة إلى الدنيا، فنؤمن بالله ربنا وحده لا شريك له، ونؤمن برسله الكرام، ونعمل صالحا غير الذي كنا نعمل، ولكن ذلك كذب ومراوغة، كما أخبر تعالى عنهم بخلاف ذلك، ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨/ ٦] وقال سبحانه أيضا: ﴿وَلَوْ رَحِمْناهُمْ، وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ، لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون ٧٥/ ٢٣]. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي في ذلك المذكور من قصة إبراهيم، ومحاجته لقومه، وإقامة الحجج عليهم في التوحيد، وتغلبه عليهم، وفي مخاصمة أهل النار، لعظة وعبرة، ودلالة واضحة جلية على أن: لا إله إلا الله، وألا معبود سواه، ولا رب غيره، وما كان أكثر قوم إبراهيم بمؤمنين بالله وبرسوله. وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ عما يلقاه من تكذيب قومه وإعراضهم عن دعوته، مع إقامة الأدلة، وظهور المعجزات. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي وإن ربك الذي أحسن إليهم بإرسالك لهم لهدايتهم، لقادر على الانتقام منهم، ورحيم بهم إذ لم يعجل إهلاكهم، ورحيم بالمؤمنين الطائعين. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات الكريمة تصوير تام شامل لليوم الآخر، ووصف موجز ليوم القيامة بما فيه من ثواب المتقين وعقاب العصاة الكافرين، وندم المشركين على ضلالهم في الدنيا.

стр. 5759

وهو تصوير محبّب، ووصف جذاب يأخذ بمجامع القلوب، فالجنة تقرّب وتدنى للمتقين فتتعلق بها نفوسهم ويأخذهم الفرح والحبور، وتعمهم الغبطة، وجهنم تبرز وتكشف للكافرين الذين ضلوا عن الهدى، وتظهر لأهلها قبل أن يدخلوها حتى يستشعروا الروع والحزن، فيبدو منها عنق، فإذا زفرت زفرة بلغت القلوب منها الحناجر، كما يستشعر أهل الجنة الفرح، لعلمهم أنهم يدخلون الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا. ويقال لأهل جهنم تقريعا وتوبيخا: أين آلهتكم من الأصنام والأنداد التي كنتم تعبدونها من دون الله، هل ينصرونكم وينجونكم من عذاب الله، وهل ينتصرون لأنفسهم؟! إنهم يقلبون على رؤوسهم، ويدهورون في النار، ويلقى بعضهم على بعض، الآلهة المعبودة وعابدوها وجنود إبليس أجمعون، وهم من كان من ذريته، وكل من دعاه إلى عبادة الأصنام ونحوها فاتّبعه. حينئذ لا يجد هؤلاء الكفرة مناصا من الإقرار بكفرهم، ويقول الإنس والشياطين والغاوون والمعبودون المتخاصمون في جهنم: والله إننا كنا في ضلال مبين، أي في خسار وتبار وحيرة عن الحق بينة، إذ اتخذنا مع الله آلهة، فعبدناها كما يعبد الإله الحق، ونجعلها مساوية في العبادة لرب العالمين، وهذه الآلهة لا يستطيعون الآن نصرنا ولا نصر أنفسهم، ولقد أضلنا الشياطين الذين زينوا لنا عبادة الأصنام، أو أسلافنا الذين قلدناهم، قال أبو العالية وعكرمة: ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: إبليس وابن آدم القاتل: هما أوّل من سنّ الكفر والقتل وأنواع المعاصي. فليس لنا شفعاء يشفعون لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين، ولا صديق مشفق علينا. قال الزمخشري ﵀: وجمع الشافع لكثرة الشافعين، ووحّد

стр. 5760

الصديق لقلته، أي أن الشفعاء يكثرون عادة عند المحنة، وإن لم يكن هناك سبق معرفة، وأما الصديق المخلص في وداده فقليل نادر. ويتمنون الأماني حين لا ينفعهم التمني، ويقولون: ولو حدث لنا رجوع إلى الدنيا، لآمنا حتى يكون لنا شفعاء. يقولون ذلك حين تشفع الملائكة والمؤمنون. قال جابر بن عبد الله، قال النبي ﷺ : «إن الرجل ليقول في الجنة: ما فعل فلان وصديقه في الجحيم؟ فلا يزال يشفع له حتى يشفّعه الله فيه، فإذا نجا قال المشركون: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾». وقال الحسن البصري: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفّعون. وختمت الآيات ببيان العبرة والعظة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي إن في المذكور من قصة إبراهيم واختصام أهل النار وحسرتهم على ضلالهم لعبرة وعظة مؤثرة، ولم يكن أكثر قوم إبراهيم، بل ولا أكثر الناس بمؤمنين بالله ورسله، ولكن الله هو المنتقم الجبار الذي ينتقم من المعاندين الكفرة، الرحيم بالناس إذ لم يعجل لهم الانتقام، وإنما أمهلهم لعلهم يعودون إلى دائرة الحق والإيمان والتوبة. القصة الثالثة قصة نوح ﵇ مع قومه ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾

стр. 5761

البلاغة: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ في قوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾: مجاز مرسل، من قبيل إطلاق الكل وإرادة البعض، فإنه أراد بالمرسلين نوحا، وذكره بصيغة الجمع تعظيما له، وتنبيها على أن من كذب رسولا، فقد كذب جميع المرسلين. ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ استعارة تبعية، استعار المفتاح للحاكم، والفتح للحكم؛ لأنه يفتح المنغلق من الأمر، والمعنى: احكم بيننا وبينهم بحكمك العادل. المفردات اللغوية: ﴿قَوْمُ﴾ اسم لا واحد له من لفظه، كرهط ونفر، يذكر ويؤنث، وتذكيره باعتبار لفظه، وتأنيثه باعتبار معناه ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ المراد به نوح ﵇، عبر عنه بصيغة الجمع تعظيما له، ولأن من كذب رسولا فقد كذب جميع المرسلين، لاشتراكهم برسالة التوحيد، أو لأنه لطول لبثه فيهم كأنه رسل. ﴿أَخُوهُمْ﴾ أي أخوة نسب أو جنس لا أخوة دين؛ لأنه كان منهم. ﴿أَلا تَتَّقُونَ﴾ الله، فتتركوا عبادة غيره. ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ مشهور بالأمانة فيكم، وأمين على تبليغ ما أرسلت به. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به من توحيد الله وإطاعته. ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على تبليغه. ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ما ثوابي إلا على الله. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ كرره للتأكيد. ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ﴾ أنصدق لقولك. ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾ وفي قراءة: وأتباعك. ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ السفلة، الأقلون جاها ومالا، كأهل الحرف والمهن الوضيعة من الحاكة والأساكفة ونحوهم، جمع أرذل، والرذالة: الخسة والدناءة. وهذا من سخافة عقولهم وقصور نظرهم على المادة وحطام الدنيا، وإشارة إلى أن اتّباعهم ليس عن نظر وبصيرة، وإنما هو لتوقع مال ورفعة، لذلك قال: ﴿وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي لا علم لي بأنهم عملوه إخلاصا، أو طمعا في شيء، وما على إلا اعتبار الظاهر.

стр. 5762

﴿إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أي ما حسابهم على بواطنهم إلا على الله، فإنه المطلع عليها، لو تعلمون ذلك، ولكنكم تجهلون، فتقولون ما لا تعلمون. ﴿إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي ما أنا إلا بيّن الإنذار، وهذا كالعلة لما سبق، فما أنا إلا رجل مبعوث لإنذار المكلفين عن الكفر والمعاصي، سواء كانوا أعزاء أو أذلاء، فكيف يليق بي طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟! ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ﴾ عما تقول لنا. ﴿مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ المقتولين أو المضروبين بالحجارة، أو من المشتومين. ﴿قالَ: رَبِّ، إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ قال نوح ذلك، إظهارا لسبب الدعاء عليهم وهو تكذيب الحق. ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي فاحكم بيني وبينهم حكما. ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي نجني من شؤم عملهم. ﴿الْفُلْكِ﴾ يطلق على الواحد والجمع. ﴿الْمَشْحُونِ﴾ المملوء بالناس والحيوان. ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ﴾ أي بعد إنجائهم. ﴿الْباقِينَ﴾ من قومه. ﴿لَآيَةً﴾ عبرة شاعت وتواترت. المناسبة: لما قص الله تعالى على نبيه محمد ﷺ قصة موسى وإبراهيم، أتبعه بذكر قصة أبي البشر الثاني نوح ﵇، ثم خبر هود، وصالح، ولوط وشعيب فيما يأتي بعد، والهدف من كل ذلك واحد، وهو تسلية رسوله فيما يلقاه من قومه، وبيان لسنة الله في عقاب المكذبين، فإن أقوام هؤلاء جميعا كذبوا رسلهم، فعوقبوا، وقومك يا محمد كمن سبقهم، فلا تجزع ولا تحزن ولا تغتم. وقد تقدم تفصيل نبأ نوح في سورتي الأعراف وهود. التفسير والبيان: هذا قصص نوح ﵇ مع قومه، فهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد أن عبدت الأصنام والأنداد، فنهاهم عن ذلك وحذرهم من وبيل عقاب ربهم، ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين، فكذبه قومه، واستمروا على ما هم عليه من الوثنية، ونزّل الله تكذيبهم له منزلة تكذيب جميع المرسلين، فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ: أَلا تَتَّقُونَ؟﴾ أي كذب قوم نوح رسل الله أي نوحا نفسه فيما جاءهم به من الهداية لتوحيد الله

стр. 5763

وإنهاء عبادة الأصنام، حين قال لهم نوح أخوهم: ألا تخافون الله في عبادتكم غيره؟ ألا تحذرون عقابه على كفركم به؟ وجعل تكذيب نوح تكذيبا للرسل جميعا؛ لأن من كذب رسولا، فقد كذب جميع الرسل. وإنما قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ لأن القوم مؤنث، وتصغيرها قويمة. وقال: ﴿أَخُوهُمْ﴾ لأنه كان منهم، كما تقول العرب: يا أخا بني تميم، أي يا واحدا منهم. وبعد أن خوفهم نوح من سوء فعلهم، وصف نفسه بأمرين: الأول- ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ أي إني رسول من الله إليكم، أمين فيما بعثني الله به، أبلغكم رسالات ربي، دون زيادة ولا نقص. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أي خافوا عذاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به من توحيد الله وعبادته وطاعته. وإنما قدم الأمر بتقوى الله تعالى على الأمر بطاعته؛ لأن تقوى الله علة لطاعته، وهي أساس الطاعة ومبعثها، فلولا الخوف من الله تعالى ما أطاعه الناس. الثاني- ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ، إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي لا أطلب منكم جزاء على نصحي لكم، بل أدخر ثواب ذلك عند الله تعالى. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أي فقد وضح لكم صدقي ونصحي وأمانتي فيما بعثني الله به، وائتمنني عليه. وكرر ذلك للتأكيد عليهم، وتقريره في نفوسهم؛ لأن التقوى والطاعة أساس الدين، لكن جعل علة الأول كونه أمينا فيما بينهم، وعلة الثاني حسم طمعه عنهم. ولما لم يجدوا سبيلا للتخلص من حجته وعدم إمكان الطعن بها، أوردوا شبهة واهية فقالوا: ﴿قالُوا: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ؟﴾ أي إنهم قالوا: لا نؤمن

стр. 5764

لك ولا نتبعك، ونتأسى في ذلك بهؤلاء الأراذل السفلة في المجتمع، فإنهم أراذلنا، وضعاف الناس، وفقراء القوم، ونحن السادة أهل الجاه والثروة والنفوذ!! وهذه شبهة في نهاية السقوط والضعف، فإن نوحا ﵇ بعث هاديا لجميع الناس، لا فرق بين غني وفقير، ووجيه ووضيع، وحسيب ومغمور، وسيد ومسود، ولا يبحث الرسول عادة عن هويات المؤمنين ومنازلهم، لذا قال: ﴿قالَ: وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي قال نوح: لا علم لي بأعمال هؤلاء وحرفهم ومهنهم، ولا أنقب عنهم أو أبحث أو أفحص أمورهم الداخلية، وإنما ليس لي إلا الظاهر، فأقبل منهم تصديقهم إياي، وأترك سرائرهم إلى الله ، وحسابهم على ربهم، لا علي، كما قال: ﴿إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أي إن كان لهم عمل شيء، فما حسابهم علي، وإنما على ربي، فالله محاسبهم ومجازيهم عليه، وما أنا إلا منذر، لا محاسب ولا مجاز، لو تشعرون ذلك بأن كنتم ذوي شعور مرهف وحس صادق وعقل واع، ولكنكم تجهلون، فتنساقون مع الجهل حيث سيّركم ووجهكم. والقصد من ذلك تبديد شبهتهم، وإنكار تسمية المؤمن رذلا، وإن كان أفقر الناس وأوضعهم نسبا، فإن الغنى غنى الدين، والنسب نسب التقوى. ثم ردّ على ما فهم من مطلبهم بإبعاد هؤلاء وطردهم من مجلسه، فقال: ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي ليس من شأني ولا من مبدئي ورسالتي طرد هؤلاء الذين آمنوا بربهم واتبعوني وصدقوني، إنما بعثت نذيرا، فمن أطاعني واتبعني وصدقني، كان مني وأنا منه، سواء كان شريفا أو وضيعا، جليلا أو حقيرا، وإني أخوّف من كذبني ولم يقبل مني، فمن قبل فهو القريب، ومن رد فهو البعيد. فلما أفحمهم بجوابه، لم يجدوا بدا من اللجوء إلى التهديد:

стр. 5765

﴿قالُوا: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ أي قال قوم نوح له: لئن لم تنته عن دعوتك إيانا إلى دينك، لنرجمنك بالحجارة. وهذا تخويف منهم بالقتل بالحجارة، فعندئذ دعا عليهم بعد اليأس من إيمانهم دعوة استجاب الله منه، بعد أن أذن له، فقال: ﴿قالَ: رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ، فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً، وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي قال نوح: يا رب، إن قومي كذبوني في دعوتي إياهم إلى الإيمان بك، فاحكم بيني وبينهم حكما عدلا تنصر به أهل الحق، وتهلك أهل الباطل والضلال، ونجني من العذاب مع من آمن برسالتي وصدق بدعوتي، كما جاء في آية أخرى: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر ١٠/ ٥٤]. ويلاحظ أنه ليس الغرض من هذا إخبار الله تعالى بالتكذيب، لعلمه أن الله عالم الغيب والشهادة أعلم، ولكنه أراد أني لا أدعوك عليهم لإيذائي، وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك، ولأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك. والمراد من هذا الحكم في قوله: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ إنزال العقوبة عليهم؛ لأنه قال عقبه: ﴿وَنَجِّنِي﴾. فأجاب الله دعاءه فقال: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ﴾ أي أنجينا نوحا ومن آمن بدعوته، فوحد الله وأطاعه، وهجر عبادة الأصنام، وأنقذناهم بسفينة مملوءة بالناس والأمتعة وأجناس الحيوان. ثم أغرقنا بعد إنجائهم قومه الآخرين الذين بقوا على كفرهم، وخالفوا أمره. روي أن الناجين كانوا ثمانين، أربعين رجلا وأربعين امرأة. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي إن في إنجاء المؤمنين

стр. 5766

وإغراق الكافرين لعبرة وعظة لكل من صدق أو كذب بالرسل، وإن من سنتنا دائما إنجاء الرسل وأتباعهم، وإهلاك الذين كذبوا برسالتهم. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي وإن ربك الله لهو القوي الغالب المنتقم ممن كفر به وخالف أمره، الرحيم بمن أطاعه وأناب إليه وتاب، فلا يعاقبه. فقه الحياة أو الأحكام: الوثنية وعبادة الأصنام تقارن عادة وجود الشعوب البدائية، فهي في الغالب عقيدتهم، لذا كان نوح ﵇ أول رسول للناس بعد ظهور هذه العقيدة. والبدائية والمادية وسخف العقل وسطحية التفكير أمور متلازمة، لذا كان الإصرار على عبادة شيء من دون الله هو الظاهرة الشائعة، وكانت مهمة الأنبياء المتقدمين عسيرة وصعبة. فهذا نوح ﵇ مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين يدعوهم إلى توحيد الله والتخلي عن عبادة الأصنام، فكذبوه وآذوه، بالرغم من أنه أكد لهم أنه رسول أمين صادق فيما بلغهم عن الله تعالى، وقد عرفوا أمانته وصدقه من قبل، كمحمد ﷺ في قريش، وبالرغم من تخويفهم من عقاب الله قائلا لهم مرة: ألا تتقون الله في عبادة الأصنام؟ ومرة: فاتقوا الله وأطيعوني أي استتروا بطاعة الله تعالى من عقابه، وأطيعوني فيما آمركم به من الإيمان، ولا طمع لي في مالكم، وما جزائي إلا على رب العالمين. ولكن تذرعوا بشبهة واهية للبقاء على عنادهم وكفرهم، ودفعهم الغرور والاستكبار إلى الترفع عن الإيمان بسبب تصديق فئة ضعيفة برسالة نوح، ليسوا من الوجهاء ولا من الأثرياء، وإنما من طبقة المهنيين والحرفيين. وهذا قول الكفرة، فإن تعلم الصناعات مما رغب به الدين، وليست الحرفة عيبا، وإنما هي

стр. 5767

شرف وعزة، يستغني بها الإنسان عن الآخرين، فلا يفهمن أحد خطأ أن الدين ينتقص من قدر هؤلاء، وإنما الذي انتقصهم هم الأغنياء المترفون. ويؤكد ذلك جواب نوح ﵇ لهم وهو: ﴿قالَ: وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي إنني لم أكلف العلم بأعمالهم، إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان، لا بالحرف والصنائع، وليس للحرفة أو الصنعة تأثير في ميزان الدين، وكذلك النظر في الدعوة إلى الله إلى الظاهر، لا إلى الباطن. ثم أجابهم بجواب آخر: ﴿إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم، لما عبتموهم بصنائعهم. وجواب ثالث: ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم كما تتصورون، وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء، كما طلبته قريش. ﴿إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ﴾ أي إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغنى دون الفقراء، إنما أنا رسول للناس جميعا، أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله، وإن كان فقيرا. ولما تغلب نوح ﵇ على قومه بالحجة العقلية والمنطق الصريح، لجؤوا إلى التهديد شأن كل العتاة، فقالوا: ﴿قالُوا: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ أي لئن لم تنته عن سب آلهتنا وعيب ديننا لنقتلنك بالحجارة، أو لنسبنك ونشتمنك. قال الثّماليّ: كل «مرجومين» في القرآن فهو القتل إلا في مريم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [٤٦/ ١٩]. وبعد أن يئس من إيمانهم، دعا عليهم بالعذاب، طالبا حكم الله العدل فيهم، فأنجاه ومن معه من المؤمنين في السفينة المملوءة بالناس والدواب وغير ذلك، ثم أغرقهم الله أجمعين. إن في ذلك لآية وأي آية، وعبرة وعظة، وكان أكثرهم كافرين، والله هو القادر المنتقم من كل مكذّب بالله ورسله، رحيم بمن آمن وأطاع.

стр. 5768

وهاتان الآيتان الواردتان للعبرة والعظة هما اللتان ختمت بهما قصة إبراهيم ﵇؛ لأنهما بيت القصيد من القصة. القصة الرابعة قصة هود ﵇ مع قومه ﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاِتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾ الإعراب: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ الجملة حال من ضمير: ﴿تَبْنُونَ﴾. المفردات اللغوية: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ﴾ أنثه باعتبار القبيلة، وهو في الأصل اسم أبي القبيلة الأكبر، ويعبر عن القبيلة عادة باسم الأب، أو ببني فلان. ﴿رِيعٍ﴾ مكان مرتفع ﴿آيَةً﴾ علامة أو علما بارزا

стр. 5769

للمارة ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تفعلون ما لا فائدة فيه أصلا، كاللعب ﴿مَصانِعَ﴾ مجامع الماء ومآخذه، وقيل: قصورا مشيدة وحصونا ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أي كأنكم تخلدون فيها لا تموتون، ولعل هنا: للتشبيه ﴿وَإِذا بَطَشْتُمْ﴾ بضرب أو قتل، والبطش: الأخذ بالعنف ﴿جَبّارِينَ﴾ متسلطين عاتين بلا رأفة ولا شفقة، ولا قصد تأديب ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ بترك هذه الأشياء ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه؛ فإنه أنفع لكم. ﴿أَمَدَّكُمْ﴾ أنعم عليكم أو سخر لكم ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ﴾ كرره للتأكيد والتنبيه على دوام الإمداد، والوعيد على تركه بالانقطاع ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في الدنيا والآخرة، فإنه كما قدر على الإنعام، قدر على الانتقام ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ مستو عندنا ﴿أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ أصلا، أي لا نرعوي لوعظك عما نحن عليه. والوعظ: كلام لطيف يلين القلب بذكر الوعد والوعيد. ﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي ما هذا الذي خوفتنا به إلا خلق المتقدمين وكذب الأولين وعادتهم وطبيعتهم ونحن بهم مقتدون، فلا حساب ولا بعث، والمراد: عادتهم في اعتقاد ألا بعث ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ على ما نحن عليه ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ بالعذاب ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ﴾ بسبب التكذيب في الدنيا بريح صرصر. المناسبة: هذه قصة أخرى للعظة والعبرة، هي قصة هود ﵇ الذي دعا قومه إلى توحيد الله وطاعته، وحذرهم من عقابه، وهم في الزمان بعد قوم نوح، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ، وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف ٦٩/ ٧] وكانوا يسكنون الأحقاف: وهي جبال الرمل قرب حضرموت في بلاد اليمن. وكانوا أولي طول مديد وبأس وشدة، ورخاء ونعيم، بسبب كثرة الأرزاق والأموال والأنهار والزروع والثمار، لكنهم مع ذلك كانوا يعبدون غير الله تعالى، وكذبوا نبيهم هودا ﵇، فأهلكهم. التفسير والبيان: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ: أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ، إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾

стр. 5770

أي كذبت قبيلة عاد رسالة الرسل المرسلين من عند الله، حين قال لهم هود ﵇: ألا تتقون الله، وتخافون عذابه، إني لكم رسول أمين على رسالتي التي هي من عند الله، فاتقوا الله فيما أمر ونهى، وأطيعوني فيما آمركم وأنهاكم عنه، يصلح حالكم، وتسعدون في دنياكم وأخراكم، ولا أطلب منكم على تبليغ رسالتي أجرا ولا مالا، ولا أبتغي بذلك سلطانا ولا جاها، إن أجري وجزائي إلا على ربي لو علمتم ذلك، ولكنهم كذبوه وآذوه. وهذه المقالة بعينها جاءت على لسان نوح وهود وصالح ولوط وشعيب للتنبيه على وحدة رسالة الأنبياء الداعية إلى توحيد الله وطاعته، وترك عبادة ما سواه. ثم تكلم معهم هود ﵇ على ثلاثة أمور: ١ - ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ أي أتعمرون في كل مكان مرتفع بنيانا محكما هائلا باهرا، يكون علامة على القوة والعزة والغنى تفاخرا، وإنما تفعلون ذلك عبثا لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة، لا للحاجة إليه، لذا أنكر عليهم؛ لأنه تضييع للزمان، وإتعاب الأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة. ٢ - ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أي وتتخذون قصورا مشيدة وحصونا، لكي تقيموا فيها أبدا، كأنكم مخلدون في الدنيا، أو ترجون الخلد في الدنيا، مع أنكم زائلون عنها، كما زال من كان قبلكم. وقيل: المصانع: مآخذ الماء. روى ابن أبي حاتم ﵀ أن أبا الدرداء ﵁، لما رأى ما أحدث المسلمون في غوطة دمشق من البنيان ونصب الشجر، قام في مسجدهم، فنادى: يا أهل دمشق، فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا تستحيون،

стр. 5771

ألا تستحيون؟ تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، إنه قد كانت قبلكم قرون يجمعون فيوعون، ويبنون فيوثّقون، ويأملون فيطيلون، فأصبح أملهم غرورا، وأصبح جمعهم بورا، وأصبحت مساكنهم قبورا، ألا إن عادا ملكت ما بين عدن وعمّان خيلا وركابا، فمن يشتري مني ميراث عاد بدرهمين؟! ٣ - ﴿وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ أي إنكم مع ذلك السرف والحرص، تعاملون غيركم معاملة الجبارين؛ لأنكم قوم قساة غلاظ عتاة متجبرون. والخلاصة: أن اتخاذ الأبنية العالية يدل على حب العلو، واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء، والجبارية تدل على حب التفرد بالعلو، فهم أحبوا العلو وبقاء العلو والتفرد بالعلو، وهذه صفات الإله، وهي ممتنعة الوصف للعبد، فدل ذلك على حب الدنيا، والخروج عن حد العبودية، والحوم حول ادعاء الربوبية. وفي هذا تنبيه على أن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وعنوان كل كفر ومعصية، لذا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أي فاحذروا عقاب الله، واعبدوا ربكم، وأطيعوا رسولكم، فذلك أدوم لكم وأنفع، إذ لا خلود لأحد في هذه الدنيا. ثم ذكّرهم نعم الله عليهم تفصيلا، فقال: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ، وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ أي اتقوا عقاب الله الذي أمدكم بنعم وفيرة، ورزقكم أنواع الحيوانات المأكولة والأولاد الكثيرة، والبساتين الغنّاء والأنهار العذبة الفياضة، فاجعلوا مقابل هذه النعم عبادة الله الذي أنعم بها.

стр. 5772

﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي إني أخشى عليكم إن كذبتم وخالفتم وأصررتم على الكفر عذاب يوم شديد الأهوال. وقد دل هذا على أنه دعاهم إلى الإيمان بالله بالحسنى وبالترغيب والترهيب، والتخويف والبيان، بما هو النهاية في ذلك، فكان جوابهم: ﴿قالُوا: سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ أي يستوي عندنا وعظك لنا وتحذيرك إيانا، وعدم وعظك أصلا، فإنا لا نرجع عما نحن عليه، كقوله تعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ، وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ٥٣/ ١١]. وقال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة ٦/ ٢]. وذريعتهم في عدم إيمانهم هي: ﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ، وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي ما جئت به اختلاق الأولين وافتراؤهم وكذبهم، كما قالوا: ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أو ما هذا الدين الذي نحن عليه إلا دين الأولين من الآباء والأجداد، ونحن تابعون لهم، سالكون سبيلهم، نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا معاد، ولا ثواب ولا عقاب ولا حساب، ولا جنة ولا نار، وما نحن بمعذّبين أبدا؛ لأنه ليس الأمر كما تقول. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ﴾ أي فكانت النتيجة أنهم كذبوا هودا ﵇ فيما أتى به، واستمروا على تكذيبه ومخالفته وعناده، فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية، أي ريح شديدة الهبوب ذات برد شديد جدا، فكان سبب إهلاكهم من جنس عملهم، فإنهم كانوا أعتى شيء وأجبره، فسلط الله عليهم ما هو أعتى منهم وأشد قوة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ [الفجر ٦/ ٨٩ - ٧] وهم عاد الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى﴾ [النجم ٥٠/ ٥٣] وهم من نسل إرم بن سام بن نوح، وذات العماد: الذين كانوا

стр. 5773

يسكنون العمد، وليست إرم بلدا. وقال تعالى: ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَقالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً؟ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً، وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت ١٥/ ٤١]. وقد حصبت الريح كل شيء لهم كما قال تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف ٢٥/ ٤٦]. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي إن في إهلاك عاد بسبب تكذيبها رسولها لعبرة لكل الأقوام فيما أتيتهم به من رسالة الله، وما كان أكثر هؤلاء المهلكين بمؤمنين في سابق علمنا، وإن ربك لهو المنتقم من أعدائه، الرحيم بالمؤمنين من عباده إن تابوا وأصلحوا. فقه الحياة أو الأحكام: تبين من هذه القصة ما يلي: ١ - لقد كان موقف هود ﵇ من قومه موقف الحكيم الحليم المتلطف بهم، فبالرغم من أنهم وصفوه بالسفاهة والجنون، ترفّع عن اتهامهم، واكتفى بالقول: ﴿قالَ: يا قَوْمِ، لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ، وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف ٦٧/ ٧]. ٢ - إن أسلوب الداعية يجب أن يكون لطيفا دون تنفير، فقد سلك هود ﵇ هذا الأسلوب، فذكّر قومه بالنعم التي أنعم الله بها عليهم، وحثهم على شكرها، والإيمان بالله المنعم كفاء ما أنعم، فهو الذي يجب أن يعبد ويشكر ولا يكفر. ٣ - إن التجبر أو العتو أو الطغيان لا يأتي بخير، وكل من ظن أن جبروته يحقق له كل ما يريد فهو غرّ جاهل، فهؤلاء قبيلة عاد الأولى توافرت لهم القوة البدنية الفائقة، والطول المديد، والنعمة السابغة، من الأموال والبساتين

стр. 5774

والأنهار، والحصون المشيدة والمباني الضخمة والزروع والثمار، ولكنهم لما طغوا وبغوا، وعاملوا الناس معاملة الجبابرة، وأصروا على كفرهم وعنادهم، عاقبهم الله بما هو أشد من جبروتهم، وأرسل عليهم ريحا باردة عاتية، فدمرت كل شيء لهم؛ إذ أين قوة البشر من قوة الله وقدرته؟! ٤ - إذا استولى الكفر والعناد والكبرياء على قلب الإنسان، لم يبق أمل في نفوذ هداية الله إليه، ولم يعد يحسّ فيه بتقوى الله، ولا يقدّر وجوب طاعته: ﴿قالُوا: سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾. ٥ - يعتمد عبدة الأوثان في اعتقادهم وعبادتهم على ما توارثوه عن الأسلاف، ويسيطر الفكر المادي على أذهانهم، فينظرون إلى الحياة نظرة المتمتع المترفه فيها، ثم يرتحل عنها: حياة ثم موت، ولا بعث. ٦ - يرى المتأمل كيف أهلك الله من كذّب رسوله، فليحذر الناس في كل زمان ومكان من عصيان الرسل وتكذيبهم، ولكن مع الأسف لا يتعظ أكثر الناس بهذا، ويبقون في كفرهم وعدم إيمانهم، ويهملون النظر إلى قدرة الله القادر على الانتقام من كل أحد. القصة الخامسة قصة صالح ﵇ مع قومه ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٥٤) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾

стр. 5775

الإعراب: ﴿فارِهِينَ﴾ حال من واو ﴿تَنْحِتُونَ﴾. ﴿هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ ﴿شِرْبٌ﴾ مرفوع بالظرف، على مذهب سيبويه والأخفش؛ لأنه قد جرى وصفا على النكرة، والظرف إذا وقع وصفا ارتفع به ما بعده، كالفعل. البلاغة: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ استعار الطاعة التي هي انقياد الآمر لامتثال الأمر. ﴿يُفْسِدُونَ﴾ ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ بينهما طباق. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿تَتَّقُونَ﴾ ﴿أَمِينٌ﴾ ﴿أَطِيعُونِ﴾ ﴿الْعالَمِينَ﴾ ﴿عُيُونٍ..﴾. توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات، وكذلك ﴿هَضِيمٌ﴾ ﴿مَعْلُومٍ﴾ ﴿عَظِيمٍ﴾ ﴿الرَّحِيمُ﴾. ﴿إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مبالغة؛ لأن المسحّر مبالغة عن المسحور. المفردات اللغوية: ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ما أجري ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ إما إنكار لأن يتركوا مخلدين في نعيمهم، وإما تذكير بالنعمة في تخلية الله إياهم ﴿فِي ما هاهُنا﴾ من الخيرات والنعيم ﴿طَلْعُها﴾ أول ما يطلع من ثمر النخل، وما يأتي بعده يسمى خلالا، ثم بلحا، ثم بسرا، ثم رطبا، ثم تمرا ﴿هَضِيمٌ﴾ نضيج لطيف

стр. 5776

لين ﴿وَتَنْحِتُونَ﴾ النحت: النّجر والبري والتسوية ﴿فارِهِينَ﴾ بطرين، من الفره: وهو شدة الفرح، أو حاذقين بنحتها من الفراهة: وهي النشاط، فإن الحاذق يعمل بنشاط وطيب قلب، وقرئ: فرهين، أي بطرين وهو أبلغ ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أمرتكم به ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾ العاصين ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ بطاعة الله، وأتى به لبيان أن فسادهم فساد خالص ليس معه شيء من الصلاح. ﴿الْمُسَحَّرِينَ﴾ المغلوب على عقولهم بكثرة السحر ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دعواك الرسالة ﴿شِرْبٌ﴾ نصيب من الماء ﴿عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عظم اليوم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب ﴿فَعَقَرُوها﴾ رموها بسهم ثم قتلوها، وأسند العقر إلى كلهم؛ لأن عاقرها إنما عقر برضاهم، ولذلك عذبوا جميعا ﴿نادِمِينَ﴾ على عقرها خوفا من حلول العذاب، لا توبة من ذنوبهم، أو عند حلول العذاب، ولذلك لم ينفعهم ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ الموعود به، فهلكوا. ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال البيضاوي: في نفي الإيمان عن أكثرهم في هذا المعرض إيماء بأنه لو آمن أكثرهم أو شطرهم، لما أخذوا بالعذاب، وإن قريشا إنما عصموا من مثله ببركة من آمن منهم. المناسبة: لما قص الله على رسوله قصة هود ﵇ وعاد، أتبعه بقصة صالح ﵇ وثمود، وقد كانوا عربا مثل عاد، يسكنون مدينة الحجر التي بين وادي القرى والشام أي على طريق المدينة، ومساكنهم معروفة مشهورة، كانت قريش في رحلة الصيف يمرون عليها، وهم ذاهبون إلى الشام، ومرّ رسول الله ﷺ بهم حين أراد غزو الشام، فوصل إلى تبوك ليتأهب لذلك. وكانوا بعد عاد وقبل الخليل ﵇. دعاهم نبيهم صالح إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يطيعوه فيما بلّغهم من الرسالة، فأبوا عليه وكذّبوه وخالفوه، فأخذهم عذاب الزلزلة، فزلزلت بهم الأرض، ولم تبق منهم أحدا، كما قال تعالى: ﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة ٥/ ٦٩].

стр. 5777

التفسير والبيان: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ. وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ قد عرفنا أن هذه المقالة مشابهة لما سبقها من مقالة نوح وهود ﵉. والمعنى: أن قبيلة ثمود كذبت برسالة نبيهم صالح ﵇ حين قال لهم: ألا تتقون عقاب الله، فتؤمنوا به وتوحدوه وتعبدوه، وتطيعوني فيما بلغتكم من الرسالة، فإني رسول من عند الله تعالى، أمين على رسالته التي أرسلها معي إليكم، ولا أطلب على نصحي وتبليغي عوضا ولا جزاء، فما جزائي إلا على الله الذي أرسلني، وهو يتولاني في الدنيا والآخرة. ثم وعظهم، وحذرهم نقم الله أن تحل بهم، وذكّرهم بأنعم الله عليهم فيما رزقهم من الطيبات، وفجّر لهم العيون والأنهار، وأنبت لهم الزروع والثمرات، وجعلهم في أمن من المحذورات، فقال مخاطبا لهم بأمور ثلاثة: ١ - ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ، فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾؟ أي أتظنون أنكم في الدنيا مخلّدون في النعيم، وأنكم تتركون في دياركم آمنين، متمتعين في الجنات والعيون، والنخيل ذات الرطب الهضيم اللين اللطيف، والزروع والثمار، وتطمعون في ذلك، وتظنون ألا دار للجزاء على الأعمال؟ لا يعقل أن تبقوا على الشرك والكفر، وأنتم ترفلون في هذه النعم، وتتمتعون بهذه الخيرات. وقوله: ﴿فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أي في الذي استقر في هذا المكان من النعيم، ثم فصّله وفسره بقوله: ﴿فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ..﴾. إلخ، فهو تفصيل بعد إجمال.

стр. 5778

٢ - ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أي وتتخذون بيوتا في الجبال حاذقين في نحتها وبنائها، بطرين فرحين أشرين بها، متنافسين في عمارتها، من غير حاجة إلى السكنى فيها. فاتقوا الله حق التقوى، وأقبلوا على ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم. ويلاحظ أن الغالب على قوم هود الذين تقدم وصفهم هو اللذات المعنوية وهي طلب الاستعلاء والبقاء والتفرد والتجبر، والغالب على قوم صالح هو اللذات الحسية المادية، وهي طلب المأكول والمشروب والمساكن الطيبة الحصينة. ٣ - ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ، الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ أي ولا تطيعوا أمر الذين أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي وارتكاب الخطايا والترف والمجون، وهم كبراؤهم ورؤساؤهم الدعاة لهم إلى الشرك والكفر ومخالفة الحق، وهم الرهط التسعة في أرض ثمود المشار إليهم في آية أخرى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ، يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل ٤٩/ ٢٧]. وإنما قال ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ بعد قوله ﴿يُفْسِدُونَ﴾ لبيان أن فسادهم خالص، ليس معه شيء من الصلاح، على عكس حال بعض المفسدين المخلوطة أعمالهم ببعض الصلاح. فأجابوا نبيهم صالحا ﵇ حين دعاهم إلى عبادة ربهم بقولهم: ﴿قالُوا: إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ أي قال قومه: ثمود، الذي يغلب على الظن أنك أصبحت من المغلوب على عقولهم بكثرة السحر، وصرت من المسحورين، أي إنك في قولك هذا مسحور لا عقل لك، فلا يسمع لرأيك ولا لنصحك. ﴿ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا، فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي إنك بشر مثلنا، فكيف أوحي إليك دوننا، وتكون نبيا لنا؟ كما قالوا في آية أخرى:

стр. 5779

﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا؟ بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ، سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر ٢٥/ ٥٤ - ٢٦]. وهذا بمنزلة ما كانوا يذكرون في الأنبياء أنهم لو كانوا صادقين، لكانوا من جنس الملائكة. ثم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم، وهو أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة ناقة عشراء (حامل لعشرة أشهر) صفتها كذا وكذا، فما كان منه إلا أن أخذ عليهم نبي الله صالح العهود والمواثيق: لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به وليتبعنه، فأعطوه ذلك، فقام نبي الله صالح ﵇، فصلى، ثم دعا الله أن يجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عشراء، على الصفة التي وصفوها، فآمن بعضهم، وكفر أكثرهم. (١) ﴿قالَ: هذِهِ ناقَةٌ، لَها شِرْبٌ، وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أي إن النبي صالح ﵇ قال مجيبا طلبهم إرسال آية تكون دليلا على صدقه: الدليل هو ناقة الله هذه، فهي الآية والمعجزة الدالة على صدقي، ترد ماءكم يوما، ويوما تردونه أنتم. ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي وإياكم أن تصيبوها بأذى من ضرب أو قتل أو غير ذلك، فيصيبكم عذاب شديد. وقد عظم اليوم لحلول العذاب فيه، ووصف اليوم بالعظم أبلغ من وصف العذاب؛ لأن الوقت إذا عظم بسبب العذاب، كان موقعه من العظم أشد. ﴿فَعَقَرُوها، فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ، فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ أي ذبحوا الناقة، ثم ندموا على فعلهم عند معاينة العذاب، أي حين علموا أن العذاب نازل بهم، فنالهم

стр. 5780

عذاب الله وهو أن أرضهم زلزلت زلزالا شديدا، وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت القلوب من محالها، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون، وأصبحوا في ديارهم جاثمين. والذي حدث أن الناقة مكثت لديهم حينا من الزمان، ترد الماء، وتأكل الورق والمرعى، وينتفعون بلبنها، يحلبون منها ما يكفيهم شربا وريا، فلما طال عليهم الأمد، وحضر أشقاهم، تمالؤوا على قتلها وعقرها. روي أن مسطعا ألجأها إلى مضيق في شعب، فرماها بسهم، فأصاب رجلها، فسقطت، ثم ضربها قدار. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي إن في ذلك المذكور من قصة صالح ﵇، وتكذيب قومه ثمود لرسالته، واعتدائهم على معجزة الناقة لآية وعبرة وعظة، وأي آية أعظم من هذا؟ إنهم كذبوا رسولهم فلم يؤمنوا به، واغتروا بما لهم ومتعتهم الدنيوية، واعتدوا على الناقة، فنزل بهم العذاب، ولم يكن أكثرهم مؤمنين بالله ورسله، وإن ربك لهو المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه المؤمنين إن تابوا وأنابوا إليه. وهذه الخاتمة بذاتها هي خاتمة قصة نوح وهود؛ لأن القصد منها واحد، وهو العظة والاعتبار بحال المكذبين. يقال: إنه ما آمن به من تلك الأمم إلا ألفان وثمان مائة رجل وامرأة. فقه الحياة أو الأحكام: كانت قبيلة ثمود تسكن في الحجر (١) وهي ذوات نخل وزروع ومياه، ومبان جبلية شاهقة فخمة، وكانوا معمّرين لا يبقى البنيان مع أعمارهم، إلا أنهم اغتروا بمالهم وجاههم، فكذبوا رسولهم صالحا ﵇، فقرعهم ووبخهم، وقال: أتظنون أنكم باقون في الدنيا بلا موت؟.
следующие страницы →