٨ - لا يقبل التقليد في العقائد، وإنما لا بدّ من غرس العقيدة بالحجة والبرهان.
٩ - نبّه القرآن بتحدي العرب وغيرهم الإتيان بمثله على عجز محاكاته على الدوام، وأنه كتاب موحى به من عند الله تعالى، فهو حجة الله على خلقه إلى يوم القيامة: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت ٤١/ ٤١ - ٤٢].
١٠ - تنطق الآيات جملة وتفصيلا بالدلالة على نبوة النبي محمد ﷺ .
إيمان طوائف من أهل الكتاب بالقرآن
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥)﴾
المفردات اللغوية:
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي قبل القرآن، بدليل قوله الآتي: ﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا: آمَنّا بِهِ﴾ أي صدقنا بأنه كلام الله تعالى. ﴿مُسْلِمِينَ﴾ منقادين خاضعين لله تعالى. ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ بإيمانهم بالكتابين: كتابهم والقرآن. ﴿بِما صَبَرُوا﴾ بصبرهم على العمل بهما. ﴿وَيَدْرَؤُنَ﴾ يدفعون. ﴿بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي بالطاعة المعصية،
لقوله ﷺ فيما رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي ذرّ: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها». ﴿يُنْفِقُونَ﴾ يتصدقون.
﴿اللَّغْوَ﴾ هو الساقط من القول، والمقصود به هنا الشتم والأذى من الكفار. ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ تكرما. ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ سلام متاركة لهم وتوديع أو دعاء لهم بالسلامة عما هم فيه.
﴿لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ لا نطلب صحبتهم ولا نريدها، ولا نريد أن نكون من أهل السفه والجهل، فنعاملكم بالمثل.
стр. 6022
سبب النزول:
نزول الآية (٥٢):
﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾: أخرج ابن جرير عن علي بن رفاعة قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب، منهم رفاعة-يعني أباه-إلى النبي ﷺ ، فآمنوا فأوذوا، فنزلت: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾. وأخرج أيضا عن قتادة قال:
كنا نتحدث أنها نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على الحق، حتى بعث الله محمدا ﷺ ، فآمنوا به، منهم سلمان الفارسي وعبد الله بن سلام.
وقال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي ﷺ قرأ عليهم: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ حتى ختمها، فجعلوا يبكون، وأسلموا (١).
وعلى كل حال، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
المناسبة:
بعد أن أقام الله تعالى الدليل على أن القرآن وحي من عند الله، وعلى صحة نبوة محمد ﷺ ، أكد ذلك بأن جماعات من أهل الكتاب الذين آمنوا بالله وحده قبل نزول القرآن، أسلموا وآمنوا بمحمد ﷺ ، حين اقتنعوا بصدقه وصحة ما أنزل عليه، فكان غير أهل الكتاب أولى بالإيمان أو الإسلام.
التفسير والبيان:
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي إن جماعة من علماء أهل الكتاب الأولياء الأصفياء، من اليهود والنصارى، الذين عاصروا النبي محمدا ﷺ ، آمنوا بالقرآن، لمطابقته لأصول كتبهم المتقدمة، وبشارة تلك
стр. 6023
الكتب بمحمد وتطابق الأوصاف عليه. فقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي قبل القرآن.
و ﴿هُمْ بِهِ﴾ أي بالقرآن أو بمحمد ﷺ أو بهما معا يصدّقون.
وللآية نظائر كثيرة منها: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ، أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة ١٢١/ ٢]، ومنها: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ﴾ [آل عمران ١٩٩/ ٣]، ومنها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً، وَيَقُولُونَ: سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً﴾ [الإسراء ١٠٧/ ١٧ - ١٠٨].
﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا: آمَنّا بِهِ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا، إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ أي وإذا قريء عليهم القرآن، قالوا: صدقنا به، وآمنا بأنه الكلام الحق الصدق الثقة من ربّنا، وكنا مصدقين بالله مسلمين له أي موحدين، مخلصين لله، مستجيبين له، من قبل نزول هذا القرآن، أو من قبل بعثة محمد ﷺ .
وهذا دليل على قدم إيمانهم، لما وجدوه في كتب الأنبياء ﵈ المتقدمين من البشارة بمقدم النبي محمد ﷺ ، فمدحهم تعالى بهذا المدح العظيم وقال:
﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ أي إن هؤلاء المتصفين بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول وهو كتابهم، ثم بالثاني وهو القرآن لهم ثواب مضاعف مرتين، جزاء صبرهم وثباتهم على الإيمانين، فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس، فإنهم لم يأبهوا بإيذاء قومهم.
ونظير الآية: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد ٢٨/ ٥٧]، و
ورد في الحديث الصحيح عند البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن
стр. 6024
بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدّى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة، فأدّبها، فأحسن تأديبها، ثم أعتقها فتزوجها».
وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال: إني لتحت راحلة رسول الله ﷺ يوم الفتح، فقال قولا حسنا جميلا وقال فيما قال: «من أسلم من أهل الكتاب، فله أجره مرتين، وله ما لنا، وعليه ما علينا».
وبعد أن مدحهم الله تعالى بالإيمان أولا، أثنى عليهم بالطاعات البدنية في قوله: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ثم بالطاعات المالية في قوله:
﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ثم باشتغالهم بالطاعات والأفعال والأخلاق الحسنة في قوله: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ فقال:
- ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي يدفعون السيئة بالحسنة، فلا يقابلون السيء بمثله، ولكن يعفون ويصفحون.
- ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي وينفقون من رزق الله الحلال في النفقات الواجبة لأهليهم وأقاربهم، ويؤدون الزكاة المفروضة، والمستحبة من التطوعات وصدقات النفل والقربات.
- ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ، وَقالُوا: لَنا أَعْمالُنا، وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ أي وإذا سمعوا من المشركين أو غيرهم لغو الكلام وهو الساقط من القول من أذى وتعيير وسبّ وشتم وتكذيب، أعرضوا عن أهله، ولم يخالطوهم ولم يعاشروهم، بل كانوا كما قال تعالى: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ [الفرقان ٧٢/ ٢٥].
وقالوا إذا سفه عليهم سفيه، وكلّمهم بما لا يليق: لنا أعمالنا فنحن المسؤولون عنها ثوابا وعقابا، ولكم أعمالكم عليكم تبعاتها، لا نرد عليكم، سلام عليكم سلام متاركة وتوديع، أو سلمكم الله مما أنتم فيه، لا نريد اتباع طريق
стр. 6025
الجاهلين ولا نحبها ولا نصاحب أهلها، ونؤثر الكلام الطيب، ولا نقابل الكلام القبيح بمثله. ونظير الآية ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا: سَلاماً﴾ [الفرقان ٦٣/ ٢٥] قال الحسن ﵀ عن كلمة ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾: هذه الكلمة تحية بين المؤمنين، وعلامة الاحتمال من الجاهلين.
روى محمد بن إسحاق في سيرته: أنه قدم على رسول الله ﷺ ، وهو بمكة، عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النصارى، حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وساءلوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلة رسول الله ﷺ عما أرادوا، دعاهم إلى الله تعالى، وتلا عليهم القرآن.
فلما سمعوا القرآن، فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله، وآمنوا به، وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيّبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم، ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم، وصدقتموه فيما قال، ما نعلم ركبا أحمق منكم.
فقالوا لهم: سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا.
ويقال: إن هؤلاء النفر النصارى من أهل نجران (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
يستدل بالآيات على ما يأتي:
стр. 6026
١ - إذا كان الإيمان بالله صحيحا منسجما مع الوحي الثابت الصحيح، سهل التقاء رافدي الإيمان، وتيسر الدمج بين الإيمانين، إن تجرد الإنسان عن العصبية والهوى، والمصلحة الذاتية، والنفع المادي. وهذا ما تحقق لجماعة من أهل الكتاب من بني إسرائيل، آمنوا بالله ربّا واحدا لا شريك له قبل القرآن بمقتضى كتابهم السماوي، ثم آمنوا بالقرآن، لمطابقته مع أصل ذلك الكتاب المتقدم، وهؤلاء كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي، ومن أسلم من علماء النصارى، وهم أربعون رجلا قدموا مع جعفر بن أبي طالب المدينة، اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة، وثمانية نفر أقبلوا من الشام، وكانوا أئمة النصارى، منهم بحيرا الراهب وأبرهة والأشرف وعامر وأيمن وإدريس ونافع. وقيل: أكثر من ذلك.
٢ - هؤلاء المؤمنون بالقرآن من أهل الكتاب يضاعف لهم الثواب أو الأجر مرتين: مرة لإيمانهم بكتابهم، ومرة لإيمانهم بالقرآن بسبب صبرهم على الأذى الذي يلقونه من الكفار.
٣ - المؤمن الكامل الإيمان شأنه الاشتغال بمرضاة الله تعالى، فيبادر إلى الطاعات البدنية والمالية، ويتحلى بالخلق الفاضل، وقد وصف الله تعالى هؤلاء المؤمنين من أهل الكتاب بأنهم يقابلون السيئة بالحسنة، أي بالاحتمال والعفو والصفح والكلام الحسن، وهذا من مكارم الأخلاق، وينفقون من أموالهم في الطاعات والقربات، فيحسنون إلى البائسين والمعوزين، وفي ذلك حضّ على الصدقات، ويعرضون عن لغو الكلام، فلا يتكلمون بالكلام القبيح، وإنما ينطقون دائما بالكلام الطيب، فإذا سمعوا ما قال لهم المشركون من الأذى والشتم، أعرضوا عنه، أي لم يشتغلوا به،
قال ﷺ لمعاذ في حديث أبي ذر المتقدم والمروي أيضا عن معاذ: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» ومن الخلق الحسن: دفع المكروه والأذى، والصبر على الجفا، بالإعراض عنه ولين
стр. 6027
الحديث، وهذا مؤيد لمعنى الآية: ﴿وَقالُوا: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي سلام متاركة ومفارقة، لنا ديننا ولكم دينكم، فهذا ليس من التحية في شيء.
ولا نبتغي الجاهلين، أي لا نطلبهم للجدال والمراجعة والمشاتمة، ولا نرغب في مصاحبتهم، ولا نودّ معاشرتهم، ولا نجازيهم بالباطل على باطلهم.
الرد على شبهات المشركين
﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلاً وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾
стр. 6028
الإعراب:
﴿رِزْقاً مِنْ لَدُنّا﴾ مفعول لأجله.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا﴾ ﴿كَمْ﴾: منصوبة ب ﴿أَهْلَكْنا﴾.
﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ منصوب بحذف حرف الجر، أي بطرت في معيشتها، ولا يجوز نصبه على التمييز، لأن التمييز لا يكون إلا نكرة، ومعيشتها: معرفة.
البلاغة:
﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي﴾ ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي﴾ بينهما طباق السلب.
﴿حَرَماً آمِناً﴾ مجاز عقلي، نسب الأمن إلى الحرم، وهو لأهله، وعلاقته المكانية.
﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً..﴾. أورد الكلام بصيغة الاستفهام ليكون أبلغ في الاعتراف بترجيح منافع الآخرة على منافع الدنيا.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هدايته، أي لا تقدر أن تدخله في الإسلام. ﴿يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ فيدخله في الإسلام، والهداية نوعان: الدلالة والإرشاد إلى الخير، والتوفيق بعد توافر أصل الهداية. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ عالم بالمستعدين للهداية. ﴿وَقالُوا﴾ أي قريش. ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا﴾ ننتزع منها بسرعة، أي نخرج من البلاد. ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ أو لم نجعل مكانهم حرما ذا أمن من الإغارة والقتل، بحرمة البيت الذي فيه ويتناحر العرب حوله، وهم آمنون فيه. ﴿يُجْبى إِلَيْهِ﴾ يحمل إليه ويجمع فيه، جبى الماء: جمعه، والجابية: الحوض العظيم. ﴿ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من كل مكان. ﴿رِزْقاً مِنْ لَدُنّا﴾ رزقا لهم من عندنا. ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أن ما نقوله حق، فهم جهلة لا يتفطنون له ولا يتفكرون ليعلموا. والمعنى المراد: فإذا كان هذا حالهم، وهم عبدة الأصنام، فكيف نعرّضهم للخوف والتخطف إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة التوحيد؟ ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ أي كم من أهل قرية كانت حالهم كحالكم في الأمن وخفض العيش حتى أشروا، فدمر الله عليهم وخرب ديارهم. فقوله: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ من البطر: وهو الأشر وقلة احتمال النعمة، والمراد من بطرت: بغت وتجبرت ولم ترع حق الله في زمن معيشتها. ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي لم تسكن إلا فترات قليلة للمارة يوما أو بعضه، من شؤم معاصيهم.
﴿وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ منهم، إذ لم يخلفهم أحد في ديارهم وتصرفاتهم.
﴿وَما كانَ رَبُّكَ﴾ وما كانت عادته. ﴿أُمِّها﴾ أصلها وعاصمتها (قصبتها) وأعظمها.
стр. 6029
﴿رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ لإلزام الحجة وقطع المعذرة. ﴿ظالِمُونَ﴾ بتكذيب الرسل والعتو في الكفر. ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من أسباب الدنيا. ﴿فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها﴾ أي تتمتعون وتتزينون به أيام حياتكم ثم يفنى. ﴿وَما عِنْدَ اللهِ﴾ أي ثوابه. ﴿خَيْرٌ﴾ في نفسه من ذلك، لأنه لذة خالصة وبهجة كاملة. ﴿وَأَبْقى﴾ أدوم وأبدي. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تتفكرون، فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، وقرئ يعقلون وهو أبلغ في الموعظة. ﴿وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً﴾ وعدا بالجنة، فإن حسن الوعد بحسن الموعود. ﴿فَهُوَ لاقِيهِ﴾ مدركه لا محالة، لامتناع الخلف في الوعد، ولذلك عطفه بالفاء المتضمنة معنى السببية.
﴿كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الذي يزول عن قريب، ويختلط بالآلام والمتاعب.
﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ للحساب والعذاب بالنار، وقوله: ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي في الزمان أو الرتبة. والمراد بقوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ﴾ المؤمن، وبقوله: ﴿كَمَنْ مَتَّعْناهُ﴾ الكافر، أي لا تساوي بينهما، وهذه الآية كالنتيجة التي قبلها، ولذلك رتب عليها بالفاء.
سبب النزول:
نزول الآية (٥٦):
﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي﴾:
أخرج مسلم وعبد بن حميد والترمذي والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لعمه: قل: لا إله إلا الله، أشهد لك يوم القيامة، قال: لولا أن تعيرني نساء قريش، يقلن: إنه حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾.
وأخرج النسائي وابن عساكر في تاريخ دمشق بسند جيد عن أبي سعيد بن رافع قال: سألت ابن عمر عن هذه الآية: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ في أبي جهل وأبي طالب؟ قال: نعم.
نزول الآية (٥٧):
﴿وَقالُوا: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ﴾: أخرج ابن جرير عن ابن عباس: أن أناسا من قريش قالوا للنبي ﷺ : إن نتبعك تخطفنا الناس، فنزلت.
стр. 6030
وأخرج النسائي عن ابن عباس أن الحارث بن عثمان بن عامر بن نوفل بن عبد مناف هو الذي قال ذلك، وعبارته-كما في البيضاوي-: نحن نعلم أنك على الحق، ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب-وإنما نحن أكلة رأس، أي قليلو العدد-أن يتخطفونا من أرضنا، فنزل قوله تعالى: ﴿وَقالُوا: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى﴾ الآية.
نزول الآية (٦١):
﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ﴾: أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ﴾ الآية، قال: نزلت في النبي ﷺ وفي أبي جهل بن هشام. وأخرج من وجه آخر عنه: أنها نزلت في حمزة وأبي جهل.
المناسبة:
بعد بيان إيمان طوائف من أهل الكتاب، ذكر الله تعالى شبهة المشركين في امتناعهم عن الإيمان، ثم رد عليها بأجوبة ثلاثة، مفتتحا الكلام بتقرير أن الهداية للدين وهي هداية التوفيق هي لله تعالى لا لرسوله، وأثبت له في آية.
أخرى هي ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢/ ٤٢] هداية الدلالة والإرشاد والبيان.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي إنك يا محمد لا تقدر على هداية من أحببت هدايته هداية توفيق، فليس ذلك إليك، إنما عليك البلاغ، والله هو الذي يستطيع هداية من يشاء هداية توفيق وشرح صدر، بأن يقذف نورا في قلبه، فيحيى به، كما قال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ﴾
стр. 6031
[الأنعام ١٢٢/ ٦] وله الحكمة البالغة، وربّك هو العالم بالمستعدين للهداية، فيهديهم، لأنهم مستحقون لها، وعالم أيضا بالمستعدين للغواية، فلا يهديهم، لأنهم لا يستحقونها. والمراد بالآية تسلية الرسول ﷺ في عدم تمكنه من هداية قومه.
ويلاحظ أنه لا دلالة في ظاهر هذه الآية على كفر أبي طالب، لكن الثابت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله ﷺ ، كما بينت، قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب، وذلك أن أبا طالب قال عند موته: يا معشر بني عبد مناف، أطيعوا محمدا وصدقوه، تفلحوا وترشدوا،
فقال ﷺ : «يا عم، تأمرهم بالنصح لأنفسهم وتدعها لنفسك! قال: فما تريد يا ابن أخي؟ قال: أريد منك كلمة واحدة، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا أن تقول: لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله تعالى، قال: يا ابن أخي، قد علمت أنك صادق، ولكني أكره أن يقال: جزع عند الموت، ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة ومسبّة بعدي لقلتها ولأقررت بها عينك عند الفراق، لما أرى من شدة وجدك ونصحك، ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ: عبد المطلب، وهاشم، وعبد مناف». قال القرطبي: والصواب أن يقال: أجمع جل المفسرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب عم النبي ﷺ ، وهو نص البخاري ومسلم.
ونظير الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢/ ٢] وقوله تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣/ ١٢].
والخلاصة: أن الهداية-كما ذكر الرازي: -بمعنى الإلجاء والقسر غير جائز، لأن ذلك قبيح من الله تعالى في حق المكلف، وفعل القبيح مستلزم للجهل أو
стр. 6032
الحاجة، وهما محالان، ومستلزم المحال محال، فذلك محال من الله تعالى، والمحال لا يجوز تعليقه في المشيئة (١).
ثم أخبر الله تعالى عن شبهة المشركين في عدم إيمانهم بالنبي ﷺ ، واعتذارهم بعذر واه، فقال:
﴿وَقالُوا: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا﴾ أي قال المشركون:
نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى، وخالفنا ما حولنا من أحياء العرب المشركين أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، ويخرجونا من ديارنا.
فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بثلاثة أجوبة:
١ - تأمين الحرم: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنّا، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي إن هذا الاعتذار كذب وباطل، لأن الله تعالى جعلهم في بلد أمين، وحرم آمن معظّم منذ وجد، فكيف يكون هذا الحرم آمنا لهم في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون آمنا لهم إن أسلموا واتبعوا الحق؟ ومن خصائص الحرم المكي: أنه يحمل إليه من سائر الثمار في كل البلدان، كما تحمل إليه أصناف المتاجر والأمتعة، تفضلا بالرزق من عند الله، ولكن أكثرهم جهلة لا يفطنون (٢) لما فيه الخير والسعادة، ولا يتفكرون ليعلموا الأحق بالعبادة، ويقلعوا عن عبادة ما سواه.
٢ - التذكير بإهلاك الأمم: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلاً، وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ أي ليعلم
стр. 6033
هؤلاء المعتذرون من أهل مكة عن الإيمان خوفا من زوال النعم أن عدم الإيمان هو الذي يزيل النعم، فكثيرا ما أهلك الله من القرى أي أهلها التي أبت الإيمان، وكفرت، وبغت وطغت وأشرت، وجحدت بأنعم الله وأرزاقه المغدقة، فأصبحت مساكنهم خاوية على عروشها، لا يسكن فيها أحد إلا لمدة قليلة، يبيت فيها المارة يوما أو بعض يوم، وأصبح الوارث هو الله؛ لأنها رجعت خرابا ليس فيها أحد يخلفهم فيها. ويقال للشيء الذي ترك بلا مالك: إنه ميراث الله، لأنه المالك الحقيقي للكون، والباقي بعد فناء خلقه.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ، فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ، فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل ١١٢/ ١٦].
ثم أخبر تعالى عن عدله في إنزال العقاب، فقال:
﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا، وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ﴾ أي وما كانت عادة ربك وسنته أن يهلك المدن والقرى بأهلها حتى يرسل في أصلها وعاصمتها وأكبرها رسولا يبين لهم الآيات الدالة على وجود الله ووحدانيته وأحقيته بالعبادة، حتى لا يبقى لهم حجة بالجهل ولا عذر بعدم معرفة الحق، فيهلك من أهلك بعد قيام الحجة عليهم، ولا يهلك أهل القرى أو أحدا من خلقه إلا وهم ظالمون أنفسهم بتكذيب الرسل وجحود الآيات.
وهذا دليل على عدل الله في خلقه، فلا عقاب إلا بعد بيان، ولا إهلاك مع إيمان، وإنما العقاب والهلاك حال الظلم واجتراح المعاصي، واقتراف المنكرات والآثام التي أكبرها الشرك بالله تعالى.
стр. 6034
وللآية نظائر كثيرة منها: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء ١٥/ ١٧].
وفي الآية دليل على أن النبي الأمي وهو محمد ﷺ المبعوث من أم القرى (مكة) رسول إلى جميع القرى من عرب وعجم، كما قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الشورى ٧/ ٤٢] وقال سبحانه: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا النّاسُ، إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف ١٥٨/ ٧] وقال : ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩/ ٦].
٣ - التدين أو الإيمان لا يضيع منافع الدنيا: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها، وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى، أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي إن الدنيا وما فيها من زينة وزخرف ومتاع فانية حقيرة بالنسبة لما أعده الله لعباده الصالحين من المنافع والنعم في الدار الآخرة، فكل ما أعطيتم أيها الناس من أموال وأولاد وزينة وزخارف، فهو مجرد متاع مؤقت وزينة زائلة، لا يجدي عند الله شيئا، وهو زائل وزهيد إذا قيس بنعم الآخرة، فنعيم الآخرة باق دائم خير في ذاته من متاع الدنيا، كما قال تعالى: ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ﴾ [النحل ٩٦/ ١٦] وقال سبحانه: ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ [آل عمران ١٩٨/ ٣] وقال : ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [الأعلى ١٦/ ٨٧ - ١٧]
وقال رسول الله ﷺ في الحديث الثابت: «والله، ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليمّ، فلينظر ماذا يرجع إليه»!! أفلا يعقل ويتفكر من يقدّم الدنيا على الآخرة، أفلا يتدبر من يؤثر الفاني على الباقي!! ألا فليفكر الإنسان في اختيار ما هو الخير الدائم له، ويترك الشر الذي يصيبه بالأذى.
ثم أكّد الله تعالى ذلك المعنى فقال:
стр. 6035
﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ، كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ أي فليقارن الإنسان ليعلم ترجيح ما عند الله وتفضيله على زينة الدنيا، وكيفية المقارنة: أفمن هو مؤمن بكتاب الله مصدق بوعد الله وثوابه على صالح الأعمال بالجنة وجزيل النعيم، كمن هو كافر مكذب بلقاء الله ووعده ووعيده، فهو ممتع في الحياة الدنيا أياما قلائل، ثم يصير أمره يوم القيامة من المعذبين في نار جهنم؟! فقولهم: إنا تركنا الدين خشية فوات منافع الدنيا خطأ وقول غير سديد؛ لأن الدين لا يفوت تلك المنافع، فهي حقيرة في ميزان الله، وإنما يكون إيثار الدنيا مفوتا لمنافع الآخرة، وسببا أيضا للعقاب الدائم في الآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستدل بالآيات على ما يلي:
١ - يخص الله تعالى بعض خلقه بخلق الهداية ومعرفة طريق الجنة، ويمنع البعض منها، ولا يسأل عما يفعل. وليس معنى الهداية والضلال القسر والإلجاء عليهما فذلك غير جائز شرعا وعقلا، وهو قبيح من الله تعالى في حق الإنسان المكلف بالتكاليف الشرعية.
ولقد بان من سبب النزول الثابت في الصحيحين أن أبا طالب مات على غير الإيمان، والله أعلم.
٢ - الله تعالى هو المختص بعلم الغيب، فيعلم من يهتدي بعد ومن لا يهتدي.
٣ - قال مشركو مكة للنبي ﷺ معتمدين على شبهة واهية وتعلل مرفوض أو عذر غير واقعي ولا منطقي: إنا لنعلم أن قولك حق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك، ونؤمن بك، مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا (مكة)
стр. 6036
لاجتماعهم على خلافنا، ولا طاقة لنا بهم. قال ابن عباس: قائل ذلك من قريش الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشي.
٤ - أجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بأجوبة ثلاثة:
الأول-أنه سبحانه جعل حرم مكة ذا أمن، فكانت العرب في الجاهلية يغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا بحرمة الحرم، فقد أمّنهم بحرمة البيت، ومنع عنهم عدوهم، فلا يخافون أن تستحل العرب حرمة في قتالهم، فما الذي يمنعهم من الإيمان بعد توافر الأمان؟! ومن مزايا الحرم المكي بعد الأمن أنه يجمع إليه ثمرات كل أرض وبلد، فضلا ورزقا من عند الله، ولكن أكثر المكيين لا يعقلون، أي هم غافلون عن الاستدلال، وأن من رزقهم وأمّنهم فيما مضى حال كفرهم يرزقهم لو أسلموا، ويمنع الكفار عنهم في إسلامهم.
وخلاصة هذا الجواب: أنه تعالى لما جعل الحرم آمنا، وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله تعالى، مقبلين على عبادة الأوثان، فلا حرج في إيمانهم؛ إذ لو آمنوا لكان بقاء هذه الحالة أولى.
فهذا رد أول على تعللهم بترك الإيمان.
الثاني-بعد أن بيّن تعالى ما خص به أهل مكة من النعم، أتبعه ببيان ما أنزله على الأمم الماضية المنعمين بنعم الدنيا بسبب تكذيب الرسل، فإذا توهموا أنه لو آمنوا لقاتلتهم العرب، فذلك وهم باطل؛ لأن الخوف في ترك الإيمان أكثر.
فكم من قوم كفروا، ثم حلّ بهم الدمار، ولما قالوا: إنا لا نؤمن خوفا من زوال نعمة الدنيا، بيّن الله تعالى لهم أن الإصرار على عدم قبول الإيمان هو الذي يزيل هذه النعم، لا الإقدام على الإيمان؛ والدليل أنه تعالى أهلك كثيرا من
стр. 6037
الأقوام بسبب البطر وهو ألا يحفظ حق الله تعالى في الغنى، فأصبحت مساكنهم غير مسكونة بعد إهلاك أهلها إلا قليلا من السكنى أو سكونا قليلا، فلم يسكنها إلا المسافرون أو المارة بالطريق يوما أو بعض يوم، وكان الله هو الوارث لها بعد هلاك أهلها.
ومن المعلوم أنه إذا لم يبق للشيء مالك معين قيل: إنه ميراث الله؛ لأنه الباقي بعد فناء خلقه.
ثم أوضح الله تعالى سنته في الإهلاك: وهي أنه لم تكن عادة الله أو سنته أن يهلك القرى الكافرة، حتى يبعث في عاصمتها وأعظمها رسولا، كما أرسل إلى أهل مكة محمدا ﷺ ، ثم لم يهلكهم إلا وقد استحقوا الإهلاك لظلمهم ولإصرارهم على الكفر بعد إعذارهم وإنذارهم. وهذا بيان لعدله وتقدسه عن الظلم.
والخلاصة: أن إهلاكهم لا يكون إلا بأمرين:
استحقاقهم الإهلاك بظلمهم، ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة، والإلزام ببعثة الرسل.
الثالث-إن قول أهل مكة: تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا خطأ عظيم؛ لأن ما يتمتعون به مدة حياتهم زائل، وما عند الله خير وأبقى، أي أفضل وأدوم، أفلا تعقلون أن الباقي أفضل من الفاني؟! أما إنه خير: فلأن المنافع في الآخرة أعظم، ولأنها خالصة عن الشوائب، أما منافع الدنيا فمشوبة بالمضار، بل المضار فيها أكثر.
وأما إنها أبقى: فلأنها دائمة غير منقطعة، ومنافع الدنيا منقطعة، وإذا قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدما، ثم إن نصيب كل واحد من منافع الآخرة إذا قورن بمنافع الدنيا كلها يعدّ كالذرة بالقياس إلى البحر.
стр. 6038
وهل يعقل التسوية بين الموعود وعدا حسنا وهو الجنة وما فيها من الثواب والممتع بمتاع الدنيا، أي الذي أعطي منها بعض ما أراد، ثم يوم القيامة كان من المحضرين في النار. قال القشيري: والصحيح أنها نزلت في المؤمن والكافر على التعميم. وقال الثعلبي: وبالجملة، فإنها نزلت في كل كافر متّع في الدنيا بالعافية والغنى، وله في الآخرة النار، وفي كل مؤمن صبر على بلاء الدنيا ثقة بوعد الله، وله في الآخرة الجنة.
والخلاصة: تترجح منافع الآخرة على منافع الدنيا بأمرين: الدوام والبقاء، وعدم العقاب، أما منافع الدنيا فهي إلى انقطاع وفناء، ويحصل بعدها العقاب الدائم إذا لم تقترن بطاعة الله.
٥ - دل قوله سبحانه: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ على أن من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا، كان خارجا عن حد العقل السليم.
واستدل الشافعي ﵀ بهذا القول على أن من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس، صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى؛ لأن أعقل الناس من أعطى القليل، وأخذ الكثير، وما هم إلا المشتغلون بطاعة الله تعالى.
تقريع المشركين يوم القيامة بأسئلة ثلاثة
﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) فَأَمّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾
стр. 6039
الإعراب::
﴿كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ حذف مفعولا الفعل: ﴿تَزْعُمُونَ﴾، أي تزعمونهم شركائي.
﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا﴾ ﴿هؤُلاءِ﴾ مبتدأ، و ﴿الَّذِينَ أَغْوَيْنا﴾ خبر المبتدأ الثاني، أي:
هؤلاء هم الذين أغوينا.
﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿كَما﴾: إما نافية، وإما مصدرية، أي تبرأنا إليك من عبادتهم إيانا، والوجه الأول أوجه.
البلاغة:
﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؟ استفهام على سبيل التهكم والسخرية.
﴿أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا﴾ تشبيه مرسل.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ﴾ فيه استعارة تصريحية تبعية، وقلب، وتضمين، أستعير العمى لعدم الاهتداء، فهم لا يهتدون للأنباء، ثم قلب للمبالغة فجعل الأنباء لا تهتدي إليهم، وأصله: فعموا عن الأنباء، وضمّن معنى الخفاء فعدي ب (على).
المفردات اللغوية:
﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ منصوب بفعل محذوف: اذكر، أو معطوف على: يوم القيامة في الآية السابقة (٦١). ﴿كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي الذين كنتم تزعمونهم شركائي، فحذف المفعولان لدلالة الكلام عليهما. ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ وجب وثبت مقتضى القول وحصل مؤداه، وهو قوله تعالى:
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣/ ٣٢] وغيره من آيات الوعيد، أي ثبت القول عليهم بدخول النار، وهم رؤساء الضلالة.
﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا﴾ قال صاحب الكشاف: ﴿هؤُلاءِ﴾ مبتدأ، و ﴿الَّذِينَ أَغْوَيْنا﴾ أي أضللنا: صفة المبتدأ، و ﴿أَغْوَيْناهُمْ﴾ الخبر، وكاف ﴿كَما﴾ صفة مصدر محذوف تقديره: أغويناهم، فغووا غيا، مثل ما غوينا، يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا، ولم نكرههم على الغي؛ لأن إغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسة وتسويلا، لا قسرا وإلجاء، فلا فرق إذن بين
стр. 6040
غينا وغيهم، وإن كان تسويلنا داعيا لهم إلى الكفر، والغواية: الضلال. ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ﴾ منهم أي من عبادتهم إيانا. ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿كَما﴾ نافية، أي ما كانوا يعبدوننا، وإنما كانوا يعبدون أهواءهم.
﴿اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ أي الأصنام الذين تزعمون أنهم شركاء الله. ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ أي فلم يجيبوا دعاءهم، لعجزهم عن الإجابة والنصرة. ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ﴾ أبصروه هم. ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ في الدنيا، لما رأوه في الآخرة.
﴿فَعَمِيَتْ﴾ خفيت. ﴿الْأَنْباءُ﴾ الأخبار والحجج التي تنجيهم. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم القيامة، لم يجدوا خبرا لهم فيه نجاة، أي فصارت الأنباء كالعمى عليهم لا تهتدي إليهم، وأصله:
فعموا عن الأنباء، لكنه عكس مبالغة ودلالة على أن ما يحضر الذهن إنما يأتي من خارج. ﴿فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾ لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب لفرط الدهشة.
﴿فَأَمّا مَنْ تابَ﴾ من الشرك. ﴿وَآمَنَ﴾ صدق بتوحيد الله. ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ أدى الفرائض، وجمع بين الإيمان والعمل الصالح. ﴿مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ الناجحين عند الله، وعسى: تحقيق على عادة الكرام، أو ترج من التائب بمعنى فليتوقع أن يفلح.
المناسبة:
بعد بيان كون التمتع في الدنيا بزخارفها دون طاعة الله وشكره على نعمه سببا في عذاب الكافر يوم القيامة، أبان الله تعالى حالة الإهانة والتقريع للمشركين أو الكافرين حين يسألهم الله تعالى يوم القيامة ثلاثة أسئلة يحارون في الجواب عنها، وهي السؤال عن آلهتهم التي عبدوها في الدنيا، وعن دعوتهم لها، وعما أجابوا به الرسل الذين دعوهم إلى الإيمان بربهم.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة بحيث يناديهم ويسألهم عن ثلاثة أشياء:
الأول-السؤال عن نصرة الآلهة المزعومة: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ: أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي واذكر أيها الرسول يوم ينادي الحق تعالى
стр. 6041
هؤلاء المشركين، فيقول لهم: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا من الملائكة والجن والكواكب والأصنام والأنداد والأشخاص، وتزعمون أنهم شركائي، هل يشفعون لكم، وهل ينصرونكم أو ينتصرون؟ والمقصود من السؤال الإهانة والتحقير، والتقريع والتنديد، فلا جواب لديهم؛ لأنهم عرفوا يوم القيامة بطلان ما كانوا عليه، وأدركوا صحة التوحيد والنبوة بالضرورة.
ونظير الآية: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ، وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ، لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ، وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام ٩٤/ ٦].
ثم ذكر جواب أئمة الضلال ودعاة الكفر، فقال:
﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ: رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا، تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ أي قال رؤساء الضلال والدعاة إلى الكفر الذين ثبت عليهم مقتضى القول وتحقق فيهم مؤداه ولزمهم الوعيد، بقوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣/ ٣٢]: ربنا هؤلاء الأتباع الذين آثروا الكفر على الإيمان كان غيهم باختيارهم، كما أن غينا باختيارنا، فإن إغواءنا وإضلالنا لهم ما ألجأهم إلى الغواية والضلال قسرا وإكراها، بل كانوا مختارين حين أقدموا على تلك العقائد والأعمال. والمراد أن تبعة غيهم عليهم لا علينا.
ونحن نتبرأ إليك منهم، ومن عقائدهم وأعمالهم، ومما اختاروه من الكفر والعصيان، وهم في الحقيقة ما كانوا يعبدوننا، وإنما كانوا يعبدون أهواءهم، ويطيعون شياطينهم، فالمعبودون شهدوا أنهم أغووا الأتباع فاتبعوهم، ثم تبرؤوا من عبادتهم.
وذلك كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ
стр. 6042
عِزًّا، كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ، وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم ٨١/ ١٩ - ٨٢] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ. وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً، وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥/ ٤٦ - ٦] وقال : ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، وَرَأَوُا الْعَذابَ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ [البقرة ٢/ ١٦٦].
السؤال الثاني-السؤال عن جواب الآلهة لدفع العذاب: ﴿وَقِيلَ: اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ، فَدَعَوْهُمْ، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ، وَرَأَوُا الْعَذابَ، لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أي وقيل للمشركين بالله: ادعوا شركاءكم آلهتكم ليخلصوكم مما أنتم فيه كما كنتم ترجون في الدار الدنيا، فدعوهم لفرط الحيرة والدهشة، فلم يجيبوهم عجزا منهم عن الجواب، وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة، وودّوا حين عاينوا العذاب عن الجواب، وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة، وودّوا حين عاينوا العذاب المحدق بهم لو أنهم كانوا من المهتدين المؤمنين في الدنيا. وعلى هذا جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي ودوا حين رأوا العذاب لو كانوا في الدنيا يهتدون.
ونظير الآية: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ: نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ، فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ، وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً. وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً﴾ [الكهف ٥٢/ ١٨ - ٥٣].
والقصد من هذا السؤال التوبيخ والتقريع وكشفهم أمام الناس، بدعائهم من لا نفع له ولا فائدة ترتجى منه، فهم لو دعوهم لم يوجد منهم إجابة في النصرة، وأن العذاب مقرر لهم ثابت عليهم. وفي ذلك ردع وزجر عن الشرك وخرافاته في الدنيا.
السؤال الثالث-السؤال عن التوحيد وإجابة الأنبياء: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ: ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾؟ أي واذكر يوم ينادي الله تعالى المشركين لمعرفة جوابهم للمرسلين إليهم، وكيف كان حالهم معهم، وعن التوحيد الذي دعوا
стр. 6043
إليه، وهذا كما يسأل العبد في قبره: من ربّك، ومن نبيك، وما دينك؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأما الكافر فيقول: هاه هاه لا أدري، فلا جواب له يوم القيامة غير السكوت. وفي هذا إثبات النبوات، وإعلان التوحيد، والبراءة عن الآلهة المزعومة من أصنام وغيرها.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ، فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾ أي فخفيت عليهم الحجج، وعموا عن أوجه الدفاع عن أنفسهم يوم القيامة، ولم يجدوا بدا من السكوت، ولا يسأل بعضهم بعضا كما يسأل الناس في المشكلات، لما اعتراهم من الدهشة والذهول، ولتساوي الناس جميعا في عمى الأنباء عنهم والعجز عن الجواب، حتى الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ، فَيَقُولُ: ماذا أُجِبْتُمْ، قالُوا: لا عِلْمَ لَنا، إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة ١٠٩/ ٥] فما ظنك بهؤلاء الضلال؟! وسميت حججهم أنباء (أخبارا) لأنها أخبار يخبرونها.
وبعد بيان الصورة القاتمة لحال هؤلاء المشركين وتوبيخهم، ذكر الله تعالى حال التائبين ترغيبا في التوبة والبراءة عن الكفر، فقال:
﴿فَأَمّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ أي فأما الذين تابوا من المشركين، وصدقوا بالله وتوحيده، وأخلصوا العبادة له، وآمنوا بنبيه محمد ﷺ ، وعملوا الأعمال الصالحة في الدنيا من فرائض وغيرها، فهم ناجون فائزون برضوان الله ونعيمه في الجنة يوم القيامة. وعسى من الله على سبيل التحقق، فإن هذا واقع بفضل الله ومنته لا محالة، وأما من العبد فتوقع وترج أن يفلح ويفوز بما طلب.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات تنبيها وإنذارا مسبقا، وتوبيخا، وزجرا عن الكفر، كي يتدارك الإنسان أمره في الدنيا، كيلا يفاجأ بالمصير المشؤوم يوم القيامة.
стр. 6044
وفيها تفنيد لمزاعم الكفار في شفاعة الآلهة المختلقة، ونصرتها لعابديها في عالم الحساب في الآخرة.
ففي التساؤل الأول تتبدد الآمال، وتزول الرجاءات، وتنقطع الأطماع، فلا يجد العابدون فائدة في نصرة الشركاء وشفاعتهم لهم، ويتبرأ بعضهم من بعض، فالشياطين يتبرءون ممن أطاعهم، والرؤساء يتبرءون ممن قبل منهم، وتقع الكارثة، ويبهت المجرمون الكافرون، كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧/ ٤٣].
وفي التساؤل الثاني تشتد الحيرة وتسيطر الدهشة، فيستغيث الكفار بآلهتهم التي عبدوها في الدنيا لتنصرهم وتدفع عنهم عذاب يوم القيامة، فلا يجدون جوابا لاستغاثتهم، ولا صدى لدعائهم، ولا ينتفعون أصلا بهم، وودّوا حين رأوا العذاب محدقا بهم لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا إلى الإيمان بالله تعالى والعمل بكتابه وبما جاء به رسوله.
وفي التساؤل الثالث وهو الأمر الحاسم يطلب منهم الجواب عما أجابوا به رسل الله وأنبياءه الكرام لما بلغوهم رسالات ربهم، ولكنهم يسكتون بسبب الحيرة والهول واستيلاء الدهشة عن الجواب، وتخفى عليهم الحجج، فلا يجدون حجة لهم يوم القيامة، ولا يتمكنون من سؤال بعضهم بعضا عن الحجج؛ لأن الله تعالى أدحض حججهم، وأخرس ألسنتهم، إذ كل ما يقولونه باطل محض لا خير فيه.
وفي هذا إثبات التوحيد والنبوة.
وأمام هذه الصورة الكئيبة والحالة المفجعة، فتح الله أمام أولئك المشركين والكفار باب الأمل بالفوز والفلاح وإحراز السعادة، وهو باب التوبة، وطريق أهل الحق والإيمان، وحكم سبحانه أنه بالرغم من سوء حال المشركين الماضية في الدنيا لو تابوا من الشرك، وصدقوا بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر،
стр. 6045
وعملوا الصالحات بأداء الفرائض والإكثار من النوافل، لكانوا بالتأكيد من جانب الله من الفائزين بالسعادة، فإن «عسى» من الله واجبة، ومن جانبهم على طريق الأمل والرجاء وتوقع النجاة والفوز.
وفي هذا ترغيب في التوبة والتخلص من ظلمة الكفر، وضلال الشرك، وإعمال الفكر في طريق العودة إلى الله إيمانا بوجوده ووحدانيته، وتصديقا بالكتب والرسل والبعث، ومبادرة إلى القيام بالتكاليف الإلهية.
صاحب الحق المطلق في الاختيار المستحق للحمد والعبادة
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾
الإعراب:
﴿ما يَشاءُ وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾: ﴿ما﴾ الأولى: اسم موصول بمعنى الذي، في موضع نصب مفعول به ل ﴿يَخْلُقُ﴾. و ﴿ما﴾ الثانية: نافية لا موضع لها من الإعراب.
البلاغة:
﴿تُكِنُّ﴾ و ﴿يُعْلِنُونَ﴾ ﴿الْأُولى وَالْآخِرَةِ﴾ بين كل طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ﴾ فيه إثبات حرية الخلق والاختيار لله ، دون موجب عليه ولا مانع له. ﴿ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ فيه نفي الاختيار عن المشركين وغيرهم، والخيرة:
هي الاختيار باصطفاء بعض الأشياء وترك بعض ﴿سُبْحانَ اللهِ﴾ تنزيها لله أن ينازعه أحد في اختياره. ﴿تَعالى﴾ تعاظم وتقدس عن إشراكهم. ﴿تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ تخفي أو تسرّ قلوبهم من
стр. 6046
الكفر وعداوة الرسول ﷺ والحقد عليه وغير ذلك. ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ يظهرون بألسنتهم من الطعن في الرسول ﷺ وغيره. ﴿وَهُوَ اللهُ﴾ المستحق للعبادة. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ لا أحد يستحقها إلا هو. ﴿فِي الْأُولى﴾ الدنيا. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ الجنة. ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ القضاء النافذ في كل شيء دون مشاركة أحد. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالنشور.
المناسبة:
بعد توبيخ المشركين على اتخاذ الشركاء ودعوتهم للشفاعة والنصرة، أبان الله تعالى أنه هو صاحب الاختيار المطلق في تعيين الشفعاء، لا المشركون، وكذا في اصطفاء بعض المخلوقات للرسالة والنبوة وتمييزهم عن غيرهم، فكان اختيار المشركين جهلا وغباء وضلالا. وسبب كون الاختيار لله: أنه العالم بالخفايا والظواهر، وأنه لإنعامه المستحق للعبادة، فلا يستحقها إلا هو، وأنه صاحب القضاء النافذ في كل شيء، وأن إليه المرجع والمآب للسؤال والحساب.
التفسير والبيان:
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي أنه تعالى يخبر أنه المنفرد بالخلق والاختيار دون منازع ولا معقب، والمعنى: ربك يا محمد وكل سامع صاحب الحق المطلق في خلق ما يشاء، واختيار ما يريد، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، والأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه، يختار أقواما لأداء الرسالة، ويصطفي من الملائكة والناس رسلا لأداء المهمة، ويمنح الحق في الشفاعة لمن يريد، يميز بعض مخلوقاته على بعض.
وليس للمشركين ولا لغيرهم أن يختاروا شيئا، فيقولوا مثلا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١/ ٤٣] أي إما على الوليد بن المغيرة أو على عروة بن مسعود الثقفي شيخ الطائف. فقوله تعالى ﴿ما كانَ﴾:
стр. 6047
﴿ما﴾ نافية على الصحيح كما نقل عن ابن عباس وغيره، ولأن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك، ولهذا نزّه تعالى نفسه في منازعة أحد في سلطانه، فقال: ﴿سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزيها لله وتقديسا وتعاليا عن إشراك المشركين، وعن أن ينازعه أحد في اختياره وخلقه من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئا.
والمقصود أن يعلم أن الخلق والاختيار والإعزاز والإذلال مفوض إلى الله تعالى، ليس لأحد فيه شركة ومنازعة.
ثم بيّن الله تعالى كون اختياره مبنيا على علم ثابت صحيح فقال:
﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ﴾ أي وربك أيها العبد المخلوق يعلم ما تخفيه صدورهم وما تنطوي عليه ضمائرهم وسرائرهم من الكيد لرسول الله ﷺ وعداوته، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق، كما قال:
﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ، وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد ١٠/ ١٣].
وهذا العلم الشامل المطلق صادر ممن له خصائص الألوهية وكونه الإله الفرد الصمد، فقال:
﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي هو المنفرد بالألوهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ما يشاء ويختار غيره، فهو العليم بكل شيء القادر على كل شيء.
وفيه تنبيه على كونه قادرا على كل الممكنات، عالما بكل المعلومات، منزها عن النقائص والآفات، لذا كان هو المستحق للحمد والشكر كما قال:
﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ﴾ أي إنه تعالى وحده المستحق للحمد والشكر، والعبادة، المحمود في جميع ما يفعله في الدنيا والآخرة؛ لأنه بعدله وحكمته يمنح النعم ويفيض الخير على مخلوقاته.
стр. 6048
﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي وهو تعالى له القضاء النافذ في كل شيء، فلا معقّب لحكمه، وهو القاهر فوق عباده، الرحيم اللطيف الخبير، وإليه ترجع جميع الخلائق يوم القيامة، فيجزي كل عامل بعمله من خير أو شر، ولا يخفى عليه منهم خافية في الأرض ولا في السماء.
وفيه نهاية الزجر والردع للعصاة، ونهاية تقوية القلب للمطيعين، فلا يخل بميزان العدل، يجازي المحسنين على طاعتهم، ويعاقب العصاة على عصيانهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - الاختيار إلى الله تعالى في الشفعاء، لا إلى المشركين.
٢ - الخلق أو الاختيار لله تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، فليس لأحد من خلقه أن يختار عليه، كما قال: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦/ ٣٣].
روى الترمذي عن أبي بكر ﵁: «أن النبي ﷺ كان إذا أراد أمرا قال: اللهم خر لي واختر لي»
وروى ابن السني مرفوعا عن أنس أن النبي ﷺ قال له: «يا أنس، إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى ما يسبق قلبك، فإن الخير فيه».
ومن هنا شرعت صلاة الاستخارة، بأن يتوضأ ويصلي ركعتين يقرأ في الأولى بعد الفاتحة (الكافرون) وفي الثانية (الإخلاص).
روى البخاري في صحيحة عن جابر بن عبد الله قال: «كان النبي ﷺ يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلّها، كما يعلّمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين غير الفريضة، ثم ليقل:
стр. 6049
اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسّره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر شرّ لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به» قال: ويسمي حاجته. قال العلماء: وينبغي له أن يفرّغ قلبه من جميع الخواطر، حتى لا يكون مائلا إلى أمر من الأمور، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه، فإن الخير فيه إن شاء الله، فإن وجد انشراحا وسرورا وارتياحا فالأمر خير، وإن وجد انقباضا وضيقا، فالأمر شر.
٣ - إن اختيار الملائكة والرسل لأداء الرسالة إلى الله، فهو يصطفي منهم ما يشاء على وفق الحكمة والمصلحة والعلم الشامل، وليس ذلك لأحد من الناس، كما تبادر إلى بعض المشركين أن تكون الرسالة لأحد زعيمين قويين في المال والأولاد والسلطة والنفوذ: إما الوليد بن المغيرة، وإما عروة بن مسعود، كما تقدم بيانه.
٤ - تقدس وتمجد الله عن إشراك المشركين.
٥ - الله تعالى عالم الغيب والشهادة، لا يخفى عليه شيء.
٦ - الله ﷻ هو المنفرد بالألوهية والوحدانية، وجميع المحامد له، ولا حكم إلا إليه، وإليه المرجع والمصير.
стр. 6050
أدلة العظمة والسلطان الإلهي وتأكيد تقريع المشركين
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾
الإعراب:
﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي في الليل، ولم يقل: لتسكنوا فيهما؛ لأن السكون إنما يكون بالليل لا بالنهار، وقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي في النهار؛ لأن الابتغاء للرزق إنما يكون بالنهار في العرف والعادة.
البلاغة:
﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ﴾ وكذا ﴿يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ﴾؟ استفهام للتبكيت والتوبيخ.
﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لف ونشر مرتب، ذكر الليل والنهار، ثم أعاد السكن إلى الليل، وابتغاء الرزق إلى النهار بالترتيب.
المفردات اللغوية:
﴿قُلْ﴾ لأهل مكة وغيرهم. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني. ﴿سَرْمَداً﴾ دائما متصلا متتابعا.
﴿بِضِياءٍ﴾ نهار تطلبون فيه المعيشة. ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ذلك سماع تدبر وتفهم واستبصار، فترجعوا عن الإشراك. ﴿تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ تستقرون وتستريحون فيه من متاعب الأشغال. ﴿أَفَلا
стр. 6051
تُبْصِرُونَ﴾ ما أنتم عليه من الخطأ في الإشراك، فترجعوا عنه. وقدم السمع لأن استفادة العقل من السمع أكثر من استفادته من البصر.
﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ في الليل. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتطلبوا الرزق من فضل الله في النهار بأنواع المكاسب. ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ اذكر يوم. ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ.﴾. تقريع بعد تقريع للإشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به؛ أو أن الأول لتقرير فساد آرائهم، والثاني لبيان أنه لم يكن عن سند أو دليل، وإنما كان محض تشه وهوى. ﴿وَنَزَعْنا﴾ أخرجنا. ﴿شَهِيداً﴾ هو نبيهم يشهد عليهم بما كانوا عليه. ﴿فَقُلْنا﴾ للأمم. ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ على صحة ما قلتم من الإشراك وما كنتم تدينون به. ﴿فَعَلِمُوا﴾ حينئذ. ﴿أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ﴾ أي في الألوهية، لا يشاركه فيها أحد. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ غاب عنهم غيبة الضائع، أو تاه. ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ في الدنيا من الباطل وهو أن معه شريكا آخر، تعالى عن ذلك.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أنه الخالق المختار، وسفّه آراء المشركين في عبادتهم غير الله، وبعد أن أبان أنه المستحق للحمد على ما تفضل به من النعم، أردفه بإيراد بعض الأدلة والبراهين الدالة على عظمته وسلطانه وهي النعم التي لا يقدر عليها سواه، لتذكير الناس بما يجب عليهم من الحمد له، وشكر المنعم المتفضل به. ثم كرر قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ على جهة الإبلاغ والتأكيد، ثم ذكر شهادة نبي كل أمة على أعمالهم في الدنيا، زيادة في الغم وإثباتا للجرم.
التفسير والبيان:
يمتن الله على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار اللذين لا قوام لهم بدونهما فقال:
- ﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ، أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾؟ أي قل أيها الرسول للمشركين بالله:
أخبروني إن جعل الله وقتكم كله ظلاما، فجعل الليل عليكم دائما متتابعا إلى يوم القيامة، فيحصل لكم السأم والضجر والضرر، كالمناطق القطبية التي يكون فيها
стр. 6052
الزمن كله ليلا لمدة ستة أشهر، ثم يكون مثلها نهارا، فمن الإله غير الله الذي يتمكن من الإتيان بضياء النهار، أفلا تسمعون ذلك سماع تدبر وتفهم وتفكر، فتقلعوا عن الإشراك بالله؛ لأن كل من سوى الله عاجز عن ذلك وغيره؟ ثم ذكر العكس فقال:
- ﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ، أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾؟ أي وقل لهم أيضا أيها الرسول: أخبروني إن جعل الله زمنكم كله نهارا، فجعل النهار دائما متصلا إلى يوم القيامة دون أن يعقبه ليل، فتتعب الأبدان وتكل الأجسام من كثرة الحركات والأشغال، فمن ذلك الإله غير الله يستطيع الإتيان بليل تستقرون وتستريحون فيه من عناء التعب، أفلا تبصرون هذه الظاهرة والحقيقة الدالة على القدرة الإلهية التامة، فتعلموا أن المستحق للعبادة والتأليه هو الله المنعم بهذه النعم؟ - ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي ومن رحمته بكم أيها الخلق تعاقب الليل والنهار وتفاوتهما، فجعل لكم الليل ظلاما للراحة والسكن والاستقراء وهدوء النفس من عناء العمل النهاري، وجعل لكم النهار مضيئا لتبصروا فيه منافعكم، وتحصلون فيه معايشكم، وتتنقلوا فيه بالأسفار من بلد لآخر، ويمتلئ بالحركات والأشغال، بحثا عن موارد الرزق، وقضاء الحاجات بأنس ومتعة لا يتوافران في العمل الليلي، فتشكروا الله بأنواع العبادات ليلا ونهارا على ما أنعم به عليكم من هذه النعم دون أن يشاركه فيها شريك؟ دلّ هذا بحق على أن تعاقب الليل والنهار من أعظم النعم على المخلوقات، بل ومن البراهين الدالة على كمال القدرة الإلهية، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان ٦٢/ ٢٥]
стр. 6053
ونحو ذلك من الآيات الكثيرة. وهذا التعاقب لأغراض ثلاثة: أن تسكنوا في أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضل الله في الآخر، وهو النهار، ولإرادة شكركم على المنفعتين معا.
ويلاحظ أنه تعالى قرن قوله ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ بالليل، لمناسبته له، ففي سكون الليل وظلامه يكون إعمال السمع أفيد، ففيه يدرك الإنسان ما لا يدركه بالبصر من منافع وفوائد. ثم قرن قوله: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ بالنهار، لمناسبته له، ففي ضوء النهار يكون إعمال البصر أوقع، ففيه يدرك الإنسان بعينه من المنافع والفوائد والعظات ما لا يدركه السمع أثناء الضجة والحركة، وعلى هذا كان التذييل بما هو الأليق بكل من الليل والنهار.
وأما سبب التذييل بكل منهما فهو الحث على الانتفاع بما يسمعون ويبصرون تأملا وتدبرا، فلما لم ينتفعوا بالسمع والبصر نزّلوا منزلة من لا يسمع ولا يبصر.
ثم أعاد الله تعالى النداء لمن عبد مع الله إلها آخر على رؤوس الأشهاد على سبيل التوبيخ والتقريع فقال:
﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ: أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؟ أي واذكر أيها الرسول للمشركين يوم يناديهم ربك، فيقول لهم: أين شركائي الذين كنتم تزعمون في دار الدنيا أنهم شركائي، ليخلّصوكم مما أنتم فيه.
والقصد من تأكيد هذا النداء مرة ثانية التنبيه على أنه لا شيء أجلب لغضب الله تعالى من الإشراك به، كما أنه لا شيء أدعى لمرضاته من توحيده تعالى.
قال القرطبي: والمناداة هنا ليست من الله؛ لأن الله تعالى لا يكلم الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [البقرة ١٧٤/ ٢] لكنه تعالى يأمر من يوبخهم ويبكّتهم، ويقيم الحجة عليهم في مقام الحساب (١).
стр. 6054
ويترتب على هذا النداء التوبيخي زيادة غمهم وفرط حزنهم وألمهم، وقد أكد ذلك بالإشهاد عليهم، ليعلم أن التقصير منهم، فيكون ذلك زائدا في غمهم، فقال:
﴿وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً، فَقُلْنا: هاتُوا بُرْهانَكُمْ، فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ، وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي وأخرجنا أو أحضرنا من كل أمة شاهدا عليهم وهو نبيهم أو رسولهم، كما قال تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ﴾ [الزمر ٦٩/ ٣٩] وقال: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء ٤١/ ٤] فكل رسول يشهد على قومه بأعمالهم في الدنيا، ويشهد محمد ﷺ على الأنبياء جميعا.
وقلنا لهم: أحضروا برهانكم على صحة ما ادعيتموه من أن لله شريكا، فلم يتمكنوا ولم يجيبوا، وعلموا علم اليقين حينئذ أن الحق في الألوهية لله وحده، فلا إله غيره، ولا رب سواه، ولا شريك له في ملكه وسلطانه، وذهب عنهم أو تبدد باطلهم وافتراؤهم، وتضليلهم وكذبهم الذي كان منهم في الدنيا بنسبة الشريك لله، فلم ينفعهم شيئا، كما غابت عنهم آلهتهم غيبة الشيء الضائع، فلم ينفعوهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
١ - إن تعاقب الليل والنهار دليل على عظمة الله وقوة سلطانه وتوحيده، وهو أيضا نعمة ورحمة بالمخلوقات جميعا من إنسان وحيوان ونبات وجماد، أما بالنسبة للإنسان ففي الليل دعة وهدوء، وسكون وراحة من عناء العمل، وفي النهار حركة وعمل وتكسب وطلب لرزق الله تعالى.
وتلك النعمة تستوجب الشكر، وتستحق حمد الله على الدوام، ويكون
стр. 6055
الشكر بأنواع العبادات في الليل والنهار، ومن فاته شيء بالليل استدركه بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل.
٢ - تتكرر مناداة الآلهة المزعومة من أصنام وغيرها أمام الله تعالى يوم القيامة، ففي المرة الأولى لا يستجيبون، فتظهر حيرة أتباعهم وعابديهم، وفي المرة الأخرى يسكتون، وذلك كله توبيخ وتقريع للمشركين وزيادة خزي وتحقير أمام الخلائق قاطبة.
٣ - يزداد غم المشركين وتتضاعف حسرتهم وكمدهم وألمهم حين يشهد عليهم بأعمالهم نبيهم المبعوث إليهم في الدنيا لدعوتهم إلى توحيد الله وعبادته، ويطلب منهم إحضار حجتهم على صحة أو صدق ادعائهم، ولكنهم يعجزون، ويدركون إدراكا جازما أن الأنبياء صادقون فيما جاؤوا به، وأن الله وحده هو الإله الحق، ويذهب عنهم ويبطل كل ما كانوا يختلقونه من الكذب على الله تعالى من أن معه آلهة أخرى تعبد.
قصة قارون
- ١ -
بغيه على قوم موسى واغتراره بماله
﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَاِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾
стр. 6056
الإعراب:
﴿ما إِنَّ مَفاتِحَهُ﴾ ﴿ما﴾ اسم موصول بمعنى الذي في موضع نصب ب ﴿آتَيْناهُ﴾ وصلته:
﴿إِنَّ﴾ وما عملت فيه. وكسرت ﴿إِنَّ﴾ لأنها متى وقعت في موضع يصلح اسما وفعلا، كانت مكسورة، والاسم الموصول يدخل على الجملة الاسمية والجملة الفعلية. و ﴿أُولِي﴾ واحدها ذو من غير لفظها.
﴿عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ في موضع الحال.
البلاغة:
﴿لا تَفْرَحْ﴾ ﴿الْفَرِحِينَ﴾ وكذا ﴿الْفَسادَ﴾ ﴿الْمُفْسِدِينَ﴾ بين كل جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿قارُونَ﴾ هو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب ﵇. ﴿مِنْ قَوْمِ مُوسى﴾ كان ابن عمه؛ لأن موسى هو ابن عمران بن قاهث، وكان أيضا ابن خالته، وممن آمن به.
﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ تكبر عليهم وتجبر بكثرة المال وظلمهم وطلب أن يكونوا تحت أمره. ﴿الْكُنُوزِ﴾ جمع كنز: وهو المال المدخر، يقال: كنز المال: جمعه وادخره. ﴿مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ﴾ تثقل خزائنه أي صناديقه، جمع مفتح، أو مقاليده أي مفاتيحه جمع مفتح وهو ما يفتح به. ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾ الجماعة الكثيرة. ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أصحاب الشدة. ﴿قَوْمُهُ﴾ المؤمنون من بني إسرائيل. ﴿لا تَفْرَحْ﴾ بكثرة المال، أي لا تبطر وتتمسك بالدنيا دون الآخرة.
﴿وَابْتَغِ﴾ اطلب. ﴿فِيما آتاكَ اللهُ﴾ من المال. ﴿الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي ثوابها، بأن تنفقه في طاعة الله. ﴿وَلا تَنْسَ﴾ تترك ترك المنسي. ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ أي حظك منها بأن تأخذ منها ما يكفيك أو أن تعمل فيها للآخرة. ﴿وَأَحْسِنْ﴾ للناس بالصدقة. ﴿وَلا تَبْغِ﴾ تطلب. ﴿الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ﴾ بأمر يكون علة للظلم والبغي أي بعمل المعاصي. ﴿لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي يعاقبهم.
стр. 6057
﴿أُوتِيتُهُ﴾ أي المال. ﴿عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي معرفة مني ومهارة في اكتساب المال، قيل:
إنه علم التجارة. ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ الأمم. ﴿وَأَكْثَرُ جَمْعاً﴾ للمال. ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ سؤال استعلام، فإنه تعالى مطلع عليها، معاقبهم عليها لا محالة.
المناسبة:
بعد تقريع المشركين وتوبيخهم، ذكر الله تعالى قصة قارون لبيان عاقبة الكافرين والمتجبرين في الدنيا والآخرة، فقد أهلك قارون بالخسف والزلزلة، وهو في الآخرة كالمشركين من أهل النار.
أضواء من التاريخ على قصة قارون:
عرفنا أن قارون هو ابن يصهر بن قاهث جدّ موسى، فهو ابن عمه، وقال ابن عباس: وكان أيضا ابن خالته. وكان يسمى المنوّر لحسن صورته، وكان أحفظ بني إسرائيل للتوراة وأقرأهم، فنافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله.
فهو رجل من بني إسرائيل، آتاه الله مالا كثيرا، حتى إن مفاتيح خزائنه كان تنوء بحملها عصبة من الرجال. نصحه أهل الوعظ والإرشاد من قومه بالبعد عن البطر والتجبر والإفساد في الأرض، وأن يستعمل ماله في مرضاة الله، مع الانتفاع ببعضه في مصالح الدنيا بقدر الكفاية، وألا ينفقه فيما يغضب الله تعالى، حتى لا يتعرض لزوال النعمة، فأبى الامتثال لنصح الناصحين، وقال في ماله: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ والظاهر أنه جمعه بما لديه من ذكاء وخبرة في شؤون التجارة، ولكنه غفل عن بطش الله بالمتجبرين المتكبرين من أمثاله في الأمم الغابرة الذين كانوا أشد منه قوة وأكثر جمعا للمال.
وقد استبد به الكبر والخيلاء أن كان يخرج في موكب مهيب وزينة فاخرة باهرة، فافتتن بعض الناس بمظاهره، وتمنوا أن يؤتوا مثله من المال، فقال لهم
стр. 6058
أهل العلم والبصر والحكمة: لا تفتتنوا به ولا تطمعوا، فثواب الله خير للمؤمن الذي يعمل الصالحات، فكان عاقبة طغيانه وظلمه وجحوده نعمة الله أن خسف الله به وبداره الأرض، دون أن يجد له نصيرا أو معينا.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ أي إن قارون الذي أصبح مضرب المثل والغنى والثروة والظلم والعتو كان من بني إسرائيل، فتجبر وتكبر بكثرة ماله، وتجاوز الحد في ظلمهم، وطلب منهم أن يكونوا تحت إمرته، مع أنه قريبهم:
وظلم ذوي القربى أشد غضاضة... على المرء من وقع الحسام المهنّد
﴿وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أي وأعطيناه من الأموال النقدية والعينية المدخرة التي يثقل بحمل مفاتيح خزائنها العصبة (الجماعة الكثيرة) القوية من الناس. قال ابن عباس: إن مفاتيح خزائنه كان يحملها أربعون رجلا من الأقوياء.
فنصحه الوعاظ بمواعظ خمس قائلين:
١ - ﴿إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ: لا تَفْرَحْ، إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أي قال له جماعة من بني إسرائيل من النصحاء، حينما أظهر التفاخر والتعالي: لا تبطر ولا تفرح بما أنت فيه من المال، فإن الله لا يحب الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، ولا يستعدون للآخرة، أي يبغضهم ويعاقبهم، كقوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ، وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد ٢٣/ ٥٧].
٢ - ﴿وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي استعمل ما وهبك الله من هذا
стр. 6059
المال الجزيل، والنعمة الطائلة، في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة، فإن الدنيا مزرعة الآخرة.
٣ - ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ أي لا تترك حظك من لذات الدنيا التي أباحها الله من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والزواج، فإن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزورك (زوارك) عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه. وهذه هي وسطية الإسلام في الحياة، قال ابن عمر: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا».
٤ - ﴿وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ أي وأحسن إلى خلقه كما أحسن الرب إليك، وهذا أمر بالإحسان مطلقا بعد الأمر بالإحسان بالمال، ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه، وطلاقة الوجه، وحسن اللقاء، وحسن السمعة، أي أنه جمع بين الإحسان المادي، والإحسان الأدبي أو الخلقي.
٥ - ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ، إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي ولا تقصد الإفساد في الأرض بالظلم والبغي والإساءة إلى الناس، فإن الله يعاقب المفسدين، ويمنعهم رحمته وعونه وودّه.
ولكن قارون أبى النصح فقال:
﴿قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي قال قارون لقومه حين نصحوه وأرشدوه إلى الخير: أنا لا أحتاج لما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال، لعلمه بأني أستحقه، ولمعرفتي وخبرتي بكيفية جمعه، فأنا له أهل، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا، ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا، قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الزمر ٤٩/ ٣٩] أي على علم من الله بي، وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ، لَيَقُولَنَّ: هذا لِي﴾ [فصلت ٥٠/ ٤١] أي هذا أستحقه.
стр. 6060
فأجابه الله بقوله:
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً، وَأَكْثَرُ جَمْعاً، وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي أولم يدر في جملة ما عنده من الدراية والعلم حتى لا يغترّ بكثرة ماله وقوته أنه قد كان من هو أكثر منه مالا، وما كان ذلك منا عن محبة له، أو أنه أهل له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم، ولا يسأل المجرمون عن كثرة ذنوبهم، أي إذا عاقب الله تعالى المجرمين فلا حاجة به إلى أن يسألهم عن أنواع ذنوبهم ومقدارها؛ لأنه تعالى عالم بكل المعلومات، فلا حاجة به إلى السؤال. فالمراد بذلك سؤال الاستفسار والاستعلام، كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وسؤال الاستعتاب، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل ٨٤/ ١٦]. ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات ٢٥/ ٧٧ - ٢٦].
ونظير الآية: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٣٩/ ٥٥].
ولا يتنافى هذا مع سؤالهم في وقت آخر سؤال توبيخ وإهانة، كما في قوله سبحانه: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر ٩٢/ ١٥ - ٩٣].
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - البغي مرتعه وخيم، والظلم مؤذن بخراب العمران والديار.
٢ - إن كثرة المال محنة وبلاء، وسبب للطغيان والفساد.
٣ - الجاهل الذي لا علم لديه، أو علمه ناقص هو الذي يغترّ بماله، ويبطر