واضح. وهذا بعد ما تقدم من التقرير البليغ الدال على من هو على الهدى، ومن هو في الضلال.
وهذا الإبهام أبلغ من التصريح؛ لأنه في صورة الإنصاف المسكت للخصم، وهو تلطف بهم في الدعوة إلى الإيمان إذا وفقوا له.
﴿أَجْرَمْنا﴾ أذنبنا، أو وقعنا في الجرم، وهو الذنب. ﴿وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ لأنا بريئون منكم. ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ يوم القيامة. ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ﴾ أي يحكم، والفتاح: الحاكم؛ لأنه يفتح طريق الحق ويظهره، وبعد الحكم يدخل تعالى أهل الحق والإيمان الجنة، وأهل الباطل والكفر النار. ﴿وَهُوَ الْفَتّاحُ﴾ الحاكم بالحق. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يحكم به وبما يتعلق بحكمه وقضائه من المصالح.
﴿قُلْ: أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ﴾ أي أعلموني بالدليل وجه الشركة في استحقاق العبادة، وهو استفسار عن شبهتهم بعد إلزام الحجة عليهم، زيادة في تبكيتهم. ﴿كَلاّ﴾ كلمة للزجر عن كلام أو فعل صدر من المخاطب، والمراد هنا: ردع لهم عن اعتقاد شريك لله تعالى.
﴿بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الموصوف بالغلبة وكمال القدرة، والحكمة الباهرة في تدبيره لخلقه، فلا يكون له شريك في ملكه.
﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ أي وما أرسلناك إلا للناس جميعا عربهم وعجمهم، و ﴿كَافَّةً﴾ مانعا لهم، من الكف وهو المنع عن الكفر ودعوتهم إلى الإسلام، أو جامعا لهم بالإنذار والإبلاغ، من الكف بمعنى الجمع، والتاء للمبالغة، والمعنى على الأول: إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم؛ لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد، وعلى الثاني: إلا جامعا للناس في الإبلاغ والإنذار، وهو حال من الكاف، ولا يجوز جعله حالا من ﴿لِلنّاسِ﴾ لأن تقدم حال المجرور عليه ممنوع كتقدم المجرور على الجار. ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ مبشرا للمؤمنين بالجنة، ومنذرا للكافرين بالعذاب. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، فيحملهم جهلهم على مخالفتك، فهم لا يعلمون ما عند الله وما لهم من النفع في إرسال الرسل.
﴿وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي ويقول المشركون من فرط جهلهم: متى يكون هذا الوعد بالعذاب الذي تعدوننا به يا محمد وصحبه، وهو قيام الساعة، أخبرونا به إن كنتم صادقين فيه. والخطاب للنبي ﷺ والمؤمنين. ﴿مِيعادُ يَوْمٍ﴾ وعد يوم أو زمان وعد، وهو يوم البعث أو القيامة. ﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ أي هذا الميعاد المضروب لكم لا تتأخرون عنه ولا تتقدمون عليه، بل يكون لا محالة في الوقت الذي قدّر الله وقوعه فيه. وهو جواب تهديد جاء مطابقا لما قصدوه بسؤالهم من التعنت والإنكار.
стр. 6617
المناسبة:
بعد بيان أن الأصنام ونحوها من الآلهة المزعومة لا يملكون شيئا في الكون، أبان الله تعالى أن المشركين يعترفون بأن الرازق من السماء والأرض بما ينزل من المطر وينبت من الزرع ويوجد من المعادن هو الله، فيلزمهم أن يعتقدوا بأنه لا إله غيره، وأن المحق واحد من الفريقين وغيره مبطل، والمحق هم المؤمنون لقيام الدليل على التوحيد، وأن يعلموا أن الله هو الحاكم بالحق يوم القيامة، وأنه هو الخالق الرازق، أما الشركاء فلا يخلقون ولا يرزقون.
التفسير والبيان:
﴿قُلْ: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قُلِ: اللهُ﴾ أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين عبدة الأوثان والأصنام على سبيل التوبيخ والتبكيت: من الرازق لكم من السموات بإنزال المطر، ومن الأرض بالنبات والمعادن ونحوها؟ قل لهم: هو الله الذي يرزقكم، إن لم يجيبوا، بل لا جواب لهم سواه، وقد أجابوا فعلا في آيات أخرى بأنه هو الله، قال تعالى: ﴿قُلْ: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ، وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ؟ فَسَيَقُولُونَ: اللهُ، فَقُلْ: أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس ٣١/ ١٠].
وإذا اعترفتم بأن الله هو الرازق، فلم تعبدون سواه ممن لا يقدر على الرزق؟ كما قال تعالى تبكيتا وتعنيفا لهم: ﴿قُلْ: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؟ قُلِ: اللهُ، قُلْ: أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ، لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا﴾ [الرعد ١٦/ ١٣].
ثم دعاهم الله تعالى إلى الإيمان بالله بطريق التلطف، بعد هذا الإلزام القائم مقام الاعتراف والإقرار، فقال:
стр. 6618
﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي: إن أحد الفريقين منا، سواء معشر المؤمنين الموحدين الله الخالق الرازق، الذين يخصونه بالعبادة، أو المشركين الذين يعبدون الجمادات العاجزة عن الخلق والرزق والنفع والضرر، لعلى أحد الأمرين من الهدى أو في الضلال البيّن الوضح، فلا سبيل إلى تصويب كل منا، فإما أن نكون نحن أو أنتم على الهدى أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، والآخر مخطئ مبطل. وهذا أسلوب فيه لطف وأدب، لاستدراج الخصم إلى أن ينظر في حاله وحال غيره، ويستعمله العرب لإعطاء الحرية للمخاطب بأن يتأمل ويعلن عن قناعة أنه مخطئ وغيره مصيب، كما يقول الرجل لصاحبه: قد علم الله الصادق مني ومنك، وإن أحدنا لكاذب.
ويلاحظ أنه ذكر كلمة «على» مع الهدى، وكلمة «في» مع الضلال؛ لأن المهتدي كأنه مرتفع متطلع، والضال منغمس في الظلمة غريق فيها. ووصف الضلال بالمبين، ولم يصف الهدى؛ لأن الهدى هو الطريق المستقيم الموصل إلى الحق، والمستقيم واحد، وغيره كله ضلال، بعضه أبين من بعض. وقدم الهدى على الضلال لمناسبته لوصف المؤمنين المبدوء بكلمة ﴿إِنّا﴾ المقدم في الذكر.
ثم أعلن الله تعالى وجود الانفصال بين الفريقين واستقلال كل منهما عن الآخر بطريق التلطف مرة أخرى بنسبة الاجرام فرضا إلى المؤمنين والعمل للمشركين فقال: ﴿قُلْ: لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا، وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أي قل أيها الرسول أيضا للمشركين: إن كانت عبادتنا لله وطاعتنا له جريمة، فلستم مسئولين عنا، ولا نسأل عما تعملون من خير أو شر. وهذا معناه التبري منهم، فلستم منا ولا نحن منكم، بل ندعوكم إلى توحيد الله وإفراد العبادة له، فإن أجبتم فأنتم منا، ونحن منكم، وإن أعرضتم وكذبتم فنحن برآء منكم، وأنتم برآء منا، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ: لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس ٤١/ ١٠]. وقد أضاف الاجرام إلى النفس:
стр. 6619
﴿أَجْرَمْنا﴾ وقال في حقهم ﴿عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ لئلا يحصل الإغضاب المانع من الفهم.
ثم أنذرهم الله تعالى بالقضاء والحكم الذي سيقضي به، تأكيدا للنظر والتفكر، في مجال الحساب والثواب والعذاب، فقال:
﴿قُلْ: يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ، وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ أي قل لهم أيها الرسول أيضا. إن ربنا سيجمع بيننا في ساحة واحدة يوم الحساب، ويوم القيامة، ثم يحكم ويقضي بيننا بالحق والعدل، والله هو الحاكم العادل القاضي بالصواب، العالم بحقائق الأحوال والأمور، وبما يتعلق بحكمه من المصالح، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وستعلمون يومئذ لمن العزة والنصرة والسعادة الأبدية، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ، فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم ١٤/ ٣٠ - ١٦].
ثم تحداهم تعالى بالكشف عن الشركاء وقدراتهم، فقال:
﴿قُلْ: أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ، كَلاّ، بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي قل أيها النبي لهؤلاء المشركين قولا فصلا: أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله أندادا، وصيرتموها شركاء ونظراء معادلين لله، حتى أراهم، وأرى ما يقدرون عليه. الحق واضح، والأمر ليس كما تزعمون، كلا أي فارتدعوا عن ادعاء المشاركة، فلا نظير ولا شريك ولا عديل لله، بل هو الله الواحد الأحد، المتفرد بالألوهية، الذي لا شريك له، ذو العزة التي قد قهر بها كل شيء، وغلب كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، حكمة باهرة لا يعلوها شيء. وهذا التساؤل يراد به بيان فائدة الشركاء في دفع الضرر، بعد إبطال فائدتها بآية
стр. 6620
﴿قُلْ: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ لجلب المنفعة، تمشيا مع أهداف العامة الذين لا يعبدون المعبود إلا لدفع الضرر أو لجلب المنفعة، أما الخواص فيعبدون الله لأنه يستحق العبادة لذاته.
وبعد إثبات التوحيد، أبان الله تعالى عموم الرسالة المحمدية للناس جميعا، فليست ذات نزعة عنصرية، ولا حكرا على العرب وحدهم، فقال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي وما أرسلناك أيها النبي لقومك العرب خاصة، بل أرسلناك للناس قاطبة، عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم وأحمرهم، مبشرا من أطاع الله بالجنة، ومنذرا من عصاه بالنار، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف ١٥٨/ ٧] وقال سبحانه: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان ١/ ٢٥].
وفي الصحيحين عن جابر ﵁ مرفوعا: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي.. وذكر منها: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة».
وفي الصحيح أيضا: «بعثت إلى الأسود والأحمر».
إلا أن أكثر الناس لا يعلمون بعموم الرسالة، ولا بمهمة التبشير والإنذار، ولا بخطورة ما هم عليه من الضلال والجهالة، ولا بالنفع في إرسال الرسل، ولا ما عند الله من الجزاء، كما قال تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣/ ١٢] وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [الأنعام ١١٦/ ٦].
وبعد بيان التوحيد ثم الرسالة، ذكر الحشر، فأخبر تعالى عن استبعاد الكفار قيام الساعة وأجاب عنه، فقال:
﴿وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي ويقول المشركون
стр. 6621
استهزاء وتعنتا وجهلا: متى يكون هذا الوعد الذي تعدوننا به يا محمد والمؤمنون، وهو قيام الساعة، أخبرونا به إن كنتم صادقين في قولكم. وهذا كقوله تعالى:
﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى ١٨/ ٤٢].
والجواب هو:
﴿قُلْ: لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ، لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ أي قل لهم أيها الرسول: لكم موعد يوم مؤجل محدد لا شك فيه، هو يوم البعث والقيامة، لا تتأخرون عنه ساعة ولا تتقدمون عليه، لا يزاد ولا ينقص، بل يكون لا محالة في الوقت الذي قدّر الله وقوعه فيه. وفي هذا إنذار كاف.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - الله في الواقع الذي لا يقبل سواه، وفي اعتراف المشركين أنفسهم هو خالق الأرزاق الكائنة من السموات، عن المطر والشمس والقمر والنجوم وما فيها من المنافع، والخارجة من الأرض عن الماء والنبات، وبما أن الله هو الخالق الرازق فهو الذي ينبغي أن يعبد. ومن المعلوم أن العامة يعبدون الله، لا لكونه إلها، وإنما يطلبون به شيئا: إما دفع ضرر، أو جر نفع.
٢ - الحق واحد لا يتعدد، فلا يعقل أن يكون كل المؤمنين والمشركين في حال واحدة من الهدى أو الضلال، بل هما متعارضان متضادان، وأحد الفريقين مهتد، وهم المؤمنون، والآخر ضال وهم المشركون.
وقد كذبهم القرآن بأسلوب يعد أحسن من تصريح الكذب، وهو أن المشركين هم الضالون حين أشركوا بالذي يرزقهم من السموات والأرض. فقوله تعالى: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ كما تقول: أنا أفعل كذا،
стр. 6622
وتفعل أنت كذا، وأحدنا مخطئ، وقد عرف من هو المخطئ. أما لو قال أحد المتناظرين للآخر: هذا الذي تقوله خطأ، وأنت فيه مخطئ، فإنه يغضب، وإذا غضب اختل الفكر وساء الفهم.
٢ - أقام الله تعالى مهادنة ومتاركة بين المؤمنين والمشركين، فأعلن رسوله لهم: إنما أقصد بما أدعوكم إليه الخير لكم، لا أن ينالني ضرر كفركم، ولا يسأل أحد الفريقين عن الآخر، فلا يسأل المشركون عما اكتسب المؤمنون، ولا يسأل المؤمنون أيضا عما اقترف المشركون، كما قال تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦/ ١٠٩].
٣ - يجمع الله تعالى يوم القيامة أهل الإيمان وأهل الشرك، ثم يقضي بينهم بالحق والعدل، فيثيب المهتدي، ويعاقب الضال، والله هو القاضي بالحق، العليم بأحوال الخلق.
٤ - يسأل المشركون: عرّفوني الأصنام والأوثان التي جعلتموها شركاء لله ، وهل شاركت في خلق شيء؟ بينوا ما هو؟ وإلا فلم تعبدونها؟! الحق أنه ليس الأمر كما زعم المشركون، فليس لله شركاء، بل هو الله ذو العزة القاهر الغالب، الحكيم في أقواله وأفعاله، يفعل ما هو مصلحة.
٥ - رسالة النبي ﷺ رسالة عامة للبشرية جمعاء، وليست مقصورة على العرب خاصة، ومهمة النبي تبشير من أطاع الله بالجنة، وإنذار من عصاه بالنار، ولكن أكثر الناس وهم في ذلك الوقت المشركون لا يعلمون ما عند الله تعالى.
٦ - يتساءل المشركون استهزاء وعنادا وتعجيزا، فيقولون للمؤمنين: متى موعدكم لنا بقيام الساعة إن كنتم صادقين في إخباركم عنها؟
стр. 6623
فيجيبهم الله تعالى: قل لهم يا محمد: لكم ميقات معين هو يوم البعث أو القيامة، لا يزيد ولا ينقص، ولا تتقدمون عنه ولا تتأخرون، وهو آت لا محالة، وعلمه عند الله لم يطلع عليه أحدا من خلقه.
إنكار المشركين القرآن والحوار يوم القيامة بين الضالين والمضلين ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾
الإعراب:
﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿أَنْتُمْ﴾ ضمير مرفوع منفصل، مبتدأ، خبره محذوف، ولا يجوز إظهاره لطول الكلام بالجواب.
البلاغة:
﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ استعارة في الجملة الأخيرة، إذ ليس للقرآن يدان، ولكنه استعارة لما سبقه من الكتب السماوية المتقدمة.
стр. 6624
﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ حذف الجواب للتهويل، أي لو رأيت حالهم، لرأيت أمرا مريعا مهولا.
﴿اِسْتَكْبَرُوا﴾ و ﴿اُسْتُضْعِفُوا﴾ بينهما طباق.
﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أسند المكر إلى الليل على سبيل المجاز العقلي، أي المكر الواقع ليلا.
﴿أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى﴾ استفهام بمعنى الإنكار.
المفردات اللغوية:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة. ﴿وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي ما تقدمه من الكتب القديمة كالتوراة والإنجيل الدالين على البعث؛ لإنكارهم له. ﴿وَلَوْ تَرى﴾ يا محمد. ﴿إِذِ الظّالِمُونَ﴾ الكافرون. ﴿مَوْقُوفُونَ﴾ محبوسون ممنوعون في موقف الحساب. ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الأتباع. ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ الرؤساء. ﴿لَوْلا أَنْتُمْ﴾ لولا إضلالكم وصدكم إيانا عن الإيمان.
﴿لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ بالله مصدقين لرسوله وكتابه.
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ مجيبين عليهم، مستنكرين لما قالوه. ﴿أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى﴾ أي منعناكم عن الهدى. ﴿بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ﴾ الهدى. ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ مصرّين على الكفر، كثيري الاجرام والآثام. ﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ ردّا لجوابهم ودفعا لما نسبوه إليهم من صدهم عن الإيمان. ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي لم يكن إجرامنا الصادّ، بل مكركم بنا في الليل والنهار، ودعوتكم المستمرة لنا إلى الكفر، هو الذي حملنا على هذا، والمكر: الخديعة والاحتيال. ﴿أَنْداداً﴾ شركاء، جمع ندّ: وهو النظير والشبيه. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ﴾ أي أضمر الفريقان الندامة على ما فعلوا من الكفر، وأخفوها عن غيرهم. ﴿الْأَغْلالَ﴾ جمع غلّ، وهو طوق من حديد يوضع في العنق. ﴿فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جاء بالظاهر تنويها بذمّهم، أي جعلنا الأغلال في أعناق الكافرين في النار. ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي ما يجزون إلا جزاء عملهم في الدنيا، أو لا يفعل بهم ما يفعل إلا جزاء على أعمالهم، وتعدية ﴿يُجْزَوْنَ﴾ إما لتضمين «يجزى» معنى: يقضى، أو لنزع الخافض.
المناسبة:
بعد بيان الأمور الثلاثة من التوحيد والرسالة والحشر التي كفروا بها كلها، ذكر تعالى إنكار جماعة من المشركين القرآن والكتب السماوية القديمة، وما فيها
стр. 6625
من إثبات البعث والحشر والحساب والجزاء، ثم ذكر صورة من الحوار الحادّ بين الرؤساء المضلين والأتباع الضالين، وأوضح وصفا للجزاء الذي يلقونه على أعمالهم في الدنيا.
التفسير والبيان:
هذا لون من تمادي الكفار في طغيانهم وعنادهم وهو إصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن الكريم، وبما أخبر به من أمر المعاد، فقال تعالى:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي وقال جماعة من مشركي العرب في مكة وغيرها: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالكتب السماوية السابقة، كالتوراة والإنجيل، ولا بما اشتملت عليه من أمور الآخرة من بعث وحشر وحساب وجزاء. والمعنى: أنهم جحدوا نزول القرآن من الله تعالى، وأن يكون لما دل عليه من المعاد وإعادة الجزاء حقيقة.
ثم أخبر تعالى عن عاقبة أمرهم ومآلهم في الآخرة وحوارهم فيما بينهم فقال لرسوله أو للمخاطب:
﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ أي ولو تنظر أيها الرسول حين يكون الكافرون أذلة مهانين محبوسين في موقف الحساب، يتخاصمون ويتحاجون ويتحاورون فيما بينهم ويتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم والعتاب، لرأيت العجيب والمخيف.
وصورة الحوار هي:
﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ أي يقول الأتباع الضعفاء للسادة الرؤساء المتكبرين في الدنيا: لولا صدكم لنا عن الإيمان بالله واتباع رسوله ﷺ ، لكنا مؤمنين بالله، مصدقين برسوله ﷺ وكتابه.
стр. 6626
فأجابهم القادة:
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا: أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ، بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ أي قال السادة القادة المتكبرون في الدنيا للأتباع الضعفاء، مستنكرين لما قالوا: أنحن منعناكم عن الإيمان واتباع طريق الهدى بعد أن جاءكم من عند الله؟ لا، بل أنتم منعتم أنفسكم بإصراركم على الكفر، وولوغكم في الاجرام والإثم.
فرد عليهم الأتباع بقولهم:
﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ، وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً﴾ أي رد الأتباع على القادة رؤساء الضلال: بل الذي صدنا عن الإيمان مكركم بنا بالليل والنهار حين كنتم تطلبون منا أن نبقى على الكفر بالله، ونجعل له أشباها وأمثالا في الألوهية والعبادة.
ثم ذكر مصير الفريقين فقال:
﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ، وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي وأضمر الجميع من السادة والأتباع كل ندم على ما سلف منه عن الكفر، وأخفاه عن غيره، مخافة الشماتة، وتبينت الندامة في وجوههم حين واجهوا العذاب المحدق بهم، وحين جعلنا الأغلال وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم في النار.
ثم أخبر تعالى عن عدالة هذا الجزاء، فقال:
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾؟ أي إنما نجازي هؤلاء وأمثالهم بأعمالهم، كل بحسبه، وبسبب ما اقترفه من الشرك بالله والإثم، للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع بحسبهم: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦/ ٤١].
стр. 6627
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - لقد أعلن كفار قريش عدم إيمانهم بالقرآن وبالكتب السماوية السابقة المتضمنة الإخبار عن أمور الغيب من البعث والحشر والحساب والجزاء.
٢ - أخبر الله تعالى عن حالهم من الذلة والمهانة يوم القيامة، فهم محبوسون في موقف الحساب، يتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم والعتاب، بعد أن كانوا في الدنيا أخلاء متناصرين، فحين ترى الظالمين موقوفين على تلك الحال، ترى عجبا.
٣ - تكون المحاورة بين الرؤساء والأتباع شديدة حادة، فيقول الأتباع للسادة-وبدأ بهم لأن المضل أولى بالتوبيخ-: لولا أنكم أغويتمونا وأضللتمونا لكنا مؤمنين بالله ورسوله وكتبه.
ويردّ القادة والرؤساء على الضعفاء الأتباع بقولهم منكرين اتهامهم:
ما رددناكم نحن عن الهدى، ولا أكرهناكم، بعد أن جاءكم من الله، بل كنتم أنتم مشركين مصرين على الكفر.
فأجابهم الأتباع بجواب أبلغ وأحكم: إن خديعتكم وحيلتكم وعملكم في الليل والنهار هو الذي صدّنا عن الإيمان بالله ورسوله، وهو الذي حملنا على الكفر بدعوتكم المستمرة المدبرة دوما، وكنتم تأمروننا بالكفر بالله، وبأن نجعل له أشباها وأمثالا ونظراء.
وحين مجيء العذاب وبعد اليأس من الحوار أضمر الفريقان الندامة، وأخفوها مخافة الشماتة، وهذا معنى ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ﴾ وقيل: معنى الإسرار:
стр. 6628
الإظهار، أي أظهروا الندامة؛ لأن الفعل من الأضداد، يكون بمعنى الإخفاء والإبداء.
٤ - كان جزاء الفريقين التابعين والمتبوعين وسائر الكنار: جعل أغلال الحديد في أعناقهم في النار، وهذا جزاء حق وعدل، ولا يجازى هؤلاء إلا بسبب أعمالهم في الدنيا من الشرك بالله والإثم والعصيان.
تسلية النبي ﷺ
ظاهرة الكفر بين المترفين واعتدادهم بالأموال والأولاد ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٣٩)﴾
стр. 6629
الإعراب:
﴿بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ﴾ ﴿بِالَّتِي﴾ في موضع نصب؛ لأنه خبر ﴿ما﴾.
ودخلت الباء في خبر ﴿ما﴾ لتكون بإزاء اللام في خبر «إنّ» لأن «إن» للإثبات، و ﴿ما﴾ للنفي. و ﴿إِلاّ مَنْ آمَنَ﴾ في موضع نصب على الاستثناء، ولا يجوز أن يكون منصوبا على البدل من الكاف والميم في ﴿تُقَرِّبُكُمْ﴾ لأن المخاطب لا يبدل منه. لكن جاء إبدال الغائب من المخاطب، بإعادة العامل في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب ٢١/ ٣٣] أبدل منه بإعادة الجار، فقال: لمن كان يرجو.
البلاغة:
﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ بينهما طباق.
﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى﴾ فيه التفات من الغائب إلى المخاطب للمبالغة في تحقيق الحق، وفيه إيجاز بالحذف لدلالة السياق عليه، حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه، أي ما أموالكم بالتي تقربكم، ولا أولادكم بالذين يقربونكم عندنا.
﴿إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً﴾ ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ مقابلة بين عاقبة الأبرار والفجار.
﴿كافِرُونَ﴾ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿آمِنُونَ﴾ ﴿مُحْضَرُونَ﴾ فيها توافق الفواصل الذي فيه جميل الوقع على السمع.
المفردات اللغوية:
﴿قَرْيَةٍ﴾ أهل قرية أي بلد. ﴿نَذِيرٍ﴾ ينذرهم ويحذرهم عقاب الله. ﴿مُتْرَفُوها﴾ أثرياؤها وقادة الشرّ فيها. ﴿كافِرُونَ﴾ مكذبون لكم بما أرسلتم به من التوحيد والإيمان. ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ قاسوا أمر الآخرة المفترضة عندهم على أمر الدنيا، واعتقدوا أنهم لو لم يكونوا مكرمين عند الله لما رزقهم، ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم.
﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ يوسعه لمن يريد امتحانا. ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيقه لمن يشاء ابتلاء. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فيظنون أن كثرة الأموال والأولاد للشرف والكرامة، وكثيرا ما يكون للاستدراج. ﴿زُلْفى﴾ قربى أي تقريبا، ويصح: زلفة: قربة. ﴿إِلاّ مَنْ آمَنَ﴾ لكن من آمن. ﴿جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا﴾ الجزاء المضاعف للحسنات، أي الحسنة بعشر فأكثر. ﴿الْغُرُفاتِ﴾ غرفات الجنة، وقرئ: الغرفة، بمعنى الجمع. ﴿آمِنُونَ﴾ من جميع ما يكرهون من الموت وغيره.
стр. 6630
﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا﴾ القرآن بالرد والطعن. ﴿مُعاجِزِينَ﴾ مسابقين مغالبين لنا، زاعمين أنهم يفوتوننا بأنفسهم. ﴿أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ تحضرهم الزبانية إلى النار، دون أن يجدوا عنها محيصا أو مهربا.
﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في فعل الخيرات التي أمر الله بها في كتابه وبيّنها رسوله ﷺ .
﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي يعوضه عليكم إما في الدنيا وإما في الآخرة. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أي إن الناس مجرد وسطاء، فإن رزق العباد لبعضهم بعضا إنما هو بتيسير الله وتقديره، وليسوا برازقين على الحقيقة، وإنما الرازق الحقيقي هو الله تعالى.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٤):
﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ.﴾.:
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي رزين قال: «كان رجلان شريكان، خرج أحدهما إلى الشام، وبقي الآخر، فلما بعث النبي ﷺ كتب إلى صاحبه يسأله ما عمل، فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إلا رذالة الناس ومساكينهم، فترك تجارته، ثم أتى صاحبه، فقال: دلّني عليه، وكان يقرأ الكتب، فأتى النبي ﷺ ، فقال: إلام تدعو؟ فقال: إلى كذا وكذا، فقال: أشهد أنك رسول الله، فقال: وما علمك بذلك؟ قال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه رذالة الناس ومساكينهم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها: إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ فأرسل إليه النبي ﷺ : إن الله قد أنزل تصديق ما قلت».
المناسبة:
بعد بيان تكذيب المشركين بالقرآن وبما تقدمه من الكتب السماوية، سلّى الله رسوله ﷺ مما مني به من مخالفة قومه، وخصّ بالتكذيب المترفين المعتمدين على كثرة الأموال والأولاد؛ لأن الداعي إلى التكبر والإباء المفاخرة بزخارف
стр. 6631
الدنيا والانهماك في الشهوات، والاستهانة بمن لم يحظ منها، وهذه ظاهرة عامة في الأمم؛ لأن إيذاء الكفار الأنبياء ليس بدعا.
ثم فنّد الله تعالى مزاعمهم مبينا بأن الغنى والفقر لا يرتبطان بالإيمان والكفر، فقد يرزق الكافر الفاجر ويحرم المؤمن وبالعكس، لحكمة ومصلحة يعلمها الله تعالى، وإنما الجزاء العادل في الآخرة حيث يمتّع المتقون بغرف الجنان، ويزج الكافرون الصادون عن سبيل الله في نار جهنم.
التفسير والبيان:
يسلّي الله نبيه ﷺ عن إعراض قومه عن دعوته، ويأمر بالتأسي بالرسل المتقدمين، ويخبره بأنه ما بعث نبيا في قرية إلا كذبه مترفوها، واتبعه ضعفاؤهم، فقال:
﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها: إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أي لم نبعث إلى أهل كل قرية نبيا أو رسولا يحذرهم ويخوفهم عقاب الله إلا قال أغنياؤها وكبراؤها وأولو النعمة وقادة الشر فيها: إنا مكذبون بما أرسلتم به من توحيد الإله والإيمان به، ونبذ تعدد الآلهة، فلا نؤمن بكم ولا نتبعكم.
ونظير الآية كثير مثل: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ [الأنعام ١٢٣/ ٦] ومثل: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها، فَفَسَقُوا فِيها، فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ، فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ [الإسراء ١٦/ ١٧].
ومسوغات كفرهم: الاغترار بالأموال والأولاد، كما قال تعالى:
﴿وَقالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً، وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي وقال المترفون الكافرون للرسل وأتباعهم المؤمنين: إن الله فضلنا عليكم بالأموال والأولاد في
стр. 6632
الدنيا، وأنتم فقراء ضعفاء، فهذا دليل تميزنا وتفاخرنا، وهو دليل على محبة الله تعالى لنا ورضاه عنا، وما نحن عليه من الدين، وما كان ليعطينا هذا في الدنيا ويحسن إلينا، ثم يعذبنا في الآخرة.
ولكن هذه النظرة خطأ محض، وقياس باطل، فإن الإمداد بالأموال غالبا ما يكون للاستدراج، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون ٥٦/ ٢٣ - ٥٥]. وقال سبحانه:
﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ، إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ، وَهُمْ كافِرُونَ﴾ [التوبة ٥٥/ ٩].
وهنا رد الله عليهم، وأبان خطأهم، فقال:
﴿قُلْ: إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي قل أيها الرسول لهم:
إن الله يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب، فيغني من يشاء، ويفقر من يشاء، لا لمحبة لمن وسع عليه، ولا لبغض لمن ضيق عليه، وإنما له في ذلك حكمة تامة بالغة، ولأن الدنيا لا تساوي شيئا في ميزان الله، كما
قال النبي ﷺ فيما رواه الترمذي عن سهل بن سعد: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء».
﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي إن أكثر الناس لا يعلمون حقيقة سنن الله في الكون، فقياس الدار الآخرة على الدار الأولى في مسألة الرزق غلط بيّن، أو مغالطة واضحة، فقد يعطي الله العاصي والكافر استدراجا، ويمنع الطائع والمؤمن ابتلاء واختبارا، ليصبر، فتكثر حسناته عند الله، وبه يتبين أن ما يزعمه المترفون من أن مدار التوسعة هو الشرف والكرامة ومدار التضييق هو الهوان والذل: لا حقيقة له ولا أصل في تقدير الله تعالى.
ثم أبان تعالى ميزان القربى عنده، وأنها ليست بكثرة المال والولد، وإنما بالإيمان والعمل الصالح، فقال:
стр. 6633
﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا، وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ أي وليست كثرة أموالكم وأولادكم هي دليل محبتنا لكم ورضائنا عنكم، ولا هي مما تقربكم إلى رحمتنا وفضلنا، فإنما أموالكم وأولادكم فتنة واختبار لنعلم من يستعملها في طاعة الله، ممن يعصي الله فيها.
لكن من آمن بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، وعمل صالح الأعمال، فأدى الفرائض، واستعمل أمواله في طاعة الله، فإن إيمانه وعمله يقربانه لدينا، ويكون مرضيا عندنا، وهؤلاء لهم الجزاء المضاعف للحسنات، نجازيهم الحسنة بعشر أمثالها فأكثر إلى سبع مائة ضعف، وهم آمنون من كل مكروه في غرفات الجنان.
روى الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
وروى ابن أبي حاتم عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة لغرفا ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها، فقال أعرابي:
لمن هي؟ قال ﷺ : لمن طيّب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام».
ثم هدد الله تعالى الكافرين، وأبان حال المسيئين، فقال:
﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ، أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي إن الذين يحاولون رد آياتنا في القرآن، والطعن فيها، لإبطالها، ويسعون في الصد عن سبيل الله، واتباع رسله، والتصديق بآياته، زاعمين أنهم يفوتوننا،
стр. 6634
وأننا لا نقدر عليهم، فأولئك جميعهم مجزيون بأعمالهم، تحضرهم الزبانية إلى عذاب جهنم، ولا يجدون عنها محيصا أو مهربا.
ثم أبان الله تعالى ما يريح الخلائق جميعا في مسألة الرزق، وأنه وحده هو المصدر، فقال:
﴿قُلْ: إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي قل أيها الرسول لهم: إن ربي وحده هو الذي يوسع الرزق على من يريد من عباده، وهو الذي يضيقه على من يشاء، بحسب ما له في ذلك من الحكمة التي لا يدركها غيره.
﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أي إن عطاء الله متجدد دائم، فكل ما تنفقونه في فعل الخيرات التي أمر الله بها في كتابه وبيّنها رسوله ﷺ ، فهو يعوضه عليكم بالبدل في الدنيا أو بالجزاء والثواب في الآخرة، والله هو الرازق في الحقيقة، وما العباد إلا وسائط وأسباب. وفي هذا تزهيد في الدنيا وترغيب في الإنفاق في الخير.
جاء في الحديث القدسي عند مسلم: «يقول الله تعالى: أنفق أنفق عليك»
وروى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا».
وقال رسول الله ﷺ : «أنفق بلالا، ولا تخش من ذي العرش إقلالا».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إن الاغترار بالأموال والأولاد ظاهرة عامة في البشر، وهي في الغالب سبب للإعراض عن دعوة الرسل، فلم يرسل الله نبيا ولا رسولا إلا قال مترفوها
стр. 6635
أي أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها وقادة الشر للرسل والأنبياء: نحن كافرون بما أرسلتم به.
وقالوا أيضا: لقد فضلنا عليكم بالأموال والأولاد، ولو لم يكن ربكم راضيا بما نحن عليه من الدّين والفضل لم يعطنا ذلك، ولسنا نحن بمعذبين في الآخرة إن وجدت كما تقولون؛ لأن من أحسن إليه فلا يعذبه.
٢ - رد الله عليهم قولهم بأن الله هو الذي يفاضل بين عباده في الأرزاق امتحانا لهم، فلا يدل شيء من ذلك على ما في العواقب، فسعة الرزق في الدنيا لا تدل على سعادة الآخرة، فلا تظنوا أن أموالكم وأولادكم تغني عنكم غدا شيئا، والرزق في الدنيا لا تدل سعته وضيقه على حال المحق والمبطل، فكم من موسر شقي ومعسر تقي.
ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذا؛ لأنهم لا يتأملون.
٣ - أكد الله تعالى جوابه بأن الأموال والأولاد لا تقرب شيئا إلى الله، أما الذي يقرب إليه فهو الإيمان والعمل الصالح، فمن آمن وعمل صالحا فلن يضره ماله وولده في الدنيا.
وأولئك المؤمنون الصالحون لهم الجزاء المضاعف للحسنات في الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦] وهم الآمنون من كل مكروه في غرفات الجنة، آمنون من العذاب والموت والأسقام، وهذا إشارة إلى دوام النعيم وتأبيده، فإن من تنقطع عنه النعمة، لا يكون آمنا.
وقد استدل بعضهم بهذه الآية في تفضيل الغنى على الفقر، قال محمد بن كعب: إن المؤمن إذا كان غنيا آتاه الله أجره مرتين بهذه الآية.
٤ - أما الكافرون الصادون عن سبيل الله واتباع رسله، الساعون في إبطال
стр. 6636
الأدلة والحجج المذكورة في القرآن، الذين يحسبون أنهم يفوتون الله بأنفسهم، فلا يقدر عليهم، فأولئك تحضرهم الزبانية في نار جهنم، وهذا إشارة أيضا إلى دوام العذاب، كما قال تعالى: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة ٢٠/ ٣٢] وكما قال تعالى: ﴿وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الانفطار ١٦/ ٨٢].
٥ - كرر الله تعالى للتأكيد أنه هو وحده باسط الرزق ومضيقه لمن يشاء، على وفق ما يرى من الحكمة والمصلحة لعباده، فيا أيها المغترون بالأموال والأولاد: إن الله يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء، فلا تغتروا بالأموال والأولاد، بل أنفقوها في طاعة الله، فإن ما أنفقتم في طاعة الله فهو يخلفه عليكم، والله تعالى يرزق من خزائن لا تفنى، وهو الرازق على الحقيقة، والناس مجرد وسطاء ورزقهم منقطع، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات ٥٨/ ٥١].
٦ - ما دلت عليه الآية: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾
والحديث المتقدم المتفق عليه عن أبي هريرة مرفوعا: «قال: قال الله : «أنفق أنفق عليك»: فيه إشارة إلى أن الخلف في الدنيا عن النفقة إذا كانت النفقة في طاعة الله، وقد لا يكون الخلف في الدنيا فيكون كالدعاء لتكفير الذنوب أو ادخار الثواب في الآخرة.
روى الدارقطني عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «كل معروف صدقة، وما أنفق الرجل على نفسه وأهله، كتب له صدقة، وما وقى به الرجل عرضه (١) فهو صدقة، وما أنفق الرجل من نفقة فعلى الله خلفها إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية».
أما ما أنفق الشخص في معصية فلا خوف أنه غير مثاب عليه، ولا مخلوف له. وأما البنيان فما يكون منه ضروريا يكنّ الإنسان ويحفظه فذلك مخلوف
стр. 6637
عليه، ومأجور ببنيانه، كحفظ بنيته، وستر عورته.
قال ﷺ فيما رواه الترمذي والحاكم عن عثمان: «ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء» أي الوعاء.
٧ - دل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ على أن نعيم الآخرة لا ينافي نعمة الدنيا، بل الصالحون قد يحصل لهم في الدنيا النعم، مع القطع بحصول النعيم لهم في العقبى، بناء على وعد الله تعالى.
وخيرية الرزق في أمور ذكرها الرازي: أحدها-ألا يؤخر عن وقت الحاجة، والثاني-ألا ينقص عن قدر الحاجة، والثالث-ألا ينكده بالحساب، والرابع-ألا يكدره بطلب الثواب (١).
تقريع الكفار يوم القيامة أمام معبوداتهم ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾
البلاغة:
﴿أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ تقريع وتوبيخ للمشركين، والخطاب للملائكة.
﴿نَفْعاً﴾ و ﴿ضَرًّا﴾ بينهما طباق.
стр. 6638
المفردات اللغوية:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أي يحشر للحساب العابد والمعبود، والمستكبر والمستضعف، وقرئ:
نحشرهم ﴿أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ هذا تقريع للمشركين، وتوبيخ لكل من عبد غير الله ، وإقناط لهم عما يتوقعون من شفاعتهم. والخطاب للملائكة؛ لأنهم أشرف شركائهم، والصالحون للخطاب منهم.
﴿قالُوا﴾ أي الملائكة ﴿سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي تنزيها لك عن الشريك، أنت الذي نتولاه ونطيعه ونعبده من دونهم، ولا موالاة بيننا وبينهم، وما كنا معبودين لهم على الحقيقة ﴿بَلْ﴾ للإضراب والانتقال ﴿كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ الشياطين، وهم إبليس وجنوده، فإنهم كانوا يطيعونهم في عبادتهم إيانا ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ أي أكثر المشركين مصدقون بالجن فيما يلقونه إليهم من الوساوس والأكاذيب، ومنها أمرهم بعبادة الأصنام، فالضمير الأول للمشركين والثاني للجن.
قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا﴾ أي لا يملك المعبودون للعابدين شفاعة ونجاة، ولا عذابا وهلاكا؛ لأن الأمر يوم القيامة كله لله، والدار دار جزاء، والله هو المجازي وحده ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم وكفروا بعبادة غير الله ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا.
المناسبة:
لما بيّن الله تعالى أن حال النبي ﷺ كحال من تقدمه من الأنبياء، وحال قومه كحال من تقدم من الكفار، وبيّن لهم خطأ اعتمادهم على كثرة الأموال والأولاد، بيّن ما يكون من حالهم يوم القيامة من التقريع والتوبيخ، بسؤال الملائكة: أهم كانوا يعبدونكم؟ إهانة لهم. ثم بيّن أنهم كانوا ينقادون لأمر الجن، وأن ما كانوا يعبدونه لا ينفعهم.
التفسير والبيان:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ﴾؟ أي ويوم يحشر الله تعالى العابدين والمعبودين، والمستكبرين والمستضعفين جميعا، ثم يسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صورهم، ليقربوهم إلى الله زلفى: أأنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟ وهذا السؤال يراد
стр. 6639
به تقريع المشركين يوم القيامة أمام الخلائق، على طريقة: إياك أعني واسمعي يا جارة.
وهذا شبيه بقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان ١٧/ ٢٥] وشبيه بسؤال عيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ: اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ؟ قالَ: سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة ١١٦/ ٥]. والله يعلم أن الملائكة وعيسى أبرياء من هذه التهمة، وإنما السؤال والجواب للتقريع والتوبيخ والتعيير.
﴿قالُوا: سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ، بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ أي قالت الملائكة: تنزيها لك يا رب عن الشريك، نحن عبيدك، ونبرأ إليك من هؤلاء، وأنت الذي نتولاه ونطيعه ونعبده من دونهم، ما اتخذناهم عابدين، ولا موالاة بيننا وبينهم، بل إنهم كانوا يعبدون الشياطين وهم إبليس وجنوده، فهم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان وأضلوهم، وأكثر المشركين مصدقون الجن فيما يلقونه إليهم من الوساوس والأكاذيب، ومنها أمرهم بعبادة الأصنام، كما قالت ﵎: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً، وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً، لَعَنَهُ اللهُ﴾ [النساء ١١٧/ ٤ - ١١٨].
ثم أعلن الله تعالى إفلاسهم وتبدد آمالهم بشفاعة الآلهة المزعومة، زيادة في إيلامهم وحسرتهم، فقال:
﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا﴾ أي في يوم القيامة هذا لن يتحقق لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه من الأوثان والأنداد التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم وكربكم، ولن تكون لكم شفاعة وقدرة على النجاة، كما لن يكون بيدكم العذاب والهلاك، وإنما المجازي هو الله وحده.
﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا: ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ أي
стр. 6640
ونقول للذين ظلموا أنفسهم بعبادة غير الله وهم المشركون تأنيبا وتوبيخا: ذوقوا عذاب جهنم الذي كنتم تكذبون بوقوعه في الدنيا، فأنتم الآن في أعماق النار.
وهذا تأكيد لبيان حالهم في الظلم وعقابهم على الإثم.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدل الآيات على ما يأتي:
١ - الحشر والحساب حق، والله يحشر جميع الخلائق، لكن يكون للكفار حشر وموقف خاص، فالله تعالى يحشر العابدين والمعبودين أي يجمعهم للحساب مع بعضهم، ثم يسأل الملائكة الذين يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صورهم، فيقول تقريعا وتوبيخا للكفار على عبادتهم غير الله: أهؤلاء كانوا يعبدونكم؟ ٢ - يتبرأ الملائكة من هذه التهمة قائلين: سبحانك، أي تنزيها لك يا رب عن الشريك، أنت ربنا الذي نتولاه ونطيعه ونعبده ونخلص في العبادة له، وإنما يعبد هؤلاء الشياطين ويطيعونهم، لأنهم زينوا لهم عبادة الأوثان وأضلوهم.
وجاء في التفاسير: أن بني مليح من خزاعة كانوا يعبدون الجن، ويزعمون أن الجن تتراءى لهم، وأنهم ملائكة، وأنهم بنات الله. وهو قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ [الصافات ١٥٨/ ٣٧].
٣ - أيأس الله تعالى الكفار من شفاعة أحد من آلهتهم المزعومة، وأخبر بأنه في يوم القيامة لا يملك المعبودون للعابدين شفاعة ونجاة، ولا عذابا وهلاكا، وإنما المالك المجازي وحده هو الله تعالى.
٤ - يعاين الكفار جهنم، ويقذفون فيها، فيقال لهم تقريعا وتوبيخا:
стр. 6641
﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا، والمكذب به هنا: هو النار، وفي سورة السجدة ﴿عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ﴾ [٢٠] هو العذاب، وهم في الواقع يكذبون بالكل. وسبب التغاير في التعبير أن الآية هنا في وصف النار التي كانت أول ما رأوها بعد الحشر والسؤال، وأما في سورة السجدة فالمراد وصف العذاب الذي يعانونه بعد دخولهم النار، وأنه العذاب الدائم.
أسباب تعذيب الكفار ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥) قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾
стр. 6642
الإعراب:
﴿أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى﴾ ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾: إما في موضع جر على البدل من قوله:
﴿بِواحِدَةٍ﴾ أي بأن، أو في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: وهي أن تقوموا، أو في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجر، وهو اللام، وتقديره: لأن تقوموا لله، و ﴿مَثْنى وَفُرادى﴾ منصوبان على الحال من واو ﴿تَقُومُوا﴾.
﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ مرفوع على أنه خبر ثان بعد أول وهو ﴿يَقْذِفُ﴾ أو على البدل من ضمير ﴿يَقْذِفُ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهو ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾، أو بدل من «ربّ» على الموضع، وموضعه الرفع، أو وصف ل «رب» على الموضع. ويجوز فيه النصب من وجهين: على الوصف ل «رب» أو على البدل منه.
﴿وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾: ﴿ما﴾: في موضع نصب، تقديره: أيّ شيء يبدئ الباطل، وأيّ شيء يعيد.
البلاغة:
﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ استعارة، استعار لفظ اليدين لما يكون من الأهوال أمام الإنسان.
﴿وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾ كناية عن زهوق الباطل ومحو أثره.
﴿مَثْنى وَفُرادى﴾ بينهما طباق.
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على إمعانهم في الكفر.
المفردات اللغوية:
﴿آياتُنا﴾ القرآن ﴿بَيِّناتٍ﴾ واضحات الدلالات، ظاهرات المعاني ﴿ما هذا﴾ التالي لها وهو النبي محمد ﷺ ﴿يَصُدَّكُمْ﴾ يمنعكم ﴿وَقالُوا: ما هذا﴾ قالوا ثانيا ما هذا القرآن ﴿إِفْكٌ﴾ كذب ﴿مُفْتَرىً﴾ مختلق لا أساس له ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالوا ثالثا ﴿لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ لأمر الدين الذي جاءهم به رسول الله ﷺ من القرآن والمعجزات، وهذا باعتبار لفظه وإعجازه، والأول باعتبار معناه ﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ما هذا إلا سحر ظاهر سحريته.
ويلاحظ أن الإشارة الأولى: ﴿ما هذا إِلاّ رَجُلٌ﴾ إلى رسول الله ﷺ ، والثانية: ﴿ما هذا إِلاّ إِفْكٌ﴾ إلى القرآن، والثالثة: ﴿لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ والحق: أمر النبوة كله ودين الإسلام كما
стр. 6643
وتكرار الفعل: ﴿قالُوا﴾ والتصريح بذكر الكفرة، وقوله: ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ من المبادهة بالكفر وأنه حين جاءهم لم يفكروا فيه، بل بادروه بالإنكار: دليل على صدور الكفر عن إنكار عظيم له، وغضب شديد منه، وتعجيب بليغ منه، كأنه قال: وقال أولئك الكفرة المتمردون بجراءتهم على الله، ومكابرتهم لمثل ذلك الحق المنير قبل أن يتذوقوه: ما هو إلا سحر واضح لمن يتأمله.
﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ أي ما أنزلنا على العرب كتبا سماوية يدرسون فيها، وهو دليل على صحة الإشراك ﴿وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يدعوهم إليه، وينذرهم بالعذاب على تركه. وهذا في غاية التجهيل لهم والتسفيه لرأيهم، فليس لتكذيبهم بالقرآن وبالرسول ﷺ وجه، ولا شبهة يعتمدون عليها، إذ لم يأتهم كتاب، ولا نذير بهذا الذي فعلوه، فمن أين كذبوك؟! ﴿وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ أي وما بلغ هؤلاء عشر ما آتينا أولئك من القوة وطول العمر وكثرة المال فأهلكهم الله، كعاد وثمود ونحوهم، والمعشار: هو العشر أي عشرة في المائة، وقيل: هو عشر العشر، أي واحد في المائة ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب والعقوبة؟ أي هو واقع موقعه.
﴿أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ﴾ أحذركم وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه، وأوصيكم بخصلة واحدة وهي ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى﴾ أي أن تقوموا في طلب الحق بالفكرة الصادقة متفرقين: اثنين اثنين، أو واحدا واحدا؛ لأن الاجتماع يشوش الفكر. ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ تنظروا في حقيقة أمر النبي ﷺ وما جاء به من الكتاب، فتعلموا أنه ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أن محمدا ﷺ ليس بمجنون ولا ساحر، فليس في أحواله ولا تصرفاته ما يدل على ذلك، ومجيئه بالوحي دليل ظاهر على صدقه ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ما هو إلا منذر لكم قبل مجيء عذاب شديد في الآخرة إن عصيتموه، وقد علمتم أنه أرجح الناس عقلا، وما جربتم عليه كذبا مدة عمره فيكم.
﴿قُلْ: ما سَأَلْتُكُمْ﴾ قل لهم: ما طلبت منكم على الإنذار والتبليغ ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ مال مقابل الرسالة ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ ما ثوابي إلا على الله، لا على غيره ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مطلع، لا يغيب عنه شيء، يعلم صدقي.
﴿قُلْ: إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ يتكلم بالحق ويلقيه إلى أنبيائه، وهو القرآن والوحي ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ يعلم ما غاب عن خلقه في السموات والأرض ﴿جاءَ الْحَقُّ﴾ أي الإسلام والتوحيد، والقرآن الذي فيه البراهين والحجج ﴿وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾ أي لا أثر للكفر أو الشرك، فهو لا حقيقة له بدءا وإعادة. ﴿إِنْ ضَلَلْتُ﴾ عن الحق وطريقه ﴿فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ أي إثم ضلالتي يكون على نفسي ﴿فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ من القرآن والحكمة والموعظة ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ مني ومنكم، يعلم الهدى والضلالة.
стр. 6644
المناسبة:
بعد بيان عقاب المشركين في نار جهنم يوم القيامة وأنه يقال لهم: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ذكر الله تعالى الأسباب الموجبة للعذاب من فساد الاعتقاد، واشتداد العناد، وتكذيب النبي ﷺ والقرآن والإسلام كله، ثم أنذرهم سوء العاقبة كالذين من قبلهم من الأمم القوية، ودعاهم إلى التأمل والتفكر الهادئ العميق في شأن النبي ﷺ المنذر من عذاب يوم القيامة، وأخبرهم بأن الله أرسل إليهم الحق الدامغ الساطع وهو القرآن والوحي، وما عداه هو الباطل الذي لا حقيقة ولا بقاء لأثره.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن أسباب استحقاق الكفار العقوبة وأليم العذاب، ويذكر هنا أهمها وهي ثلاث: الطعن بالنبي ﷺ ، وبالقرآن الكريم، وبالدين والإسلام كله، فيقول:
١ - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا: ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ أي وإذا تليت آيات القرآن الواضحات الدلالة على إثبات التوحيد وإبطال الشرك، الظاهرات المعاني، قالوا: ما هذا أي النبي محمد ﷺ إلا رجل يريد صرفكم عن دين الآباء والأجداد من عبادة الأصنام، دون حجة ولا برهان، وما جاء به باطل.
٢ - ﴿وَقالُوا: ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً﴾ أي وقال الكفار ثانيا: ما هذا أي القرآن إلا كذب على الله، مختلق من عنده، بقصد تضليل الأتباع.
٣ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ: إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي وقال الكافرون ثالثا: ما هذا الدين والإسلام المشتمل على المعجزات والشرائع والأحكام لتنظيم الحياة الاجتماعية إلا سحر ظاهر.
стр. 6645
فرد الله عليهم مبطلا كون دينهم حقا، ومظهرا انعدام حجتهم في اتباعه، فقال:
﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها، وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ أي ما أنزل الله على العرب من كتاب قبل القرآن يقرر لهم دينا، وما أرسل إليهم نبيا قبل محمد ﷺ يدعوهم إلى الحق، وينذرهم بالعذاب مع أنهم كانوا يقولون: لو جاءنا نذير أو أنزل علينا كتاب لكنا أهدى من غيرنا، فلما منّ الله عليهم بذلك كذبوه وجحدوه وعاندوه.
وإذا كان الدين الصحيح لا يعرف إلا بوحي من عند الله، وبكتاب ينزل على رسول، فإن ادعاء المشركين أن الشرك بالله وتقليد الأسلاف هو الدين الحق ادعاء باطل لا يعتمد على أساس ولا حجة.
ونظير الآية كثير منها: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٥/ ٣٠] ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف ٢١/ ٤٣] ﴿أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ، إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم ٣٧/ ٦٨ - ٣٨].
ثم هددهم بعذاب مشابه لعذاب الأمم الظالمة من قبلهم، فقال:
﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ، فَكَذَّبُوا رُسُلِي، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي ولقد كذبت الرسل والوحي أمم سابقة من القرون الخالية كقوم نوح وعاد وثمود، وكانوا في الدنيا أشد قوة وبأسا من العرب، بل إن أهل مكة من مشركي قريش وغيرهم من العرب لم يبلغوا بقوتهم وكثرة ما لهم عشر ما آتينا من قبلهم من القوة وكثرة المال، فلم يدفع عنهم عذاب الله ولا رده، وإنما أهلكهم الله ودمرهم تدميرا، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ، وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر ٨٢/ ٤٠].
стр. 6646
وما جرى على المثيل يجري على مثيله، لتساويهما في سبب العقاب، فيتساويان في الحكم.
ثم نصحهم القرآن بالتأمل والتريث في الحكم على النبي ﷺ ، فقال تعالى:
﴿قُلْ: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ: أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا:﴾
﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي أحذركم وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه، وآمركم وأنصحكم بخصلة واحدة: هي قيامكم في طلب الحق بالفكرة الصادقة، والتأمل الذاتي المجرد المخلص، دون تأثر بهوى أو عصبية، متفرقين اثنين اثنين، أو واحدا واحدا؛ لأن الاجتماع والتجمهر يشوّش الفكر، وينشر الغوغائية والفوضى، ويثني الفكر عن الصواب، ثم ينصح بعضكم بعضا بإخلاص أن ينظر ويتفكر في حقيقة أمر النبي ﷺ وما جاء به من الكتاب، فإنكم حينئذ تعلمون أن صاحبكم ليس بساحر ولا مجنون؛ ليس في أحواله ولا تصرفاته ما يدل على ذلك، وإنما هو نبي مؤيد من عند الله بالمعجزات الدالة على صدقه.
﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ أي وما هذا الرسول إلا منذركم ومخوفكم ما تستقبلونه من عذاب شديد على النفوس يوم القيامة. وجعل إنذاره بين يدي العذاب إشارة إلى قرب العذاب؛ لأنه بعث قرب الساعة،
روى الإمام أحمد حديثا هو: «بعثت أنا والساعة جميعا إن كادت لتسبقني».
وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «صعد النبي ﷺ الصّفا ذات يوم، فقال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبّحكم أو يمسّيكم، أما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلى، قال ﷺ : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب:
تبّا لك، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله : ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ، وَتَبَّ﴾ [المسد ١/ ١١١].
стр. 6647
قال الرازي: ذكر الأصول الثلاثة في هذه الآية بعد ما سبق منه تقريرها بالدلائل، فقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ﴾ إشارة إلى التوحيد، وقوله:
﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ إشارة إلى الرسالة، وقوله:
﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ إشارة إلى اليوم الآخر.
ولما نفى تعالى عن النبي ﷺ الجنون المستلزم كونه نبيا، ذكر سببا آخر يلزم منه أنه نبي: وهو عناؤه الشديد في دعوته لا لغرض دنيوي عاجل، وإنما بقصد الثواب الأخروي، فقال:
﴿قُلْ: ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ، إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي قل أيها الرسول للمشركين: لا أريد منكم أجرا ولا عطاء على أداء رسالة الله إليكم، ونصحي لكم، وأمري بعبادته تعالى، إنما أطلب ثواب ذلك من عند الله تعالى، والله عالم بجميع الأمور، من صدقي في تبليغ الرسالة، وما أنتم عليه.
ثم صرح تعالى بأن ما جاء به هذا الرسول ﷺ إنما هو وحي من عند الله، فقال: ﴿قُلْ: إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ، عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ أي قل للمشركين: إن الله يرسل الملك بالوحي إلى من يشاء من عباده، فمن يصطفيهم لرسالته، وهو علام الغيوب، فلا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض.
وهذا كما قال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ [غافر ١٥/ ٤٠] وقال سبحانه: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤/ ٦].
وبعد أن ذكر الله تعالى أنه يقذف بالحق بصيغة الاستقبال، أخبر أن ذلك الحق قد جاء فقال:
стр. 6648
﴿قُلْ: جاءَ الْحَقُّ، وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾ أي قل للمشركين: جاء الدين الحق وهو الإسلام والقرآن والتوحيد، وهو الذي سيعلو على سائر الأديان، ويمحق الله الباطل ويذهب أثره، فلا يبقي منه شيئا، كما قال تعالى:
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ، فَيَدْمَغُهُ، فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ [الأنبياء ١٨/ ٢١].
روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي «أنه لما دخل رسول الله ﷺ المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد الأصنام منصوبة حول الكعبة، جعل يطعن الصنم منها بسية قوسه ويقرأ: ﴿وَقُلْ: جاءَ الْحَقُّ، وَزَهَقَ الْباطِلُ، إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء ٨١/ ١٧]، و ﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ، وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾.
ثم أكد الله تعالى تقرير الرسالة، وأعلن القول الفصل بين النبي ﷺ وبين المشركين، فقال:
﴿قُلْ: إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي، وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ أي قل أيها النبي لأولئك المشركين: إن ضللت عن الهدى وطريق الحق، فإن إثم ضلالي وضرره على نفسي، وإن عرفت طريق الهداية فمما أوحى إلي ربي من الخير والحق والاستقامة، إنه سميع لقولي وأقوالكم، قريب مني ومنكم، يعلم الهدى والضلالة، ويجازي كل إنسان بما يستحق.
فالخير كله من الله ، وفيما أنزله من الوحي والحق المبين الذي فيه الهدى والبيان والرشاد، ومن ضل فإنما يضل من تلقاء نفسه.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يلي:
١ - العدل والحق المطلق أهم مزية الحكم الإلهي، فلا يظلم الله أحدا،
стр. 6649
ولا يعاقب إلا بأسباب موجبة للعقاب، وأهم الأسباب التي استحق بها المشركون نار جهنم: الطعن بالنبي ﷺ ، وبالقرآن المجيد، وبالدين والإسلام نظام البشرية الأمثل، وقانونها الأعدل والأحكم.
٢ - لا حجة للمشركين في الإشراك بالله إلا تقليد الأسلاف واتباع الآباء والأجداد، دون حجة عقلية ولا برهان منطقي مقبول.
٣ - ليس للمشركين ما يعتمدون عليه أيضا من الأدلة النقلية، فليس لهم كتاب يقرءون فيه بطلان ما جاء به النبي ﷺ ، ولم يسمعوا شيئا عن دينهم من رسول بعث إليهم، فلا وجه لتكذيبهم ولا شبهة يتمسكون بها، كشبهة أهل الكتاب وإن كانت باطلة، الذين يقولون: نحن أهل كتاب وشرائع، ومستندون إلى رسل من رسل الله.
والخلاصة: أنه ليس للمشركين على شركهم حجة عقلية ولا نقلية.
٤ - لم يبق أمام موقف أولئك المشركين المتشدد المعاند إلا توعدهم على تكذيبهم رسول الله ﷺ والقرآن بما حلّ من العذاب بالأمم الغابرة كعاد وثمود، الذين كانوا أشد من أهل مكة المشركين بطشا، وأكثر أموالا وأولادا، وأوسع عيشا، فأهلكهم الله، بل إنهم ما بلغوا عشر ما أوتي من قبلهم من تلك الأمم.
٥ - وبجانب الوعيد فهناك للكلمة المتأنية والفكرة الهادئة دور حيوي، لذا دعاهم الله تعالى أيضا إلى إعمال الفكر، لا بنحو جماهيري جماعي غوغائي، وإنما بطريق ثنائي أو فردي يدعو إلى الهدوء والتروي والمناقشة المنطقية المقبولة، وذلك في توحيد الله مصدر السعادة، وفي حقيقة النبي محمد ﷺ ، بدراسة تاريخ حياته المعاصرة لهم، فهل جربوا عليه كذبا، أو رأوا فيه جنونا وخللا عقليا، وهل في أحواله وتصرفاته من فساد وشذوذ وانحراف، وهل كان يتردد إلى من يدّعي العلم بالسحر، وهل تعلّم الأقاصيص وقرأ الكتب، وهل عرفوه طامعا في
стр. 6650
أموالهم، وهل هم قادرون على معارضة القرآن المنزل عليه في سورة واحدة؟! فإذا عرفوا بهذه التأملات والدراسة الواقعية صدقه، فما بال هذه المعاندة والمعارضة له؟ ٦ - لم يكن رسول الله ﷺ إلا مبشرا من أطاعه بالجنة، ومنذرا من عصاه بنار جهنم يوم القيامة.
٧ - وأيضا إن عناء النبي الشديد في تبليغ دعوته دون أن يأخذ من أحد أجرا على تبليغ الرسالة دليل واقعي على صدق نبوته، فهو لا يريد إلا الأجر والثواب من عند ربه، وهذا دليل الإخلاص، والله رقيب على كل أعماله وأعمالهم، وعالم بها لا يخفى عليه شيء، فهو يجازي الجميع بما يستحقون.
٨ - الله الحق هو مصدر الوحي والحق والقرآن وبيان الحجة وإظهارها، وهذا ما أنزله على نبيه محمد ﷺ ؛ لأنه علام الغيوب: أي الأمر الذي غاب وخفي جدّا، وقد علم أن محمدا ﷺ أولى من غيره باصطفائه للنبوة والرسالة ونزول القرآن على قلبه.
٩ - لقد جاء الحق للبشرية فعلا وهو القرآن الذي فيه البراهين والحجج على صحة الاعتقاد من التوحيد والرسالة والبعث والحساب. وإذا جاء الحق اندحر الباطل وهو الشرك والكفر ولم يعد له قرار ولا أثر ولا مقام، ولم يبق منه شيء أمام الحق.
١٠ - قال الكفار للنبي محمد ﷺ : تركت دين آبائك فضللت، فرد الله عليهم آمرا نبيه ﷺ أن يقول لهم: إن ضللت كما تزعمون، فإنما أضل على نفسي، أي إن ضرره وإثمه علي، وإن اهتديت إلى الحق والرشاد فبما أوحى الله إلي من الحكمة والبيان، إن الله سميع ممن دعاه، قريب الإجابة، وفي هذا تقرير للرسالة أيضا.
стр. 6651
تهديد الكفار بشديد العقاب وإيمانهم حين معاينة العذاب ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقالُوا آمَنّا بِهِ وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾
الإعراب:
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ، وَأُخِذُوا﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، تقديره: لو ترى لتعجبت، و ﴿فَزِعُوا﴾: جملة فعلية في موضع جرّ بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. و ﴿أُخِذُوا﴾: جملة فعلية أخرى معطوفة عليها.
﴿وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ قرئ «التناؤش» بالهمز على الأصل: أي التأخر، وقرئ بترك الهمز على إبدال الهمزة واوا، أو بمعنى التناول، فلا يكون أصله الهمز.
البلاغة:
﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ استعارة تصريحية، استعار لفظ القذف للقول، وشبه القائل بغير علم وإنما بالظن بالصائد الذي يرمي هدفا بعيدا فلا يصيبه.
المفردات اللغوية:
﴿وَلَوْ تَرى﴾ يا محمد، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، تقديره: لرأيت مدهشا أو عجبا ﴿إِذْ فَزِعُوا﴾ عند البعث. والفزع: انقباض في النفس عند الأمر المخيف ﴿فَلا فَوْتَ﴾ أي فلا يفوت أحد منهم، ولا ينجو منهم ناج ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أي من القبور أو من موقف الحساب، فهم قريبون من الله، لا يفوتونه.
﴿آمَنّا بِهِ﴾ أي بمحمد ﷺ أو بالقرآن ﴿التَّناوُشُ﴾ تناول الإيمان تناولا سهلا ﴿مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ عن محله، إذ هم في الآخرة، ومحله والتكليف به في الدنيا. ﴿كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي
стр. 6652
كفروا بمحمد ﷺ أو بالعذاب في الدنيا قبل ذلك أوان التكليف ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ يرجمون أو يرمون بالظن الذي لا دليل عليه، تقول العرب لكل من لم يتيقن أمرا: يقذف بالغيب، أي يرمي به ﴿مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ من جهة بعيدة، ليس فيها مستند لظنهم الباطل، وفيه تمثيل لحالهم بحال من يرمي شيئا لا يراه من مكان بعيد. والمراد أنهم يتكلمون في شأن النبي ﷺ من المطاعن أو في العذاب من الجزم بنفيه، حيث قالوا في النبي ﷺ : ساحر، شاعر، كاهن، وفي القرآن: سحر، شعر، كهانة.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ من قبول الإيمان، أو الرجوع إلى الدنيا، أو من أموالهم وأهليهم في الدنيا ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي فعل بأمثالهم ونظرائهم من كفار الأمم الماضية، من قبلهم، والأشياع: جمع شيع: وهذا جمع شيعة: وهي أنصار المذهب المتشيعين له ﴿فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ موقع في الريبة والظن، في أمر الرسل وما دعوا إليه من التوحيد، والبعث والجنة والنار.
ومريب: يحتمل وجهين: الأول: موقع في الريب والتهمة، والثاني: ذي ريب.
المناسبة:
بعد بيان أسباب العذاب، والرد على شبهات الكفار، هددهم الله تعالى وأنذرهم بشديد العقاب يوم القيامة، ثم أخبر عن إيمانهم حين معاينة العذاب يوم لا ينفع إيمان، لفوات الأوان، وكفرهم بالله وبرسوله وكتابه من قبل.
التفسير والبيان:
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ، وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أي لو رأيت يا محمد هؤلاء الكفار حين خافوا عند البعث، وخروجهم من القبور، ورؤيتهم ألوان العذاب الشديد، لرأيت أمرا عجبا، فهم لا يتمكنون من الهرب ولا فوت، أي لا مفر لهم ولا ملجأ لهم من العذاب، وأخذوا لأول وهلة حين الفزع من القبور وموقف الحساب إلى نار جهنم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً، إِنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢/ ٣٢].
﴿وَقالُوا: آمَنّا بِهِ، وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أي وقال الكفار
стр. 6653
حينئذ: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله وآمنا بالقرآن والنبي ﷺ ، وكيف لهم تعاطي الإيمان، وقد بعدوا عن محل قبوله؛ لأن الدار الآخرة وهي دار الجزاء ليست بدار التكليف أو دار الابتلاء، وإنما الدنيا هي مدار التكاليف من الإيمان والعمل الصالح. أو كيف يقدرون على الظفر بالمطلوب، والإيمان لا يكون إلا في الدنيا، وهم في الآخرة، والدنيا من الآخرة بعيدة؟! ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ، وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أي كيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة، وقد كفروا بالحق في الدنيا، وكذبوا الرسل؟ وكانوا يرجمون بالظن ويتكلمون بما لا مستند لهم فيه، فتارة يقولون في الرسول ﷺ : شاعر، أو كاهن، أو ساحر، أو مجنون ونحو ذلك من الأباطيل، وتارة يقولون في القرآن: سحر، أو شعر، أو كهانة، أو إفك مفترى، وتارة يقولون: لا بعث ولا جنة ولا نار ولا حساب ولا جزاء، وما نحن بمعذبين.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ أي قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا، وبين ما طلبوه في الآخرة، فمنعوا منه، مثل قبول الإيمان، والفرار من العذاب، أو الرجوع إلى الدنيا، أو اصطحاب أموالهم وأهليهم، كما قال تعالى:
﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا: آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر ٨٤/ ٤٠ - ٨٥].
﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ، إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ هذا بيان سنة الله في أمثالهم، وعلة تعذيبهم ورفض قبول إيمانهم، والمعنى: لقد فعلنا بهم كما فعلنا في أمثالهم ونظرائهم من كفار الأمم الماضية، إنهم كانوا جميعا في الدنيا في شك مغرق في الريبة في أمر الرسل وما جاؤوا به من التوحيد، وإثبات البعث والجزاء، والشرائع والأحكام.
стр. 6654
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - هذه صورة كئيبة محزنة من أحوال الكفار في وقت اضطرارهم إلى معرفة الحق، فتراهم في أسوأ حال وأعجبه حين يستبد بهم الفزع والخوف ويتملكهم عند نزول بأس الله تعالى بهم، ومعاينة العذاب والعقاب يوم القيامة، حيث لا مفر ولا مهرب ولا نجاة لهم، وأخذوا من حيث كانوا في موقف الحساب إلى النار، فهم من الله قريب لا يعزبون عنه ولا يفوتونه.
٢ - في هذه الحالة الرهيبة يعلنون الإيمان بالقرآن والنبي ﷺ ، والبعث، ولكن كيف لهم تعاطي الإيمان وتناوله في الآخرة، وقد كفروا في الدنيا؟! ٣ - إنهم كفروا بالله وبالقرآن وبمحمد ﷺ في الدنيا، ويرجمون بالظن، ويتكلمون بالأوهام كحال من يرمي شيئا لا يراه من مكان بعيد، فلا يصيبه، فيقولون: لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار، رجما منهم بالظن، ويقولون في القرآن: سحر، وشعر، وأساطير الأولين، ويقولون في محمد ﷺ :
ساحر، شاعر، كاهن، مجنون.
٤ - والنهاية المحتومة: الحيلولة بينهم وبين النجاة من العذاب، ومن الرجوع إلى الدنيا، ومما يشتهون في الدنيا من أموالهم وأهليهم. وذلك المصير مشابه لمصير أمثالهم ممن مضى من القرون السالفة الكافرة، إنهم جميعا استحقوا العذاب؛ لأنهم كانوا في شك ممعن في الريبة في أمر الرسل والبعث والجنة والنار، بل وفي الدين كله والتوحيد.
стр. 6655
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة فاطر
مكيّة، وهي خمس وأربعون آية
تسميتها:
تسمى سورة «فاطر» لافتتاحها بهذا الوصف لله الدال على الخلق والإبداع والإيجاد للكون العظيم، والمنبئ عن عظمة الخالق وقدرته الباهرة. كما تسمى أيضا سورة «الملائكة»؛ لأنها أفادت في مطلعها أيضا أن الله سبحانه جاعل الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه لتبليغهم رسالاته وأوامره.
مناسبتها لما قبلها:
قال السيوطي: مناسبة وضعها بعد سبأ: تآخيهما في الافتتاح بالحمد، مع تناسبهما في المقدار.
وتظهر صلتها أيضا بما قبلها في أنه لما أبان تعالى في ختام سورة سبأ هلاك الكفار وتعذيبهم أشد العذاب، فقال: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ، كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ اقتضى أن يذكر ما يلزم المؤمنين من الحمد والشكر لله تعالى على ما اتصف به من قدرة الخلق والإبداع، وإرسال الملائكة رسلا إلى الأنبياء لتبليغ الرسالة والوحي.
مشتملاتها:
موضوع هذه السورة كموضوع سائر السور المكية في العقيدة من الدعوة إلى