← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي». ومنها ما رواه أحمد والترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي» فشق ذلك على الناس، فقال: «ولكن المبشّرات» قالوا: يا رسول الله، وما المبشّرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة». وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا نبوة بعدي إلا ما شاء الله» قال ابن عبد البر: يعني الرؤيا-والله أعلم-التي هي جزء منها؛ كما قال ﷺ : «ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة». وإتمام النبوات مشابه لإتمام الأخلاق، قال ﵊ فيما رواه الحاكم عن أبي هريرة: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وهذا كله رد قاطع على المتنبئين كالأسود العنسي باليمن، ومسيلمة الكذّاب باليمامة، وسجاح، وغيرهم من أدعياء النبوة الأفاكين، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ، تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء ٢٢١/ ٢٦ - ٢٢٢]. تعظيم الله تعالى وإجلاله بالأذكار والتسابيح الكثيرة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (٤٤)﴾

стр. 6477

البلاغة: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ أي في أغلب الأوقات، ويشمل مختلف أنواع التقديس والتمجيد والتهليل والتحميد ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أول النهار وآخره، وتخصيصهما بالذكر للدلالة على فضلهما على سائر الأوقات، لكونهما مشهودين بملائكة الليل والنهار ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أي بالرحمة ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ بالاستغفار لكم، والاهتمام بما يصلحكم، والمراد بالصلاة المشتركة بين الله وملائكته: هو العناية بصلاح أمركم، وظهور شرفكم ورفعة شأنكم ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ ليديم إخراجه إياكم ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ من ظلمات الكفر والمعصية إلى نور الإيمان والطاعة ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ أي كان الله وما يزال رحيما بعباده المؤمنين، حتى اعتنى بصلاح أمرهم ورفع قدرهم وهو دليل على أن المراد بالصلاة الرحمة ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ أي تحية الله للمؤمنين بلسان الملائكة هي السلام، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي يحيّون ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ يوم لقائه عند الموت أو الخروج من القبر، أو دخول الجنة ﴿سَلامٌ﴾ إخبار بالسلامة من كل مكروه وآفة ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ هي الجنة. سبب النزول: نزول الآية (٤٣): ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي.﴾.: أخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦/ ٣٣] قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، ما أنزل الله تعالى عليك خيرا إلا أشركنا فيه، فنزلت: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾. المناسبة: بعد بيان ما ينبغي أن يكون عليه النبي ﷺ مع الله وهو التقوى والإخلاص، وما ينبغي أن يكون عليه مع أهله وأقاربه بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ﴾ وهو تحقيق الحرية والاستقرار الزوجي، أمر الله تعالى عباده المؤمنين بما أمر به أنبياءه المرسلين من تعظيم الله وإجلاله بذكره وتسبيحه في أغلب الأوقات ومختلف أنواع الطاعات، بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ ليحقق لهم أجزل الثواب ويخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.

стр. 6478

وهو تحقيق الحرية والاستقرار الزوجي، أمر الله تعالى عباده المؤمنين بما أمر به أنبياءه المرسلين من تعظيم الله وإجلاله بذكره وتسبيحه في أغلب الأوقات ومختلف أنواع الطاعات، بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ ليحقق لهم أجزل الثواب ويخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بكثرة ذكر ربهم ﵎، المنعم عليهم بأنواع النعم، لينالوا جزيل الثواب وجميل المآب، فيقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي يا أيها الذين أيقنوا وصدقوا بالله ورسوله اذكروا الله بألسنتكم وقلوبكم ذكرا كثيرا، يملأ عليكم مشاعركم، في جميع الأحوال، ويحقق في نفوسكم خشية ربكم، ونزهوه عن كل ما لا يليق به أول النهار وآخره، أي في غالب الأوقات؛ لأن بداية الشيء ونهايته تشمل وسطه أيضا بحكم الاستمرار، قال الزمخشري في تفسير ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي في كافة الأوقات. وإنما ذكر هذان الوقتان لكونهما مشهودين بملائكة الليل والنهار. قال رسول الله ﷺ : «ذكر الله على فم كل مسلم» وروي «في قلب كل مسلم» وعن قتادة: «قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال ﷺ : ذكر الله ».

стр. 6479

ونظير الآية في وصف المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١٩١/ ٣]. وقرن التسبيح بالذكر معناه: إذا ذكرتم الله تعالى، فينبغي أن يكون ذكركم إياه على وجه التعظيم والتنزيه عن كل سوء، وهو المراد بالتسبيح. ثم حرّض تعالى على الذكر والتسبيح وأبان سببه فقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ أي إن الله ربكم الذي تذكرونه وتسبحونه هو الذي يرحمكم، وملائكته تستغفر لكم، وهو بهذه الرحمة يريد هدايتكم وإخراجكم من ظلمات الكفر والجهل والضلال إلى نور الحق والهدى والإيمان، وكان ربكم وما يزال رحيما تام الرحمة بعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا: فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم، وبصّرهم الطريق الذي حاد عنه سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأتباعهم، وأما في الآخرة: فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته أن يتلقوهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم. ومن مظاهر رحمته تعالى ما ورد في صحيح الإمام البخاري عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد أخذت صبيا لها، فألصقته إلى صدرها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ : «أترون هذه تلقي ولدها في النار، وهي تقدر على ذلك؟ قالوا: لا، قال رسول الله ﷺ : فو الله الله أرحم بعباده من هذه بولدها». ثم ذكر تعالى دليل رحمته الشامل في الآخرة وعنايته فيها بعد بيان عنايته في الدنيا، فقال:

стр. 6480

﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ: سَلامٌ، وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ تحيتهم من الله تعالى بواسطة ملائكته يوم لقائه في الآخرة هو السلام، كما قال تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨/ ٣٦] وقال : ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ [الرعد ٢٣/ ١٣ - ٢٤]. وهيّأ لهم ثوابا حسنا في الآخرة وهو الجنة وما فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والملاذّ والمناظر، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - الحض على ذكر الله وشكره على نعمه، وتسبيحه في معظم الأحوال بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، دون تقدير بقدر معين أو تحديد بحد، ليسهل الأمر على العبد، وليعظم الأجر فيه. روى أحمد وأبو يعلى وغيرهما عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : «أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون». ٢ - إسباغ الرحمة الإلهية على المؤمنين وتسخير الملائكة للاستغفار لهم، بقصد هدايتهم وإخراجهم من ظلمة الكفر والجهل إلى نور الهدى واليقين. والصلاة من الله على العبد: هي رحمته له وبركته لديه، وصلاة الملائكة: دعاؤهم للمؤمنين واستغفارهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر ٧/ ٤٠]. قال ابن عباس: لما نزل ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٦/ ٣٣] قال المهاجرون والأنصار: هذا لك يا رسول الله خاصّة، وليس لنا فيه شيء؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، أي ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ.﴾ ..

стр. 6481

وقال القرطبي: وهذه نعمة من الله تعالى على هذه الأمة من أكبر النعم؛ ودليل على فضلها على سائر الأمم، وقد قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠/ ٣]. ذكر النحاس حديثا: أن بني إسرائيل سألوا موسى ﵇: أيصلّي ربّك جلّ وعزّ؟ فأعظم ذلك؛ فأوحى الله جل وعز: «إن صلاتي بأن رحمتي سبقت غضبي». ٣ - قوله تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي من الضلالة إلى الهدى: معناه التثبيت على الهداية؛ لأنهم كانوا في وقت الخطاب على الهداية. وقوله: ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ إخبار برحمته تعالى للمؤمنين وتأنيس لهم، فهو يرحمهم في الدنيا بهدايتهم إلى الحق، ويؤمنهم من عذاب الله يوم القيامة، وتكون تحية الله لهم يوم القيامة بعد دخول الجنة: سلام، أي سلامة من عذاب الله، وقيل: عند الموت وقبض الروح. قال ابن كثير: الظاهر أن المراد-والله أعلم-تحيتهم، أي من الله تعالى يوم يلقونه: سلام، أي يوم يسلم عليهم، كما قال : ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨/ ٣٦]. وزعم قتادة أن المراد أنهم يحيي بعضهم بعضا بالسلام يوم يلقون الله في الدار الآخرة، واختاره ابن جرير. وكذا قال القرطبي: ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ أي تحية بعضهم لبعض، ويؤيده قوله تعالى: ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ، وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ، وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [يونس ١٠/ ١٠].

стр. 6482

مهام دعوة النبي ﷺ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٤٩)﴾ الإعراب: ﴿شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ، وَسِراجاً مُنِيراً﴾ كلها منصوبات على الحال. وقوله: ﴿وَسِراجاً﴾ أي وذا سراج؛ لأن الحال لا يكون إلا وصفا للفاعل أو المفعول، والسراج ليس وصفا؛ لأن النبي ﷺ لم يكن سراجا حقيقة. البلاغة: ﴿وَسِراجاً مُنِيراً﴾ تشبيه بليغ، حذف منه وجه الشبه وأداة التشبيه، أي أنت يا محمد كالسراج المضيء في الهداية والإرشاد. ﴿وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ ﴿وَسِراجاً مُنِيراً﴾ ﴿فَضْلاً كَبِيراً﴾ توافق الفواصل. وكذا أيضا ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ ﴿سَراحاً جَمِيلاً﴾. المفردات اللغوية: ﴿شاهِداً﴾ على من أرسلت إليهم بتصديقهم وتكذيبهم ﴿وَمُبَشِّراً﴾ من صدّقك وأطاعك

стр. 6483

بالجنة ﴿وَنَذِيراً﴾ من كذبك وعصاك بالنار ﴿وَداعِياً إِلَى اللهِ﴾ إلى الإقرار به وبتوحيده وما يجب الإيمان به من صفاته وإلى طاعته ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بتيسيره وأمره ﴿وَسِراجاً مُنِيراً﴾ أي كالسراج الوضاء يستضاء به، ويكون مثله في الاهتداء به ﴿فَضْلاً كَبِيراً﴾ على سائر الأمم في الدنيا، وأجرا واسعا على أعمالهم في جنات النعيم. ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ فيما يخالف شريعتك، والمراد به التهييج والإثارة له على ما هو عليه من مخالفتهم، تحقيقا لاستقلال الذات وصون الشريعة من الاختلاط. ويحتمل كون المراد به: الدوام والثبات على ما كان عليه ﴿وَدَعْ أَذاهُمْ﴾ أي اترك إلحاق الأذى والضرر بهم، وخذ بظاهرهم، وحسابهم على الله في باطنهم. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ فوض أمرك إليه، فهو كافيك ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ مفوضا إليه الأمر في الأحوال كلها. ﴿نَكَحْتُمُ﴾ النكاح هنا العقد ﴿أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي تجامعوهن، ويعبر عن الجماع في القرآن أدبا بالمس والملامسة والقربان والتغشي والإتيان ﴿فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ أي ليس عليهن انتظار أيام أو أقراء تستوفون عددها، يمتنعن فيها عن الزواج بآخرين، فالعدة: الشيء المعدود ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أعطوهن ما يستمتعن به، والمتعة سنة للمفروض لها المهر، وواجب لمن لم يفرض لها مهر وهي المفوضة في رأي الحنابلة والحنفية، وسنة فقط في غير المفوضة عند الجمهور، وواجبة لكل مطلّقة عند الشافعية، إلا المطلقة قبل الدخول التي سمي لها مهر، فإنه يكتفى لها بنصف المهر، وتكون المتعة سنة مستحبة لها، وهو كسوة شاملة أو ثلاثون درهما ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ أي خلّوا سبيلهن من غير إضرار ولا إيذاء؛ إذ ليس لكم عليهن عدة. سبب النزول: نزول الآية (٤٧): ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا: لما نزل ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ٢/ ٤٨] قال رجال من المؤمنين: هنيئا لك يا رسول الله، قد علمنا بما يفعل بك، فماذا يفعل بنا، فأنزل الله ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ الآية [الفتح ٥/ ٤٨]. وأنزل في سورة الأحزاب ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾. وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن الربيع بن أنس قال: لما نزلت:

стр. 6484

﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [الأحقاف ٩/ ٤٦] نزلت بعدها: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ٢/ ٤٨] فقالوا: يا رسول الله قد علمنا ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزل: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ قال: الفضل الكبير: الجنة. وأخرجه أيضا ابن جرير وعكرمة عن الحسن البصري. المناسبة: موضوع السورة متعلق بآداب النبي ﷺ ، فبعد أن أمره الله تعالى بما ينبغي أن يكون عليه مع ربه بقوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ﴾ [الأحزاب ١/ ٣٣] وما ينبغي أن يكون عليه مع أزواجه بقوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ﴾ أمره بما ينبغي أن يكون عليه مع عامة الخلق بقوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ﴾. وكلما ذكر الله تعالى أدبا أو مكرمة للنبي ﷺ ، ذكر للمؤمنين ما يناسبه، ففي مقابل أمر النبي ﷺ بالتقوى، أمر المؤمنين بالذكر: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ﴾ وفي مقابل أدب الزوجات ذكر ما يتعلق بأزواج المؤمنين، ثم في الآيات التالية ذكر تعالى في مقابل بيان مهام النبي ﷺ أدب المؤمنين مع النبي ﷺ بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٣/ ٣٣] ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾. التفسير والبيان: ذكر الله تعالى في هذه الآيات سبع مهامّ للنبي ﷺ ، فقال: ١ - ٣: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً، وَمُبَشِّراً، وَنَذِيراً﴾ أي يا أيها الرسول المنزل عليه الوحي، إنا بعثناك شاهدا على من أرسلت إليهم بتصديقك

стр. 6485

وتكذيبك، واتباع هداك ومخالفتك، أي متحملا للشهادة في الدنيا، ومؤديا لما تحمّلته في الآخرة أمام ربك، وأرسلناك لتبشير من أطاعك بالجنة، ولإنذار من عصاك بالنار، فهذه ثلاث مهام من مهمات الدعوة المكلّف بتبليغها إلى البشر كافة. ونظير الآية في الشهادة قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة ١٤٣/ ٢]. روى الإمام أحمد والبخاري وابن أبي حاتم عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، قال: «أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا». ٤ - ٥: ﴿وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ، وَسِراجاً مُنِيراً﴾ أي وداعيا الخلق إلى عبادة ربهم، وطاعته ومراقبته سرا وعلانية، بأمره إياه، والإقرار به، والإيمان بما يجب له من صفات الكمال، وجعلناك ذا سراج أو كالسراج الوضاء الذي يستضاء به في الظلمات، ليهتدي بك الناس، ويستنيروا بشرعك في تحقيق سعادتي الدنيا والآخرة. فقوله ﴿بِإِذْنِهِ﴾ معناه: بأمره إياك، وتقديره ذلك في وقته وأوانه، ﴿وَسِراجاً﴾ معناه: ذا سراج، أو يكون كقول القائل: «رأيته أسدا» أي شجاعا، فيكون قوله: ﴿سِراجاً﴾ أي هاديا مبينا كالسراج، يري الطريق ويبين الأمر، ويهدي الناس إلى الحق وإلى صراط مستقيم. ومقتضى تشبيه النبي ﷺ بالسراج أن دينه أو أمره يكون ظاهرا واضح الحجة والبرهان، لا تعقيد فيه ولا التواء، ولا خفايا فيه ولا أستار.

стр. 6486

وإنما شبّه بالسراج لا بالشمس التي هي أشد إضاءة من السراج؛ لأن ضوء الشمس يبهر العين، وأما ضوء السراج فترتاح له الأعين. ووصف السراج بالإنارة؛ لأن بعض السرج لا يضيء لضعفه ودقة فتيلته. ٦ - ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ أي أعلن البشارة لكل من آمن برسالتك وأطاع شرعك بأن لهم فضلا كبيرا على سائر الأمم، وأجرا عظيما لا يوصف في الدار الآخرة، وبعد البشارة أتى بالإنذار، فقال: ٧ - ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ، وَدَعْ أَذاهُمْ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ، وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ أي لا تطع هؤلاء الذي كفروا برسالتك، أو نافقوا فأظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، ولا تسمع منهم اعتراضا أو نقدا في أمر الدعوة، ولا تأبه بهم، وبلّغ رسالة ربك إلى الناس قاطبة، ودع عنك أذاهم، واصفح عنهم، وتجاوز عن سيئاتهم، وامض لما أمرك به ربك، وفوّض أمرك إلى الله تعالى في كل ما تعمل وتذر، وثق به، فإن فيه كفاية لهم، وهو حافظك وراعيك، وكفى بالله كافيا عبده. والوكيل: الحافظ القائم على الأمر. وفي هذا الكلام القوي وعد بالنصر. وبعد بيان مهمات النبي ﷺ ، عاد الكلام إلى قضايا الأزواج، فلما ذكر تعالى قصة زيد وزينب وتطليقه إياها، وكانت مدخولا بها، واعتدت، وخطبها الرسول ﷺ بعد انقضاء عدتها، بيّن حال من طلقت قبل الدخول (المسيس) وأنها لا عدة عليها، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها، فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ أي يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، إذا عقدتم عقد النكاح على النساء المؤمنات، ثم أوقعتم الطلاق عليهن من قبل الدخول بهن، فلا عدّة لكم عليهن بأيام تستوفون

стр. 6487

عددها، ولكن قدموا لهن بعد الطلاق تطييبا لخاطرهن متعة وهي كسوة تليق بكم وبهن بحسب الزمان والمكان، وطلقوهن طلاقا لا ضرر فيه؛ إذ ليس لكم عليهن عدة. والجمال في التسريح: ألا يطالبها بما آتاها. وتخصيص المؤمنات بالذكر في الآية إرشاد إلى أن المؤمن ينبغي أن ينكح المؤمنة، فإنها أشد تحصينا لدينه. وقوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ قيل بأنه واجب مختص بالمفوّضة التي لم يسم لها مهر إذا طلقت قبل الدخول، وقيل: بأنه عام يشمل المفوضة وغيرها، والأمر إما أمر وجوب أو أمر ندب على حسب اختلاف العلماء، فمنهم من قال للوجوب، فيجب مع نصف المهر المتعة أيضا، ومنهم من قال للاستحباب، فيستحب أن يمتّعها مع الصداق بشيء. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات الأحكام التالية: أولا-وصف النبي ﷺ بسبع صفات أو أسماء، فهو الشاهد على أمته بالتبليغ إليهم، وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم، وهو المبشر للمؤمنين برحمة الله وبالجنة، وهو المنذر للعصاة والمكذبين من النار وعذاب الخلد، وهو الداعي إلى الله بتبليغ التوحيد والأخذ به ومكافحة الكفرة، وهو نور كالسراج الوضاء بشرعه الذي أرسله الله به، وهو الذي بشر المؤمنين بالفضل الكبير من الله تعالى، وهو ذو شرع مستقل مطالب بألا يطيع الكافرين فيما يشيرون عليه من أنصاف الحلول والمداهنة في الدين والممالأة، لكنه مأمور أيضا أن يدع أذاهم مجازاة على إذايتهم إياه، فلا يعاقبهم، وإنما يصفح عن زللهم، معتمدا على الله وحده بنصر دينه وحفظه وتأييده وعصمته من الناس.

стр. 6488

روى ابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً﴾ دعا رسول الله ﷺ عليّا ومعاذا فقال: «انطلقا، فبشّرا ولا تنفرا، ويسّرا ولا تعسّرا، فإنه قد نزل علي الليلة آية: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً﴾ -بالجنة- ﴿وَنَذِيراً﴾ -من النار- ﴿وَداعِياً إِلَى اللهِ﴾ -شهادة أن لا إله إلا الله- ﴿بِإِذْنِهِ﴾ -بأمره- ﴿وَسِراجاً مُنِيراً﴾ بالقرآن». ثانيا-قال القرطبي (١): هذه الآية فيها تأنيس للنبي ﷺ وللمؤمنين، وتكريم لجميعهم. وهذه الآية تضمنت من أسمائه ﷺ ستة أسماء، ولنبينا ﷺ أسماء كثيرة وسمات جليلة، ورد ذكرها في الكتاب والسنة والكتب المتقدمة، وقد سماه الله في كتابه محمدا وأحمد. وقال ﷺ فيما روى عنه الثقات العدول عند الطبراني عن جابر: «لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب». وفي صحيح مسلم من حديث جبير بن مطعم: وقد سماه الله رؤفا رحيما. وفيه أيضا عن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله ﷺ يسمّي لنا نفسه أسماء، فيقول: «أنا محمد وأحمد، والمقفّي (أي أنه آخر الأنبياء)، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة». وذكر القاضي ابن العربي في أحكامه (١٥٣٤/ ٣) بمناسبة هذه الآية سبعا وستين اسما للنبي ﷺ هي: الرسول، المرسل، النبي، الأمي، الشهيد، المصدّق، النور، المسلم، البشير، المبشّر، النذير، المنذر، المبين، الأمين (٢)، العبد، الداعي، السراج،

стр. 6489

المنير، الإمام، الذّكر، المذكّر، الهادي، المهاجر، العامل، المبارك، الرحمة، الآمر، الناهي، الطيب، الكريم، المحلّل، المحرّم، الواضع، الرافع، المخبر، خاتم النبيين، ثاني اثنين، منصور، أذن خير، مصطفى، أمين، مأمون، قاسم، نقيب، مزمّل، مدثّر، العليّ، الحكيم، المؤمن، المصدّق (١)، الرؤوف، الرحيم، الصاحب، الشفيع، المشفّع، المتوكل، محمد، أحمد، الماحي، الحاشر، المقفي، العاقب، نبي التوبة، نبي الرحمة، نبي الملحمة، عبد الله، نبي الحرمين. ذكر ذلك أهل ما وراء النهر. فالرسول: الذي تتابع خبره عن الله، وهو المرسل من ربّه، والمرسل غيره لتبليغ الشرائع إلى الناس مشافهة، والنبيء مهموز من النبأ وهو الخبر، وغير مهموز من النّبوة: وهو المرتفع من الأرض، فهو مخبر عن الله، رفيع القدر عنده، والأمي: الذي لا يقرأ ولا يكتب، والشهيد لشهادته على الخلق في الدنيا والآخرة، والمصدّق بجميع الأنبياء قبله، وصدّق ربه بقوله، وصدق قوله بفعله، والمنور الذي نور الله به الأفئدة بالإيمان والعلم، وبدد ظلمات الكفر والجهل، والمسلم خير المسلمين وأولهم، والبشير: الذي أخبر الخلق بثوابهم إن أطاعوا وبعقابهم إن عصوا، والنذير والمنذر: المخبر عما يخاف ويحذر، والمبين: الذي أبان عن ربه الوحي والدين وأظهر الآيات والمعجزات، والأمين: الذي حفظ ما أوحي إليه وما وظف به، والعبد: الذي ذل لله خلقا وعبادة، والداعي الخلق إلى الحق وترك الضلال، والسراج: النور الذي يبصر به الخلق الرشد، والمنير: المنور، والإمام: المقتدى به المرجوع إلى قوله وفعله، والذّكر: الشريف في نفسه، المشرّف غيره، والمذكّر: الذي يخلق الله على يديه الذّكر، أي تذكر الله، والهادي: الذي أبان النجدين، أي طريقي الخير والشر، والمهاجر: لأنه هجر ما نهى الله عنه، وهجر أهله ووطنه، والعامل: لأنه قام

стр. 6490

بطاعة ربه، ووافق فعله قوله واعتقاده، والمبارك: الذي جعل الله في حاله زيادة الثواب، وفي حال أصحابه فضائل الأعمال، وفي أمته زيادة العدد على جميع الأمم، والرحمة: الذي رحم الله به العالمين في الدنيا من العذاب الشامل، وفي الآخرة بتعجيل الحساب، والآمر والناهي: المبلّغ الأمر والنهي، والطيب: فلا أطيب منه، لسلامته عن خبث القلب وخبث القول وخبث الفعل. والكريم: الجواد على التمام والكمال، والمحلّل والمحرّم: مبيّن الحلال والحرام، والواضع والرافع: الذي وضع الله به قوما ورفع آخرين، والمخبر: النبيء، وخاتم النبيين: آخرهم، وثاني اثنين: أحد اثنين والآخر أبو بكر في غار جبل ثور، والمنصور: المعان من قبل الله بالعزة والظهور على الأعداء، وأذن خير: لا يعي من الأصوات إلا خيرا ولا يسمع إلا الأحسن، والمصطفى: المخبر عنه بأنه صفوة الخلق، والأمين كما تقدم: المؤتمن على المعاني، والمأمون: الذي لا يخاف من جهته شرّ، وقاسم: يقسم الزكوات والأخماس وسائر الأموال بين الناس، ونقيب: يتولى الأمور، ويحفظ الأخبار، وقد وصف نفسه للأنصار بذلك فقال: أنا نقيبكم، والمزمّل: المتلفف بثيابه، والمدثر: المتغشّي بثيابه، والعلي: الرفيع القدر والمكان، الشريف الشأن، والحكيم: العامل بما علم، والمؤمن: المصدّق لربه اعتقادا وفعلا، والرؤوف الرحيم: لما أعطاه الله من الشفقة على الناس، والصاحب: الذي كان مع أتباعه حسن المعاملة، عظيم الوفاء، والشفيع المشفّع: الراغب إلى الله في أمر الخلق بتعجيل الحساب، وإسقاط العذاب وتخفيفه، والمتوكل: الملقي مقاليد الأمور إلى الله علما وعملا، والمقفّي: العابد، ونبي التوبة: لأنه تاب الله على أمته بالقول والاعتقاد، دون تكليف بقتل أو إصر، ونبي الرحمة: المشفق على الناس، ونبي الملحمة: المبعوث بحرب الأعداء والنصر عليهم. ثالثا-يرى مجاهد أن الأمر بالعفو والصفح عن الكافرين في قوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذاهُمْ﴾ منسوخ بآية السيف.

стр. 6491

رابعا-في آية ﴿إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ.﴾. أحكام كثيرة منها: ١ - المرأة المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها بنص الكتاب وإجماع الأمة على ذلك، فإن دخل بها فعليها العدّة إجماعا. والمشهور عند الفقهاء أن العدّة ليست خالص حق العبد، وإنما يتعلق بها حق الله وحق العبد معا؛ لأن منع الفساد باختلاط الأنساب من حق الشارع أيضا، ولا تسقط العدة إذا أسقطها المطلّق؛ لأن الشرع أثبتها. والعدة شرعا: المدة التي تنتظر فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها من الحمل، أو للتعبد، أو للتفجع على زوج مات. ٢ - إطلاق النكاح على العقد وحده، وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منها، وقد اتفق العلماء على أن المراد بالنكاح هنا العقد، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد. والنكاح في الأصل حقيقة في الوط ء، لكن من أدب القرآن الكناية عن الوط ء أو الجماع بلفظ: الملامسة والمماسّة والقربان والتغشّي والإتيان. وسمي العقد نكاحا من حيث إنه طريق إليه، كتسمية الخمر إثما؛ لأنه سبب في اقتراف الإثم. ٣ - إباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها، وهذه الآية مخصّصة لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨/ ٢] ولقوله تعالى: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق ٤/ ٦٥]. ٤ - قوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِناتِ﴾ خرج مخرج الغالب من حال المؤمنين أنهم لا يتزوجون إلا بمؤمنات، ولكن لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في إباحة الزواج بالاتفاق. ٥ - استدل جمهور العلماء منهم الشافعي أحمد بقوله تعالى:

стр. 6492

﴿إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ بمهلة ﴿ثُمَّ﴾ على أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح، ولا طلاق قبل النكاح، فمن طلق المرأة قبل نكاحها وإن عيّنها، فلا يلزمه، فمن قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، أو إن تزوجت فلانة فهي طالق، لا يعد طلاقا، فإذا تزوج لم تطلق زوجته حينئذ، سواء خص أو عم، وسواء أنجز أو علّق. وسئل ابن عباس عن ذلك، فقال: هو ليس بشيء، فقيل له: إن ابن مسعود كان يقول: إن طلق ما لم ينكح فهو جائز، فقال: رحم الله أبا عبد الرحمن، لو كان كما قال، لقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا طلّقتم المؤمنات، ثم نكحتموهن) ولكن إنما قال: ﴿إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾. وروى ابن ماجه عن علي والمسور بن مخرمة ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا طلاق قبل النكاح». وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك». وقال أبو حنيفة ﵀: لا فرق بين من خص أو عم؛ لأن الطلاق يقع في الملك، فإن عمّ، فقال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، تطلق منه، وهذا تعليق معنوي للطلاق على الملك، ومثله التعليق اللفظي: «إن تزوجت فلانة فهي طالق» (١). أما تنجيز الطلاق على الأجنبية فلا يقع؛ لأن الطلاق الناجز لا يقع في غير الملك بالاتفاق. وقال مالك ﵀: إن عم لم يقع؛ لأنه ضيق على نفسه أنواع الزواج،

стр. 6493

والأمر إذا ضاق اتسع وإن عين امرأة بذاتها أو بقبيلة أو ببلد معين، يلزم ويقع. ٦ - هل الخلوة قبل الدخول بمثابة الجماع؟ يرى الشافعي وأحمد أن الخلوة ليست كالجماع؛ لأن ظاهر التقييد بعدم المس في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ دليل على الفرق بين الخلوة والجماع؛ والمس كناية عن الجماع، كما بينا، والخلوة لا توجب ما يوجبه الجماع من العدة بعد الطلاق. ويرى الحنفية والمالكية أن الخلوة الصحيحة كالجماع توجب العدة؛ لما رواه الدارقطني والجصاص الرازي في أحكام القرآن: «من كشف خمار امرأة، ونظر إليها، وجب الصداق، دخل بها أو لم يدخل». وروي عن زرارة بن أبي أوفى أنه قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أرخى الستور، وأغلق الباب، فلها الصداق كاملا، وعليها العدة، دخل بها أو لم يدخل. والعدة عند الحنفية واجبة بعد الخلوة قضاء وديانة، فلا يحل للمرأة أن تتزوج بزوج آخر قبل أن تعتد، ما دامت الخلوة بالأول كانت صحيحة، ولو من غير وقاع. ومنهم من يقول: إنه يحل لها ذلك متى كان الزوج لم يواقعها، أما في القضاء فلا اعتبار إلا بالظاهر. ٧ - استدلّ داود الظاهري بظاهر الآية على أنه لا عدّة على المرأة المدخول بها المطلقة الرجعية أو البائنة بينونة صغرى إذا راجعها زوجها أو عقد عليها قبل انقضاء عدتها، ثم طلقها قبل أن يمسها؛ لأنها مطلقة قبل الدخول بها، فليس عليها عدة جديدة للطلاق الثاني؛ لأنه طلاق قبل الدخول، وليس عليها أيضا

стр. 6494

أن تكمل العدة الأولى؛ لأن الطلاق الثاني قد أبطل الطلاق الأول، ثم يكون لها نصف الصداق في صورة البينونة. وقال عطاء بن أبي رباح والشافعي في أحد قوليه: يجب على المرأة في الحالتين أن تبني على عدة الطلاق الأول، ولا تستأنف عدة جديدة؛ إذ الطلاق الثاني لا عدة له، ولكن لا يبطل ما وجب بالطلاق الأول، فإنه طلاق بعد دخول، يجب أن تراعى فيه حكمة الشارع في إيجاب الاعتداد، وعلى الزوج نصف الصداق في صورة البينونة، كما قال الظاهرية. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والثوري والأوزاعي: يجب على المرأة أن تستأنف عدة جديدة في الحالتين؛ لأنه وإن لم يحصل دخول، فإن المرأة كان مدخولا بها من قبل، وعلى الرجل في صورة البينونة مهر كامل بسبب كون المرأة مدخولا بها. وفرق المالكية بين الطلاق الرجعي والبائن، فأوجبوا على الرجعية أن تستأنف عدة كاملة؛ إذ إنها في حكم الموطوءة بعد المراجعة، ولم يوجبوا على البائن عدة؛ لأن النكاح بعد البينونة عقد جديد، فالطلاق بعده يصدق عليه أنه طلاق قبل الدخول، فلا يوجب عدة، لكنه لا يصح أن يهدم ما وجب على المرأة بالطلاق، فعليها أن تكمل العدة الأولى، ولها على المطلّق نصف المهر. ٨ - استدل الحسن البصري وأبو العالية بظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ على إيجاب المتعة للمطلقة قبل الدخول، سواء أفرض لها مهر أم لم يفرض، ويؤيد ذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ، حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢٤١/ ٢]. وهذا مذهب الشافعية أيضا، لكنهم استثنوا المطلقة قبل الدخول التي سمي لها مهر، فإن لها نصف المهر فقط، والمتعة سنة مستحبة، ودليلهم قوله تعالى:

стр. 6495

﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة ٢٣٧/ ٢] فلم يذكر متعة، قال سعيد بن المسيب: هذه الآية ناسخة لآية الأحزاب: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾. ويرى الحنفية والحنابلة أن المرأة المفوّضة وهي التي لم يفرض لها مهر تجب لها المتعة، وأما غيرها فالمتعة لها سنة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً، وَمَتِّعُوهُنَّ، عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ، حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ٢٣٦/ ٢]. وجعل المالكية المتعة سنة مستحبة لكل مطلقة؛ لأنهم حملوا الأوامر الواردة في شأن المتعة كلها على الندب والاستحباب؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. والخلاصة: أن هناك تعارضا بين آية البقرة وبين آية الأحزاب، وقد دفع بعض العلماء التعارض بجعل آية البقرة مخصصة لآية الأحزاب أو ناسخة لعمومها، ويكون المعنى: فمتعوهن إن لم يكن مفروضا لهن المهر في النكاح، وهو مذهب الحنفية والشافعية. ومن العلماء من حمل المتعة في آية الأحزاب على العطاء مطلقا، فيشمل نصف المفروض والمتعة المعروفة في الفقه، إلا أن ذلك الشيء في صورة الفرض مقدر بنصف المفروض بالنص، وفي صورة عدم الفرض غير مقدر، فإن اتفقا على شيء فذاك، وإلا قدرها القاضي باجتهاده على حسب حال الزوجين يسارا وعسرا. ومنهم من حمل الأمر في آية ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ على الإذن الشامل للوجوب والندب، مع بقاء المتعة على معناها المعروف، فيكون التمتيع واجبا في صورة

стр. 6496

عدم الفرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ ومستحبا في صورة الفرض الصحيح؛ لأنه من الفضل المندوب إليه عموما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة ٢٣٧/ ٢]. ٩ - المتعة: كسوة كاملة، روى البخاري عن سهل بن سعد وأبي أسيد ﵄ قالا: «إن رسول الله ﷺ تزوج أميمة بنت شراحيل، فلما أن دخلت عليه ﷺ بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين (١)». النساء اللاتي أحلّ الله زواجهن بالنبي ﷺ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَاِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ اِبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَلِيماً (٥١) لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢)﴾

стр. 6497

الإعراب: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ منصوب بالعطف على ﴿أَزْواجَكَ﴾ وعامله: ﴿أَحْلَلْنا﴾ أو منصوب بتقدير فعل، أي ويحل لك امرأة مؤمنة. ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ بالفتح إما بدل من ﴿اِمْرَأَةً﴾ أو على حذف حرف الجر، أي لأن وهبت. ﴿خالِصَةً لَكَ﴾ مصدر مؤكد أو حال من ضمير ﴿وَهَبَتْ﴾ أو صفة لمصدر محذوف، أي هبة خالصة. ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ متعلق ب ﴿أَحْلَلْنا﴾ أي أحللنا لك هذه الأشياء، لكيلا يكون عليك حرج، أي ضيق. ﴿وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ ﴿كُلُّهُنَّ﴾: مرفوع؛ لأنه تأكيد للضمير الفاعل في ﴿يَرْضَيْنَ﴾. ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ ﴿ما﴾: إما مرفوع على البدل من ﴿النِّساءُ﴾ في قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ وإما منصوب على أصل الاستثناء، وهو النصب، و ﴿ما﴾ في هذين الوجهين: اسم موصول يفتقر إلى صلة وعائد، فالصلة ﴿مَلَكَتْ﴾ والعائد محذوف للتخفيف. أو أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. البلاغة: ﴿إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة بلفظ النبي مكررا، تنويها بشأنه. المفردات اللغوية: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن. ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أي ما كان من الإماء بسبب السبي والغنيمة

стр. 6498

في الحرب كصفية وجويرية. ﴿أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ﴾ ردّه عليك. ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ من مكة إلى المدينة، بخلاف من لم يهاجرن. ﴿يَسْتَنْكِحَها﴾ أي إرادته أن ينكحها، فإن هبتها نفسها جار مجرى القبول، والاستنكاح: طلب النكاح والرغبة فيه. ﴿خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي خصوصية لك لشرف نبوتك واستحقاقك التكريم، وهو النكاح بلفظ الهبة من غير صداق، وبه احتج الشافعية على أن النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة؛ لأن اللفظ تابع للمعنى، وقد خصّ ﵊ بالمعنى، فيخص باللفظ. ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ﴾ أي على المؤمنين في أزواجهم من الأحكام، من شرائط العقد، ووجوب المهر بالوط ء إذا لم يسمّ في العقد، ووجوب القسم بين الزوجات، وألا يزيدوا على أربع نسوة، ولا يتزوجوا إلا بولي وشهود ومهر. ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ من الإماء بشراء أو غيره من أصل رقيق لا من الأحرار، وبأن تكون الأمة ممن تحل لمالكها كالكتابية، بخلاف المجوسية والوثنية، وأن تستبرأ بحيضة قبل الوط ء. ﴿لِكَيْلا﴾ متعلق ب ﴿أَحْلَلْنا﴾. ﴿حَرَجٌ﴾ ضيق ومشقة. ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً﴾ فيما يعسر التحرز عنه. ﴿رَحِيماً﴾ بالتوسعة في مظان الحرج. ﴿تُرْجِي﴾ تؤخر من الإرجاء: وهو التأخير، قرئ مهموزا وغير مهموز، وهما لغتان، يقال: أرجيت الأمر وأرجأته: إذا أخرته. ﴿مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ﴾ أي من أزواجك عن نوبتها. ﴿وَتُؤْوِي﴾ تضم وتضاجع. ﴿اِبْتَغَيْتَ﴾ طلبت. ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ تجنبت، من العزلة: الإزالة والتنحية من القسمة. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ لا إثم عليك، في طلبها وضمها إليك. وهذا تيسير على النبي ﷺ بعد أن كان القسم واجبا عليه. ﴿ذلِكَ﴾ التخيير. ﴿أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ أقرب إلى قرة أعينهن وارتياحهن، وتقرّ: تسرّ. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ﴾ من أمر النساء والميل إلى بعضهن، فاجتهدوا في الإحسان، وإنما خيرناك يا رسول الله فيهن تيسيرا عليك في كل ما أردت. ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً﴾ بخلقه وبذات الصدور. ﴿حَلِيماً﴾ لا يعاجل بالعقوبة، فهو حقيق بأن يتقى. ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ من بعد التسع التي اخترنك، وهو في حقه كالأربع في حقنا، أو من بعد اليوم، حتى لو ماتت واحدة، لم يحل له نكاح أخرى. وقرئ: يحل وتحل بالياء والتاء، وعلى قراءة الياء؛ لأن تأنيث الجمع غير حقيقي. ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ﴾ أي تتبدل، بأن تطلقهن كلهن أو بعضهن، ثم تتزوج بدل المطلقة. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ حسن الأزواج المستبدلة، وهو حال من فاعل ﴿تَبَدَّلَ﴾. ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ من الإماء، فتحل لك، وهو استثناء من النساء اللاتي يشملن الأزواج والإماء، وقيل: استثناء منقطع، وقد ملك ﷺ بعدهن مارية القبطية، وولدت له إبراهيم ومات في حياته. ﴿رَقِيباً﴾ مراقبا ومحافظا، فلا تتخطوا ما حدّ لكم.

стр. 6499

سبب النزول: نزول الآية (٥٠): ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ﴾: أخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن ابن عباس عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: خطبني رسول الله ﷺ ، فاعتذرت إليه، فعذرني، فأنزل الله: ﴿إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ فلم أكن أحل له؛ لأني لم أهاجر. وأخرج ابن أبي حاتم عن أم هانئ قالت: نزلت فيّ هذه الآية: ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾. أراد النبي ﷺ أن يتزوجني، فنهي عني، إذ لم أهاجر. وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾: أخرج ابن سعد عن عكرمة في قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ الآية قال: نزلت في أم شريك الدوسية. وأخرج ابن سعد عن منير بن عبد الله الدؤلي أن أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية عرضت نفسها على النبي ﷺ ، وكانت جميلة، فقبلها، فقالت عائشة: ما في امرأة حين تهب نفسها لرجل خير، قالت أم شريك: فأنا تلك، فسماها الله مؤمنة، فقال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ فلما نزلت هذه الآية، قالت عائشة: إن الله يسرع لك في هواك. نزول الآية (٥١): ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ﴾: أخرج الشيخان عن عائشة: أنها كانت تقول: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها! فأنزل الله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ﴾ الآية، فقالت عائشة: أرى ربك يسارع لك في هواك. وأخرج ابن سعد عن أبي رزين العقيلي قال: همّ رسول الله ﷺ أن يطلق

стр. 6500

من نسائه، فلما رأين ذلك، جعلناه في حلّ من أنفسهن، يؤثر من يشاء على من يشاء، فأنزل الله: ﴿إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية. نزول الآية (٥٢): ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾: أخرج ابن سعد عن عكرمة قال: لما خيّر رسول الله ﷺ أزواجه اخترن الله ورسوله، فأنزل الله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ، وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ﴾. وهذا ما ذكره غير واحد من العلماء كابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد وابن جرير وغيرهم: أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي ﷺ ورضا عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة لما خيرهن رسول الله ﷺ ، كما تقدم في الآية. المناسبة: سبق الكلام في أنكحة المؤمنين وأحكامها، وهنا خصص الكلام لنساء النبي ﷺ اللاتي يحل له نكاحهن، وقصر التحريم عليهن، وتخييره في القسم بين الزوجات دون إلزام، بالمبيت عند من يشاء، وترك البيتوتة عند من يريد، وزواجه بهبة المرأة نفسها له بغير صداق، مما يجري مجرى القبول، وكل من ترك إيجاب القسم والزواج بلفظ الهبة خصوصية للنبي ﷺ دون بقية المؤمنين. التفسير والبيان: ١ - ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ ذكر الله تعالى في هذه الآية أربع مجموعات أو فئات من النساء اللاتي أباح الله لنبيه الزواج بهن، وهذه هي الفئة الأولى وهي النساء الممهورات، والمعنى: يا أيها الرسول،

стр. 6501

إنا أبحنا لك الأزواج اللاتي أعطيتهن مهورهن، وهي الأجور هنا، والمرأة التي أوتيت مهرها أو صداقها أفضل وأولى ممن لم تأخذ صداقها، فهذه هي الحالة الكاملة التي بدأ النص بها، ويكون الأكمل إيتاء المهر كاملا، دون تأخير شيء منه، وأما تأخير الناس الآن بعض المهر، فهو من مستحدثات العرف، بقصد الحذر، وبسبب التغالي في المهور وتعذر دفع كامل المهر. وقد كان مهره ﷺ لنسائه اثنتي عشرة أوقية ونصفا، أي خمس مائة درهم فضة، إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان، فإن النجاشي ﵀ أمهرها عنه أربع مائة دينار، وإلا صفية بنت حييّ، فإنه اصطفاها من سبي خيبر، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها، وكذلك جويريّة بنت الحارث المصطلقية أدى عنها نجوم كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس، وتزوجها. ٢ - ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ﴾ أي وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم، وهذه هي الفئة الثانية من النساء، وهي الإماء المملوكات. وقد ملك ﷺ كما بيّنا صفية وجويرية، وريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية القبطية أم إبراهيم، وكانتا من السراري. ٣ - ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ أي وأحللنا لك من الأقارب بنات العم، وبنات العمات، وبنات الخال، وبنات الخالة المهاجرات معك، دون غير المهاجرات. وهذه هي الفئة الثالثة التي شرط فيها كون المرأة مهاجرة، ولم تحل له غير المهاجرة كأم هانئ، كما تقدم. والمراد من بنات العم والعمة: القرشيات، فإنه يقال للقرشيين قربوا أم بعدوا: أعمامه ﷺ ، ويقال للقرشيات قربن أم بعدن: عماته، والمراد من بنات الخال والخالة: بنات بني زهرة، وقد كان عند النبي ﷺ ستّ من القرشيات، ولم يكن عنده زهرية.

стр. 6502

والحكمة في إفراد العم مجاراة مألوف العرب بإفراده في حال إضافة الابن والبنت له، وجاء الكلام في الخال على مثاله، وقيل: جاء الكلام في العمة والخالة بالجمع، وإن كانتا مضافين، لمكان تاء الوحدة، وهي تأبى العموم في الظاهر، وأما عدم الجمع في العم والخال فقد جاء على الأصل من إرادة العموم عند الإضافة. ٤ - ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ويحل لك أيها النبي المرأة المؤمنة التي تهب نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك، وهذه هي الفئة الرابعة، وإباحتها بشرطين: هبة نفسها للنبي ﷺ ، ورغبة النبي ﷺ في نكاحها، والزواج بلفظ الهبة من خصوصيات النبي ﷺ دون سائر المؤمنين، فله الزواج بها من غير مهر ولا ولي ولا شهود. هذه هي الأصناف الأربعة التي أحلها الله لنبيه: الممهورات، والمملوكات، والأقارب، والواهبات أنفسهن من غير مهر. والمراد بالإحلال: الإذن العام بالنكاح. ويلاحظ كما قال ابن عباس ومجاهد: «لم يكن عند النبي ﷺ امرأة موهوبة»، وأما المرأة التي وهبت نفسها له وهي أم شريك الدوسية، فإنها لما قالت للنبي: وهبت نفسي لك، سكت عنها حتى قام رجل، فقال: زوّجنيها يا رسول الله، إن لم تكن لها بها حاجة. وكذلك وهبت نساء أخريات أنفسهن للنبي ﷺ ، ولكن لم يكن عنده ﷺ امرأة وهبت نفسها، أخرج ابن سعد «أن ليلى بنت الحطيم وهبت نفسها للنبي ﷺ ، ووهب نساء أنفسهن، فلم نسمع أن النبي ﷺ قبل منهن أحدا». فإن كانت الواهبة نفسها كافرة فلا تحل للنبي ﷺ ، قال ابن العربي: والصحيح عندي تحريمها عليه، وبهذا يتميز علينا، فإنه ما كان من جانب

стр. 6503

الفضائل والكرامة فحظّه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أظهر، فجوز لنا نكاح الحرائر من الكتابيات، وقصر هو لجلالته على المؤمنات، وإذا كان لا يحلّ له من لم يهاجر لنقصان فضل الهجرة، فأحرى ألا تحلّ له الكتابية الحرة، لنقصان الكفر (١). أما لو وهبت امرأة نفسها لرجل غير النبي ﷺ ، وهي المفوّضة، وجب عليه لها مهر مثلها بالدخول أو بالموت، وقد حكم بذلك رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق، لما فوضت نفسها، ومات عنها زوجها، فقضى لها بصداق مثلها. ثم أكد تعالى مضمون جملة ﴿خالِصَةً لَكَ.﴾. ببيان مغايرة أحكامه ﷺ لأحكام المؤمنين أحيانا، فقال: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ، لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ، وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أي إن ما ذكر حكمك أيها الرسول مع نسائك، وأما حكم أمتك مع نسائهم، فعندنا علمه، نبينه لهم على حسب مقتضى الحكمة والمصلحة، والمعنى: قد علم الله ما فرض من أحكام وشرائط وقيود في شأن أزواج المؤمنين والمملوكات، مما فيه صلاحهم وجعلهم غير النبي ﷺ في تلك الأحكام، من حصرهم في أربع نسوة حرائر، وما شاؤوا من الإماء المؤمنات والكتابيات غير الوثنيات والمجوسيات، وعدم إباحة الزواج لهم بلفظ الهبة، واشتراط الولي والمهر والشهود. وهذه جملة اعتراضية تؤكد ما سلف وتبينه، ثم ذكر تعالى علة اختصاصه ﷺ ببعض الأحكام مثلما تقدم، وهو أننا أبحنا أو أحللنا لك ما ذكر من النساء والمملوكات والأقارب والواهبة، لندفع عنك الضيق والمشقة التي تلحقك، وتتفرغ لتبليغ الرسالة، وكان الله وما يزال غفورا لك وللمؤمنين

стр. 6504

ما لا يمكن التحرز عنه، رحيما بك وبهم بدفع الحرج والعنت (المشقة)، وعدم العقاب على ذنب تابوا عنه. وفي الجملة: إن قوله: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ آنس به تعالى جميع المؤمنين بغفرانه ورحمته. ثم أجاب الله تعالى عن غيرة بعض نساء النبي ﷺ مثل عائشة من النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ ، وعن تفويضهن أمر القسم للرسول ﷺ ، فقال: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ، وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ﴾ أي لك يا رسول الله الحرية المطلقة في القسم بين زوجاتك، فلك أن تؤخر مضاجعة من تشاء من نسائك، وتبيت مع من تشاء، لا حرج لك أن تترك القسم لهن، ولا يجب عليك قسم، بل الأمر لك، فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت. ومع هذا كان النبي ﷺ يقسم لهن. ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ أي ومن طلبت إلى المبيت معك ممن تجنبت وتركت البيتوتة معهن، فلا إثم ولا حرج ولا ضيق عليك في ذلك، وكذلك لا ضير عليك في إرجاع من طلقت منهن. ثم أبان الله تعالى سبب هذا التفويض للنبي ﷺ في الإيواء والإرجاء وأنه لمصلحتهن، فقال: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ، وَلا يَحْزَنَّ، وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أي إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم وأنه غير واجب عليك، فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم، وأنت مع ذلك تقسم لهن باختيارك لا جبرا عنك، فرحن بذلك، واستبشرن به، وقدرن جميلك، واعترفن بمنتك عليهن في قسمك لهن، وتسويتك بينهن، وإنصافك لهن، وعدلك فيهن، ورضين كلهن بما تفعل، دون إقلاق ولا بلبلة.

стр. 6505

ثم خاطب الله النبي ﷺ وأزواجه بطريق تغليب الذكور، فقال: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ، وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَلِيماً﴾ أي إن الله عليم تام العلم بالميل إلى بعضهن دون بعض، من غير اختيار، ومما لا يمكن دفعه، وكان الله وما يزال عليما بما تخفيه النفوس، وتكتمه السرائر، حليما يحلم ويغفر، فلا يعاجل المذنبين بالعقوبة، ليتمكنوا من التوبة والإنابة. وفي هذا حثّ على حسن النوايا، وسلامة الطوية، وتحسين معاملة النساء للتغلب على أثر الغيرة. روى الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه، فيعدل، ثم يقول: «اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» زاد أبو داود: يعني القلب. ثم ذكر الله تعالى مجازاة نساء النبي ﷺ اللاتي اخترن الله ورسوله، فمنع طلاقهن، وحرّم غيرهن عليه، فقال: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي يحرم عليك أيها الرسول الزواج بغير هؤلاء النساء التسع اللاتي عندك الآن، جزاء لاختيارهن الله ورسوله، أخرج أبو داود في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس قال: «لما خيّرهنّ، فاخترن الله ورسوله ﷺ ، قصره سبحانه عليهن». وهذا هو الحكم الأول: تحريم بقية النساء عليه. ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ، وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ، إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ وهذا هو الحكم الثاني: منع استبدالهن وتحريم طلاقهن، أي ولا يحلّ لك أيها الرسول أن تتزوج غير اللاتي في عصمتك، وأن تستبدل بهن غيرهن، بأن تطلق واحدة منهن وتتزوج بدلها أخرى، وإن أعجبك حسنها، إلا ما ملكت يمينك من الإماء، مثل مارية القبطية التي أهداها المقوقس له، فتسرّى بها، وولدت له إبراهيم ومات رضيعا.

стр. 6506

وقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ دليل على جواز النظر إلى المخطوبة، أخرج أبو داود أن النبي ﷺ قال: «إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل». وقال المغيرة بن شعبة: «خطبت امرأة، فقال لي النبي ﷺ : هل نظرت إليها؟ قلت: لا، قال: انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾ أي وكان الله وما يزال مطلعا على كل شيء، عالما مراقبا كل ما يكون من أحد وما يحدث في الكون، فاحذروا مخالفة أوامره، فإن الله يجازي كل امرئ بما عمل. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على الأحكام التالية: ١ - إباحة أصناف أربعة من النساء للنبي ﷺ توسعة عليه، وتيسيرا له في تبليغ الرسالة، وهنّ: أ-جميع النساء حاشا ذوات المحارم إذا آتاهن مهورهن، وهذا قول جمهور العلماء، بدليل ما أخرجه الترمذي عن عطاء قال: قالت عائشة ﵂: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحلّ الله تعالى له النساء. وقال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يتزوج في أي الناس شاء، وكان يشقّ ذلك على نسائه، فلما نزلت هذه الآية، وحرم عليه بها النساء إلا من سمّي، سرّ نساؤه بذلك. وقد استنبط الكرخي من تسمية المهر أجرا جواز انعقاد النكاح بلفظ الإجارة، ولم يتابعه الحنفية في ذلك، لأن معنى الإجارة يتنافى مع عقد النكاح، إذ الإجارة عقد مؤقت، والنكاح عقد مؤبد يبطله التوقيت. ثم إن النكاح ليس عقد تمليك وإنما هو استباحة، وكذلك المهر في النكاح ليس عوضا، وإنما هو عطية أوجبها الله تعالى، إظهارا لخطر المحل.

стр. 6507

ب-السراري مملوكات اليمين اللاتي ردها الله عليه من غنائم الحرب المأخوذة على وجه القهر والغلبة في وقت كان السبي أو الاسترقاق مشروعا في العالم، معاملة بالمثل. ج -قريباته بنات العم والخال والعمة والخالة المهاجرات معه من مكة إلى المدينة، وهن بنات عمه العباس وغيره من أولاد عبد المطلب وبنات أولاد بنات عبد المطلب، وذلك يشمل القرشيات، وبنات الخال من ولد بنات عبد مناف بن زهرة. وقد كان عنده خمس قرشيات، ولم يكن عنده من أولاد الخال والخالة أحد. والمراد بالمعية في قوله: ﴿مَعَكَ﴾ الاشتراك في الهجرة، لا في الصحبة فيها، فمن هاجر حلّ له، كان في صحبته إذ هاجر أو لم يكن. وذكر الله تعالى العم فردا والعمات جميعا، وكذا الخال والخالات لحكمة عدا ما ذكرنا هي: أن العم والخال في الإطلاق اسم جنس كالشاعر والراجز، وليس كذلك العمة والخالة، وهذا عرف لغوي. د-النساء اللاتي وهبن له أنفسهن من غير مهر، وهن أربع: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة أم المساكين الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم. ولكن لم يكن عنده إحدى الواهبات أنفسهن له، إذ لم يقبل منهن أحدا. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ يدل على أن الكافرة لا تحلّ له، كما بيّنا. وقوله سبحانه: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها﴾ دليل على أن النكاح عقد معاوضة على صفات مخصوصة. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ دليل

стр. 6508

على أن الهبة لا تتم إلا بقبول النبي ﷺ ، فإن قبل حلّت له، وإن لم يقبلها لم يلزم ذلك، كما إذا وهبت شيئا لرجل، فلا يجب عليه القبول. وقوله تعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ﴾ دليل على أن انعقاد النكاح بلفظ الهبة من خصوصيات النبي ﷺ ، وأن الهبة لا تحلّ لأحد بعد النبي ﷺ إن كانت هبة نكاح، ولا يحلّ للمرأة أن تهب نفسها لأحد، وهذا قول جمهور العلماء. وقال الحنفية والمالكية: ينعقد النكاح لغير النبي ﷺ بلفظ الهبة، ويكون للمرأة ما سمي من المهر في العقد، ومهر المثل إن لم يسمّ شيء، وللمفوضة طلب المهر قبل الدخول، ومهر المثل بعد الدخول. ومنشأ الخلاف هو في معنى قوله تعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فذهب جماعة إلى أن الخصوصية في انعقاد النكاح بلفظ الهبة للنبي ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ وقوله سبحانه: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾. وهذا رأي الجمهور. وذهب آخرون إلى أن الخصوصية الواردة في الآية هي في نكاح الواهبة بغير مهر، أما عقد النكاح بلفظ الهبة فكان جائزا للنبي ﷺ وأمته على السواء، أي إن الخصوصية في المعنى دون اللفظ، لأن الله تعالى أضاف لفظ الهبة إلى المرأة بقوله: ﴿وَهَبَتْ﴾ وأضاف إلى النبي ﷺ إرادة الاستنكاح، فدلت المخالفة على أن المراد مدلول اللفظ الذي من جانب المرأة، وهو ما يدل عليه لفظ الهبة من ترك العوض. ٣ - ذكر ابن العربي والقرطبي (١) بمناسبة هذه الخصوصية ما خصّ الله تعالى به

стр. 6509

رسوله من أحكام في الشريعة لم يشاركه فيها أحد، سواء في مجال الفرض أو التحريم أو الإباحة، ففرضت عليه أشياء لم تفرض على غيره، وحرمت عليه أفعال لم تحرم عليهم، وأبيحت له أشياء لم تبح لهم. فأما ما اختص به من الفرائض فهو تسعة: الأول-التهجد بالليل، لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ [المزمل ١/ ٧٣]، والصحيح أنه كان واجبا عليه ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء ٧٩/ ١٧]. الثاني-الضحى. الثالث-الأضحى. الرابع-الوتر. الخامس-السواك. السادس-قضاء دين من مات معسرا. السابع-مشاورة ذوي الأحلام في غير الشرائع. الثامن-تخيير النساء. التاسع-إذا عمل عملا أثبته. وأما ما اختص به مما حرّم عليه فهو عشرة: الأول-تحريم الزكاة عليه وعلى آله. الثاني-صدقة التطوع عليه، وفي آله اختلاف. الثالث-خائنة الأعين: وهو أن يظهر خلاف ما يضمر، أو ينخدع عما يجب. الرابع-حرّم الله عليه إذا لبس لأمته (درعه) أن يخلعها عنه أو يحكم الله بينه وبين محاربه. الخامس-الأكل متكئا. السادس-أكل الأطعمة كريهة الرائحة. السابع-التبدل بأزواجه. الثامن-نكاح امرأة تكره صحبته. التاسع-نكاح الحرّة الكتابية. العاشر-نكاح الأمة. وحرّم الله عليه أشياء لم يحرّمها على غيره تنزيها له وتطهيرا، فحرّم الله عليه الكتابة وقول الشعر وتعليمه، تأكيدا لحجته وبيانا لمعجزته، قال الله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ، وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت ٤٨/ ٢٩]. وهذا هو المشهور. وذكر النقاش أن النبي ﷺ ما مات حتى كتب.

стр. 6510

وحرم عليه أن يمد عينيه إلى ما متّع به الناس، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ﴾ [طه ١٣١/ ٢٠]. وأما ما اختص به مما أحلّ له فهو ستة عشر: الأول-صفىّ المغنم. الثاني-الاستقلال بخمس الخمس أو الخمس. الثالث- صوم الوصال. الرابع-الزيادة على أربع نسوة. الخامس-النكاح بلفظ الهبة. السادس-النكاح بغير ولي. السابع-النكاح بغير صداق. الثامن-نكاحه في حالة الإحرام. التاسع-سقوط القسم بين الأزواج عنه. العاشر-إذا وقع بصره على امرأة وجب على زوجها طلاقها، وحلّ له نكاحها. هذا ما قاله إمام الحرمين. وقد بيّنا في قصة زيد بن حارثة أن هذا لا يليق بمنصب النبوة، وكل ما روي مما فيه مساس بذلك هو ساقط غير معتبر ولا دليل عليه (١). الحادي عشر-أنه أعتق صفيّة وجعل عتقها صداقها. الثاني عشر-دخوله مكة بغير إحرام، وفي حقنا فيه اختلاف. الثالث عشر-القتال بمكة. الرابع عشر-أنه لا يورث، ويصبح ملكه صدقة. الخامس عشر-بقاء زوجيته من بعد الموت. السادس عشر-إذا طلّق امرأة تبقى حرمته عليها، فلا تنكح. وأبيح له ﷺ أخذ الطعام والشراب من الجائع والعطشان، وإن كان من هو معه يخاف على نفسه الهلاك، لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب ٦/ ٣٣]، وعلى كل أحد من المسلمين أن يقي النبي ﷺ بنفسه، وأبيح له أن يحمي لنفسه. وأكرمه الله بتحليل الغنائم. وجعلت الأرض له ولأمته مسجدا وطهورا، وكان من الأنبياء من لا تصح صلاتهم إلا في المساجد، ونصر بالرعب، فكان

стр. 6511

يخافه العدو من مسيرة شهر، وبعث إلى كافة الخلق، وقد كان من قبله من الأنبياء يبعث الواحد إلى بعض الناس دون بعض. وجعلت معجزاته كمعجزات الأنبياء قبله وزيادة. وكانت معجزة موسى ﵇ العصا وانفجار الماء من الصخرة. وقد انشق القمر للنبي ﷺ ، وخرج الماء من بين أصابعه ﷺ . وكانت معجزة عيسى ﵇ إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. وقد سبّح الحصى في يد النّبي ﷺ ، وحنّ الجذع إليه، وهذا أبلغ. وفضّله الله عليهم بأن جعل القرآن معجزة له، وجعل معجزته فيه باقية إلى يوم القيامة، ولهذا جعلت نبوته مؤبدة لا تنسخ إلى يوم القيامة. ٤ - لم يكن القسم بين الزوجات واجبا على النبي ﷺ ، توسعة عليه في ترك القسم وإباحة له، وإنما كان مخيرا في أزواجه ومع هذا كان النبي ﷺ يقسم بينهن، دون فرض، تطييبا لنفوسهن، وصونا لهن عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي. وهذا أصح ما يراد بالآية. وقيل: كان القسم واجبا على النبي ﷺ ، ثم نسخ الوجوب عنه بهذه الآية. قال أبو رزين: كان رسول الله ﷺ قد همّ بطلاق بعض نسائه، فقلن له: اقسم لنا ما شئت، فكان ممن آوى: عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، فكان قسمتهن من نفسه وماله سواء بينهن. وكان ممن أرجى سودة وجويرية وأم حبيبة وميمونة وصفية، فكان يقسم لهن ما شاء. ٥ - قوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ بيان الحكمة في التخيير بالقسم، قال قتادة وغيره: أي ذلك التخيير الذي خيّرناك في صحبتهنّ أدنى إلى رضاهن إذ كان من عندنا، لأنهن إذا علمن أن الفعل من الله قرّت أعينهن بذلك ورضين، لأن المرء إذا علم أنه لا حقّ له في شيء، كان راضيا بما أوتي منه وإن قلّ. وإن علم أن له حقّا لم يقنعه ما أوتي منه، واشتدت غيرته عليه، وعظم

стр. 6512

حرصه فيه، فكان ما فعل الله لرسوله من تفويض الأمر إليه في أحوال أزواجه أقرب إلى رضاهن معه، وإلى استقرار أعينهن بما يسمح به لهن، دون أن تتعلق قلوبهن بأكثر منه. وكان ﷺ مع هذا يشدد على نفسه في رعاية التسوية بينهن، تطييبا لقلوبهن، كما قدّمنا، ويقول فيما رواه النسائي وأبو داود عن عائشة ﵂: «اللهم هذه قدرتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك، يعني ميل قلبه، لإيثاره عائشة ﵂، دون أن يكون ذلك ظاهرا في شيء من فعله. وكان في مرضه الذي توفي فيه يطاف به محمولا على بيوت أزواجه، إلى أن استأذنهن أن يقيم في بيت عائشة. أخرج البخاري في صحيحة عن عائشة قالت: «أول ما اشتكى رسول الله ﷺ في بيت ميمونة، فاستأذن أزواجه أن يمرّض في بيتها-يعني بيت عائشة-فأذنّ له» وفي الصحيح أيضا عن عائشة ﵂ قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليتفقد، يقول: «أين أنا اليوم، أين أنا غدا؟» استبطاء ليوم عائشة ﵂، قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري (١)، ﷺ . ٦ - على الرجل أن يعدل بين نسائه لكل واحدة منهن يوما وليلة، ولا يسقط حق الزوجة مرضها ولا حيضها، ويلزمه المقام عندها في يومها وليلتها. وعليه أن يعدل بينهن في مرضه كما يفعل في صحته، إلا أن يعجز عن الحركة، فيقيم حيث غلب عليه المرض، فإذا صح استأنف القسم. والإماء والحرائر والكتابيات والمسلمات في ذلك سواء، وأما السراري فلا قسم بينهن وبين الحرائر. روى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل».

стр. 6513

ولا يجمع بينهن في منزل واحد إلا برضاهن، ولا يدخل لإحداهن في يوم الأخرى وليلتها لغير حاجة، ويجوز عند الأكثرين دخوله لحاجة وضرورة. قال مالك: ويعدل بينهن في النفقة والكسوة إذا كن معتدلات الحال، ولا يلزم ذلك في المختلفات المناصب. وأجاز مالك أن يفضل إحداهما في الكسوة على غير وجه الميل. فأما الحبّ والبغض فخارجان عن الكسب، فلا يتأتى العدل فيهما، وهو المعنيّ بقوله ﷺ في قسمه: «اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء ١٢٩/ ٤] وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب ٥١/ ٣٣]. ٧ - قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ﴾ خبر عام، يدخل فيه الإشارة إلى ما في قلب رسول الله ﷺ من محبة شخص دون شخص، ويدخل في المعنى أيضا المؤمنون. أخرج البخاري عن عمرو بن العاص «أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحبّ إليك؟ فقال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر بن الخطاب، فعدّ رجالا». والقلب قد يكون مصدر خير أو شر، يروى أن لقمان الحكيم كان عبدا نجارا قال له سيده: اذبح شاة وائتني بأطيبها بضعتين، فأتاه باللسان والقلب. ثم أمره بذبح شاة أخرى، فقال له: ألق أخبثها بضعتين، فألقى اللسان والقلب. فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبها بضعتين، فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي بأخبثها بضعتين، فألقيت اللسان والقلب؟! فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. ٨ - حظر على النبي ﷺ أن يتزوج على نسائه، لأنهن اخترن الله ورسوله

стр. 6514

والدار الآخرة، ويكون ذلك قصرا للنبي ﷺ على أزواجه مجازاة لهن، وشكرا على هذا الاختيار، كما قصرهن الله عليه إكراما له في قوله: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الأحزاب ٥٣/ ٣٣]. وقيل: إن هذه الآية منسوخة بالسنة، وهو حديث عائشة، قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحلّ له النساء. وبه قال الشافعي وقيل: إنها منسوخة بآية أخرى، روى الطحاوي عن أم سلمة قالت: لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحلّ الله له أن يتزوج من النساء من شاء، إلا ذات محرم، وذلك قوله : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ﴾. والراجح أن الآية محكمة غير منسوخة، لأن حديث عائشة كما قال ابن العربي حديث ضعيف واه، أي شديد الضعف (١). وأما نسخها بآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ..﴾. فقال فيه بعض فقهاء الكوفة: محال أن تنسخ هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ﴾ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ وهي قبلها في المصحف الذي أجمع عليه المسلمون. وأما القول بأن الترتيب في التلاوة ليس دليل الترتيب في النزول، فهو صحيح، لكن النسخ في الحقيقة يتطلب أمرين: ثبوت تأخر الناسخ عن المنسوخ، وأن يكون بينهما تعارض. وهذان لم يتوافرا هنا. ٩ - ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ﴾ ناسخ لما كان قد ثبت له ﷺ من أنه إذا رأى واحدة، فوقعت في قلبه موقعا كانت تحرم على الزوج، ويجب عليه طلاقها. وهو دليل على منع تبديل زوجات النبي ﷺ اللاتي اخترنه وهن تسع.

стр. 6515

قال ابن زيد: هذا شيء كانت العرب تفعله، يقول أحدهم: خذ زوجتي وأعطني زوجتك. ولكن أنكر الطبري والنحاس وغيرهما ما حكاه ابن زيد عن العرب، من أنها كانت تبادل بأزواجها. قال الطبري: وما فعلت العرب قط هذا. ١٠ - قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ دليل كما تقدم على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها، وقد أراد المغيرة بن شعبة زواج امرأة، فقال له النبي ﷺ فيما رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة) عن المغيرة: «انظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم (١) بينكما» وأخرج البخاري في صحيحة أنه ﷺ قال لآخر: «انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا» أي صفرة أو زرقة أو رمص. والأمر بالنظر إلى المخطوبة إنما هو على جهة الإرشاد إلى المصلحة، فإنه إذا نظر إليها، فلعله يرى منها ما يرغّبه في نكاحها، بدليل ما ذكره أبو داود من حديث جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل» فقوله: «فإن استطاع فليفعل» لا يقال مثله في الواجب. وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والظاهرية وغيرهم. واختلف العلماء فيما يجوز أن ينظر منها، فقال مالك: ينظر إلى وجهها وكفّيها، ولا ينظر إلا بإذنها. وقال الشافعي وأحمد: بإذنها وبغير إذنها إذا كانت مستترة. وقال الأوزاعي: ينظر إليها ويجتهد وينظر مواضع اللحم منها. وأما قول داود الظاهري: ينظر إلى سائر جسدها، تمسكا بظاهر اللفظ، فأصول الشريعة ترد عليه في تحريم الاطلاع على العورة.
следующие страницы →