٢ - ليس سقي ابنتي شعيب ﵇ الماشية بمحظور في الدين، ولا يأباه الدين والمروءة جريا على عادة العرب وأحوالهم.
٣ - لم يذق موسى ﵇ طعاما في طريقه إلى مدين سبعة أيام، حتى التصق بطنه بظهره، فلجأ إلى الدعاء تعريضا، ولم يصرح بالسؤال، وإنما طلب إنزال أي خير قليل أو كثير، فدل هذا الكلام على الحاجة إلى الطعام أو إلى غيره، إلا أن المفسرين حملوا هذا الكلام على الطعام. قال ابن عباس: وكان قد بلغ به الجوع، وأخضر لونه من أكل البقل في بطنه، وإنه لأكرم الخلق على الله.
وفي هذا إشعار بهوان الدنيا على الله.
٤ - إن سقي موسى ﵇ ماشية المرأتين اللتين عجلتا بالذهاب إلى أبيهما كان سببا في دعوته وتناوله الطعام عند شعيب ﵇، وإجابة لدعائه ومناجاته ربه.
وبالرغم من حاجته إلى الطعام قال موسى: لا آكل، إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا، فقال شعيب: ليس هذا عوض السقي، ولكن عادتي وعادة آبائي قرى الضيف، وإطعام الطعام، فحينئذ أكل موسى ﵇.
٥ - دل قوله: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ على أن سلطان الحكام كان محصورا في إقليم معين، فكانت مدين خارجة عن مملكة فرعون.
٦ - دل قوله تعالى: ﴿قالَتْ إِحْداهُما: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ على مشروعية الإجارة، وهي فعلا كانت مشروعة في كل ملة، لحاجة الناس إليها، وتحقيق مصالحهم بها.
٧ - قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ فيه دليل على جواز عرض الولي ابنته على الرجل لخطبتها، وهذه سنة شائعة قديمة، فقد عرض صالح
стр. 5987
مدين ابنته على صالح بني إسرائيل، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان، وعرضت الواهبة نفسها على النبي ﷺ ، أخرج البخاري والنسائي عن ابن عمر قال: «لما تأيمت حفصة من حذافة بن خنيس السهمي قال عمر لعثمان: إن شئت أنكحك حفصة بنت عمر» وكذلك قال لأبي بكر، لكنهما امتنعا لأن النبي ﷺ ذكرها بخير، فلم يفشيا سره، وفهما أنه يريد الزواج بها.
٨ - قوله: ﴿أُنْكِحَكَ﴾ دليل على أن النكاح إلى الولي، لا للمرأة؛ لأن صالح مدين تولاه، وهو رأي جمهور العلماء، وخالف في ذلك أبو حنيفة، كما تقدم في تفسير آيات النكاح.
٩ - والآية تدل أيضا على أن للأب أن يزوّج ابنته البكر البالغ من غير استئمار، وهو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: إذا بلغت الصغيرة فلا يزوجها أحد إلا برضاها؛ لأنها بلغت حد التكليف، فأما إذا كانت صغيرة، فإنه يزوجها بغير رضاها، لأنه لا إذن لها ولا رضا؛ بغير خلاف.
١٠ - استدل الشافعية بآية: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ على أن النكاح موقوف على لفظ التزويج والإنكاح فقط. وقال المالكية: ينعقد النكاح بكل لفظ. وقال أبو حنيفة: ينعقد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد، بلفظ الهبة وغيره إذا كان قد أشهد عليه؛ لأن الطلاق يقع بالصريح والكناية، فكذلك النكاح، والذي خص به النبي ﷺ كون الزواج بلا مهر، لا الزواج بلفظ الهبة.
١١ - قوله تعالى: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ عرض للزواج، لا عقد؛ لأنه لو كان عقدا لعين المعقود عليها له.
١٢ - قال مكّي: في هذه الآية خصائص في النكاح، منها أنه لم يعين الزوجة، ولا حدّ أول الأمد، وجعل المهر إجارة، ودخل ولم ينقد شيئا.
أما التعيين فالواقع أنه تم في اتفاق آخر، وإنما عرض الأمر مجملا، وعيّن بعد ذلك.
стр. 5988
وأما ذكر أول المدة فليس في الآية ما يقتضي إسقاطه، بل هو مسكوت عنه، فإما أنهما اتفقا عليه، وإلا فهو من أول وقت العقد.
وأما الزواج بمنفعة الإجارة فظاهر من الآية، وهو أمر أقره شرعنا، بدليل ما روى الأئمة من الزواج على شيء من القرآن، وفي بعض طرقه: «فعلّمها عشرين آية وهي امرأتك».
وللعلماء فيه ثلاثة أقوال: كرهه مالك، ومنعه ابن القاسم، والحنفية، وأجازه ابن حبيب والشافعية والحنابلة، بدليل هذه الآية.
وأما قول مكي: دخل ولم ينقد، ففيه خلاف، منعه ابن القاسم، فليس للزوج الدخول حتى ينقد ولو ربع دينار، وأجازه متأخر والمالكية؛ لأن تعجيل الصداق أو شيء منه مستحب.
١٣ - دلت الآية على اجتماع عقدين هما الإجارة والزواج، وقد أجازه ابن العربي المالكي على الصحيح؛ لأن الآية تدل عليه، وقد قال مالك: النكاح أشبه شيء بالبيوع، فأي فرق بين إجارة وبيع، أو بين بيع ونكاح (١). ومنعه ابن القاسم في المشهور، وقال: لا يجوز ويفسخ قبل الدخول وبعده؛ لاختلاف مقاصدهما، كسائر العقود المتباينة.
١٤ - يدل قوله تعالى: ﴿عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ على جواز ذكر الخدمة مطلقا، دون بيان نوع العمل، مع بيان الأجل فقط، وقد أجازه مالك وقال: إنه جائز ويحمل على العرف. فلم يكن لصالح مدين إلا رعي الغنم.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز حتى يسمى نوع العمل؛ لأنه مجهول.
١٥ - أجمع العلماء على جواز استئجار الراعي شهورا معلومة، بأجرة
стр. 5989
معلومة، لرعاية غنم معدودة. فإن كانت مطلقة غير مسماة ولا معينة جازت الإجارة عند المالكية عملا بالعرف. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تجوز لجهالتها.
١٦ - دلت آية ﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ على مذهب الأوزاعي فيما إذا قال: بعتك هذا بعشرة نقدا، أو بعشرين نسيئة، أنه يصح ويختار المشتري، فبأيهما أخذ يصح، وحمل
الحديث المروي في سنن أبي داود:
«من باع بيعتين فله أوكسهما أو الربا» على هذا المذهب.
١٧ - استدل الحنابلة بهذه الآية المتقدمة على صحة استئجار الأجير بطعامه وكسوته، ويؤيدهم
ما رواه ابن ماجه في السنن عن عتبة بن المنذر السّلمي قال:
كنا عند رسول الله ﷺ ، فقرأ طسم، حتى إذا بلغ قصة موسى قال: «إن موسى آجر نفسه ثماني سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه». (١).
١٨ - قال مالك: وليس على الراعي ضمان، وهو مصدّق فيما هلك أو سرق؛ لأنه أمين كالوكيل، ولا ضمان عليه فيما تلف عليه باجتهاده، إن كان من أهل الصلاح، وممن يعلم إشفاقه على المال، ولصاحب المال تضمينه إن كان من أهل الفسوق والفساد.
١٩ -
روى عيينة بن حصن أن رسول الله ﷺ قال: «أجر موسى نفسه بشبع بطنه وعفّة فرجه».
والإجارة بالعوض المجهول كشيء مما تلده الغنم لا تجوز، فإن ولادة الغنم غير معلومة؛
لأن النبي ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة نهى عن الغرر،
وروى البزار بسند ضعيف عن أبي هريرة أنه ﷺ نهى عن المضامين والملاقيح.
стр. 5990
والمضامين: ما في بطون الإناث، والملاقيح: ما في أصلاب الفحول. على أن راشد بن معمر أجاز الإجازة على الغنم بالثلث والربع. وقال ابن سيرين وعطاء: ينسج الثوب بنصيب منه، وبه قال أحمد.
٢٠ - الكفاءة في النكاح معتبرة، واختلف العلماء هل في الدّين والمال والحسب أو في بعض ذلك؟ والصحيح لدى المالكية جواز نكاح الموالي للعربيات والقرشيات، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣/ ٤٩].
وقد جاء موسى إلى صالح مدين غريبا طريدا خائفا وحيدا جائعا عريانا، فأنكحه ابنته لما تحقق من دينه، ورأى من حاله، وأعرض عما سوى ذلك.
٢١ - إذا اشترط ولي المرأة لنفسه شيئا، فقد اختلف العلماء فيما يخرجه الزوج من يده، ولا يدخل في يد المرأة على قولين: أحدهما-أنه جائز، والآخر- لا يجوز، فهو حلوان وزيادة على المهر، وهو حرام.
ويؤيد الرأي الأول ما جرى من شعيب حيث اشترط لنفسه إجارة الرعي ثماني سنين، وترك المهر مفوضا، ونكاح التفويض جائز، ويجب حينئذ مهر المثل.
٢٢ - يكتب في العقود الشروط المتفق عليها، ثم يقال: وتطوع بكذا، فينفذ الشرط على حدة، ويترك الطوع لتنفيذه مختارا على حدة. وهذا ما فعله شعيب حيث ذكر اشتراط الإجارة ثماني سنين، وترك التطوع لموسى، وهو سنتان أخريان إن شاء.
٢٣ - قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ فيه جعل الإشهاد عليهما في الزواج بالله تعالى، ولم يشهد شعيب وموسى عليهما أحدا من الخلق، وقد اختلف العلماء في وجوب الإشهاد في الزواج على قولين:
أحدهما-وهو قول الجمهور: أنه لا ينعقد الزواج إلا بشاهدين.
стр. 5991
والثاني-قال مالك: إنه ينعقد دون شهود؛ لأنه عقد معاوضة، فلا يشترط فيه الإشهاد، وإنما يشترط فيه الإعلان والتصريح، وفرق ما بين النكاح والسفاح: الدّفّ.
- ٥ -
عودة موسى ﵇ إلى مصر ونبوته
﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاُضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢)﴾
الإعراب:
﴿أَنْ يا مُوسى﴾ ﴿أَنْ﴾ مفسرة لا مخففة في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: بأن يا موسى.
﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ﴾ معطوف على قوله: ﴿أَنْ يا مُوسى﴾.
стр. 5992
﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ ﴿تَهْتَزُّ﴾ جملة فعلية، في موضع الحال من الهاء والألف في ﴿رَآها﴾ أي مهتزة مشبهة جانا. ﴿وَلّى﴾: أصله ﴿وَلّى﴾ فتحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبها ألفا، وهو جواب «لمّا». و ﴿مُدْبِراً﴾ حال من ضمير ﴿وَلّى﴾ وعامله ﴿وَلّى﴾. و ﴿لَمْ يُعَقِّبْ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿وَلّى﴾ وهو العامل فيها أيضا.
﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ﴾ مبتدأ وخبر، وذان: تثنية ذا، قرئ بتخفيف النون وتشديدها، والتشديد عوض عن حذف ألف ذا التي كانت في الواحد.
البلاغة:
﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ﴾ تشبيه مرسل مجمل، حذف فيه وجه الشبه، فصار مجملا.
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ﴾ كناية، كنى بالجناح عن اليد؛ لأنها للإنسان كالجناح للطائر.
المفردات اللغوية:
﴿قَضى﴾ ... ﴿الْأَجَلَ﴾ أتم المدة المحددة المتفق عليها بينهما، وهو رعيه عشر سنين ﴿وَسارَ بِأَهْلِهِ﴾ زوجته بإذن أبيها نحو مصر، روي أنه قضى أقصى الأجلين، ثم عزم على الرجوع ﴿آنَسَ﴾ أبصر من بعيد ﴿مِنْ جانِبِ الطُّورِ﴾ من الجهة التي تلي الطور: وهو اسم لجبل في سينا ﴿بِخَبَرٍ﴾ عن الطريق، وكان قد أخطأها ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾ جمرة ملتهبة أو عود غليظ في رأسه نار ﴿تَصْطَلُونَ﴾ تستدفئون.
﴿مِنْ شاطِئِ الْوادِ﴾ من جانب ﴿الْأَيْمَنِ﴾ لموسى ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ﴾ المكان الذي بارك الله فيه لموسى لسماعه كلام الله فيها ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بدل من شاطئ بدل الاشتمال؛ لأنها كانت نابتة على الشاطئ، وهي شجرة عناب أو عليق أو عوسج ﴿أَنْ يا مُوسى﴾ أي يا موسى ﴿تَهْتَزُّ﴾ تتحرك ﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ الجانّ: الحية الصغيرة التي توجد في الدور ولا تؤذي، أي تشبه الحية في الهيئة والجثة، أو السرعة، أو الجني في سرعة الحركة وعظم الخلقة ﴿وَلّى مُدْبِراً﴾ أدبر هاربا منهزما منها من الخوف ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ لم يرجع ﴿يا مُوسى﴾ أي نودي يا موسى ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ من المخاوف، فإنه لا يخاف لدي المرسلون.
﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ أي أدخلها في طوق قميصك وأخرجها ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي عيب كبرص ونحوه ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ﴾ يديك المبسوطتين تتقي بهما الحية كالخائف الفزع ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ الخوف الحاصل من إضاءة اليد، بأن تدخلها في جيبك (فتحة القميص من جهة الرأس) وعبر عن اليد بالجناح؛ لأنها للإنسان كالجناح للطائر.
стр. 5993
﴿فَذانِكَ﴾ أي العصا واليد ﴿بُرْهانانِ﴾ دليلان مرسلان، أو حجتان ﴿فاسِقِينَ﴾ خارجين عن حدود الله، فكانوا أحقاء بأن يرسل إليهم.
المناسبة:
بعد أن أتم موسى ﵇ أوفى الأجلين، عزم على العودة إلى مصر، لزيارة أقاربه، وبينا هو في الطريق، وكانت الليلة باردة شاتية، أبصر من ناحية جبل الطور نارا، فطلب من أهله المكث في مكانهم، ليحضر لهم جذوة نار، فناداه ربه، وآتاه النبوة والرسالة.
التفسير والبيان:
﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ ... ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي فلما أكمل الأجلين وأتمهما وهو رعي غنم شعيب عشر سنين، وهذا مستفاد أيضا من الآية الكريمة حيث قال تعالى ﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ أي الأكمل منهما، وأن ذلك الإيناس حصل عقيب مجموع الأمرين، وليس فقط عقيب أحدهما، وهو قضاء الأجل.
وسار إلى ما يريد مع أهله أي زوجته، أبصر نارا تضيء على بعد من ناحية جبل الطور، فطلب من أهله المكوث في مكانهم حتى يذهب إلى النار، فيأتي من أهلها بخبر الطريق أو بقطعة أو شعلة من النار ليستدفئوا بها من البرد، وذلك لأنه سار في ليلة مظلمة مطيرة باردة، وكان قد أخطأ الطريق، وكان موسى منفردا مع أهله.
وخاطب أهله بقوله: ﴿اُمْكُثُوا﴾ بصيغة الجمع للتعظيم. وقوله:
﴿بِخَبَرٍ﴾ فيه دلالة على أنه ضل الطريق، وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ فيه دلالة على البرد.
﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى: إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أي فلما وصل إلى مكان وجود النار التي
стр. 5994
رآها من بعيد، ناداه ربه من جانب الوادي الأيمن، أي عن يمين موسى من ناحية الغرب، كما قال تعالى: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص ٤٤/ ٢٨] مما يدل على أنه قصد النار إلى جهة القبلة، والجبل الغربي عن يمينه.
ناداه ربه في البقعة المباركة من ناحية الشجرة: يا موسى، إني أنا الله رب العالمين، إني أنا ربك فاخلع نعليك، إنك بالوادي المقدس طوى، أي الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين، الفعال لما يشاء، لا إله غيره، ولا رب سواه، تنزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله.
ووصف البقعة بكونها مباركة، لأنه حصل فيها ابتداء الرسالة، وتكليم الله تعالى إياه. ومن الأولى: ﴿مِنْ شاطِئِ﴾ والثانية: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ لابتداء الغاية، أي أتاه النداء من شاطئ الوادي من قبل الشجرة.
وقد خلق الله تعالى في موسى أثناء ذلك علما يقينيا بأن ذلك الكلام هو كلام الله، وسمع الكلام القديم من الله تعالى، لا من الشجرة، على رأي أبي الحسن الأشعري، وسمع الصوت والحرف المخلوق في الشجرة والمسموع منها، على رأي أبي منصور الماتريدي.
ثم أيده بمعجزتين هما:
أولا- ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ، فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ، وَلّى مُدْبِراً، وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي ونودي بأن ألق عصاك التي في يدك، فألقاها فصارت حية تسعى، فعرف وتحقق أن الذي يكلمه ويخاطبه هو الذي يقول للشيء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ فلما رآها تتحرك وتضطرب كأنها جان من الحيات أو ثعبان، لسرعة حركتها، أو شبهها بالجانّ من حيث الاهتزاز والحركة، لا من حيث المقدار، ولّى هاربا ولم يرجع ولم يلتفت إلى ما وراءه؛ لأن طبع البشر ينفر من ذلك.
стр. 5995
فهدّأ الحق تعالى روعه قائلا:
﴿يا مُوسى، أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ، إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ أي يا موسى ارجع إلى مكانك أو مقامك الأول، ولا تخف من الحية أو الثعبان، فأنت آمن من كل سوء.
ثانيا- ﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي أدخل يدك في جيب أو فتحة قميصك العليا من جهة الرأس، ثم أخرجها، تخرج تتلألأ، ولها شعاع، كأنها قطعة قمر، من غير عيب ولا برص فيها.
وإزالة لخوفه من الآيتين المعجزتين السابقتين قال تعالى له:
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ أي وضع يدك على صدرك، يذهب عنك ما تجده من الخوف، فكان إذا خاف من شيء ضم إليه يده، فإذا فعل ذلك ذهب ما طرأ عليه من الخوف. وقوله: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أي من أجل الرهب.
وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء، فوضع يده على فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجده أو يخيفه، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة سبحانه.
قال ابن عباس: كل خائف إذا وضع يده على صدره، زال خوفه.
﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ أي فتلك الآيتان المعجزتان وهما إلقاء العصا وجعلها حية تسعى، وإدخال يدك في جيبك، فتخرج بيضاء من غير سوء، هما دائما دليلان قاطعان واضحان على قدرة الله وصحة نبوتك، يؤيدانك في رسالتك إلى فرعون وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع، إنهم قوم خارجون عن طاعة الله، مخالفون لأمره ودينه، فكانوا جديرين بإرسالك إليهم مؤيدا بهاتين المعجزتين.
стр. 5996
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الآتي:
١ - يسير المهيّؤون للنبوة بتوجيه وإلهام من الله تعالى، فلما انتهي موسى من الوفاء بما عاهد عليه شعيب من رعي غنمه مهرا للزواج بابنته، اتجه عائدا مع زوجته إلى مصر، في ليلة ظلماء شاتية باردة، مشيا من دون راحلة في الإياب كما كان الحال في الذهاب من مصر إلى مدين، وكان قد أتم أكمل الأجلين، عملا بخلق النبوة، وأخذا بالأكمل، كما ثبت في الخبر عن نبينا ﵇.
وفي أثناء الطريق الذي أخطأه وفي شدة البرد التي ألمت به وبأهله رأى نارا من بعيد، فطلب من أهله المقام في المكان الذي وقفا فيه، وبادر إلى الإتيان بشعلة نار أو قطعة جمر للتدفئة، وللسؤال من أهل النار عن الطريق.
٢ - دل قوله: ﴿وَسارَ بِأَهْلِهِ﴾ على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء، لما له عليها من فضل القوامة وزيادة الدرجة، إلا أن يلتزم لها أمرا، فالمؤمنون عند شروطهم، وأحق الشروط أن يوفى به شروط الزواج.
٣ - كان ترائي النار استدعاء من رب الكون لمائدة تكليم رب العزة وإيتائه النبوة والرسالة، وهنيئا لموسى ﵇ بتلك الدعوة التي هي أكرم وأشرف دعوة على الإطلاق، إذ صار بضيافتها كليم الله، ورسول رب العالمين إلى عظيم الطغاة فرعون وحاشيته.
٤ - ناداه ربه بكلام لطيف في بقعة مباركة من شاطئ الوادي المقدس الأيمن: على يمين موسى، طوى من ناحية شجرة، على الجانب الغربي اتجاها، من جبل الطور، وكان مطلع النداء التعريف بالمنادي: إني أنا الله رب العالمين. وهذا نفي لربوبية غيره سبحانه.
стр. 5997
فصار بهذا الكلام من أصفياء الله ، لا من رسله؛ لأنه لا يصير رسولا إلا بعد أمره بالرسالة، وقد أمر بها بعد هذا الكلام وهو: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ أي من المرسلين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ وقوله ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ ٥ - أيده الله بمعجزتي العصا واليد، فخاف منهما لأول وهلة، ثم هدّأ الله روعه، وسكّن خوفه، وأعاده بعد الهرب إلى ساحة المناجاة مع ربه، وجعل له علاجا للخوف بضم يده إلى صدره، وكان موسى يرتعد خوفا إما من آل فرعون، وإما من الثعبان، فأوحى الله له: إذا هالك أمر يدك وشعاعها، فأدخلها في جيبك وارددها إليه تعد كما كانت.
٦ - قدمنا قول ابن عباس: ليس من أحد يدخله رعب بعد موسى ﵇، ثم يدخل يده، فيضعها على صدره إلا ذهب عنه الرعب. وهكذا تكون محن الأنبياء ﵈ دائما فرجا ومخرجا للأمة. وبه تبين الهدف من قوله:
﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ وهو خروج اليد بيضاء، ومن قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ﴾ وهو إخفاء الرهب.
وقد تساءل الزمخشري ثم الرازي بقوله: قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموما: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ﴾ وفي الآخرة مضموما إليه: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ﴾ والجواب أن المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى، وبالمضموم إليه اليد اليسرى، وكل من اليدين جناح (١).
стр. 5998
- ٦ -
نبوة هارون وتكذيب فرعون
﴿قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اِتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥) فَلَمّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٣٧)﴾
الإعراب:
﴿يُصَدِّقُنِي﴾ بالرفع وصف ل ﴿رِدْءاً﴾. وقرئ بالجزم على أنه جواب الأمر بتقدير حرف الشرط، أو على أن جزم القاف لكثرة الحركات، كقولهم في: عضد: عضد، والوجه الأول أوجه.
﴿بِآياتِنا﴾ متعلق بمحذوف أي اذهبا بآياتنا، أو متعلق ب ﴿نَجْعَلُ﴾ أي نسلطكما بها.
﴿بَيِّناتٍ﴾ حال ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ الهاء: ضمير الأمر والشأن.
البلاغة:
﴿يُصَدِّقُنِي﴾ ﴿يُكَذِّبُونِ﴾ بينهما طباق.
﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ مجاز مرسل عن التقوية، من قبيل إطلاق السبب وإرادة المسبب؛ لأن شد العضد يستلزم شد اليد، وشد اليد مستلزم للقوة.
стр. 5999
المفردات اللغوية:
﴿إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً﴾ هو القبطي (المصري، الفرعوني) ﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي به ﴿أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً﴾ أبين ﴿رِدْءاً﴾ معينا ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ بتوضيح ما قلته، وتقرير الحجة وإقامة الأدلة، ومجادلة المشركين وتزييف الشبهة.
﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ سنقويك به ونعينك به، والعضد: ما بين المرفق إلى الكتف ﴿سُلْطاناً﴾ غلبة وتفوقا أو حجة قوية ﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما﴾ بسوء ﴿بَيِّناتٍ﴾ واضحات ﴿مُفْتَرىً﴾ مختلق ﴿فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ أي كائنا في أيامهم ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي عالم يعلم أني محق وأنتم مبطلون والضمير في ﴿عِنْدِهِ﴾ عائد للرب ﴿وَمَنْ﴾ معطوف على ﴿بِمَنْ﴾ المتقدمة ﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ العاقبة المحمودة في الآخرة، والمراد بالدار: الدنيا، وعاقبتها الأصلية هي الجنة؛ لأن الدنيا خلقت جسرا للآخرة، والمقصود منها بالذات: هو الثواب والعقاب ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لا يفوزون بالهدى في الدنيا وحسن العاقبة في الآخرة، والظالمون:
الكافرون.
المناسبة:
بعد أن قال الله سبحانه: ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ علم موسى ﵇ أنه يذهب بهذين البرهانين إلى فرعون وقومه، فطلب من الله تعالى ما يقوي قلبه، ويزيل خوفه من فرعون، فيرسل معه أخاه هارون وزيرا، فأجابه الله إلى طلبه.
وكان الرسولان موسى وهارون محاجين فرعون في الربوبية بحجة ساطعة، فلم يكن منه إلا المكابرة والعناد، والافتراء والاتهام الزائف بأن المعجزتين سحر مختلق.
التفسير والبيان:
لما أمر الله تعالى موسى بالذهاب إلى فرعون، الذي خرج من ديار مصر فرارا منه، وخوفا من سطوته:
стр. 6000
﴿قالَ: رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً، فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي قال موسى:
يا ربّ كيف أذهب إلى فرعون وقومه، وقد قتلت منهم فرعونيا، فأخاف إذا رأوني أن يقتلوني ثأرا منهم.
﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً، فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي، إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أي إن أخي هارون أفصح لسانا مني، وأحسن بيانا بسبب ما في لساني من لثغة أو عقدة من حين الصغر حين تناولت الجمرة، لما خيرت بينها وبين التمرة، فوضعتها على لساني، فحصل فيه شدة في التعبير، فاجعل معي هارون أخي رسولا وزيرا ومعينا يصدقني فيما أقوله وأخبر به عن الله ، ويوضح البراهين والأدلة، ويفنّد الشبهات المثارة من قبل هؤلاء الجاحدين، وإني أخاف أن يكذبوني في رسالتي. ونظير الآية: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه ٢٧/ ٢٠ - ٣٢].
فأجابه الله تعالى إلى طلبه:
﴿قالَ: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ، وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً، فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما﴾ أي قال الرب لموسى: سنقويك ونعزّز جانبك بأخيك الذي سألت أن يكون نبيا معك، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ [طه ٣٦/ ٢٠] ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم ٥٣/ ١٩] ونجعل لكما حجة قاهرة، وغلبة ظاهرة على عدوكما، فلا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما، بسبب إبلاغكما آيات الله تعالى.
قال بعض السلف عن طلب موسى بعثة أخيه هارون: ليس أحد أعظم منّة على أخيه من موسى على هارون ﵉، فإنه شفع فيه، حتى جعله الله نبيا ورسولا معه إلى فرعون وملئه، ولهذا قال تعالى في حق موسى: ﴿وَكانَ
стр. 6001
عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب ٦٩/ ٣٣]. وقال السدي: إن نبيين وآيتين أقوى من نبي واحد وآية واحدة.
﴿بِآياتِنا، أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾ أي اذهبا بآياتنا، أو نجعل لكما سلطانا، أي نسلطكما بآياتنا، أو لا يصلون إليكما أي تمتنعون منهم بآياتنا، أنت يا موسى وأخوك ومن آمن بكما وتبعكما في رسالتكما الغالبون بالحجة والبرهان؛ لأن حزب الله دائما هم الغالبون.
وتعليق الآيات بالسلطان يجعل انقلاب العصا حية معجزة، ومانعا أيضا من وصول ضرر فرعون إلى موسى وهارون ﵉، ولذا يجوز الوقوف على ﴿إِلَيْكُما﴾ ويكون في الكلام تقديم وتأخير، كما يجوز الوصل.
ثم أبان تعالى موقف فرعون من محاجة موسى وهارون فقال: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ، قالُوا: ما هذا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً، وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ أي حين عرض موسى وهارون على فرعون وملئه ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة الواضحة والدلالة القاهرة على صدقهما فيما أخبرا به عن الله من توحيده واتباع أوامره، قالوا: ما هذا إلا سحر مفتعل مصنوع، مكذوب موضوع، وما سمعنا بما تدعونا إليه من عبادة الله وحده لا شريك له في أيام الأسلاف، وما رأينا أحدا من آبائنا على هذا الدين، ولم نر الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى.
وهذا مجرد تمسك بالتقليد الذي لا دليل على صحة العمل به. فأجابهم موسى:
﴿وَقالَ مُوسى: رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ، وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أي أجاب موسى فرعون وملأه بقوله: ربي الله الذي لا إله غيره الذي خلق كل شيء ويعلم غيب السموات والأرض أعلم مني ومنكم
стр. 6002
بالمحق من المبطل، وبمن جاء بالحق الداعي إلى الرشاد، وأهله للفلاح الأعظم، ومن الذي له العاقبة المحمودة في الدنيا بالنصر والظفر والتأييد، وفي الآخرة بالثواب والرحمة والرضوان كقوله: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ، جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ [الرعد ٢٢/ ١٣ - ٢٣] ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ﴾ [الرعد ٤٢/ ١٣]، وسيفصل بيني وبينكم، إنه لا يفلح المشركون بالله ، ولا يظفرون بالفوز والنجاة والمنافع، بل يكونون على ضد ذلك.
وفي الآية أسلوب أدبي رفيع من الخطاب والجدل والمناظرة، فهو لم يعلن أنه المحق وغيره المبطل الضال، وإنما ردد ذلك ليجعل للعقل في النقاش دورا في الحكم النهائي وتغليب الأصح الأصوب، وهذا كقوله ﷺ للمشركين: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤/ ٣٤].
كما أن نهاية الآية زجر لهم عن العناد الذي ظهر منهم، وإيماء بأنهم خاسرون في هذا الجدال، وسيكون لهم الخيبة والفشل في المستقبل.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - ضرورة التسلح بمختلف القوى المادية والمعنوية عند لقاء العدو، فقد طلب موسى من ربه تأييده بأخيه هارون، ليكون له عونا ووزيرا، ومدافعا ومبينا حجج الله وبيّناته في دعوة فرعون وقومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فإنه إذا لم يكن له وزير ولا معين لا يكادون يفقهون عنه، وربما تعرّض لأذى، فيدفعه عنه.
٢ - إن السؤال المنطقي والدعاء المناسب للحال مستجاب متحقق، لذا أجاب الله طلب موسى ﵇، وقال له: سنقويك بأخيك، ونجعل لكما حجة
стр. 6003
وبرهانا، فلا يصلون إليكما بالأذى، وتمتنعان منهم بآياتنا، فأنتما وأتباعكما الغالبون عليهم بآياتنا، أي سائر المعجزات.
٣ - لقد أعمى فرعون وقومه إدراك الحق، فتمسكوا بالمكابرة والعناد، واعتصموا بتقليد الآباء والأسلاف الذي لا حجة ولا دليل عليه، وهذا مذموم عقلا وعادة، لذا قالوا: ما هذه المعجزات إلا سحر مكذوب مفترى، ولم نسمع بدعوة التوحيد والتخلي عن الإشراك في التاريخ الغابر، ولا قيمة لتلك الحجج العقلية التي أوردها موسى لإثبات توحيد الله تعالى!!.
٤ - لا بد من استعمال الحكمة في الإجابة والجدال والمناظرة للسلاطين والحكام الجبابرة، كفرعون الطاغية، توقيا من الأذى، وتأملا في اللين، والإذعان للحق، لذا كان جواب موسى حكيما حين أعلن أن الله أعلم بمن جاء بالرشاد من عنده سبحانه، ومن المستحق لدار الجزاء، وإنه لا يظفر الظالمون أنفسهم بالشرك والكفر والمعصية بشيء عند الله وفي الآخرة.
- ٧ -
محاجة فرعون في ربوبية الله تعالى وعاقبة عناده مع قومه
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاِسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾
стр. 6004
الإعراب:
﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ منصوب من أربعة أوجه: إما لأنه مفعول به توسعا، كأنه قال: وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ولعنة يوم القيامة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وإما معطوف بالنصب على موضع الجار والمجرور وهو: ﴿فِي هذِهِ الدُّنْيا﴾ وإما منصوب بما دل عليه قوله: ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول، وإما منصوب على الظرف بالمقبوحين، أي وهم من المقبوحين يوم القيامة.
﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ كلها منصوبات على الحال من ﴿الْكِتابَ﴾.
البلاغة:
﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ﴾ قال الزمخشري (٤٧٧/ ٢): ولم يقل: اطبخ لي الآجرّ، لأنه أول من عمل الآجرّ، فهو يعلمه الصنعة، ولأن هذه العبارة أحسن طباقا لفصاحة القرآن وعلوّ طبقته وأشبه بكلام الجبابرة. وأمر هامان-وهو وزيره ورديفه بالإيقاد على الطين-منادى باسمه بيا في وسط الكلام: دليل التعظيم والتجبر.
﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ تشبيه بليغ، حذفت فيه أداة الشبه ووجه الشبه، أي أعطيناه التوراة كأنها أنوار لقلوب الناس.
المفردات اللغوية:
﴿هامانُ﴾ وزير فرعون ﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ﴾ فاصنع لي الآجرّ أي الطوب، قال عمر ﵁ حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجرّ: ما علمت أن أحدا بنى بالآجر
стр. 6005
غير فرعون ﴿صَرْحاً﴾ قصرا عاليا ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى﴾ أصعد وأرتقي، ثم أنظر إليه وأوقف عليه، كأنه توهم أنه لو كان، لكان جسما في السماء يمكن الترقي إليه ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ في ادعائه إلها آخر وأنه رسول.
﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بغير استحقاق ﴿لا يُرْجَعُونَ﴾ بالنشور ﴿فَنَبَذْناهُمْ﴾ طرحناهم ﴿فِي الْيَمِّ﴾ في البحر المالح، فغرقوا ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ حين صاروا إلى الهلاك. وقوله: ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ قال البيضاوي: فيه تفخيم لشأن الآخذ، واستحقار للمأخوذين، كأنه أخذهم مع كثرتهم في كف، وطرحهم في اليم.
﴿أَئِمَّةً﴾ قادة، قدوة للضلال ﴿يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ يدعون إلى موجبات النار من الكفر والمعاصي ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ بدفع العذاب عنهم ﴿لَعْنَةً﴾ طردا عن الرحمة، وخزيا ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ المطرودين المبعدين المخزيين.
﴿الْكِتابَ﴾ هنا التوراة ﴿الْقُرُونَ الْأُولى﴾ قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط ﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ أنوار للقلوب في عصرهم، تبصر بها الحقائق، وتميز بين الحق والباطل ﴿وَهُدىً﴾ إلى الشرائع التي هي سبيل الله تعالى ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به؛ لأنهم لو عملوا بالتوراة لنالوا رحمة الله ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون بما في ذلك الكتاب من المواعظ.
المناسبة:
قوبل موسى وهارون في دعوتهما القوية إلى توحيد الله تعالى بكفرين عظيمين:
الأول- ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ أي نفي إله غيره، وادعاء ألوهية نفسه.
والثاني: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أي محاولة الصعود والارتقاء إلى السماء لرؤية إله موسى. وكل من الأمرين جهل وعتو وطغيان واستكبار، فكانت عاقبته الغرق في الدنيا، والطرد من رحمة الله في الآخرة.
وفي مقابل هذا الكفر آتى الله موسى التوراة نورا وهدى ورحمة.
стр. 6006
التفسير والبيان:
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ، ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ أي وقال فرعون الطاغية الجبار ملك مصر: يا أيها القوم، لم أعلم بوجود إله غيري، أي إن إله موسى غير موجود، وإنما أنا الإله، كما قال تعالى في آية أخرى حاكيا عنه:
﴿فَحَشَرَ فَنادى، فَقالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى، فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ [النازعات ٢٣/ ٧٩ - ٢٦]. دعا قومه إلى الاعتراف بألوهيته، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم، كما قال تعالى:
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ [الزخرف ٥٤/ ٤٣].
وليس قصده من ادعاء الألوهية كما أبان الرازي (١) كونه خالقا السموات والأرض، وإنما وجوب تعظيمه وعبادته، أي عبادة الملك صاحب السلطة والنفوذ المطلق والانقياد التام لأوامره. وهذا من إغراءات الحكم والسلطان، وغرور الملك والعظمة.
﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أي فاصنع لي يا هامان الوزير آجرّا، تبني لي به قصرا عاليا جدا، شامخا في الفضاء حتى أصعد به وأرتقي إلى السماء، فأشاهد إله موسى الذي يعبده، توهما منه أنه جسم كالأجسام المادية الأخرى. وإني لأعتقد أنه كاذب في قوله: إن هناك ربا آخر غيري، كما في آية أخرى: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ، أَسْبابَ السَّماواتِ، فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً، وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ، وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ﴾ [غافر ٣٦/ ٤٠ - ٣٧].
وقد أراد فرعون بادعاء الألوهية وبناء أعلى صرح في زمانه التلبيس
стр. 6007
والترويج على الناس، والإظهار لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون. ثم ذكر الله تعالى سبب غروره وعناده فقال:
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ أي لقد طغى فرعون وقومه وأتباعه وتجبروا، وأكثروا في الأرض الفساد، واعتقدوا أنه لا قيامة ولا معاد، ولا حساب ولا عقاب، وكل من توهم ذلك هان عليه الطغيان والاستكبار والاستعلاء في الأرض، ولم يعلموا أن الله رقيب عليهم ومجازيهم بما يستحقون، لذا أبان تعالى عقابهم العاجل في الدنيا بعد تهديدهم بعقاب الآخرة فقال:
﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ، فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ أي أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة، فلم يبق منهم أحد، فانظر أيها المتأمل في قدرة الله وعظمته وآياته كيف كان مصير هؤلاء الظالمين الذي ظلموا أنفسهم، وكفروا بربهم، وادعى كبيرهم الألوهية من دون الله.
ثم ذكر الله تعالى ما يوجب مضاعفة عذابهم فقال:
﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ أي وجعلنا فرعون وأشراف قومه قادة ضلال في تكذيب الرسل وإنكار وجود الإله الصانع، فلم يكتفوا بضلال أنفسهم، بل قاموا بإضلال غيرهم، فاستحقوا جزاءين: جزاء الضلال والإضلال، ولا أمل لهم في النجاة ونصرة الشفعاء، فهم يوم القيامة لا نصير ولا شفيع لهم ينصرهم من بأس الله ويدفع عنهم عذاب الله، فاجتمع عليهم خزي الدنيا وذل الآخرة، كما قال:
﴿وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أي وألزمناهم بصفة دائمة في الدنيا لعنة وخزيا وغضبا على ألسنة المؤمنين والأنبياء المرسلين، كما أنهم يوم القيامة من المطرودين المبعدين عن رحمة الله، كما قال تعالى:
стр. 6008
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ، بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود ٩٩/ ١١].
وأما موسى وجند الإيمان بعد إغراق فرعون وقومه، فلهم نور التوراة:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى، بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي لقد أنعم الله على عبده ورسوله موسى الكليم ﵇ بإنزال التوراة بعد ما أهلك فرعون وقومه ومن تقدمهم من قوم نوح وهود وصالح ولوط، ليكون ذلك الكتاب مصدر إشعاع للحياة وأنوارا للقلوب، يميز به بين الحق والباطل، وهداية من الضلال والعمى، ورحمة لمن آمن به، وإرشادا إلى العمل الصالح، لعل الناس يتذكرون به ويتعظون، ويهتدون بسببه.
روى ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار عن أبي سعيد الخدري مرفوعا إلى النبي ﷺ قال: «ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير أهل القرية الذين مسخوا قردة بعد موسى، ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ الآية».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - نفي فرعون ألوهية الله وادعاؤه الألوهية، قال ابن عباس:
كان بين قوله: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ وبين قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ أربعون سنة، وكذب عدو الله، بل علم أن له ثمّ ربّا هو خالقه وخالق قومه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ؟ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾.
٢ - بناء أعلى صرح شامخ للصعود إلى الله ورؤيته، فخاب وضل وخسر.
٣ - تعاظم فرعون وجنوده عن الإيمان بموسى ظلما وعدوانا دون أن تكون
стр. 6009
لهم حجة تدفع ما جاء به موسى، وتوهموا أنه لا معاد ولا بعث. ويقابل الاستكبار بالباطل الاستكبار بالحق الذي هو لله تعالى، فهو المتكبر في الحقيقة، المبالغ في كبرياء الشأن،
قال النبي ﷺ فيما حكى عن ربه فيما رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحة عن أبي هريرة وابن عباس: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار، ولا أبالي».
٤ - بالرغم من أن فرعون وقومه كانوا عارفين بوجود إله هو الله تعالى، كما تبين، إلا أنهم كانوا ينكرون البعث: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ فلأجل ذلك تمردوا وطغوا.
٥ - كان عقابهم في الدنيا الإغراق في البحر المالح وهو البحر الأحمر، في صبيحة يوم واحد، بل في دقائق معدودة، وإلزامهم اللعن أي البعد عن الخير، وفي الآخرة هم من المطرودين، المبعدين عن رحمة الله، الممقوتين.
٦ - لهم عقاب مضاعف؛ إذ كانوا في ضلال وأئمة ضلال ودعاة إلى عمل أهل النار، وزعماء كفر، يدعون الناس إلى الكفر ويتبعونهم فيه، فيكون عليهم وزرهم ووزر من اتبعهم حتى يكون عقابهم أشد وأكثر،
جاء في الحديث النبوي الذي رواه مالك وأحمد والترمذي وابن ماجه والدارمي عن أبي هريرة وجرير بن عبد الله البجلي: «من سنّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة».
٧ - البقاء للأصلح، فقد نجى الله موسى وقومه، وأنزل عليه التوراة منارا للحق وتبصرا به، وهدى من الضلالة إلى الرشاد، ورحمة للمؤمنين بها، لعل الناس يتعظون ويرجعون إلى ربهم من قريب، ويذكرون هذه النعمة، فيؤمنوا في الدنيا، ويثقوا بثواب الله في الآخرة. قال يحيى بن سلاّم: هو أول كتاب -يعني التوراة-نزلت فيه الفرائض والحدود والأحكام.
стр. 6010
وكان إنزال التوراة بعد إهلاك القرون الأولى (الأمم الماضية المكذبة) مثل قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط، وقيل: من بعد إغراق فرعون وقومه وخسف الأرض بقارون، ولعل ذلك إشعار بشدة الحاجة إليها، فإن إهلاك القرون الأولى دليل على اندراس معالم شرائعها، وحاجة الناس إلى تشريع جديد ينظم لهم شؤون حياتهم.
الحاجة إلى إرسال الرسل وبعثة محمد ﷺ
﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾
الإعراب:
﴿تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ خبر ثان ل ﴿كُنْتَ﴾.
﴿وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿رَحْمَةً﴾: إما منصوب على المصدر، وإما مفعول لأجله، أي ولكن فعل ذلك لأجل الرحمة، وإما خبر كان مقدرة، أي ولكن كان رحمة من ربك.
البلاغة:
﴿أَنْشَأْنا قُرُوناً﴾ مجاز عقلي، أريد به: أمما في تلك الأزمنة، والعلاقة زمانية.
﴿تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ جناس اشتقاق. وقوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ حذف منه الجواب لدلالة السياق عليه، أي ولولا خشية وقوع المصيبة بهم ما أرسلناك يا محمد رسولا إليهم، فهو إيجاز بالحذف.
стр. 6011
﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ مجاز مرسل، من قبيل إطلاق الجزء وإرادة الكل، أريد به بما كسبوا؛ لأن أكثر الأعمال تزاول بالأيدي.
المفردات اللغوية:
﴿وَما كُنْتَ﴾ الخطاب لرسول الله ﷺ ، أي ما كنت حاضرا ﴿بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ أي بجانب الجبل أو الوادي أو المكان الغربي من موسى حين المناجاة، فإنه كان في شق الغرب من مقام موسى ﴿إِذْ قَضَيْنا﴾ أوحينا ﴿إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ أي أمر الرسالة إلى فرعون وقومه، والمعنى: كلفناه وعهدنا إليه بالرسالة أمرا ونهيا ﴿وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ الحاضرين لما حدث، فتعلمه وتخبر به.
﴿أَنْشَأْنا قُرُوناً﴾ أوجدنا أمما مختلفة من بعد موسى ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ أي بعد الأمد وطال عمرهم، فنسوا العهود، وحرّفت الأخبار، وتغيرت الشرائع، واندرست العلوم، وانقطع الوحي. وحذف المستدرك بعد ﴿لكِنّا﴾ وأقام سببه مقامه وتقديره: فجئنا بك رسولا، وأوحينا إليك خبر موسى وغيره ﴿ثاوِياً﴾ مقيما، يقال: ثوى بالمكان يثوي به: أقام ﴿أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ قوم شعيب ﴿تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ تقرأ عليهم آياتنا التي فيها قصتهم، فتخبر بها بعد معرفتها ﴿كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ إياك ومخبرين لك بها، أي أرسلناك بالرسالة المتضمنة أخبار المتقدمين.
﴿بِجانِبِ الطُّورِ﴾ جبل الطور ﴿إِذْ نادَيْنا﴾ حين نادينا موسى أن خذ الكتاب بقوة ﴿وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي ولكن علمناك وأرسلناك رحمة من ربك ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً﴾ هم أهل مكة وغيرهم ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون ﴿لَوْلا﴾ الأولى امتناعية ﴿مُصِيبَةٌ﴾ عقوبة أو عذاب في الدنيا والآخرة ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بما كسبوا من الكفر والمعاصي ﴿لَوْلا أَرْسَلْتَ﴾ أي هلا، وهي تحضيضية، تفيد الحث على حدوث ما بعدها ﴿فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ المرسل بها، وجواب لولا محذوف، أي لولا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم ومعاصيهم، لما أرسلناك رسولا. والمراد أن إرسال النبي محمد ﷺ وكل رسول قبله كان لقطع أعذار الناس، وإبطال احتجاجهم بعدم الاعلام والتبليغ.
المناسبة:
بعد أن قص الله تعالى قصة موسى وهارون مع فرعون وقومه وما تضمنه من غرائب الأحداث والعبر، وأوحى الله تعالى بجميع تلك الأخبار إلى نبيه محمد ﷺ ، ذكّره بإنعامه عليه بذلك وبما خصه من المغيبات التي لا يعلمها، لا هو ولا قومه، وأبان الحاجة إلى رسالته، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد
стр. 6012
الرسل. وكل ذلك برهان على أن القرآن وحي من عند الله، وعلى نبوة محمد ﷺ ، حيث أخبر بالغيوب الماضية وهو رجل أمي لا يقرأ شيئا من الكتب.
التفسير والبيان:
﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ، وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أي وما كنت يا محمد حاضرا بجانب المكان أو الجبل الغربي-غرب موقف موسى حين كلم الله موسى، وأوحى إليه أمر الرسالة، وأعطاه ألواح التوراة، وألزمه العهد، وما كنت من الحاضرين لذلك، فتعلمه وتخبر به.
ولكنا أعلمناك بخبره ليكون برهانا على نبوتك، إذ تخبر بأخبار الماضين كأنها واقعة أمامك، وأنت أمي لا تقرأ ولا تكتب، مما يدل على كون ذلك الإخبار بوحي من عند الله تعالى، ثم بين سبب ذلك الإخبار:
﴿وَلكِنّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ أي والسبب الداعي إلى الإخبار عن الماضين وإنزال الوحي مجددا في القرآن الكريم وجود أمم كثيرة من بعد موسى، بعد بها الأمد، وطال عليها العهد، فاندرست العلوم، وتغيرت الشرائع، ونسي الناس حجج الله عليهم وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين، فجئنا بك يا محمد رسولا تجدد العهد الإلهي، وتبين للناس رسالة الله إليهم، كما قال سبحانه: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ، قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا: ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ، فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٩/ ٥].
والآية تنبيه على المعجزة، إذ الإخبار عن قصة مضى عليها مئات السنوات، دون مشاهدة ولا حضور لأحداثها، دليل واضح على نبوة المخبر، وهو رسول الله ﷺ . وتلا ذلك مؤيدات أخرى مشابهة:
стр. 6013
١ - ﴿وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا، وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ أي وما كنت مقيما بين قوم شعيب في مدين، تقرأ عليهم آياتنا المنزلة، حين أخبرت عن النبي شعيب ﵇ وما قال لقومه وما ردوا عليه، ولكن-ذات الجلالة-نحن أوحينا إليك ذلك، وأرسلناك للناس رسولا، وأيدناك بهذه الآيات المعجزات، لتكون برهانا على صحة نبوتك وصدق رسالتك، ولولا خبر الوحي ما علمت بذلك ولا أخبرت أحدا بشيء.
٢ - ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا، وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي وما كنت يا محمد أيضا بجانب جبل الطور حين مناداة موسى وتكليمه ومناجاته، حتى تعرف تفاصيل الخبر وتحدث بين الناس. وهذا شبيه بقوله المتقدم: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ ولكنه ورد بصيغة أخرى أخص مما سبق وهو النداء، أي مناداة موسى ﵇ ليلة المناجاة وتكليمه (١).
ولكن علمناك وأخبرناك وأنزلنا عليك القرآن المتضمن تلك الأخبار وغيرها، وأرسلناك رحمة مهداة منه بك وبالعباد المرسل إليهم، لتنذر قوما هم العرب لم ينذروا قبل، بأس الله وعذابه إن لم يؤمنوا به، وظلموا على وثنيتهم وضلالهم، لعلهم يهتدون بما جئتهم به من الله ، فيصيروا من أهل السعادة.
والثابت تاريخيا أنه لم يأت إلى العرب رسول بعد إسماعيل ﵇، وأما رسالة موسى وعيسى فكانت خاصة ببني إسرائيل فقط.
стр. 6014
ثم صرح الله تعالى بسبب إرسال النبي محمد ﷺ فقال:
﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، فَيَقُولُوا: رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ، وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ولولا قول الناس ومنهم العرب إذا أصابتهم مصيبة العذاب على كفرهم: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا يبين لنا صحة الاعتقاد أو التوحيد، ونظامك الشرعي للحياة، فنؤمن بك ربا واحدا، ونعمل بشريعتك، ما أرسلناك للناس رسولا.
ولكنا بعثناك رسولا نذيرا تقيم عليهم الحجة، وتبلغهم رسالة ربهم في العقيدة والأخلاق ودستور الحياة، وتقطع عذرهم وتبطل حجتهم بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير، كما قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء ١٦٥/ ٤] وقال سبحانه: ﴿أَنْ تَقُولُوا: إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا، وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا: لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ، فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ.﴾. [الأنعام ١٥٦/ ٦ - ١٥٧]. وهذا كله من رحمة الله بعباده ألا يعذب إنسانا إلا بعد بيان، ولا يعاقب إلا بعد تكليف وإرسال رسول.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات موضوعين:
الأول-إقامة بعض الأدلة على كون القرآن موحى به من عند الله وعلى صحة نبوة النبي محمد ﷺ : وهي الإخبار عن أحوال الأنبياء المتقدمين وقصصهم مع أقوامهم. وخص بالذكر قصتين: هما أولا-مناجاة الله موسى وتكليمه في جبل الطور في المكان الغربي من موقف موسى في الوادي المقدس طوى، حيث
стр. 6015
بعثه رسولا، وأنزل عليه ألواح التوراة، وثانيا-قصة شعيب مع قومه أهل مدين.
ولولا الإخبار القرآني بذلك، ما علم بالخبر محمد ﷺ وقومه العرب ومنهم أهل مكة، وإنما فعل تعالى ذلك رحمة منه برسوله ﷺ وبعباده، لينذرهم بها، وينذر العرب الذين لم يشاهدوا تلك الأخبار.
الثاني-بيان الحكمة من إرسال النبي محمد ﷺ بل وكل الرسل: وهي تبليغ شريعة الله ووحيه، وتصحيح العقيدة، وإعلان كلمة التوحيد، حتى لا يبقى لهم عذر بالجهل بالأحكام أو الاعتقاد بعد بلوغ خبر الرسل لهم، وإكمال البيان، وقد حكم الله بأنه لا يعاقب عبدا إلا بعد إكمال البيان وإقامة الحجة وبعثة الرسل.
وهذا يدل على مبلغ الحاجة الداعية إلى إرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية.
تكذيب أهل مكة بالقرآن وبرسالة النبي ﷺ .
﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اِتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)﴾
стр. 6016
البلاغة:
﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ ﴿لَوْلا﴾ هنا: أي هلا للتحضيض، لا لامتناع الوجود.
﴿قُلْ: فَأْتُوا بِكِتابٍ﴾ يراد بالأمر هنا التعجيز.
المفردات اللغوية:
﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ أي الأمر الحق وهو القرآن المنزل على محمد الرسول المؤيد بالمعجزات.
﴿لَوْلا أُوتِيَ﴾ هلا. ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ من الآيات كاليد البيضاء والعصا وغيرهما والكتاب جملة واحدة. ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ أي أولم يكفر أمثالهم من بني جنسهم في الرأي والمذهب، وهم كفرة زمان موسى، وكان فرعون عربيا من أبناء عاد. ﴿قالُوا: سِحْرانِ﴾ أي القرآن والتوراة، وقرئ: ساحران، أي موسى وهارون أو موسى ومحمد. ﴿تَظاهَرا﴾ تعاونا وتناصرا. ﴿وَقالُوا: إِنّا بِكُلٍّ﴾ أي من النبيين والكتابين. ﴿كافِرُونَ﴾ جاحدون.
﴿هُوَ أَهْدى مِنْهُما﴾ من الكتابين، وهو يؤيد أن المراد بالساحرين: موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. ﴿صادِقِينَ﴾ في قولكم: إنا ساحران مختلفان، ويراد بذلك الإلزام والتبكيت. ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ أي لدعائك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى، فحذف المفعول للعلم به، ولأن فعل الاستجابة يعدّى بنفسه إلى الدعاء وباللام إلى الداعي، فإذا عدّي إليه حذف الدعاء غالبا، والمراد: فإن لم يفعلوا ما كلفتهم به. ﴿يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ﴾ في كفرهم، إذ لو اتبعوا حجة لأتوا بها. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ.﴾. استفهام بمعنى النفي. ﴿بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ﴾ في موضع الحال للتأكيد، أو التقييد، فإن هوى النفس قد يوافق الحق. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى. ﴿وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ أي أتبعنا بعضه بعضا في الإنزال ليتصل التذكير، فنزل القرآن منجما مفرقا يتصل بعضه ببعض، ويتبع نزول الكتب المتقدمة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون فيؤمنوا ويطيعوا.
المناسبة:
بعد أن حكى الله تعالى عن كفار مكة وغيرهم أنهم عند الخوف من المصيبة
стр. 6017
قالوا: هلا أرسلت إلينا رسولا، فنتّبع آياتك، بيّن أنه بعد إرسال الرسول محمد ﷺ إلى أهل مكة قالوا: لولا أوتي مثل ما أوتي موسى من قبل، فكفروا وكذبوا بالقرآن وبرسالة محمد، وتعلقوا بشبهة قبل البعثة، وبعد البعثة، مما يدل على أنه لا قصد لهم سوى الزيغ والعناد، لذا طلبوا معجزات مادية كمعجزات موسى كاليد والعصا، وقد كفر أمثالهم المعاندون قبلهم بما جاء به موسى من المعجزات، ووصفوه بالسحر، فإن استطاعوا الإتيان بكتاب آخر غير كتابي موسى ومحمد، فليأتوا به، وما أنزل القرآن منجما إلا لتجديد الذكرى والعبرة.
التفسير والبيان:
﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا: لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ أي حينما جاء الحق من عند الله وهو القرآن المنزل على رسول الله، قال أهل مكة الذين لم يأتهم رسول من قبل، على وجه التعنت والعناد والتمادي في الكفر والجهل والضلال: هلا أوتي محمد مثلما أوتي موسى قبله من المعجزات والآيات الكثيرة مثل العصا واليد وتظليل الغمام وإنزال المنّ والسلوى وانفجار الماء من الحجر، ونحو ذلك من الآيات الباهرة التي أجراها الله على يدي موسى حجة وبرهانا له على فرعون وقومه وبني إسرائيل.
ولكن هذا مجرد عناد ومكابرة وتهرب من الإيمان:
﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ أي أولم يكفر أمثالهم من البشر المعاندين بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة، وهم الذين كفروا في زمان موسى بما جاء به، فهذا شأن المكابرين المعاندين دائما.
﴿قالُوا: سِحْرانِ تَظاهَرا، وَقالُوا: إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ أي قال هؤلاء القوم المشركون في مكة: القرآن والتوراة سحران، ومحمد وموسى ساحران، تعاونا على التدجيل والتضليل، وصدّق كلّ منهما الآخر، وإنا بكلّ منهما
стр. 6018
كافرون، لا نصدق بما جاءا به.
فتحداهم الله بأن يأتوا بكتاب آخر أهدى للبشر:
﴿قُلْ: فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي قل يا محمد لقومك: ائتوا بكتاب آخر من عند الله أصلح لهداية البشر من التوراة والقرآن، وأكثر نفعا وهداية، لكي أتبعه مع غيري، إن كنتم صادقين فيما تقولون أو تدّعون، وتدافعون به الحق، وتعارضون به من الباطل.
وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثل القرآن.
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ﴾ أي فإن لم يجيبوك عما قلت لهم ولم يتبعوا الحق، ولم يفعلوا ما كلفتهم به من الإيمان بالقرآن وبرسالتك، فاعلم أنهم في عقائدهم الباطلة يتبعون أهواءهم بلا دليل ولا حجة، فهم جماعة أهواء.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً﴾ أي وليس هناك أشد ضلالا عن طريق الهدى والرشاد ممن سار مع هواه، وانقاد لشهواته بغير حجة مأخوذة من كتاب الله، ولم يقم له دليل صائب عن الله، وهذا دليل على بطلان أو فساد التقليد في العقائد، وأنه لا بدّ من الحجة والاستدلال.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أي إن الله لا يوفق للحق والرشاد الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والعصيان، وتكذيب الرسل، واتّباع الأهواء. وهذا عام يتناول كل كافر.
وأما حكمة إنزال القرآن منجما فهي:
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي ولقد أتبعنا بعض القرآن بعضا في النزول لقريش، حسبما تقتضي الحكمة، وتدل عليه المصلحة، ويلائم كل
стр. 6019
عصر وأوان، لعلهم وأمثالهم من البشر يتعظون ويتنبهون إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم، فيؤمنوا بالقرآن وبمن أنزله وبمن أنزل عليه، وهو مصدّق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
١ - إن خطة الكفار واحدة في كل زمان، دأبهم المكابرة والعناد والإنكار، وطلب المعجزات المادية المحسوسة، فإنه بالرغم من حدوثها لن يؤمنوا؛ لأن المكذب بمعجزة واحدة مكذب بكل المعجزات.
وإذا نزل على محمد ﷺ مثل معجزات موسى ﵇ كانقلاب العصا حية، واليد البيضاء، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وانفجار الحجر بالماء، وإنزال المنّ والسلوى، وكتابة الألواح في التوراة، وتكليم الله له، وإنزال القرآن جملة واحدة كالتوراة، إذا نزل مثل ذلك فهم معتصمون بالكفر مقيمون عليه.
٢ - إن حجة الكفار في تكذيب كتب الله ورسله واحدة أيضا، وهي الاتهام بأن تلك الكتب سحر مختلق، وأولئك الرسل سحرة مبطلون، بل إنهم متواطئون على السحر والتدجيل، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا.
٣ - إن اليهود علّموا المشركين أن يقولوا لمحمد ﷺ : لولا أوتيت مثل ما أوتي موسى، فإنه أوتي التوراة دفعة واحدة. وهؤلاء اليهود الذين توارثوا الكفر هم الذين كفروا بما جاء به موسى من قبل، فقالوا في موسى وهارون: هما ساحران، فقلدهم كفار قريش وقالوا عن موسى ومحمد مثل ذلك القول، واتفق الفريقان على الكفر بكلّ من التوراة والإنجيل والقرآن، وعلى الكفر بموسى وعيسى ومحمد على نبينا وعليهم الصلاة والسلام.
стр. 6020
٤ - يقابل التحدي والعناد بتحدّ أشد منه، فإذا كفرتم معاشر اليهود والمشركين بكتب الله المنزلة على رسله، فأحضروا كتابا أهدى منها يتبعه الناس، ليكون ذلك عذرا لكم في الكفر، ومسوغا لما أنتم عليه، إن كنتم صادقين في أن تلك الكتب سحر مفترى، وقد مهر اليهود والعرب بالسحر.
٥ - إذا لم يؤمن الناس بهذا القرآن ولم يأتوا بكتاب من عند الله، فهم أهل ضلال وأهواء، يتبعون ما تملي عليهم شهواتهم وآراؤهم الخاصة وشياطينهم، دون حجة لهم ولا دليل.
٦ - لا أحد أضل ممن سار مع هواه، فهو ظالم، والله لا يوفق الظالمين للخير، وهداية الله تعالى خاصة بالمؤمنين.
٧ - لقد تتابع إنزال الكتب من عند الله، وإرسال الرسل، وأخبار الأنبياء بعضها ببعض، كتابا بعد كتاب، ورسولا بعد رسول، وخبرا بعد خبر، وتتابع أيضا نزول القرآن منجما مقسطا بحسب الوقائع والمناسبات، وعلى وفق الحكمة والمصلحة، ليستمر صوت التذكير والتنبيه، وتتجدد الدعوة إلى الإيمان حالا بعد حال، وزمانا إثر زمان.
ثم خلد الله صوت الحق الإلهي بهذا القرآن، وجعله ذكرى متجددة دائمة للأجيال، بما تكفل له من الصون والحفظ عن التغيير والتبديل، والتحريف والتصحيف، وبما اشتمل عليه من التنوع في الأسلوب والخطاب وعدا ووعيدا، وقصصا وعبرا، ونصائح ومواعظ، إرادة أن يتذكر الناس به فيؤمنوا به ويعملوا بموجبه، فيفلحوا، ويقلعوا عن اتباع الأديان الباطلة المنسوخة، وعن الأهواء والشهوات البائدة الفارغة، والوثنية البدائية المنافية لكرامة الإنسان، والمصادمة للعقل البشري السوي.
стр. 6021
٨ - لا يقبل التقليد في العقائد، وإنما لا بدّ من غرس العقيدة بالحجة والبرهان.
٩ - نبّه القرآن بتحدي العرب وغيرهم الإتيان بمثله على عجز محاكاته على الدوام، وأنه كتاب موحى به من عند الله تعالى، فهو حجة الله على خلقه إلى يوم القيامة: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت ٤١/ ٤١ - ٤٢].
١٠ - تنطق الآيات جملة وتفصيلا بالدلالة على نبوة النبي محمد ﷺ .
إيمان طوائف من أهل الكتاب بالقرآن
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥)﴾
المفردات اللغوية:
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي قبل القرآن، بدليل قوله الآتي: ﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا: آمَنّا بِهِ﴾ أي صدقنا بأنه كلام الله تعالى. ﴿مُسْلِمِينَ﴾ منقادين خاضعين لله تعالى. ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ بإيمانهم بالكتابين: كتابهم والقرآن. ﴿بِما صَبَرُوا﴾ بصبرهم على العمل بهما. ﴿وَيَدْرَؤُنَ﴾ يدفعون. ﴿بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي بالطاعة المعصية،
لقوله ﷺ فيما رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي ذرّ: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها». ﴿يُنْفِقُونَ﴾ يتصدقون.
﴿اللَّغْوَ﴾ هو الساقط من القول، والمقصود به هنا الشتم والأذى من الكفار. ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ تكرما. ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ سلام متاركة لهم وتوديع أو دعاء لهم بالسلامة عما هم فيه.
﴿لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ لا نطلب صحبتهم ولا نريدها، ولا نريد أن نكون من أهل السفه والجهل، فنعاملكم بالمثل.
стр. 6022
سبب النزول:
نزول الآية (٥٢):
﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾: أخرج ابن جرير عن علي بن رفاعة قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب، منهم رفاعة-يعني أباه-إلى النبي ﷺ ، فآمنوا فأوذوا، فنزلت: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾. وأخرج أيضا عن قتادة قال:
كنا نتحدث أنها نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على الحق، حتى بعث الله محمدا ﷺ ، فآمنوا به، منهم سلمان الفارسي وعبد الله بن سلام.
وقال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي ﷺ قرأ عليهم: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ حتى ختمها، فجعلوا يبكون، وأسلموا (١).
وعلى كل حال، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
المناسبة:
بعد أن أقام الله تعالى الدليل على أن القرآن وحي من عند الله، وعلى صحة نبوة محمد ﷺ ، أكد ذلك بأن جماعات من أهل الكتاب الذين آمنوا بالله وحده قبل نزول القرآن، أسلموا وآمنوا بمحمد ﷺ ، حين اقتنعوا بصدقه وصحة ما أنزل عليه، فكان غير أهل الكتاب أولى بالإيمان أو الإسلام.
التفسير والبيان:
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي إن جماعة من علماء أهل الكتاب الأولياء الأصفياء، من اليهود والنصارى، الذين عاصروا النبي محمدا ﷺ ، آمنوا بالقرآن، لمطابقته لأصول كتبهم المتقدمة، وبشارة تلك
стр. 6023
الكتب بمحمد وتطابق الأوصاف عليه. فقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي قبل القرآن.
و ﴿هُمْ بِهِ﴾ أي بالقرآن أو بمحمد ﷺ أو بهما معا يصدّقون.
وللآية نظائر كثيرة منها: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ، أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة ١٢١/ ٢]، ومنها: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ﴾ [آل عمران ١٩٩/ ٣]، ومنها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً، وَيَقُولُونَ: سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً﴾ [الإسراء ١٠٧/ ١٧ - ١٠٨].
﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا: آمَنّا بِهِ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا، إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ أي وإذا قريء عليهم القرآن، قالوا: صدقنا به، وآمنا بأنه الكلام الحق الصدق الثقة من ربّنا، وكنا مصدقين بالله مسلمين له أي موحدين، مخلصين لله، مستجيبين له، من قبل نزول هذا القرآن، أو من قبل بعثة محمد ﷺ .
وهذا دليل على قدم إيمانهم، لما وجدوه في كتب الأنبياء ﵈ المتقدمين من البشارة بمقدم النبي محمد ﷺ ، فمدحهم تعالى بهذا المدح العظيم وقال:
﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ أي إن هؤلاء المتصفين بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول وهو كتابهم، ثم بالثاني وهو القرآن لهم ثواب مضاعف مرتين، جزاء صبرهم وثباتهم على الإيمانين، فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس، فإنهم لم يأبهوا بإيذاء قومهم.
ونظير الآية: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد ٢٨/ ٥٧]، و
ورد في الحديث الصحيح عند البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن
стр. 6024
بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدّى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة، فأدّبها، فأحسن تأديبها، ثم أعتقها فتزوجها».
وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال: إني لتحت راحلة رسول الله ﷺ يوم الفتح، فقال قولا حسنا جميلا وقال فيما قال: «من أسلم من أهل الكتاب، فله أجره مرتين، وله ما لنا، وعليه ما علينا».
وبعد أن مدحهم الله تعالى بالإيمان أولا، أثنى عليهم بالطاعات البدنية في قوله: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ثم بالطاعات المالية في قوله:
﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ثم باشتغالهم بالطاعات والأفعال والأخلاق الحسنة في قوله: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ فقال:
- ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي يدفعون السيئة بالحسنة، فلا يقابلون السيء بمثله، ولكن يعفون ويصفحون.
- ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي وينفقون من رزق الله الحلال في النفقات الواجبة لأهليهم وأقاربهم، ويؤدون الزكاة المفروضة، والمستحبة من التطوعات وصدقات النفل والقربات.
- ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ، وَقالُوا: لَنا أَعْمالُنا، وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ أي وإذا سمعوا من المشركين أو غيرهم لغو الكلام وهو الساقط من القول من أذى وتعيير وسبّ وشتم وتكذيب، أعرضوا عن أهله، ولم يخالطوهم ولم يعاشروهم، بل كانوا كما قال تعالى: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ [الفرقان ٧٢/ ٢٥].
وقالوا إذا سفه عليهم سفيه، وكلّمهم بما لا يليق: لنا أعمالنا فنحن المسؤولون عنها ثوابا وعقابا، ولكم أعمالكم عليكم تبعاتها، لا نرد عليكم، سلام عليكم سلام متاركة وتوديع، أو سلمكم الله مما أنتم فيه، لا نريد اتباع طريق
стр. 6025
الجاهلين ولا نحبها ولا نصاحب أهلها، ونؤثر الكلام الطيب، ولا نقابل الكلام القبيح بمثله. ونظير الآية ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا: سَلاماً﴾ [الفرقان ٦٣/ ٢٥] قال الحسن ﵀ عن كلمة ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾: هذه الكلمة تحية بين المؤمنين، وعلامة الاحتمال من الجاهلين.
روى محمد بن إسحاق في سيرته: أنه قدم على رسول الله ﷺ ، وهو بمكة، عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النصارى، حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وساءلوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلة رسول الله ﷺ عما أرادوا، دعاهم إلى الله تعالى، وتلا عليهم القرآن.
فلما سمعوا القرآن، فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله، وآمنوا به، وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيّبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم، ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم، وصدقتموه فيما قال، ما نعلم ركبا أحمق منكم.
فقالوا لهم: سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا.
ويقال: إن هؤلاء النفر النصارى من أهل نجران (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
يستدل بالآيات على ما يأتي: