فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على ما يأتي:
١ - الأمر بالتقنع والتستر عام يشمل جميع النساء، وذلك لا يكون إلا بما لا يصف جلدها، إلا إذا كانت مع زوجها، فلها أن تلبس ما شاءت؛ لأن له أن يستمتع بها كيف شاء.
ومن المأمورات بالستر: زوجات الرسول ﷺ وبناته. أما زوجاته فقال قتادة: مات رسول الله ﷺ عن تسع: خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وثلاث من سائر العرب: ميمونة، وزينب بنت جحش، وجويرية. وواحدة من بني هارون: صفية، وأما أولاده: فكان للنبي ﷺ أولاد ذكور وإناث.
وأولاده الذكور: القاسم والطاهر وعبد الله والطيب أبناء خديجة.
وبناته: فاطمة الزهراء بنت خديجة زوجة علي ﵄، وزينب بنت خديجة زوجة ابن خالتها أبي العاص، ورقيّة وأم كلثوم بنتا خديجة، زوجتا عثمان، كما تقدم سابقا.
ويلاحظ أن الدعوة لا تثمر إلا إذا بدأ الداعي بها في نفسه وأهله، لذا بدأ الأمر بالحجاب بنساء الرسول ﷺ وبناته.
٢ - صورة إرخاء الجلباب: تغطية المرأة جميع جسدها إلا عين واحدة تبصر بها، كما قال ابن عباس وعبيدة السّلماني. وقال قتادة، وابن عباس في رواية أخرى: أن تلويه فوق الجبين وتشدّه، ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها، لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. وقال الحسن البصري: تغطي نصف وجهها.
стр. 6547
٣ - الحكمة من أمر الحرائر بالتستر هي ألا يختلطن بالإماء، فإذا عرفن لم يقابلن بأدنى معارضة، مراعاة لرتبة الحرية، فتنقطع الأطماع عنهن.
٤ - وقوله: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ تأنيس للنساء في ترك الجلابيب قبل هذا الأمر المشروع.
٥ - في الطبقات الكبرى لابن سعد أن أحمد بن عيسى من فقهاء الشافعية استنبط من هذه الآية أن ما يفعله العلماء والسادات من تغيير لباسهم وعمائمهم أمر حسن؛ وإن لم يفعله السلف؛ لأن فيه تمييزا لهم، حتى يعرفوا، فيعمل بأقوالهم.
هذا وقد استدل بالآية على لزوم تغطية وجه المرأة؛ لأن العلماء والمفسرين كابن الجوزي والطبري وابن كثير وأبي حيان وأبي السعود والجصاص الرازي فسروا إدناء الجلباب بتغطية الوجوه والأبدان والشعور عن الأجانب، أو عند الخروج لحاجة.
تهديد المنافقين وجزاؤهم ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلاً (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (٦١) سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً (٦٢)﴾
الإعراب:
﴿مَلْعُونِينَ﴾ إما منصوب على الحال من واو ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾ وإما منصوب على الذم، أي أذمّ ملعونين.
стр. 6548
﴿سُنَّةَ اللهِ﴾ مصدر مؤكد.
البلاغة:
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ﴾ ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ المرجفون هم من المنافقين، ففيه ذكر الخاص بعد العام، زيادة في التقبيح والتشنيع عليهم.
﴿ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾ بينهما طباق.
﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ إتباع الفعل بالمصدر للتأكيد.
المفردات اللغوية:
﴿لَئِنْ﴾ اللام لام القسم ﴿لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ﴾ عن نفاقهم وهو إظهار الإسلام وإبطان الكفر ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ضعف إيمان وقلة ثبات عليه، أو فسوق وعصيان ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ هم اليهود وغيرهم المشيعون للأكاذيب والأباطيل الملفقون أخبار السوء ونشرها بين جنود المسلمين قائلين: قد أتاكم العدو، وسرايا المسلمين هزموا أو قتلوا أو غلبوا، ونحو ذلك من الأخبار المتضمنة توهين جانب المسلمين، من الإرجاف والرّجفان: الزلزلة والاضطراب الشديد.
﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ لنسلطنك عليهم ولنأمرنك بقتالهم وإجلائهم ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ﴾ يساكنونك، والعطف ب ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على أن الجلاء ومفارقة جوار رسول الله ﷺ أعظم ما يصيبهم ﴿مَلْعُونِينَ﴾ مبعدين عن الرحمة، أي لا يجاورونك إلا ملعونين ﴿ثُقِفُوا﴾ وجدوا ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ أي أن هذا الحكم فيهم مأمور به.
﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ أي سنّ الله ذلك في الأمم الماضية، وهو أن يقتل المنافقون الذين نافقوا الأنبياء وسعوا في وهنهم بالإرجاف ونحوه أينما ثقفوا، وخلوا: مضوا ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ أي لأنه لا يبدلها الله، أو لا يقدر أحد أن يبدلها.
المناسبة:
هذا هو الصنف الثالث من المؤذين، فبعد أن ذكر الله تعالى حال المشرك الذي يؤذي الله ورسوله، وأتبعه بذكر المجاهر الذي يؤذي المؤمنين، ذكر حال المسرّ المبطن الذي يظهر الحق، ويضمر الباطل، وهو المنافق.
ثم ذكر مظاهر ثلاثة للنفاق في مواجهة الأقوام الثلاثة المؤذين: وهم المؤذون
стр. 6549
الله، والمؤذون الرسول ﷺ ، والمؤذون المؤمنين، وهذه المظاهر: هي المنافق الذي يؤذي الله سرا، والذي في قلبه مرض الذي يؤذي المؤمن باتباع نسائه، والمرجف الذي يؤذي النبي ﷺ بالإرجاف، بقوله: غلب محمد ﷺ ، وسيخرج من المدينة وسيؤخذ أسيرا. وهذا كله من آثار النفاق العملي.
التفسير والبيان:
توعد الله المنافقين وحذرهم وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، فقال:
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ، وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ، لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ، ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي لئن لم يكف المنافقون عما هم عليه من النفاق، والذين في قلوبهم ضعف إيمان وشك وريبة في أمر الدين، وأهل الإرجاف في المدينة الذين يشيعون الأخبار الملفقة الكاذبة المتضمنة توهين جانب المسلمين، وإظهار تفوق المشركين وغلبتهم عليهم، لنسلطنك عليهم ونأمرنك بقتالهم وإجلائهم عن المدينة، فلا يساكنونك فيها إلا زمنا قليلا.
وهذه الأوصاف الثلاثة: النفاق، ومرض القلب، والإرجاف هي لشيء واحد، فإن من لوازم النفاق مرض القلب بضعف الإيمان، والإرجاف بالفتنة وإشاعة أخبار السوء، والمنافقون متصفون بهذه الأوصاف الثلاثة كلها.
وكل وصف من هذه الأوصاف خطر على المجتمع الإسلامي، سواء إبطان الكفر، أو الفسوق والعصيان وتتبع النساء للاطلاع على عوراتهن والإساءة لهن بالقول القبيح والفعل الشنيع، أو إشاعة الأكاذيب المغرضة التي تنشر القلق والخوف والاضطراب، وتضعف من معنويات الجماعة، مما يسهل هزيمتهم، وانتصار الأعداء عليهم.
ثم الله أبان تعالى جزاءهم في الدنيا والآخرة فقال:
стр. 6550
﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ أي إنهم في حال مدة إقامتهم في المدينة فترة زمنية قليلة مطرودون من رحمة الله منبوذون، وأينما وجدوا وأدركوا أخذوا لذلتهم وقلتهم، وقتّلوا شر تقتيل، فلن يجدوا أحدا يؤويهم، بل ينكل بهم ويؤسرون ويقتّلون تقتيلا شديدا يستأصلهم.
وهذا دليل على أخذهم أسرى، والأمر بقتلهم إذا ظلوا على النفاق، وقد كان ذلك في أواخر حياة الرسول ﷺ .
ثم أوضح الله تعالى أن هذا الجزاء عام في جميع المنافقين الغابرين واللاحقين فقال:
﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ أي إن هذا الحكم-وهو لعن المنافقين وأخذهم وتقتيلهم وتسليط المؤمنين عليهم وقهرهم- هو سنة الله وطريقته في المنافقين في كل زمان مضى، إذا بقوا على نفاقهم وكفرهم، ولم يرجعوا عما هم عليه، وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير، لقيامها على الحكمة والمصلحة وصلاح الأمة، بل هي ثابتة دائمة في أمثال هؤلاء على ممر التاريخ.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما هو آت:
١ - اتفق أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة: النفاق، ومرض القلب، والإرجاف لشيء واحد كما تقدم، أي إن المنافقين قد جمعوا هذه الأشياء (١).
والآية دليل على تحريم الإيذاء بالإرجاف وعلى أن تتبع عورات النساء نفاق.
стр. 6551
٢ - إن جزاء هؤلاء المنافقين إن أصروا على نفاقهم تسليط أهل الحق والإيمان عليهم، لاستئصالهم بالقتل، وطردهم من البلاد، فلا يساكنون النبي ﷺ والمؤمنين في المدينة إلا مدة يسيرة حتى يهلكوا، وطردهم من رحمة الله.
٣ - إن هذا العقاب هو ما سنه الله فيمن أرجف بالأنبياء، وأظهر نفاقه أن يؤخذ ويقتل، ولا تبديل ولا تغيير لسنة الله وحكمه، فلا يغيره هو سبحانه، ولا يستطيع أحد تغييره.
٤ - لكن يجوز تأخير تطبيق هذا العقاب، فليس هو على الفور، قال القرطبي: وفي الآية دليل على جواز ترك إنفاذ الوعيد، والدليل على ذلك بقاء المنافقين معه- ﷺ -حتى مات. والمعروف من أهل الفضل إتمام وعدهم وتأخير وعيدهم (١).
وقد تأخر بالفعل عقاب المنافقين إلى أواخر عهد النبي ﷺ ، فإنه لما نزلت سورة «براءة» جمعوا،
فقال النبي ﷺ : «يا فلان قم فاخرج، فإنك منافق، ويا فلان قم» فقام إخوانهم من المسلمين، وتولوا إخراجهم من المسجد.
توعد الكفار بقرب الساعة وبيان نوع جزائهم ﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦) وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَاِلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (٦٨)﴾
стр. 6552
البلاغة:
﴿يَقُولُونَ: يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ تحسر وتفجع من طريق التمني.
﴿سَعِيراً﴾ ﴿نَصِيراً﴾ ﴿كَبِيراً﴾ فيها ما يسمى بمراعاة الفواصل، لما فيها من وقع حسن.
المفردات اللغوية:
﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ﴾ أي يسألك أهل مكة المشركون عن وقت يوم القيامة وحصوله استهزاء، أو تعنتا، أو امتحانا ﴿قُلْ: إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ أي لم يطلع عليه ملكا ولا نبيا ﴿وَما يُدْرِيكَ، لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ أي وما يعلمك يا محمد؟ أي أنت لا تعلمها، فكيف بغيرك من الناس؟ وربما توجد الساعة في زمن قريب. وفيه تهديد للمستعجلين وإسكات للمتعنتين.
﴿لَعَنَ الْكافِرِينَ﴾ أبعدهم وطردهم عن رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً﴾ نارا شديدة الاتقاد والاستعار يدخلونها ﴿خالِدِينَ﴾ مقدرا خلودهم ﴿لا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يواليهم ويحفظهم عنها ﴿وَلا نَصِيراً﴾ ينصرهم ويدفع العذاب عنهم ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ﴾ تصرّف من جهة إلى جهة أخرى، كاللحم يشوى بالنار. ﴿يا لَيْتَنا﴾ ﴿يا﴾: للتنبيه ﴿وَقالُوا﴾ أي الأتباع منهم ﴿سادَتَنا﴾ أي ملوكنا وقادتنا الذين لقنوهم الكفر، وقرئ «ساداتنا» جمع الجمع، للدلالة على الكثرة ﴿وَكُبَراءَنا﴾ علماءنا ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ أي أضلونا طريق الهدى بما زينوا لنا من الكفر بالله ورسوله ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ﴾ مثلي ما أوتينا من العذاب؛ لأنهم ضلوا وأضلوا ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ أي عذبهم وأبعدهم بلعن هو أشد اللعن وأعظمه، وفوله ﴿كَبِيراً﴾ أي عدده، أي عظيما.
المناسبة:
بعد بيان حال الفئات الثلاث في الدنيا (المشركين الذين يؤذون الله ورسوله، والمجاهرين الذين يؤذون المؤمنين، والمنافقين الذين يظهرون الحق ويضمرون الباطل) وأنهم يلعنون ويهانون ويقتلون، ذكر حالهم في الآخرة، فتوعدهم بقرب يوم القيامة، وبين نوع عذابهم فيه.
стр. 6553
التفسير والبيان:
﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ، قُلْ: إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ أي يتساءل الناس بكثرة عن وقت قيام القيامة، فالمشركون يسألون عنها تهكما واستهزاء، والمنافقون يسألون عنها تعنتا، واليهود يسألون عنها امتحانا واختبارا، فيجيبهم النبي ﷺ بتعليم الله له: إن علمها محصور بالله تعالى، لم يطلع عليها ملكا ولا نبيا مرسلا، فهو وحده الذي يعلم وقت حدوثها.
وأكد نفي علمها عن أحد غيره فقال:
﴿وَما يُدْرِيكَ، لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ أي وما يعلمك بها، فإنها من المغيبات المختصة بالله تعالى، وربما توجد في وقت قريب، كما قال تعالى:
﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١/ ٥٤] وقال : ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١/ ١٦]
وقال النبي ﷺ فيما رواه البخاري:
«بعثت والساعة كهاتين» وأشار إلى السبابة والوسطى.
وفي هذا تهديد للمستعجلين، وتوبيخ للمتعنتين، كما تقدم. وكلمة ﴿قَرِيبٌ﴾ فعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف ٥٦/ ٧] لذا لم يقل: لعل الساعة تكون قريبة.
ثم ذكر الله تعالى نوع جزاء الكفار الذي ينتظرهم يوم القيامة، فقال:
﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ، وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً﴾ أي إن الله تعالى طرد الكافرين وأبعدهم عن رحمته، وهيأ لهم في الآخرة نارا شديدة الاستعار والاتقاد.
﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً، لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ أي إنهم في ذلك العذاب في نار جهنم مخلدون ماكثون فيه على الدوام، ولا أمل لهم في النجاة منه، فلا يجدون
стр. 6554
من يواليهم ويكون لهم مغيثا ومعينا ينقذهم مما هم فيه، ولا من ينصرهم ويخلصهم منه. والمقصود أنه لا شفيع لهم يدفع عنهم العذاب.
ثم ذكر وصف حال العذاب فقال:
﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ: يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ أي إنهم يسحبون في النار على وجوههم، وتلوى وجوههم على جهنم، ويتقلبون فيها من جهة إلى أخرى كاللحم يشوى في النار، وحينئذ يقولون ويتمنون: يا ليتنا لو كنا في الدار الدنيا ممن أطاعوا الله وأطاعوا الرسول ﷺ ، وآمنوا بما جاء به، لينجوا من العذاب كما نجا المؤمنون، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ [الفرقان ٢٧/ ٢٥] وقال أيضا مخبرا عنهم: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر ٢/ ١٥].
ثم اعتذروا بالتقليد، فقال الله تعالى واصفا ذلك:
﴿وَقالُوا: رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا، فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ أي وقال الكافرون حينئذ وهم في عذاب جهنم: يا ربنا إنا أطعنا في الشرك والكفر رؤساءنا وقادتنا وعلماءنا، وخالفنا الرسل، واعتقدنا أنهم محقون فيما يقولون، فأخطؤوا بنا سواء الطريق، وأضلونا عن طريق الهدى بما زينوا لنا من الكفر بالله ورسوله، وعدم الإقرار بالوحدانية، وإخلاص الطاعة لله تعالى.
ثم صوّر تعالى ما يغلي في نفوسهم من الحقد الذي أدى بهم إلى طلب التشفي من القادة والأمراء والأشراف فقال:
﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ أي يا ربنا عذّبهم مثل عذابنا مرتين: عذاب الكفر، وعذاب الإضلال والإغواء إيانا، وأبعدهم عن
стр. 6555
رحمتك بعدا عظيما كثيرا شديد الموقع، وهذا بمعنى
الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال: يا رسول الله، علّمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: «قل: اللهم، إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم» يروى «كبيرا» و «كثيرا» وهما بمعنى واحد، واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه، قال ابن كثير: وفي ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة، وهذا تارة، كما أن القارئ مخير بين القراءتين، أيتهما قرأ أحسن، وليس له الجمع بينهما (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - لما توعد الله المؤذين لرسول الله ﷺ بالعذاب، سألوا عن الساعة، استبعادا وتكذيبا، موهمين أنها لا تكون، فأجابهم الله بأن علمها عند الله، وليس في إخفائها عن رسوله ﷺ ما يبطل نبوته، فليس من شرط النبي أن يعلم الغيب بغير تعليم من الله .
٢ - إن وقت حصول الساعة (القيامة) في زمان قريب، وقد أخفي وقت الساعة ليكون العبد مستعدا لها. وهذا إشارة إلى التخويف.
٣ - إن الله عاقب الكافرين بالطرد والإبعاد من رحمته، وبإعداد نار جهنم المستعرة الشديدة الاتقاد، وهم فيها خالدون ماكثون على الدوام، ولا شفيع لهم ينجيهم من عذاب الله والخلود فيه، ويتقلبون في السعير ذات اليمين وذات الشمال كما يشوى اللحم في النار. وهذا يدل على أنهم ملعونون في الدنيا، وملعونون عند الله، وأن العذاب دائم مستمر لا أمل في الخروج منه.
стр. 6556
٤ - يتمنى الكافرون في أثناء العذاب في نار جهنم أن لو كانوا أطاعوا الله وأطاعوا رسوله، فآمنوا بالله وحده لا شريك له، وآمنوا برسوله ﷺ خاتم النبيين، وأدوا فروض الطاعة والولاء، وأخلصوا لله في أعمالهم.
٥ - إنهم يقولون أيضا على سبيل الأسف والاعتذار غير المفيد: إنا أطعنا القادة والأمراء والأشراف والعلماء بدل طاعة الله تعالى، فبدّلنا الخير بالشر، وأضلونا عن السبيل الصحيح وهو توحيد الله تعالى.
٦ - لا يجدون بدا من المطالبة على سبيل التشفي والانتقام بمضاعفة العذاب على أولئك المضللين: عذاب الكفر وعذاب الإضلال، أي عذبهم مثلي ما تعذّبنا؛ فإنهم ضلّوا وأضلوا.
بل إنهم يطلبون أيضا إبعادهم وطردهم من رحمة الله إبعادا كبيرا كثيرا؛ لأن ما كبر كان كثيرا عظيم المقدار. وهذا في كلا الطلبين يتضمن معنى جديدا، فإنهم طلبوا لهم ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب بقولهم: ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ وزيادة اللعن بقولهم: ﴿لَعْناً كَبِيراً﴾.
تحريم الإيذاء الذي لا يؤدي إلى الكفر والأمر بالتقوى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً (٦٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١)﴾
стр. 6557
البلاغة:
﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ تشبيه مرسل مجمل، ذكر فيه أداة الشبه، وحذف وجه التشبيه.
المفردات اللغوية:
﴿لا تَكُونُوا﴾ مع نبيكم محمد ﷺ ﴿كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ وهم اليهود، كقولهم: ما يمنعه أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، أو اتهامه بالفاحشة، كما روي أن قارون حرض امرأة على قذف موسى بنفسها، فعصمه الله وبرّأه مما قالوا ﴿فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا﴾ من كثير من التهم الباطلة، منها أنه وضع ثوبه على حجر ليغتسل، فطار الثوب مع الحجر، حتى استقر أمام ملأ من بني إسرائيل، فأدركه موسى، فأخذ ثوبه، فاستتر به، فرأوه ولا أدرة به وهي نفخة في الخصية. ﴿وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ ذا جاه وقدر وقربة ووجاهة عنده تعالى.
﴿اِتَّقُوا اللهَ﴾ في ارتكاب ما يكرهه، فضلا عما يؤذي رسوله ﷺ ﴿وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ قاصدا إلى الحق ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ يوفقكم للأعمال الصالحة أو يصلحها بالقبول والإثابة عليها ويتقبلها ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي يسترها ويكفّرها بالاستقامة في القول والعمل ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي في الأوامر والنواهي ﴿فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ نال غاية مطلوبة، بالعيش في الدنيا حميدا وفي الآخرة سعيدا.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أن من يؤذي الله ورسوله ﷺ يلعن ويعذب، مما يدل على أن إيذاءهما كفر، أرشد المؤمنين إلى ضرورة الامتناع من إيذاء لا يؤدي إلى الكفر، مثل عدم الرضا بقسمة النبي ﷺ الفيء بين أصحابه.
أما إيذاء موسى فمختلف فيه، قال بعضهم: هو إيذاؤهم إياه بنسبته إلى عيب في بدنه، أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال:
قال لموسى قومه: إنه آدر، فخرج ذات يوم ليغتسل، فوضع ثيابه على حجر، فخرجت الصخرة تشتد بثيابه، فخرج موسى يتبعها عريانا، حتى انتهت به إلى مجالس بني إسرائيل، فرأوه وليس بآدر.
стр. 6558
وقال بعضهم: إن قارون تآمر مع امرأة أن تقول عند بني إسرائيل: إن موسى زنى بي، فلما جمع قارون القوم، والمرأة حاضرة، ألقى الله في قلبها أنها صدقت، ولم تقل ما لقّنت.
قال الرازي: وبالجملة الإيذاء المذكور في القرآن كاف، وهو أنهم قالوا له:
﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة ٢٤/ ٥] وقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥/ ٢] وقولهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ [البقرة ٦١/ ٢] إلى غير ذلك، فقال للمؤمنين: لا تكونوا أمثالهم إذا طلبكم الرسول ﷺ إلى القتال، أي لا تقولوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة ٢٤/ ٥] ولا تسألوا ما لم يؤذن لكم فيه،
«وإذا أمركم الرسول بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (١).
التفسير والبيان:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا، وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ أي يا أيها المؤمنون بالله ورسوله، لا تؤذوا الرسول ﷺ بالقول أو العمل، مما يكرهه ولا يحبه، ولا تكونوا مثل الذين آذوا موسى، كتعييبه كذبا وزورا، أو تعجيزه برؤية الله جهرا، أو تركه يقاتل وحده، أو مطالبته بأنواع من الطعام، فبرأه الله مما قالوا من الكذب والزور، وكان ذا قدر وجاه ومنزلة عند ربه، قال الحسن البصري: كان مستجاب الدعوة عند الله، وقال غيره من السلف: لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه، ولكن منع الرؤية لما يشاء .
ومن مظاهر إيذاء النبي ﷺ :
ما رواه البخاري ومسلم وأحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «قسم رسول الله ﷺ ذات يوم قسما، فقال
стр. 6559
رجل من الأنصار: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، فاحمرّ وجهه، ثم قال:
رحمة الله على موسى، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر».
وروى أحمد عن ابن مسعود أيضا قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه:
«لا يبلّغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم، وأنا سليم الصدر».
وأما إيذاء موسى فالظاهر أنه كان بالطعن في تصرفاته، لا بتعييبه في بدنه، بدليل الحديث الأول عن ابن مسعود.
وبعد نهي المؤمنين عن إيذاء الرسول ﷺ بالقول أو بالفعل، أرشدهم إلى ما ينبغي أن يصدر عنهم من الأقوال والأفعال، أما الأفعال فالخير، وأما الأقوال فالحق؛ لأن من أتى بالخير وترك الشر فقد اتقى الله، ومن قال الصدق قالا قولا سديدا، فقال:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ، وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ أي يا أيها المؤمنون بالله ورسوله، اتقوا الله في كل الأمور باجتناب معاصيه، والتزام أوامره وعبادته عبادة من كأنه يراه، وقولوا القول الصواب والحق في كل أموركم، ويدخل فيه قول: لا إله إلا الله، والإصلاح بين الناس، كما يدخل فيه القول في شأن زيد وزينب، ولا تنسبوا النبي ﷺ إلى ما لا يحل.
ثم وعدهم على الأمرين: الخير في الأفعال والصدق في الأقوال بأمرين فقال:
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي وعدهم على فعل الخيرات بإصلاح الأعمال، أي بقبولها، وجعل صاحبها في الجنة خالدا فيها أبدا، وعلى القول السديد بمغفرة الذنوب الماضية، وأما ما قد يقع منهم في المستقبل فيلهمهم التوبة منها.
стр. 6560
ثم حرضهم على الطاعة، فقال:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ أي ومن يطع أوامر الله والرسول ويجتنب النواهي، فقد نجا من نار الجحيم، وصار إلى النعيم المقيم.
وبالرغم من أن طاعة الله هي طاعة الرسول ﷺ ، فإنه تعالى جمع بينهما لبيان أن المطيع اتخذ عند الله عهدا، وعند الرسول ﷺ يدا.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - لم تقتصر عناية القرآن وتحذيره على فئة من الناس دون فئة، فبعد أن ذكر الله تعالى المنافقين والكفار الذين آذوا رسول الله ﷺ والمؤمنين، حذّر المؤمنين من التعرّض للإيذاء، ونهاهم عن التشبه ببني إسرائيل في إيذائهم نبيهم موسى ﵇.
ومظاهر إيذاء محمد ﷺ وموسى ﵇ مختلف فيها، فقيل: إن أذيّتهم محمدا ﷺ قولهم: زيد بن محمد، أو أنه قسم قسما، فقال رجل من الأنصار: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله،
فغضب النبي ﷺ وقال: «رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر».
وأما أذية موسى ﵇، فقال ابن عباس وجماعة: هي اتهامه بالأدرة كما تقدم.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: آذوا موسى بأن قالوا: قتل هارون، مع أنه مات في جبل في سيناء بعد خروج موسى وهارون من التيه (قلب شبه جزيرة طور سينا). وقيل: إن أذية موسى ﵇ رميهم إياه بالسحر والجنون، وقيل بغير ذلك. قال القرطبي: والصحيح الأول، ويحتمل أن فعلوا كل ذلك، فبرّأه الله من جميع ذلك.
стр. 6561
وقد استدل بقصة اغتسال موسى ﵇ على جواز وضع ثوبه على الحجر، ودخوله في الماء عريانا في منطقة معزولة بعيدة عن الناس، وهو مذهب الجمهور، ومنعه ابن أبي ليلى، واحتج بحديث لم يصح.
٢ - كان موسى ﵇ عند الله وجيها، أي عظيم القدر، رفيع المنزلة، ويروى أنه كان إذا سأل الله شيئا أعطاه إياه.
٣ - أوجب الله تعالى الخير في الأفعال أو التقوى، والصدق في الأقوال وهو ما يقابل الأذى المنهي عنه بالنسبة للرسول ﷺ والمؤمنين.
٤ - وعد الله تعالى أنه يجازي على القول السديد، وتقوى الله بإصلاح الأعمال (أي قبولها وجعلها صالحة لا فاسدة بتوفيقهم إليها) وغفران الذنوب، وحسبك بذلك درجة ورفعة منزلة.
٥ - من يطع الله ورسوله ﷺ فيما أمر به ونهى عنه، فقد نجا من النار وفاز بالجنة، أو وصل إلى ثواب كثير وهو الثواب الدائم الأبدي.
أمانة التكاليف وأثرها في تصنيف المكلفين ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣)﴾
стр. 6562
الإعراب:
﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ نصب ﴿رَحِيماً﴾ إما على الحال من ضمير غفور وهو العامل فيه، وإما صفة لغفور، وإما خبرا بعد خبر.
البلاغة:
﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ﴾ استعارة تمثيلية، مثّل الأمانة بما فيها من ثقل وشدة متناهية بشيء لو عرض على السموات والأرض والجبال لأبت حمله وأشفقت منه.
﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ﴾ ﴿وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة.
وبين بدء السورة: ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ وبين ختمها: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ﴾ ما يسمى في علم البديع: «رد العجز على الصدر» فالبدء في ذم المنافقين، والختام لبيان سوء عاقبتهم.
المفردات اللغوية:
﴿عَرَضْنَا﴾ أي عرضها على هذه الأجرام خلافا لما في الطبيعة ﴿الْأَمانَةَ﴾ أي التكاليف الشرعية كالصلوات وغيرها مما في فعلها من الثواب، وتركها من العقاب، وسماها أمانة؛ لأنها واجبة الأداء ﴿عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها﴾ المعنى أن الأمانة لعظمة شأنها، بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام، وكانت ذات شعور وإدراك، لامتنعت من حملها، وأشفقت منه وخافت ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ﴾ آدم أبو البشر بعد عرضها عليه، مع ضعف بنيته ورخاوة قوته، فإن أدى حقوقها فاز بخير الدارين ﴿إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ أي إن الإنسان حينما التزم بحقوق الأمانة كان ظلوما لنفسه بما حمله، جهولا به، وهذا وصف لجنس الإنسان باعتبار الأغلب.
والمقصود بالآية تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾.
﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ﴾ اللام متعلقة بعرضنا المترتب عليه حمل آدم، فهي لام الصيرورة؛ لأنه لم يحملها لأن يعذب، لكنه حملها، فآل الأمر إلى أن يعذب من خان الأمانة وكذب الرسل ونقض الميثاق ممن نافق وأشرك، ويتوب على من آمن، الذين أدوا ما حملوه من الأمانات من العبادة وغيرها.
стр. 6563
وقال الزمخشري: اللام لام التعليل على طريق المجاز؛ لأن نتيجة حمل الأمانة العذاب، كما أن التأديب في قولك: «ضربته للتأديب» نتيجة الضرب. وقد جاراه القرطبي في ذلك.
﴿الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ﴾ المضيعين الأمانة. ﴿وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ المؤدين الأمانة. والوعد بالتوبة دليل على أن قوله: ﴿إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ موجه إلى حال جبلة الإنسان فهو ظلوم لنفسه جهول بربه.
﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ غفورا للمؤمنين رحيما بهم، حيث تاب على ما فرطوا من ذنوب، وأثاب على طاعاتهم.
المناسبة:
بعد بيان أن من أطاع الله ورسوله فاز فوزا عظيما، أبان الله تعالى الوسيلة التي تنال بها الطاعة وهي فعل التكاليف الشرعية، وأن تحصيلها شاقّ على النفوس يحتاج إلى مكابدة وجهاد، ثم ذكر أن ما يحدث من صدور الطاعة من المكلفين، وإباء القبول، والامتناع من الالتزام إنما هو باختيار الإنسان دون جبر ولا إكراه.
التفسير والبيان:
يبين الله تعالى خطورة التكاليف وثقلها، وأنها عظيمة ناءت بحملها السموات والأرض والجبال، فقال:
﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها، وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ، إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ أي إنا عرضنا التكاليف كلها من فرائض وطاعات على هذه الأجرام العظام، فلم تطقها وأبت تحمل مسئوليتها، وخافت من حملها، لو فرض أنها ذات شعور وإدراك، ولكن كلّف بها الإنسان، فتحملها مع ضعفه، وهو في ذلك ظلوم لنفسه، جهول لقدر ما تحمله.
قال ابن عباس: يعني بالأمانة الطاعة والفرائض، عرضها عليهم قبل أن
стр. 6564
يعرضها على آدم، فلم يطقنها، فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال، فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، فأخذها آدم فتحملها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾.
والمراد جنس الإنسان بحسب الأغلب.
فالأمانة تشمل الطاعات والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب، وبتضييعها العقاب، وتشمل أمانة الأموال كالودائع وغيرها مما لا بيّنة عليه، وغسل الجنابة أمانة، والفرج أمانة، والأذن أمانة، والعين أمانة، واللسان أمانة، والبطن أمانة، واليد أمانة، والرّجل أمانة.
وقد حملها الإنسان بسبب جهله بما فيها، وعلم هذه الأجرام، وهو مع ذلك يتأثر بالانفعالات النفسية وبالشهوات الذاتية، ولا يتدبر عواقب الأمور، وكانت هذه التكاليف وسيلة للحد من سلطان الشهوة، وتأثير النوازع، والقوى الداخلية في نفسه.
ثم بيّن الله تعالى نتائج تلك التكاليف بين المكلفين، فقال:
﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ، وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ، وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أي إن عاقبة حمل الإنسان لهذه الأمانة وهي التكاليف أن ينقسم الناس فريقين: فريق المنافقين والمنافقات (وهم الذين يظهرون الإيمان خوفا من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله) والمشركين والمشركات (وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله ومخالفة الرسل) الذين يعذبهم الله لخيانتهم الأمانة، وتكذيب الرسل، ونقض الميثاق، وفريق المؤمنين والمؤمنات (وهم الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، العاملين بطاعته)
стр. 6565
الذين يتوب الله عليهم إذا تابوا، وأدوا ما حملوه من الأمانات من العبادة وغيرها؛ لأن الله غفور لذنوبهم، كثير الرحمة بهم.
والآية دليل على أن الله أعلم الإنسان بأنه غفور رحيم، وبصره بنفسه فرآه ظلوما جهولا، ثم عرض عليه الأمانة، فقبلها مع ظلمه وجهله، لعلمه بما يجبرها من الغفران والرحمة. والمعنى أن هناك مرضا جبليا في الإنسان، وأن هناك علاجا ودواء لهذا المرض وهو سعة المغفرة وكثرة الرحمة الإلهية إذا تعرض الإنسان لهما في الجملة بالتوبة والإنابة والطاعة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - ختمت السورة المشتملة على الأحكام بأمر إجمالي هو وجوب التزام الأوامر الإلهية، والآداب الشرعية السامية، والمواعظ الرائعة.
٢ - الأمانة تشمل جميل تكاليف الشرع ووظائف الدين، على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور، ومنها الفرائض التي ائتمن الله عليها العباد، وليست التكاليف سهلة هينة، وإنما هي من عظائم الأمور التي ناءت بحملها السموات والأرض والجبال.
روى الحكيم الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى لآدم: يا آدم، إني عرضت الأمانة على السموات والأرض، فلم تطقها، فهل أنت حاملها بما فيها؟ فقال: وما فيها يا رب؟ قال: إن حملتها أجرت، وإن ضيّعتها عذّبت، فاحتملها بما فيها، فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين صلاة الأولى إلى العصر، حتى أخرجه الشيطان منها».
٣ - العرض على السموات والأرض والجبال إما مجاز، وإما حقيقة، وإما
стр. 6566
ضرب مثل، فقام قوم: المعنى: إنا عرضنا الأمانة وتضييعها على أهل السموات وأهل الأرض من الملائكة والإنس والجن، فأبين أن يحملن وزرها، مثل:
﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف ٨٢/ ١٢] أي أهلها. فهذا مجاز مرسل. وقال قوم: إن الآية من المجاز-بنحو آخر-أي إنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السموات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت. وهذا كما تقول:
عرضت الحمل على البعير فأباه، وأنت تريد قايست قوته بثقل الحمل، فرأيت أنها تقصر عنه.
وقال آخرون: الحسن وغيره: العرض حقيقة أي أنه عرض على السموات والأرض والجبال الأمانة وتضييعها وهي الثواب والعقاب، أي أظهر لهن ذلك، فلم يحملن وزرها، وأشفقت، وقالت: لا أبتغي ثوابا ولا عقابا، وكل يقول:
هذا أمر لا نطيقه، ونحن له سامعون ومطيعون فيما أمرن به وسخّرن له. ولكن قال العلماء: معلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب، فلا بد من تقدير الحياة، على القول الأخير. وهذا العرض عرض تخيير لا إلزام.
وقال القفّال وغيره: العرض في هذه الآية ضرب مثل، أي إن السموات والأرض والجبال على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب، أي إن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السموات والأرض والجبال، وقد كلّفه الإنسان، وهو ظلوم جهول لو عقل.
وهذا كقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر ٢١/ ٥٩] ثم قال:
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ (الآية نفسها) قال القفال: فإذا تقرر أنه تعالى يضرب الأمثال، وورد علينا من الخبر ما لا يخرج إلا على ضرب المثل، وجب حمله عليه.
وعلى أي حال، المقصود بالآية بيان عظمة التكاليف وثقلها وتنبيه الإنسان
стр. 6567
لخطورة التبعة (أو المسؤولية) عنها، فلا يفرط فيها، وهو بين خيارين: إما العصيان فالعذاب، وإما الطاعة فالثواب، والله غفور رحيم.
٤ - لقد تجشم الإنسان تحمل مسئولية الأمانة، والتزم القيام بحقها، وهو في ذلك ظلوم لنفسه أو للأمانة، جهول بقدر ما دخل فيه أو جهول بربه.
والإنسان: هو النوع كله، مراعاة لعموم الأمانة، فيشمل الكافر والمنافق، والعاصي، والمؤمن. وقيل: المراد بالإنسان: آدم الذي تحمّل الأمانة.
٥ - اللام في قوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ المتعلقة ب ﴿عَرَضْنَا﴾ أو ب ﴿حَمَلَهَا﴾ سواء قلنا: إنها لام الصيرورة أو لام التعليل، فإن النتيجة انقسام الناس إزاء التكاليف إلى قسمين: عصاة وطائعين، فقد حمل الإنسان الأمانة، ثم كانت حالته أمامها ليست واحدة، فهناك قوم التزموا القيام بحقها، فأثابهم الله الجنة، وهناك آخرون أهملوا القيام بحقها، فعذبهم الله بالنار.
وإذا تعلقت اللام ب ﴿عَرَضْنَا﴾ يكون المعنى على أن اللام للتعليل:
عرضنا الأمانة على الجميع، ثم قلدناها الإنسان، ليظهر شرك المشرك، ونفاق المنافق، ليعذبهم الله، وإيمان المؤمن ليثيبه الله. وإذا تعلقت ب ﴿حَمَلَهَا﴾ يكون المعنى على جعل اللام للتعليل: حملها ليعذّب العاصي، ويثيب المطيع، لأن العذاب نتيجة حمل الأمانة.
وإذا كانت اللام لام الصيرورة يكون المعنى: حملها الإنسان، فآل الأمر إلى أن يعذب من خان الأمانة، ويتوب على من أداها حقها.
стр. 6568
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة سبأ
مكيّة، وهي أربع وخمسون آية.
تسميتها:
سميت سورة سبأ للتذكير فيها بقصة سبأ، وهم ملوك اليمن، في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ: جَنَّتانِ.﴾. [١٥ - ١٦] فقد أنعم الله عليهم بالحدائق الغناء والأراضي الخصبة، فلما كفروا النعمة، أبادهم بسيل العرم.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة: الأول-أن هذه السورة افتتحت ببيان صفات الملك التام والقدرة الشاملة التي تناسب ختام السورة السابقة في تطبيق العذاب وتقديم الثواب: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ، وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ..﴾ ..
الثاني-كان آخر الأحزاب: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ومطلع سبأ في فاصلة الآية الثانية: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾.
الثالث-في سورة الأحزاب سأل الكفار عن الساعة استهزاء، وفي هذه السورة حكى القرآن عنهم إنكارها صراحة.
مشتملاتها:
تضمنت سورة سبأ المكية محور ما تدور عليه بقية السور المكية في إثبات
стр. 6569
العقيدة: من توحيد الله، والنبوة، والبعث.
فابتدأت بحمد الله تعالى والثناء عليه؛ لأنه خالق السموات والأرض، ومرسل الملائكة رسلا بمهام عديدة إلى البشر.
ثم أعقب ذلك الحديث عن إنكار المشركين البعث بعد الموت، وإثباته بالقسم العظيم بالله تعالى من النبي محمد ﷺ على وقوع المعاد: ﴿قُلْ: بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. وذكرت اتهامهم الباطل للنبي ﷺ بأنه مفتر أو مجنون، ثم أكدت ثبوت قدرة الله تعالى بخسف الأرض وإسقاط السماء.
وتلاها تعداد النعم التي أنعم الله بها على داود وسليمان، وأهل سبأ كتسخير الطير والجبال للتسبيح مع داود، وتسخير الريح لسليمان ﵉، وجعل الحدائق والثمار الطيبة لملوك اليمن أهل سبأ.
ثم تحدثت السورة عن أدلة وجود الله ووحدانيته، وتفنيد مزاعم المشركين في عبادة الأوثان، وإظهار صورة من الجدل العنيف بين الأتباع الكفرة والمتبوعين المخذولين يوم القيامة، وإلقاء كل من الفريقين التبعة على الآخر.
وأبانت عموم الرسالة الإسلامية-المحمدية لجميع الناس، وهددت بالحساب العسير والجزاء الأليم يوم القيامة، وأن المترفين في كل زمان هم أعداء الرسل لاغترارهم بأموالهم وأولادهم، وأن الله راض عنهم فلا يعذبهم، وأن الله سيسأل الملائكة يوم الحشر، هل طلبوا من المشركين عبادتهم؟.
تم حكت السورة إنكار المشركين للقرآن وأنه في زعمهم مفترى ليس بوحي، ووعظتهم بما عوقب به من قبلهم، وطالبتهم بالتأمل والتفكر في أن محمدا ﷺ ليس بمفتر ولا مجنون، وإنما هو نذير بين يدي عذاب شديد، وأنه لا يطلب أجرا على دعوته، بل أجره على ربه.
стр. 6570
وختمت السورة بدعوة المشركين إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، قبل أن يأتي يوم القيامة، فيطلبون العودة إلى دار الدنيا للإيمان بالقرآن وبالرسول محمد ﷺ ، والإتيان بصالح الأعمال، ولكن يحال بينهم وبين ما يشتهون، لفوات الأوان.
صفات الملك والقدرة والعلم لله تعالى ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾
الإعراب:
﴿الَّذِي لَهُ..﴾. إما في موضع جر على النعت أو البدل، أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أو في موضع نصب بمعنى أعني.
﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من اسم الله، ويحتمل أن يكون مستأنفا لا موضع له من الإعراب.
البلاغة:
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ تعريف الطرفين لإفادة الحصر، أي لا يستحق الحمد الكامل إلا الله.
﴿يَلِجُ﴾ ﴿يَخْرُجُ﴾ ﴿يَنْزِلُ﴾ ﴿يَعْرُجُ﴾ بين كل منهما طباق.
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ صيغة فعيل وفعول للمبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ ﴿الْحَمْدُ﴾ هو الثناء على الله بما هو أهله، أو الثناء على الله بجميل صفاته
стр. 6571
وأفعاله ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ ملكا وخلقا ونعمة. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ لله الحمد في الدنيا لكمال قدرته وتمام نعمته، وله أيضا حمد عباده في الدار الآخرة إذا دخلوا الجنة، للسبب السابق ذاته ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في فعله وهو الذي أحكم أمر الدارين ودبره بمقتضى الحكمة ﴿الْخَبِيرُ﴾ بخلقه في الدارين، وهو الذي يعلم بواطن الأمور.
﴿يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ يدخل فيها كالماء ينفذ في موضع وينبع في آخر، وكالكنوز والدفائن والأموات ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ كالزروع والنباتات والحيوان والفلزات وماء العيون ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ من الأمطار والثلوج والبرد والصواعق والأرزاق والملائكة والكتب والمقادير ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ يصعد فيها من أعمال العباد وغيرها من الملائكة والأبخرة والأدخنة ﴿الرَّحِيمُ﴾ بعباده ﴿الْغَفُورُ﴾ لذنوبهم.
التفسير والبيان:
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي إن الحمد المطلق الكامل لله مالك السموات والأرض وما فيهما، والمتصرف بشؤونهما، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وحمده على النعم التي أنعم بها على خلقه، والمعنى: إن المستحق للحمد والثناء والشكر هو الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ملكا وخلقا وتصرفا بما يشاء، فهو صاحب القدرة الكاملة، والنعمة التامة.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي لله الحمد في الآخرة كالحمد في الدنيا؛ لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، كما قال في آية أخرى: ﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ، وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٧٠/ ٢٨]. وقال تعالى في حكاية حمد أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ، وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر ٧٤/ ٣٩]. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ، إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ. الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٤/ ٣٥ - ٣٥].
وإذا كان هو المحمود على طول المدى، فهو المعبود أبدا.
стр. 6572
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ أي والله هو الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، يدبر شؤون خلقه على مقتضى الحكمة، والخبير ببواطن الأمور، الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شيء. قال مالك: خبير بخلقه حكيم بأمره.
﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ أي يعلم ما يدخل في الأرض كالغيث الذي ينفذ في موضع وينبع في آخر، وكالكنوز والدفائن والأموات، ويعلم ما يخرج من الأرض، كالحيوان والنبات والماء والفلزّات.
﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ أي ما ينزل من السماء كالملائكة والكتب والأرزاق والأمطار والصواعق، وما يعرج فيها كالملائكة وأعمال العباد والغازات والأدخنة ووسائل النقل الجوي والطيور.
﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ أي والله هو الرحيم بعباده، فلا يعاجل عصيانهم بالعقوبة، الغفور لذنوب التائبين إليه المتوكلين عليه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - الله تعالى هو المستحق لجميع المحامد والحمد: الشكر على النعمة، ويكون الثناء على الله بما هو أهله، فالحمد الكامل والثناء الشامل كله لله؛ إذ النعم كلها منه، وهو مالك السموات والأرض وخالقهما والمتصرف فيهما بالإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة.
٢ - الله تعالى هو المحمود في الدنيا والآخرة؛ لأنه المالك للأولى والثانية، وهو الحكيم في فعله، الخبير بأمر خلقه.
٣ - الله عالم بكل شيء من الظواهر والخوافي، يعلم ما يدخل في الأرض من قطر وغيره من الكنوز والدفائن والأموات، ويعلم ما يخرج منها من نبات
стр. 6573
وغيره، ويعلم ما ينزل من السماء من الأمطار والثلوج والبرد والصواعق والأرزاق والمقادير والبركات، وما يعرج فيها من الملائكة وأعمال العباد، وهو الرحيم بعباده الغفور لذنوب التائبين منهم.
وهذا ويلاحظ كما ذكر الرازي أن السور المفتتحة بالحمد خمس سور، سورتان منها في النصف الأول: وهما الأنعام والكهف، وسورتان في الأخير: وهما هذه السورة وسورة فاطر (سورة الملائكة)، والفاتحة التي تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير، والحكمة فيها أن نعم الله منحصرة في قسمين: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء، ففي سورة الأنعام إشارة إلى الشكر على نعمة الإيجاد: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [١] وفي سورة الكهف إشارة إلى الشكر على نعمة الإبقاء: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً، قَيِّماً﴾ [١ - ٢] فإن بالشرائع البقاء. ثم في هذه السورة ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني في قوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ وفي سورة فاطر إشارة إلى نعمة الإبقاء الثاني وهو في يوم القيامة؛ لأن الملائكة لا تكون رسلا إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلّمين، كما قال تعالى: ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء ١٠٣/ ٢١]. وفي فاتحة الكتاب إشارة إلى النعمة العاجلة بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [١] وإلى النعمة الآجلة بقوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [٤] لذا قرئت في الافتتاح والاختتام.
إنكار الكفار الساعة وموقف الناس من آيات الله وجزاؤهم ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾
стр. 6574
الإعراب:
﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ﴾ ﴿عالِمِ﴾ بالجر: نعت لقوله تعالى: ﴿وَرَبِّي﴾ أو بدل منه، ويقرأ بالرفع على أنه مبتدأ، وخبره: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف تقديره:
هو عالم الغيب. ﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ.﴾. مرفوعان بالابتداء.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ.﴾. اللام تتعلق بقوله: ﴿لا يَعْزُبُ﴾. و ﴿أَلِيمٌ﴾ بالجر والرفع صفة لرجز أو عذاب.
﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ إما معطوف على ﴿لِيَجْزِيَ﴾ أو مستأنف.
﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ مفعول ثان ل ﴿يَرَى﴾ وهو: ضمير فصل، ومن قرأ بالرفع جعل ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، و ﴿الْحَقَّ﴾ خبره، والجملة ثاني مفعولي ﴿يَرَى﴾.
البلاغة:
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ و ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة، فالمغفرة والرزق الكريم جزاء المحسنين، والعذاب والرجز الأليم جزاء المجرمين.
المفردات اللغوية:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لا تَأْتِينَا السّاعَةُ﴾ القيامة والبعث، وهذا منهم إنكار لمجيئها، أو استبطاء استهزاء بالوعد به ﴿قُلْ: بَلى﴾ رد لكلامهم وإثبات لما نفوه (١) ﴿وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ﴾
стр. 6575
تكرار لإثباته، مؤكدا بالقسم، مقررا وصف المقسم به بصفات تثبت إمكانه، وتنفي استبعاده ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ لا يغيب عنه ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ وزن أو مقدار أصغر نملة ﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ﴾ المثقال ﴿وَلا أَكْبَرُ﴾ منه ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أي إلا وهو مثبت في كتاب بيّن واضح وهو اللوح المحفوظ.
وقوله: ﴿وَلا أَصْغَرُ﴾ إلخ جملة مؤكدة لنفي العزوب.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. علة لقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وبيان لما يقتضي إتيانها، أي إن إتيان الساعة فائدته جزاء المؤمنين بالثواب والكافرين بالعقاب ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم، أي محوها من قبل الله تعالى بسبب غلبة إيمانهم وأعمالهم الصالحة على ذنوبهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ حسن لا تعب فيه ولا منّة عليه، وهو ما يقيض لهم من ملاذ الأطعمة وغيرها في الجنة بسبب إيمانهم وعملهم الصالح تفضلا من الله تعالى عليهم.
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا﴾ بإبطال آياتنا المنزلة على الرسل، وتزهيد الناس فيها ﴿مُعاجِزِينَ﴾ مسابقين لنا يظنون أنهم يفوتوننا فلا نقدر عليهم، لاعتقادهم ألا بعث ولا عقاب، وقرئ: معجّزين، أي مثبّطين عن الإيمان بآيات القرآن من أراده ﴿رِجْزٍ﴾ سيء العذاب أو عذاب شديد ﴿أَلِيمٌ﴾ مؤلم.
﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي ويعلم أولو العلم من الصحابة ومشايعوهم من الأمة، أو من مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ القرآن ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ الثابت الصحيح وغيره باطل ﴿وَيَهْدِي إِلى صِراطِ﴾ أي يوصل إلى طريق الله ودين الله وهو التوحيد والتقوى ﴿الْعَزِيزِ﴾ ذي العزة الذي يغلب ولا يغلب ﴿الْحَمِيدِ﴾ المحمود في جميع شؤونه.
стр. 6576
المناسبة:
بعد بيان أن لله الحمد في الدنيا والآخرة، أبان الله تعالى أن الكفار ينكرون حدوث القيامة أشد الإنكار، أو يستعجلون بها استهزاء بوعد النبي ﷺ بها، ثم أوضح تعالى أن الناس من آيات القرآن فريقان: فريق المنكرين الجاحدين المعاندين الساعين في إبطالها، وجزاؤهم العذاب الأليم، وفريق العالمين المؤمنين بأنها الحق الصراح الأكيد الذي يهدي إلى الصراط المستقيم.
التفسير والبيان:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لا تَأْتِينَا السّاعَةُ﴾ أي وقال الكافرون بالرسالات السماوية إنكارا منهم أو استعجالا على سبيل الاستهزاء بالوعد: لن يكون هناك قيامة ولا بعث ولا حساب. وهم بذلك جاحدون الأخبار الواردة من ربهم بحدوث الساعة، والتي تضمنتها كتبه وما فيها من الحجج والبينات.
فرد الله عليهم مؤكدا بطلان اعتقادهم:
﴿قُلْ: بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أي قل لهم أيها النبي: بلى والله إنها لآتية لا ريب فيها. ويلاحظ في ذلك إثبات وجودها ونفي مزاعمهم، مؤكدا ذلك بالقسم بالله وبالتأكيد في الفعل باللام ونون التوكيد.
وهذه الآية-كما ذكر ابن كثير-إحدى آيات ثلاث أمر الله تعالى فيها رسوله أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد، للرد على المنكرين من أهل الشرك والنفاق والعناد، فإحداهن في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ؟ قُلْ: إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ، وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [٥٣] والثانية هذه:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ، قُلْ: بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ والثالثة في سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا، قُلْ: بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ، ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ، وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [٧].
стр. 6577
ثم وصف الله تعالى نفسه بصفة العلم الشامل الدال على إمكان البعث، فقال:
﴿عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أي إن الله تعالى القادر على البعث لا يغيب عنه ولا يستتر عليه شيء من الموجودات ولو كان بقدر أصغر نملة، ولا أصغر من المثقال ولا أكبر منه إلا وهو محفوظ ومثبت في كتاب بيّن وهو اللوح المحفوظ. فالعلم بالغيبيات موجود، فاقتضى إمكان البعث.
ثم بيّن الله تعالى حكمته في إعادة الأجساد وقيام الساعة بقوله:
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي إن يبعثهم من قبورهم في البر والبحر وأي مكان يوم القيامة ليثيب المؤمنين بالله ورسله واليوم الآخر، الذين عملوا صالح الأعمال وهو ما أمروا به، واجتنبوا ما نهوا عنه، وأولئك لهم مغفرة أي محو لذنوبهم، ونعيم في الجنة لا تعب ولا منة فيه، والمقصود أن إثابة المؤمنين حق وعدل.
هذا هو فريق المؤمنين، والفريق الثاني:
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ، أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ أي إن الكفار المعاندين الذين حاولوا إبطال آيات القرآن وأدلة إثبات البعث، ظانين أنهم يفوتوننا فلا نقدر عليهم، لهم عذاب شديد في نار جهنم هو أسوأ العذاب وأشده، وهو مؤلم شديد الألم. وهذا التعذيب أيضا حق وعدل، حتى لا يتساوى المسيء مع المحسن، كما قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ [سورة ص ٢٨/ ٣٨] وقال سبحانه: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ، أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر ٢٠/ ٥٩].
стр. 6578
والخلاصة: أن الغاية من القيامة هي أن ينعم السعداء من المؤمنين بالجنة، ويعذب الأشقياء من الكافرين بالنار.
ثم أورد الله تعالى حكمة أخرى معطوفة على ما قبلها فقال:
﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ، وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أي إن المؤمنين بما أنزل على الرسل من المسلمين وأهل الكتاب، مثل عبد الله بن سلام وكعب وأصحابهما وغيرهم إذا شاهدوا قيام الساعة، ومجازاة الأبرار والفجار، وتحققوا مما علموه من كتب الله تعالى في الدنيا، رأوه حينئذ عين اليقين وتيقنوا أن القرآن حق، ويقولون يومئذ: إن الذي جاءت به رسل الله لحق ثابت صدق لا شك فيه، وأن القرآن يرشد من اتبعه إلى طريق الله ذي العزة الذي لا يغلب ولا يمانع، وهو القاهر كل شيء، وهو المحمود في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره ولا يليق به صفة العجز.
والصحيح أن ﴿وَيَرَى﴾ مرفوع على الاستئناف.
ونظير الآية: ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢/ ٣٦] ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ، فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم ٥٦/ ٣٠].
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - أنكر الكفار من أهل مكة وغيرهم مجيء البعث والقيامة، قال أبو سفيان لكفار مكة: واللاّت والعزّى لا تأتينا الساعة أبدا ولا نبعث، وهذا يعني أنهم مقرون بابتداء الله الخلق منكرون الإعادة، وهو نقض لما اعترفوا بالقدرة على البعث، وقالوا: وإن قدر لا يفعل.
٢ - أكد الله تعالى حدوث الساعة بقسم محمد ﷺ بربه العظيم لتأتينهم،
стр. 6579
وأخبر على ألسنة الرسل ﵈ أنه يبعث الخلق، وإذا ورد الخبر بشيء، وهو ممكن في الفعل مقدور، فتكذيب من وجب صدقه محال.
٣ - الله عالم بأصغر شيء وأكبره في السموات والأرض، فهو العالم بما خلق، ولا يخفى عليه شيء، فوجد المقتضي لوجود البعث وهو إقامة العدل بين الناس، وارتفع المانع من حصوله.
٤ - إن الحكمة من البعث والقيامة والحساب هي إثابة المؤمنين الذين عملوا الصالحات، وعقاب الكافرين المكذبين بوحدانية الله وبالرسل والملائكة والكتب الإلهية واليوم الآخر.
٥ - إن الكفار الذين سعوا في إبطال أدلة الوحدانية والبعث والنبوة، والتكذيب بآيات الله مسابقين يحسبون أنهم يفوتون ربهم، وأن الله لا يقدر على بعثهم في الآخرة، وظنوا أنه يهملهم، هؤلاء لهم عذاب مؤلم هو أسوأ العذاب وأشده.
٦ - وفي مقابل موقف أولئك الكفار الذين سعوا في إبطال النبوة، وجد آخرون هم الذين أوتوا العلم من أصحاب محمد ﷺ ومن مؤمني أهل الكتاب يرون أن القرآن حق وإن لم تأتهم الساعة، والرؤية بمعنى العلم، وأن القرآن يهدي إلى طريق الإسلام الذي هو دين الله.
стр. 6580
استبعاد الكفار قيام الساعة واستهزاؤهم بالرسول ﷺ
والاستدلال على البعث ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾
الإعراب:
﴿إِذا مُزِّقْتُمْ﴾ العامل في ﴿إِذا﴾ فعل دلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وتقديره: إذا مزّقتم كلّ ممزّق بعثتم. وتقديم الظرف للدلالة على البعد.
البلاغة:
﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ﴾ الاستفهام للسخرية والاستهزاء، ومرادهم الاستهزاء بالرسول ﷺ ، ولم يذكروا اسمه تجهيلا له.
المفردات اللغوية:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: قال بعض الكفار لبعض على جهة التعجيب ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ﴾ يعنون محمدا ﷺ . ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يخبركم أنكم ﴿إِذا مُزِّقْتُمْ﴾ قطّعتم قطعا صغيرة. ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي كل تمزيق، أي تقطيع. ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي إنكم تنشؤون وتخلقون خلقا جديدا بعد التمزيق والتفريق بحيث تصير ترابا. قالوا ذلك استهزاء.
﴿أَفْتَرى﴾ الهمزة للاستفهام، واستغني بها عن همزة الوصل، والافتراء: اختلاق الكذب.
стр. 6581
﴿جِنَّةٌ﴾ جنون وزوال عقل يوهمه ذلك ويجعله يتخيل البعث. ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ المشتملة على البعث والعذاب فيها ﴿فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ عن الحق والصواب في الدنيا، والعذاب في الآخرة. والمقصود الردّ من الله عليهم لإثبات ما هو أفظع من القسمين وهو الضلال والعذاب.
﴿أَفَلَمْ يَرَوْا﴾ ينظروا. ﴿إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ ما فوقهم وما تحتهم. ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ نغيبهم فيها. ﴿كِسَفاً﴾ قطعا جمع كسفة. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المرئي. ﴿لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ المنيب: الراجع إلى ربه المطيع له، والمعنى: إن فيما رأوا لدلالة على قدرة الله على البعث وما يشاء.
المناسبة:
بعد الإخبار عن إنكار الكفرة الساعة، والرّد عليهم، وبيان جزائهم وجزاء المؤمنين بها، ذكر الله تعالى مقال الكافرين في شأن الساعة على سبيل التعجب والتهكم والاستهزاء، ووصفهم لمحمد ﷺ بأنه مفتر أو مجنون، ثم أقام الدليل على البعث بقدرته على خلق السموات والأرض، ثم هددهم بالعذاب الشديد، لعلهم يرجعون عن كفرهم.
التفسير والبيان:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ، إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي قال بعض الكفار لبعض على سبيل التعجب والاستهزاء والتهكم: هل ندلكم على شخص اسمه محمد يخبركم بنبإ غريب وهو أنكم إذا بليتم وصرتم ترابا وصارت أجسادكم في الأرض متفرقة موزعة قطعا قطعا، تعودون بعدئذ أحياء كما كنتم مرة أخرى.
ونظير الآية: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً، وَنَسِيَ خَلْقَهُ، قالَ: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨/ ٣٦].
стр. 6582
﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي إن حاله لا يخلو من أحد أمرين:
إما أن يكون قد تعمّد الافتراء على الله كذبا أنه قد أوحى إليه ذلك، أي أنه كاذب فيما قاله، أو أن به جنونا جعله لا يعقل ما يقول، ويتوهم البعث ويتخيله.
فردّ الله عليهم بإثبات ما هو أخطر وأشنع من الأمرين فقال:
﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ أي ليس الأمر كما زعموا، ولا كما ذهبوا إليه، بل إن محمدا ﷺ هو الصادق الرشيد الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء المنكرون للآخرة، الذين كفروا، فصاروا بسبب ذلك في العذاب الدائم في الآخرة، وهم اليوم في الدنيا في الضلال البعيد عن الحق غاية البعد.
ثم نبههم تعالى على قدرته في خلق السموات والأرض، فهو القادر على البعث، فقال:
﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ، أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ﴾ أي وبخهم لعدم التفكر والتدبر في خلق السماء والأرض، فقال لهم: أفلم ينظروا خلفهم وأمامهم إلى العجائب الدالة على قدرة الله تعالى ووحدانيته، فإنهم يرون السماء ناطقة بوجود القادر، والأرض كذلك تنطق بمثل ما تشير به السماء من الدلالة، فلو نظروا إليهما لعلموا أن خالقهما قادر على تعجيل العذاب لهم، فإن نرد نخسف بهم الأرض، كما خسفنا بقارون، أو نسقط عليهم قطعا من السماء، كما أسقطنا على أصحاب الأيكة.
والمراد: لو شئنا لفعلنا بهم ذلك بظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر العقاب عنهم لحلمنا وعفونا.
стр. 6583
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أي إن في النظر إلى خلق السموات والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجّاع إلى الله، على قدرة الله تعالى على بعث الأجساد ووقوع المعاد؛ لأن من قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرض في انخفاضها وطولها وعرضها، قادر على إعادة الأجسام كما كانت، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧/ ٤٠]، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ؟ بَلى﴾ [يس ٨١/ ٣٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - لم يكتف المشركون بإعلان إنكارهم البعث والقيامة، وإنما تغالوا في ذلك فأخذوا يقولون قولا يقصد به الطعن بمحمد ﷺ والتعجب منه والهزء والسخرية من إخباره بالبعث، وجعلوا ذلك أداة ضحك وتلهي، واستغربوا أن الناس إذا فرقوا كل تفريق في أجزاء التراب، كيف يمكن إعادة الحياة لهم؟! ٢ - وقال المشركون: إن محمدا في إخباره بالبعث لا يخلو إما أن يكون كاذبا مفتريا على الله، وإما أنه مجنون.
٣ - ردّ الله عليهم ردّا يثبت عليهم ما هو أشنع من التهمتين السابقتين: وهو أنهم بسبب إنكارهم البعث واقعون في الآخرة في العذاب الشديد، واليوم في الضلال البعيد عن الصواب، حين صاروا إلى تعجيز الإله، ونسبة الافتراء إلى من أيّده الله بالمعجزات.
٤ - ثم أقام الله تعالى عليهم الدليل على صحة البعث، فأعلمهم أن الذي قدر على خلق السموات والأرض وما فيهن قادر على البعث، وعلى تعجيل العقوبة لهم، ومنها الخسف والكسف، كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.
стр. 6584
٥ - وإن في هذا المذكور من قدرة الله الباهرة لدلالة ظاهرة لكل عبد تائب رجّاع إلى الله بقلبه على قدرة الله تعالى على البعث ووقوع المعاد. وخصّ المنيب بالذكر؛ لأنه المنتفع بالتفكر في حجج الله وآياته.
نعم الله على داود ﵇ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاِعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾
الإعراب:
﴿وَالطَّيْرَ﴾ إما منصوب بالعطف على موضع المنادي وهو النصب في قوله: ﴿يا جِبالُ﴾ أو على أنه مفعول معه، أي مع الطير، أو بفعل مقدر، أي وسخرنا له الطير، ودلّ عليه قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً﴾. ويقرأ بالرفع ﴿وَالطَّيْرَ﴾ عطفا على لفظ ﴿يا جِبالُ﴾ أو عطفا على الضمير المرفوع في ﴿أَوِّبِي﴾ وحسن ذلك لوجود الفصل ب ﴿مَعَهُ﴾ والفصل يقوم مقام التوكيد. والقراءة بالنصب أقوى في القياس من الرفع.
﴿أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ ﴿أَنِ﴾: إما مفسرة بمعنى (أي) أو في موضع نصب بتقدير حذف حرف جر، وتقديره: لأن أعمل. و ﴿سابِغاتٍ﴾: أي دروعا سابغات، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه.
البلاغة:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً﴾ تنكير ﴿فَضْلاً﴾ للتفخيم، أي فضلا عظيما. وتقديم داود على المفعول اهتمام بالمقدم وتشويق إلى المؤخر.
المفردات اللغوية:
﴿فَضْلاً﴾ هو النبوة والملك والجنود وكتاب الزبور والصوت الحسن. ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ رجّعي وردّدي معه التسبيح، والتأويب: التسبيح. ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ جعلناه في يده كالعجين
стр. 6585
أو الشمع يصرّفه من غير نار ولا طرق. ﴿أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أي وقلنا له اعمل دروعا كوامل تامة، وهو أول من اتخذها. ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي اجعل النسج متناسبا في الحلق على قدر الحاجة غير مختلفة. و ﴿قَدِّرْ﴾: اقتصد، و ﴿السَّرْدِ﴾: النسج، يقال لصانع الدروع: سرّاد وزرّاد. ﴿وَاعْمَلُوا صالِحاً﴾ يعود الضمير لداود وأهله أي آل داود. ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ مطلع على كل أعمالكم، فأجازيكم عليها.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى من ينيب من عباده، ذكر نماذج ممن أنابوا إلى ربّهم ومنهم داود ﵇، وبيّن ما آتاه الله على إنابته، من النبوة والملك والجنود والزبور والصوت الحسن، فكانت الجبال والطيور إذا سبّح تسبّح معه، وعلّمه تعالى صناعة الدروع الحربية للوقاية من الضربات في الحروب.
التفسير والبيان:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ يخبر تعالى عما أنعم به على رسوله داود ﵇ مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك العظيم المتمكن والجنود، ومنحه من الصوت الرخيم القوي المؤثر، الذي كان إذا سبّح سبّحت معه الجبال الراسيات، والطيور السارحات: الغاديات الرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات.
والمعنى: لقد أعطينا داود فضلا عظيما ونعما جليلة، فقلنا للجبال والطير:
رددي معه التسبيح إذا سبّح.
جاء في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ سمع صوت أبي موسى الأشعري ﵁، يقرأ من الليل فوقف، فاستمع لقراءته، ثم قال ﷺ : «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود».