← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

من مجلسهما، بطل ما كان من ذلك إليها، ويرى آخرون أن ما ملكته يبقى في يدها كبقائه في يد زوجها، وهذا عند المالكية هو الصحيح لقوله ﷺ لعائشة فيما رواه البخاري والترمذي: «إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك» فهذا دليل على استمرار التخيير، حيث جعل لعائشة التخيير إلى أن تستأمر أبويها، ولم يجعل قيامها من مجلسها خروجا من الأمر. والظاهر أن من اختارت الله ورسوله ﷺ كان يحرم على النبي ﷺ طلاقها، أي لا يباشره أصلا، عملا بعلو منصبه، وسمو خلقه. ٤ - جعل الله ثواب طاعة أزواج النبي ﷺ وعقاب معصيتهن أكثر مما لغيرهن، بنص الآية هنا: ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ والآية التي بعدها: ﴿نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ فأخبر الله تعالى أن من جاء من نساء النبي ﷺ بفاحشة -والله عاصم رسوله ﷺ من ذلك، كما مرّ في حديث الإفك-يضاعف لها العذاب ضعفين؛ لشرف منزلتهن، وفضل درجتهن، وتقدمهن على سائر النساء أجمع. وبينت الشريعة في مواضع كثيرة أنه كلما تضاعفت الحرمات، فهتكت تضاعفت العقوبات، ولذلك ضوعف حد الحر على العبد، والثيب على البكر. ولما كان أزواج النبي ﷺ في مهبط الوحي، وفي منزل أوامر الله ونواهيه، قوي الأمر عليهن ولزمهن بسبب مكانتهن أكثر مما يلزم غيرهن، فضوعف لهن الأجر والعذاب. وضعف الشيء مثله، فمعنى الضعفين: معنى المثلين أو المرتين، فلو فرض وقوع ما يوجب الحدّ منهن-وقد أعاذهن الله من ذلك-حدّت الواحدة حدّين لعظم قدرها، كما يزاد حد الحرة على الأمة، والعذاب بمعنى الحدّ، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٢/ ٢٤]. ويدل على هذا ﴿نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾. انتهى الجزء الحادي والعشرون ولله الحمد

стр. 6442

خصائص أهل بيت النبوة ﴿﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤)﴾ الإعراب: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ ... ﴿وَتَعْمَلْ﴾ من ذكّر «يقنت ويعمل» حمله على لفظ ﴿مَنْ﴾. ومن أنّث «تعمل» حمله على لفظ «من» لأن المراد بها المؤنث. ولا مانع في النحو من التذكير بعد التأنيث، كما في قوله تعالى: ﴿وَقالُوا: ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا، وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا﴾ [الأنعام ١٣٩/ ٦]. ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ شرط، وجوابه: إما قوله: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ أو ما دل عليه قوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ وتقديره: إن اتقيتن انفردتن بخصائص من جملة سائر النساء، بدليل قوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ﴾. ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ﴿قَرْنَ﴾ أصله «اقررن» من قرّ يقرّ، فنقلت فتحة الراء بعد حذفها إلى القاف، فلما فتحت القاف استغني عن همزة الوصل، وحذفت الراء لتكررها مع نظيرها، وتكررها مع نفسها، وقرئ «قرن» بكسر القاف، إما من «وقر يقر» أي اسكن، وإما من «قرّ يقرّ» والأصل فيه «اقررن» فنقلت الكسرة إلى القاف بعد حذف الراء.

стр. 6443

﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ إما منصوب على الاختصاص والمدح، كقوله ﷺ : «سلمان منا أهل البيت» أي أعني وأمدح أهل البيت، وإما منصوب على النداء، كأن قال: يا أهل البيت، والأول أوجه. البلاغة: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ﴾ تشبيه بليغ، أي كتبرج أهل الجاهلية، فحذفت أداة التشبيه ووجه الشبه. ﴿وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ عطف عام على خاص بعد قوله: ﴿أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ﴾ فإن الطاعة تشمل جميع الأوامر والنواهي. ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ استعارة، استعار الرجس للذنوب والمعاصي، والطهر للتقوى؛ لأن عرض العاصي يتدنس، وعرض التقي نقي كالثوب الطاهر. و ﴿تَطْهِيراً﴾ ترشيح للتنفير. المفردات اللغوية: ﴿يَقْنُتْ﴾ يخشع ويخضع ويدم على الطاعة، والقنوت: الطاعة في سكون والعبادة في خشوع. ﴿نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ مثلي ثواب غيرها من النساء، مرة على الطاعة ومرة على طلبها رضا النبي ﷺ بالقناعة وحسن المعاشرة. ﴿وَأَعْتَدْنا﴾ أعددنا وهيأنا. ﴿رِزْقاً كَرِيماً﴾ في الجنة زيادة على أجرها سالما من العيوب والآفات. ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أي لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء في الفضل أي لا مثيل لكن في جماعة النساء في الفضل. وأصل ﴿كَأَحَدٍ﴾ وحد بمعنى الواحد، ثم وضع في النفي العام، وهو في النفي يستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع الكثير. ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الله، فلم تخالفوا حكمه، وأرضيتم رسوله. ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ لا تلنّ القول للرجال مثل قول المريبات. ﴿مَرَضٌ﴾ تطلع إلى الفسق والفجور والريبة. ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ حسنا من غير خضوع، بعيدا عن الريبة غير مطمع أحدا. ﴿قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أصله: اقررن، أي الزمن بيوتكن، بفتح القاف من قررت، وبكسرها من وقر يقر، من القرار أي السكون، يقال: قررت في المكان أقرّ به: أقمت فيه. أو من قرّ يقرّ. ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ﴾ أي لا تتبرجن، والتبرج: إبداء المرأة للرجل ما يجب عليها ستره من محاسنها. ﴿تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ ما كان قبل الإسلام من الجهالات كإظهار النساء محاسنهن للرجال. ﴿وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ في سائر الأوامر والنواهي. ﴿الرِّجْسَ﴾ الذنب أو الإثم أو النقص المدنّس للعرض. ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نساء النبي ﷺ ، وهو منصوب على المدح أو النداء. ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ أي ويطهركم من المعاصي.

стр. 6444

قال البيضاوي: وتخصيص الشيعة أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما الحسن والحسين ﵃، والاحتجاج بذلك على عصمتهم، وكون إجماعهم حجة: ضعيف؛ لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها، وحديث العباءة التي أدخل فيها النبي فاطمة وعلي وولديهما يقتضي أنهم أهل البيت، لا أنه ليس غيرهم. ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي عظن النساء بما يتلى، وتذكرن نعم الله عليكن من جعلكن أهل بيت النبوة ومهبط الوحي، مما يوجب قوة الإيمان والحرص على الطاعة. ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ هي حديث المصطفى ﷺ . ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً﴾ بأوليائه وأهل طاعته. ﴿خَبِيراً﴾ بجميع خلقه، يعلم ويدبر ما يصلح في الدين. المناسبة: اقتضى عدل الله ورحمته أن تكون زيادة العقاب مقرونة بزيادة الثواب، فبعد ذكر مضاعفة العذاب على نساء النبي ﷺ عند ارتكاب الفاحشة، ذكر تعالى خصائص لهن، أولها-مضاعفة الثواب لهن على العمل الصالح، وإعداد الرزق الكريم في الجنة وهو ما يأتي بنفسه، على نقيض رزق الدنيا الذي لا يأتي بنفسه، وإنما بواسطة الغير. وثانيها-امتيازهن على سائر النساء، وثالثها- أمرهن بقوة الكلام وعدم إلانة القول للرجال، ورابعها-الأمر بالقرار في البيوت والنهي عن التبرج، وخامسها-مطالبتهن بمداومة الطاعة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله ﷺ فيما يأمر وينهى، وسادسها-تحقيق صون العرض والسمعة عن الذنوب والمعاصي والتجمل بالتقوى، وسابعها-الأمر بتعليم غيرهن القرآن والسنة النبوية، وتذكر نعمة الله تعالى عليهن. التفسير والبيان: ١ - مضاعفة الثواب: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صالِحاً، نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ، وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً﴾ أي ومن تطع منكن الله ورسوله، وتخشع جوارحها، وتستجب لأمر ربها، وتعمل صالح الأعمال،

стр. 6445

نضاعف لها الأجر والثواب مرتين، لكونها من أهل بيت النبوة ومنزل الوحي، وأعددنا لها زيادة على هذا رزقا كريما في الآخرة والجنة، لا عيب ولا نقص فيه ولا منّة لأحد ويأتي بنفسه، على عكس رزق الدنيا المشوب بالعيوب والنقائص والمنة ويتوقف على الغير الذي يمسكه ويرسله بواسطة إلى غيره، ولأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم وصفا حقيقيا كاملا إلا الرزاق، وفي الآخرة يوصف بالكريم الرزق نفسه. ويلاحظ أنه تعالى عبّر هنا عند إيتاء الأجر بقوله ﴿نُؤْتِها﴾ للتصريح بالمؤتي وهو الله، وفي الآية السابقة عبر عند العذاب بقوله ﴿يُضاعَفْ﴾ فلم يصرح بالمعذّب، إشارة إلى كمال الرحمة والكرم، ولأن الكريم عند النفع يظهر نفسه وفعله، وعند الضرّ لا يذكر نفسه (١). ٢ - امتيازهن على سائر النساء: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أي يا زوجات النبي ليس لكنّ شبيه في جماعة النساء في الفضل والمنزلة والشرف والكرامة، لكونكن أمهات جميع المؤمنين، وزوجات خير المرسلين، ونزول القرآن في بيتكن وفي حقكن. وهذا التعبير كقولهم: ليس فلان كآحاد الناس، ومعناه أن فيه وصفا أخص ومزية وفضيلة لا توجد في غيره. ونساء النبي كذلك، وشرفهن مستمد من سمو منزلة النبي ﷺ القائل في الحديث المتفق عليه: «لست كأحدهم». ٣ - النهي عن لين الكلام: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ، فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ أي إن أردتن التقوى أو كنتن متقيات (٢) مخالفة حكم الله تعالى ورضا رسوله ﷺ ، فلا تلنّ الكلام ولا ترققنّه عند محادثة الرجال، وليكن كلامكن بجد وحزم وقوة، حتى لا يطمع في الخيانة من في قلبه

стр. 6446

ميل إلى الريبة والفسق والفجور، وقلن القول المعروف المعتاد الذي ليس فيه ترخيم الصوت، البعيد عن الريبة، الذي يختلف عن مخاطبة الأزواج. وهذا النهي لا يعني أن أزواج النبي ﷺ على حال من السوء تقتضي المنع والكف، وإنما المراد حملهن على أسمى الفضائل وملازمتها، فلما منعهن من الفاحشة وهي الفعل القبيح، منعهن من مقدماتها وهي المحادثة مع الرجال على وجه فيه ريبة وإطماع، وإساءة فهم من في قلبه ميل إلى الفجور والفسوق والنفاق. ونساء الأمة تبع لنساء النبي ﷺ في هذه الآداب التي أمر الله تعالى بها. والخلاصة: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها. وقوله: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ إما متعلق بما قبله، على معنى: لستن كأحد إن اتقيتن، فإن الأكرم عند الله هو الأتقى، وإما أن يكون متعلقا بما بعده، على معنى: إن اتقيتن فلا تخضعن. ويصح أن يكون ﴿اِتَّقَيْتُنَّ﴾ بمعنى استقبلتن أحدا من الرجال، واتقى بمعنى استقبل معروف في اللغة، قال النابغة: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه... فتناولته واتقتنا باليد أي استقبلتنا باليد. قال أبو حيان: ويكون هذا المعنى أبلغ في مدحهن؛ إذ لم يعلّق فضيلتهن على التقوى، ولا علق نهيهن عن الخضوع بها؛ إذ هن متقيات لله في أنفسهن، والتعليق يقتضي ظاهرة أنهن لسن متحليات بالتقوى (١). والمراد بقوله: ﴿مَرَضٌ﴾ ميل أو تشوف لفجور، وهو الفسق وحديث السوء، وهذا هو الأصوب؛ فليس للنفاق مدخل في هذه الآية.

стр. 6447

٤ - الأمر بالقرار في البيوت والنهي عن التبرج: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ أي الزمن بيوتكن، فلا تخرجن لغير حاجة، أخرج الترمذي والبزّار عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحة -رحمة-ربها، وهي في قعر بيتها». وروى أبو داود أيضا عن النبي ﷺ قال: «صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها». أما خروج النساء للمساجد فجائز للعجائز دون الشابات؛ لما أخرجه أحمد ومسلم عن ابن عمر عن النبي ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات». ولا تتبرجن تبرج الجاهلية القديمة قبل الإسلام: وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة، والتبرج: إبداء الزينة والمحاسن للرجال كالصدر والنحر، بأن تلقي المرأة الخمار على رأسها ولا تشده، فتظهر عنقها وقرطها وقلائدها. ٥ - مداومة الطاعة لله ورسوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بعد أن أمرهن تعالى بالقول المعروف (وهو القول الحسن الجميل المعروف في الخير) وأتبعه ببيان الفعل المناسب للمرأة وهو القرار في البيوت، ثم نهاهن عن الشر، أمرهن بالخير في إقامة الصلاة (وهو أداؤها على الوجه المطلوب شرعا من الخشوع وإتمام الأركان والشروط) وإعطاء الزكاة (وهي الفريضة الواجبة شرعا والإحسان إلى الناس) وإطاعة الله ورسوله ﷺ في كل أمر ونهي. وخص تعالى الصلاة والزكاة، لأهميتهما وخطورتهما وآثارهما الكبرى، فالأولى طهارة النفس وعماد الدين، والثانية طهارة المال وطريق مقاومة الفقر، فهما عمودا الطاعة البدنية والمالية.

стр. 6448

وقوله: ﴿وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ من باب عطف العام على الخاص؛ إذ ليس التكليف منحصرا بالصلاة والزكاة، وإنما هو شامل لكل ما أمر الله تعالى به ونهى عنه، وأمر الله والرسول واحد. ٦ - تحقيق السمعة العالية: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ أي سبب تلك الأوامر والنواهي والمواعظ إنما هو لإذهاب المأثم عنكن، وتطهيركن من دنس المعاصي والذنوب، وتعمير قلوبكن بنور الإيمان. وقد استعار الرجس (أو الرجز) للذنوب، والطهر للتقوى؛ لأن عرض المقترف للمعاصي يتدنس بها ويتلوث كما يتلوث بدنه بالأرجاس القذرة الحسية. وأما الطاعات فالعرض معها نقي مصون كالثوب الطاهر. وفي هذه الاستعارة تنفير عما نهى الله عنه، وترغيب فيما أمر به. والرجس يطلق على الإثم وعلى العذاب وعلى النجاسة وعلى النقائص، فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت. وأهل البيت: كل من لازم النبي ﷺ من الأزواج والأقارب. وتوجيه الأوامر لهم لأنهم قدوة الأمة، روى الإمام أحمد والترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان يمرّ بباب فاطمة ﵂ ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: «الصلاة يا أهل البيت، ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾». ٧ - الأمر بتعليم القرآن والسنة والتذكير بالنعم: ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ، إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ أي تذكرن نعم الله عليكن من جعل بيوتكن مهابط الوحي، ولا تنسين ما يتلى فيها من آيات الله في قرآنه، وما ينزل على الرسول ﷺ من الحكمة البالغة والأحكام والعلوم والشرائع، فاعملوا بها وعلموها، إن الله لطيف خبير حين علم ما ينفعكم ويصلحكم في دينكم، فأنزله

стр. 6449

عليكم، وجعل في بيوتكن الآيات والشرائع، واختاركن زوجات لرسوله ﷺ ؛ فهو اللطيف فعله يصل إلى كل شيء. وفي هذا حث على الطاعة والتزام التكاليف الشرعية، وتنفير عن العصيان والمخالفة واقتراف المعاصي. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآداب سبعة أمر الله تعالى بها نساء النبي ﷺ ، ونساء الأمة في أغلبها تبع لهن في ذلك. ١ - طاعة الله والرسول والعمل الصالح من أزواج النبي ﷺ لها ثواب مضاعف، ورزق كريم وهو الجنة. ٢ - لنساء النبي ﷺ منزلة وفضل وشرف يتميزون بها عن سائر جماعات النساء الأخرى، لكن هذه الفضيلة مشروطة بشرط التقوى، لما منحهن الله من صحبة الرسول ﷺ ، ونزول القرآن في حقهن، وهذه درجة عالية. وكذلك تمتاز نساء الأمة عن غيرهن من جنس النساء بالتقوى والعمل الصالح، ولكن درجتهن بالطبع أدنى من درجات أمهات المؤمنين أزواج النبي ﷺ . ٣ - على نساء النبي ﷺ أن يكون قولهن جزلا، وكلامهن فصلا، ولا يكون على وجه يظهر اللين والميل من الفجار، كما كانت عليه الحال في نساء العرب من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه؛ مثل كلام المريبات والمومسات. وهذا النهي ليس خاصا بنساء النبي ﷺ ، وإنما هو شامل لنساء المؤمنين أيضا. وعلى هذا، فإن المرأة مأمورة بخفض الكلام، ويندب لها إذا خاطبت الأجانب، وكذا المحرّمات عليها بالمصاهرة، كزوج الأخت أن تكون نبرات صوتها قوية من غير رفع الصوت.

стр. 6450

وفي الجملة: القول المعروف: هو الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا النفوس. ٤ - أمر الله تعالى نساء النبي ﷺ بملازمة بيوتهن، ونهاهن عن التبرج: وهو إظهار ما ستره أحسن. والخطاب وإن كان لنساء النبي ﷺ ، فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، ولأن الشريعة تكرر الأمر فيها بلزوم النساء بيوتهن، وعدم الخروج منها إلا لضرورة. وإنما خوطبت نساء النبي ﷺ بذلك تشريفا لهن، وليكونن قدوة الأمة في الطهر والصون والعفاف. وأما خروج السيدة عائشة ﵂ في موقعة الجمل بين أنصار علي وبين طلحة والزبير، فما كان لحرب، ولكن اشتدت شكاوى الناس إليها من عظيم الفتنة، ورجوا بركتها، وطمعوا في الاستحياء منها إذا رأتها الجموع المتقاتلة، فخرجت بقصد الإصلاح بين الناس، وآثرت ذلك على خروجها للحج الذي كانت قد عزمت عليه، مقتدية بقول الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء ١١٤/ ٤] وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ [الحجرات ٩/ ٤٩]. والأمر بالإصلاح مخاطب به جميع الناس من ذكر وأنثى، ولكن لم يرد الله تعالى بسابق قضائه ونافذ حكمه أن يقع إصلاح، فدارت رحى الحرب واشتد الطعان، وطعن جمل عائشة وعرقبه بعضهم، فاحتملها محمد بن أبي بكر إلى البصرة، ثم أركبها علي ﵁ إلى المدينة في ثلاثين امرأة، فوصلت إليها برّة تقية مجتهدة، مصيبة مثابة في تأويلها، مأجورة فيما فعلت؛ إذ كل مجتهد في الأحكام مصيب. ٥ - الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله ورسوله ﷺ في كل أمر ونهي. ٦ - إن كل تلك الأوامر والآداب بقصد تطهير أهل بيت النبوة من دنس

стр. 6451

المعاصي ورجس المنكرات، وجعلهن في طليعة النساء صونا وعفة، وطاعة لله ورسوله ﷺ . وأهل البيت النبوي: هم نساؤه وقرابته منهم العباس وأعمامه وبنو أعمامه منهم، قال الرازي: والأولى أن يقال: هم وأولاده وأزواجه، والحسن والحسين وعلي منهم؛ لأنه كان من أهل بيته بسبب معاشرته ببنت النبي ﷺ وملازمته للنبي (١). وهذا واضح من ألفاظ الآية وسياقها، فالخطاب في مطلع الآيات ونهايتها موجّه إلى زوجات النبي ﷺ . لكن قال القرطبي: والذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم. وإنما قال: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ لأن رسول الله ﷺ وعليا وحسنا وحسينا كان فيهم، وإذا اجتمع المذكّر والمؤنث غلّب المذكر، فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت؛ لأن الآية فيهن، والمخاطبة لهنّ، يدل عليه سياق الكلام (٢). وأما الحديث الذي أخرجه الترمذي وغيره عن أم سلمة فهو كما قال الترمذي: هذا حديث غريب. ونصه: قالت: نزلت هذه الآية في بيتي، فدعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فدخل معهم تحت كساء خيبري، وقال: «هؤلاء أهل بيتي» وقرأ الآية، وقال: «اللهم أذهب عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيرا» فقالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: «أنت على مكانك، وأنت على خير». وقال القشيري: وقالت أم سلمة: أدخلت رأسي في الكساء وقلت: أنا منهم يا رسول الله؟ قال: «نعم». ٧ - التذكير بنعمة الله على نساء النبي إذ صيّرهن الله في بيوت يتلى فيها

стр. 6452

القرآن والحكمة وهي كلمات النبي ﷺ ، والأمر بالتفكير فيها، والاتعاظ بمواعظ الله تعالى، وإحسان الأفعال، وحفظ أوامر الله تعالى ونواهيه، وإخبار الناس وتبليغهم بها ليعملوا بها ويقتدوا. وهذا يدل على جواز قبول خبر الواحد من الرجال والنساء في الدّين. قال ابن العربي: في هذه الآية مسألة بديعة، وهي أن الله تعالى أمر نبيه ﵊ بتبليغ ما أنزل عليه من القرآن، وتعليم ما علّمه من الدين، فكان إذا قرأه على واحد أو ما اتفق، سقط عنه الفرض، وكان على من سمعه أن يبلّغه إلى غيره، ولا يلزمه أن يذكره لجميع الصحابة، ولا كان عليه إذا علّم ذلك أزواجه أن يخرج إلى الناس، فيقول لهم: نزل كذا، ولا كان كذا، ولا يلزم أن يبلّغ ذلك الرجال (١). المساواة بين الرجال والنساء في ثواب الآخرة ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٣٥)﴾

стр. 6453

الإعراب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ.﴾. الآية: كله منصوب بالعطف على اسم ﴿إِنَّ﴾، وخبرها: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾. وقوله: ﴿وَالذّاكِراتِ﴾ حذف منه المفعول، وكذلك: ﴿وَالْحافِظاتِ﴾ حذف مفعوله، وتقديره: والذاكرات الله، والحافظات فروجهن، فحذف المفعول لدلالة ما تقدم عليه. وعطف الإناث على الذكور لاختلاف الجنسين، وأما عطف الصنفين على الصنفين فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع، لتغاير الوصفين، وكأن معناه أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات لهم مغفرة. البلاغة: ﴿وَالذّاكِراتِ﴾ ﴿وَالْحافِظاتِ﴾ فيهما إيجاز بالحذف، حذف المفعول لدلالة السابق عليه، أي والذاكرات الله، والحافظات فروجهن. ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ﴾ من باب التغليب؛ لأنه إذا اجتمع الذكور والإناث، غلّب الذكور، ثم أدرجهم في الضمير. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ الداخلين في السلم المنقادين لحكم الله الآتين بأركان الإسلام، والإسلام: الانقياد والخضوع لأمر الله. ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ المصدقين بأركان الإيمان، والإيمان: التصديق بما جاء عن الله من أمر ونهي. ﴿وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ﴾ الخاضعين لله المداومين على الطاعة، والقنوت: الطاعة في سكون. ﴿وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ﴾ في القول والعمل. ﴿وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ﴾ على الطاعات وعن المعاصي، فالصبر: تحمل المشاق على المكاره والعبادات والبعد عن المعاصي. ﴿وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ﴾ المتواضعين لله بقلوبهم وأعضائهم، والخشوع: السكون والطمأنينة. ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ﴾ بما وجب في مالهم. ﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ﴾ الصوم المفروض في رمضان وغيره من النذور وكفارات الأيمان والقتل الخطأ. ﴿وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ﴾ عن الحرام. ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ﴾ بقلوبهم وألسنتهم. ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ هيأ لهم مغفرة تمحو ذنوبهم، وهي ما اقترفوا من الصغائر؛ لأنهن مكفّرات. ﴿وَأَجْراً عَظِيماً﴾ على طاعتهم: وهو نعيم الآخرة. سبب النزول: أخرج الترمذي وحسّنه عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي ﷺ فقالت:

стр. 6454

ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء، فنزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ الآية. وأخرج الطبراني بسند لا بأس به عن ابن عباس قال: قالت النساء: يا رسول الله، ما باله يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات، فنزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ الآية. وأخرج ابن سعد عن قتادة قال: لما ذكر أزواج النبي ﷺ ، قالت النساء: لو كان فينا خير لذكرنا، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ الآية. وأخرج الإمام أحمد والنسائي وابن جرير عن عبد الرحمن بن شيبة قال: سمعت أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ تقول: قلت للنبي ﷺ : ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يرعني منه ذات يوم إلا ونداؤه على المنبر، قالت: وأنا أسرّح شعري، فلففت شعري، ثم خرجت إلى حجرتي- حجرة بيتي، فجعلت سمعي عند الجريد، فإذا هو يقول عند المنبر: «يا أيها الناس، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ إلى آخر الآية. المناسبة: بعد أمر نساء النبي ﷺ ونهيهن عن الأمور السابقة، وبيان ما يكون لهن من ثواب، أبان الله تعالى ما أعدّ للمسلمين والمسلمات من المغفرة والثواب العظيم في الآخرة. التفسير والبيان: هذه الآية وعد للرجال والنساء على الطاعة، والاتصاف بهذه الخصال، ذكر الله تعالى فيها عشر مراتب إشارة إلى ما يجب أن يكونوا عليه، دون اتكال نساء النبي على صحبته وملازمته وقربهن منه:

стр. 6455

١ - الإسلام والانقياد لأمر الله واتباع أحكام الدين قولا وعملا. ٢ - الإيمان والتصديق التام بما جاء عن الله من شرائع وأحكام وآداب. وهذا دليل على أن الإيمان غير الإسلام، وأن الأول أخص من الثاني، فالإيمان: هو الاعتقاد والتصديق الكامل مع العمل الصالح، والإسلام قول وعمل بالفعل؛ قال تعالى: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ: آمَنّا، قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا، وَلكِنْ قُولُوا: أَسْلَمْنا، وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤/ ٤٩]. و في الصحيحين: «لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن» فيسلبه الإيمان، ولا يلزم منه كفره بإجماع المسلمين، فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام. ٣ - القنوت: وهو دوام العمل الصالح، والطاعة في سكون، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزّمر ٩/ ٣٩] وقال سبحانه: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [الروم ٢٦/ ٣٠]. وقال : ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ، وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [آل عمران ٤٣/ ٣]. ويلاحظ التدرج بين هذه المراتب، فالإسلام: إسلام الظاهر من النطق بالشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، ثم يأتي بعده مرتبة يرتقى إليها وهو الإيمان الذي هو الإذعان والتصديق الباطني في القلب، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، ثم ينشأ عن مجموعهما القنوت الذي هو السكون والخشوع في الطاعة وأداء العبادة. ٤ - الصدق في القول والعمل، وهو خصلة محمودة، وعلامة على الإيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، فمن صدق نجا، وفي الحديث الصحيح عند أحمد والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي عن ابن مسعود: «عليكم بالصدق، فإن

стр. 6456

الصدق يهدي إلى البرّ، وإن البرّ يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب، حتى يكتب عند الله كذّابا». لذا كان بعض الصحابة ﵃ لم تجرّب عليه كذبة لا في الجاهلية ولا في الإسلام. وهذه المرتبة تلي القنوت، فإن من آمن وعمل صالحا كمل، فيكمّل غيره، ويأمر بالمعروف، وينصح أخاه بصدق. ٥ - الصبر على المصائب، وتحمل المشاق في أداء العبادات وترك المعاصي، والعلم بأن المقدر كائن لا محالة، وتلقي ذلك بالصبر والثبات، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى، أي أصعبه وأوجبه في أول وهلة من الحادث. وهو سجية الراسخين الأثبات. ويأتي بعد المراتب السابقة؛ لأن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يصيبه أذى، فيصبر عليه. ٦ - الخشوع: وهو السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار، والتواضع لله تعالى قلبا وسلوكا، خوفا من عقاب الله تعالى، ومراقبته، كما في الحديث الصحيح عند مسلم عن عمر: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك». وهذه المرتبة تأتي بمثابة المراقبة على أعمال الحسنات، فإذا عملها الإنسان قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته، فأمر تعالى بالتواضع حتى لا تجمح الأهواء والشهوات بالنفس، فتوقعها فيما يرديها، وقد تعصف بثمرات جميع الأعمال الصادرة عنها. ٧ - التصدق بالمال: وهو الإحسان إلى المحتاجين الضعفاء الذين لا كسب لهم ولا كاسب، فيعطون حال الفرض والنفل طاعة لله وإحسانا إلى خلقه، وقد

стр. 6457

ثبت في الصحيحين: «سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله-فذكر منهم-: ورجل تصدّق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» وفي حديث آخر: «والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار». وهذه مرتبة تعد ترجمانا عمليا للخصال السابقة؛ لأن بذل المال شاق على النفس، لمحبتها إياه، وهي دليل على محبة الإنسان لأخيه، فيساعده لينقذه من آفات الفقر والحاجة، كما أن الصدقة تزكية للمال وتطهير له. ٨ - الصوم فرضا ونفلا: وفيه تسأم روحي عن التعلق بالماديات، والإقبال على عبادة الله، ومن أكبر المعونة على كسر حدّة الشهوة، كما ثبت في الحديث الصحيح المتفق عليه عن ابن مسعود عنه ﷺ : «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» وهو أيضا تزكية للبدن، كما في الحديث الذي رواه ابن ماجه عنه ﷺ : «والصوم: زكاة البدن» أي يزكيه ويطهره وينقيه من الأخلاط الرديئة طبعا وشرعا، كما قال سعيد بن جبير: «من صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر، دخل في قوله تعالى: ﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ﴾. ٩ - العفّة وحفظ الفروج عن المحارم والمآثم، إلا عن المباح، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ، فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون ٥/ ٢٣ - ٧]. ومن اخترق حرمة الفروج وزنى، هان عليه اختراق حرمات الدين كلها، ومن صان فرجه وعفّ نفسه، كان من الطاهرين الأصفياء الذين استحقوا رضوان الله تعالى. ويلاحظ أن بين المرتبتين الأخيرتين تجانسا، فالصّوام إشارة إلى الذين لا تمنعهم الشهوة الباطنية من عبادة الله، والأعفّاء حفظة الفروج إشارة إلى الذين لا تمنعهم شهوة الفرج عن العبادة.

стр. 6458

١٠ - الذّكر الكثير لله تعالى: وهو استحضار عظمة الله تعالى في القلب، وتنزيهه باللسان عن كل نقص، ووصفه بكل كمال في جميع الأحوال، بنية صادقة لله. ويلاحظ أن الله تعالى في أكثر المواضع حيث ذكر «الذّكر» قرنه بالكثرة، ليرشدنا إلى أنه لا يصير الإنسان ذاكرا حتى يداوم على الذكر قائما وقاعدا ومضطجعا، وهذا مروي عن مجاهد. وقد يصبح ذاكرا بصلاة التهجد ليلا، كما أخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل، فصليا ركعتين، كانا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات». ويكون الذكر أيضا بالصلاة وفي الأكل والشرب والمشي والبيع والشراء والركوب والهبوط، وغير ذلك من الأحوال في غير أماكن القاذورات، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١٩١/ ٣]. وقال سبحانه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب ٤١/ ٣٣ - ٤٢]. وقد ختمت هذه الآداب بالذكر؛ لأن صحة جميع الأعمال الدينية من إسلام وإيمان وقنوت وصدق وصبر وخشوع وصدقة وصوم بذكر الله تعالى وهي النية. أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «سبق المفردون، قالوا: وما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات». وأخرج أحمد أيضا عن معاذ الجهني عن رسول الله ﷺ قال: «إن رجلا سأله، فقال: أيّ المجاهدين أعظم أجرا يا رسول الله؟ قال ﷺ : أكثرهم لله تعالى ذكرا، قال: فأيّ الصائمين أكثر أجرا؟ قال ﷺ : أكثرهم لله ذكرا، ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك يقول رسول الله ﷺ :

стр. 6459

أكثرهم لله ذكرا» فقال أبو بكر لعمر ﵄: ذهب الذاكرون بكل خير، فقال رسول الله ﷺ : «أجل». ثم ذكر الله تعالى جزاء هؤلاء جميعا فقال: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ أي إن الله تعالى هيّأ لهم مغفرة تمحو ذنوبهم وأجرا عظيما وهو الجنة. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآية كما وضح في تفسيرها عشرة آداب أمر الله تعالى بها، وهي تجمع أصول الإسلام في الاعتقاد والعبادة والأخلاق والسلوك والعمل الاجتماعي البناء في إطار من النية الصادقة والإخلاص لله وهو المراد بذكر الله كثيرا. وقد بدأ تعالى في هذه الآية بذكر الإسلام الذي يعم الإيمان وعمل الجوارح، ثم ذكر الإيمان تخصيصا له وتنبيها على أنه دعامة الإسلام، وأتبعه بالقانت: العابد المطيع، ثم الصادق: الذي يفي بما عوهد عليه، والصابر عن الشهوات وعلى الطاعات وقت الرخاء والشدة (أو المنشط والمكره) والخاشع: الخائف لله، والمتصدق بالفرض والنفل، والصائم فرضا ونفلا، وحافظ الفرج عما لا يحلّ من الزنى وغيره، وذاكر الله كثيرا في أدبار الصلوات وغدوّا وعشيا، وفي المضاجع وعند الانتباه من النوم، وفي الذكر فوائد كثيرة محورها ربط المؤمن بالله تعالى في جميع الأحوال. قال مجاهد: لا يكون ذاكرا لله تعالى كثيرا حتى يذكره قائما وجالسا ومضطجعا. وقال أبو سعيد الخدري ﵁: من أيقظ أهله بالليل، وصلّيا أربع ركعات، كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات.

стр. 6460

قصة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش ﵄ ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاِتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٣٧) ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً (٣٩) ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٤٠)﴾ الإعراب: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ.﴾. تذكير الفعل على أن الخيرة بمعنى التخيير، فهي مصدر بمعنى الاختيار، ومن قرأ بالتاء؛ لأن اللفظ مؤنث. ﴿وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ ﴿وَاللهُ﴾: مبتدأ، و ﴿أَحَقُّ﴾: خبر المبتدأ، و ﴿أَنْ تَخْشاهُ﴾: إما منصوب بتقدير حذف حرف الجر، وإما مرفوع على أنه مبتدأ، و ﴿أَحَقُّ﴾ خبره، والجملة من المبتدأ أو الخبر في موضع رفع؛ لأنه خبر المبتدأ الأول وهو الله تعالى، أو مرفوع على أنه بدل من الله تعالى.

стр. 6461

﴿سُنَّةَ اللهِ﴾ منصوب مصدر لفعل دل عليه ما قبله وهو ﴿فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ﴾ أي سنّ له سنة، أو منصوب بنزع الخافض، أي كسنة الله. ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾ صفة للذين خلوا أو مدح لهم منصوب أو مرفوع. ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ﴾ ﴿رَسُولَ﴾ خبر ﴿كانَ﴾ مقدرة، أي ولكن كان محمد رسول الله. ومن قرأه بالرفع جعله خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو رسول الله. البلاغة: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ التنكير لإفادة العموم؛ لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي ليس لمؤمن ولا لمؤمنة أن يريد غير ما أراده الله ورسوله. ﴿تُخْفِي﴾ و ﴿مُبْدِيهِ﴾ بينهما طباق. ﴿قَدَراً مَقْدُوراً﴾ بينهما جناس اشتقاق. ﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ﴾ فيهما طباق السلب. المفردات اللغوية: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ أي ما يصح له أو ما ينبغي له ﴿إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً﴾ أي قضى رسول الله ﷺ ، وذكر الله لتعظيم أمره، والإشعار بأن قضاءه قضاء الله. والسبب أنه نزل في زينب بنت جحش بنت عمته: أميمة بنت عبد المطلب، خطبها رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة فأبت هي وأخوها عبد الله ﴿الْخِيَرَةُ﴾ الاختيار، فليس لهم أن يختاروا من أمرهم شيئا، بل يجب عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعا لاختيار الله ورسوله ﴿ضَلالاً مُبِيناً﴾ أي ظاهرا بيّن الانحراف عن الصواب. ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾ أي اذكر حين تقول ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالعتق والتحرير، وهو زيد بن حارثة، كان من سبي الجاهلية اشتراه رسول الله ﷺ قبل البعثة، والأصح أن السيدة خديجة وهبته له، ثم أعتقه وتبناه، وقد تقدمت قصته ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ زينب ﴿وَاتَّقِ اللهَ﴾ في أمر طلاقها، ولا تطلقها ضرارا ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ أي تخفي في نفسك ما الله مظهره وهو الأمر من الله بزواجها بعد طلاقها من زوجها (١) ﴿وَتَخْشَى النّاسَ﴾ أي

стр. 6462

تستحييهم وتخاف تعييرهم إياك وقولهم: تزوج زوجة ابنه الذي تبناه ﴿وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ في كل شيء، والواو للحال، فتزوجها ولا تأبه لقول الناس، قال البيضاوي: وليست المعاتبة على الإخفاء وحده، فإنه وحده حسن، بل على الإخفاء مخافة قالة الناس وإظهار ما ينافي إضماره، فإن الأولى في أمثال ذلك أن يصمت أو يفوض الأمر إلى ربه. ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً﴾ حاجة، أي لم يبق له بها حاجة الزوجية فطلقها ﴿زَوَّجْناكَها﴾ جعلناها لك زوجة وأمرناك بزواجها، فدخل عليها النبي ﷺ بغير إذن بشر، بعد إذن الله تعالى، وأشبع المسلمين خبزا ولحما، فكانت بلا واسطة عقد بشري، بدليل أنها كانت تقول لسائر نساء النبي ﷺ : إن الله تولى إنكاحي، وأنتن زوّجكن أولياؤكن. ﴿حَرَجٌ﴾ مشقة وضيق دائم ﴿أَدْعِيائِهِمْ﴾ جمع دعي وهو الابن المتبنى ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ﴾ أي مقضيه ﴿مَفْعُولاً﴾ نافذا حاصلا لا محالة، كما كان تزويج زينب. وجملة ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ.﴾. علة للتزويج، وهو دليل على أن حكم النبي وحكم الأمة واحد إلا ما خصه الدليل. ﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ﴾ أي قسم له وقدر وأجل، مأخوذ من قولهم: فرض له في الديوان كذا، وفرض للعسكر أو الجند كذا، أي قدر لهم أرزاقهم ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ مضوا من الأنبياء ألا حرج عليهم في ذلك، وفيما أباح لهم ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ فعله قضاء مقضيا وحكما مبتوتا كائنا لا بد منه ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ﴾ أي لا يخشون مقالة الناس فيما أحل الله لهم، وهو تعريض بعد تصريح ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً﴾ حافظا لأعمال خلقه ومحاسبتهم، فينبغي ألا يخشى إلا منه. ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ على الحقيقة، فيثبت ما يترتب على البنوة من حرمة المصاهرة وغيرها، فليس أبا زيد، أي والده، فلا يحرم عليه التزوج بزوجته زينب ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ﴾ أي ولكن كان رسول الله، وكل رسول أبو أمته، لا مطلقا، بل من حيث إنه رؤف بهم، ناصح لهم، واجب التوقير والطاعة عليهم، و ﴿زَيْدٌ﴾ منهم كبقية المؤمنين ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ بكسر التاء، فاعل الختم، أي فلا يكون له ابن رجل بعده يكون نبيا، وبفتح التاء بمعنى الطابع كآلة الختم، أي وآخرهم الذي ختمهم، أو به ختموا ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ يعلم من يليق بأن يختم به النبوة، فلا نبي بعده، وكيف ينبغي شأنه. وكون النبي ﷺ أبا للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم لا ينافي الآية، فإن هؤلاء قد أخرجوا من حكم النفي بقوله: ﴿مِنْ رِجالِكُمْ﴾ لأن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، ولأنه قد أضاف الرجال إليهم، وهؤلاء رجاله، لا رجالهم. وأما كون عيسى ينزل في آخر الزمان، فلا يتناقض مع قوله تعالى: ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ لأن

стр. 6463

المعنى: لا يكون هناك بعد محمد ﷺ نبوة مبتدأة جديدة، فلا ينبأ أحد بعده، وعيسى ممن نبّئ قبله، وحين ينزل يحكم بشريعة محمد، ويصلي إلى قبلته، كأنه بعض أمته. سبب النزول: نزول الآية (٣٦): ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآيات، أخرج الطبراني بسند صحيح عن قتادة قال: خطب النبي ﷺ زينب، يريدها لزيد، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد، أبت، فأنزل الله: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية، فرضيت وسلّمت. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فاستنكفت منه، وقالت: أنا خير منه حسبا، فأنزل الله: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآية كلها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت أول امرأة هاجرت من النساء، فوهبت نفسها للنبي ﷺ ، فزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها، قالا: إنما أردنا رسول الله ﷺ ، فزوجنا عبده. وهذا قول أضعف مما سبق، فيكون الراجح ما ذكره قتادة وابن عباس ومجاهد في سبب نزول هذه الآية: أن رسول الله ﷺ خطب زينب بنت جحش، وكانت بنت عمته، فظنت أن الخطبة لنفسه، فلما تبيّن أنه يريدها لزيد، كرهت وأبت وامتنعت، فنزلت الآية. نزول الآية (٣٧): ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾: أخرج البخاري عن أنس أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش وزيد بن حارثة. وأخرج الحاكم عن أنس قال: جاء زيد بن

стр. 6464

حارثة يشكو إلى رسول الله ﷺ من زينب بنت جحش، فقال النبي ﷺ : أمسك عليك أهلك، فنزلت: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾. وأخرج مسلم وأحمد والنسائي قال: لما انقضت عدة زينب، قال رسول الله ﷺ لزيد: اذهب، فاذكرها علي، فانطلق، فأخبرها، فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر (١) ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ ، فدخل عليها بغير إذن. قال: ولقد رأيتنا حين دخلنا على رسول الله ﷺ أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته، فجعل يتبع حجر نسائه، ثم أخبرته أن القوم قد خرجوا، فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب. قال: ووعظ القوم بما وعظوا به: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية. نزول الآية (٤٠): ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ.﴾.: أخرج الترمذي عن عائشة قالت: لما تزوج النبي ﷺ زينب قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ الآية. المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى نبيه ﷺ بتخيير زوجاته بين البقاء معه، والتسريح الجميل، حتى لا يظن أن الرسول ﷺ يريد ضرر الغير، ذكر هنا أن زمام الاختيار ليس بيد الإنسان في كل شيء، كما في شأن الزوجات، بل هناك أمور لا اختيار فيها لأحد، وهي ما حكم الله فيه، فما أمر به فهو المتّبع، وما أراد النبي

стр. 6465

فهو الحق، ومن خالفهما فقد ضل ضلالا مبينا؛ لأن الله هو المقصد، والنبي هو الهادي الموصل. ثم ذكر الله تعالى قصة زواج النبي ﷺ بزينب، تنفيذا لأمر الله، وتقريرا لشرع محكم دائم مشتمل على فائدة، خال من المفاسد، وأن الرسول ﷺ ليس بدعا بين الرسل فيما أباح الله له من الزوجات، وأنه من أولئك الرسل الكرام الذين يبلّغون رسالات ربهم، ولا يخشون أحدا غير الله، وهو بهذا الزواج من زينب قد أبطل بالفعل بعد القول ما كان مقررا في الجاهلية من حرمة الزواج بحليلة الابن بالتبني، كما قال تعالى في هذه الآيات: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً، وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ.﴾. الآية. التفسير والبيان: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أي ليس لأي مؤمن أو مؤمنة إذا حكم الله ورسوله بأمر أن يختاروا أمرا آخر، وإنما عليهم الامتثال لأمر الله ورسوله، وتجنب معصيته. ومبلّغ الأمر هو رسول الله ﷺ ، وذكر الله لتعظيم أمر رسوله، فصار حكم الله ورسوله واحدا، وقضاؤهما واحدا، فإذا قضى الرسول ﷺ بأمر لم يكن لبشر اختيار غيره. وهذه الآية داخلة في ضمن قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب ٦/ ٣٣]. ثم حذر الله تعالى من عصيان الأمر فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ أي ومن يخالف أمر الله أو أمر رسوله ﷺ أو يعصي ما نهيا عنه، فقد انحرف عن طريق الهدى والرشاد، ووقع في متاهات الضلال المبين البعيد عن منهج الحق والخير، المؤدي إلى ضياع

стр. 6466

المصالح والانغماس في المفاسد، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣/ ٢٤]. وإزاء هذا الحكم الإلهي القاطع والتحذير من العصيان، فإن زينب بنت جحش التي نزلت الآية بسببها، امتثلت أمر الرسول ﷺ بقبول زواجها من زيد بن حارثة مولى النبي ﷺ وعبده المعتق، وهي من علية قريش وذؤابة القوم، وبنت أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، وقالت: «إذن لا أعصي رسول الله ﷺ ، قد أنكحته نفسي» بعد أن استنكفت من زيد، وقالت: أنا خير منه حسبا» لأنها كانت امرأة فيها حدّة. وكان في زواجها بزيد حكمة بالغة هي إعلان المساواة بين الناس، والقضاء على فوارق النسب والحسب، ما دامت مظلة الإسلام واحدة يتساوى فيها الجميع، وأن التفاضل فيه إنما هو بالتقوى والعمل الصالح. ولكن بالرغم من الموافقة الظاهرية على هذا الزواج، ظلت الكوامن النفسية والآلام قائمة، وبقيت زينب كارهة لزيد، متعالية عليه، فاشتكى منها إلى رسول الله ﷺ مرارا، فكان ﷺ ينصحه قائلا: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ﴾ إلى أن نفذ حكم الله، وحدث الطلاق، وهو ما قررته الآيات التالية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، وَاتَّقِ اللهَ﴾ أي واذكر يا محمد حين كنت تقول لزيد الذي أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه بالإعتاق والحرية والتربية والتقريب منك: أبق على زواجك بزينب، واصبر على طبعها وخلقها، واتق الله في شأنها وفي طلاقها، فلا تطلقها لتعاليها وشعورها بالرفعة والشرف، فإن الطلاق مضرة. وهذا نهي تنزيه وتعليم وتربية، لا نهي تحريم وحظر؛ لأن الأولى على كل حال ألا يطلقها، لأن الطلاق شائن لها.

стр. 6467

﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ، وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ أي وتخفي أيها الرسول في نفسك ما الله مظهره من الحكم، وهو علمك بأن زيدا سيطلقها وستنكحها؛ لأن الله قد أعلمه بذلك، وتخاف من تعيير الناس ونقدهم واعتراضهم النابع من منطق الجاهلية، والله بعد أن أنزل عليك وحيه وشرعه المصحح لأعراف الجاهلية وتقاليدها أو المبطل لها، أجدر وحده أن تخاف منه، وتلزم أمره، وتمضي حكمه دون مبالاة بشرائع غيره. فقوله: ﴿وَاتَّقِ اللهَ﴾ أي في طلاقها، فلا تطلّقها، وأراد بذلك نهي تنزيه، لا نهي تحريم؛ لأن الأولى ألا يطلق. عن عائشة ﵂: لو كتم رسول الله ﷺ شيئا مما أوحي إليه، لكتم هذه الآية. والمراد من هذا التوجيه للنبي ﷺ : أن يصمت حين قال له زيد: أريد مفارقتها، أو يقول له: أنت أعلم بشأنك، حتى لا يتناقض سرّه مع علانيته، وليتساوى ظاهر الأنبياء وباطنهم، ولتبدو ظاهرة التصلب في الأمور الجادة التي نزل فيها وحي إلهي. ثم أعلن الله تعالى حكم زواج زينب المطلقة بعد انتهاء عدتها من نبي الله ﷺ فقال: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً، زَوَّجْناكَها، لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً، وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ أي لما طلقها زيد، وانتهت حاجته منها، وملّها، وانقضت عدتها، جعلناها لك زوجة، ليرتفع الحرج والضيق من بين المؤمنين إذا أرادوا الزواج بمطلّقات أدعيائهم وهم الذين تبنوهم في الجاهلية، ثم أبطل الإسلام حكم التبني وألغى جميع آثاره، وصفّى كل نتائجه، وكان قضاء الله وقدره نافذا وكائنا لا محالة، وحكمه سائدا وشرعه دائما في كل زمان، ومن أحكام الله في سابق علمه أن زينب ستصير زوجة

стр. 6468

للنبي ﷺ . والوطر: كل حاجة للمرء له فيها همّة، والجمع: الأوطار، قال ابن عباس: أي بلغ ما أراد من حاجته، يعني الجماع. وفي التعبير إضمار؛ أي لما قضى وطره منها، وطلّقها زوجناكها، وقراءة أهل البيت: زوجتكها. وفي هذا إشارة إلى أن التزويج لزينب من النبي ﷺ لم يكن لقضاء شهوة، بل لبيان الشريعة بفعل النبي ﷺ ، فإن الفعل أوكد، والشرع يستفاد على نحو أقطع من فعل النبي ﷺ ، وقد أريد من هذا الزواج نفي الحرج عن المؤمنين في إجراء أزواج المتبنين مجرى أزواج البنين في تحريمهن عليهم بعد انتهاء رابطة الزوجية بينهم وبينهن. روى البخاري والترمذي رحمهما الله عن أنس بن مالك ﵁ قال: «إن زينب بنت جحش ﵂ كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ ، فتقول: زوّجكن أهاليكنّ، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات». وقال محمد بن عبد الله بن جحش: تفاخرت زينب وعائشة ﵄ فقالت زينب ﵂: أنا التي نزل تزويجي من السماء، وقالت عائشة ﵂: أنا التي نزل عذري من السماء، فاعترفت لها زينب ﵂. وذكر ابن جرير عن الشعبي ﵂ عن الشعبي قال: كانت زينب ﵂ تقول للنبي ﷺ : إني لأدلّ عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدلّ بهن: إن جدّي وجدّك واحد، وإن الله أنكحك إياي من السماء، وإن السفير في ذلك جبريل ﵇». ثم أخبر الله تعالى عن سنته وحكمه في الرسل والأنبياء، فقال: ﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ، سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ أي لم يكن على النبي حرج أو عيب فيما أحل

стр. 6469

له وأمره من زواج زينب مطلّقة دعيه ومتبناة سابقا زيد بن حارثة ﵁. وهذا حكم الله تعالى في الأنبياء قبله، لم يكن ليأمرهم بشيء، وعليهم في ذلك حرج وضيق، وكان أمر الله الذي يقدره كائنا لا محالة، وواقعا لا محيد عنه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وهذا رد على المنافقين الذين عابوا رسول الله في تزوجه امرأة زيد مولاه ودعيّه الذي كان قد تبناه، ورد أيضا على اليهود الذين عابوه من كثرة الزوجات، فقد كان لداود وسليمان ﵉ عدد كثير من النساء. ثم مدح الله رسله الكرام، فقال: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ، وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً﴾ أي إن أولئك الرسل الذين رفع الله الحرج عنهم فيما أحل لهم، وخاتمهم محمد ﷺ مهمتهم تبليغ رسالات الله وشرائعه إلى الناس وأداؤها بأمانة، وهم يخافون الله وحده في ترك تبليغ شيء من الوحي، ولا يخافون أحدا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد أو انتقاده عن إبلاغ رسالات الله تعالى، وكفى بالله ناصرا ومعينا، وحافظا لأعمال عباده ومحاسبهم عليها. ثم رد الله تعالى على نقد من قالوا: إن محمدا تزوج حليلة ابنه، فقال: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ، وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ أي إن التزوج بزوجة الابن النسبي بالفعل هو غير جائز، أما التزوج بزوجة المتبنى بالتبني المصطنع فهو جائز، خلافا لشرعة الجاهلية، وإن زيدا لم يكن ابنا لمحمد ﷺ حقيقة وإن كان قد تبناه، وليس هو أبا على الحقيقة لأحد من الرجال، وإنما هو رسول الله لتبليغ رسالته وشرعه إلى الناس، وهو الذي ختم به أنبياء الله ورسله، وكان الله وما يزال عليما مطلعا على كل شيء، يعلم من بدئت به النبوة ومن ختمت به، ولا يفعل إلا ما هو الأصلح، ولا يختار إلا من هو

стр. 6470

الأجدر، كما قال تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤/ ٦]. فليس بين محمد ﷺ وبين أحد من الناس أبوة شرعية يترتب عليها حرمة المصاهرة ونحوها، وإنما هو أب روحي لجميع المؤمنين، شديد الإشفاق عليهم، يستوجب التوقير والاحترام، كما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب ٦/ ٣٣] وهذا أمر أجمع وأعم، وأما قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ.﴾. فهو خاص. وأما أبوته ﷺ الخاصة فهو أب لأربعة ذكور، وأربع بنات، فقد ولد له القاسم والطيب والطاهر من خديجة ﵂، ثم ماتوا صغارا، وولد له إبراهيم من مارية القبطية ثم مات رضيعا، وكان له أربع بنات من خديجة: زينب ورقيّة وأم كلثوم وفاطمة، وقد ماتت الثلاث الأول في حياته ﷺ ، ثم ماتت فاطمة بعده لستة أشهر. وهذه الآية نص في أنه لا نبي بعد نبي الله محمد، ولا رسول بعده بالطريق الأولى؛ لأن النبوة أعم من الرسالة، والرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي ولا عكس، وإذا انتفى وجود النبي بصريح الآية، انتفى وجود الرسول أيضا. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على ما يأتي: ١ - يحظر ويمنع على أي مؤمن أو مؤمنة إذا قضى الرسول ﷺ بأمر أن يختار غيره؛ لأن لفظة ما كان، وما ينبغي معناها هنا الحظر والمنع، فتجيء لحظر الشيء والحكم بأنه لا يكون، كما في هذه الآية. وربما كان امتناع ذلك الشيء عقلا، كقوله تعالى: ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾

стр. 6471

[النمل ٦٠/ ٢٧]. وربما كان العلم بامتناعه شرعا كقوله تعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران ٧٩/ ٣] وقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى ٥١/ ٤٢]. وربما كان في المندوبات؛ كما تقول: «ما كان لك يا فلان أن تترك النوافل» ونحو هذا. ٢ - في هذه الآية دليل للمالكية على أن الكفاءة لا تعتبر في الأحساب وإنما تعتبر في الأديان، خلافا للجمهور؛ لأن الموالي تزوجت في قريش، تزوج زيد زينب بنت جحش، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير، وزوّج أبو حذيفة سالما من فاطمة بنت الوليد بن عتبة، وتزوج بلال أخت عبد الرحمن بن عوف. وقد أراد الله امتحان زينب بزواج زيد لهدم مبدأ العصبية الجاهلية والامتياز الطبقي أو العنصري، وجعل أساس التمايز هو الإسلام والتقوى. ٣ - يجب اتباع أمر الله ورسوله؛ لأن الله أخبر أن من يعصي الله ورسوله فقد ضل طريق الهدى. قال القرطبي: وهذا أدل دليل على ما ذهب إليه الجمهور من فقهائنا، وفقهاء أصحاب الإمام الشافعي وبعض الأصوليين، من أن صيغة «افعل» للوجوب في أصل وضعها؛ لأن الله ﵎ نفى خيرة المكلّف عند سماع أمره وأمر رسوله ﷺ ، ثم أطلق على من بقيت له خيرة عند صدور الأمر اسم المعصية، ثم علّق على المعصية بذلك الضلال، فلزم حمل الأمر على الوجوب (١). ٤ - أراد الله تعالى من عتاب نبيه بآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ.﴾. إظهار صلابة الأنبياء في بيان الأحكام الإلهية، وأن يكون ظاهرهم

стр. 6472

وباطنهم سواء؛ لأن الله تعالى أعلم نبيه بأن زيدا سيطلّق زينب وينكحها هو، فما الداعي لوعظه وقوله له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ﴾؟. وقد أخفى النبي ﷺ ما أخبره الله به من طلاق زينب وزواجه، لا أنه أخفى استحسانها وحبّه لها والحرص على طلاق زيد إياها، كما يقول قتادة وابن زيد وجماعة من المفسرين، منهم الطبري وغيره، فهذا لا يليق بمنصب النبوة، ولا يتفق مع الواقع، فإنه كان بإمكانه أن يتزوجها وهي بكر، وهو يعرفها؛ لأنها ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب، وكانت هي ترغب بذلك، بدليل أنه ﷺ لما خطبها لزيد، ظنت أنه خطبها لنفسه، والخلاصة: أن قائل ذلك-إن تعمد-جاهل بعصمة النبي ﷺ عن مثل هذا، أو مستخف بحرمته. وأشد قبحا ما قال مقاتل: زوّج النبي ﷺ زينب بنت جحش من زيد، فمكثت عنده حينا، ثم إنه ﷺ أتى زيدا يوما يطلبه، فأبصر زينب قائمة، كانت بيضاء جميلة جسيمة من أتم نساء قريش، فهويها وقال: «سبحان مقلّب القلوب» فسمعت زينب بالتسبيحة، فذكرتها لزيد، ففطن زيد، فقال: يا رسول الله، ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كبرا، تعظم علي وتؤذيني بلسانها، فقال ﷺ : ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ﴾. وأحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين، كالزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري الفقيه المالكي الذي ولي قضاء العراق، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم: هو ما روي عن علي بن الحسين: أن النبي ﷺ كان قد أوحى الله تعالى إليه أن زيدا يطلّق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما تشكّى زيد للنبي ﷺ خلق زينب، وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له رسول الله ﷺ على جهة الأدب

стр. 6473

والوصية: «اتق الله في قولك وأمسك عليك زوجك» وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها؛ وخشي رسول الله ﷺ أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد، وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر من خشيته الناس في شيء قد أباحه الله له، بأن قال: «أمسك» مع علمه بأنه يطلّق، وأعلمه أن الله أحق بالخشية، أي في كل حال. ويدل تحرج النبي ﷺ من هذا الزواج على أن للأعراف والعادات تأثيرا كبيرا في المجتمعات والسلوك. ٥ - اقترنت واقعة زواج النبي ﷺ بزينب في السيرة بأحكام شرعية، منها: استخارة الله في الأمور، فعند ما جاء زيد يخطبها للنبي ﷺ فرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن. ومنها: ندب وليمة الزواج، قال أنس بن مالك فيما يرويه مسلم: «ما رأيت رسول الله ﷺ أولم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب، فإنه ذبح شاة. ومنها: أن يقول الإنسان لصاحبه: اخطب علي فلانة، وهو زوجها المطلقة منه، ولا حرج في ذلك، كما قال النبي ﷺ لزيد في رواية: «اذكرها علي» أي اخطبها. ٦ - اختصاص النبي ﷺ بتزويج الله تعالى له، فلما وكّلت زينب أمرها إلى الله، وصح تفويضها إليه، تولى الله إنكاحها، ولما أعلمه الله بذلك دخل عليها بغير إذن، ولا تجديد عقد ولا تقرير صداق، ولا شيء مما يكون شرطا في عقود زواجنا، ولهذا كانت زينب تفاخر نساء النبي ﷺ ، وتقول: «زوجكن آباؤكن، وزوّجني الله تعالى». أخرج النسائي عن أنس بن مالك قال: كانت

стр. 6474

زينب تفخر على نساء النبي ﷺ تقول: إن الله أنكحني من السماء، وفيها نزلت آية الحجاب. ٧ - المنعم عليه في هذه الآية هو زيد بن حارثة؛ إذ أعتقه النبي ﷺ عند ما اختار البقاء عنده، مفضلا إياه على أبيه وعمه، وقال الرسول ﷺ : «اشهدوا أني وارث وموروث» فلم يزل يقال: زيد بن محمد، إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾ ونزل: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾. ٨ - قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن السّهيلي رحمه الله تعالى: كان يقال: زيد بن محمد، حتى نزل: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾ فقال: أنا زيد بن حارثة، وحرم عليه أن يقول: أنا زيد بن محمد. فلما نزع عنه هذا الشرف وهذا الفخر، وعلم الله وحشته من ذلك شرفه بخصيصة لم يكن يخصّ بها أحدا من أصحاب النبي ﷺ ، وهي أنه سماه في القرآن؛ فقال تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً﴾ يعني من زينب. ومن ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم حتى صار اسمه قرآنا يتلى في المحاريب، نوّه به غاية التنويه، فكان في هذا تأنيس له وعوض من الفخر بأبوّة محمد ﷺ له. فهو لا يزال مترددا على ألسنة المؤمنين، ومذكورا على الخصوص عند رب العالمين؛ إذ القرآن كلام الله القديم، وهو باق لا يبيد؛ فاسم زيد هذا في الصحف المكرّمة المرفوعة المطهرة، تذكره في التلاوة السّفرة الكرام البررة. وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين إلا لنبي من الأنبياء، ولزيد بن حارثة تعويضا من الله تعالى له مما نزع عنه. وزاد في الآية أن قال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ أي بالإيمان؛ فدل على أنه من أهل الجنة، علم ذلك قبل أن يموت، وهذه فضيلة أخرى. ٩ - قوله تعالى: ﴿زَوَّجْناكَها﴾ دليل على ثبوت الولي في النكاح.

стр. 6475

١٠ - أعلم الله جميع الأمة أنه سنّ لمحمد ﷺ التوسعة عليه في النكاح سنّة الأنبياء الماضية، كداود وسليمان، فكان لداود مائة امرأة، وثلاث مائة سرّية، ولسليمان ثلاث مائة امرأة وسبع مائة سرّية. ١١ - دلت آية ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ على أن محمدا ﷺ ليس بأب شرعي لزيد، وليس زيد ابنا له، حتى تحرم عليه حليلته، ولكنه أبو أمّته في التبجيل والتعظيم، وأن نساءه عليهم حرام. فأذهب الله بهذه الآية ما وقع في نفوس المنافقين وغيرهم، واعتراضهم بقولهم: تزوج النبي امرأة ابنه؛ وأعلم أن محمدا لم يكن أبا أحد من الرجال المعاصرين له في الحقيقة. ولم يقصد بهذه الآية أن النبي ﷺ لم يكن له ولد، فقد ولد له ذكور كما تقدم: إبراهيم، والقاسم، والطيب، والمطهّر، ولكن لم يعش له ابن حتى يصير رجلا. وأما الحسن والحسين فكانا طفلين، ولم يكونا رجلين معاصرين له. ١٢ - الحقيقة أن محمدا ﷺ كان رسول الله، وخاتم النبيين، وقوله ﴿خاتَمَ﴾ بفتح التاء، بمعنى أنهم به ختموا، فهو كالخاتم والطابع لهم، وبكسر التاء: بمعنى أنه ختمهم، أي جاء آخرهم. وهذا دليل قاطع على أنه لا نبي ولا رسول بعده ﷺ ، وفيه وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة ﵃، منها ما رواه أحمد ومسلم والترمذي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها، ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع اللّبنة، فأنا موضع اللّبنة حيث جئت، فختمت الأنبياء» ونحوه عن أبي هريرة، غير أنه قال: «فأنا اللّبنة وأنا خاتم النبيين». ومنها ما أخرجه الصحيحان عن جبير بن مطعم ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لي

стр. 6476

أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي». ومنها ما رواه أحمد والترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي» فشق ذلك على الناس، فقال: «ولكن المبشّرات» قالوا: يا رسول الله، وما المبشّرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة». وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا نبوة بعدي إلا ما شاء الله» قال ابن عبد البر: يعني الرؤيا-والله أعلم-التي هي جزء منها؛ كما قال ﷺ : «ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة». وإتمام النبوات مشابه لإتمام الأخلاق، قال ﵊ فيما رواه الحاكم عن أبي هريرة: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وهذا كله رد قاطع على المتنبئين كالأسود العنسي باليمن، ومسيلمة الكذّاب باليمامة، وسجاح، وغيرهم من أدعياء النبوة الأفاكين، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ، تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء ٢٢١/ ٢٦ - ٢٢٢]. تعظيم الله تعالى وإجلاله بالأذكار والتسابيح الكثيرة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (٤٤)﴾

стр. 6477

البلاغة: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ أي في أغلب الأوقات، ويشمل مختلف أنواع التقديس والتمجيد والتهليل والتحميد ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أول النهار وآخره، وتخصيصهما بالذكر للدلالة على فضلهما على سائر الأوقات، لكونهما مشهودين بملائكة الليل والنهار ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أي بالرحمة ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ بالاستغفار لكم، والاهتمام بما يصلحكم، والمراد بالصلاة المشتركة بين الله وملائكته: هو العناية بصلاح أمركم، وظهور شرفكم ورفعة شأنكم ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ ليديم إخراجه إياكم ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ من ظلمات الكفر والمعصية إلى نور الإيمان والطاعة ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ أي كان الله وما يزال رحيما بعباده المؤمنين، حتى اعتنى بصلاح أمرهم ورفع قدرهم وهو دليل على أن المراد بالصلاة الرحمة ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ أي تحية الله للمؤمنين بلسان الملائكة هي السلام، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي يحيّون ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ يوم لقائه عند الموت أو الخروج من القبر، أو دخول الجنة ﴿سَلامٌ﴾ إخبار بالسلامة من كل مكروه وآفة ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ هي الجنة. سبب النزول: نزول الآية (٤٣): ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي.﴾.: أخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦/ ٣٣] قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، ما أنزل الله تعالى عليك خيرا إلا أشركنا فيه، فنزلت: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾. المناسبة: بعد بيان ما ينبغي أن يكون عليه النبي ﷺ مع الله وهو التقوى والإخلاص، وما ينبغي أن يكون عليه مع أهله وأقاربه بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ﴾ وهو تحقيق الحرية والاستقرار الزوجي، أمر الله تعالى عباده المؤمنين بما أمر به أنبياءه المرسلين من تعظيم الله وإجلاله بذكره وتسبيحه في أغلب الأوقات ومختلف أنواع الطاعات، بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ ليحقق لهم أجزل الثواب ويخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.

стр. 6478

وهو تحقيق الحرية والاستقرار الزوجي، أمر الله تعالى عباده المؤمنين بما أمر به أنبياءه المرسلين من تعظيم الله وإجلاله بذكره وتسبيحه في أغلب الأوقات ومختلف أنواع الطاعات، بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ ليحقق لهم أجزل الثواب ويخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بكثرة ذكر ربهم ﵎، المنعم عليهم بأنواع النعم، لينالوا جزيل الثواب وجميل المآب، فيقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي يا أيها الذين أيقنوا وصدقوا بالله ورسوله اذكروا الله بألسنتكم وقلوبكم ذكرا كثيرا، يملأ عليكم مشاعركم، في جميع الأحوال، ويحقق في نفوسكم خشية ربكم، ونزهوه عن كل ما لا يليق به أول النهار وآخره، أي في غالب الأوقات؛ لأن بداية الشيء ونهايته تشمل وسطه أيضا بحكم الاستمرار، قال الزمخشري في تفسير ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي في كافة الأوقات. وإنما ذكر هذان الوقتان لكونهما مشهودين بملائكة الليل والنهار. قال رسول الله ﷺ : «ذكر الله على فم كل مسلم» وروي «في قلب كل مسلم» وعن قتادة: «قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال ﷺ : ذكر الله ».

стр. 6479

ونظير الآية في وصف المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١٩١/ ٣]. وقرن التسبيح بالذكر معناه: إذا ذكرتم الله تعالى، فينبغي أن يكون ذكركم إياه على وجه التعظيم والتنزيه عن كل سوء، وهو المراد بالتسبيح. ثم حرّض تعالى على الذكر والتسبيح وأبان سببه فقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ أي إن الله ربكم الذي تذكرونه وتسبحونه هو الذي يرحمكم، وملائكته تستغفر لكم، وهو بهذه الرحمة يريد هدايتكم وإخراجكم من ظلمات الكفر والجهل والضلال إلى نور الحق والهدى والإيمان، وكان ربكم وما يزال رحيما تام الرحمة بعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا: فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم، وبصّرهم الطريق الذي حاد عنه سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأتباعهم، وأما في الآخرة: فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته أن يتلقوهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم. ومن مظاهر رحمته تعالى ما ورد في صحيح الإمام البخاري عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد أخذت صبيا لها، فألصقته إلى صدرها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ : «أترون هذه تلقي ولدها في النار، وهي تقدر على ذلك؟ قالوا: لا، قال رسول الله ﷺ : فو الله الله أرحم بعباده من هذه بولدها». ثم ذكر تعالى دليل رحمته الشامل في الآخرة وعنايته فيها بعد بيان عنايته في الدنيا، فقال:

стр. 6480

﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ: سَلامٌ، وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ تحيتهم من الله تعالى بواسطة ملائكته يوم لقائه في الآخرة هو السلام، كما قال تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨/ ٣٦] وقال : ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ [الرعد ٢٣/ ١٣ - ٢٤]. وهيّأ لهم ثوابا حسنا في الآخرة وهو الجنة وما فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والملاذّ والمناظر، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - الحض على ذكر الله وشكره على نعمه، وتسبيحه في معظم الأحوال بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، دون تقدير بقدر معين أو تحديد بحد، ليسهل الأمر على العبد، وليعظم الأجر فيه. روى أحمد وأبو يعلى وغيرهما عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : «أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون». ٢ - إسباغ الرحمة الإلهية على المؤمنين وتسخير الملائكة للاستغفار لهم، بقصد هدايتهم وإخراجهم من ظلمة الكفر والجهل إلى نور الهدى واليقين. والصلاة من الله على العبد: هي رحمته له وبركته لديه، وصلاة الملائكة: دعاؤهم للمؤمنين واستغفارهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر ٧/ ٤٠]. قال ابن عباس: لما نزل ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦/ ٣٣] قال المهاجرون والأنصار: هذا لك يا رسول الله خاصّة، وليس لنا فيه شيء؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، أي ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ.﴾ ..
следующие страницы →