← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

﴿جِنَّةٌ﴾ جنون وزوال عقل يوهمه ذلك ويجعله يتخيل البعث. ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ المشتملة على البعث والعذاب فيها ﴿فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ عن الحق والصواب في الدنيا، والعذاب في الآخرة. والمقصود الردّ من الله عليهم لإثبات ما هو أفظع من القسمين وهو الضلال والعذاب. ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا﴾ ينظروا. ﴿إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ ما فوقهم وما تحتهم. ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ نغيبهم فيها. ﴿كِسَفاً﴾ قطعا جمع كسفة. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المرئي. ﴿لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ المنيب: الراجع إلى ربه المطيع له، والمعنى: إن فيما رأوا لدلالة على قدرة الله على البعث وما يشاء. المناسبة: بعد الإخبار عن إنكار الكفرة الساعة، والرّد عليهم، وبيان جزائهم وجزاء المؤمنين بها، ذكر الله تعالى مقال الكافرين في شأن الساعة على سبيل التعجب والتهكم والاستهزاء، ووصفهم لمحمد ﷺ بأنه مفتر أو مجنون، ثم أقام الدليل على البعث بقدرته على خلق السموات والأرض، ثم هددهم بالعذاب الشديد، لعلهم يرجعون عن كفرهم. التفسير والبيان: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ، إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي قال بعض الكفار لبعض على سبيل التعجب والاستهزاء والتهكم: هل ندلكم على شخص اسمه محمد يخبركم بنبإ غريب وهو أنكم إذا بليتم وصرتم ترابا وصارت أجسادكم في الأرض متفرقة موزعة قطعا قطعا، تعودون بعدئذ أحياء كما كنتم مرة أخرى. ونظير الآية: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً، وَنَسِيَ خَلْقَهُ، قالَ: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨/ ٣٦].

стр. 6582

﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي إن حاله لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قد تعمّد الافتراء على الله كذبا أنه قد أوحى إليه ذلك، أي أنه كاذب فيما قاله، أو أن به جنونا جعله لا يعقل ما يقول، ويتوهم البعث ويتخيله. فردّ الله عليهم بإثبات ما هو أخطر وأشنع من الأمرين فقال: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ أي ليس الأمر كما زعموا، ولا كما ذهبوا إليه، بل إن محمدا ﷺ هو الصادق الرشيد الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء المنكرون للآخرة، الذين كفروا، فصاروا بسبب ذلك في العذاب الدائم في الآخرة، وهم اليوم في الدنيا في الضلال البعيد عن الحق غاية البعد. ثم نبههم تعالى على قدرته في خلق السموات والأرض، فهو القادر على البعث، فقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ، أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ﴾ أي وبخهم لعدم التفكر والتدبر في خلق السماء والأرض، فقال لهم: أفلم ينظروا خلفهم وأمامهم إلى العجائب الدالة على قدرة الله تعالى ووحدانيته، فإنهم يرون السماء ناطقة بوجود القادر، والأرض كذلك تنطق بمثل ما تشير به السماء من الدلالة، فلو نظروا إليهما لعلموا أن خالقهما قادر على تعجيل العذاب لهم، فإن نرد نخسف بهم الأرض، كما خسفنا بقارون، أو نسقط عليهم قطعا من السماء، كما أسقطنا على أصحاب الأيكة. والمراد: لو شئنا لفعلنا بهم ذلك بظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر العقاب عنهم لحلمنا وعفونا.

стр. 6583

﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أي إن في النظر إلى خلق السموات والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجّاع إلى الله، على قدرة الله تعالى على بعث الأجساد ووقوع المعاد؛ لأن من قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرض في انخفاضها وطولها وعرضها، قادر على إعادة الأجسام كما كانت، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧/ ٤٠]، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ؟ بَلى﴾ [يس ٨١/ ٣٦]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: ١ - لم يكتف المشركون بإعلان إنكارهم البعث والقيامة، وإنما تغالوا في ذلك فأخذوا يقولون قولا يقصد به الطعن بمحمد ﷺ والتعجب منه والهزء والسخرية من إخباره بالبعث، وجعلوا ذلك أداة ضحك وتلهي، واستغربوا أن الناس إذا فرقوا كل تفريق في أجزاء التراب، كيف يمكن إعادة الحياة لهم؟! ٢ - وقال المشركون: إن محمدا في إخباره بالبعث لا يخلو إما أن يكون كاذبا مفتريا على الله، وإما أنه مجنون. ٣ - ردّ الله عليهم ردّا يثبت عليهم ما هو أشنع من التهمتين السابقتين: وهو أنهم بسبب إنكارهم البعث واقعون في الآخرة في العذاب الشديد، واليوم في الضلال البعيد عن الصواب، حين صاروا إلى تعجيز الإله، ونسبة الافتراء إلى من أيّده الله بالمعجزات. ٤ - ثم أقام الله تعالى عليهم الدليل على صحة البعث، فأعلمهم أن الذي قدر على خلق السموات والأرض وما فيهن قادر على البعث، وعلى تعجيل العقوبة لهم، ومنها الخسف والكسف، كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.

стр. 6584

٥ - وإن في هذا المذكور من قدرة الله الباهرة لدلالة ظاهرة لكل عبد تائب رجّاع إلى الله بقلبه على قدرة الله تعالى على البعث ووقوع المعاد. وخصّ المنيب بالذكر؛ لأنه المنتفع بالتفكر في حجج الله وآياته. نعم الله على داود ﵇ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاِعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾ الإعراب: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ إما منصوب بالعطف على موضع المنادي وهو النصب في قوله: ﴿يا جِبالُ﴾ أو على أنه مفعول معه، أي مع الطير، أو بفعل مقدر، أي وسخرنا له الطير، ودلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً﴾. ويقرأ بالرفع ﴿وَالطَّيْرَ﴾ عطفا على لفظ ﴿يا جِبالُ﴾ أو عطفا على الضمير المرفوع في ﴿أَوِّبِي﴾ وحسن ذلك لوجود الفصل ب ﴿مَعَهُ﴾ والفصل يقوم مقام التوكيد. والقراءة بالنصب أقوى في القياس من الرفع. ﴿أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ ﴿أَنِ﴾: إما مفسرة بمعنى (أي) أو في موضع نصب بتقدير حذف حرف جر، وتقديره: لأن أعمل. و ﴿سابِغاتٍ﴾: أي دروعا سابغات، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه. البلاغة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً﴾ تنكير ﴿فَضْلاً﴾ للتفخيم، أي فضلا عظيما. وتقديم داود على المفعول اهتمام بالمقدم وتشويق إلى المؤخر. المفردات اللغوية: ﴿فَضْلاً﴾ هو النبوة والملك والجنود وكتاب الزبور والصوت الحسن. ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ رجّعي وردّدي معه التسبيح، والتأويب: التسبيح. ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ جعلناه في يده كالعجين

стр. 6585

أو الشمع يصرّفه من غير نار ولا طرق. ﴿أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أي وقلنا له اعمل دروعا كوامل تامة، وهو أول من اتخذها. ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي اجعل النسج متناسبا في الحلق على قدر الحاجة غير مختلفة. و ﴿قَدِّرْ﴾: اقتصد، و ﴿السَّرْدِ﴾: النسج، يقال لصانع الدروع: سرّاد وزرّاد. ﴿وَاعْمَلُوا صالِحاً﴾ يعود الضمير لداود وأهله أي آل داود. ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ مطلع على كل أعمالكم، فأجازيكم عليها. المناسبة: لما ذكر الله تعالى من ينيب من عباده، ذكر نماذج ممن أنابوا إلى ربّهم ومنهم داود ﵇، وبيّن ما آتاه الله على إنابته، من النبوة والملك والجنود والزبور والصوت الحسن، فكانت الجبال والطيور إذا سبّح تسبّح معه، وعلّمه تعالى صناعة الدروع الحربية للوقاية من الضربات في الحروب. التفسير والبيان: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ يخبر تعالى عما أنعم به على رسوله داود ﵇ مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك العظيم المتمكن والجنود، ومنحه من الصوت الرخيم القوي المؤثر، الذي كان إذا سبّح سبّحت معه الجبال الراسيات، والطيور السارحات: الغاديات الرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات. والمعنى: لقد أعطينا داود فضلا عظيما ونعما جليلة، فقلنا للجبال والطير: رددي معه التسبيح إذا سبّح. جاء في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ سمع صوت أبي موسى الأشعري ﵁، يقرأ من الليل فوقف، فاستمع لقراءته، ثم قال ﷺ : «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود».

стр. 6586

﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي جعلنا الحديد في يده لينا يصنع به ما يشاء، من غير حاجة إلى نار ولا مطرقة، بل كان يفتله في يده مثل الخيوط، ليعمل به الدروع الكاملات الواسعات التي تقي من ويلات الحروب، وعلمه كيفية نسج الدروع بحيث تكون متناسبة الحلق، وعلى قدر الحاجة، فلا هي صغيرة ضيقة لا تحقق الهدف، ولا كبيرة ثقيلة على لابسها، فيعجز عن لبسها. ولا شك أن إلانة الحديد من غير نار ولا طرق معجزة لنبي الله داود، لا تنطبق على غيره. وكان داود ﵇ أول من صنع الدروع، قال قتادة ﵀: «كانت الدروع قبله صفائح ثقالا» فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع بين الخفة والحصانة، أي قدّر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه، أي لا تقصد الحصانة فتثقل، ولا الخفة فتزيل المنعة. ﴿وَاعْمَلُوا صالِحاً، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي اعملوا يا آل داود عملا صالحا فيما أعطاكم الله تعالى من النعم؛ فإني مراقب لكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى عليّ شيء منها. وقوله: ﴿إِنِّي بِما.﴾. تعليل للأمر. وهذا تحريض على إصلاح العمل لشكر النعمة، والعمل الصالح يقوّم النفوس، ويصقل الروح، ويحصنها من المزالق والانحرافات. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - لقد منح الله تعالى عبده المنيب ورسوله داود ﵇ فضلا عظيما، فضّله به على سائر الأنبياء من قبله، من الجمع بين النبوة والملك والزبور والعلم والجنود وتسبيح الجبال والطيور مع تسبيحه، قال تعالى: ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ [ص ١٨/ ٣٨].

стр. 6587

قال أبو ميسرة في تفسير التأويب: هو التسبيح بلغة الحبشة، ومعنى تسبيح الجبال: هو أن الله تعالى خلق فيها تسبيحا كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبّح، معجزة لداود ﵇. وقيل: المعنى: سيري معه حيث شاء؛ من التأويب الذي هو سير النهار أجمع، والنزول ليلا. وقيل: المعنى تصرفي معه على ما يتصرف فيه داود بالنهار، فكان إذا قرأ الزبور صوّتت الجبال معه، وأصغت إليه الطير. ٢ - ومن فضائل الله على داود ومعجزاته: إلانة الحديد بيده، حيث يصير كالعجين أو الشمع من غير نار ولا مطرقة. قال القرطبي: في هذه الآية دليل على مشروعية تعلم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرّف بها لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم؛ إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان. وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «إن خير ما أكل المرء من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده». ٣ - علّم الله تعالى داود ﵇ صناعة الدروع السابغات، أي الكوامل التامات الواسعات، المحكمة الحلق المتناسبة فيما بينها، ليست بالصغيرة فلا تحقق الغرض منها وهو الدفاع، ولا بالكبيرة التي تثقل كاهل لابسها. ٤ - لم يستثن الله نبيا ولا رسولا من إلزامه بالعمل الصالح، لذا أعقب بيان نعمه وأفضاله على داود بأمره مع أهله بصالح العمل وهو فعل الأوامر وترك النواهي، كما قال تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤]. وعلل الترغيب بالعمل الصالح بأنه تعالى بصير بأعمال عباده وأقوالهم، لا يغيب عنه شيء، فيجازيهم عليها.

стр. 6588

نعم الله على سليمان ﵇ ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣) فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ الإعراب: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ ﴿الرِّيحَ﴾: منصوب بفعل مقدر، تقديره: وسخرنا لسليمان الريح، ويقرأ بالرفع على أنه مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور خبر مقدم، أو مرفوع بالجار والمجرور على مذهب الأخفش. ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ معطوف عليه، أي غدوها مسيرة شهر، ورواحها مسيرة شهر، وإنما وجب هذا التقدير؛ لأن الغدو والرواح ليس بالشهر، وإنما يكونان فيه. ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ﴾ ﴿مِنَ﴾: إما منصوب بتقدير فعل، تقديره: وسخّرنا من الجن من يعمل بين يديه، وإما مرفوع بالابتداء، والجار والمجرور خبره، أو مرفوع بالجار والمجرور على مذهب الأخفش. ﴿وَمَنْ يَزِغْ﴾ ﴿مِنَ﴾: شرطية في موضع رفع بالابتداء، و ﴿نُذِقْهُ﴾: الجواب، وهو خبر المبتدأ. ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ ﴿شُكْراً﴾: منصوب؛ لأنه مفعول لأجله، ولا يكون منصوبا ب ﴿اِعْمَلُوا﴾ لأن «شكروا» أفصح من: «اعملوا شكرا».

стр. 6589

﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ يقرأ بالهمز على الأصل، ومن لم يهمزه أبدل من الهمزة ألفا. ﴿أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ﴿أَنْ﴾: إما بالرفع على البدل من ﴿الْجِنُّ﴾ وهو بدل اشتمال، مثل: أعجبني زيد عقله، وإما بالنصب على تقدير حذف حرف جر، وهي اللام. البلاغة: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ أي غدوها مسيرة شهر، ورواحها مسيرة شهر. ﴿وَجِفانٍ كَالْجَوابِ﴾ تشبيه مرسل مجمل، لذكر أداة الشبه، وحذف وجه الشبه. المفردات اللغوية: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ فيه تقدير، أي وسخرنا لسليمان الريح. ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ﴾ أي جريها بالغداة مسيرة شهر، والغداة: من الصباح إلى الزوال. ﴿وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ أي وجريها بالعشي مسيرة شهر، والعشي: من الزوال إلى الغروب. ﴿وَأَسَلْنا﴾ أذبنا. ﴿الْقِطْرِ﴾ النحاس المذاب. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ بأمر ربه. ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا﴾ أي ومن يعدل منهم عن طاعة سليمان بأمرنا له بطاعته. ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أي من عذاب النار في الآخرة، أو الحريق في الدنيا. ﴿مَحارِيبَ﴾ هي الأبنية العالية والقصور الرفيعة الحصينة، سميت بذلك لأنه يحارب عليها، وقيل: المراد بالمحاريب هنا: المساجد. ﴿وَتَماثِيلَ﴾ جمع تمثال، وهو كل شيء مجسّم صوّرته بصورة الحيوان من نحاس أو زجاج أو رخام أو غير ذلك. قيل: إن التصوير كان مباحا في شرع سليمان، ثم نسخ ذلك في شرع نبينا محمد ﷺ . ﴿وَجِفانٍ﴾ جمع جفنة، أي صحاف تشبه في العظم حياض الإبل، يجتمع على القصعة الواحدة جمع كبير كألف، يأكلون منها. ﴿كَالْجَوابِ﴾ كالحياض الكبار، جمع جابية. ﴿وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ أي ثابتات، ولها قوائم لا تتحرك عن أماكنها، تتخذ من الجبال باليمن، يصعد إليها بالسلالم. ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ أي وقلنا لهم: اعملوا يا آل داود بطاعة الله، شكرا له على ما آتاكم. ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ العامل بطاعة الله، المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه في أكثر أوقاته، ومع ذلك لا يوفي حقه؛ لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكرا آخر إلى ما لا نهاية. ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ أي حكمنا على سليمان، بأن مات ومكث قائما متكئا على عصاه، وبقي الجن يعملون تلك الأعمال الشاقة على عادتها، لا تشعر بموته، حتى أكلت الأرضة عصاه، فخرّ ميتا. ﴿ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ أي ما دلّ الجن على موته إلا الأرضة: وهي التي تأكل

стр. 6590

الأخشاب ونحوها، مأخوذة من أرضيت الخشبة: أكلتها الأرضة، ويقال: أرضيت الأرضة الخشبة أرضا. ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ عصاه؛ لأنها ينسأ بها، أي يطرد ويزجر بها. ﴿فَلَمّا خَرَّ﴾ سقط ميتا. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ انكشف لهم. ﴿أَنْ لَوْ كانُوا﴾ ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، أي أنهم. ﴿يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ كما زعموا، لعلموا بموته. ﴿ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ ما أقاموا في الأعمال الشاقة التي كلّفوا بها، لظنهم حياته. قيل: وقد أرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت يوما وليلة مقدارا، فحسبوا ذلك، فوجدوه قد مات منذ سنة، وكان عمره ثلاثا وخمسين سنة، وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأ عمارة بيت المقدس لأربع مضين من ملكه. وقال كما ذكر الماوردي بعد الانتهاء من بناء المسجد الأقصى: «اللهم إني أسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال: لا يدخله مذنب دخل للتوبة إلا غفرت له وتبت عليه، ولا خائف إلا أمّنته، ولا سقيم إلا شفيته، ولا فقير إلا أغنيته، والخامس: ألا تصرف نظرك عمن دخله حتى يخرج منه إلا من أراد إلحادا أو ظلما، يا ربّ العالمين». المناسبة: بعد بيان ما أنعم الله به على داود ﵇ من النبوة والملك، ذكر تعالى ما أنعم به على سليمان من تسخير الريح له، حيث كانت تجري من الغداة إلى منتصف النهار مسيرة شهر، ومن منتصف النهار إلى الليل مسيرة شهر، وإذابة النحاس كإذابة الحديد لأبيه داود، وتسخير الجن لبناء القصور الشامخة وصناعة الجفان الكبيرة كالأحواض، والقدور الثابتة التي لا تتحرك لسعتها وكبرها. وهذه الأشياء الثلاثة تقابل الثلاثة في حقّ داود وهي تسخير الجبال الذي هو من جنس تسخير الريح لسليمان، وتسخير الطير الذي هو من جنس تسخير الجن لسليمان، وإلانة الحديد كإلانة النحاس لسليمان. التفسير والبيان: ذكر الله تعالى في هذه الآيات نعما ثلاثا كبري أنعم بها على سليمان ﵇ وهي: ١ - تسخير الريح: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ، غُدُوُّها شَهْرٌ، وَرَواحُها شَهْرٌ﴾

стр. 6591

أي وسخّرنا لسليمان الريح التي كانت تحمل بساطا له غدوها (أي سيرها وقت الغداة من أول النهار إلى منتصف النهار) مسيرة شهر، ورواحها (جريانها وقت الرواح من منتصف النهار إلى الغروب) مسيرة شهر. قال الحسن البصري: كان يغدو على بساطه من دمشق، فينزل بإصطخر يتغدى بها، ويذهب رائحا من إصطخر فيبيت بكابل (في أفغانستان) وبين دمشق وإصطخر شهر كامل للمسرع، وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع. ٢ - إذابة النحاس: ﴿وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ أي وأذبنا له عين النحاس كما ألنا الحديد لداود، فكان يصنع منه ما يشاء دون نار ولا مطرقة. وسمي عينا، لأنه سال من معدنه سيلان الماء من الينبوع. ٣ - تسخير الجن: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أي وسخرنا له من الجن من يعمل لديه من المحاريب وغيرها، بأمر ربّه وقدرته وتيسيره وتسخيره إياهم لسليمان، ومن يعدل ويخرج منهم عن طاعة سليمان نذقه عذابا أليما من الحريق في الدنيا، أو من عذاب النار في الآخرة. ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ، وَجِفانٍ كَالْجَوابِ، وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ أي يعمل الجن لسليمان ما يريد من الأبنية الرفيعة والقصور العالية والمساجد والصور المجسمة المصنوعة من النحاس أو الزجاج أو الرخام ونحوها، والصحاف أو القصاع الكبيرة التي تكفي لعدد كبير من الناس وتشبه حياض الإبل، والقدور الثابتات في أماكنها، لا تتحرك ولا تتحول عن مواضعها لعظمها وثقلها. ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً، وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أي وقلنا: اعملوا يا آل داود بطاعة الله، شكرا له على ما آتاكم من النعم في الدين والدنيا، وقليل

стр. 6592

من عبادي من يشكرني، فيستعمل جميع جوارحه فيما خلقت له من المنافع المباحة. والشكور: هو الذي يشكر في جميع أحواله من الخير والضرّ. كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص ٢٤/ ٣٨] وهذا إخبار عن الواقع. ورد في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنّ أحبّ الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وأحبّ الصيام إلى الله تعالى صيام داود، كان يصوم يوما، ويفطر يوما، ولا يفرّ إذا لاقى». وأخرج مسلم في صحيحة عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تفطّر قدماه، فقلت له: أتصنع هذا، وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبدا شكورا». وأخرج الترمذي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ صعد المنبر، فتلا هذه الآية، ثم قال: «ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود، فقلنا: ما هنّ؟ فقال: العدل في الرّضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السّرّ والعلانية». ومع هذه النعم وعظمة سليمان ﵇ ذكر تعالى كيفية موته وتعميته على الجن المسخرين له في الأعمال الشاقة، فقال: ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ، ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ، فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ أي فلما حكمنا على سليمان بالموت وألزمناه إياه، مات، وهو قائم متكئ على عصاه، ولم تعلم الجن بموته، وبقوا يعملون خوفا منه، ولم يدلّهم على موته إلا الأرضة التي أكلت عصاه من الداخل، فلما سقط بعد ما وقعت عصاه، ظهر للجن أنهم

стр. 6593

لا يعلمون الغيب كما زعموا، ولو صحّ ما يزعمونه من أنهم يعلمون الغيب، لعلموا بموته وهو أمامهم، ولم يلبثوا بعد موته مدة طويلة في العمل الشاق الذي سخرهم فيه، ظانين أنه حيّ. أما المدة التي مكث فيها سليمان متكئا على عصاه فلم يرد خبر صحيح في شأنها، ونترك الأمر في تقديرها لله ، وربما يستأنس بالحديث المرفوع الذي رواه إبراهيم بن طهمان عن ابن عباس وفيه: «أن سليمان نحت عصا الخرنوبة، فتوكأ عليها حولا لا يعلمون، فسقطت، فعلم الإنس أن الجنّ لا يعلمون الغيب، فنظروا مقدار ذلك، فوجدوه سنة» (١). قال الرازي: وقوله: ﴿ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ دليل على أن المؤمنين من الجن لم يكونوا في التسخير؛ لأن المؤمن لا يكون في زمان النبي في العذاب المهين (٢). فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - امتنّ الله تعالى على سليمان ﵇ بما أنعم عليه من النعم الجليلة أهمها ثلاث: تسخير الريح، وإذابة النحاس، وتسخير الجنّ للعمل بأمره. أما تسخير الريح فكانت تحمل بساطه تنقله من مكان إلى آخر، فتقطع مسافة في نصف يوم تقدر بمسيرة شهر للمسافر العادي، وهذا معنى: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ﴾. ٢ - والنعمة الثانية هي إذابة النحاس في يده.

стр. 6594

قال القرطبي: والظاهر أنه جعل النحاس لسليمان في معدنه عينا تسيل كعيون المياه، دلالة على نبوته (١). ٣ - والنعمة الثالثة هي تسخير الجنّ له شغلة عملة لمختلف الحرف والصناعات الثقيلة، من المساجد والقصور الشامخة، والقصاع الكبيرة كحياض الإبل وقدور النحاس الثوابت التي لا تحرك لعظمها. والتماثيل: وهي كل ما صوّر على مثل صورة من حيوان أو غيره. ذكر أنها صور الأنبياء والعلماء، وكانت تصور في المساجد ليراها الناس، فيزدادوا عبادة واجتهادا، قال ﷺ : «إن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصّور» أي ليتذكروا عبادتهم، فيجتهدوا في العبادة. والآية صريحة في أن نبي الله سليمان ﵇ كان يتخذ التماثيل. وهذا يدلّ على أن التصوير كان مباحا في ذلك الزمان، ونسخ جوازه بشرع محمد ﷺ . وعلة النسخ سد الذّرائع ومحاربة ما كانت العرب تفعله من عبادة الأوثان والأصنام، كما أن التعظيم لا يكون لغير الله تعالى. ذكر ابن العربي خمسة أحاديث في منع التصوير، منها ما رواه مسلم عن أبي طلحة عن النبي ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة» زاد زيد بن خالد الجهني: «إلا ما كان رقما في ثوب» ثم ثبتت كراهية الرّقم أيضا ونسخه المنع منه في أحاديث أخرى، فاستقرّ الأمر فيه على المنع كما ذكر القرطبي، ومنها: ما رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود وابن عباس: «أشدّ الناس عذابا يوم القيامة المصوّرون» ومنها ما رواه مسلم عن عائشة قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال رسول الله ﷺ : «حوّلي هذا، فإني كلما دخلت، فرأيته ذكرت الدنيا» وعنها

стр. 6595

قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا مستترة بقرام (١) فيه صورة، فتلوّن وجهه، ثم تناول السّتر فهتكه، ثم قال: «إنّ من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبّهون بخلق الله ». هذا ما يراه ابن العربي والقرطبي (٢) في أن المنع من التصوير عام، ثم استثنيت منه أشياء، مثل لعب البنات، بالحديث الذي رواه مسلم عن عائشة ﵂. واستبعد جماعة من العلماء هذا الاتجاه؛ لأن النسخ يشترط فيه العلم بالتاريخ، والأولى في الجمع بين الأحاديث: أن يقال: تحمل النصوص التي فيها الحظر بإطلاق على ما كان منها مجسدا لذي روح، بدليل حديث «أشدّ الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون خلق الله» ومن طريق آخر: «يقال لهم: أحيوا ما خلقتم» فيكون المنع متجها إلى صور الأجسام ذات الروح إذا كانت على حالة بحيث يمكن أن يقال: إن صاحبها يضاهي بها خلق الله، وذلك إذا كانت كاملة الخلق، بحيث لا ينقصها إلا نفخ الروح. وأما حديث الأمر بتحويل السّتر الذي فيه تمثال طائر، فلاستقبال المارة له، مما يشعر بتعظيمه، فإذا وضع للاستعمال فلا بأس. أما تصوير الجمادات، كالجبال والأنهار، والأشجار ونحوها، فليست مما يتناولها النص بإشارة: «يشبّهون خلق الله» وبإشارة «يقال لهم: أحيوا ما خلقتم». وكذلك كل ما وضع في حالة لا تشعر بالتعظيم كالاستعمال في الأرض لا يكون ممنوعا.

стр. 6596

هذا وقد ذكر ابن حجر في فتح الباري شرح البخاري آراء العلماء في اتخاذ الصور، نقلا عن ابن العربي، وهي أن اتخاذ الصور ذات الأجسام أو ذات الظل لكل ما فيه روح من إنسان أو حيوان حرام بالإجماع إلا لعب البنات. أما الرّقم على الثياب ففيه أربعة أقوال: الأول-يجوز مطلقا، عملا بحديث: «إلا رقما في ثوب». الثاني-المنع مطلقا. الثالث-إن كانت الصورة باقية الهيئة، قائمة الشكل، حرم، وإن كانت مقطوعة الرأس أو تفرقت الأجزاء، جاز، قال: وهذا هو الأصح. الرابع-إن كانت مما يمتهن جاز، وإلا لم يجز. وأجاز جمهور العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب اتخاذ الصور إذا كانت مما يوطأ ويداس أو يمتهن بالاستعمال كالمخاد والوسائد. أما التصوير الشمسي أو الفوتوغرافي فحكمه حكم الرقم في الثوب، وهذا مستثنى بالنّص، بل إن هذا في الحقيقة ليس تصويرا بالمعنى الذي جاءت به الأحاديث بل حبس للصورة أو الظل، فيكون مثل الصورة في المرآة أو الماء، وليس فيه محاكاة صنع الخالق أو تشبيه خلق الله تعالى. ٤ - أمر الله آل داود بشكره، وأخبر أن الشاكرين من عبادة قلة قليلة، مما يدل على وجوب شكر الله تعالى على ما أنعم على الإنسان، وحقيقة الشكر: الاعتراف بالنعمة للمنعم، واستعمالها في طاعته، والكفران استعمالها في المعصية. وظاهر القرآن والسّنّة: أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان، فالشكر بالأفعال عمل الأركان، والشكر بالأقوال عمل اللسان.

стр. 6597

٥ - ليس لأحد من الملائكة والجنّ والأنبياء والناس ادعاء العلم بالغيب، وإنما ذلك مختص بالله تعالى، كما قال: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن ٢٦/ ٧٢ - ٢٧]. وفي قصة موت سليمان متكئا على عصاه، دون أن تعلم الجن بموته، بدليل استمرارهم بما كلّفوا به من الأعمال الشاقة: مثل واقعي فذّ لجهلهم بالغيب، فإنه ظلّ مدة متكئا على عصاه، ثم سقط بسقوط العصا التي تآكلت بفعل الأرضة، وحينئذ علموا أنه ميّت. قصة سبأ وسيل العرم ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاُشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّاماً آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾

стр. 6598

الإعراب: ﴿لِسَبَإٍ﴾ من قرأ بالتنوين جعله منصرفا، وقال: هو اسم بلد أو حي، وليس فيه تأنيث، ومن لم ينونه، جعله غير منصرف للتعريف (العلمية) والتأنيث، وقال: هو اسم بلدة أو قبيلة. ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ من قرأ بالإفراد ففيه لغتان بفتح الكاف وكسرها، والفتح على القياس؛ لأن مضارعه «يسكن». والكسر على خلاف القياس، مثل: مطلع ومغرب ومسجد ومسقط ومنبت ومجزر. ومن قرأ بالجمع جعله جمع مسكن. ﴿جَنَّتانِ﴾ إما بدل من قوله ﴿آيَةٌ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف، أي هي جنتان، أو مبتدأ على تقدير: هنا جنتان، أو هناك جنتان. ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ خبر مبتدأ أي هذه بلدة طيبة، وكذلك: ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ أي وهذا رب غفور. ﴿لَيالِيَ وَأَيّاماً﴾ منصوبان على الظرف. والليالي جمع (ليلة) على خلاف القياس. وأيام جمع يوم. ﴿آمِنِينَ﴾ حال. ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ من قرأ بالتنوين جعل (الخمط) عطف بيان على (الأكل) ولا يجوز أن يكون صفة؛ لأنه اسم شجرة بعينها، ولا بدلا؛ لأنه ليس هو الأول ولا بعضه. ومن لم ينون أضاف (الأكل) إلى الخمط؛ لأن الأكل هو الثمرة، والخمط هو الشجرة، فأضاف الثمرة إلى الشجرة، مثل تمر نخل، وعنب كرم. ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا﴾ ﴿ذلِكَ﴾: في موضع نصب لأنه مفعول ثان ل ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ والمفعول الأول: الهاء والميم، وما: مصدرية أي بكفرهم. ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ من قرأ صدق بالتخفيف، كان ﴿ظَنَّهُ﴾ إما منصوب انتصاب الظرف، أي في ظنه، وإما منصوب انتصاب المفعول به على الاتساع، وإما منصوب على المصدر. ومن قرأ بالتخفيف ونصب إبليس ورفع ظنه، جعل الظن فاعلا وإبليس مفعولا. ومن قرأ بالتشديد نصب ﴿ظَنَّهُ﴾ لأنه مفعول ﴿صَدَّقَ﴾. البلاغة: ﴿يَمِينٍ وَشِمالٍ﴾ بينهما طباق. ﴿وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا﴾ بين الكلمتين الأخيرتين جناس اشتقاق.

стр. 6599

﴿صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعّال وفعول. ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ و ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ بينهما ما يسمى بمراعاة الفواصل، من أنواع الجمال في اللفظ. المفردات اللغوية: ﴿لِسَبَإٍ﴾ اسم قبيلة من قبائل العرب العاربة في بلاد اليمن، وتعد أصلا تفرع منها عدة فروع في جزيرة العرب. وقد سميت باسم جدّ لهم من العرب: هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ موضع السكنى وهو مأرب في بلاد اليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام. ﴿آيَةٌ﴾ علامة دالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته على إيجاد أمور عجيبة. ﴿جَنَّتانِ﴾ بستانان. ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ﴾ عن يمين واديهم وشماله. ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ أي قيل لهم ذلك، والرزق: ثمار الجنتين. ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما رزقكم من هذه النعم في أرض سبأ، واعملوا بطاعته، واجتنبوا معاصيه. ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ استئناف للدلالة على موجب الشكر، أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور. وكون البلد طيبة: أنه ليس فيها سباخ ولا بعوضة ولا ذبابة ولا برغوث ولا عقرب ولا حية؛ لطيب هوائها. ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ انصرفوا عن شكر هذه النعم وكفروا بالله. ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ أي دمّره الله، وفتق عليهم سد مأرب حتى انتقض، فدخل الماء بساتينهم فغرقها، ودفن السيل بيوتهم، فهذا هو سيل العرم. والعرم: جمع عرمة: وهي الحجارة المركومة والمباني القائمة، وسيل العرم: هو السيل الذي لا يطاق لقوته وشدّته. ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ مرّ، والأكل بمعنى المأكول: الثمر، والخمط: كل شجرة مرّة ذات شوك وليس له ثمر. ﴿وَأَثْلٍ﴾ هو الشجر المعروف الشبيه بالطرفاء، ولا ثمر له. ﴿سِدْرٍ﴾ شجر النبق له ثمر يؤكل. أهلك الله أشجارهم المثمرة، وأنبت بدلها الأراك والطرفاء والسدر، ووصف السدر بالقلة؛ لأن ثمره مما يطيب أكله. ﴿ذلِكَ﴾ التبديل. ﴿جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا﴾ أي بكفرانهم النعمة، أو بكفرهم بالرسل، إذ بعث إليهم ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم. ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ أي لا نجازي بمثل ما فعلنا بهم إلا البليغ في كفران النعم أو الكفر بالرسل. وقرئ: يجازي. ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾ سبأ باليمن. ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ بالماء والشجر وهي قرى الشام التي يسيرون إليها للتجارة. ﴿قُرىً ظاهِرَةً﴾ مرتفعة على الآكام، متواصلة من اليمن إلى الشام، وكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى حتى يرجعوا. ﴿وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ﴾ أي كانت القرى على مقادير للمسافر، بحيث يكون المقيل في قرية، والمبيت في أخرى، إلى انتهاء سفرهم ووصولهم إلى الشام، دون أن يحتاجوا في الطريق إلى حمل زاد وماء. ﴿سِيرُوا فِيها﴾ أي وقلنا:

стр. 6600

سيروا فيها. ﴿لَيالِيَ وَأَيّاماً﴾ متى شئتم من ليل أو نهار. ﴿آمِنِينَ﴾ لا تخافون في ليل ولا في نهار. ﴿فَقالُوا: رَبَّنا باعِدْ﴾ وفي قراءة: بعّد. ﴿بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ إلى الشام؛ فإنهم بطروا النعمة كبني إسرائيل، فسألوا الله أن يجعل بينهم وبين الشام مفاوز ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل وحمل الزاد. ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالكفر وبطر النعمة. ﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ﴾ لمن بعدهم في ذلك، جمع أحدوثة: وهي ما يتحدث به على سبيل التلهي والاستغراب، فإن الله أجابهم بتخريب القرى المتوسطة. ﴿وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ فرقناهم في البلاد غاية التفريق. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور. ﴿لَآياتٍ﴾ عبرا ودلالات واضحات. ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ كثير الصبر عن المعاصي وعلى الطاعات. ﴿شَكُورٍ﴾ كثير الشكر على النعم. ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أي صدق إبليس على الكفار ومنهم سبأ ظنه، والمعنى: ظن بهم أنه إذا أغواهم اتبعوه. ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ أي فصدق في ظنه، أو صدّق ظنه بأن وجده صادقا. ﴿إِلاّ فَرِيقاً﴾ بمعنى لكن. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لكن فريقا هم المؤمنون لم يتبعوه، و ﴿مِنَ﴾: للبيان. ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي لم يكن له على المتبعين تسلط واستيلاء بوسوسة واستغواء. ﴿إِلاّ لِنَعْلَمَ﴾ علم ظهور وانكشاف. ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ﴾ أي لنتعرف ونتميز المؤمن بالآخرة من الشاك. ﴿وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ محافظ رقيب. سبب النزول: أخرج ابن أبي حاتم أن فروة بن مسيك الغطفاني ﵁ قدم على رسول الله ﷺ ، فقال: يا نبي الله، إن سبأ قوم كان لهم في الجاهلية عز، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإسلام، أفأقاتلهم؟ فقال: ما أمرت فيهم بشيء بعد، فأنزلت هذه الآية: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ الآيات. المناسبة: بعد بيان حال الشاكرين لنعم الله المنيبين إليه، وهم داود وسليمان ﵉، بيّن الله تعالى حال الكافرين بأنعمه، بحكاية قصة أهل سبأ، تحذيرا لقريش، ووعيدا لكل من يكفر بنعم الله تعالى.

стр. 6601

اضواء على سبأ وسد مأرب: كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم، وبلقيس صاحبة سليمان ﵇ من جملتهم، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم واتساع أرزاقهم وثمارهم، وبعث الله ﵎ إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه، ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى، ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال سيل العرم، والتفرق في البلاد (١). روى الإمام أحمد وابن أبي حاتم وابن جرير والترمذي عن ابن عباس يقول: إن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن سبأ ما هو، أرجل أم امرأة أم أرض؟ قال ﷺ : «بل هو رجل، ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام منهم أربعة، فأما اليمانيون: فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحمير، وأما الشامية: فلخم، وجذام، وعاملة، وغسّان» وإسناده حسن. قال علماء النسب كمحمد بن إسحاق: اسم سبأ: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وإنما سمي سبأ؛ لأنه أول من سبأ-أي تفرق-في العرب، وكان يقال له: الرائش؛ لأنه أول من غنم في الغزو، فأعطى قومه، فسمي الرائش، والعرب تسمي المال ريشا ورياشا. وأرض سبأ: طيبة الثمار والهواء، كثيرة الخيرات والبركات، أنعم الله على أهلها بنعم كثيرة ليوحدوه ويعبدوه. والسابئيون: قوم سكنوا اليمن، وأقاموا المدن العظام ذات الحصون والقلاع والقصور الشامخة. واختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال: أحدها-أنه من سلالة إرم بن سام بن نوح، والثاني-أنه من سلالة عابر وهو هود ﵇، والثالث-أنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل على نبينا وعليهما الصلاة والسلام.

стр. 6602

وأما سد مأرب: فكأن الماء يأتيهم من بين جبلين، وتجتمع إليه أيضا سيول أمطارهم وأوديتهم، فعمد ملوكهم الأقادم، فبنوا بينهما سدا عظيما محكما، حتى ارتفع الماء، وبلغ حافة الجبلين، فغرسوا الأشجار، واستغلوا الثمار. وكان هذا السد بمأرب: بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف بسد مأرب. وقد جدد بناؤه عام ١٩٨٧ م. التفسير والبيان: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ ١ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ، كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ، وَاشْكُرُوا لَهُ، بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ كان لقبيلة سبأ باليمن التي كان منها ملوك اليمن في مسكنهم: مأرب آية هي بستانان عن يمين واديهم وشماله، وكانت مساكنهم في الوادي، وفي البستانين جميع الثمار، فقيل لهم: كلوا من رزق ربكم، أي من ثمار الجنتين، والقائل لهم نبيهم، أو القول بلسان الحال أو الدلالة؛ لأنهم كانوا أحقاء بأن يقال لهم ذلك. وقيل لهم أيضا: واشكروا ربكم على ما رزقكم من هذه النعم، ووحدوه واعبدوه، واعتدال هوائها، وصحة مناخها، والله المنعم عليكم بهذه النعم رب غفور لذنوبكم إن استمررتم على التوحيد والطاعة. ﴿فَأَعْرَضُوا، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ، وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ، وَأَثْلٍ، وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ أي فأعرضوا عن توحيد الله، وعبادته وطاعته، وشكره على ما أنعم به عليهم، وعدلوا إلى عبادة الشمس من دون الله، كما حكى القرآن عن قول الهدهد لسليمان ﵇: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ، وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَها عَرْشٌ﴾

стр. 6603

﴿عَظِيمٌ، وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ، فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ، فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل ٢٢/ ٢٧ - ٢٤]. فأرسل الله عليهم سيل العرم، أي المياه الكثيرة الغزيرة، بأن تحطم سد مأرب، فملأ الماء الوادي، وغرّق البساتين الخضراء ثم يبست، ودفن البيوت، ولم يبق منهم إلا شراذم قليلة تفرقت في البلاد، وأعطوا بدل تلك الجنان والبساتين المثمرة الأنيقة النضرة بساتين لا خير فيها ولا فائدة منها، وإنما أشجار ذات ثمر مرّ هي الأراك، وأثل هو الطرفاء، والسدر ذي الشوك الكثير والثمر القليل، وهو شجر النبق. قال القشيري: وأشجار البوادي لا تسمى جنة وبستانا، ولكن لما وقعت الثانية في مقابلة الأولى أطلق لفظ الجنة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى ٤٠/ ٤٢]. وسبب هذا العقاب كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا، وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ أي إن ذلك التبديل من الثمار النضيجة والمناظر الحسنة والظلال الوارفة والأنهار الجارية إلى أشجار ذات أشواك وثمار مرة، كان بسبب كفرهم وشركهم بالله، وتكذيبهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، لقد عاقبناهم بكفرهم، ولا يعاقب الله إلا المبالغ في كفران النعم، والكفر بالرسل. وبعد تعداد نعم الله على السابئيين في مساكنهم، ذكر تعالى باقة أخرى من النعم أثناء تنقلهم في البلاد، ومتاجرتهم مع بلاد الشام، فقال: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً﴾ أي وجعلنا بين قراهم وقرى الشام التي باركنا فيها بالمياه والأشجار والخيرات الكثيرة قرى مرتفعة

стр. 6604

معروفة، متواصلة، متقارب بعضها من بعض، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل ماء ولا زاد، بل حيث نزل وجد ماء وثمرا، وهي قرى ظاهرة، أي بينة واضحة يعرفها المسافرون، لبنائها على هضاب عالية. ﴿وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ﴾ أي جعلناها محطات متعاقبة ذات مقادير متناسبة بحسب ما يحتاج المسافرون إليه، فيقيلون في بلد، ويبيتون في آخر، إلى أن يصلوا إلى الشام. ﴿سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّاماً آمِنِينَ﴾ أي وقيل لهم بلسان المقال أو الحال: سيروا في تلك القرى ليالي وأياما آمنين مما تخافون في السير ليلا ونهارا، لا تخشون جوعا ولا عطشا ولا عدوا يهددكم. ثم بطروا تلك النعمة، فقال تعالى: ﴿فَقالُوا: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي سئموا النعمة، فتمنوا طول الأسفار والتباعد بين الديار، وقالوا: ربنا اجعل بيننا وبين البلاد التي نسافر إليها مفاوز وقفارا، ليركبوا فيها الرواحل، والتزود بالزاد والماء، إظهارا للتمايز الطبقي والتكبر والتفاخر على الفقراء والعاجزين، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد بالمن والسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس، كما طلبوا أن يفصل بين القرى بمفاوز وقفار لأغراض حربية، وهذا غاية الانتكاس على الفطرة، والإمعان في تدمير مظاهر الحضارة والتمدن والحياة الهانئة، لذا وصفهم الله بأنهم ظلموا أنفسهم إذ عرضوها للسخط والعذاب، وعاقبهم الله على بطرهم النعمة وكفرهم بالله، فقال: ﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي جعلناهم عبرة لمن يعتبر،

стр. 6605

وحديثا للناس يسمرون به في مجالسهم، وفرقنا شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء، وفرقناهم في البلاد كل تفريق، فصارت العرب تضرب بهم المثل، فتقول: «تفرق القوم أيدي سبأ» وأيادي سبأ، أي مذاهب سبأ وطرقها، فنزلت الأوس والخزرج بيثرب، وغسان آل جفنة بن عمرو بالشام، والأزد بعمان والسّراة، وخزاعة بتهامة، فمزقهم الله كل ممزق، وهدم السيل بلادهم. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أي إن في هذا الذي حلّ بهؤلاء من النقمة والعذاب، وتبديل النعمة، وتحويل العافية، عقوبة على ما ارتكبوه من الكفر والآثام، لعبرة ودلالة لكل عبد صبار على المصائب، شكور على النعم. وفي هذا إشادة بالصبر، روى الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عجبت من قضاء الله تعالى للمؤمن: إن أصابه خير حمد ربه وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر، يؤجر المؤمن في كل شيء حتى اللقمة يرفعها إلى في امرأته». وروي في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: «عجبا للمؤمن، لا يقضي الله تعالى له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن». وكان مطرّف بن الشّخير يقول: نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. وبعد بيان قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباع الهوى والشيطان، أخبر تعالى بأنهم وأمثالهم هم ممن اتبع إبليس والهوى، وخالفوا الرشاد والهدى، فقال: فقال:

стр. 6606

﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ظن إبليس بهؤلاء السابئيين أنه إذا أغواهم اتبعوه، فكان كما ظن بوسوسته، فانقادوا لإغوائه وعصوا ربهم وعبدوا الشمس من دون الله، إلا فريقا مؤمنا منهم قاوموا وسوسة الشيطان وعصوا أمره، وثبتوا على طاعة الله تعالى. ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ، وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أي لم يكن لإبليس على هؤلاء القوم من حجة وبرهان لإضلالهم، ولم يقهرهم على الكفر، وإنما كان منه الوسوسة والتزيين، قال الحسن البصري: والله ما ضربهم بعصا ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غرورا وأماني دعاهم إليها، فأجابوه. ولكن ابتليناهم بوسوسته وسلطانه عليهم لنعلم علم ظهور-وإلا فالله بكل شيء عليم-أمر من يؤمن بالآخرة وقيامها، والحساب فيها، والجزاء بالثواب والعقاب، ممن هو منها في شك، فلا يؤمن بحدوثها ولا بما اشتملت عليه من ثواب وعقاب. وربك أيها الرسول محافظ ورقيب على كل شيء، ومنه أعمال هؤلاء الكفار، وسيجازيهم عليها يوم الآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - لقد كان لقبيلة سبأ باليمن بساتين خضراء ومناظر رائعة حسناء، وخيرات وفيرة عن يمين واديهم التي يسكنون فيها وعن شمالهم في مأرب، وتلك علامة دالة على قدرة الله تعالى على أن لهم خالقا خلقهم، وأن كل الخلائق لو اجتمعوا على أن يخرجوا من الخشبة ثمرة، لم يمكنهم ذلك، ولم يهتدوا إلى اختلاف أجناس الثمار وألوانها وطعومها وروائحها وأزهارها، وفي ذلك ما يدل على أنها لا تكون إلا من عالم قادر.

стр. 6607

٢ - كان جديرا بهم أن يشكروا نعم الله وما رزقهم بالطاعة، فضلا عن أن الرسل قالت لهم ذلك، فهذه أي مأرب بلدة طيبة، أي كثيرة الثمار، معتدلة المناخ، لطيفة الهواء، بعيدة عن المؤذيات، والمنعم بهذه النعم عليهم ربّ غفور يستر ذنوبهم، فجمع الله تعالى لهم بين مغفرة ذنوبهم وطيب بلدهم، ولم يجمع ذلك لجميع خلقه. ٣ - لقد خيبوا ما يظن بهم، فأعرضوا عن أمر ربهم واتباع رسله بعد أن كانوا مسلمين، فأرسل عليهم سيل العرم، أي نقض سدّ مأرب، فتدفقت المياه المدرارة الغزيرة، فغرّقت بساتينهم، ودفنت بيوتهم، فيبست الأشجار المثمرة، ونبت مكانها أشجار مرّة لا خير فيها من الخمط أي الأراك، والأثل: وهو كما قال الفراء: شجر شبيه بالطرفاء إلا أنه أعظم منه طولا، والسّدر وهو نوعان: نوع له ثمر عفص لا يؤكل، وهو الذي يسمى الضّال، ونوع ينبت على الماء وثمره النّبق، وورقه يشبه شجر العنّاب. قال قتادة: بينما شجر القوم من خير شجر إذ صيّره الله تعالى من شرّ الشجر بأعمالهم، فأهلك أشجارهم المثمرة، وأثبت بدلها الأراك والطّرفاء والسّدر. ٤ - هذا التبديل من النعمة إلى النقمة جزاء كفرهم، ولا يعاقب بهذا إلا المبالغ في كفران النعمة والكفر بالله تعالى. وتساءل الزمخشري والقرطبي: لم خص الله تعالى المجازاة بالكفور، ولم يذكر أصحاب المعاصي؟ والجواب أن المراد: هو الجزاء الخاص وهو العقاب بالاستئصال والإهلاك، وليس المراد: الجزاء العام الذي يشمل الكافر والمؤمن. هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فقالت عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حوسب هلك (١)، فقلت: يا نبي الله، فأين قوله جلّ وعزّ: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً﴾ قال: إنما ذلك العرض، ومن نوقش الحساب

стр. 6608

هلك» والمعنى: أن الكافر يكافأ على أعماله ويحاسب عليها ويحبط ما عمل من خير. ٥ - ومن النعم على أهل سبأ جعل طرقاتهم وممراتهم التجارية بين اليمن والشام مأهولة، لا تحتاج إلى حمل ماء وزاد، فقد جعل لهم محطات يستريحون فيها بالقيلولة والمبيت هي القرى الكثيرة على طول الطريق إلى الشام، قيل: إنها كانت أربعة آلاف وسبع مائة قرية بورك فيها بالشجر والثمر والماء. والمسافات بين تلك القرى منتظمة، إذ جعل بين كل قريتين نصف يوم، حتى يكون المقيل في قرية والمبيت في قرية أخرى. كما أن تلك الطرقات كانت آمنة غير مخوفة ليلا ونهارا، ولا يحتاجون إلى طول السفر، لوجود ما يحتاجون إليه. قال قتادة: كانوا يسيرون غير خائفين ولا جياع ولا ظماء، وكانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان، لا يحرّك بعضهم بعضا، ولو لقي الرجل قاتل أبيه لا يحرّكه، فلم يشكروا النعمة، بل طلبوا التعب والكدّ. ٦ - بطروا النعمة أيضا، وطغوا، وسئموا الراحة، ولم يصبروا على العافية، فتمنوا طول الأسفار والكدح في المعيشة، فتبددوا في الدنيا، وتفرقوا في البلاد كل تفرق، وجعل بينهم وبين الشام فلوات ومفاوز يركبون فيها الرواحل، ويتزودون الأزواد، وظلموا أنفسهم بكفرهم، وأصبحوا مدار القصص والتحدث بأخبارهم، وعبرة للمعتبر. ٧ - إن في هذا التبديل والتدمير وتغير نمط الحياة من رفاه ونعومة إلى تعب وكدّ وشظف وخشونة لعبرة ودلالة لكل صبار يصبر عن المعاصي، شكور لنعم الله تعالى. ٨ - كانوا في كفرانهم النعم، وجحودهم وجود الله وعبادتهم الشمس،

стр. 6609

وإعراضهم عن طاعة الرسل، واتباعهم أهواءهم، كما توقع إبليس الذي سوّل له ظنه فيهم شيئا، فصدق ظنه أنه يغويهم، فأغواهم فاتبعوه، إلا قوما منهم أطاعوا الله تعالى، وآمنوا برسلهم. ٩ - لا سلطان لإبليس على قلوب الناس، ولا حجة يضلهم بها، ولا قدرة له على قهرهم على الكفر، وإنما كان منه الدعاء والتزيين والوسواس، وكان منهم أنهم اتبعوه بشهوة وتقليد، وهوى نفس، لا عن حجة ودليل، وكان هو مجرد آية وعلامة خلقها الله لتبيين ما هو في علمه السابق. وتوضيح ذلك: لقد سلطه الله على الناس، كما يسلط الذباب على العيون القذرة، والأوبئة على من أهمل النظافة، فتكون الفريسة من لا قدرة له على المقاومة، وينجو الأقوياء الأصحاء المجاهدون. وهو تسليط قصد به الابتلاء والاختبار، وإظهار الواقع، مع أن الله يعلم بكل شيء، وتكون النتيجة ظهور أمر المؤمن بالله وبالآخرة، وتمييزه عن الشاك بوجود الله وبالقيامة، وتنصب في النهاية أعمال العباد في الحافظة الإلهية، فهو سبحانه يحفظ كل شيء على العبد حتى يجازيه عليه. إبطال شفاعة آلهة المشركين ﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾

стр. 6610

الإعراب: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ ﴿ما﴾ في موضع نصب ب ﴿قالَ﴾ وذا: زائدة. ﴿قالُوا الْحَقَّ﴾ ﴿الْحَقَّ﴾: منصوب ب ﴿قالُوا﴾ أيضا، ليكون الجواب على وفق السؤال. البلاغة: ﴿قُلِ: اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ تعجيز بدعاء الجماد الذي لا يسمع. المفردات اللغوية: ﴿قُلِ﴾ أيها الرسول للمشركين في مكة وغيرها، وهو أمر للنبي ﷺ بأن يقول لكفار قريش: هؤلاء الأصنام الذين زعمتموهم آلهة من دون الله، ادعوهم ليكشفوا عنكم الضرّ الذي نزل بكم في سنين الجوع. ﴿اُدْعُوا﴾ نادوا. ﴿زَعَمْتُمْ﴾ زعمتموهم آلهة. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ غيره، لينفعوكم بزعمكم. ثم أجاب تعالى عنهم إشعارا بتعين الجواب دون مكابرة: وهو ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ أي لا يملكون وزن ذرة من خير أو شر. ﴿وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ﴾ أي ليس لتلك الآلهة المزعومة من شركة، لا خلقا ولا ملكا. ﴿وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي ليس له تعالى من الآلهة من معين يعينه على تدبير أمرهما. ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ﴾ تعالى، فلا تنفعهم شفاعة آلهتهم كما يزعمون، وهو رد لقولهم: إن آلهتهم تشفع عنده. ﴿إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أذن له أن يشفع. ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ كشف عنها الفزع بالإذن فيها، والفزع: انقباض بسبب الخوف. ﴿قالُوا﴾ قال بعضهم لبعض استبشارا ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾؟ في الشفاعة. ﴿قالُوا: الْحَقَّ﴾ قالوا: قال القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، وهم المؤمنون. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ذو العلو فوق خلقه بالقهر، وذو الكبرياء العظيم، ليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه. المناسبة: بعد بيان حال الشاكرين كداود وسليمان، وحال الكافرين كسبا وما فعله بهم حين بطروا النعمة وكذبوا الرسل، عاد الله تعالى إلى خطاب المشركين ومناقشتهم ومطالبتهم على سبيل التهكم بهم بأن يستعينوا بآلهتهم المزعومة ليكشفوا

стр. 6611

عنهم الضر، ثم بيّن أنهم لا يملكون شيئا ولا تنفع شفاعتهم، فكيف يعبدونهم، وشأن المعبود تحقيق النفع للعابد؟ التفسير والبيان: ﴿قُلِ: اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي قل أيها النبي لهؤلاء المشركين من قريش: نادوا تلك الآلهة المزعومة كالأصنام، والتي عبدت من دون الله، ليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم في سني الجوع، أو يجلبوا لكم النفع. ثم أجاب سبحانه عنهم الجواب المتعين دون مكابرة، مبينا خطأهم، فقال: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ أي إن تلك الآلهة المزعومة لا يملكون شيئا أبدا، ولو كان وزن ذرة في السموات والأرض، وليس لهم قدرة على خير ولا شر في أمر من الأمور، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر ١٣/ ٣٥]. ثم نفى الله تعالى وجود الشريك والمعين له، فقال: ﴿وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ، وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي لا تستطيع الأصنام شيئا أصلا، لا استقلالا، ولا شركة في الخلق أو الملك، فليس لله شريك ولا معين على خلق شيء ولا على حفظه، كما قال تعالى: ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ، وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف ٥١/ ١٨] بل الخلق كلهم فقراء إليه، عبيد لديه. ثم نفى إمكان شفاعتهم، فقال: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي لا تنفعهم شفاعة تلك الأصنام؛ لأنه لا تنفع الشفاعة في حال من الأحوال إلا لمن أذن الله له أن يشفع، من الملائكة والنبيين ونحوهم من أهل العلم والعمل، وهو لا يأذن للكافرين،

стр. 6612

وهؤلاء الشفعاء المأذون لهم لا يشفعون إلا لمن يستحق الشفاعة، لا للكافرين، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥/ ٢] وقال سبحانه: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ [النجم ٢٦/ ٥٣] وقال : ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى، وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء ٢٨/ ٢١] وقال عز اسمه: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً﴾ [النبأ ٣٨/ ٧٨]. ومفاد هذه الآيات: أن الشفاعة تحتاج إلى إذن الله تعالى، ولا شفاعة إلا لمن ارتضى الله، وأن تكون أسباب الشفاعة حقا وصوابا مقبولا، لهذا ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ ، وهو سيد ولد آدم، وأكبر شفيع عند الله تعالى حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلهم حينما يأتي ربهم لفصل القضاء، أنه قال: «فأسجد لله تعالى، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع». وفي هذا الموقف الرهيب يتجلى مقام رفيع من العظمة الإلهية، وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي، فسمع أهل السموات كلامه، أرعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي، كما قال ابن مسعود ﵁ ومسروق وغيرهما. وهنا ذكر الله تعالى ما يحدث بعد انتظار الإذن بالشفاعة، فقال: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ أي إن الناس والملائكة يقفون فزعين خائفين منتظرين الإذن بالشفاعة، حتى إذا أذن للشافعين، وأزيل الخوف والفزع عنهم، قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم في الشفاعة؟ قالوا للذي قال: قال ربنا القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، والله هو المتفرد بالعلو والكبرياء والعظمة،

стр. 6613

لا يشاركه في ذلك أحد من خلقه، وليس لملك ولا لنبي أن يتكلم في ذلك اليوم إلا بإذنه تعالى. وكلمة ﴿حَتّى﴾ وقعت غاية لشيء مفهوم ضمنا وهو أن ثم انتظارا للإذن وتوقعا وتمهلا من الراجين للشفعاء، والشفعاء هل يؤذن لهم أو لا يؤذن؟ فقه الحياة أو الأحكام: هذه مناقشة معلن عنها مسبقا في القرآن الكريم، تحدث على سبيل التهكم والتوبيخ والتعجب بين الإله الخالق وبين المشركين. يأمر الله فيها نبيه أن يقول لهؤلاء المشركين: هل عند شركائكم قدرة على شيء من النفع يحققونه لكم؟ ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة لكم من دون الله لتنفعكم، أو لتدفع عنكم ما قضاه الله ﵎ عليكم، فإنهم لا يملكون ذلك. إنهم لا يملكون شيئا أصلا ولو وزن ذرة في السموات والأرض، وليس للأصنام في السموات والأرض مشاركة، لا بالخلق ولا بالملك، ولا بالتصرف، وليس لله من معين يعينه على شيء من أمر السموات والأرض ومن فيهما، بل الله المنفرد بالإيجاد والتدبير، فهو الذي يعبد، وعبادة غيره محال. ولا تنفع شفاعة الملائكة وغيرهم عند الله إلا لمن أذن له، حتى إذا وقفوا -أي الراجون للشفاعة والشفعاء-جميعا خائفين وجلين منتظرين الإذن بالشفاعة، ثم أزيل الفزع عن قلوبهم، تساءل الناس فيما بينهم وقالوا للملائكة: ماذا أمر الله بالشفاعة؟ فيجيبون: إنه أذن في الشفاعة للمؤمنين لا للكافرين، والله هو المتعالي المتكبر العظيم، فله أن يحكم في عباده بما يريد. وهكذا يتبين أن الله تعالى يأذن للأنبياء والملائكة في الشفاعة، وهم على غاية الفزع من الله، كما قال: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ولن يكون الإذن

стр. 6614

بالشفاعة لتلك الآلهة المزعومة من الأصنام وغيرها، كما لن تكون الشفاعة إلا لمن رضي الله من المؤمنين، لا الكافرين. وهذا بيان جلي يقطع الأطماع في الشفاعة الموهومة، ويبدد الآمال في النجاة من غير أمر الله ورضوانه. وقوله: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ دليل على: كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن، تباشروا بذلك، وسأل بعضهم بعضا. والمأذون لهم في الشفاعة: الملائكة وغيرهم، في رأي جمهور المفسرين منهم الزمخشري وأبو حيان. وقال الشوكاني في فتح القدير: هذا الفزع يكون للملائكة في كل أمر يأمر به الرب، أخرج البخاري وأبو داود، من حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحقّ، وهو العلي الكبير». إقرار المشركين بأن الله هو الرازق وإعلامهم بالحاكم ووقت الحكم ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾

стр. 6615

الإعراب: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً﴾ ﴿إِيّاكُمْ﴾ ضمير منفصل منصوب معطوف على اسم «إن» و ﴿لَعَلى هُدىً﴾ إما خبر لقوله: ﴿وَإِنّا﴾ وخبر ﴿إِيّاكُمْ﴾ محذوف لدلالة الأول عليه، أو أن يكون خبرا للثاني، وخبر الأول محذوف لدلالة الثاني عليه. وهذا كقولهم: زيد وعمرو قائم، إما أن يجعل قائم خبرا للأول، ويقدر للثاني خبر، وإما أن يجعل خبرا للثاني، ويقدر للأول خبر. ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً.﴾. ﴿كَافَّةً﴾ منصوب على الحال من كاف ﴿أَرْسَلْناكَ﴾ ولا يجوز جعلها حالا من الناس على المختار. وأصله «كاففة» اجتمع حرفان متحركان من جنس واحد، فسكن الأول وأدغم في الثاني، فصار ﴿كَافَّةً﴾ وتقديره: وما أرسلناك إلا كافّا للناس. ودخلت التاء للمبالغة، كعلاّمة ونسّابة. ﴿لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ.﴾. مبتدأ مرفوع، و ﴿لَكُمْ﴾ خبره، والهاء في ﴿عَنْهُ﴾ عائدة على الميعاد. البلاغة: ﴿قُلْ: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ توبيخ وتبكيت. ﴿قُلِ: اللهُ﴾ حذف الخبر، لدلالة السياق عليه، أي قل الله الخالق الرازق للعباد. ﴿تَسْتَأْخِرُونَ﴾ و ﴿تَسْتَقْدِمُونَ﴾ بينهما طباق. ﴿وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعّال وفعيل. المفردات اللغوية: ﴿قُلْ: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يريد به تقرير قول السابق: لا يملكون، والرزق من السموات: المطر، ومن الأرض: النبات. ﴿قُلِ: اللهُ﴾ أي لا جواب سواه، وفيه إشعار بأنهم إن سكتوا أو تلعثموا في الجواب مخافة الإلزام، فهم مقرّون به بقلوبهم. ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ﴾ أي أحد الفريقين. ﴿لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي إما في حال هدى أو في ضلال

стр. 6616

واضح. وهذا بعد ما تقدم من التقرير البليغ الدال على من هو على الهدى، ومن هو في الضلال. وهذا الإبهام أبلغ من التصريح؛ لأنه في صورة الإنصاف المسكت للخصم، وهو تلطف بهم في الدعوة إلى الإيمان إذا وفقوا له. ﴿أَجْرَمْنا﴾ أذنبنا، أو وقعنا في الجرم، وهو الذنب. ﴿وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ لأنا بريئون منكم. ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ يوم القيامة. ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ﴾ أي يحكم، والفتاح: الحاكم؛ لأنه يفتح طريق الحق ويظهره، وبعد الحكم يدخل تعالى أهل الحق والإيمان الجنة، وأهل الباطل والكفر النار. ﴿وَهُوَ الْفَتّاحُ﴾ الحاكم بالحق. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يحكم به وبما يتعلق بحكمه وقضائه من المصالح. ﴿قُلْ: أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ﴾ أي أعلموني بالدليل وجه الشركة في استحقاق العبادة، وهو استفسار عن شبهتهم بعد إلزام الحجة عليهم، زيادة في تبكيتهم. ﴿كَلاّ﴾ كلمة للزجر عن كلام أو فعل صدر من المخاطب، والمراد هنا: ردع لهم عن اعتقاد شريك لله تعالى. ﴿بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الموصوف بالغلبة وكمال القدرة، والحكمة الباهرة في تدبيره لخلقه، فلا يكون له شريك في ملكه. ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ أي وما أرسلناك إلا للناس جميعا عربهم وعجمهم، و ﴿كَافَّةً﴾ مانعا لهم، من الكف وهو المنع عن الكفر ودعوتهم إلى الإسلام، أو جامعا لهم بالإنذار والإبلاغ، من الكف بمعنى الجمع، والتاء للمبالغة، والمعنى على الأول: إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم؛ لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد، وعلى الثاني: إلا جامعا للناس في الإبلاغ والإنذار، وهو حال من الكاف، ولا يجوز جعله حالا من ﴿لِلنّاسِ﴾ لأن تقدم حال المجرور عليه ممنوع كتقدم المجرور على الجار. ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ مبشرا للمؤمنين بالجنة، ومنذرا للكافرين بالعذاب. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، فيحملهم جهلهم على مخالفتك، فهم لا يعلمون ما عند الله وما لهم من النفع في إرسال الرسل. ﴿وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي ويقول المشركون من فرط جهلهم: متى يكون هذا الوعد بالعذاب الذي تعدوننا به يا محمد وصحبه، وهو قيام الساعة، أخبرونا به إن كنتم صادقين فيه. والخطاب للنبي ﷺ والمؤمنين. ﴿مِيعادُ يَوْمٍ﴾ وعد يوم أو زمان وعد، وهو يوم البعث أو القيامة. ﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ أي هذا الميعاد المضروب لكم لا تتأخرون عنه ولا تتقدمون عليه، بل يكون لا محالة في الوقت الذي قدّر الله وقوعه فيه. وهو جواب تهديد جاء مطابقا لما قصدوه بسؤالهم من التعنت والإنكار.

стр. 6617

المناسبة: بعد بيان أن الأصنام ونحوها من الآلهة المزعومة لا يملكون شيئا في الكون، أبان الله تعالى أن المشركين يعترفون بأن الرازق من السماء والأرض بما ينزل من المطر وينبت من الزرع ويوجد من المعادن هو الله، فيلزمهم أن يعتقدوا بأنه لا إله غيره، وأن المحق واحد من الفريقين وغيره مبطل، والمحق هم المؤمنون لقيام الدليل على التوحيد، وأن يعلموا أن الله هو الحاكم بالحق يوم القيامة، وأنه هو الخالق الرازق، أما الشركاء فلا يخلقون ولا يرزقون. التفسير والبيان: ﴿قُلْ: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قُلِ: اللهُ﴾ أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين عبدة الأوثان والأصنام على سبيل التوبيخ والتبكيت: من الرازق لكم من السموات بإنزال المطر، ومن الأرض بالنبات والمعادن ونحوها؟ قل لهم: هو الله الذي يرزقكم، إن لم يجيبوا، بل لا جواب لهم سواه، وقد أجابوا فعلا في آيات أخرى بأنه هو الله، قال تعالى: ﴿قُلْ: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ، وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ؟ فَسَيَقُولُونَ: اللهُ، فَقُلْ: أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس ٣١/ ١٠]. وإذا اعترفتم بأن الله هو الرازق، فلم تعبدون سواه ممن لا يقدر على الرزق؟ كما قال تعالى تبكيتا وتعنيفا لهم: ﴿قُلْ: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؟ قُلِ: اللهُ، قُلْ: أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ، لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا﴾ [الرعد ١٦/ ١٣]. ثم دعاهم الله تعالى إلى الإيمان بالله بطريق التلطف، بعد هذا الإلزام القائم مقام الاعتراف والإقرار، فقال:

стр. 6618

﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي: إن أحد الفريقين منا، سواء معشر المؤمنين الموحدين الله الخالق الرازق، الذين يخصونه بالعبادة، أو المشركين الذين يعبدون الجمادات العاجزة عن الخلق والرزق والنفع والضرر، لعلى أحد الأمرين من الهدى أو في الضلال البيّن الوضح، فلا سبيل إلى تصويب كل منا، فإما أن نكون نحن أو أنتم على الهدى أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، والآخر مخطئ مبطل. وهذا أسلوب فيه لطف وأدب، لاستدراج الخصم إلى أن ينظر في حاله وحال غيره، ويستعمله العرب لإعطاء الحرية للمخاطب بأن يتأمل ويعلن عن قناعة أنه مخطئ وغيره مصيب، كما يقول الرجل لصاحبه: قد علم الله الصادق مني ومنك، وإن أحدنا لكاذب. ويلاحظ أنه ذكر كلمة «على» مع الهدى، وكلمة «في» مع الضلال؛ لأن المهتدي كأنه مرتفع متطلع، والضال منغمس في الظلمة غريق فيها. ووصف الضلال بالمبين، ولم يصف الهدى؛ لأن الهدى هو الطريق المستقيم الموصل إلى الحق، والمستقيم واحد، وغيره كله ضلال، بعضه أبين من بعض. وقدم الهدى على الضلال لمناسبته لوصف المؤمنين المبدوء بكلمة ﴿إِنّا﴾ المقدم في الذكر. ثم أعلن الله تعالى وجود الانفصال بين الفريقين واستقلال كل منهما عن الآخر بطريق التلطف مرة أخرى بنسبة الاجرام فرضا إلى المؤمنين والعمل للمشركين فقال: ﴿قُلْ: لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا، وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أي قل أيها الرسول أيضا للمشركين: إن كانت عبادتنا لله وطاعتنا له جريمة، فلستم مسئولين عنا، ولا نسأل عما تعملون من خير أو شر. وهذا معناه التبري منهم، فلستم منا ولا نحن منكم، بل ندعوكم إلى توحيد الله وإفراد العبادة له، فإن أجبتم فأنتم منا، ونحن منكم، وإن أعرضتم وكذبتم فنحن برآء منكم، وأنتم برآء منا، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ: لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس ٤١/ ١٠]. وقد أضاف الاجرام إلى النفس:

стр. 6619

﴿أَجْرَمْنا﴾ وقال في حقهم ﴿عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ لئلا يحصل الإغضاب المانع من الفهم. ثم أنذرهم الله تعالى بالقضاء والحكم الذي سيقضي به، تأكيدا للنظر والتفكر، في مجال الحساب والثواب والعذاب، فقال: ﴿قُلْ: يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ، وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ أي قل لهم أيها الرسول أيضا. إن ربنا سيجمع بيننا في ساحة واحدة يوم الحساب، ويوم القيامة، ثم يحكم ويقضي بيننا بالحق والعدل، والله هو الحاكم العادل القاضي بالصواب، العالم بحقائق الأحوال والأمور، وبما يتعلق بحكمه من المصالح، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وستعلمون يومئذ لمن العزة والنصرة والسعادة الأبدية، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ، فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم ١٤/ ٣٠ - ١٦]. ثم تحداهم تعالى بالكشف عن الشركاء وقدراتهم، فقال: ﴿قُلْ: أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ، كَلاّ، بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي قل أيها النبي لهؤلاء المشركين قولا فصلا: أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله أندادا، وصيرتموها شركاء ونظراء معادلين لله، حتى أراهم، وأرى ما يقدرون عليه. الحق واضح، والأمر ليس كما تزعمون، كلا أي فارتدعوا عن ادعاء المشاركة، فلا نظير ولا شريك ولا عديل لله، بل هو الله الواحد الأحد، المتفرد بالألوهية، الذي لا شريك له، ذو العزة التي قد قهر بها كل شيء، وغلب كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، حكمة باهرة لا يعلوها شيء. وهذا التساؤل يراد به بيان فائدة الشركاء في دفع الضرر، بعد إبطال فائدتها بآية

стр. 6620

﴿قُلْ: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ لجلب المنفعة، تمشيا مع أهداف العامة الذين لا يعبدون المعبود إلا لدفع الضرر أو لجلب المنفعة، أما الخواص فيعبدون الله لأنه يستحق العبادة لذاته. وبعد إثبات التوحيد، أبان الله تعالى عموم الرسالة المحمدية للناس جميعا، فليست ذات نزعة عنصرية، ولا حكرا على العرب وحدهم، فقال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي وما أرسلناك أيها النبي لقومك العرب خاصة، بل أرسلناك للناس قاطبة، عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم وأحمرهم، مبشرا من أطاع الله بالجنة، ومنذرا من عصاه بالنار، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف ١٥٨/ ٧] وقال سبحانه: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان ١/ ٢٥]. وفي الصحيحين عن جابر ﵁ مرفوعا: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي.. وذكر منها: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة». وفي الصحيح أيضا: «بعثت إلى الأسود والأحمر». إلا أن أكثر الناس لا يعلمون بعموم الرسالة، ولا بمهمة التبشير والإنذار، ولا بخطورة ما هم عليه من الضلال والجهالة، ولا بالنفع في إرسال الرسل، ولا ما عند الله من الجزاء، كما قال تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣/ ١٢] وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [الأنعام ١١٦/ ٦]. وبعد بيان التوحيد ثم الرسالة، ذكر الحشر، فأخبر تعالى عن استبعاد الكفار قيام الساعة وأجاب عنه، فقال: ﴿وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي ويقول المشركون
следующие страницы →