يخافه العدو من مسيرة شهر، وبعث إلى كافة الخلق، وقد كان من قبله من الأنبياء يبعث الواحد إلى بعض الناس دون بعض.
وجعلت معجزاته كمعجزات الأنبياء قبله وزيادة. وكانت معجزة موسى ﵇ العصا وانفجار الماء من الصخرة. وقد انشق القمر للنبي ﷺ ، وخرج الماء من بين أصابعه ﷺ . وكانت معجزة عيسى ﵇ إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. وقد سبّح الحصى في يد النّبي ﷺ ، وحنّ الجذع إليه، وهذا أبلغ. وفضّله الله عليهم بأن جعل القرآن معجزة له، وجعل معجزته فيه باقية إلى يوم القيامة، ولهذا جعلت نبوته مؤبدة لا تنسخ إلى يوم القيامة.
٤ - لم يكن القسم بين الزوجات واجبا على النبي ﷺ ، توسعة عليه في ترك القسم وإباحة له، وإنما كان مخيرا في أزواجه ومع هذا كان النبي ﷺ يقسم بينهن، دون فرض، تطييبا لنفوسهن، وصونا لهن عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي. وهذا أصح ما يراد بالآية.
وقيل: كان القسم واجبا على النبي ﷺ ، ثم نسخ الوجوب عنه بهذه الآية.
قال أبو رزين: كان رسول الله ﷺ قد همّ بطلاق بعض نسائه، فقلن له: اقسم لنا ما شئت، فكان ممن آوى: عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، فكان قسمتهن من نفسه وماله سواء بينهن. وكان ممن أرجى سودة وجويرية وأم حبيبة وميمونة وصفية، فكان يقسم لهن ما شاء.
٥ - قوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ بيان الحكمة في التخيير بالقسم، قال قتادة وغيره: أي ذلك التخيير الذي خيّرناك في صحبتهنّ أدنى إلى رضاهن إذ كان من عندنا، لأنهن إذا علمن أن الفعل من الله قرّت أعينهن بذلك ورضين، لأن المرء إذا علم أنه لا حقّ له في شيء، كان راضيا بما أوتي منه وإن قلّ. وإن علم أن له حقّا لم يقنعه ما أوتي منه، واشتدت غيرته عليه، وعظم
стр. 6512
حرصه فيه، فكان ما فعل الله لرسوله من تفويض الأمر إليه في أحوال أزواجه أقرب إلى رضاهن معه، وإلى استقرار أعينهن بما يسمح به لهن، دون أن تتعلق قلوبهن بأكثر منه.
وكان ﷺ مع هذا يشدد على نفسه في رعاية التسوية بينهن، تطييبا لقلوبهن، كما قدّمنا،
ويقول فيما رواه النسائي وأبو داود عن عائشة ﵂: «اللهم هذه قدرتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك، يعني ميل قلبه، لإيثاره عائشة ﵂، دون أن يكون ذلك ظاهرا في شيء من فعله. وكان في مرضه الذي توفي فيه يطاف به محمولا على بيوت أزواجه، إلى أن استأذنهن أن يقيم في بيت عائشة. أخرج البخاري في صحيحة عن عائشة قالت:
«أول ما اشتكى رسول الله ﷺ في بيت ميمونة، فاستأذن أزواجه أن يمرّض في بيتها-يعني بيت عائشة-فأذنّ له»
وفي الصحيح أيضا عن عائشة ﵂ قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليتفقد، يقول: «أين أنا اليوم، أين أنا غدا؟» استبطاء ليوم عائشة ﵂، قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري (١)، ﷺ .
٦ - على الرجل أن يعدل بين نسائه لكل واحدة منهن يوما وليلة، ولا يسقط حق الزوجة مرضها ولا حيضها، ويلزمه المقام عندها في يومها وليلتها. وعليه أن يعدل بينهن في مرضه كما يفعل في صحته، إلا أن يعجز عن الحركة، فيقيم حيث غلب عليه المرض، فإذا صح استأنف القسم. والإماء والحرائر والكتابيات والمسلمات في ذلك سواء، وأما السراري فلا قسم بينهن وبين الحرائر.
روى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل».
стр. 6513
ولا يجمع بينهن في منزل واحد إلا برضاهن، ولا يدخل لإحداهن في يوم الأخرى وليلتها لغير حاجة، ويجوز عند الأكثرين دخوله لحاجة وضرورة.
قال مالك: ويعدل بينهن في النفقة والكسوة إذا كن معتدلات الحال، ولا يلزم ذلك في المختلفات المناصب. وأجاز مالك أن يفضل إحداهما في الكسوة على غير وجه الميل. فأما الحبّ والبغض فخارجان عن الكسب، فلا يتأتى العدل فيهما، وهو المعنيّ
بقوله ﷺ في قسمه: «اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء ١٢٩/ ٤] وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب ٥١/ ٣٣].
٧ - قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ﴾ خبر عام، يدخل فيه الإشارة إلى ما في قلب رسول الله ﷺ من محبة شخص دون شخص، ويدخل في المعنى أيضا المؤمنون.
أخرج البخاري عن عمرو بن العاص «أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحبّ إليك؟ فقال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر بن الخطاب، فعدّ رجالا».
والقلب قد يكون مصدر خير أو شر، يروى أن لقمان الحكيم كان عبدا نجارا قال له سيده: اذبح شاة وائتني بأطيبها بضعتين، فأتاه باللسان والقلب. ثم أمره بذبح شاة أخرى، فقال له: ألق أخبثها بضعتين، فألقى اللسان والقلب.
فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبها بضعتين، فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي بأخبثها بضعتين، فألقيت اللسان والقلب؟! فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.
٨ - حظر على النبي ﷺ أن يتزوج على نسائه، لأنهن اخترن الله ورسوله
стр. 6514
والدار الآخرة، ويكون ذلك قصرا للنبي ﷺ على أزواجه مجازاة لهن، وشكرا على هذا الاختيار، كما قصرهن الله عليه إكراما له في قوله: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الأحزاب ٥٣/ ٣٣].
وقيل: إن هذه الآية منسوخة بالسنة، وهو حديث عائشة، قالت:
ما مات رسول الله ﷺ حتى أحلّ له النساء. وبه قال الشافعي وقيل: إنها منسوخة بآية أخرى، روى الطحاوي عن أم سلمة قالت: لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحلّ الله له أن يتزوج من النساء من شاء، إلا ذات محرم، وذلك قوله : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ﴾.
والراجح أن الآية محكمة غير منسوخة، لأن حديث عائشة كما قال ابن العربي حديث ضعيف واه، أي شديد الضعف (١). وأما نسخها بآية:
﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ..﴾. فقال فيه بعض فقهاء الكوفة: محال أن تنسخ هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ﴾ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ وهي قبلها في المصحف الذي أجمع عليه المسلمون.
وأما القول بأن الترتيب في التلاوة ليس دليل الترتيب في النزول، فهو صحيح، لكن النسخ في الحقيقة يتطلب أمرين: ثبوت تأخر الناسخ عن المنسوخ، وأن يكون بينهما تعارض. وهذان لم يتوافرا هنا.
٩ - ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ﴾ ناسخ لما كان قد ثبت له ﷺ من أنه إذا رأى واحدة، فوقعت في قلبه موقعا كانت تحرم على الزوج، ويجب عليه طلاقها. وهو دليل على منع تبديل زوجات النبي ﷺ اللاتي اخترنه وهن تسع.
стр. 6515
قال ابن زيد: هذا شيء كانت العرب تفعله، يقول أحدهم: خذ زوجتي وأعطني زوجتك.
ولكن أنكر الطبري والنحاس وغيرهما ما حكاه ابن زيد عن العرب، من أنها كانت تبادل بأزواجها. قال الطبري: وما فعلت العرب قط هذا.
١٠ - قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ دليل كما تقدم على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها، وقد أراد المغيرة بن شعبة زواج امرأة،
فقال له النبي ﷺ فيما رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة) عن المغيرة:
«انظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم (١) بينكما»
وأخرج البخاري في صحيحة أنه ﷺ قال لآخر: «انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا» أي صفرة أو زرقة أو رمص.
والأمر بالنظر إلى المخطوبة إنما هو على جهة الإرشاد إلى المصلحة، فإنه إذا نظر إليها، فلعله يرى منها ما يرغّبه في نكاحها، بدليل
ما ذكره أبو داود من حديث جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل» فقوله: «فإن استطاع فليفعل» لا يقال مثله في الواجب. وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والظاهرية وغيرهم.
واختلف العلماء فيما يجوز أن ينظر منها، فقال مالك: ينظر إلى وجهها وكفّيها، ولا ينظر إلا بإذنها. وقال الشافعي وأحمد: بإذنها وبغير إذنها إذا كانت مستترة. وقال الأوزاعي: ينظر إليها ويجتهد وينظر مواضع اللحم منها. وأما قول داود الظاهري: ينظر إلى سائر جسدها، تمسكا بظاهر اللفظ، فأصول الشريعة ترد عليه في تحريم الاطلاع على العورة.
стр. 6516
١١ - ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ يدل على إحلال الأمة الكافرة للنبي ﷺ ، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحكم.
والأصح أن الكافرة لا تحل له، تنزيها لقدره عن مباشرة الكافرة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ﴾ [الممتحنة ١٠/ ٦٠] فكيف به ﷺ ؟! ١٢ - إن الذي استقر عليه عدد أزواج النبي ﷺ كما تقدم هو تسع نسوة مات عنهن النبي ﷺ ، ولم يكن هذا التعدد لغرض جنسي أو شهواني، وإنما من أجل غاية أسمى هي نشر الدعوة الإسلامية، وتأليف القبائل العربية وترغيبهم في قبول عقيدة الإسلام، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ ظل على زوجة واحدة هي السيدة خديجة بنت خويلد حتى نهاية الرابعة والخمسين، وفي هذه السن تفتر الرغبة الجنسية عادة، وقد تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي ثيّب بنت أربعين سنة، ومنها رزق الأولاد، وماتت وهي في سن الخامسة والستين.
ثم تزوج بعد خديجة سودة بنت زمعة.
وتزوج بعائشة البكر الوحيدة تقديرا لجهود وتضحيات والدها أبي بكر، وتزوج حفصة حبا في عمر، وتقديرا لصدقه وجهاده، مع أنها لم تكن جميلة، وكان زواجه بأم سلمة ذات الأولاد الكثر وفي سن كبيرة تعويضا عن مصابها بزوجها الذي هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وتزوج سودة بنت زمعة العجوز المسن أرملة السكران بن عمرو وفاء له لموته في سبيل الدفاع عن الحق في الحبشة التي هاجر إليها هربا من أذى المشركين، وتزوج زينب بن جحش لإبطال عادة التبني وإلغاء جميع آثاره بتزويج الله له كما بينا، وأم حبيبة بنت أبي سفيان زعيم قريش التي أسلمت قبل أبيها وهاجرت إلى الحبشة، وقد أصدقها النجاشي أربع مائة دينار عن النبي ﷺ ، تزوجها إكراما لها وتقديرا لإخلاصها وصدقها، وصفية بنت حييّ بن أخطب زعيم اليهود تزوجها رأفة بها بعد سبيها، وجويرية بنت الحارث زعيم بني المصطلق، تزوجها بعد سبيها وإعتاقها وكان
стр. 6517
عمرها زهاء خمسين عاما، فآمنت قبيلتها بالإسلام، وكانت سببا في إسلام خالد بن الوليد البطل الشهير.
هذه هي الأسباب الخاصة بالزواج من أمهات المؤمنين، أما الأسباب العامة فتتلخص في أن المصاهرة من أقوى عوامل التالف والتناصر، ونشر دعوة الإسلام في مبدأ أمرها بحاجة إلى الأعوان، وكان المؤمنون يرون أن أعظم شرف مصاهرتهم للنبي ﷺ وقربهم منه، كما أن تشريعات الإسلام الخاصة بالنساء تحتاج معرفتها إلى نسوة يبلغن الأحكام إلى المسلمات، فكانت أزواج النبي ﷺ يقمن بهذه المهمة.
وأما أسباب تعدد الزوجات لغير النبي ﷺ فهي كثيرة، منها: إصابة المرأة بالعقم أو بالمرض الفتاك، المعدي أو المزمن، ومنها: قلة الرجال أحيانا كما يحدث عقب الحروب، ومنها: الترغيب في كثرة النسل لتقوية الإسلام، ومنها تفاقم الرغبة الجنسية أحيانا عند بعض الرجال.
آداب دخول البيت النبوي وحجاب نساء النبي ﷺ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٥٤) لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاِتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٥٥)﴾
стр. 6518
الإعراب:
﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ ﴿غَيْرَ﴾ منصوب على الحال من واو ﴿تَدْخُلُوا﴾.
﴿أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ ﴿أَنْ﴾ وصلتها: في موضع رفع اسم ﴿كانَ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا﴾ لأنه عطف عليه.
البلاغة:
﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الإضافة للتشريف.
﴿فَادْخُلُوا﴾ ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿تُبْدُوا﴾ ﴿تُخْفُوهُ﴾.
﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ بينهما طباق السلب.
﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ عليم وشهيد على وزن فعيل للمبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أي إلا وقت أن يؤذن لكم في الدخول بالكلام أو الإشارة، أو إلا مأذونا لكم. ﴿إِلى طَعامٍ﴾ متعلق بيؤذن، لأنه متضمن معنى (يدعى) للإشعار بأنه لا يحسن الدخول على الطعام من غير دعوة وإن أذن بالدخول، لقوله: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ غير منتظرين نضجه أو وقته وإدراكه. وأنىّ: هو مصدر: أنى يأني، أي أدرك وحان نضجه.
﴿فَانْتَشِرُوا﴾ تفرقوا ولا تمكثوا. ﴿مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي مستمعين لحديث أهل البيت أو لبعضكم بعضا. ﴿إِنَّ ذلِكُمْ﴾ المكث أو اللبث. ﴿كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ لتضييق المنزل عليه وعلى أهله واشتغاله فيما لا يعنيه. ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ من إخراجكم. ﴿وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي لا يترك بيان الحق وهو الأمر بخروجكم.
стр. 6519
﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ أي سألتم أزواج النبي ﷺ . ﴿مَتاعاً﴾ شيئا محتاجا إليه ينتفع به.
﴿فَسْئَلُوهُنَّ﴾ المتاع ﴿مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾. ﴿ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ من الخواطر الشيطانية المريبة. ﴿وَما كانَ لَكُمْ﴾ وما صح لكم. ﴿أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ أن تفعلوا ما يكرهه.
﴿كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً﴾ ذنبا عظيما.
﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ﴾ من التحدث بزواجهن بعده. ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ يعلم ذلك، فيجازيكم عليه. قال البيضاوي: وفي هذا التعميم مع البرهان على المقصود مزيد تهويل، ومبالغة في الوعيد.
﴿لا جُناحَ﴾ لا إثم. ﴿وَلا نِسائِهِنَّ﴾ أي النساء المؤمنات. ﴿وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ من العبيد والإماء. ﴿وَاتَّقِينَ اللهَ﴾ فيما أمرتن به. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ لا تخفى عليه خافية.
سبب النزول:
نزول الآية (٥٣):
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا﴾:
أخرج أحمد والشيخان وابن جرير والبيهقي وابن مردويه عن أنس بن مالك ﵁ قال: «لما تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش، دعا القوم، فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، فإذا كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام وقام من القوم من قام، وقعد ثلاثة، ثم انطلقوا، فجئت، فأخبرت النبي ﷺ أنهم انطلقوا، فجاء حتى دخل، وذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً﴾.
وأخرج الترمذي وحسنه عن أنس قال: كنت مع رسول الله ﷺ ، فأتى باب امرأة عرّس بها، فإذا عندها قوم، فانطلق، ثم رجع، وقد خرجوا، فدخل، فأرخى بيني وبينه سترا، فذكرته لأبي طلحة، فقال: لئن كان كما تقول لينزلن في هذا شيء، فنزلت آية الحجاب.
стр. 6520
وأخرج الطبراني بسند صحيح عن عائشة قالت: كنت آكل مع النبي ﷺ في قعب، فمرّ عمر، فدعاه، فأكل، فأصابت أصبعه أصبعي، فقال: أوّه لو أطاع فيكنّ، ما رأتكنّ عين، فنزلت آية الحجاب. وفي رواية البخاري: أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: دخل رجل على النبي ﷺ ، فأطال الجلوس، فخرج النبي ﷺ ثلاث مرات ليخرج، فلم يفعل، فدخل عمر، فرأى الكراهية في وجهه، فقال للرجل: لعلك آذيت النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : لقد قمت ثلاثا لكي يتبعني فلم يفعل، فقال له عمر: يا رسول الله، لو اتخذت حجابا، فإن نساءك لسن كسائر النساء، وذلك أطهر لقلوبهن، فنزلت آية الحجاب.
وفي رواية: «بقي ثلاثة نفر يتحدثون، فأطالوا».
قال الحافظ ابن حجر: يمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب، فلقربه منها أطلق نزول آية الحجاب بهذا السبب، ولا مانع من تعدد الأسباب.
قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا، فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾: قال البيضاوي: الآية خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام رسول الله ﷺ ، فيدخلون ويقعدون، منتظرين لإدراكه، مخصوصة بهم وبأمثالهم، وإلا لما جاز لأحد أن يدخل بيوته بالإذن لغير الطعام، ولا اللبث بعد الطعام لمهمّ. أخرج عبد بن حميد عن أنس قال: كانوا يتحينون فيدخلون بيت النبي ﷺ ، فيجلسون فيتحدثون ليدرك الطعام، فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. الآية.
وعن عائشة ﵂ قالت: حسبك في الثقلاء أن الله تعالى لم يحتملهم، وقال: ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ وأخرج ابن أبي حاتم عن سليمان بن أرقم قال: نزلت هذه في الثقلاء، ومن ثم قيل: هي آية الثقلاء.
стр. 6521
وقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾:
أخرج ابن زيد قال: بلغ النبي ﷺ أن رجلا يقول: لو قد توفي النبي ﷺ تزوجت فلانة من بعده، فنزلت: ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ الآية.
وأخرج ابن زيد أيضا عن ابن عباس قال: نزلت في رجل همّ أن يتزوج بعض نساء النبي ﷺ بعده، قال سفيان: ذكروا أنها عائشة. وأخرج عن السدّي قال: بلغنا أن طلحة بن عبيد الله قال: أيحجبنا محمد عن بنات عمنا، ويتزوج نساءنا، لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده، فأنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن سعد عن أبي بكر عن محمد بن عمرو بن حزم قال: نزلت في طلحة بن عبيد الله؛ لأنه قال: إذا توفي رسول الله ﷺ تزوجت عائشة.
وأخرج جويبر عن ابن عباس أن رجلا أتى بعض أزواج النبي ﷺ ، فكلمها وهو ابن عمها، فقال النبي ﷺ : لا تقومنّ هذا المقام بعد يومك هذا، فقال: يا رسول الله: إنها ابنة عمي، والله ما قلت منكرا، ولا قالت لي، قال النبي ﷺ :
قد عرفت ذلك، إنه ليس أحد أغير من الله، وإنه ليس أحد أغير مني، فمضى، ثم قال: يمنعني من كلام ابنة عمي؟ لأتزوجنها من بعده، فأنزل الله هذه الآية.
قال ابن عباس: فأعتق ذلك الرجل رقبة، وحمل على عشرة أبعرة في سبيل الله، وحج ماشيا، توبة من كلمته.
والخلاصة: رويت روايات كثيرة في أسباب نزول هذه الآيات قال فيها أبو بكر بن العربي: إنها ضعيفة كلها ما عدا الذي ذكرنا-أي
رواية أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أنس- وما عدا الذي روي أن عمر قال: قلت:
يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب.
стр. 6522
وقد كان سبب نزول أدب الطعام والجلوس وليمة النبي ﷺ عند زواجه بزينب، وسبب نزول الحجاب بسبب القعود في بيت زينب.
المناسبة:
بعد بيان حال النبي ﷺ مع أمته بأنه المبشر المنذر الداعي إلى الله تعالى، أبان الله تعالى حال المؤمنين مع النبي ﷺ ، فكما أن دخولهم الدين كان بدعوته، كذلك لا يكون دخول بيته إلا بدعوته، إرشادا إلى الأدب معه واحترامه وتوفير راحته في بيته، ثم تعظيمه بين الناس بالأمر بعد هذه الآيات بالصلاة والسلام عليه.
ولا يقتصر الأدب معه على الدخول إلى بيته، بل يشمل الخروج منه بعد انتهاء الحاجة من استفتاء أو تناول طعام، فذلك حق وأدب، ثم ذكر الله أدبا آخر، وهو طلب شيء من الحوائج من نساء النبي ﷺ مع وجود حجاب أو ستر أو حائل. ومناسبة هذا لما قبله أنه لما منع الله الناس من دخول بيوت النبي ﷺ ، وكان في ذلك تعذر الوصول إلى استعارة بعض الحوائج، بيّن أن ذلك غير ممنوع منه، وإنما يجب أن يكون السؤال والطلب من وراء حجاب.
التفسير والبيان:
تضمنت هذه الآيات آدابا عامة في الدخول إلى البيوت والخروج منها، والحجاب وعدم الاختلاط وتحريم إيذاء النبي ﷺ وزواج نسائه من بعده.
وهي مما وافق الوحي فيها وتنزيلها قول عمر بن الخطاب ﵁، كما ثبت في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة ١٢٥/ ٢]. وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل
стр. 6523
عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن، فأنزل الله آية الحجاب. وقلت لأزواج النبي ﷺ لما تمالأن عليه: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ﴾ فنزلت كذلك.
وآية الحجاب هذه-كما ذكر قتادة والواقدي-نزلت في صبيحة عرس رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة، وقد صدّرت الآية بأدب اجتماعي يدفع الحرج عن النبي، فقال تعالى:
١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ أي يا أيها الذين صدقوا بالله ربّا وبمحمد رسولا إياكم أن تدخلوا بيتا من بيوت النبي ﷺ في كل الأحوال إلا في حال كونكم مصحوبين بالإذن بأن دعيتم إلى وليمة طعام، غير منتظرين وقت نضجه واستوائه، فإذا تم النضج وتوافر الإعداد فادخلوا حينئذ.
وهذا قوله تعالى:
٢ - ﴿وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا، فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا، وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ إذا دعاكم الرسول ﷺ فادخلوا البيت الذي أذن لكم بدخوله، فإذا تناولتم الطعام الذي دعيتم إليه فتفرقوا ولا تمكثوا فيه من أجل تبادل أطراف الحديث والتحدث في شؤون الدنيا.
وهذا دليل على حظر المؤمنين من دخول منازل النبي ﷺ بغير إذن، وعدم ارتقاب نضج الطعام، وعلى حرمة التطفل، وعلى عدم البقاء في البيوت بعد الأكل، للاشتغال بلهو الحديث مع بعضكم أو مع أهل البيت، فذلك أمر غير مرغوب فيه، ونوع من الثقل غير محمود؛ لأن أهل البيت بحاجة إلى التفرغ لتنظيف الأواني والراحة من عناء إعداد الطعام، لذا
قال رسول الله ﷺ فيما
стр. 6524
رواه أحمد والشيخان والترمذي عن عقبة بن عامر: «إياكم والدخول على النساء». وعلل تعالى طلب مغادرة البيوت بعد الطعام بقوله:
﴿إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ، وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي إن بقاءكم واشتغالكم بالحديث والدخول قبل نضج الطعام كان يؤذي النبي-وإيذاؤه حرام-ويشق عليه، لمنعه من قضاء بعض حاجته، ولما فيه من المضايقة لأهل البيت، ولكن كان النبي ﷺ يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة حيائه ﷺ ، حتى أنزل الله عليه النهي عن ذلك، والله لا يترك بيان الحق وهو الأمر بالخروج ومنعهم من البقاء والمكث. وهذا أدب عام لا يقتصر على النبي ﷺ ، وإنما يشمل سائر المؤمنين. ويحرم اللبث إذا كان فيه إيذاء لصاحب البيت.
وقد نصت آيات سورة النور [٢٧ - ٣١] على بيوت المؤمنين وآية الأحزاب [٥٩] في حجاب نسائهم في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾.
٣ - ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ أي وكما نهيتكم عن الدخول إلى بيوت النبي ﷺ من غير إذن ودون انتظار إدراك الطعام، كذلك نهيتكم عن النظر إلى زوجات النبي ﷺ ، فإذا طلبتم منهن شيئا ينتفع به، من ماعون وغيره، فاطلبوه من وراء حجاب ساتر، وحائل مانع من النظر.
وسبب النهي عن ذلك، والأمر بالحجاب كما قال تعالى:
﴿ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي إن هذا الذي أمرتكم به وشرعته لكم من الدخول بالإذن، والخروج عقب الطعام دون الاستئناس بالحديث، والحجاب أطهر وأطيب للنفس، وأبعد عن الريبة والتهمة والفتنة، وأكثر طمأنينة للقلوب من الهواجس والوساوس الشيطانية.
стр. 6525
ولما علّم الله المؤمنين أدب الدخول إلى البيوت وصون الأذن والعين من النظر المحرّم، أكده بما يحملهم على محافظته، فقال:
٤ - ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ، وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي ما صح وما ينبغي لكم أن تكونوا سببا في إيذاء رسول الله ﷺ ، أو تفعلوا فعلا يضايقه ويكرهه، كالمكث في منزله والاشتغال بالحديث، فكل ما منعتم عنه مؤذ، فامتنعوا عنه، فإنه ﷺ حريص على ما فيه إسعادكم وخيركم في الدنيا والآخرة، ومن أشد أنواع الأذى ومما هو حرام عليكم أن تتزوجوا أبدا بنسائه بعد مفارقتهن بموت أو طلاق، تعظيما له، ولأنهن أمهات المؤمنين، ولأنه ذنب عظيم كما قال تعالى:
﴿إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً﴾ أي إن إيذاء الرسول ﷺ ونكاح أزواجه من بعده ذنب عظيم وإثم كبير. وفي هذا تعظيم الأمر، وتشديد فيه وتوعد عليه، ثم أكد ذلك بالبعد عن الإيذاء في الباطن والظاهر فقال:
﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ، فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ أي إن تظهروا شيئا من الأذى أو تكتموه، فإن الله عليم علما تاما دقيقا به، يعلم ما تكنّه ضمائركم، وتنطوي عليه سرائركم، ولا تخفى عليه خافية: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩/ ٤٠] وهو مجاز كل إنسان بحسب ذلك العلم.
ثم استثنى الله تعالى من حكم حجاب أزواج النبي على الأجانب المحارم ونساء المؤمنين والأرقاء، فقال:
﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ، وَاتَّقِينَ اللهَ، إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ أي لا إثم على أزواج النبي ﷺ في ترك الحجاب أمام آبائهن
стр. 6526
وأجدادهن، سواء من جهة النسب أم من جهة الرضاع، أو أبنائهن من النسب أو الرضاع، أو إخوانهن الأشقاء أو لأب أو لأم، أو أبناء إخوانهن أو أبناء أخواتهن، أو أمام النساء المؤمنات القريبات أو البعيدات، أو الأرقاء من الذكور والإناث، إبعادا للحرج والمشقة في ذلك بسبب الخدمة. ثم ختمت الآية بما ينبه على زيادة الحذر والتقوى، فقال تعالى فيما معناه:
واخشين الله في السرّ والعلانية، فإنه شهيد على كل شيء، لا تخفى عليه خافية، فراقبنه، فإنه يجازي على كل عمل من خير أو شر؛ لأنه يعلم علم شهود وحضور ومعاينة كل شيء، وفي ذلك منتهى التحذير من مخالفة الأوامر والنواهي.
ونساء المؤمنين كنساء النبي ﷺ في ذلك، بدليل آية النور: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ، أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ.﴾. [٣١].
وأما السبب في عدم ذكر العم والخال في هاتين الآيتين فهو-كما ذكر عكرمة والشعبي-لأنهما قد يصفان ذلك لبنيهما، أو لأن العم والخال بمنزلة الوالدين، وقد يسمى العم أبا، كما قال تعالى: ﴿نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ﴾ [البقرة ١٣٣/ ٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات الأحكام التالية:
١ - الأدب في أمر الطعام والجلوس، فلا يجوز دخول بيت النبي ﷺ إلا
стр. 6527
بالإذن، والدخول حرام إلا لأجل الأكل ونحوه، وظاهر الآية حرمة مكث المدعو بعد تناول الطعام إذا كان ذلك مؤذيا لصاحب البيت.
ودخل في النهي سائر بيوت المؤمنين، فلا يجوز دخولها إلا بإذن عند الأكل، لا قبله لانتظار الطعام.
٢ - يجب التفرق والخروج من البيت والانتشار في أرض الله تعالى بعد تناول الطعام، وانتهاء المقصود من الأكل ونحوه، لقوله تعالى: ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ والمراد من الأمر: إلزام الخروج من المنزل عند انقضاء المقصود من الأكل، بدليل أن الدخول من غير إذن حرام، وإنما جاز لأجل الأكل، فإذا انقضى الأكل زال السبب المبيح، وعاد التحريم إلى أصله.
٣ - قوله تعالى: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ دليل على أن البيت للرجل، ويحكم له به، فإن الله تعالى أضافه إليه إضافة ملك. وأما الإضافة في قوله تعالى:
﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب ٣٤/ ٣٣] فهي إضافة محل، بدليل أنه جعل فيها الإذن للنبي ﷺ ، والإذن إنما يكون للمالك.
وأما سكنى نساء النبي ﷺ في بيوته في حياته وبعد موته من غير تملك، فهو حق لهن على الصحيح؛ فإن ذلك من مؤونتهن التي كان رسول الله ﷺ استثناها لهن، كما استثنى لهن نفقاتهن حين
قال فيما رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر وعثمان وغيرهما: «لا تقتسم ورثتي دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة أهلي ومؤونة عاملي، فهو صدقة» ويدل لذلك أن مساكنهن لم يرثها عنهن ورثتهن، ولو كان ذلك ملكا لهن كان لا شك قد ورثه عنهن ورثتهن، وعدم الإرث دليل على أنها لم تكن ملكا لهن، وإنما كان لهن سكنى حياتهن، فلما توفّين جعل ذلك زيادة في المسجد الذي يعم المسلمين نفعه، كما جعل ذلك الذي كان لهن من النفقات في تركة رسول الله ﷺ ، فزيد إلى أصل المال، فصرف في منافع المسلمين مما يعمّ جميعهم نفعه.
стр. 6528
٤ - قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ خص وقت الدخول بأن يكون عند الإذن على جهة الأدب، قال ابن العربي: وتقدير الكلام: ولكن إذا دعيتم وأذن لكم في الدخول فادخلوا، وإلا فنفس الدعوة لا تكون إذنا كافيا في الدخول (١).
٥ - في قوله تعالى: ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ دليل آخر في غير إلزام الخروج بعد انتهاء الأكل على أن الضيف يأكل على ملك المضيف، لا على ملك نفسه؛ لأنه قال: ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ فلم يجعل له أكثر من الأكل، ولا أضاف إليه سواه، وبقي الملك على أصله.
٦ - قوله تعالى: ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ دليل على أن المكث في المنزل بعد الطعام للاستئناس بالحديث أمر غير مرغوب فيه، وأدب يجب التزامه.
٧ - وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي لا يمتنع من بيانه وإظهاره دليل على ألا حياء في معرفة أحكام الدين وبيان الشرع.
جاء في الصحيح عن أم سلمة قالت: جاءت أم سليم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : «إذا رأت الماء».
٨ - ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً﴾ الصواب في المتاع كما قال القرطبي: أنه عام في جميع ما يمكن أن يطلب من المواعين وسائر المرافق للدين والدنيا.
٩ - ﴿فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض، أو مسألة يستفتين فيها، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى، فلا يجوز كشف شيء من جسدها إلا لحاجة
стр. 6529
كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يعرض وتعيّن كون الجواب عندها. قال القاضي عياض: فرض الحجاب بما اختصصن به، فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها ولا إظهار شخوصهن، وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة.
١٠ - استدل بعض العلماء من الأخذ عن أزواج النبي ﷺ من وراء حجاب على جواز شهادة الأعمى، وبأن الأعمى يطأ زوجته بمعرفته بكلامها، وهو رأي المالكية والحنابلة في قبول شهادته، ولا تقبل شهادته في رأي الحنفية والشافعية.
١١ - إن الحجاب وسيلة ناجعة في طهارة القلب من هواجس السوء وخواطر المعصية، سواء بالنسبة للرجال أو النساء، فذلك أنفى للريبة، وأبعد للتهمة، وأقوى في الحماية والتحصن. وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له؛ فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله، وأحصن لنفسه، وأتم لعصمته.
١٢ - قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ دليل على تعليل الأحكام، ثم إن بيان العلة وتأكيد إيرادها يقوي دلالة الأحكام الشرعية على المطلوب. وذكر النبي بوصف الرسالة هنا مشعر بتوبيخ من تحدثهم نفوسهم بإيذائه إذ ذلك يكون كفرانا بنعمة الرسالة الواجب شكرانها.
١٣ - يحرم التزوج بنساء النبي ﷺ بعد مفارقتهن بطلاق أو موت، تعظيما للنبي، ولكونهن أمهات المؤمنين، والمسلم لا يتزوج أمه.
واختلف العلماء في وجوب العدة عليهن بالموت، فقيل: عليهن العدة؛ لأن العدة عبادة، وقيل: لا عدة عليهن؛ لأنها مدة تربّص (انتظار) لا ينتظر بها إباحة الزواج، قال القرطبي: وهو الصحيح؛
لقوله ﷺ : «ما تركت بعد نفقة عيالي» وروي «أهلي» وهذا اسم خاص بالزوجية، فأبقى عليهن النفقة
стр. 6530
والسكنى مدة حياتهن؛ لكونهن نساءه، وحرمن على غيره؛ وهذا هو معنى بقاء النكاح. وإنما جعل الموت في حقه ﷺ لهن بمنزلة المغيب في حق غيره؛ لكونهن أزواجا له في الآخرة قطعا، بخلاف سائر الناس؛ لأن الرجل لا يعلم كونه مع أهله في دار واحدة، فربما كان أحدهما في الجنة والآخر في النار؛ فبهذا انقطع السبب في حق الخلق، وبقي في حق النبي ﷺ ؛
وقد قال ﷺ : «زوجاتي في الدنيا هن زوجاتي في الآخرة»
وقال ﷺ فيما رواه الطبراني والحاكم والبيهقي عن عمر: «كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي، فإنه باق إلى يوم القيامة».
وأما النساء اللاتي فارقهن النبي ﷺ قبل الدخول، فالصحيح جواز نكاحهن لغيره، كالكلبية التي تزوجها عكرمة بن أبي جهل، وقيل: تزوجها الأشعث بن قيس الكندي، وقيل: إنه مهاجر بن أبي أمية.
١٤ - إن إيذاء رسول الله ﷺ أو نكاح أزواجه من الذنوب الكبائر، ولا ذنب أعظم منه.
١٥ - الله تعالى عالم بكل ما بدا وما خفي، وما كان وما لم يكن، لا يخفى عليه ماض انقضى، ولا مستقبل آت، فهو سبحانه يعلم ما يخفيه الإنسان من المعتقدات والخواطر المكروهة ويجازيه عليها. والتذييل بهذه الآية توبيخ ووعيد لمن يضمر السوء في مخاطبة أزواج النبي ﷺ وأزواج المؤمنين أيضا.
١٦ - استثنى الله تعالى من فرضية الحجاب على أزواج النبي ﷺ الأقارب المحارم من النسب أو الرضاع، وهم الآباء والأبناء والإخوة وأبناء الإخوة وأبناء الأخوات والنساء المؤمنات، وهو رأي ابن عباس ومجاهد، وتكون إضافتهن إليهن باعتبار أنهن على دينهن، ويكون ذلك دليل احتجاب نساء النبي ﷺ من الكافرات.
ويرى بعضهم أن المراد منهن النساء القريبات، وتكون إضافتهن إليهن
стр. 6531
لمزيد اختصاصهن بهن، لما لهن من صلة القرابة، وكذلك الخادمات.
وأيضا ما ملكت أيمانهن من الذكور والإناث.
١٧ - توّج الله تعالى آية الحجاب واستثناء المحارم بالأمر بالتقوى، كأنه قال: اقتصرن على هذا، واتقين الله فيه أن تتعدينه إلى غيره، وخصّ النساء بهذا الأمر وعيّنهن، لقلة تحفظهن وكثرة استرسالهن، ثم توعد تعالى بأنه رقيب على كل شيء بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ أي أنه يعلم علم شهود وحضور ومعاينة، فيجازي على ما يكون.
تعظيم النبي ﷺ وجزاء إيذائه وإيذاء المؤمنين ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨)﴾
البلاغة:
﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ إتباع الفعل بالمصدر للتأكيد.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ محمد ﷺ ، أي يعتنون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه.
والصلاة في اللغة: الدعاء، يقال: صلى عليه، أي دعا له. وهي من الله: الرحمة والرضوان، ومن الملائكة: الدعاء والاستغفار، ومن الأمة: دعاء وتعظيم للنبي ﷺ . ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
стр. 6532
أي اعتنوا أنتم أيضا بالصلاة عليه، فإنكم أولى بذلك، وقولوا: اللهم صل وسلّم على محمد. والآية تدل على وجوب الصلاة والسلام عليه في الجملة، وتجوز الصلاة على غيره تبعا له، وتكره استقلالا؛ لأنه في العرف صار شعارا لذكر الرسل، كما ذكر البيضاوي والشوكاني وغيرهما، فلا يقال: صلّى الله على فلان، أو فلان ﵇، وقد اتفق العلماء على أن الصلاة على رسول الله ﷺ فرض على كل مسلم، وأقلها في العمر مرة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ يرتكبون ما يكرهانه من الكفر والمعاصي وهم الكفار يصفون الله بما هو منزه عنه من الولد والشريك، ويكذبون رسوله ﷺ . ﴿لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ أبعدهم وطردهم من رحمته. ﴿عَذاباً مُهِيناً﴾ ذا إهانة وغاية في الإهانة مع الإيلام، وهو النار. ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ يرمونهم بغير جناية استحقوا بها الإيذاء، أو بغير ما عملوا. ﴿اِحْتَمَلُوا بُهْتاناً﴾ تحملوا كذبا. ﴿وَإِثْماً مُبِيناً﴾ أي ذنبا ظاهرا واضحا.
سبب النزول:
نزول الآية (٥٧):
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية قال: نزلت في الذين طعنوا النبي ﷺ حين اتخذ صفية بنت حييّ زوجة له. وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس:
أنزلت في عبد الله بن أبيّ وناس معه قذفوا عائشة، فخطب النبي ﷺ وقال:
«من يعذرني في رجل يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني»، فنزلت.
وروي أنها نزلت في منافقين يؤذون عليا ﵁، وقيل: في أهل الإفك كما تقدم، وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.
نزول الآية (٥٨):
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
قال ابن عباس: أنزلت في عبد الله بن أبي وناس معه قذفوا عائشة ﵂، فخطب النبي ﷺ وقال: «من يعذرني من رجل يؤذيني، ويجمع في بيته من يؤذيني».
стр. 6533
وقيل: نزلت في أناس من المنافقين كانوا يؤذون علي بن أبي طالب.
وقيل: نزلت فيمن آذى عمر لضربه جارية من الأنصار متبرجة. وقال جماعة:
نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن.
المناسبة:
بعد أن أمر الله المؤمنين بالاستئذان وعدم النظر إلى وجوه نسائه احتراما، أكمل ذلك ببيان مكانة النبي ﷺ في الملأ الأعلى، وما يجب له من احترام في الملأ الأدنى، ثم أردفه بتبيين أضداد الاحترام، فنهى عن إيذاء الله، بمخالفة أوامره وارتكاب معاصيه، وعن إيذاء رسوله ﷺ بالطعن فيه أو في أهل بيته، أو بنسبة عيب أو نقص فيه.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ أي إن الله يصلي على نبيه بالرحمة والرضوان، والملائكة تدعو له بالمغفرة ورفعة الشأن، لذا فأنتم أيها المؤمنون بالله ورسوله قولوا: اللهم صلّ وسلّم على محمد، أي ادعوا له بالرحمة ومزيد الشرف والدرجة العليا. ويلاحظ الاهتمام بالحكم من طريق مجيء الخبر مؤكدا ب «إنّ» والإتيان بالجملة الاسمية لإفادة الدوام، وأن مجيء الجملة اسمية في صدرها: ﴿إِنَّ اللهَ﴾ فعليه في عجزها:
﴿يُصَلُّونَ﴾ للدلالة على أن الثناء من الله على رسوله ﷺ يتجدد على الدوام.
وهذه الآية بمثابة العلة لما ذكر قبلها من أن شأن المؤمنين ألا يؤذوا رسول الله ﷺ ، فكأنه قيل: ما كان لكم أن تؤذوه؛ لأن الله يصلي عليه والملائكة، وما دام الأمر كذلك، فهو لا يستحق إلا الاحترام والإكرام. وقد بدئت الآية بالجملة الاسمية لإفادة الدوام، وانتهت بالجملة الفعلية للإشارة إلى أن
стр. 6534
هذا الإكرام والتمجيد يتجدد مع مرور الزمان على الدوام.
ويكون المقصود من الآية أن الله تعالى أخبر عباده بمنزلة نبيه وعبده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلي عليه، لذا أمر الله تعالى العالم الدنيوي بالصلاة والسلام عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين:
العلوي والسفلي جميعا.
والصلاة كما بينا من الله الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن المؤمنين الدعاء بالمغفرة والتعظيم لشأن النبي ﷺ .
وكيفية الصلاة عليه تعرف بالأحاديث المتواترة التي منها:
ما رواه الشيخان وأحمد وغيرهم عن كعب بن عجرة ﵁ قال: «قال رجل:
يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟! قال:
قل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد».
وأخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله ﷺ : قولوا: اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
وأخرج الجماعة عن أبي سعيد الخدري قلنا: «يا رسول الله، هذا السلام عليك، قد علمنا، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم».
وأما التسليم فهو بأن يقولوا: السلام عليك يا رسول الله، ومعنى «السلام عليك» الدعاء له بالسلامة من الآفات والنقائص.
стр. 6535
وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الصلاة والسلام على رسول الله، منها:
ما رواه أحمد وابن ماجه عن عامر بن ربيعة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من صلى علي صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى عليه، فليقلّ عبد من ذلك أو ليكثر».
ومنها:
ما رواه أحمد أيضا والنسائي عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه:
أن رسول الله ﷺ جاء ذات يوم، والسرور-أو البشر-يرى في وجهه، فقالوا: يا رسول الله، إنا لنرى السرور-أو البشرى-في وجهك، فقال: «إنه أتاني الملك فقال: يا محمد، أما يرضيك أن ربك يقول: إنه لا يصلّي عليك أحد من أمّتك إلا صلّيت عليه عشرا، ولا يسلّم عليك أحد من أمتك إلا سلّمت عليه عشرا، قلت: بلى».
ومنها:
ما رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي واحدة، صلّى الله عليه بها عشرا».
لذا أوجب الشافعي الصلاة على الرسول ﷺ ، وجعلها ركنا في التشهد الأخير من الصلاة، وتستحب عنده في التشهد الأول.
واتفق العلماء على وجوب الصلاة والتسليم على النبي ﷺ مرة في العمر، عملا بما يقتضيه الأمر ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾ من الوجوب، وتكون الصلاة والسلام في ذلك ككلمة التوحيد؛ لأن الصحيح أن الأمر لا يقتضي التكرار، وإنما هو للماهية، المطلقة عن قيد التكرار والمرة، وحصوله مرة ضرورة لتحقيق مجرد الماهية. وأما القول بالوجوب كلما ذكر، أو في كل مجلس مرة، أو الإكثار منها من غير تقيد بعدد، فهو استدلال بالأحاديث المرغبة في فعلها والمرهبة من
стр. 6536
تركها، كقوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦] الذي هو ترغيب في الإحسان.
ويسن الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ في يوم الجمعة وعند زيارة قبره ﷺ ، وبعد النداء للصلاة، وفي صلاة الجنازة،
روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أوس بن أوس الثقفي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي» قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ -يعني وقد بليت-قال: «إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء».
وروى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم مؤذنا فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى عليّ صلّى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت عليه الشفاعة»:
وروى النسائي عن أبي أمامة أنه قال: من السنة في الصلاة على الجنازة:
أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويخلص الدعاء للجنازة، وفي التكبيرات لا يقرأ في شيء منها، ثم يسلم سرا في نفسه.
وروى أبو داود، وصححه النووي في الأذكار، كما صحح الحديث المتقدم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما منكم من أحد يسلم علي إلا ردّ الله علي روحي حتى أردّ ﵇».
ولا شك بأن الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ مجلبة للخير
стр. 6537
والثواب، وسبب لدخول الجنة، ومذهبة للهم والحزن، وطرد للنسيان،
أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «رغم أنف رجل ذكرت عنده، فلم يصلّ علي، ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان، ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر، فلم يدخلاه الجنة».
وبعد الأمر بالصلاة والسلام على النبي ﷺ ، عاد الكلام إلى النهي عن إيذاء الله بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره، وإيذاء رسوله ﷺ بوصفه بعيب أو نقص فقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً﴾ أي إن الذين يصدر منهم الأذى لله ورسوله بارتكاب ما لا يرضيانه من الكفر والعصيان، كقول اليهود: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة ٦٤/ ٥] و ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ [التوبة ٣٠/ ٩] وقول النصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ [التوبة ٣٠/ ٩] وقول المشركين: الملائكة بنات الله، والأصنام آلهة شركاء لله، وقولهم عن رسول الله ﷺ : إنه شاعر، أو ساحر أو كاهن أو مجنون، إن هؤلاء الذين يؤذون الله ورسوله طردهم الله من رحمته في الدنيا والآخرة، وهيأ لهم عذابا مهينا محقرا مؤلما في نار جهنم.
وهذا دليل على أنه تعالى لم يحصر جزاءهم في الإبعاد من رحمته، بل أوعدهم وهددهم بعذاب النار الأليم. والآية عامة في كل من آذى النبي ﷺ بشيء، فمن آذاه فقد آذى الله، كما أن من أطاعه فقد أطاع الله، كما قال الإمام أحمد. وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت في الذين طعنوا على النبي ﷺ في تزويجه صفية بنت حيي بن أخطب.
وبعد بيان شأن الذين يؤذون الله ورسوله ﷺ ، أبان الله تعالى ما يناسب ذلك، وهو حكم الذين يؤذون المؤمنين، فقال:
стр. 6538
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا، فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ أي والذين يؤذون أهل الإيمان من الرجال والنساء بوجه من وجوه الأذى من قول أو فعل، وسواء أكان الإيذاء للعرض، أو الشرف أو المال، بأن ينسبوا إليهم ما هم برآء منه، لم يعملوه ولم يفعلوه، فهو إيذاء بغير حق، كأن يشتم المؤمن أحدا، أو يضربه، أو يقتله، فقد أتوا بالكذب المحض والبهتان الكبير: وهو نسبة شيء لهم لا علم لهم به ولم يفعلوه، على سبيل العيب والإنقاص، وارتكبوا ذنبا واضحا بينا. ونظير الآية: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً، ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [النساء ١١٢/ ٤].
والبهتان: الفعل الشنيع، أو الكذب الفظيع.
ومن أشد أنواع الأذى: الطعن في الصحابة، والغيبة، واستباحة عرض المسلم،
روى الإمام أحمد والترمذي عن عبد الله بن المغفّل المزني قال: قال رسول الله ﷺ : «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه».
وروى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة: أنه قيل: «يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته».
وروى ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أي الربا أربى عند الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم» ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾.
стр. 6539
فإن كان الإيذاء بحق لم يحرم، مثل الإيذاء بالقصاص، والإيذاء بقطع اليد في السرقة، والإيذاء بالتعزيرات المختلفة، وقتال المرتدين،
لقوله ﷺ في الحديث المتواتر الذي رواه أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». فهم أبو بكر ﵁ من هذا الحديث أن الزكاة حق المال، فقاتل مانعيه من أجله، وقال: «والله لو منعوني عناقا كانوا يعطونه لرسول الله، لقاتلتهم عليه» وحاجه في ذلك عمر فقال: «إلا بحقها» والزكاة حق الأموال، فانشرح صدره لما رآه أبو بكر.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إن آية الصلاة على النبي ﷺ تشريف له حياته وموته، وتنويه بمنزلته ومكانته السامية، والصلاة كما بينا من الله: الرحمة والرضوان، ومن الملائكة:
الدعاء والاستغفار، ومن الأمة: الدعاء والتعظيم لأمره.
٢ - أمر الله تعالى عباده بالصلاة على نبيه محمد ﷺ دون أنبيائه تشريفا له، ولا خلاف في أنها فرض في العمر مرة، وسنة مؤكدة في كل حين لا يسع المسلم تركها، ولا يغفلها إلا من لا خير فيه.
وقد عرفنا صفة الصلاة والسلام على النبي ﷺ ، وهي صيغة الصلاة الإبراهيمية، وبينا فضل الصلاة على النبي ﷺ وهو كما
ورد عنه فيما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة: «من صلّى علي واحدة، صلّى الله عليه بها عشرا»
وقال أيضا: «من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة يصلون عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب» (١). وقال سهل بن عبد الله: الصلاة
стр. 6540
على محمد ﷺ أفضل العبادات؛ لأن الله تعالى تولاها هو وملائكته، ثم أمر بها المؤمنين، وسائر العبادات ليس كذلك. وقال أبو سليمان الداراني: من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي ﷺ ، ثم يسأل الله حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبي ﷺ ؛ فإن الله تعالى يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يرد ما بينهما.
وأما الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة فهي سنة مستحبة عند الجمهور، فإن تركها فصلاته مجزية، وواجبة لدى الشافعي، فمن تركها فعليه الإعادة.
وأما الصلاة على غير الأنبياء: فإن كانت على سبيل التبعية مثل: اللهم صل على محمد وآله، وأزواجه، وذريته، فهذا جائز بالإجماع، فإن أفردوا فقال جماعة: يجوز ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب ٤٣/ ٣٣] وقوله: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة ١٥٧/ ٢] وقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ١٠٣/ ٩]
وحديث الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال:
«اللهم صلّ عليهم» فأتاه أبي بصدقته فقال: «اللهم صلى على آل أبي أوفى»
وحديث جابر أن امرأته قالت: يا رسول الله، صلّ عليّ وعلى زوجي، فقال:
«صلّى الله عليك وعلى زوجك».
وقال جمهور العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة؛ لأن هذا قد صار شعارا للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال: أبو بكر صلّى الله عليه، أو قال عليّ صلّى الله عليه، وإن كان المعنى صحيحا، كما لا يقال: محمد ، وإن كان عزيزا جليلا؛ لأن هذا من شعار ذكر الله . وأما ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك، فمحمول على الدعاء لهم، ولهذا لم يثبت شعارا لآل أبي أوفى ولا لجابر وامرأته.
стр. 6541
والصحيح أن هذا المنع من الصلاة على غير الأنبياء مكروه كراهة تنزيه؛ لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم.
والسلام هو في معنى الصلاة، فلا يستعمل في الغائب، ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: علي ﵇، وهذا سواء في الأحياء والأموات. وأما الحاضر فيخاطب به، فيقال: سلام عليك، وسلام عليكم، أو السلام عليك أو عليكم، وهذا مجمع عليه.
وقال النووي: إذا صلى على النبي ﷺ فليجمع بين الصلاة والتسليم، فلا يقتصر على أحدهما، فلا يقول: صلّى الله عليه فقط، ولا ﵇ فقط؛ لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.
٣ - إن من يؤذي الله ورسوله يستحق اللعنة والطرد من رحمة الله في الدنيا والآخرة، وله عذاب محقر مؤلم في نار جهنم. وإيذاء الله: يكون بالكفر ونسبة الصاحبة والولد والشريك إليه، ووصفه بما لا يليق به، كقول اليهود: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة ٦٤/ ٥]، و ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ [التوبة ٣٠/ ٩]، وقول النصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ [التوبة ٣٠/ ٩]، وقول المشركين: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه.
وجاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«يقول الله : يؤذيني ابن آدم، يسبّ الدهر، وأنا الدهر. أقلّب ليله ونهاره»،
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال الله ﵎:
«يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلّب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما». هكذا جاء هذا الحديث موقوفا على أبي هريرة في هذه الرواية.
وقد جاء مرفوعا عنه بلفظ آخر عند مسلم أيضا: «يؤذيني ابن آدم يسبّ الدهر، وأنا الدهر أقلّب الليل
стр. 6542
والنهار». وقال عكرمة: معناه بالتصوير والتعرض لفعل ما لا يفعله إلا الله بنحت الصور وغيرها،
وقد قال رسول الله ﷺ : «لعن الله المصوّرين».
والطعن في تأمير أسامة بن زيد (١) لغزو «أبنى» قرية عند مؤتة أذية له ﷺ ، من حيث إنه كان من الموالي، ومن حيث إنه كان صغير السن؛ لأنه كان إذ ذاك ابن ثمان عشرة سنة، ومات النبي ﷺ بعد خروج هذا الجيش إلى ظاهر المدينة، فنفّذه أبو بكر بعده ﷺ .
جاء في صحيح البخاري عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ بعثا، وأمّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمرته؛ فقام رسول الله ﷺ فقال: «إن تطعنوا في إمرته، فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده».
وفي هذا الحديث دلالة على جواز إمامة المولى والمفضول على غيرهما ما عدا الإمامة الكبرى، ويؤكده أن رسول الله ﷺ قدّم سالما مولى أبي حذيفة على الصلاة بقباء، فكان يؤمهم، وفيهم أبو بكر وعمر وغيرهم من كبراء قريش.
٤ - إن إيذاء المؤمنين والمؤمنات بغير حق بالأقوال أو الأفعال القبيحة بهتان وإثم واضح. ومن أنواع الأذى: التعيير بحسب مذموم، أو حرفة مذمومة، أو شيء يثقل عليه إذا سمعه.
وقد ميّز الله بين أذاه سبحانه وأذى الرسول ﷺ وأذى المؤمنين، فجعل الأول كفرا موجبا اللعن، والثاني كبيرة، فقال في أذى المؤمنين: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾.
стр. 6543
آية جلباب النساء لستر العورة ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٩)﴾
المفردات اللغوية:
﴿يُدْنِينَ﴾ الإدناء: التقريب، والمراد الإرخاء والسدل على الوجه والبدن، وستر الزينة، ولذا عدّي بعلى ﴿مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق القميص، أو الثوب الذي يستر جميع البدن. و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، فإن المرأة تغطي بعض جلبابها وتتلفع ببعض، والمراد: يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا شيئا قليلا كعين واحدة ﴿ذلِكَ﴾ أي إدناء الجلابيب ﴿أَدْنى﴾ أقرب ﴿أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ أي أقرب إلى أن يميزن بأنهن حرائر، ويبعدن عن الإساءة ﴿فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ أي فلا يؤذيهن أهل الريبة بالتعرض لهن ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً﴾ لما سلف منهن لترك الستر ﴿رَحِيماً﴾ بعباده، حيث يراعي مصالحهم بالأمر بالستر وغيره.
سبب النزول:
أخرج البخاري عن عائشة قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر، فقال:
يا سودة، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي، وإنه ليتعشى، وفي يده عرق، فدخلت، فقالت: يا رسول الله، إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: إنه قد أذن، لكن أن تخرجن لحاجتكن.
стр. 6544
وأخرج ابن سعد في الطبقات عن أبي مالك قال: كان نساء النبي ﷺ يخرجن بالليل لحاجتهن، وكان ناس من المنافقين يتعرضون لهن، فيؤذين، فشكوا ذلك، فقيل للمنافقين، فقالوا: إنما نفعله بالإماء، فنزلت هذه الآية:
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ، ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾.
المناسبة:
بعد بيان أن من يؤذي مؤمنا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا، منعا وزجرا للمكلف من إيذاء المؤمن، أمر الله تعالى المؤمن باجتناب المواضع التي فيها التهم التي قد تؤدى إلى الإيذاء، بالتستر وإرخاء الجلباب، خلافا لما كان عليه الحال في الجاهلية من خروج النساء مكشوفات يتبعهن الزناة.
التفسير والبيان:
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ أي يطلب الله من رسوله ﷺ أن يأمر النساء المؤمنات وبخاصة أزواجه وبناته إذا خرجن من بيوتهن بأن يسدلن ويغطين من جلابيبهن ليتميزن عن الإماء. والجلباب: الرداء فوق الخمار. وهناك روايات في كيفية هذا التستر.
-قال ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطّين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة.
-وقال محمد بن سيرين فيما رواه ابن جرير عنه: سألت عبيدة السّلماني عن قول الله : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ فغطّى وجهه ورأسه، وأبرز عينه اليسرى.
стр. 6545
-وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار، كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها.
والمقصود بالآية التي نزلت بعد استقرار الشريعة أن يكون الستر المأمور به زائدا على ما يجب من ستر العورة، وهو أدب حسن يبعد المرأة عن مظان التهمة والريبة، ويحميها من أذى الفساق.
واللباس الشرعي: هو الساتر جميع الجسد، الذي لا يشف عما تحته، فإن كانت المرأة في بيتها وأمام زوجها فلها أن تلبس ما تشاء.
﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ، وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أي إن إدناء الجلابيب أو التستر أقرب أن يعرفن أنهن حرائر، لسن بإماء ولا عواهر، فلا يتعرّض لهن بالأذى من أهل الفسق والريبة، وكان الله غفورا لما سلف منهن من إهمال التستر، ولمن امتثل أمره إذا أخل بالتستر خطأ بغير قصد، واسع الرحمة بعباده حيث راعى مصالحهم وأرشدهم إلى هذا الأدب الحسن.
أما الإماء فلم يكلفهن الشرع بالتستر الكامل دفعا للحرج والمشقة في التقنع، وتيسيرا لهن القيام بخدمات السادة. هذا رأي الجمهور. وقال أبو حيان:
والظاهر أن قوله: ﴿وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن، بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهن-أي الإمام-من عموم النساء إلى دليل واضح (١).
стр. 6546
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على ما يأتي:
١ - الأمر بالتقنع والتستر عام يشمل جميع النساء، وذلك لا يكون إلا بما لا يصف جلدها، إلا إذا كانت مع زوجها، فلها أن تلبس ما شاءت؛ لأن له أن يستمتع بها كيف شاء.
ومن المأمورات بالستر: زوجات الرسول ﷺ وبناته. أما زوجاته فقال قتادة: مات رسول الله ﷺ عن تسع: خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وثلاث من سائر العرب: ميمونة، وزينب بنت جحش، وجويرية. وواحدة من بني هارون: صفية، وأما أولاده: فكان للنبي ﷺ أولاد ذكور وإناث.
وأولاده الذكور: القاسم والطاهر وعبد الله والطيب أبناء خديجة.
وبناته: فاطمة الزهراء بنت خديجة زوجة علي ﵄، وزينب بنت خديجة زوجة ابن خالتها أبي العاص، ورقيّة وأم كلثوم بنتا خديجة، زوجتا عثمان، كما تقدم سابقا.
ويلاحظ أن الدعوة لا تثمر إلا إذا بدأ الداعي بها في نفسه وأهله، لذا بدأ الأمر بالحجاب بنساء الرسول ﷺ وبناته.
٢ - صورة إرخاء الجلباب: تغطية المرأة جميع جسدها إلا عين واحدة تبصر بها، كما قال ابن عباس وعبيدة السّلماني. وقال قتادة، وابن عباس في رواية أخرى: أن تلويه فوق الجبين وتشدّه، ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها، لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. وقال الحسن البصري: تغطي نصف وجهها.
стр. 6547
٣ - الحكمة من أمر الحرائر بالتستر هي ألا يختلطن بالإماء، فإذا عرفن لم يقابلن بأدنى معارضة، مراعاة لرتبة الحرية، فتنقطع الأطماع عنهن.
٤ - وقوله: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ تأنيس للنساء في ترك الجلابيب قبل هذا الأمر المشروع.
٥ - في الطبقات الكبرى لابن سعد أن أحمد بن عيسى من فقهاء الشافعية استنبط من هذه الآية أن ما يفعله العلماء والسادات من تغيير لباسهم وعمائمهم أمر حسن؛ وإن لم يفعله السلف؛ لأن فيه تمييزا لهم، حتى يعرفوا، فيعمل بأقوالهم.
هذا وقد استدل بالآية على لزوم تغطية وجه المرأة؛ لأن العلماء والمفسرين كابن الجوزي والطبري وابن كثير وأبي حيان وأبي السعود والجصاص الرازي فسروا إدناء الجلباب بتغطية الوجوه والأبدان والشعور عن الأجانب، أو عند الخروج لحاجة.
تهديد المنافقين وجزاؤهم ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلاً (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (٦١) سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً (٦٢)﴾
الإعراب:
﴿مَلْعُونِينَ﴾ إما منصوب على الحال من واو ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾ وإما منصوب على الذم، أي أذمّ ملعونين.
стр. 6548
﴿سُنَّةَ اللهِ﴾ مصدر مؤكد.
البلاغة:
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ﴾ ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ المرجفون هم من المنافقين، ففيه ذكر الخاص بعد العام، زيادة في التقبيح والتشنيع عليهم.
﴿ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾ بينهما طباق.
﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ إتباع الفعل بالمصدر للتأكيد.
المفردات اللغوية:
﴿لَئِنْ﴾ اللام لام القسم ﴿لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ﴾ عن نفاقهم وهو إظهار الإسلام وإبطان الكفر ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ضعف إيمان وقلة ثبات عليه، أو فسوق وعصيان ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ هم اليهود وغيرهم المشيعون للأكاذيب والأباطيل الملفقون أخبار السوء ونشرها بين جنود المسلمين قائلين: قد أتاكم العدو، وسرايا المسلمين هزموا أو قتلوا أو غلبوا، ونحو ذلك من الأخبار المتضمنة توهين جانب المسلمين، من الإرجاف والرّجفان: الزلزلة والاضطراب الشديد.
﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ لنسلطنك عليهم ولنأمرنك بقتالهم وإجلائهم ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ يساكنونك، والعطف ب ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على أن الجلاء ومفارقة جوار رسول الله ﷺ أعظم ما يصيبهم ﴿مَلْعُونِينَ﴾ مبعدين عن الرحمة، أي لا يجاورونك إلا ملعونين ﴿ثُقِفُوا﴾ وجدوا ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ أي أن هذا الحكم فيهم مأمور به.
﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ أي سنّ الله ذلك في الأمم الماضية، وهو أن يقتل المنافقون الذين نافقوا الأنبياء وسعوا في وهنهم بالإرجاف ونحوه أينما ثقفوا، وخلوا: مضوا ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ أي لأنه لا يبدلها الله، أو لا يقدر أحد أن يبدلها.
المناسبة:
هذا هو الصنف الثالث من المؤذين، فبعد أن ذكر الله تعالى حال المشرك الذي يؤذي الله ورسوله، وأتبعه بذكر المجاهر الذي يؤذي المؤمنين، ذكر حال المسرّ المبطن الذي يظهر الحق، ويضمر الباطل، وهو المنافق.
ثم ذكر مظاهر ثلاثة للنفاق في مواجهة الأقوام الثلاثة المؤذين: وهم المؤذون
стр. 6549
الله، والمؤذون الرسول ﷺ ، والمؤذون المؤمنين، وهذه المظاهر: هي المنافق الذي يؤذي الله سرا، والذي في قلبه مرض الذي يؤذي المؤمن باتباع نسائه، والمرجف الذي يؤذي النبي ﷺ بالإرجاف، بقوله: غلب محمد ﷺ ، وسيخرج من المدينة وسيؤخذ أسيرا. وهذا كله من آثار النفاق العملي.
التفسير والبيان:
توعد الله المنافقين وحذرهم وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، فقال:
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ، وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ، لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ، ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي لئن لم يكف المنافقون عما هم عليه من النفاق، والذين في قلوبهم ضعف إيمان وشك وريبة في أمر الدين، وأهل الإرجاف في المدينة الذين يشيعون الأخبار الملفقة الكاذبة المتضمنة توهين جانب المسلمين، وإظهار تفوق المشركين وغلبتهم عليهم، لنسلطنك عليهم ونأمرنك بقتالهم وإجلائهم عن المدينة، فلا يساكنونك فيها إلا زمنا قليلا.
وهذه الأوصاف الثلاثة: النفاق، ومرض القلب، والإرجاف هي لشيء واحد، فإن من لوازم النفاق مرض القلب بضعف الإيمان، والإرجاف بالفتنة وإشاعة أخبار السوء، والمنافقون متصفون بهذه الأوصاف الثلاثة كلها.
وكل وصف من هذه الأوصاف خطر على المجتمع الإسلامي، سواء إبطان الكفر، أو الفسوق والعصيان وتتبع النساء للاطلاع على عوراتهن والإساءة لهن بالقول القبيح والفعل الشنيع، أو إشاعة الأكاذيب المغرضة التي تنشر القلق والخوف والاضطراب، وتضعف من معنويات الجماعة، مما يسهل هزيمتهم، وانتصار الأعداء عليهم.
ثم الله أبان تعالى جزاءهم في الدنيا والآخرة فقال:
стр. 6550
﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ أي إنهم في حال مدة إقامتهم في المدينة فترة زمنية قليلة مطرودون من رحمة الله منبوذون، وأينما وجدوا وأدركوا أخذوا لذلتهم وقلتهم، وقتّلوا شر تقتيل، فلن يجدوا أحدا يؤويهم، بل ينكل بهم ويؤسرون ويقتّلون تقتيلا شديدا يستأصلهم.
وهذا دليل على أخذهم أسرى، والأمر بقتلهم إذا ظلوا على النفاق، وقد كان ذلك في أواخر حياة الرسول ﷺ .
ثم أوضح الله تعالى أن هذا الجزاء عام في جميع المنافقين الغابرين واللاحقين فقال:
﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ أي إن هذا الحكم-وهو لعن المنافقين وأخذهم وتقتيلهم وتسليط المؤمنين عليهم وقهرهم- هو سنة الله وطريقته في المنافقين في كل زمان مضى، إذا بقوا على نفاقهم وكفرهم، ولم يرجعوا عما هم عليه، وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير، لقيامها على الحكمة والمصلحة وصلاح الأمة، بل هي ثابتة دائمة في أمثال هؤلاء على ممر التاريخ.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما هو آت:
١ - اتفق أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة: النفاق، ومرض القلب، والإرجاف لشيء واحد كما تقدم، أي إن المنافقين قد جمعوا هذه الأشياء (١).
والآية دليل على تحريم الإيذاء بالإرجاف وعلى أن تتبع عورات النساء نفاق.