تهديد الكفار بشديد العقاب وإيمانهم حين معاينة العذاب ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقالُوا آمَنّا بِهِ وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾
الإعراب:
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ، وَأُخِذُوا﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، تقديره: لو ترى لتعجبت، و ﴿فَزِعُوا﴾: جملة فعلية في موضع جرّ بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. و ﴿أُخِذُوا﴾: جملة فعلية أخرى معطوفة عليها.
﴿وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ قرئ «التناؤش» بالهمز على الأصل: أي التأخر، وقرئ بترك الهمز على إبدال الهمزة واوا، أو بمعنى التناول، فلا يكون أصله الهمز.
البلاغة:
﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ استعارة تصريحية، استعار لفظ القذف للقول، وشبه القائل بغير علم وإنما بالظن بالصائد الذي يرمي هدفا بعيدا فلا يصيبه.
المفردات اللغوية:
﴿وَلَوْ تَرى﴾ يا محمد، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، تقديره: لرأيت مدهشا أو عجبا ﴿إِذْ فَزِعُوا﴾ عند البعث. والفزع: انقباض في النفس عند الأمر المخيف ﴿فَلا فَوْتَ﴾ أي فلا يفوت أحد منهم، ولا ينجو منهم ناج ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أي من القبور أو من موقف الحساب، فهم قريبون من الله، لا يفوتونه.
﴿آمَنّا بِهِ﴾ أي بمحمد ﷺ أو بالقرآن ﴿التَّناوُشُ﴾ تناول الإيمان تناولا سهلا ﴿مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ عن محله، إذ هم في الآخرة، ومحله والتكليف به في الدنيا. ﴿كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي
стр. 6652
كفروا بمحمد ﷺ أو بالعذاب في الدنيا قبل ذلك أوان التكليف ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ يرجمون أو يرمون بالظن الذي لا دليل عليه، تقول العرب لكل من لم يتيقن أمرا: يقذف بالغيب، أي يرمي به ﴿مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ من جهة بعيدة، ليس فيها مستند لظنهم الباطل، وفيه تمثيل لحالهم بحال من يرمي شيئا لا يراه من مكان بعيد. والمراد أنهم يتكلمون في شأن النبي ﷺ من المطاعن أو في العذاب من الجزم بنفيه، حيث قالوا في النبي ﷺ : ساحر، شاعر، كاهن، وفي القرآن: سحر، شعر، كهانة.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ من قبول الإيمان، أو الرجوع إلى الدنيا، أو من أموالهم وأهليهم في الدنيا ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي فعل بأمثالهم ونظرائهم من كفار الأمم الماضية، من قبلهم، والأشياع: جمع شيع: وهذا جمع شيعة: وهي أنصار المذهب المتشيعين له ﴿فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ موقع في الريبة والظن، في أمر الرسل وما دعوا إليه من التوحيد، والبعث والجنة والنار.
ومريب: يحتمل وجهين: الأول: موقع في الريب والتهمة، والثاني: ذي ريب.
المناسبة:
بعد بيان أسباب العذاب، والرد على شبهات الكفار، هددهم الله تعالى وأنذرهم بشديد العقاب يوم القيامة، ثم أخبر عن إيمانهم حين معاينة العذاب يوم لا ينفع إيمان، لفوات الأوان، وكفرهم بالله وبرسوله وكتابه من قبل.
التفسير والبيان:
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ، وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أي لو رأيت يا محمد هؤلاء الكفار حين خافوا عند البعث، وخروجهم من القبور، ورؤيتهم ألوان العذاب الشديد، لرأيت أمرا عجبا، فهم لا يتمكنون من الهرب ولا فوت، أي لا مفر لهم ولا ملجأ لهم من العذاب، وأخذوا لأول وهلة حين الفزع من القبور وموقف الحساب إلى نار جهنم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً، إِنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢/ ٣٢].
﴿وَقالُوا: آمَنّا بِهِ، وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أي وقال الكفار
стр. 6653
حينئذ: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله وآمنا بالقرآن والنبي ﷺ ، وكيف لهم تعاطي الإيمان، وقد بعدوا عن محل قبوله؛ لأن الدار الآخرة وهي دار الجزاء ليست بدار التكليف أو دار الابتلاء، وإنما الدنيا هي مدار التكاليف من الإيمان والعمل الصالح. أو كيف يقدرون على الظفر بالمطلوب، والإيمان لا يكون إلا في الدنيا، وهم في الآخرة، والدنيا من الآخرة بعيدة؟! ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ، وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أي كيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة، وقد كفروا بالحق في الدنيا، وكذبوا الرسل؟ وكانوا يرجمون بالظن ويتكلمون بما لا مستند لهم فيه، فتارة يقولون في الرسول ﷺ : شاعر، أو كاهن، أو ساحر، أو مجنون ونحو ذلك من الأباطيل، وتارة يقولون في القرآن: سحر، أو شعر، أو كهانة، أو إفك مفترى، وتارة يقولون: لا بعث ولا جنة ولا نار ولا حساب ولا جزاء، وما نحن بمعذبين.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ أي قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا، وبين ما طلبوه في الآخرة، فمنعوا منه، مثل قبول الإيمان، والفرار من العذاب، أو الرجوع إلى الدنيا، أو اصطحاب أموالهم وأهليهم، كما قال تعالى:
﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا: آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر ٨٤/ ٤٠ - ٨٥].
﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ، إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ هذا بيان سنة الله في أمثالهم، وعلة تعذيبهم ورفض قبول إيمانهم، والمعنى: لقد فعلنا بهم كما فعلنا في أمثالهم ونظرائهم من كفار الأمم الماضية، إنهم كانوا جميعا في الدنيا في شك مغرق في الريبة في أمر الرسل وما جاؤوا به من التوحيد، وإثبات البعث والجزاء، والشرائع والأحكام.
стр. 6654
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - هذه صورة كئيبة محزنة من أحوال الكفار في وقت اضطرارهم إلى معرفة الحق، فتراهم في أسوأ حال وأعجبه حين يستبد بهم الفزع والخوف ويتملكهم عند نزول بأس الله تعالى بهم، ومعاينة العذاب والعقاب يوم القيامة، حيث لا مفر ولا مهرب ولا نجاة لهم، وأخذوا من حيث كانوا في موقف الحساب إلى النار، فهم من الله قريب لا يعزبون عنه ولا يفوتونه.
٢ - في هذه الحالة الرهيبة يعلنون الإيمان بالقرآن والنبي ﷺ ، والبعث، ولكن كيف لهم تعاطي الإيمان وتناوله في الآخرة، وقد كفروا في الدنيا؟! ٣ - إنهم كفروا بالله وبالقرآن وبمحمد ﷺ في الدنيا، ويرجمون بالظن، ويتكلمون بالأوهام كحال من يرمي شيئا لا يراه من مكان بعيد، فلا يصيبه، فيقولون: لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار، رجما منهم بالظن، ويقولون في القرآن: سحر، وشعر، وأساطير الأولين، ويقولون في محمد ﷺ :
ساحر، شاعر، كاهن، مجنون.
٤ - والنهاية المحتومة: الحيلولة بينهم وبين النجاة من العذاب، ومن الرجوع إلى الدنيا، ومما يشتهون في الدنيا من أموالهم وأهليهم. وذلك المصير مشابه لمصير أمثالهم ممن مضى من القرون السالفة الكافرة، إنهم جميعا استحقوا العذاب؛ لأنهم كانوا في شك ممعن في الريبة في أمر الرسل والبعث والجنة والنار، بل وفي الدين كله والتوحيد.
стр. 6655
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة فاطر
مكيّة، وهي خمس وأربعون آية
تسميتها:
تسمى سورة «فاطر» لافتتاحها بهذا الوصف لله الدال على الخلق والإبداع والإيجاد للكون العظيم، والمنبئ عن عظمة الخالق وقدرته الباهرة. كما تسمى أيضا سورة «الملائكة»؛ لأنها أفادت في مطلعها أيضا أن الله سبحانه جاعل الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه لتبليغهم رسالاته وأوامره.
مناسبتها لما قبلها:
قال السيوطي: مناسبة وضعها بعد سبأ: تآخيهما في الافتتاح بالحمد، مع تناسبهما في المقدار.
وتظهر صلتها أيضا بما قبلها في أنه لما أبان تعالى في ختام سورة سبأ هلاك الكفار وتعذيبهم أشد العذاب، فقال: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ، كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ اقتضى أن يذكر ما يلزم المؤمنين من الحمد والشكر لله تعالى على ما اتصف به من قدرة الخلق والإبداع، وإرسال الملائكة رسلا إلى الأنبياء لتبليغ الرسالة والوحي.
مشتملاتها:
موضوع هذه السورة كموضوع سائر السور المكية في العقيدة من الدعوة إلى
стр. 6656
توحيد الله، وإقامة البراهين على وجوده، وهدم قواعد الشرك، والإلزام بمنهج الاستقامة على دين الله وأخلاق الإسلام.
وقد اشتملت هذه السورة في فاتحتها ومقدمتها على بيان الأدلة الدامغة على قدرة الله بإبداع الكون، وجعل الملائكة رسلا بينه وبين أنبيائه لتبليغ الوحي. ثم ذكّرت الناس بنعم الله ليشكروها، وحذرت من وساوس الشيطان، وأبانت الفرق المتميز بين جزاء الكفار وجزاء المؤمنين الأبرار، وميّزت بين المؤمن والكافر بضرب المثل بالأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور.
وأوضحت مظاهر القدرة الإلهية، وأقامت الأدلة والبراهين على البعث في سجل هذا الكون من إنزال الغيث، وإنبات الزرع والثمار، وخلق الإنسان في أطوار، وعزل البحر المالح عن البحر العذب، وتعاقب الليل والنهار، وإيلاج أحدهما في الآخر، وتسخير الشمس والقمر، واختلاف ظواهر الجبال والناس والدواب والأنعام، ومزية العلماء.
وأعلنت إرسال النبي ﷺ بالحق بشيرا ونذيرا، كما أرسل نذير في كل أمة، وثبّتت قلبه بذكر قصص المكذبين السابقين للأنبياء.
وأشادت بمن يتلو كتاب الله، ويقيم الصلاة، وينفق من رزق الله سرا وعلانية، وأبانت أن القرآن مصدّق للكتب السماوية السابقة، وفاخرت بميراث الأمة الإسلامية لأشرف رسالة، وذكرت انقسام الأمة إزاءها إلى أنواع ثلاثة:
ظالم مقصّر، ومحسن مقتصد، وسابق بالخيرات، وحددت جزاء كل نوع في عالم الآخرة.
ثم ذكرت جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين، ووصفت عاقبة كل منهم وما أعد له يوم القيامة.
стр. 6657
وختمت السورة بتقريع المشركين في عبادتهم الأوثان والأصنام، وأنذرتهم بعاقبة الذين من قبلهم الذين كانوا أشد منهم قوة، وقرنت هذا الإنذار برحمة الله العامة للناس جميعا حيث لم يعاجلهم العقوبة، وإنما يؤخرهم إلى أجل مسمى.
بعض أدلة القدرة الإلهية والتذكير بنعم الله
وإثبات التوحيد والرسالة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يا أَيُّهَا النّاسُ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)﴾
الإعراب:
﴿فاطِرِ السَّماواتِ﴾ ﴿فاطِرِ﴾: إما صفة لاسم الله تعالى أو بدل.
﴿جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً﴾ ﴿رُسُلاً﴾: مفعول به لاسم الفاعل: ﴿جاعِلِ﴾ إذا كان مرادا به الحال أو الاستقبال؛ لأنه حينئذ يكون عاملا، أما إن أريد به الماضي كان ﴿رُسُلاً﴾ منصوبا بتقدير فعل.
﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾: صفة: ﴿أَجْنِحَةٍ﴾، وهي ممنوعة من الصرف للوصف والعدل، فهي معدولة عن لفظ اثنين وثلاثة وأربعة.
стр. 6658
﴿ما يَفْتَحِ اللهُ﴾ و ﴿وَما يُمْسِكْ.﴾. ﴿ما﴾ فيهما: شرطية منصوبة ب ﴿يَفْتَحِ﴾ و ﴿يُمْسِكْ﴾، وما الشرطية يعمل فيها ما بعدها كالاستفهامية؛ لأن الشرط والاستفهام لهما صدر الكلام، وقوله ﴿فَلا مُمْسِكَ﴾ ﴿فَلا مُرْسِلَ﴾ جواب الشرط.
﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ ﴿غَيْرُ﴾: إما مرفوع لأنه فاعل أو صفة لخالق على الموضع، وإما مجرور صفة لخالق على اللفظ، وإما منصوب على الاستثناء. و ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ﴾ خبر المبتدأ.
البلاغة:
﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ استعارة تمثيلية، أستعير الفتح لإطلاق النعم والإمساك للمنع.
﴿يَفْتَحِ﴾ و ﴿يُمْسِكْ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق، من الفطر بمعنى الشق أي شق العدم بإخراج السماء والأرض ﴿جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً﴾ إلى الأنبياء، أي وسائط بين الله وبين أنبيائه، يبلغونهم رسالاته بالوحي، والملائكة: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ أصحاب أجنحة، فمنهم من له جناحان، ومنهم له ثلاثة، ومنهم له أربعة، ينزلون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون بها من الأرض إلى السماء ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ معدولة عن اثنين وثلاثة وأربعة ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ أي في خلق الملائكة وغيرها. وهو استئناف للدلالة على أن تفاوتهم في ذلك مقتضى مشيئته ومؤدى حكمته ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فبقدرته يزيد ما يشاء.
﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ ما يعطي من نعمة حسية أو معنوية، كرزق ومطر، وصحة وأمن، وعلم ونبوة وحكمة، ونحو ذلك ﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ فلا مانع لها ﴿فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ يطلقه بعد إمساكه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القوي الغالب، يتصرف في ملكه كما يشاء ﴿الْحَكِيمُ﴾ في فعله، يضع الأمر في موضعه المناسب، ولا معقب لحكمه، وكل ما يفعله فهو لحكمة بالغة.
﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ تذكروا نعمه، واحفظوها بمعرفة حقها، والاعتراف بها، وطاعة المنعم بها، ومن النعم التي كانت على أهل مكة: إسكانهم الحرم، ومنع الغارات عنهم ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ﴾ بالمطر وغيره من فائدة الكواكب ﴿وَالْأَرْضِ﴾ بالنبات وغيره من المعادن، والاستفهام في
стр. 6659
قوله: ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ﴾ ... ﴿يَرْزُقُكُمْ..﴾. للتقرير، أي لا خالق رازق غيره ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيف تصرفون عن توحيد الخالق، مع إقراركم بأنه الخالق الرازق.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ يا محمد في دعوتك إلى التوحيد والبعث والحساب والعقاب ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ في ذلك، فاصبر كما صبروا. وفي هذا دعوة له للتأسي بمن قبله من الأنبياء، وتسلية عن تكذيب كفار العرب له ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي المصير النهائي المحتوم إلى الله، فيجازي كلا بما يستحقه، يجازي المكذبين، وينصر المرسلين.
التفسير والبيان:
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي لله الشكر الخالص على نعمه وقدرته، فإنه خلق السموات والأرض وأبدعهما، لا على مثال سابق، وأحكم نظامهما. فموضوع الآية: أن الله تعالى يحمد نفسه على عظيم قدرته وعلمه وحكمته التي يشهد عليها ابتداء خلق السموات والأرض من العدم، واختراعهما على غير مثال، قال سفيان الثوري بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: «كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: هذه بئري وأنا فطرتها» أي بدأتها.
والمقصود من هذا أن من قدر على ابتداء هذا الخلق العظيم، فهو قادر على الإعادة.
﴿جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ أي إنه تعالى جاعل الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه لتبليغ رسالاته وغير ذلك، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وهم ذوو أجنحة متعددة، بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة، وبعضهم له أربعة، وبعضهم له أكثر من ذلك، ينزلون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون بها من الأرض إلى السماء.
جاء في الحديث الصحيح عن مسلم عن ابن مسعود «أن رسول الله ﷺ رأى جبريل ﵇، وله ستّ مائة جناح، بين كل جناحين، كما بين المشرق والمغرب». ولهذا قال جلّ وعلا:
стр. 6660
﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ، إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي يزيد في خلق الملائكة أجنحة أخرى ما يشاء، ويزيد في خلق غيرهم ما يشاء، من ملاحة العين، وحسن الأنف، وحلاوة الفم، وجمال الصوت، إن الله كامل القدرة في خلق الزيادة المادية الحسية والمعنوية، فلا يعجز عن شيء، وبقدرته يزيد مما يشاء.
قال الزهري وابن جريح في قوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ﴾:
يعني حسن الصوت (١).
وبعد بيان كمال القدرة بيّن الله تعالى أنه نافذ الإرادة والمشيئة والأمر، فقال:
﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها، وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي ما يعطي الله تعالى من نعمة حسيّة أو معنوية من رزق ومطر، أو صحة وأمن، أو علم ونبوة وحكمة، فلا مانع له، وما يمنع من ذلك فلا يقدر أحد أن يرسله من بعد إمساكه، بيده الخير كله، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع،
روى الإمام أحمد والشيخان عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ كان إذا انصرف من الصلاة، قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ».
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: «سمع الله لمن حمده، اللهم ربّنا لك الحمد ملء السّماء والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم أهل الثناء والمجد، أحق
стр. 6661
ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ».
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ، وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ، فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [الأنعام ١٧/ ٦].
وفي موطأ مالك: بلغه أن أبا هريرة كان يقول إذا أصبح، وقد مطر الناس: مطرنا بنوء الفتح، ثم يتلو هذه الآية: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ، فَلا مُمْسِكَ لَها﴾.
وبعد بيان كونه تعالى مصدر الخلق والرزق والنعم، أمر بتذكر نعمه والإقرار بالتوحيد فقال:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ، اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ، هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي يا أيها الناس قاطبة، تذكروا نعم الله عليكم، وارعوها، واحفظوها بمعرفة حقوقها والاعتراف بها، وأفردوا موجدها بالعبادة والطاعة، فهو وحده رازقكم من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات وغير ذلك، وأعلنوا توحيد الله وأنه لا إله إلا هو، وإذا أقررتم بذلك، فكيف بعد هذا البيان ووضوح البرهان تصرفون عن الحق: وهو توحيد الله وشكره، وتعبدون بعد هذا الأنداد والأوثان؟! وبعد تقرير الأصل الأول وهو التوحيد، قرر الله تعالى الأصل الثاني وهو الرسالة، فقال مسلّيا رسوله ﷺ عن تكذيب قومه:
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ، فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ، وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي وإن يكذّبك يا محمد هؤلاء المشركون، ويعارضونك فيما جئت به من التوحيد، بعد إثباته بالأدلة والبراهين، فتأسّ بمن سلف قبلك من الرّسل، فإنهم أيضا جاؤوا قومهم بالبيّنات وأمروهم بالتوحيد، فكذبوهم وخالفوهم، ومصير
стр. 6662
الجميع في النهاية إلى الله، فيجازي على ذلك أوفر الجزاء، يجازيك على صبرك، ويجازيهم على التكذيب.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - الله تعالى هو مستحق الحمد والشكر على قدرته ونعمه وحكمته، وقد ذكرت سابقا أن هذه السورة-كما ذكر الرازي-إحدى السّور القرآنية الأربع المبدوءة بالحمد، فسورة الأنعام إشارة بالحمد إلى النعمة العاجلة وهي الإيجاد، وسورة الكهف إشارة بالحمد إلى النعمة العاجلة وهي الإبقاء، وسورة سبأ إشارة بالحمد إلى نعمة الإيجاد الثاني وهو الحشر، وهذه السورة إشارة بالحمد إلى نعمة البقاء في الآخرة، بدليل قوله تعالى: ﴿جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً﴾ أي يجعلهم رسلا يتلقون عباد الله تعالى.
٢ - الله سبحانه هو مبدع السموات والأرض على غير مثال سبق، وهو جاعل الملائكة ذوي أجنحة من اثنين إلى ثلاثة فأربعة، فأكثر، للطيران والتحليق هبوطا وصعودا بين السماء والأرض، وجاعلهم رسلا إلى الأنبياء، أو إلى العباد برحمة أو نقمة في الدنيا، ولتلقي عباد الله في الآخرة كما ذكر الرازي.
٣ - الله تعالى هو الذي يزيد في مخلوقاته ما يشاء، سواء في خلق الملائكة، بالأجنحة الكثيرة، أو في الزيادة المادية الحسية أو المعنوية في خلق الناس، كالتميز بأنواع الجمال المختلفة في العينين والأنف والفم ونحوها، وحسن الصوت، وجمال الخط أو الكلام أو النّطق.
٤ - الله تامّ القدرة على كل شيء بالنّقصان والزّيادة، والإيجاد والإعدام، وغير ذلك.
стр. 6663
قال الزمخشري في آية ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ.﴾.: الآية مطلقة تتناول كلّ زيادة في الخلق من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجرأة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التّكلّم، وحسن تأتّ (١) في مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف (٢).
٥ - الله نافذ المشيئة والإرادة والأمر، فإذا منح نعمة لأحد، فلا يقدر أحد أن يمنعها، وإذا حرم أحدا نعمة، لم يستطع أحد إعطاءه إياها.
وبما أن الرّسل بعثوا رحمة للناس، فلا يقدر على إرسالهم غير الله، وأي شيء يمسك الله فلا أحد يقدر على إطلاقه.
وتنكيره الرحمة: ﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾ يفيد العموم والشمول، والإشاعة والإبهام، فهي متناولة لكل رحمة، سماوية كانت أو أرضية.
٦ - على الناس شكر نعمة الله عليهم، بحفظها وأداء حقها وذكرها باللسان والقلب، وإفراد المنعم بالطاعة والعبادة والثناء عليه بما هو أهله، وإنهاء التعلق بالأصنام والأوثان وجعلها شركاء لله، وهو أبطل الباطل الذي لا يقره العقل المتحضر، ولا الإنسان المتمدن.
٧ - لا أحد على الإطلاق يأتي بالرزق، فالله تعالى مصدر الرزق من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات.
٨ - يجب على الخلق جميعا إعلان توحيد الله، فالوحدانية في صحيفة الكون، في الضمير والوجدان، ومقتضى الفطرة، وفي ميزان العقل الراقي.
стр. 6664
٩ - إذ أثبت العقل ودلّت آيات القرآن والكون وحدانية الله، فكيف يصحّ للبشر الانصراف عن هذا الظاهر، وكيف يشركون المنحوت بمن له الملكوت؟! ١٠ - إثبات التوحيد يستتبع إثبات الرسالة وصدق نبوة النبي ﷺ بالمعجزات الظاهرة، وأعلاها وأخلدها القرآن العظيم.
وإذا كذب بعض الناس قديما وحديثا رسول الله، فقد كذب الكفار عبر التاريخ أنبياءهم، وتلك ظاهرة عامة، وما على الرسول وأتباعه إلا التّأسّي بمن سبق في الصبر، والنهاية الحتمية المصيرية إلى الله، فيجازي الجميع بما يستحقون.
تقرير الحشر والتحذير من الشيطان
وجزاء الكافرين والمؤمنين ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨)﴾
الإعراب:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: إما بدل مجرور من ﴿أَصْحابِ﴾ وإما بدل منصوب من ﴿حِزْبَهُ﴾ وإما بدل مرفوع من ضمير ﴿لِيَكُونُوا﴾. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، خبره: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾.
﴿حَسَراتٍ﴾ إما مفعول لأجله، أو منصوب على المصدر. وقرئ بالإمالة مع فتحة الراء وإمالتها، فمن قرأ بفتح الراء أتى بها على الأصل، ومن أمال فلأن الألف بدل عن الياء، ثم أتبع الراء إمالة الهمزة، والإتباع للمجانسة كثير في كلام العرب.
стр. 6665
البلاغة:
﴿يُضِلُّ﴾ و ﴿يَهْدِي﴾ بينهما طباق.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ بينهما مقابلة وهي كالطباق إلا أنها تكون في أكثر من شيئين.
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَرَآهُ حَسَناً﴾ حذف الجواب لدلالة اللفظ عليه، أي كمن لم يزين له سوء عمله؟ ودلّ على المحذوف بقية الآية: ﴿فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ.﴾. و ﴿فَمَنْ﴾ مبتدأ، وخبره:
كمن هداه الله.
﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ ثم قال: ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ إطناب بتكرار الفعل.
﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ كناية عن الهلاك؛ لأن النفس إذا ذهبت هلك الإنسان.
﴿السَّعِيرِ﴾ ﴿كَبِيرٌ﴾ سجع مؤثر على السمع.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي إن وعده بالبعث والجزاء أو الحشر والعقاب لا خلف فيه.
﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ لا تلهينكم ويذهلنكم التمتع بها عن الإيمان بالحشر وعن طلب الآخرة والسعي لها. ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ﴾ في حلمه وإمهاله. ﴿الْغَرُورُ﴾ الشيطان، بأن يمنيكم المغفرة، مع الإصرار على المعصية.
﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ عداوة عامة قديمة. ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ بطاعة الله، ولا تطيعوه في المعاصي، واحذروه في كل الأحوال. ﴿إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أي إنما يدعو أصحابه وأتباعه المتحزبين له، والمطيعين له، إلى المعاصي والكفر، لأجل أن يكونوا من أهل النار الشديدة، لعداوته لآدم وذريته. وهذا تقرير لعداوته وبيان لغرضه في دعوة أشياعه إلى اتّباع الهوى والركون إلى الدنيا.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وعيد لمن أجاب دعاء الشيطان، ووعد لمن خالفه بالإيمان والعمل الصالح بمغفرة الذنوب والأجر الكبير وهو الجنة.
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ أي من غلب وهمه على عقله، فرأى عمله السيء صوابا، والباطل حقا، والقبيح حسنا، كمن لم يزين له؟ حذف الجواب لدلالة: ﴿فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ
стр. 6666
مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ أي من شاء الله إضلاله أضلّه، ومن شاء هدايته هداه. ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ أي عليه وهو المزين له، والمعنى: فلا تهلك نفسك باغتمامك على غيّهم وكفرهم وإصرارهم على التكذيب. والحسرة: همّ النفس على فوات أمر، أي التلهف عليه. ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ فيجازيهم عليه؛ لأنه لا تخفى عليه خافية من أفعالهم وأقوالهم.
سبب النزول:
نزول الآية (٨):
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾:
أخرج جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ حيث قال النبي ﷺ :
«اللهم أعزّ دينك بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام» فهدى الله عمر، وأضلّ أبا جهل، ففيهما أنزلت.
المناسبة:
بعد بيان الأصل الأول وهو التوحيد، والأصل الثاني وهو الرسالة، ذكر الله تعالى الأصل الثالث وهو الحشر أو البعث والنشور، والحساب والعقاب، وقرر أنه حق لا شك فيه، وحذر من وسواس الشيطان في تشكيك الناس بالإيمان به، ثم صنّف الناس إزاءه صنفين: حزب الشيطان الذين لهم العذاب الشديد، وحزب الرحمن الذين لهم المغفرة والأجر الكبير وهو الجنة. ثم أبان قضية جوهرية وهي أن الضلال والهدى بيد الله حسبما يعلم من استعداد النفوس للأول أو الثاني.
التفسير والبيان:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ يا أيها البشر جميعا إن وعد الله بالبعث والجزاء حقّ ثابت مؤكد
стр. 6667
لا شك فيه، والمعاد كائن لا محالة، فلا تتلهوا بزخارف الدنيا ونعيمها ولذاتها عن عمل الآخرة، ولا يغرنكم الشيطان بالله، فيجعلكم تعيشون في الأوهام والآمال المعسولة، قائلا لكم: إن الله يتجاوز عنكم، ويغفر لكم، لسعة رحمته، فتنزلقوا في المعاصي، وتسرفوا في المخالفات، فإنه غرّار كذّاب أفّاك.
وهذه الآية كآية آخر سورة لقمان: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾.
ثم بيّن الله تعالى علّة عدم الاغترار بالشيطان وهي عداوة إبليس لابن آدم، فقال:
﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ، فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ أي إن عداوة الشيطان لكم عداوة قديمة عامة ظاهرة، فعادوه أنتم أشدّ العداوة، وخالفوه وكذّبوه فيما يغركم به، بطاعة الله، ولا تطيعوه في معاصي الله تعالى.
ثم ذكر الله تعالى أغراض الشيطان ومقاصده الخبيثة فقال:
﴿إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أي إنما يقصد أن يضلكم حتى تدخلوا معه إلى عذاب النار الشديد الدائم.
جاء في حديث عبد الله بن مسعود الذي أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان عن النبي ﷺ : «إن للشيطان لمّة (١) بابن آدم وللملك لمّة، فأما لمّة الشيطان فإيعاد بالشّرّ وتكذيب بالحقّ، وأما لمّة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحقّ».
ثم ذكر تعالى جزاء حزب الشيطان وحزب الرحمن فقال:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أي إن الذين كفروا بالله ورسوله وأنكروا البعث، واتبعوا وساوس الشيطان، لهم عذاب شديد في نار جهنم؛ لأنهم أطاعوا الشيطان، وعصوا الرحمن.
стр. 6668
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أي والذين صدقوا بالله ورسوله وباليوم الآخر، وعملوا صالح الأعمال من اتّباع الأوامر واجتناب النواهي ومخالفة الشيطان وهوى النفس، لهم مغفرة لذنوبهم وأجر كبير وهو الجنة، بسبب الإيمان والعمل الصالح وعمل الخير.
ثم بيّن تعالى الفرق بين الصنفين، فليس من عمل سيّئا كالذي عمل صالحا، فقال:
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ أي كيف يتساوى المسيء والمحسن، وهل يكون أولئك الكفار الفجار الذين بتزيين الشيطان وتحسين القبيح يعملون أعمالا سيّئة من كفر ووثنية وعصيان، معتقدين أنهم يحسنون صنعا، كالذين كانوا على الهدى، ويعلمون أنهم على الحق؟! والمراد بمن زين له سوء عمله: كفار قريش وأمثالهم.
وسبب ذلك ما قال تعالى:
﴿فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ أي من شاء الله إضلاله أضلّه، ومن شاء هدايته هداه، لما له في ذلك من الحجة البالغة، والعلم التامّ، وتبعا لعلمه باستعداد النفوس للخير والشّر.
ثم سلّى تعالى رسوله ﷺ حيث حزن من إصرار قومه على الكفر، فقال:
﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ أي لا تغتم ولا تأسف ولا تهلك نفسك على عدم إيمانهم، وإصرارهم على الكفر، واستمرارهم على الضلال، فالله عليم بأحوالهم واستعداداتهم، وعليم بما يصنعون من المنكرات والقبائح لا تخفى عليه خافية، فيجازيهم بما يستحقون. وهذا وعيد كاف.
وزجر بليغ إن أدركوا أبعاده ومراميه.
стр. 6669
ونظير الآية كثير، منها قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف ٦/ ١٨] ومنها: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣/ ٢٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
١ - بعد إيضاح الدّليل على إثبات البعث والحشر ذكر الله تعالى مبدأ عاما في الاعتقاد: وهو أن البعث والثواب والعقاب حق لا مرية فيه، ولا بدّ من حصوله.
٢ - وفي ضوء هذا المنظور الأخروي في عقيدة الإسلام الراسخة، على الإنسان ألا تلهيه الدنيا وزخارفها عن العمل للآخرة، وألا يغترّ بوساوس الشيطان، فإنه أفّاك كذّاب، قال سعيد بن جبير: غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الإنسان بنعيمها ولذّاتها عن عمل الآخرة، حتى يقول: ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر ٢٤/ ٨٩].
٣ - إن عداوة الشيطان للإنسان عامة قديمة، فيجب الحذر منه، ومعاداته وعدم إطاعته، ودليل عداوته: إخراجه أبانا آدم من الجنة، وإصراره على إضلال الإنسان وضمانه ذلك في قوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ [النساء ١١٩/ ٤]، وقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف ١٦/ ٧ - ١٧].
٤ - إن هدف الشيطان الدّال على عداوته للإنسان أيضا دعوة حزبه أي أشياعه وأتباعه ليكونوا معه في نار جهنم الشديدة الاستعار.
٥ - هناك فرق واضح بين المسيء والمحسن، فلا يسوّى بين من زيّن له
стр. 6670
الشيطان عمله السيء فأطاعه، وبين من هداه الله للخير، فاتّبع أوامر الله تعالى.
والفريق الأول يشمل كل الكفار من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان والأصنام والشيطان ونحو ذلك.
٦ - إن الإضلال والهداية من الله بحسب ماله من العلم التامّ المسبق بكل إنسان، وما لديه من استعداد للشّرّ أو للخير.
٧ - لا داعي للأسف والاغتمام على إصرار الكفار على كفرهم، ولا ينفع التأسف على مقامهم على كفرهم، فإن الله عليم بصنعهم القبائح، وسيجازيهم على أفعالهم.
من دلائل القدرة الإلهية لإثبات البعث ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١١)﴾
الإعراب:
﴿وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الهاء تعود على الكلم، أي والعمل الصالح يرفع الكلم، وقيل:
تعود على العمل، أي والعمل الصالح يرفعه الله، ولو صح هذا القول لكان يلزم نصب كلمة ﴿الْعَمَلُ﴾.
стр. 6671
﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ ﴿السَّيِّئاتِ﴾: إما مفعول ﴿يَمْكُرُونَ﴾ بمعنى يعملون، أو منصوب على المصدر؛ لأن معنى ﴿يَمْكُرُونَ﴾: يسيئون، أو وصف لمصدر محذوف، أي يمكرون المكرات السيئات، ثم حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. ﴿وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ﴿مَكْرُ﴾ مبتدأ وخبره ﴿يَبُورُ﴾ وهو: فصل بين المبتدأ والخبر، ويجوز الفصل إذا كان الفعل مضارعا.
البلاغة:
﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ، فَتُثِيرُ سَحاباً، فَسُقْناهُ﴾ سقناه: التفات من الغيبة إلى التكلم للإشعار بالعظمة.
﴿تَحْمِلُ﴾ و ﴿تَضَعُ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿يُعَمَّرُ﴾ و ﴿يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿أَرْسَلَ﴾ أطلق وأوجد من العدم. ﴿فَتُثِيرُ سَحاباً﴾ تزعجه وتحركه، وأتى بالمضارع حكاية للحال الماضية استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال الحكمة. ﴿إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ بالتخفيف، أو ميّت بالتشديد: لا نبات فيه، ويرى بعضهم: أن الميت بالتخفيف: هو الذي مات، والميّت بالتشديد، والمائت: هو الذي لم يمت بعد. ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ يبسها، وأحيينا به الأرض: معناه أنبتنا بالمطر الزرع والكلأ. ﴿كَذلِكَ النُّشُورُ﴾ أي كذلك يحيى الله العباد بعد موتهم، كما أحيا الأرض بعد موتها. و ﴿النُّشُورُ﴾ البعث والإحياء، يقال: نشر الله الميت وأنشره، أي أحياه.
﴿الْعِزَّةَ﴾ الشرف والجاه والمنعة. ﴿فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ أي فليطلبها من عند الله، فإن له كل العزة في الدنيا والآخرة، ولا تنال منه العزة إلا بطاعته، فليطعه. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ مجاز يراد به قبول الله له، أو علمه به، و ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ هو التوحيد (لا إله إلا الله) وكل كلام طيب من ذكر الله، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وتلاوة قرآن ودعاء وغير ذلك. ﴿وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ أي والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، كما لا يقبل الكلم الطيب إلا مع العمل الصالح. و ﴿الْعَمَلُ الصّالِحُ﴾ ما كان بإخلاص، و ﴿يَرْفَعُهُ﴾ يقبله. ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أي الذين يعملون السيئات في الدنيا على وجه المكر والخديعة، كالمكر بالنبي ﷺ في دار الندوة من تقييده أو قتله أو إخراجه، كما ذكر في الأنفال، أو مراءاة المؤمنين في أعمالهم بإيهامهم أنهم مطيعون لله. ﴿يَبُورُ﴾ يبطل ويفسد ولا ينفذ، من البوار: الهلاك.
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ أي خلق أباكم آدم من تراب. ﴿نُطْفَةٍ﴾ مني يخلق ذريته منه. ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً﴾ ذكرانا وإناثا. ﴿إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ أي لا يخرج شيء عن علمه وتدبيره، وهو حال، أي
стр. 6672
معلومة له. ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي لا يزاد ولا يطول من عمر أحد، ولا ينقص من عمر معمر آخر، وذلك بحسب العرف والعادة الشائعة بين الناس. ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ أي في صحيفة المرء في اللوح المحفوظ، وتطويل العمر وتقصيره: هما بقضاء الله وقدره، لأسباب تقتضي التطويل أو التقصير، فمن أسباب التطويل: صلة الرحم، ومن أسباب التقصير: الاستكثار من معاصي الله . ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ أي لا يصعب عليه منه شيء.
المناسبة:
بعد الإخبار عن عذاب الكفار الشديد، والمغفرة والأجر الكبير للمؤمنين يوم القيامة، أقام تعالى الدليل على البعث بإحياء الأرض بعد موتها، وبخلق الإنسان ومروره في أطوار مختلفة من التراب، فالنطفة، فالبشر السوي، فالمدّ في العمر أو تقصيره.
التفسير والبيان:
كثيرا ما يستدل الله تعالى على المعاد أو البعث بإحياء الأرض بعد موتها، كما في أول سورة الحج مثلا، وقال هنا:
﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً، فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ، فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، كَذلِكَ النُّشُورُ﴾ أي والدليل الحسي المشاهد على إمكان البعث وأنه مقدور لله تعالى: أنه سبحانه يرسل الرياح، فتحرك الغيوم إلى حيث يشاء الله، فيقوده إلى بلد ميت لا نبات به، فينزل المطر عليه، فتحيا الأرض بالنبات بعد يبسها، وتصبح مخضرة ذات زرع وشجر، بعد أن كانت تربة هامدة، فكذلك يكون النشور أي كما يحيي الله الأرض بعد موتها، يحيي العباد بعد موتهم، وهذا هو النشور، أي جعلهم أحياء.
جاء في حديث أبي رزين: «قلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال ﷺ : يا أبا رزين، أما مررت بوادي قومك
стр. 6673
ممحلا، ثم مررت به يهتز خضرا؟! قلت: بلى، قال ﷺ : فكذلك يحيي الله الموتى».
ثم ندد الله تعالى بمشاعر الكفار بالعزة والغطرسة التي حجبتهم عن طاعة الله، فقال:
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ أي من كان يريد الوصول إلى الشرف والتعزز والسمو، فليتعزز بطاعة الله، وليطلبها من الله لا من غيره، فإن الله مصدر العزة، وهو يهب منها لمن يشاء، وهذا ردّ على الكفار الذين كانوا يطلبون العزة بعبادة الأصنام، وعدم الطاعة للرسل، وترك الاتّباع له، فقال:
إن كنتم تطلبون بهذا الكفر العزة في الحقيقة، فهي كلها لله، ومن يتذلل له فهو العزيز، ومن يتعزز عليه، فهو الذليل. وذلك كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨/ ٦٣]. وقد حكى القرآن طلب المشركين العزة بعبادة الأصنام، فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم ٨١/ ١٩]. وأما المشركون فكانوا يطلبون العزة عند الكفار فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ؟!﴾ [النساء ١٣٩/ ٤].
ثم وصف الله تعالى بعض مظاهر العزة ردا على الكفار الذين كانوا يقولون:
نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده، فقال:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ أي إن كنتم لا تصلون إلى الله، فهو يسمع كلامكم، ويقبل طيب الكلام، كالتوحيد والأذكار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعاء، وتلاوة القرآن وغير ذلك. ومن أفضل الأذكار: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وإن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، كما أنه لا يقبل الكلم الطيب إلا مع
стр. 6674
العمل الصالح، وصلاح العمل: الإخلاص فيه، فلا يتقبل الله صلاة وصياما وزكاة ونحو ذلك من أعمال البر، إذا لم تكن لله، وفعلت مراءاة للناس.
قال ابن عباس: الكلم الطيب: ذكر الله تعالى، يصعد به إلى الله ، والعمل الصالح: أداء الفريضة.
ثم أخبر الله تعالى أنه لا يقبل من المرائين أعمالهم، فقال:
﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ أي والذين يعملون المكرات السيئات في الدنيا، كالتآمر على قتل النبي ﷺ ، أو لإضعاف المسلمين، ويوهمون غيرهم أنهم في طاعة الله تعالى، وهم بغضاء إلى الله ، يراءون بأعمالهم، لهم عقاب بالغ الغاية في الشدة.
ومكر هؤلاء الكاذبين المفسدين يفسد ويبطل ولا ينفذ؛ لأن الأمور مقدرة، لا تتغير بالمكر والحيلة، ولأن المرائي ينكشف أمره بسرعة، ولا يروج أمره ويستمر إلا على غني، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم، بل ينكشف لهم عن قريب، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية، يجازي على الرياء أشد العذاب.
ثم ذكر الله تعالى دليلا آخر على إمكان البعث بخلق الأنفس فقال:
﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً﴾ أي والله سبحانه ابتدأ خلق الإنسان من تراب، فخلق أبانا آدم من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، فجعل الخلق المتوالي الدائم من النطفة (المني) والنطفة من الغذاء، والغذاء من الماء والتراب، فقد صير التراب نطفة، ثم جعل الناس أصنافا، ذكرانا وإناثا، فهذا التحول من تراب إلى خلية حية، إلى إنسان سوي دليل قاطع على إمكان البعث الذي هو إعادة الحياة مرة أخرى، والإعادة في مفهوم الناس أهون من الإعادة، أما عند الله فهما سواء.
стр. 6675
هذا دليل القدرة، أعقبه تعالى بالدليل على كمال العلم فقال:
﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ أي إن الله عالم بحمل أي أنثى في العالم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، كما أنه عالم بوقت الوضع ومكانه وكيفيته، كما قال: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ، عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾ [الرعد ٨/ ١٣ - ٩].
﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ سماه معمّرا بما هو صائر إليه، أي ما يمدّ في عمر أحد، وما ينقص من عمر آخر إلا في صحيفة كل إنسان في اللوح المحفوظ، لا يزيد على ذلك ولا ينقص منه، سواء أكان من أصحاب الأعمار الطويلة أم القصيرة الأجل، فتطويل العمر وتقصيره هما بقضاء الله وقدره، لأسباب مسبقة يعلمها الله، فمن أطال عمره فلأنه يفعل ما يقتضي التطويل، كصلة الرحم، ومن قصر عمره فلأنه يفعل ما يقتضي التقصير، كالإكثار من معاصي الله.
روى البخاري ومسلم وأبو داود عن أنس بن مالك ﵁ قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سرّه أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره (١)، فليصل رحمه».
﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ أي إن ذلك النظام المرتب للعالم سهل يسير على الله، لديه علمه جملة وتفصيلا، فإن علمه شامل لجميع المخلوقات، لا يخفى عليه شيء منها.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يلي:
стр. 6676
١ - إمكان حدوث البعث؛ لأن الله قادر على كل شيء، ومن مظاهر قدرته الدالة على ذلك بنحو حسي مباشر: إحياء الأرض بالمطر بعد يبسها وذهاب ما فيها من زروع ونباتات، واكتسائها بالخضرة والمروج، والنبات، والثمار المختلفة الألوان والأنواع والطعوم.
فكما حدث من تبدل من موت إلى حياة كذلك يحدث إحياء المخلوقات، فمثل إحياء الأرض الموات نشر الأموات، وإعادة الحياة لهم بعد الموت.
٢ - إن الاعتزاز بالكفر والمال والأولاد والجاه والسمعة والنفوذ سراب خادع، فإن من كان يريد العزة التي لا ذلة فيها في الدنيا والآخرة، فعليه بطاعة الله وعبادته وحده دون شريك؛ لأن الله تعالى مصدر العزة، وهو سبحانه يعز من يشاء في الدنيا والآخرة، ويذلّ من يشاء،
قال ﷺ مفسّرا لقوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾: «من أراد عزّ الدارين، فليطع العزيز».
وعليه، من كان يريد العزة لينال الفوز الأكبر، ويدخل في دار العزة -ولله العزة-فليقصد بالعزة الله سبحانه والاعتزاز به، فإنه من اعتز بالعبد أذله الله، ومن اعتز بالله أعزه الله.
٣ - الكلم الطيب من توحيد الله وذكره ودعائه وتلاوة كتابه ونحو ذلك هو الذي يقبله الله ، والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب كما قال ابن عباس وغيره، كما أن الكلم الطيب لا يقبل إلا مع العمل الصالح. وصلاح العمل:
الإخلاص فيه،
جاء في الحديث: «لا يقبل الله قولا إلا بعمل، ولا يقبل قولا وعملا إلا بنية، ولا يقبل قولا وعملا ونية إلا بإصابة السنة» (١).
стр. 6677
وردّ على ابن عباس قوله بتعارضه مع معتقد أهل السنة، وأن ذلك لا يصح عنه. قال القرطبي: والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله، وقال كلاما طيبا، فإنه مكتوب له متقبّل منه، وله حسناته وعليه سيئاته، والله تعالى يتقبل من كل من اتقى الشرك. وأيضا فإن الكلام الطيب عمل صالح، وإنما يستقيم قول من يقول: إن العمل هو الرافع للكلم، بأن يتأوّل أنه يزيد في رفعه، وحسن موقعه إذا تعاضد معه، كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك، إذا تخلل أعماله كلم طيب وذكر الله تعالى، كانت الأعمال أشرف؛ فيكون قوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ موعظة وتذكرة وحضّا على الأعمال. وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها، كالتوحيد والتسبيح فمقبولة (١).
٤ - إن الذين يراءون في أعمالهم، ويعملون المكرات السيئات في الدنيا، لهم عذاب شديد في نار جهنم، ومكرهم بائد غير نافذ. والمكر: ما عمل على سبيل احتيال وخديعة.
٥ - الدليل الاخر على إمكان البعث أحوال نفوس البشر وأطوارها، فقد خلق الله تعالى أصلها من تراب، ثم جعل النطفة سببا للخلق، ثم حدث التزاوج بين الذكر والأنثى، ليتم البقاء في الدنيا إلى نهاية العالم، عن طريق التناسل، فلا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به، ولا يخرج شيء عن تدبيره.
٦ - الأعمار كالأرزاق مقدرة محددة في صحيفة كل إنسان، لا تزيد ولا تنقص، وأما طول العمر بأسباب، كصلة الرحم، فهو داخل في تقدير العمر بصفة نهائية في علم الله، إذ إنه يكتب في اللوح المحفوظ: عمر فلان كذا سنة، فإن وصل رحمه، زيد في عمره كذا سنة، وفي موضع آخر من اللوح المحفوظ بيّن: إنه سيصل رحمه، فمن اطلع على الأول دون الثاني، ظن أنه زيادة أو نقصان.
стр. 6678
٧ - إن نظام العالم البديع، وكتابة الأعمال والآجال غير متعذر على الله، وإنما هو سهل يسير هيّن؛ لأن علم الله مطلق غير نسبي كعلم البشر، وشامل غير محدود، وعام غير خاص يشمل الماضي والحاضر والمستقبل.
من دلائل الوحدانية والقدرة الإلهية ﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اِسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾
الإعراب:
﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ الشرك: مصدر بمعنى الإشراك، وهو مضاف إلى الكاف والميم، وهي الفاعل في المعنى، وتقديره: بإشراككم إياهم، فحذف المفعول.
البلاغة:
﴿هذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة وهي كالطباق، لكنها بين أكثر من شيئين.
المفردات اللغوية:
﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ﴾ العذب والمالح. ﴿عَذْبٌ فُراتٌ﴾ شديد العذوبة، والعذب:
стр. 6679
الحلو اللذيذ الطعم، والفرات: المزيل للعطش. ﴿سائِغٌ شَرابُهُ﴾ سهل انحداره. ﴿أُجاجٌ﴾ شديد الملوحة، وذلك مثل للمؤمن والكافر. ﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ منهما ﴿تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا﴾ هو السمك.
﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ أي من البحر الملح، وقال الزجّاج: إنما تستخرج الحلية منهما إذا اختلطا، والحلية هنا: هي اللؤلؤ والمرجان، وهي في الأصل: كل ما يتحلى به من سوار أو خاتم.
﴿وَتَرَى﴾ تبصر. ﴿الْفُلْكَ﴾ السفن. ﴿فِيهِ﴾ في كل من البحرين. ﴿مَواخِرَ﴾ عابرات شاقات تشق الماء بجريها، مقبلة ومدبرة بريح واحدة. ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ تطلبوا من فضل الله تعالى بالتجارة والتنقل فيها. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي لتشكروا الله على ما أنعم عليكم به من ذلك.
﴿يُولِجُ﴾ يدخل، فيزيد في كل من الليل والنهار بالنقص من الآخر. ﴿سَخَّرَ﴾ أجرى.
﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ كل منهما يسير في فلكه هي مدة دورانه، أو منتهاه، وقيل: إلى يوم القيامة. ﴿ذلِكُمُ﴾ الفاعل لهذه الأفعال. ﴿اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ أي هذا الصانع لما تقدم هو الخالق المقدر، والقادر المقتدر، المالك للعالم، والمتصرف فيه. ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي تعبدون من غيره وهم الأصنام. ﴿ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ القطمير: لفافة النواة، أي القشرة البيضاء الرقيقة التي تكون على النواة-البزرة. وهذا دليل التفرد بالألوهية والربوبية.
﴿لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ لأنهم جماد. ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ على سبيل الفرض. ﴿مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ ما أجابوكم. ﴿يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي يجحدون بإشراككم إياهم مع الله، وعبادتكم لهم، والمعنى:
يتبرءون منكم ومن عبادتكم إياهم. ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي ولا يخبرك بالأمر، ويعلمك بأحوال الدارين مخبر مثل الخبير العالم به، وهو الله تعالى.
المناسبة:
بعد إيراد أدلة إثبات البعث، أورد الله تعالى الأدلة والبراهين الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته، بخلقه أشياء متحدة الجنس، لكنها مختلفة المنافع، من الماء الواحد، والليل والنهار، والشمس والقمر. وأردفه بالرد على عبدة الأصنام التي لا تملك شيئا، ولا تسمع دعاء، ولا تجيب نداء، وتتبرأ من عابديها يوم القيامة.
стр. 6680
التفسير والبيان:
نبّه الله تعالى على قدرته العظيمة في خلقه الأشياء المختلفة، فقال عن اختلاف البحرين:
﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ: هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ، وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد من الآية ضرب المثل في حق الكفر والإيمان، أو الكافر والمؤمن، فالإيمان لا يتساوى مع الكفر في الحسن والنفع، كما لا يتساوى البحران العذب الفرات، والملح الأجاج، وقال الرازي: والأظهر أن المراد منه ذكر دليل آخر على قدرة الله تعالى، وذلك من حيث إن البحرين يستويان في الصورة، ويختلفان في الماء، فإن أحدهما عذب فرات، والآخر ملح أجاج.
والمعنى: لا يتساوى ولا يتشابه البحران في الحقيقة، فأحدهما عذب الماء شديد العذوبة، سائغ الشراب، يجري في الأنهار بحسب الحاجة إليها في الأقاليم والأمصار، وثانيهما ملح شديد الملوحة، وهو البحر الساكن الذي تسير فيه السفن الكبار.
وبعد اختلافهما في هذا يتشابهان في أمور: مثل أخذ اللحم الطري والحلية منهما، والذي يوجد في المتشابهين اختلافا وفي المختلفين تشابها لا يكون إلا قادرا مختارا، فقال تعالى:
﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا، وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ أي يصاد السمك من كل منهما، وتستخرج الحلية الملبوسة منهما، وهو اللؤلؤ والمرجان، كما قال : ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن ٢٢/ ٥٥ - ٢٣].
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ، لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي تبصر أيها الناظر السفن في البحر شاقّة الماء، مقبلة مدبرة، حاملة المؤن
стр. 6681
والأقوات وأنواع التجارة من قطر إلى آخر، لتطلبوا بأسفاركم بالتجارة بين البلدان من فضل الله، لتشكروا الله أو شاكرين ربكم على تسخيره لكم هذا البحر العظيم، وعلى ما أنعم به عليكم من النعم، فإنكم تتصرفون في البحر كيف شئتم، وتذهبون أين أردتم دون عائق ولا مانع، بل بقدرته تعالى قد سخر لكم جميع ما في السموات والأرض من فضله ورحمته.
ثم ذكر تعالى دليلا آخر على قدرته التامة وهو اختلاف الأزمنة، فقال:
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ أي يدخل أحدهما في الآخر فيكون أطول منه، فيزيد في زمن كل منهما بالنقص من الآخر، فيطول هذا ويقصر هذا، ثم يتقارضان صيفا وشتاء.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي سيّر الشمس والقمر وبقية الكواكب السيّارة، والثوابت الثاقبة بإرادته وقدرته، يجري كل منهما بمقدار معين، ومنهاج مقنن، ومدة محددة هي زمن مدارها أو منتهاها، لتعلموا عدد السنين والحساب، وقيل: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي إلى يوم القيامة.
﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ، لَهُ الْمُلْكُ﴾ أي الذي فعل هذا من خلق السموات والأرض وخلق الإنسان من تراب وغير ذلك هو الرب العظيم، الذي لا إله غيره، وهو صاحب الملك التام، والقدرة الشاملة، والسلطان المطلق، وكل من عداه عبد له.
ثم أبان تعالى في مقابل ذلك ما ينافي صفة الألوهية، فقال:
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ أي والذين تعبدونهم من الأصنام والأوثان التي هي على صورة من تزعمون من الملائكة المقربين،
стр. 6682
لا يملكون شيئا من السموات والأرض، ولو كان حقيرا بمقدار هذا القطمير، وهو قشرة النواة الرقيقة.
ثم أبطل ما يقولون: إن في عبادة الأصنام عزة، وأبان عجزها وضعفها وحقارتها، فقال:
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ، وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ أي إن تدعوا هذه الآلهة من دون الله تعالى لا تسمع دعاءكم؛ لأنها جماد لا تدرك شيئا، ولو سمعوا لم يقدروا أن ينفعوكم بشيء مما تطلبون منها، لعجزها عن ذلك، فهي لا تضر ولا تنفع ولا تغني شيئا، فكيف تعبدونها؟! ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي وفي اليوم الآخر يجحدون كون ما فعلتموه حقا، وينكرون أنهم أمروكم بعبادتهم أو أقروكم عليها، ويتبرءون منكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ. وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً، وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥/ ٤٦ - ٦] وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا، كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ، وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم ٨١/ ١٩ - ٨٢].
وتقريرا عاما لهذه المعاني، وتأكيدا لهذه الأخبار، قال تعالى:
﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي ولا يخبرك عن أمر هذه الآلهة وعن أمر عبدتها يوم القيامة، أو لا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها إلا خبير بصير بها، وهو الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية في الحال أو في الاستقبال، وقد أخبر بالواقع لا محالة.
стр. 6683
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - من أدلة القدرة الإلهية العظيمة الدالة على وحدانية الخالق خلق الأشياء المتفاوتة، التي منها خلق البحرين: العذب الزلال وهو الأنهار، والملح الأجاج وهو البحار، ومع اختلافهما وتمايزهما حينما يتجاوران، فيهما تشابه بوجود الأسماك في كل منهما، واستخراج الحلية وهي اللؤلؤ والمرجان منهما، أي من اختلاطهما وتمازجهما ونزول مطر السماء، وإن كانت الحلية من البحر المالح.
٢ - في قوله تعالى: ﴿تَلْبَسُونَها﴾ دليل على أن لباس كل شيء بحسبه، فالخاتم يجعل في الإصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في العنق، والخلخال في الرّجل.
٣ - من نعم الله تعالى ودليل قدرته: تسيير السفن في البحر، لتبادل التجارات بين الأقطار البعيدة في مدة قريبة، وكسب الأرزاق، الذي يستدعي الشكر على ما آتانا الله من فضله وعلى تسخيره البحر للانتقال فيه، وحرية الحركة في أنحائه.
٤ - ومن أدلة القدرة الإلهية أيضا: اختلاف الأزمنة بتعاقب الليل والنهار، واختلاف الفصول، وتفاوت زمن الليل والنهار صيفا وشتاء، وتسيير الشمس والقمر وسائر الكواكب السيارة والثابتة في مدة دوران معينة تنتهي في اجتياز مدارها، وبقائها على هذا النحو الدقيق إلى يوم القيامة.
٥ - إن صانع كل ما ذكر من خلق السموات والأرض، وإنزال الغيث، وخلق الإنسان من تراب، وإيجاد الماء العذب والماء الملح وما يحققان من ثروة مائية ومعدنية ونفطية وحلي، ودورة الأرض واختلاف الليل والنهار بين نصفي
стр. 6684
الكرة الأرضية، وفي النصف الواحد في مدار السنة وغير ذلك، إن هذا الصانع هو الخالق المدبر، والقادر المقتدر، والمالك القاهر، فهو الذي يستحق أن يعبد.
٦ - ما أقل عقول الوثنيين وما أبسطها حين يعبدون الأصنام الصماء من الحجارة والمعادن وغيرها، وهي لا تقدر على شيء ولا على خلقه، ولا تنفع ولا تضر، ولا تبصر ولا تسمع، فلا تغيث أحدا إذا استغاث بها؛ لأنها جمادات، ولا تجيب إن ناداها عبّادها؛ لأنها لا تنطق. والداهية العظمى أنها يوم القيامة تتبرأ من عابديها، وتنكر أفعالهم، وتتنصل من تبعة المسؤولية الموجهة إليهم، والله أصدق مخبر بذلك.
سبب العبادة والمسؤولية الشخصية
وانتفاع العابدين بالإنذار ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكّى فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾
البلاغة:
﴿يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ﴾ بينهما طباق.
﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ بينهما جناس الاشتقاق، وكذا ﴿حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾.
стр. 6685
المفردات اللغوية:
﴿أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ﴾ المحتاجون إليه في جميع أمور الدين والدنيا، وفي كل حال على الإطلاق. وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم كأنهم لشدة افتقارهم وكثرة احتياجهم هم الفقراء.
﴿وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ على الإطلاق عن خلقه. ﴿الْحَمِيدُ﴾ المستحق للحمد من عباده بإحسانه إليهم، المحمود في صنعه بهم.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إن يشأ يفنكم، ويأت بقوم آخرين من جنسكم بدلكم، أطوع منكم، أو من جنس آخر غير ما تعرفونه. ﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي وما ذلك الإذهاب لكم والإتيان بآخرين بمتعذر ولا بمتعسر على الله تعالى.
﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي لا تحمل نفس آثمة ذنب أو إثم نفس أخرى. ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها﴾ أي وإن تدع نفس مثقلة بالذنوب نفسا أخرى، لتحمل عنها بعض الذنوب التي تحملها. ﴿لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ لم تحمل تلك المدعوة من تلك الذنوب شيئا. ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أي ولو كان المدعو قريبا لها في النسب كالأب والابن، فكيف بغير القريب؟! وهذا حكم مبرم من الله تعالى. ﴿إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ يخافونه غائبا عنهم؛ لأنهم المنتفعون بالإنذار. ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ احتفلوا بأمرها، وأداموها، ولم يشتغلوا عنها بشيء مما يلهيهم.
﴿وَمَنْ تَزَكّى فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ ومن تطهر من الشرك وغيره من المعاصي، واستكثر من العمل الصالح، فإنما يتطهر لنفسه؛ لأن نفع ذلك مختص به، كما أن وزر من تدنس بالذنب لا يكون إلا عليه. ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ إلى الله المرجع والمآل، فيجزي على تزكيهم وعملهم في الآخرة.
المناسبة:
بعد بيان كون العبادة واجبة لله تعالى؛ لأنه المالك المطلق، والأصنام لا تملك شيئا، أبان الله تعالى حكمة العبادة للرد على الكفار القائلين بأن أمر الله بالعبادة أمرا بالغا، والتهديد الشديد على تركها، لاحتياجه إلى عبادتنا. ثم أوضح أن كل إنسان مسئول عن نفسه فقط، وأرشد إلى أن البشارة والإنذار إنما تنفع الذي يخشى الله بالغيب وأقام الصلاة.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن غناه المطلق عمن سواه، وافتقار جميع المخلوقات إليه، فقال:
стр. 6686
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ، أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ، وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي يا أيها البشر جميعا، أنتم المحتاجون إلى الله تعالى على الإطلاق، في منح القدرة على الحياة والبقاء، وفي جميع الحركات والسكنات، وفي جميع أمور الدين والدنيا، لذا فاعبدوه وحده؛ لأن ثمرة العبادة عائدة إليكم وحدكم، والله هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له عن عبادتكم وغيرها، وهو المحمود المشكور على نعمه وعلى جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه. وذكر ﴿الْحَمِيدُ﴾ ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه، الجواد المنعم عليهم، المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه.
ثم أبان غناه وقدرته التامة بإمكانه استبدالكم، وأنه غير محتاج إليكم، فقال:
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ، وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي لو شاء لأفناكم أيها الناس، وأتى بقوم غيركم، يكونون أطوع منكم، وأجمل وأحسن وأتم، وما ذلك بصعب عليه ولا ممتنع، بل هو يسير هيّن عليه.
وفي هذا تهديد ووعيد وتبديد لأوهامكم أنه لو أذهب البشر لزال ملكه وعظمته.
ثم دعاهم إلى النظر والتأمل في المستقبل، وأخبرهم بمسؤولية كل إنسان يوم القيامة عن نفسه فقط دون غيره، فقال:
﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي ولا تحمل نفس آثمة أو مذنبة إثم أو ذنب نفس أخرى. وهذا لا يمنع مضاعفة الإثم للمضلين القادة، كما قال تعالى:
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ، وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت ١٣/ ٢٩].
﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أي وإن طلبت نفس مثقلة بالأوزار والذنوب مساعدة نفس أخرى في حملها، لتحمل
стр. 6687
عنها بعض الذنوب، لم تحمل تلك المدعوة من تلك الذنوب شيئا، ولو كانت قريبة لها في النسب كالأب والابن؛ لأن كل امرئ مشغول بنفسه وحاله، وله من الهموم ما يغنيه.
ونظير الآية: ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ، وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً﴾ [لقمان ٣٣/ ٣١] وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤/ ٨٠ - ٣٧].
قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها﴾: هو الجار يتعلق بجاره يوم القيامة، فيقول: يا رب سل هذا لم كان يغلق بابه دوني، وإن الكافر ليتعلّق بالمؤمن يوم القيامة، فيقول له: يا مؤمن، إن لي عندك يدا، قد عرفت كيف كنت لك في الدنيا، وقد احتجت إليك اليوم، فلا يزال المؤمن يشفع له عند ربه، حتى يرده إلى منزل دون منزله، وهو في النار، وإن الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة، فيقول: يا بني، أي والد كنت لك؟ فيثني خيرا، فيقول له: يا بني، إني قد احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى، فيقول له ولده: يا أبت، ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل ما تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئا، ثم يتعلق بزوجته، فيقول: يا فلانة أو يا هذه، أي زوج كنت لك؟ فتثني خيرا، فيقول لها: إني أطلب إليك حسنة واحدة تهبينها لي لعلي أنجو بها مما ترين، قال: فتقول: ما أيسر ما طلبت، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئا، إني أتخوف مثل الذي تتخوف، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها﴾ الآية.
ثم أبان الله تعالى من يجدي عنده الإنذار، فقال:
﴿إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ أي إنما يتعظ بما جئت به أيها الرسول أولو البصيرة والعقل الذين يخافون من عذاب ربهم قبل
стр. 6688
معاينته أو في خلواتهم عن الناس، ويفعلون ما أمرهم به، ويقيمون الصلاة المفروضة عليهم على النحو الأتم المشروع، إقامة فيها احتفال بأمرها، وبعد عن الاشتغال بغيرها.
ثم ذكر الله تعالى أن فائدة العبادة تعود عليهم، فقال:
﴿وَمَنْ تَزَكّى، فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ، وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ أي ومن تطهر من الشرك والمعاصي، وعمل صالحا، فإنما يتطهر لنفسه؛ لأن نفع ذلك يعود على نفسه، لا غيره، وإلى الله المرجع والمآب، وهو سريع الحساب، وسيجزي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
١ - الناس قاطبة فقراء محتاجون إلى ربهم الخالق الرازق في بقائهم وكل أحوالهم، والله هو الغني عن عباده، المحمود على جميع أفعاله وأقواله ونعمه الكثيرة التي لا تحصى.
وغنى الله لا يعود عليه، وإنما ينفع به عباده، فاستحق الحمد التام والشكر الكامل من أعماق النفوس.
٢ - الله قادر على إفناء الخلق، والإتيان بخلق جديد آخر أطوع منهم وأزكى، وليس ذلك بممتنع عسير متعذر على الله تعالى.
٣ - من مفاخر الإسلام مبدأ ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي مبدأ المسؤولية الشخصية في الدنيا والآخرة، فلا يسأل إنسان عن جريمة غيره، ولا يتحمل امرؤ عقوبة جان آخر: ﴿قُلْ: لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا، وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٢٥/ ٣٤].
стр. 6689
٤ - كل إنسان في الآخرة مشغول بنفسه، فلا يستطيع أن يتحمّل شيئا من آثام غيره، ولو كان أقرب الناس لديه، كالأب والابن وغيرهما.
٥ - إنما يقبل إنذار النبي ﷺ وإنذارات القرآن الكريم: من يخشى عقاب الله تعالى في السرّ والعلن وقبل معاينة العذاب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ، وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس ١١/ ٣٦].
٦ - من تطهر من أدناس المعاصي فإنما يتطهر لنفسه، ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، وتظهر الفائدة في الآخرة؛ إذ إلى الله مرجع جميع الخلق، فيحاسبهم على ما فعلوا.
مثل المؤمن والكافر وإرسال الرسل في الأمم ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ (٢٣) إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾
البلاغة:
﴿الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ ﴿الظُّلُماتُ﴾ و ﴿النُّورُ﴾ ﴿الظِّلُّ﴾ و ﴿الْحَرُورُ﴾ ﴿الْأَحْياءُ﴾ و ﴿الْأَمْواتُ﴾ بين كل طباق.
стр. 6690
﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ استعارة تصريحية، استعار المشبه به وهو الأعمى للكافر، لعدم الاهتداء إلى الطريق الصحيح، واستعار البصير للمؤمن لاهتدائه إلى منهج الاستقامة ووضوح الطريق أمامه.
وزيادة ﴿لا﴾ في الآيات [٢٠ - ٢٢] في المواضع الثلاثة للتأكيد.
﴿نَذِيرٌ﴾ ﴿بِالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ توافق الفواصل ذو التأثير في جمال الكلام والوقع على النفس.
المفردات اللغوية:
﴿الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ الأول: فاقد البصر، والثاني له ملكة البصر، والمراد تشبيه الكافر بالأعمى، وتشبيه المؤمن بالبصير. ﴿الظُّلُماتُ﴾ و ﴿النُّورُ﴾ شبه الباطل بالظلمات، وشبه الحق بالنور. ﴿الظِّلُّ﴾ و ﴿الْحَرُورُ﴾ أراد بالظل الجنة وأراد بالحرور النار. و ﴿الْحَرُورُ﴾ السموم، إلا أن السموم بالنهار، والحرور بالليل والنهار. ﴿الْأَحْياءُ﴾ و ﴿الْأَمْواتُ﴾ شبه المؤمنين بالأحياء، وشبه الكافرين بالأموات. ﴿إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ﴾ هدايته، فيجيب بالإيمان. ﴿وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أي الكفار، شبههم بالموتى الذين لا يجيبون.
﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ أي ما أنت إلا منذر لهم، أو ما عليك إلا الإنذار والتبليغ، أما الإسماع فليس إليك، ولا قدرة لك عليه؛ لأن الهدى والضلالة بيد الله . ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ﴾ أي إرسالا مصحوبا بالحق، وهو الهدى، فيشمل المرسل والمرسل، فكلاهما محق. ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ مبشرا من أجابك بالجنة، ومنذرا من لم يجبك بالنار. ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي ما من جماعة كثيرة أو أهل عصر. ﴿إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ سلف ومضى فيها منذر مخوف من نبي أو عالم ينذر عنه، واكتفى بالنذير؛ لأن الإنذار قرين البشارة، سيما وقد قرن به من قبل، أو لأن الإنذار هو المقصود الأهم من البعثة.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي إن يكذبك أهل مكة فقد كذبت الأمم الماضية أنبياءهم. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ المعجزات الدالة على صدقهم في نبوتهم. ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ أي الكتب المكتوبة، كصحف إبراهيم، جمع زبور: أي كتاب، والكتاب: ما فيه شرائع وأحكام. ﴿أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بتكذيبهم. ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ فكيف كان إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك.
المناسبة:
بعد بيان طريق الهدى وطريق الضلالة، واهتداء المؤمن الذي يخاف ربه،