← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

الإعراب: ﴿ما إِنَّ مَفاتِحَهُ﴾ ﴿ما﴾ اسم موصول بمعنى الذي في موضع نصب ب ﴿آتَيْناهُ﴾ وصلته: ﴿إِنَّ﴾ وما عملت فيه. وكسرت ﴿إِنَّ﴾ لأنها متى وقعت في موضع يصلح اسما وفعلا، كانت مكسورة، والاسم الموصول يدخل على الجملة الاسمية والجملة الفعلية. و ﴿أُولِي﴾ واحدها ذو من غير لفظها. ﴿عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ في موضع الحال. البلاغة: ﴿لا تَفْرَحْ﴾ ﴿الْفَرِحِينَ﴾ وكذا ﴿الْفَسادَ﴾ ﴿الْمُفْسِدِينَ﴾ بين كل جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿قارُونَ﴾ هو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب ﵇. ﴿مِنْ قَوْمِ مُوسى﴾ كان ابن عمه؛ لأن موسى هو ابن عمران بن قاهث، وكان أيضا ابن خالته، وممن آمن به. ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ تكبر عليهم وتجبر بكثرة المال وظلمهم وطلب أن يكونوا تحت أمره. ﴿الْكُنُوزِ﴾ جمع كنز: وهو المال المدخر، يقال: كنز المال: جمعه وادخره. ﴿مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ﴾ تثقل خزائنه أي صناديقه، جمع مفتح، أو مقاليده أي مفاتيحه جمع مفتح وهو ما يفتح به. ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾ الجماعة الكثيرة. ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أصحاب الشدة. ﴿قَوْمُهُ﴾ المؤمنون من بني إسرائيل. ﴿لا تَفْرَحْ﴾ بكثرة المال، أي لا تبطر وتتمسك بالدنيا دون الآخرة. ﴿وَابْتَغِ﴾ اطلب. ﴿فِيما آتاكَ اللهُ﴾ من المال. ﴿الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي ثوابها، بأن تنفقه في طاعة الله. ﴿وَلا تَنْسَ﴾ تترك ترك المنسي. ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ أي حظك منها بأن تأخذ منها ما يكفيك أو أن تعمل فيها للآخرة. ﴿وَأَحْسِنْ﴾ للناس بالصدقة. ﴿وَلا تَبْغِ﴾ تطلب. ﴿الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ﴾ بأمر يكون علة للظلم والبغي أي بعمل المعاصي. ﴿لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي يعاقبهم.

стр. 6057

﴿أُوتِيتُهُ﴾ أي المال. ﴿عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي معرفة مني ومهارة في اكتساب المال، قيل: إنه علم التجارة. ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ الأمم. ﴿وَأَكْثَرُ جَمْعاً﴾ للمال. ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ سؤال استعلام، فإنه تعالى مطلع عليها، معاقبهم عليها لا محالة. المناسبة: بعد تقريع المشركين وتوبيخهم، ذكر الله تعالى قصة قارون لبيان عاقبة الكافرين والمتجبرين في الدنيا والآخرة، فقد أهلك قارون بالخسف والزلزلة، وهو في الآخرة كالمشركين من أهل النار. أضواء من التاريخ على قصة قارون: عرفنا أن قارون هو ابن يصهر بن قاهث جدّ موسى، فهو ابن عمه، وقال ابن عباس: وكان أيضا ابن خالته. وكان يسمى المنوّر لحسن صورته، وكان أحفظ بني إسرائيل للتوراة وأقرأهم، فنافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله. فهو رجل من بني إسرائيل، آتاه الله مالا كثيرا، حتى إن مفاتيح خزائنه كان تنوء بحملها عصبة من الرجال. نصحه أهل الوعظ والإرشاد من قومه بالبعد عن البطر والتجبر والإفساد في الأرض، وأن يستعمل ماله في مرضاة الله، مع الانتفاع ببعضه في مصالح الدنيا بقدر الكفاية، وألا ينفقه فيما يغضب الله تعالى، حتى لا يتعرض لزوال النعمة، فأبى الامتثال لنصح الناصحين، وقال في ماله: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ والظاهر أنه جمعه بما لديه من ذكاء وخبرة في شؤون التجارة، ولكنه غفل عن بطش الله بالمتجبرين المتكبرين من أمثاله في الأمم الغابرة الذين كانوا أشد منه قوة وأكثر جمعا للمال. وقد استبد به الكبر والخيلاء أن كان يخرج في موكب مهيب وزينة فاخرة باهرة، فافتتن بعض الناس بمظاهره، وتمنوا أن يؤتوا مثله من المال، فقال لهم

стр. 6058

أهل العلم والبصر والحكمة: لا تفتتنوا به ولا تطمعوا، فثواب الله خير للمؤمن الذي يعمل الصالحات، فكان عاقبة طغيانه وظلمه وجحوده نعمة الله أن خسف الله به وبداره الأرض، دون أن يجد له نصيرا أو معينا. التفسير والبيان: ﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ أي إن قارون الذي أصبح مضرب المثل والغنى والثروة والظلم والعتو كان من بني إسرائيل، فتجبر وتكبر بكثرة ماله، وتجاوز الحد في ظلمهم، وطلب منهم أن يكونوا تحت إمرته، مع أنه قريبهم: وظلم ذوي القربى أشد غضاضة... على المرء من وقع الحسام المهنّد ﴿وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أي وأعطيناه من الأموال النقدية والعينية المدخرة التي يثقل بحمل مفاتيح خزائنها العصبة (الجماعة الكثيرة) القوية من الناس. قال ابن عباس: إن مفاتيح خزائنه كان يحملها أربعون رجلا من الأقوياء. فنصحه الوعاظ بمواعظ خمس قائلين: ١ - ﴿إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ: لا تَفْرَحْ، إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أي قال له جماعة من بني إسرائيل من النصحاء، حينما أظهر التفاخر والتعالي: لا تبطر ولا تفرح بما أنت فيه من المال، فإن الله لا يحب الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، ولا يستعدون للآخرة، أي يبغضهم ويعاقبهم، كقوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ، وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد ٢٣/ ٥٧]. ٢ - ﴿وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي استعمل ما وهبك الله من هذا

стр. 6059

المال الجزيل، والنعمة الطائلة، في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة، فإن الدنيا مزرعة الآخرة. ٣ - ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ أي لا تترك حظك من لذات الدنيا التي أباحها الله من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والزواج، فإن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزورك (زوارك) عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه. وهذه هي وسطية الإسلام في الحياة، قال ابن عمر: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا». ٤ - ﴿وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ أي وأحسن إلى خلقه كما أحسن الرب إليك، وهذا أمر بالإحسان مطلقا بعد الأمر بالإحسان بالمال، ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه، وطلاقة الوجه، وحسن اللقاء، وحسن السمعة، أي أنه جمع بين الإحسان المادي، والإحسان الأدبي أو الخلقي. ٥ - ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ، إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي ولا تقصد الإفساد في الأرض بالظلم والبغي والإساءة إلى الناس، فإن الله يعاقب المفسدين، ويمنعهم رحمته وعونه وودّه. ولكن قارون أبى النصح فقال: ﴿قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي قال قارون لقومه حين نصحوه وأرشدوه إلى الخير: أنا لا أحتاج لما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال، لعلمه بأني أستحقه، ولمعرفتي وخبرتي بكيفية جمعه، فأنا له أهل، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا، ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا، قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الزمر ٤٩/ ٣٩] أي على علم من الله بي، وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ، لَيَقُولَنَّ: هذا لِي﴾ [فصلت ٥٠/ ٤١] أي هذا أستحقه.

стр. 6060

فأجابه الله بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً، وَأَكْثَرُ جَمْعاً، وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي أولم يدر في جملة ما عنده من الدراية والعلم حتى لا يغترّ بكثرة ماله وقوته أنه قد كان من هو أكثر منه مالا، وما كان ذلك منا عن محبة له، أو أنه أهل له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم، ولا يسأل المجرمون عن كثرة ذنوبهم، أي إذا عاقب الله تعالى المجرمين فلا حاجة به إلى أن يسألهم عن أنواع ذنوبهم ومقدارها؛ لأنه تعالى عالم بكل المعلومات، فلا حاجة به إلى السؤال. فالمراد بذلك سؤال الاستفسار والاستعلام، كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وسؤال الاستعتاب، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل ٨٤/ ١٦]. ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات ٢٥/ ٧٧ - ٢٦]. ونظير الآية: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٣٩/ ٥٥]. ولا يتنافى هذا مع سؤالهم في وقت آخر سؤال توبيخ وإهانة، كما في قوله سبحانه: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر ٩٢/ ١٥ - ٩٣]. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: ١ - البغي مرتعه وخيم، والظلم مؤذن بخراب العمران والديار. ٢ - إن كثرة المال محنة وبلاء، وسبب للطغيان والفساد. ٣ - الجاهل الذي لا علم لديه، أو علمه ناقص هو الذي يغترّ بماله، ويبطر

стр. 6061

عند النعمة، فإن الله تعالى يعاقب الأشرين البطرين الذين لا يشكرون نعمة الله تعالى عليهم. ٤ - إن أصول الحضارة الإسلامية أربعة: العمل الصالح ابتغاء ثواب الآخرة، وعمارة الدنيا بإتقان دون أن تستولي على مشاعر الإنسان، والإحسان إلى الناس إحسانا ماديا ومعنويا أو خلقيا، وقمع الفساد والعصيان والخراب. فمن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة، لا في التجبر والبغي، وألا يضيع عمره في غير العمل الصالح في دنياه؛ إذ الآخرة هي التي يعمل لها، فنصيب الإنسان: عمره وعمله الصالح فيها، بأن يطيع الله ويعبده كما أنعم عليه، وألا يعمل بالمعاصي والإفساد، فإن الله يجازي المفسدين. ٥ - الله تعالى مصدر الخير والرزق، وما العبد إلا وسيلة، يجب عليه أن يعمل ويكتسب، والله هو الرازق الميسر له أسباب الرزق، المانح له الثراء والمال، فيكون هو المستحق للشكر على تلك النعمة. فمن الغباء والجهل أن ينسب الإنسان الخير والفضل لنفسه ومواهبه، أو يدعي أنه الحقيق الجدير بما أعطي، أو ينخدع بأن ما أعطيه دليل على محبة الله ورضاه عنه، فقد يكون العطاء فتنة واستدراجا، وليس قرينة الرضا والمودة. لذا كان اغترار قارون بكثرة ماله، وادعاؤه أنه أهل له عبثا باطلا. ٦ - أهلك الله كثيرا من الأمم الخالية الكافرة، وهم أشد قوة من قارون، وأكثر جمعا للمال منه، ولو كان المال يدل على فضل لما أهلكهم. ٧ - لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم سؤال استعلام واستعتاب، فالله عليم بكل شيء، ولا يقبل اعتذارهم ولا عتبهم، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ كما بينا.

стр. 6062

- ٢ - بعض مظاهر بغي قارون وكبريائه ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢)﴾ الإعراب: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أراد: وقال الذين فحذف الواو كما حذفت من قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ: ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ، وَيَقُولُونَ: خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف ٢٢/ ١٨] أي ورابعهم. ﴿وَيْكَأَنَّ اللهَ﴾ ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ «وي»: منفصلة من «كأن» بمعنى أعجب، وهي كلمة يقولها المتندم إذا أظهر ندامته. وكأن الله: بلفظ التشبيه، لكن ليس بمعنى التشبيه، أي إن الله. ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ.﴾. أن مخففة من الثقيلة من غير عوض، وإن كانت قد دخلت على الفعل، وتقديره: لولا أن الأمر والشأن منّ الله علينا لخسف بنا. وقرئ لخسف وخسف ولا يخسف بنا. فعلى القراءة الأولى: معناه: لخسف الله بنا والجار والمجرور في موضع نصب بالفعل، وعلى القراءة الثانية: الجار والمجرور في موضع رفع، لقيامه مقام نائب الفاعل، وعلى القراءة الثالثة حذفت الكسرة تخفيفا، والقراءة الرابعة كقراءة لخسف بنا للبناء للمجهول.

стр. 6063

البلاغة: ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ تأكيد الجملة بإن واللام؛ لأن السامع شاك متردد. ﴿تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ كناية، كنّى عن الزمن الماضي القريب بلفظ ﴿بِالْأَمْسِ﴾. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿فَخَرَجَ﴾ قارون ﴿عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ في موكب مهيب يتبعه الركبان متحلين بملابس الذهب والحرير على خيول وبغال متحلية، وكانوا أربعة آلاف. ﴿الدُّنْيا﴾ للتنبيه ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ في الدنيا، تمنوا مثله، لا عينه حذرا من الحسد، ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ﴾ لصاحب نصيب ﴿عَظِيمٍ﴾ واف في الدنيا ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بأحوال الآخرة وما وعد الله فيها، فالمراد بالعلم: علم الدين وأحوال المتقين ﴿وَيْلَكُمْ﴾ الويل: الهلاك أو العذاب، والمراد هنا: الزجر عما لا ينبغي ﴿ثَوابُ اللهِ﴾ في الآخرة بالجنة ﴿خَيْرٌ﴾ مما أوتي قارون في الدنيا ﴿وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ﴾ أي لا يتلقى الجنة المثاب بها ﴿إِلاَّ الصّابِرُونَ﴾ على الطاعات وعن المعاصي. ﴿فَخَسَفْنا بِهِ﴾ أي بقارون، وخسف: غار في الأرض، والمراد: جعلنا عاليها سافلها ﴿فِئَةٍ﴾ جماعة أعوان ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره، بأن يمنعوا عنه الهلاك ﴿وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ الممتنعين من عذاب الله تعالى ﴿بِالْأَمْسِ﴾ من قريب ﴿وَيْكَأَنَّ اللهَ﴾ أي ألم تر أن الله، وكلمة «وي» اسم فعل بمعنى أتعجب، وكأن: للتشبيه في الأصل، وليس المراد بها هنا التشبيه، وإنما المراد: بل إن الله ﴿يَبْسُطُ﴾ يمدّ ويعطي ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيق ويقتر بمقتضى مشيئته، لا لكرامة تقتضي البسط، ولا لهوان يوجب القبض. المناسبة: هذا فصل آخر من قصة قارون، فبعد أن ذكر الله تعالى بغيه على بني إسرائيل وتجبره عليهم، أعقبه ببيان بعض مظاهر بغيه وكبريائه، فقام باستعراض عظمته وقوته وأبهته، تعاليا على الناس، وإذلالا للنفوس، وكسرا للقلوب، فعاقبه الله بالخسف والزلزال، وأصبح المعجبون بحاله متعجبين مما حل به، وأدركوا أن الإمداد بالرزق الإلهي لا لكرامة ومنزلة للإنسان عند الله، كما أن حجب الرزق لا لهوان وسخط.

стр. 6064

التفسير والبيان: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ أي فخرج قارون يوما على قومه في زينة عظيمة وتجمل باهر، من مراكب وملابس عليه وعلى حاشيته، بقصد التعالي على الناس، وإظهار العظمة والأبهة. قال الرازي: وليس في القرآن إلا هذا القدر (١)، يعني أن وصف الزينة كما يذكر بعض المفسرين لا دليل عليه. ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ، إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي فلما خرج في مظاهر الأبهة كان طبيعيا أن يفتتن بعض الناس به، وهم السذّج والجهال الذين يريدون الحياة الدنيا، ويميلون إلى زخارفها وزينتها، فتمنوا أن لو كان لهم مثل ما أعطي، وقالوا: يا ليت لنا من الأموال والثروات والأوضاع ما لقارون، لنتمتع بها مثله، فإنه ذو نصيب وافر من الدنيا. وهذه نزعة جبلّيّة في الإنسان، فهو دائما يطمع في السعة واليسار: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات ٨/ ١٠٠]. وفي مقابلة هذا الفريق يوجد فريق آخر هم أهل الحكمة والعلم وبعد النظر: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ﴾ أي وقال علماء الدين وأهل العلم النافع: ويلكم أي انزجروا وارتدعوا عن هذه التمنيات والأقوال، فإن جزاء الله ومثوبته لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون وما تتمنون، ولكن لا يتلقى الجنة أو المثوبة ولا يوفق لها إلا الصابرون على الطاعات وعن المعاصي، الراغبون في الدار الآخرة، الراضون بقضاء الله في كل ما قسم من المنافع والمضار، المترفعون عن محبة الدنيا، وذلك كما جاء في الحديث الصحيح: «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر،

стр. 6065

واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧/ ٣٢]. ثم ذكر تعالى عقاب قارون فقال: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ﴾ أي بعد أن اختال قارون في زينته وفخره على قومه وبغيه عليهم، زلزلنا به وبداره الأرض، فابتلعته وغاب فيها جزاء بطره وعتوه، كما ثبت في صحيح البخاري عن سالم أن أباه حدثه أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يجرّ إزاره، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة». ﴿فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ أي ما أغنى عنه ماله ولا حاشيته، ولا دفعوا عنه نقمة الله ونكاله، ولا كان هو في نفسه منتصرا لها، فأصبح لا ناصر له من نفسه ولا من غيره. ولا داعي لبيان أسباب الخسف المروية في التفاسير، فإنها كما ذكر الرازي في أكثر الأمر متعارضة مضطربة، والأولى طرحها، والاكتفاء بما دل عليه نص القرآن، وتفويض سائر التفاصيل إلى عالم الغيب (١). وحينئذ ظهرت العبرة للمعتبر، وتبين المفتونون بمال قارون حقيقة الأمر: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ: وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ أي صار الذين رأوه في زينته وتمنوا في الماضي القريب أن يكونوا مثله يقولون: ألم تر أن الله يمدّ الرزق لمن يشاء من خلقه ويضيقه على من يشاء، وليس المال بدال على رضا الله عن صاحبه، فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسّع، ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغة، كما

стр. 6066

جاء في الحديث المرفوع عن ابن مسعود: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب». ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا، وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ أي لولا لطف الله بنا، وإحسانه إلينا، لخسف بنا الأرض، كما خسف بقارون؛ لأنا وددنا أن نكون مثله، وألم تر أن الله لا يحقق الفوز والنجاح للكافرين به، المكذبين رسله، المنكرين ثواب الله وعقابه في الآخرة، مثل قارون. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: ١ - لقد استبد البغي والغرور والبطر والكبر بقارون، فتعالى على قومه بني إسرائيل، وأراد إظهار أبهته وعظمته أمامهم، فخرج عليهم في يوم عيد في موكب مهيب مزدان بمتاع الحياة الدنيا من الثياب والتجمل والدواب. ٢ - انقسم الناس في شأن قارون بعد هذا الاستعراض فريقين: فريق ينبهر بسطحيات الأمور، فأعجب بهذا المظهر، وتمنى أن يكون مثل قارون في الثروة والمال والعزة والجاه، وهؤلاء هم الماديون في كل زمان. وفريق نور الله بصيرته، ولم يغتر بمظاهر الدنيا وزخارفها، وإنما نظر إلى الحقائق، وأدرك أن الدنيا فانية، وأن السعادة بالفوز في الآخرة، وهؤلاء هم العلماء المؤمنون العارفون بمصير العالم والإنسان وهم أحبار بني إسرائيل، فقالوا لأصحابهم الفريق الأول: ويلكم (كلمة زجر) ثواب الله أي الجنة ونعيمها خير من مال قارون وجاهه، وهي لمن آمن وعمل الأعمال الصالحة، ولا يؤتى الجنة في الآخرة إلا الصابرون على طاعة الله. ويلاحظ أن الضمير في قوله: ﴿وَلا يُلَقّاها﴾ يراد به الجنة؛ لأنها المعنية بقوله تعالى: ﴿ثَوابُ اللهِ﴾.

стр. 6067

٣ - كان عقاب قارون في الدنيا الخسف به وبداره الأرض، فأصبح كأن لم يكن، وله في الآخرة عذاب النار، ولم يكن له في الحالين جماعة ينصرونه ويمنعونه من عذاب الله، وما كان من المنتصرين الممتنعين من العذاب. ٤ - إن في ذلك لعبرة للمتأمل، فقد ندم الذين تمنوا أن يكونوا مثله، وتنبهوا إلى حقيقة الأمر، وتعجبوا من تعجيل العقاب، وأدركوا أن سعة الرزق ليست دليلا على رضوان الله، كما أن تقتير الرزق ليس علامة على سخط الله، وحمدوا الله على فضله ورحمته وعصمته من مثل ما كان عليه قارون من البغي والبطر وما نزل به من العقاب، وأيقنوا أن لا فلاح ولا فوز عند الله للكافرين به، المكذبين رسله، الجاحدين نعمته. ٥ - إن عاقبة الكبر والتعالي وخيمة، وإن الاغترار بالأموال والأوصاف نذير سوء، ذكر الحافظ محمد بن المنذر في كتاب «العجائب الغريبة» عن نوفل بن مساحق قال: رأيت شابا في مسجد نجران، فجعلت أنظر إليه، وأتعجب من طوله وتمامه وجماله، فقال: ما لك تنظر إلي؟ فقلت: أتعجب من جمالك وكمالك. فقال: إن الله ليعجب مني، قال: فما زال ينقص حتى صار بطول الشبر، فأخذه بعض قرابته في كمه، وذهب به. وهذا واضح اليوم حين يفترس السرطان جسد الإنسان، فيتآكل عظمه من الداخل تدريجيا، ويضمر ويصيبه الهزال الشديد، حتى يصبح قزما صغيرا، ثم يموت.

стр. 6068

- ٣ - محل الجزاء ومقداره والعبرة من قصة قارون ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ الإعراب: ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ﴾ ﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ، و ﴿الدّارُ الْآخِرَةُ﴾: إما خبر، فيكون قوله تعالى: ﴿نَجْعَلُها﴾ في موضع نصب على الحال أو في موضع رفع خبر بعد خبر، وإما عطف بيان، فيكون قوله: ﴿نَجْعَلُها﴾ خبر المبتدأ. البلاغة: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها﴾ ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى﴾ إلا مثلها بينهما مقابلة. ﴿فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ وضع الظاهر وهو السيئات موضع الضمير أي «عملوها» تهجينا لحالهم، بتكرير إسناد السيئة لهم. المفردات اللغوية: ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ﴾ أي الجنة، وتلك: إشارة تعظيم، كأنه قال: تلك التي سمعت خبرها وبلغك وصفها ﴿عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ قهرا وتكبرا وغلبة ﴿وَلا فَساداً﴾ ظلما على الناس، كما أراد فرعون وقارون ﴿وَالْعاقِبَةُ﴾ المصير المحمود ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عقاب الله أو ما لا يرضاه الله، بفعل الطاعات. ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ الفعلة الطيبة ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها﴾ ذاتا وقدرا ووصفا ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ الفعلة المنكرة الخبيثة ﴿إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي إلا مثل ما كانوا يعملون، فحذف المثل، وأقام مقامه: ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مبالغة في المماثلة.

стр. 6069

المناسبة: بعد بيان قول أهل العلم: ﴿ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ﴾ أبان الله تعالى محل هذا الجزاء وهو الدار الآخرة، وجعله للمؤمنين المتقين المتواضعين الذين لا يتكبرون على الناس ولا يفسدون فيهم، بظلمهم وأكل حقوقهم، ثم بيّن بعدئذ مقدار ذلك الجزاء الذي يحصل لهم: وهو أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، فأكثر، فضلا من الله ورحمة، وجزاء السيئة مثلها، لطفا من الله وعدلا. وذلك كله عبرة بقصة قارون المتجبر المتكبر الباغي. التفسير والبيان: ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً﴾ أي إن الدار الآخرة ونعيمها الدائم الذي لا يحول ولا يزول، ولا عناء فيه ولا مشقة، يجعلها ربك لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون ترفعا على خلق الله وتعاظما عليهم وتجبرا بهم بغير حق، ولا فسادا بأخذ أموالهم بغير حق. ولم يعلق الوعد بالنعيم بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل القلب إليهما. وقال: ﴿تِلْكَ﴾ على جهة التعظيم للجنة والتفخيم لشأنها، يعني تلك التي سمعت بذكرها، وبلغك وصفها. قال علي ﵁-فيما رواه ابن جرير عنه-: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ.﴾. الآية. قال ابن كثير: وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره، فإن ذلك مذموم، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه أوحي إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد».

стр. 6070

وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل، فهذا لا بأس به، فقد ثبت-فيما روي مسلم وأبو داود-أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق، وغمط الناس». ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي والمصير المحمود وهو الجنة لمن اتقى عذاب الله وخاف عقابه، بعمل الطاعات، وترك المحظورات المحرّمات، ولم يكن كفرعون الطاغية الجبار الكافر بالله، ولا كقارون الباغية الفاجر المكذب رسل الله، الذي يريد الفساد في الأرض والاستعلاء. ثم بين الله تعالى حال الجزاء على الأعمال فقال: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها﴾ أي من جاء بالخصلة الحسنة يوم القيامة، فله خير منها ذاتا ومقدارا وصفة، فثواب الله خير من حسنة العبد، والله يضاعفه أضعافا كثيرا، فضلا من الله ورحمة وإحسانا. ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي ومن أتى بالفعلة القبيحة المنكرة شرعا وعقلا وعرفا صحيحا مقبولا، فلا يجزى عليها إلا مثلها رحمة وعدلا، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ، هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل ٩٠/ ٢٧]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى الآتي: ١ - الجنة ونعيمها والعاقبة المحمودة للمؤمنين المتقين المتواضعين الذين لا يقصدون رفعة وتكبرا على الإيمان والمؤمنين، ولا فسادا بعمل المعاصي وأخذ المال بغير حق، وذلك من لم يكن مثل فرعون وقارون. وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ يردد هذه الآية حتى قبض.

стр. 6071

وقوله: ﴿عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً﴾ دليل على أن كل واحد من العلوّ والفساد مقصود، لا مجموعهما. والعلو: الرفعة والتكبر. والفساد: يعم كل أنواع الشر. ٢ - من أتى بالخصلة الحسنة، ومنها: لا إله إلا الله، فله منها خير، ومن جاء بالفعلة السيئة، ومنها الشرك فيعاقب بما يليق بعمله. وهذا من فضل الله العظيم ورحمته بالناس أنه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها، ويجزي بالحسنة عشر أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء. قصص النبي ﷺ وأصحابه مع قومه ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ الإعراب: ﴿أَعْلَمُ مَنْ جاءَ.﴾. ﴿مَنْ﴾: في موضع نصب بفعل مقدر دل عليه ﴿أَعْلَمُ﴾ وتقديره: يعلم من جاء بالهدى، كقوله: ﴿أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١١٧/ ٦] أي يعلم من يضل، ووجب التقدير لامتناع الإضافة.

стр. 6072

﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ ﴿وَجْهَهُ﴾: مستثنى منصوب. ويجوز فيه الرفع على الصفة، وتكون ﴿إِلاّ﴾ بمعنى غير، مثل: قام القوم إلا زيد، بالرفع على الوصف، كقولهم: قام القوم غير زيد، وكقول الشاعر: وكل أخ مفارقه أخوه... لعمر أبيك إلا الفرقدان أي غير الفرقدين. البلاغة: ﴿إِلاّ وَجْهَهُ﴾ مجاز مرسل، من قبيل إطلاق الجزء وإرادة الكل، أي ذاته المقدسة. المفردات اللغوية: ﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أنزله عليك، وأوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ أي بلده مكة، فكأن الله تعالى وعده وهو بمكة في أذى وغلبة من أهلها أنه يهاجر منها ويعيده إليها ظافرا منتصرا، علما بأن السورة مكية. وقيل: المعاد: هو المقام المحمود الذي وعده ربه أنه يبعثه فيه يوم القيامة، فيسأله عما استرعاه من أعباء النبوة. ﴿أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى﴾ ﴿أَعْلَمُ﴾ بمعنى عالم، و ﴿مَنْ﴾ منتصب بفعل يفسره: أعلم، أي فالنبي هو الجائي بالهدى، جوابا لقول كفار مكة: إنك في ضلال، والحقيقة أنهم هم في ضلال ﴿الْكِتابُ﴾ القرآن ﴿إِلاّ رَحْمَةً﴾ أي لكن ألقي إليك رحمة من ربك، أي لأجل الترحم ﴿ظَهِيراً﴾ معينا وناصرا ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ على دينهم الذي دعوك إليه، بمداراتهم، والتحمل منهم، والإجابة إلى طلبهم. ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ﴾ أصله: ولا يصدونك، حذفت نون الرفع للجازم، والواو الفاعل؛ لالتقائها مع النون الساكنة ﴿عَنْ آياتِ اللهِ﴾ أي عن قراءتها والعمل بها. ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ أي لا ترجع إليهم في ذلك ﴿وَادْعُ إِلى رَبِّكَ﴾ أي وادع الناس إلى توحيده وعبادته ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بإعانتهم، علما بأنه لم يؤثر الجازم في الفعل لبنائه ﴿وَلا تَدْعُ﴾ تعبد ﴿هالِكٌ﴾ معدوم ﴿إِلاّ وَجْهَهُ﴾ إلا ذاته ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ القضاء النافذ ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالنشور من قبوركم.

стр. 6073

سبب النزول: نزول الآية (٨٥): ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: لما خرج النبي ﷺ من مكة، فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾. وقال مقاتل: إنه ﷺ خرج من الغار-غار ثور حين الهجرة-وسار في غير الطريق، مخافة الطلب، فلما أمن رجع إلى الطريق، ونزل بالجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة، واشتاق إليها، وذكر مولده ومولد أبيه، فنزل جبريل ﵇، وقال له: تشتاق إلى بلدك ومولدك؟ فقال ﷺ : نعم، فقال جبريل ﵇: فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ يعني إلى مكة ظاهرا عليهم. قال الرازي: وهذا المعنى أقرب؛ لأن ظاهر المعاد أنه كان فيه، وفارقه وحصل العود، وذلك لا يليق إلا بمكة، وإن كان سائر الوجوه محتملا، لكن ذلك أقرب (١). المناسبة: قال الرازي أيضا: ثم إنه سبحانه لما شرح لرسوله أمر القيامة، واستقصى في ذلك، شرح له ما يتصل بأحواله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ (٢). وهذا يعني أن الله تعالى بعد أن قص في هذه السورة على رسوله قصص موسى مع فرعون، وقصص قارون مع قومه بني إسرائيل، وبيّن هلاك كل من

стр. 6074

الطاغيتين، أعقبه بذكر قصص النبي ﷺ وأصحابه مع قومه، وإخراجهم أو تهجيرهم إياه من مكة، ثم عوده إليها ظافرا منتصرا، متابعا دعوته إلى عبادة الله وتوحيده. التفسير والبيان: يأمر الله رسوله بإبلاغ الرسالة وتلاوة القرآن على الناس، ويخبره بأنه سيرده إلى معاد فقال: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ أي إن الله الذي أوجب عليك العمل بالقرآن وافترض عليك أداءه إلى الناس، لرادّك إلى بلدك الحبيب: مكة فاتحا ظافرا منتصرا، بعد خروجك منها مهاجرا. وكان هذا هو الفتح الأعظم الذي تم به الاستيلاء على معقل الكفر والوثنية، وتحطيم الأصنام المنصوبة حول الكعبة المشرفة. وهو وعد صادق منجز من الله لرسوله، حينما كان في مكة في طريقه إلى المدينة، فاطمأن لذلك وهدأت نفسه. قال المحققون: وهذا أحد ما يدل على نبوته؛ لأنه أخبر عن الغيب ووقع كما أخبر، فيكون معجزا. ولما وعد الله تعالى رسوله الرد إلى معاد أمره أن يقول للمشركين (كفار مكة) توبيخا لهم حينما اتهموه بأنه في ضلال القول الآتي: ﴿قُلْ: رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى، وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي قل أيها الرسول لمن خالفك وكذبك من قومك من المشركين ومن تبعهم على كفرهم: الله تعالى العالم البصير الذي يعلم الغيب والشهادة هو عالم بالمهتدي مني ومنكم، وعالم بالضال ضلالا بينا ظاهرا، وعالم بمن جاء بالهدى-يعني نفسه ﷺ -وهو القرآن، وبما يستحقه من الثواب في معاده، وإعزازه بالإعادة إلى مكة،

стр. 6075

وستعلمون لمن تكون له عاقبة الدار، ولمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة، فينصر المؤمن، ويخذل الكافر. ثم قال تعالى مذكرا نبيه نعمته العظيمة عليه وعلى الناس إذ أرسله إليهم: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي وما كنت أيها النبي تظن قبل إنزال الوحي إليك أن الوحي ينزل إليك، وأن القرآن ينزل على قلبك، فتعلم به أخبار الماضين، وتعرف منه دستور الحياة، وتشريع المجتمع الذي فيه سعادتهم ونجاتهم، ولكن إنما أنزل ربك الوحي عليك وألقى عليك الكتاب، رحمة منه بك وبالعباد بسببك. وبناء عليه كلفه ربه بأمور خمسة هي: ١ - ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ﴾ أي فلا تكن معينا للكفار بأي حال، ولكن فارقهم وخالفهم، وكن عونا للمسلمين، والله مؤيدك وحافظك. ٢ - ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ أي ولا تلتفت إلى هؤلاء المشركين، ولا تتأثر بهم ولا لمخالفتهم لك، ولا تركن إلى قولهم، فيصدّوك عن اتباع آيات الله المنزلة إليك، وتبليغها للناس، فإن الله معك، ومؤيد دينك، ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة ٦٧/ ٥]. ٣ - ﴿وَادْعُ إِلى رَبِّكَ﴾ أي وادع إلى عبادة ربك وحده لا شريك له، وبلّغ دينه، وأعلن رسالته دون تردد ولا خوف ولا تمهل. وهذا أمر بالصدع أو الجهر بالدعوة، وفيه تشدد بدعوة الكفار والمشركين، ولكن في مظلة الأمن والسلام، والمهادنة والموادعة.

стр. 6076

٤ - ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي واحذر أن تكون مع الذين أشركوا بربهم، فجعلوا له شريكا وندا، فتكون من الهالكين، لأن من رضي بطريقتهم كان منهم. وهذا النهي عن مظاهرة المشركين ونحو ذلك من باب إلهاب الحماس، وتهييج العاطفة، وإثارة الغيرة على استقلال دين التوحيد وعبادة الله. ثم فسر ذلك بقوله: ٥ - ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي ولا تعيد مع الله إلها آخر، ولا تدع في أي عمل من الأعمال إلها غير الله؛ لأنه لا تليق العبادة إلا له، ولا جدوى في الدعاء لغيره، ولا تنبغي الألوهية إلا لعظمته، ولا معبود يستحق العبادة سواه، كما قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ [المزمّل ٩/ ٧٣] أي فاتخذه وكيلا في أمورك، وهو نعم الوكيل. وهذا وإن كان واجبا على الكل، إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصا لأجل التعظيم. ثم بيّن الله تعالى صفات الألوهية التي تفرد بها فقال: أولا- ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ أي كل من في الوجود فان إلا ذات الله المقدسة، فهو الدائم الباقي، الحي القيوم، الذي يميت الخلائق ولا يموت، كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ [الرحمن ٢٦/ ٥٥ - ٢٧]. و قد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد: ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل»

стр. 6077

ومقتضى هذا أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس، فإنه الأول والآخر، الذي هو قبل كل شيء، وبعد كل شيء. ثانيا- ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ أي له الملك والتصرف والقضاء النافذ في الخلق، ولا معقب لحكمه. ثالثا- ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي مصير جميع الخلائق إليه، فإليه ترجعون يوم معادكم، فيجزيكم بأعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - ختم الله تعالى سورة القصص ببشارة نبيه محمد ﷺ برده إلى مكة، قاهرا لأعدائه، فاتحا البلد الحرام، مكسرا الأصنام، معلنا انتهاء عهد الشرك والوثنية، رافعا راية التوحيد إلى الأبد بأنه ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾. وهذا إشارة إلى الهجرة وإلى فتح مكة أيضا. ٢ - يستخدم القرآن أحيانا أسلوب اللين والحكمة وإثارة الانتباه والتفكير في حقيقة دعوة الإسلام، فلا يحسم الأمر ليترك سبيلا للمناقشة والأخذ والرد، وهذا من فنون السياسة الرفيعة المستوى، لذا أمر الله نبيه أن يقول: ﴿قُلْ: رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى، وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي قل لكفار مكة وأمثالهم إذا قالوا: إنك لفي ضلال مبين: ربي هو العالم بالمهتدي والضال: أنا أم أنتم. ٣ - لا علم لأحد، ولا علم لرسوله أن الله تعالى يرسله نبيا رسولا إلى الخلق أجمعين، وينزل عليه القرآن نورا وهدى ونبراسا ودستورا للحياة وتشريعا خالدا صالحا على الدوام للإنسانية جمعاء.

стр. 6078

ولكن رحمة الله برسوله وبعباده اقتضت إرسال الرسول، وإنزال القرآن حكما عدلا وقولا فصلا. ٤ - كلّف الرسول ﷺ بخمسة أمور: ألا يكون عونا ولا مساعدا للكافرين في جميع الأحوال، وأن يمضي في تبليغ رسالة ربه وأمره وشأنه دون أن تمنعه أقوال الكفار وكذبهم وأذاهم عن مواصلة الطريق في الدعوة إلى الله، وأن يعلن الدعوة إلى توحيد الله، وألا يكون مع المشركين؛ لأن من رضي بطريقتهم كان منهم، وألا يعبد مع الله إلها غيره، فإنه لا إله إلا هو، وهذا نفي لكل معبود وإثبات لعبادة الله تعالى. ٥ - وصف الحق تعالى نفسه بصفات ثلاث: هي كل شيء في الوجود هالك فان غير الله تعالى، وله الحكم النافذ في الدنيا والآخرة، وكل المخلوقات راجعة إليه للحساب والجزاء على الأعمال خيرها وشرها. وهذا يعني: ليس كل شيء هالكا من غير رجوع، بل كل شيء هالك، وله رجوع إلى الله تعالى.

стр. 6079

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة العنكبوت مكية، وهي تسع وستون آية. تسميتها: سميت سورة العنكبوت؛ لأن الله تعالى شبّه الذين اتخذوا الأصنام وغيرها آلهة بالعنكبوت التي اتخذت بيتا ضعيفا واهنا، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً.﴾. الآية [٤١]. موضوعها: موضوع السورة كسائر السور المكية تقرير أصول العقيدة وهي الوحدانية، والرسالة، والبعث والجزاء، وتثبيت الإيمان في القلوب في جميع الأحوال، وبخاصة وقت الابتلاء والمحنة، فافتتحت بالإخبار عن فتنة الإنسان، وختمت بالحديث عن هداية المجاهدين نفوسهم إلى أقوم السبل ونصرة الله لهم. مناسبتها لما قبلها: تظهر صلة هذه السورة بما قبلها في بيان أمثلة واقعية من الصراع بين الحق والباطل، وبين الضعف والقهر، وبين أثر الصمود والصبر على الإيمان وأثر الانسلاخ منه، ففي سورة القصص ذكر الله تعالى استعلاء فرعون وجبروته، وتفريقه الناس شيعا، واستضعافه بني إسرائيل بذبح أبنائهم واستحياء نسائهم،

стр. 6080

ونجاة موسى ﵇ مع قومه، ونصره على الطغاة وإغراقهم، كما ذكر الله قصة قارون الباغية وعقابه بالخسف. وفي هذه السورة ذكر الله قصة المسلمين في مكة الذين فتنهم المشركون عن دينهم، وعذبوهم على الإيمان بنحو أقل من تعذيب فرعون بني إسرائيل، حثا لهم على قوة التحمل والصبر، وتسلية لهم بما وقع لمن قبلهم، ثم ذكر نجاة نوح ﵇ في سفينته مع جند الإيمان، وإغراق قومه الذين كذبوه. كما أن بين السورتين تشابها في الإشارة إلى موضوع الهجرة، ففي خاتمة القصص الإشارة إلى هجرة النبي ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ وفي خاتمة هذه السورة الإشارة إلى هجرة المؤمنين: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [٥٦]. وكذلك يوجد ارتباط بين السورتين في تحديد الغاية والغرض، ففي سورة القصص بيان العاقبة المحمودة للمتقين المتواضعين: ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [٨٣] وفي هذه السورة تقرير العاقبة الحسنة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها، نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ [٥٨]. ثم إنه تعالى لما قال في آخر السورة المتقدمة: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ وأعقبه بما يبطل قول منكري الحشر: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ رد في مطلع هذه السورة على منكري الحشر القائلين: لا فائدة في التكاليف إذ لا مرجع بعد الهلاك والزوال، ومضمون الرد أن للتكليف فائدة وهي أن يثيب الله الشكور ويعذب الكفور.

стр. 6081

مشتملات السورة: اشتملت هذه السورة على ما يأتي: ١ - إعلان اختبار المؤمنين على الشدائد والمحن في الدنيا، وبيان فائدة جهاد النفس، ومعرفة مدى صلابة الإيمان وقت الشدة، فالمؤمن هو المجاهد الصابر الذي لا يلين أمام الأحداث الجسام، ويظل ثابت العهد كالطود الشامخ دون أن يتزحزح عن إيمانه وعقيدته، وأما مهتز الإيمان أو المنافق، فيظهر الإيمان أحيانا، ولكنه لا يتحمل الأذى في سبيل الله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ: آمَنّا بِاللهِ، فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ..﴾. وحينئذ يعلم الله المؤمنين علم انكشاف وإظهار كما يعلم المنافقين، لكنه سبحانه عالم بذلك سلفا. ٢ - الحديث عن محنة الأنبياء التي هي أشد وأصعب من محنة المؤمنين، فقد قص الله على رسوله وعلى المؤمنين قصة نوح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وهود، وصالح، وموسى، وهارون، ليعلموا أن الله نصرهم، وأهلك أقوامهم: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا.﴾. الآية [٤٠]. ٣ - محاجة المشركين بضرب الأمثال لهم تقريعا وتوبيخا، ومحاجة أهل الكتاب بالحسنى واللين والحكمة. ٤ - إثبات نبوة محمد ﷺ بمعجزة إنزال القرآن عليه علما بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، وتفنيد بعض شبهات المشركين في نبوته، واستعجالهم العذاب المحقق نزوله بهم. ٥ - الإذن للمؤمنين بالهجرة من ديارهم فرارا بدينهم من الفتن، وترغيبهم بالصبر، وإبعاد خوف الموت عن نفوسهم؛ فإن الموت محقق في كل مكان وزمان،

стр. 6082

وتبشيرهم بالعاقبة الحسنة إذا عملوا الصالحات، وزهدوا في الدنيا؛ لأن الدار الآخرة هي دار الحياة الباقية الحقة. ٦ - اعتراف المشركين بأن الله هو خالق السموات والأرض وأنه هو الرازق، وأنه كاشف الضر والمنجي من المخاطر، وذلك يتضمن الحديث عن الأدلة والبراهين على القدرة والوحدانية في هذا الكون الفسيح. ٧ - الامتنان على أهل مكة بإقامتهم في الحرم الآمن، مع خوف من حولهم، ثم كفرهم بهذه النعمة وغيرها بالإشراك بالله، وتكذيب رسوله، وهو غاية الظلم. ٨ - بيان جزاء المؤمنين الذين صبروا أمام المحن والشدائد، وجاهدوا في سبيل الله بالنفس والمال، واجتازوا المحنة بأمان وسلام. اختبار الناس وجزاؤهم ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الم (١) أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾

стр. 6083

الإعراب: ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا: آمَنّا﴾ ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾: منصوب ب ﴿حَسِبَ﴾ سدّ مسد مفعوليها. و ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾: في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، أي بأن يقولوا. ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿ما﴾: إما في موضع رفع بمعنى: ساء الشيء أو الحكم حكمهم، وإما في موضع نصب بمعنى ساء شيئا أو حكما يحكمون. البلاغة: ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا.﴾. استفهام للتقريع والتوبيخ والإنكار. ﴿صَدَقُوا﴾ و ﴿الْكاذِبِينَ﴾ بينهما طباق. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ﴾ التأكيد بإن واللام؛ لأن المخاطب منكر. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعيل. المفردات اللغوية: ﴿الم﴾ هذه الحروف الهجائية تنبيه على إعجاز القرآن، ووقوع الاستفهام بعدها دليل على استقلالها بنفسها ﴿أَحَسِبَ النّاسُ﴾ أظن الناس، والاستفهام إنكاري، وتدخل ﴿حَسِبَ﴾ على الجملة للدلالة على جهة ثبوتها ﴿أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ أي أحسبوا تركهم غير مفتونين، لقولهم: آمنا، بل يمتحنهم الله بمشاقّ التكاليف، كالهجرة والجهاد ومقاومة الشهوات والقيام بالطاعات وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، ليتميز المخلص من المنافق، والثابت في الدين من المضطرب فيه، ولينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات، فإن مجرد الإيمان لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب ﴿وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ يختبرون ويمتحنون بما يتبين به حقيقة إيمانهم بالتعرض للشدائد. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي إن ذلك سنة قديمة، جارية في الأمم كلها، فلا ينبغي أن يتوقع خلافه ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ أي ليظهرن صدقهم وكذب المكذبين، وينوط به ثوابهم وعقابهم. وهذا تعلق حالي وعلم مشاهدة يتميز به الفريقان، ولا ينافي تعلق علم الله القديم بكل شيء، فهو عالم بما خلق قبل الخلق. ﴿يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ الكفر والمعاصي، فإن العمل يعم أفعال القلوب والأعضاء ﴿أَنْ

стр. 6084

يَسْبِقُونا﴾ يفوتونا فلا ننتقم منهم، أي الفوت عن الجزاء على مساويهم ﴿ساءَ﴾ بئس الحكم هذا ﴿ما يَحْكُمُونَ﴾ الذي يحكمونه، أي قبح حكمهم أنهم يهربون منا. ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ﴾ أي يأمل ويطمع في لقائه وثوابه وجزائه في الجنة، وقيل: يخاف لقاءه ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ﴾ أي فإن الوقت المحدد للقائه أو هو الموت لجاء لا محالة، فليستعد له ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوال العباد ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم. ﴿وَمَنْ جاهَدَ﴾ نفسه بالصبر على الطاعة والكف عن الشهوات، وبذل جهده في مقاومة الأعداء بالنفس أو المال ﴿فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ فإن منفعة جهاده له ﴿إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ عن الإنس والجن والملائكة، وعن عبادتهم، فلا حاجة به إلى طاعتهم، وإنما كلف عباده رحمة بهم ومراعاة لصلاحهم ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ بعمل الصالحات فيسقط عقابها بثواب الحسنات ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهو الصالحات، و ﴿أَحْسَنَ﴾ إما بمعناه أو بمعنى حسن، وهو منصوب بنزع الخافض: الباء، والمعنى لنجزينهم بأحسن جزاء لأعمالهم، وهو أن يجازي الحسنة الواحدة بالعشر وزيادة. سبب النزول: روي أنها نزلت في ناس من الصحابة جزعوا من أذى المشركين، وقيل: في عمار، وقد عذب في الله، أخرج ابن سعد عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: نزلت في عمار بن ياسر إذ كان يعذب في الله: ﴿أَحَسِبَ النّاسُ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي في قوله: ﴿الم، أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ الآية قال: أنزلت في أناس كانوا بمكة، وقد أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله ﷺ من المدينة أنه لا يقبل منكم حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة، فتبعهم المشركون، فردوهم، فنزلت فيهم هذه الآية، فكتبوا إليهم أنه قد نزل فيكم كذا وكذا، فقالوا: نخرج، فإن اتّبعنا أحد قاتلناه، فخرجوا فأتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل، ومنهم من نجا، فأنزل الله فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا، ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا، إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل ١١٠/ ١٦].

стр. 6085

وأخرج ابن أبي حاتم أيضا عن قتادة قال: أنزلت ﴿الم، أَحَسِبَ النّاسُ﴾ في أناس من أهل مكة خرجوا، يريدون النبي ﷺ ، فعرض لهم المشركون، فرجعوا، فكتب إليهم إخوانهم بما نزل فيهم، فخرجوا فقتل من قتل، وخلص من خلص، فنزل القرآن: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقال مقاتل: نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب، كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر، رماه عامر بن الحضرمي بسهم فقتله، فقال النبي ﷺ يومئذ: «سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة» فجزع عليه أبواه وامرأته، فنزلت: ﴿الم. أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا.﴾. الآية. التفسير والبيان: ﴿الم﴾ هذه الحروف المقطعة بدئ بها لتنبيه السامع وطلب إصغائه وإشعاره بإعجاز القرآن الدال على كونه كلام الله الحكيم الخبير. وقد لاحظ الرازي (١) أن كل سورة في أوائلها حروف التهجي بدئت بذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن، كأوائل سورة البقرة ﴿الم، ذلِكَ الْكِتابُ﴾ وآل عمران ﴿الم﴾ ... ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ والأعراف ﴿المص، كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ويس ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ وص ﴿ص، وَالْقُرْآنِ﴾ وق ﴿ق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، والحواميم (غافر أو المؤمن، وفصلت أو السجدة، والشورى) إلا ثلاث سور: سورة مريم، والعنكبوت، والروم. وقد حصل التنبيه في القرآن بغير حروف التهجي التي لا يفهم معناها، كقوله تعالى في أول سورة الحج: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾

стр. 6086

وفي أول سورة الأحزاب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ﴾ وفي أول سورة التحريم: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾. والسبب في بدء هذه السورة بهذه الحروف، وليس فيها الابتداء بالقرآن أو الكتاب هو الإشارة إلى مبدأ التكليف، وجميع التكاليف فيها ثقل على النفس، فبدئ بحروف التنبيه للفت النظر إلى خطورة ما يلقى بعدها. ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا: آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ أي أظن الناس بعد خلقهم أن يتركوا بغير اختبار بمجرد قولهم: آمنا بالله ورسله، وهم لا يمتحنون بمشاق التكاليف كالهجرة والجهاد في سبيل الله، ومقاومة الشهوات، ووظائف الطاعات والفرائض المالية والبدنية من صلاة وصيام وحج وزكاة ونحوها، والتعرض للمصائب في الأنفس والأموال والثمرات، ليتميز المؤمن المخلص من المنافق، والراسخ في الدين من المضطرب فيه، ونجازي كل واحد بحسب عمله. وهذا استفهام إنكار، معناه أن الله تعالى لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان، كما جاء في الحديث الصحيح: «أشدّ الناس بلاء: الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة، زيد له في البلاء». ونظير هذه الآية قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ، وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٢/ ٣] وقوله سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ، وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: مَتى نَصْرُ اللهِ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤/ ٢]. وقد بينت أن هذه الآية نزلت في بعض المؤمنين في مكة، الذين كان كفار

стр. 6087

قريش يعذبونهم على الإسلام ويؤذونهم بأشد أنواع الإيذاء، كعمار بن ياسر وأمه سميّة وأبوه ياسر، وعيّاش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام. ويظهر أن التعرض للأذى باق في أمة محمد ﷺ ما دام هناك إسلام يمثل جوهر الحق، وعقيدة صحيحة تتحدى تيارات الإلحاد والكفر والعلمانية وأوضار الوثنية في كل أنحاء الأرض، وما دام قرآن مجيد يحافظ على وجود المسلمين، ويتلى في كل مكان. ولن تفلح قوى الشر في إخفات صوت الإسلام، ودفن صرح التدين، وتصفية جند الإيمان بالله ، قال ابن عطية: وهذه الآية، وإن كانت نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من الأقوال، فهي باقية في أمة محمد ﷺ ، موجود حكمها بقية الدهر؛ لأن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك. وليس الافتتان والإيذاء بدعا بين المسلمين، وإنما هو سنة الله الدائمة في خلقه في الماضي والحاضر والمستقبل، لذا قال تعالى تسلية لهم: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ أي وتالله لقد امتحنا واختبرنا المؤمنين السابقين، بل والأنبياء القدامى بأنواع عديدة من الشدة والمشقة والضرر، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا، وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٦/ ٣]. والهدف من الاختبار أن يعلم الله علم ظهور وانكشاف، أي يظهر الذين صدقوا في دعوى الإيمان، ممن هو كاذب في قوله ودعواه، وسيجازي كل واحد بما قدّم. والله يعلم سلفا ما كان وما يكون وما لم يكن، ولو كان كيف يكون، بإجماع أهل السنة والجماعة، لذا قال ابن عباس في مثل قوله تعالى: ﴿إِلاّ لِنَعْلَمَ﴾: إلا لنرى؛ لأن الرؤية تتعلق بالموجود، والعلم أعم من الرؤية، فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود.

стр. 6088

ويلاحظ أنه تعالى قال في حق المؤمنين: ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ بصيغة الفعل، أي وجد منهم الصدق، وقال في حق الكافرين: ﴿الْكاذِبِينَ﴾ بصيغة اسم الفاعل الدالة على الثبات والدوام. هذا فضلا عن أن الاختلاف في اللفظ أدل على الفصاحة. وقد ورد في السنة الصحيحة أخبار ونماذج من تعذيب المؤمنين قبل الإسلام، روى البخاري وأبو داود والنسائي عن خبّاب بن الأرتّ قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ ، وهو متوسّد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه، فما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون». وروى ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال: «دخلت على النبي ﷺ ، وهو يوعك، فوضعت يدي عليه، فوجدت حرّه بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله ما أشدّها عليك!! قال: إنا كذلك يضعّف لنا البلاء، ويضعّف لنا الأجر، قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، قلت: ثم من؟ قال: ثم الصالحون أن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحوبها (١)، وأن كان أحدهم ليفرح بالبلاء، كما يفرح أحدكم بالرخاء». والخلاصة: أن الحياة ميدان كفاح وجهاد وشقاء وعناء، وكلما عظمت

стр. 6089

المسؤولية عظم قدر المسؤول، وكلما أهملت المسؤولية أو التبعة أهمل المسؤول، فالتكليف دليل التكريم، وهو رمز الشخصية وإثبات الذات، ولا طعم للحياة دون عمل وتكليف؛ لأن لذة الحياة ومتعتها أن يعمل الإنسان لغاية وهدف معين، وإلا كان الأمر عبثا موقعا في السأم والحيرة، فالحمد لله على التكليف، والشكر له على الابتلاء والاختبار، ليتميز العامل من العابث، والملتزم المتقن من المتسيب الذي لا يبالي بشيء. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا؟ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أي بل أظن الذين يقترفون المعاصي أن يفوتونا فلا نجازيهم؟ لن يفلتوا من عذابنا، بئس ما يظنون، وبئس الحكم ما حكموا بأن يعصوا ويخالفوا أمر الله، ولا يعاقبون، إنه حكم مغلوط سيء رديء، يتنافى مع مقتضى العقل والشرع والعدل. قال ابن عباس: يريد الوليد بن المغيرة، وأبا جهل والأسود، والعاص بن هشام، وعتبة والوليد بن عتبة، وعقبة بن أبي معيط، وحنظلة بن أبي سفيان، والعاص بن وائل. وبعد بيان أن من ترك التكليف عذّب، بيّن سبحانه أن من آمن بالآخرة وعمل لها، يجد ثواب عمله فقال: ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ، فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي من كان يتوقع الخير ويطمع ويأمل في ثواب الله الجزيل في الدار الآخرة، ويعمل صالحا، فإن الله سيحقق له رجاءه، ويوفيه عملا كاملا غير منقوص، فإن وقت البعث والحياة الثانية بالحشر كائن لا محالة، والله سميع الدعاء وجميع أقوال عباده لا يخفى عليه منهم شيء، عليم بصير بكل الكائنات، يعلم عقائدهم وأعمالهم، ويجازي كل واحد بما عمل. وهذا دليل على تأكد حصول الوعد

стр. 6090

والوعيد، وحث على المبادرة بالعمل الصالح الذي يصدق الرجاء ويحقق الأمل ويكتسب به القربة عند الله والزلفى. وأجل الله: يمكن أن يكون المراد به الموت، ويمكن أن يكون هو الحياة الثانية بعد الحشر. وقوله: ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ﴾ شرط وجزاء، والمراد وعد المطيع بما يعده من الثواب، فمن كان يرجو لقاء الله، فإن أجل الله لآت بثوابه، يثاب على طاعته عنده، ولا شك أن من لا يرجوه لا يكون أجل الله آتيا على وجه يثاب هو. لكن نفع التكليف للمكلف لا لله تعالى: ﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ، إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ أي ومن جاهد نفسه وهواه، فأدى ما أمر الله به وانتهى عما نهى عنه، فإن ثمرة جهاده تعود له، ونفع عمله لنفسه لا لغيره، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت ٤٦/ ٤١]، ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء ٧/ ١٧] فإن الله غني عن أفعال عباده وجميع خلقه من الإنس والجن. ونوع جزاء المطيع هو: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي إنه تعالى مع غناه عن الخلائق جميعهم، فإنه يجازي أحسن الجزاء الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا صالح الأعمال، بأداء الفرائض وفعل الخيرات، من مواساة البائسين وإغاثة المظلومين، ودعم أمتهم بالنفس والنفيس، وأحسن الجزاء: هو أنه يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون، فيقبل القليل من الحسنات، ويثيب على الواحد

стр. 6091

منها بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، ويجزي على السيئة بمثلها أو يعفو ويصفح كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء ٤٠/ ٤]. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - الدنيا دار ابتلاء واختبار وتكليف بالشاق من الأعمال، فلا يكفي مجرد إعلان الإيمان بالله تعالى ورسوله، بل لا بدّ من الابتلاء بأنواع المصائب، وألوان الطاعات؛ لأن المقصد الأسمى من العبادة محبة الله، كما ورد في الخبر الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة: «وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه» فإذا قال الإنسان: آمنت بالله بلسانه، فقد ادعى محبة الله في الجنان، فاحتاج إلى شهود تصدقه، وأداء الطاعات والقربات، واجتناب المحظورات شهود عيان للتصديق. ويكون الابتلاء سبيلا للرقي من أول الدرجات إلى أعلى الدرجات، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة ١١/ ٥٨] وقال سبحانه: ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء ٩٥/ ٤]. ٢ - الابتلاء سنة الله في خلقه، وعادته في عباده، فقد ابتلى الله الماضين كإبراهيم الخليل ألقي في النار، وكيحيى الحصور الذي قتل، وكقوم نشروا بالمناشير في دين الله، فلم يرجعوا عنه، كما تقدم بيانه، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون وقومه، كما ابتلوا بقارون، وأصابهم الجهد الشديد، وابتلي المؤمنون بعيسى بمن كذبه وأعرض عنه، وهمّ بقتله، وهم اليهود وحكام عصره. ٣ - الهدف من الابتلاء إظهار صدق الصادقين في إيمانهم وتبيّنه في واقع الأمر، وكشف كذب الكاذبين الذين يدّعون الإيمان بالله، وهم كافرون به.

стр. 6092

٤ - لن يفلت الكافرون والمجرمون والعصاة من العقاب، فإن ظنوا الإفلات، فبئس الحكم حكمهم. ٥ - لا بدّ من أن يجازي المحسن بإحسانه يوم القيامة. ٦ - هذه الحقائق الثلاث المتقدمة وهي اختبار المؤمن بالفتن، وعقاب العاصي على العمل، وجزاء المحسن الذي يطمع في لقاء ربه، حاصلة لا شك فيها، ولكن من جاهد في الدين، وصبر على قتال الكفار، وأعمال الطاعات، فإنما يسعى لنفسه، ويكون ثواب ذلك كله له، ولا يرجع إلى الله شيء من النفع، ومن أهمل جهاد نفسه، ولم يؤد طاعة ربه، ولم يتجنب الحرام، فإنما يسيء لنفسه: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت ٤٦/ ٤١] ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء ٧/ ١٧]. والله غني عن أعمال عباده، لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية. ٧ - إن نوع جزاء العمل الصالح لا مثيل له في الدنيا عند أحد من الخلائق، فإن الله تعالى يغطي السيئات بالمغفرة، ويضاعف الحسنات وثواب الطاعات، ولا يهمل شيئا منها مهما قلّ، وإنما يقدره على أحسن وجه وأكمله، ويجازي الذين صدقوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات بأحسن أعمالهم. ٨ - الآيات في الجملة تعرّف بحقائق الدنيا، فهي قائمة على الابتلاء والاختبار، وتشحذ العزائم لزرع العمل الصالح في الدنيا، وتؤكد أن يوم الجزاء قريب الحصول، لإقامة العدل بين المحسن والمسيء، وتبين أن العمل الصالح خير للإنسان نفسه لا لغيره، والله غني عن العالمين. ٩ - دلت آية ﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ، إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ على وجوب إكثار العبد من العمل الصالح وإتقانه له؛ لأن من علم أن الله يراه

стр. 6093

ويبصره يحسن العمل ويتقنه، وإذا علم أن نفعه له، ومقدّر بقدر عمله، يكثر منه. ١٠ - الجزاء على العمل بحكم الوعد لا بالاستحقاق. وتدل الآية المتقدمة على أن رعاية الأصلح لا يجب على الله؛ لأنه ليس هناك سلطان أعلى من الله يوجب شيئا عليه، والعبد أدنى منه، وتدل أيضا على أن الله تعالى ليس في مكان معين، وليس على العرش على الخصوص، لأن العرش من مخلوقات الله، والله غني عنهم. ١١ - في هذه الآية أيضا بشارة وإنذار، أما الإنذار فلأن الله إذا كان غنيا عن العالمين، فلو أهلك عباده فلا شيء عليه لغناه عنهم، وهذا يوجب الخوف العظيم، وأما البشارة فلأنه إذا كان غنيا، فلو أعطى جميع ما خلقه لعبد من عباده، لا شيء عليه؛ لاستغنائه عنه، وهذا يوجب الرجاء التام. ١٢ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ يدل على أن الأعمال مغايرة للإيمان؛ لأن العطف يفيد التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه. والإيمان: التصديق بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر، وبالقضاء والقدر خيره وشره. والعمل الصالح: كل ما أمر الله به، فيصير صالحا بأمره، ولو نهى عنه لما كان صالحا، ولا بقاء للعمل الصالح إلا إذا كان لوجه الله الباقي حتى يبقى، وما لا يكون لوجهه لا يبقى، لا بنفسه لأنه عرض زائل، ولا بالعامل؛ لأنه ميت هالك، ولا بالمعمول له؛ لأن غير الله فان، فالعمل الصالح: هو الذي أتى به المكلف مخلصا لله. والنية: شرط في الصالحات من الأعمال، وهي قصد الإيقاع لله. والعمل الصالح: لا يرتفع إلا بالكلم الطيب وهو الإيمان، فالعمل من غير المؤمن لا يقبل.

стр. 6094

وقد ذكر الله في الآية نوعين من أعمال العبد: الإيمان والعمل الصالح، وذكر في مقابلتهما من أفعال الله أمرين: تكفير السيئات وهو في مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن وهو في مقابلة العمل الصالح. وهذا كما قال الرازي يقتضي أمورا ثلاثة: الأول-المؤمن لا يخلد في النار؛ لأنه بإيمانه تكفر سيئاته، فلا يخلد في النار. الثاني-الجزاء الأحسن المذكور هنا غير الجنة؛ لأن المؤمن بإيمانه يدخل الجنة، ولا يبعد أن يكون الجزاء الأحسن هو رؤية الله . الثالث-الإيمان يستر قبح الذنوب في الدنيا، فيستر الله عيوبه في الأخرى، والعمل الصالح يحسّن حالة صاحبه في الدنيا، فيجزى الجزاء الأحسن في العقبى، والإيمان لا يبطله العصيان، بل هو يغلب المعاصي ويسترها، ويحمل صاحبها على الندم (١). ١٣ - أجمل الله حال المسيء بقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ.﴾. إشارة إلى التعذيب، وحال المحسن بقوله: ﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ ثم فصل حال المحسن بآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ.﴾. ليكون ذلك إشارة إلى أن رحمته أتم من غضبه، وفضله أعم من عدله.

стр. 6095

صلابة المكلفين ومظاهر فتنة المؤمنين وتهديد الكافرين والمنافقين ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ الإعراب: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ فيه حذف الجار والمجرور، أي ولنحمل خطاياكم عنكم. البلاغة: ﴿فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ﴾ تشبيه مرسل مجمل، حذف منه وجه الشبه، فهو مجمل. ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ﴾ استعارة، شبه الذنوب بالأثقال؛ لأنها تثقل الإنسان معنويا.
следующие страницы →