← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

﴿يا أَيُّهَا النّاسُ، أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ، وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي يا أيها البشر جميعا، أنتم المحتاجون إلى الله تعالى على الإطلاق، في منح القدرة على الحياة والبقاء، وفي جميع الحركات والسكنات، وفي جميع أمور الدين والدنيا، لذا فاعبدوه وحده؛ لأن ثمرة العبادة عائدة إليكم وحدكم، والله هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له عن عبادتكم وغيرها، وهو المحمود المشكور على نعمه وعلى جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه. وذكر ﴿الْحَمِيدُ﴾ ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه، الجواد المنعم عليهم، المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه. ثم أبان غناه وقدرته التامة بإمكانه استبدالكم، وأنه غير محتاج إليكم، فقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ، وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي لو شاء لأفناكم أيها الناس، وأتى بقوم غيركم، يكونون أطوع منكم، وأجمل وأحسن وأتم، وما ذلك بصعب عليه ولا ممتنع، بل هو يسير هيّن عليه. وفي هذا تهديد ووعيد وتبديد لأوهامكم أنه لو أذهب البشر لزال ملكه وعظمته. ثم دعاهم إلى النظر والتأمل في المستقبل، وأخبرهم بمسؤولية كل إنسان يوم القيامة عن نفسه فقط دون غيره، فقال: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي ولا تحمل نفس آثمة أو مذنبة إثم أو ذنب نفس أخرى. وهذا لا يمنع مضاعفة الإثم للمضلين القادة، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ، وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت ١٣/ ٢٩]. ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أي وإن طلبت نفس مثقلة بالأوزار والذنوب مساعدة نفس أخرى في حملها، لتحمل

стр. 6687

عنها بعض الذنوب، لم تحمل تلك المدعوة من تلك الذنوب شيئا، ولو كانت قريبة لها في النسب كالأب والابن؛ لأن كل امرئ مشغول بنفسه وحاله، وله من الهموم ما يغنيه. ونظير الآية: ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ، وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً﴾ [لقمان ٣٣/ ٣١] وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤/ ٨٠ - ٣٧]. قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها﴾: هو الجار يتعلق بجاره يوم القيامة، فيقول: يا رب سل هذا لم كان يغلق بابه دوني، وإن الكافر ليتعلّق بالمؤمن يوم القيامة، فيقول له: يا مؤمن، إن لي عندك يدا، قد عرفت كيف كنت لك في الدنيا، وقد احتجت إليك اليوم، فلا يزال المؤمن يشفع له عند ربه، حتى يرده إلى منزل دون منزله، وهو في النار، وإن الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة، فيقول: يا بني، أي والد كنت لك؟ فيثني خيرا، فيقول له: يا بني، إني قد احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى، فيقول له ولده: يا أبت، ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل ما تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئا، ثم يتعلق بزوجته، فيقول: يا فلانة أو يا هذه، أي زوج كنت لك؟ فتثني خيرا، فيقول لها: إني أطلب إليك حسنة واحدة تهبينها لي لعلي أنجو بها مما ترين، قال: فتقول: ما أيسر ما طلبت، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئا، إني أتخوف مثل الذي تتخوف، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها﴾ الآية. ثم أبان الله تعالى من يجدي عنده الإنذار، فقال: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ أي إنما يتعظ بما جئت به أيها الرسول أولو البصيرة والعقل الذين يخافون من عذاب ربهم قبل

стр. 6688

معاينته أو في خلواتهم عن الناس، ويفعلون ما أمرهم به، ويقيمون الصلاة المفروضة عليهم على النحو الأتم المشروع، إقامة فيها احتفال بأمرها، وبعد عن الاشتغال بغيرها. ثم ذكر الله تعالى أن فائدة العبادة تعود عليهم، فقال: ﴿وَمَنْ تَزَكّى، فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ، وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ أي ومن تطهر من الشرك والمعاصي، وعمل صالحا، فإنما يتطهر لنفسه؛ لأن نفع ذلك يعود على نفسه، لا غيره، وإلى الله المرجع والمآب، وهو سريع الحساب، وسيجزي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يأتي: ١ - الناس قاطبة فقراء محتاجون إلى ربهم الخالق الرازق في بقائهم وكل أحوالهم، والله هو الغني عن عباده، المحمود على جميع أفعاله وأقواله ونعمه الكثيرة التي لا تحصى. وغنى الله لا يعود عليه، وإنما ينفع به عباده، فاستحق الحمد التام والشكر الكامل من أعماق النفوس. ٢ - الله قادر على إفناء الخلق، والإتيان بخلق جديد آخر أطوع منهم وأزكى، وليس ذلك بممتنع عسير متعذر على الله تعالى. ٣ - من مفاخر الإسلام مبدأ ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي مبدأ المسؤولية الشخصية في الدنيا والآخرة، فلا يسأل إنسان عن جريمة غيره، ولا يتحمل امرؤ عقوبة جان آخر: ﴿قُلْ: لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا، وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٢٥/ ٣٤].

стр. 6689

٤ - كل إنسان في الآخرة مشغول بنفسه، فلا يستطيع أن يتحمّل شيئا من آثام غيره، ولو كان أقرب الناس لديه، كالأب والابن وغيرهما. ٥ - إنما يقبل إنذار النبي ﷺ وإنذارات القرآن الكريم: من يخشى عقاب الله تعالى في السرّ والعلن وقبل معاينة العذاب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ، وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس ١١/ ٣٦]. ٦ - من تطهر من أدناس المعاصي فإنما يتطهر لنفسه، ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، وتظهر الفائدة في الآخرة؛ إذ إلى الله مرجع جميع الخلق، فيحاسبهم على ما فعلوا. مثل المؤمن والكافر وإرسال الرسل في الأمم ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ (٢٣) إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾ البلاغة: ﴿الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ ﴿الظُّلُماتُ﴾ و ﴿النُّورُ﴾ ﴿الظِّلُّ﴾ و ﴿الْحَرُورُ﴾ ﴿الْأَحْياءُ﴾ و ﴿الْأَمْواتُ﴾ بين كل طباق.

стр. 6690

﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ استعارة تصريحية، استعار المشبه به وهو الأعمى للكافر، لعدم الاهتداء إلى الطريق الصحيح، واستعار البصير للمؤمن لاهتدائه إلى منهج الاستقامة ووضوح الطريق أمامه. وزيادة ﴿لا﴾ في الآيات [٢٠ - ٢٢] في المواضع الثلاثة للتأكيد. ﴿نَذِيرٌ﴾ ﴿بِالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ توافق الفواصل ذو التأثير في جمال الكلام والوقع على النفس. المفردات اللغوية: ﴿الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ الأول: فاقد البصر، والثاني له ملكة البصر، والمراد تشبيه الكافر بالأعمى، وتشبيه المؤمن بالبصير. ﴿الظُّلُماتُ﴾ و ﴿النُّورُ﴾ شبه الباطل بالظلمات، وشبه الحق بالنور. ﴿الظِّلُّ﴾ و ﴿الْحَرُورُ﴾ أراد بالظل الجنة وأراد بالحرور النار. و ﴿الْحَرُورُ﴾ السموم، إلا أن السموم بالنهار، والحرور بالليل والنهار. ﴿الْأَحْياءُ﴾ و ﴿الْأَمْواتُ﴾ شبه المؤمنين بالأحياء، وشبه الكافرين بالأموات. ﴿إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ﴾ هدايته، فيجيب بالإيمان. ﴿وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أي الكفار، شبههم بالموتى الذين لا يجيبون. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ أي ما أنت إلا منذر لهم، أو ما عليك إلا الإنذار والتبليغ، أما الإسماع فليس إليك، ولا قدرة لك عليه؛ لأن الهدى والضلالة بيد الله . ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ﴾ أي إرسالا مصحوبا بالحق، وهو الهدى، فيشمل المرسل والمرسل، فكلاهما محق. ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ مبشرا من أجابك بالجنة، ومنذرا من لم يجبك بالنار. ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي ما من جماعة كثيرة أو أهل عصر. ﴿إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ سلف ومضى فيها منذر مخوف من نبي أو عالم ينذر عنه، واكتفى بالنذير؛ لأن الإنذار قرين البشارة، سيما وقد قرن به من قبل، أو لأن الإنذار هو المقصود الأهم من البعثة. ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي إن يكذبك أهل مكة فقد كذبت الأمم الماضية أنبياءهم. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ المعجزات الدالة على صدقهم في نبوتهم. ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ أي الكتب المكتوبة، كصحف إبراهيم، جمع زبور: أي كتاب، والكتاب: ما فيه شرائع وأحكام. ﴿أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بتكذيبهم. ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ فكيف كان إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك. المناسبة: بعد بيان طريق الهدى وطريق الضلالة، واهتداء المؤمن الذي يخاف ربه،

стр. 6691

وجحود الكافر المعاند، ضرب الله تعالى الأمثال للكافر والمؤمن، وللباطل والحق، وللجنة والنار، وللمؤمنين والكافرين، وعدّد الأمثلة، للتعريف بأن المؤمن بصير الطريق، والكافر أعمى الطريق، وأن الإيمان نور فلا يخفى على المؤمن، والكفر ظلمة فيزيد الأعمى حيرة، ثم ذكر مآلهما ومرجعهما، فالمؤمن بإيمانه في ظل وراحة، والكافر بكفره في حر وتعب، ثم جعل الكافر أسوأ حالا من الأعمى فشبهه بالميت؛ لأنه غير مدرك إدراكا نافعا، فهو كالميت، أما الأعمى فقد يدرك شيئا ما كالبصير. ثم أوضح تعالى أن الهداية بيده يمنحها من يشاء، ولكنه لم يترك سبيلا لأحد بالاعتذار، فقد أرسل الرسل والأنبياء في كل أمة من الأمم، فمن آمن نجا، ومن عصى عذب في النار. التفسير والبيان: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ، وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمنين وللكافرين، فكما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة في حقيقتها وفائدتها، كذلك لا يتساوى الكافر الذي عمي عن دين الله، والمؤمن الذي عرف طريق الرشاد فاتبعه وانقاد له، ولا تتساوى ظلمات الكفر ونور الإيمان، أو الباطل والحق، ولا يتساوى الثواب والعقاب أو الجنة والنار. فالمؤمن سميع بصير يمشي في نور على صراط مستقيم في الدنيا والآخرة، حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال الوارفة والعيون المتدفقة، والكافر أصم أعمى يمشي في ظلمات لا خروج له منها، بل يتيه في غيه وضلاله في الدنيا والآخرة، حتى ينتهي به الأمر إلى الحرور والسموم والحميم. ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ﴾ أي ولا يتساوى المؤمنون أحياء القلوب والنفوس والمشاعر، والكافرون أموات القلوب والحواس.

стр. 6692

فهذه أمثال للمؤمن والإيمان والعاقبة، والكافر والكفر والمصير، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ، وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً﴾؟! [هود ٢٤/ ١١] وقال : ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ، وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ، كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ [الأنعام ١٢٢/ ٦]. قال قتادة: هذه كلها أمثال؛ أي كما لا تستوي هذه الأشياء، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. ثم بيّن تعالى مصدر الهداية، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ، وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أي إن الله يهدي من يشاء إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها، وكما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم، وهم كفار، بالهداية والدعوة إليها، كذلك هؤلاء المشركون لا تستطيع أيها النبي هدايتهم؛ لأن الكفر أمات قلوبهم. وأما مهمة الرسول فهي: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ أي ما أنت إلا رسول منذر عذاب الله، ليس عليك إلا الإنذار والتبليغ، أما الهدى والضلالة فهي بيد الله . ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ أي أرسلناك أيها الرسول إرسالا مصحوبا بالحق، والمرسل محق، وكذا المرسل محق، مبشرا المؤمنين أهل الطاعة بالجنة، ومنذرا الكافرين أهل المعصية بالنار. والإرسال منهج عام في البشرية، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ أي ما من أمة من بني آدم سبقت إلا وقد بعث الله إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ، وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ، فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل ٣٦/ ١٦].

стр. 6693

ثم سلّى رسوله ﷺ عما يلقاه من صدود قومه وتكذيبهم وإعراضهم عن دعوته، فقال: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ أي وإن يكذبك أيها الرسول قومك فقد كذبت الأمم الماضية من قبلهم أنبياءهم، جاءتهم رسلهم بالمعجزات الواضحة والأدلة القاطعة، وبالكتب المكتوبة كصحف إبراهيم، وبالكتاب الواضح البيّن، كالتوراة والإنجيل. وكرر الزبر والكتاب، وهما واحد، لاختلاف اللفظين. ثم هدد مخالفيه وأوعدهم بالعقاب، فقال: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي ومع كل هذه الأدلة كذب أولئك رسلهم فيما جاءوهم به، فأخذتهم بالعقاب والنكال، فكيف رأيت إنكاري عليهم شديدا بليغا؟! فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - لا مساواة بين الكافر والمؤمن والجاهل والعالم، ولا بين الكفر والإيمان أو الحق والباطل، ولا بين الثواب والعقاب أو الجنة والنار، ولا بين العقلاء والجهال أو أحياء القلوب وأموات القلوب. ٢ - إن الله يسمع أولياءه الذين خلقهم لجنته، ويهدي أحباءه لطاعته، ولن يستطيع النبي إسماع الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم؛ أي كما لا يسمع من مات، كذلك لا يسمع من مات قلبه. والمراد بالآية: أن الكفار الذين حجبوا نور الهداية عن قلوبهم هم بمنزلة أهل القبور في أنهم لا ينتفعون بما يسمعونه ولا يقبلونه.

стр. 6694

٣ - ما الرسول إلا مجرد رسول منذر، فليس عليه إلا التبليغ، ليس له من الهدى شيء، إنما الهدى بيد الله ﵎. ٤ - أرسل الله رسوله ﷺ بالهدى ودين الحق، بشيرا بالجنة أهل طاعته، ونذيرا بالنار أهل معصيته. ٥ - لم تخل أمة من نبي أو رسول ينذرها ويبشرها. ٦ - سلّى الله رسوله ﷺ عما يلقاه من تكذيب كفار قريش، بأن الأمم السابقة كذبوا أنبياءهم، بالرغم من تأييد صدقهم بالمعجزات الظاهرات والشرائع الواضحات، وبالكتب المكتوبة، وبالكتاب المنير، وكانت نتيجة التكذيب عقوبة الاستئصال. العلوم العملية الطبيعية دليل آخر على وحدانية الله وقدرته وحال العلماء أمام مشاهد الكون ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾

стр. 6695

الإعراب: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ﴾ هاء ﴿أَلْوانُهُ﴾ تعود على موصوف محذوف، تقديره: خلق مختلف ألوانه، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، هي في موضع رفع بالابتداء، والجار والمجرور قبله: خبره. و ﴿أَلْوانُهُ﴾ فاعل مختلف؛ لأنه اسم فاعل يعمل عمل الفعل. ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً﴾ خبر إن. و ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ صفة للتجارة. البلاغة: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَأَخْرَجْنا﴾ التفات من الغيبة إلى التكلم، بدلا من «أخرج» للدلالة على كمال قدرة الله وحكمته. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ استفهام تقريري، فيه معنى التعجب. ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ قصر صفة على موصوف، قصر الخشية على العلماء. ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ استعارة، استعار التجارة للمعاملة مع الله لنيل ثوابه، وشبهها بالتجارة الدنيوية، وأيدها بقوله: ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ وهو الذي يسمى ترشيحا. ﴿عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ ﴿غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ توافق الفواصل من عناصر جمال الكلام. المفردات اللغوية: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تعلم فهذه رؤية القلب والعلم. ﴿مُخْتَلِفاً أَلْوانُها﴾ أجناسها أو أصنافها أو هيئاتها من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض وأسود ونحو ذلك. ﴿جُدَدٌ﴾ أي ذو جدد، أي طرائق وخطوط في الجبال وغيرها، جمع جدة: وهي الخطة أو الطريقة المختلفة الألوان في الجبل ونحوه. ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ أي وصفر ونحوها. ﴿مُخْتَلِفاً أَلْوانُها﴾ بالشدة والضعف. ﴿وَغَرابِيبُ سُودٌ﴾ معطوف على جدد، أي صخور شديدة السواد، وأصل اللفظ: وسود غرابيب، والعرب تقول كثيرا للشديد السواد المشابه لون الغراب: أسود غربيب، وقليلا: غربيب أسود. ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ﴾ كاختلاف الثمار والجبال. ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ بخلاف الجهال كأهل مكة؛ إذ شرط الخشية معرفة المخشي والعلم بصفاته وأفعاله، فمن كان أعلم به كان أخشى منه، ولذلك قال ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس: «إني لأخشاكم لله وأتقاكم له». ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب قاهر. ﴿غَفُورٌ﴾ لذنوب عباده التائبين المؤمنين. والجملة: ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ تعليل لوجوب الخشية. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ﴾ يستمرّون على تلاوة القرآن الكريم. ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ أداموا إقامتها في أوقاتها، مع كمال أركانها وأذكارها. ﴿وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ فيه حث على الإنفاق

стр. 6696

كيفما تهيأ، لكن السر أفضل من العلانية. ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً﴾ أي تحصيل ثواب الطاعة. ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ لن تكسد ولن تهلك بالخسران. سبب نزول الآية (٢٩): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ.﴾.: أخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي في تفسيره عن ابن عباس أن حصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي نزلت فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ الآية. المناسبة: هذا دليل آخر على وحدانية الله وقدرته من مشاهد الكون المختلفة الأجناس والألوان، ضمّنه أن العلماء في العلوم الكونية أقدر الناس على إدراك عظمة الكون. فيكونون هم أخشى الناس لله، ثم أردفه ببيان حال العلماء العاملين بكتاب الله، فهم الذين يرجون ثواب الله على طاعتهم. التفسير والبيان: ينبه الله تعالى على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة من الشيء الواحد، وهو الماء الذي ينزله من السماء، فيخرج به ثمرات مختلفا ألوانها، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها﴾ أي ألم تشاهد أيها الإنسان أن الله تعالى خلق الأشياء المختلفة من الشيء الواحد، فأنزل الماء من السماء، وأخرج به ثمارا مختلفة الأجناس والأنواع والطعوم والروائح والألوان من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض وأسود ونحو ذلك، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ، وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ، وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ، يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ، وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد ٤/ ١٣].

стр. 6697

﴿وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها، وَغَرابِيبُ سُودٌ﴾ أي وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان كما هو مشاهد من بيض وحمر، وفي بعضها طرائق وهي الجدد مختلفة الألوان أيضا. ﴿وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ﴾ أي وخلق أيضا خلقا آخر من الناس والدواب والأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم مختلفة الألوان في الجنس الواحد، بل وفي النوع الواحد، وفي الحيوان الواحد، كاختلاف الثمار والجبال. وقوله: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ﴾، أي خلق مختلف ألوانه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ﴾ [الروم ٢٢/ ٣٠]. والدواب: كل ما دب على القوائم، و ﴿الْأَنْعامِ﴾ من باب عطف الخاص على العام. وكلمة ﴿كَذلِكَ﴾ هنا تمام الكلام، أي كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية. وإنما ذكر سبحانه اختلاف الألوان والأصباغ في هذه الأشياء؛ لأن هذا الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة الله وبديع صنعه، فذكر أولا اختلاف الألوان في ثمار النبات، ثم ذكر اختلاف الألوان في الجمادات، ثم في الناس والحيوان. أخرج الحافظ أبو بكر البزار عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: أيصبغ ربك؟ قال ﷺ : نعم صبغا لا ينفض، أحمر وأصفر وأبيض». ثم ذكر مستأنفا من يعرف جمال ذلك ودقائقه وهم العلماء فقال: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ، إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ أي إنما يخاف الله بالغيب العالمون به، وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة، ومنها عظيم قدرته على صنع ما يشاء وفعل ما يريد، فمن كان أعلم بالله، كان أخشاهم له،

стр. 6698

ومن لم يخش الله فليس بعالم. والمراد به العالم بعلوم الطبيعة والحياة وأسرار الكون. وسبب خشية العلماء من الله أن الله قوي في انتقامه من الكافرين، غفور لذنوب المؤمنين به التائبين إليه، والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى، وهذا يوجب الخوف والرجاء، فكونه عزيزا ذا انتقام يوجب الخوف التام، وكونه غفورا لما دون ذلك يوجب الرجاء البالغ، وهذا كله يدركه بدقة وشمول العلماء المتخصصون. قال ابن عباس: العالم بالرحمن: من لم يشرك به شيئا، وأحلّ حلاله، وحرّم حرامه، وحفظ وصيته، وأيقن أنه ملاقيه، ومحاسب بعمله. وقال الحسن البصري: العالم: من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغّب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا الآية: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ، إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾. وقال سعيد بن جبير: الخشية: هي التي تحول بينك وبين معصية الله . وعن ابن مسعود ﵁ قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية. وقال مالك: إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب. ثم أخبر الله تعالى عن العلماء بكتاب الله العاملين به، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ، وَأَقامُوا الصَّلاةَ، وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أي إن الذين يواظبون على تلاوة القرآن الكريم ويعملون بما فيه من فرائض، كإقام الصلاة المفروضة في أوقاتها، مع كمال أركانها وشرائطها والخشوع فيها، والإنفاق مما أعطاهم الله تعالى من فضله ليلا ونهارا، سرا وعلانية، هؤلاء يطلبون ثوابا من الله على طاعتهم، لا بد من حصوله، لذا قال:

стр. 6699

﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أي ليوفيهم الله ثواب ما عملوه، ويضاعفه لهم بزيادات لم تخطر لهم، إنه غفور لذنوبهم، شكور لطاعتهم وللقليل من أعمالهم. ونظير الآية قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ، وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ١٧٣/ ٤] وقوله: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ.﴾. إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا، وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ.﴾. [النور ٣٧/ ٢٤ - ٣٨]. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يلي: ١ - من أدلة قدرة الله العظمى ووحدانيته واختياره: إنزال الماء من السماء، وإنبات النباتات، وإخراج الثمار المختلفة الأنواع والطعوم والروائح والألوان. ٢ - ومن الأدلة أيضا: إرساء الأرض بالجبال، وخلق طرق مختلفة الألوان فيما بينها تخالف لون الجبل، وإن كان الجميع حجرا أو ترابا. ٣ - ومنها أيضا خلق الناس والدواب والأنعام مختلفة الألوان، ففيهم الأحمر والأبيض والأسود والأصفر وغير ذلك، وكل ذلك دليل على وجود صانع مختار، واحد لا شريك له. ٤ - إن العلماء بطبيعة تركيب الكون ودقائقه، وبصفات الله وأفعاله، هم الذين يخافون قدرته، فمن علم أنه قدير أيقن بمعاقبته على المعصية، ومن لم يخش الله فليس بعالم، كما قال الربيع بن أنس، والخشية بمعرفة قدر المخشي، والعالم يعرف الله فيخافه ويرجوه. وهذا دليل على أن العالم أعلى درجة من العابد؛ لأن الله بين أن الكرامة بقدر التقوى، والتقوى بقدر العلم.

стр. 6700

أخرج البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فو الله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية». ٥ - آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ﴾: هذه آية القراء العالمين بكتاب الله العاملين بما فيه، الذين يقيمون صلاة الفرض والنفل، وينفقون مما رزقهم الله سرا وعلانية، هؤلاء هم الذين يبتغون تحصيل الثواب من الله على طاعاتهم، ويزيدهم الله من فضله، والزيادة هي الشفاعة في الآخرة، إن الله عند إعطاء الأجور غفور للذنوب، وعند إعطاء الزيادة شكور يقبل القليل من العمل الخالص، ويثيب عليه الجزيل من الثواب. وقوله: ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ إشارة إلى الإخلاص، أي ينفقون لا ليقال: إنه كريم، ولا لشيء من الأشياء غير وجه الله تعالى. تصديق القرآن لما تقدمه وأنواع ورثته وجزاء المؤمنين ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥)﴾

стр. 6701

الإعراب: ﴿مُصَدِّقاً﴾ حال مؤكدة؛ لأن الحق لا ينفك عن هذا التصديق. ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ﴿ذلِكَ﴾: مبتدأ، و ﴿الْفَضْلُ﴾: خبره، و ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل بين المبتدأ والخبر. و ﴿الْكَبِيرُ﴾: صفة الخبر، ويصح القول: ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ أول، و ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿الْفَضْلُ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول. ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ إما مبتدأ، و ﴿يَدْخُلُونَها﴾ الخبر، أو بدل من قوله: ﴿الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو جنات. و ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ خبر ثان أو حال مقدرة. ﴿مِنْ أَساوِرَ﴾ جمع أسورة، وهذا جمع سوار. و ﴿لُؤْلُؤاً﴾ معطوف على محل: ﴿مِنْ أَساوِرَ﴾. ﴿الَّذِي أَحَلَّنا.﴾. ﴿الَّذِي﴾ في موضع نصب صفة اسم «إن» في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّنا﴾ ويصح جعله في موضع الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو الذي، أو خبر بعد خبر، أو بدل من ضمير ﴿شَكُورٌ﴾. البلاغة: ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ، وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ إطناب بتكرار الفعل، للمبالغة في انتفاء كل من النصب واللغوب. المفردات اللغوية: ﴿مِنَ الْكِتابِ﴾ القرآن، و ﴿مِنَ﴾ للتبيين. ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ تقدمه من الكتب. ﴿لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ عالم بالبواطن والظواهر. ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا﴾ أعطيناه وقضينا وقدرنا. ﴿الْكِتابَ﴾ القرآن. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ اخترناهم، وهم علماء الأمة الإسلامية من الصحابة ومن بعدهم. ﴿ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بالتقصير في العمل به، والظلم: تجاوز الحدود. ﴿مُقْتَصِدٌ﴾ متوسط يعمل به في أغلب الأوقات. ﴿سابِقٌ بِالْخَيْراتِ﴾ يضم إلى العلم والتعليم، والإرشاد إلى العمل. و ﴿سابِقٌ﴾ متقدم إلى ثواب الله، و ﴿بِالْخَيْراتِ﴾ أي بسبب عمل الخيرات والأعمال الصالحة. ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ بإرادته وتوفيقه. ﴿ذلِكَ﴾ توريثهم الكتاب والاصطفاء، وقيل: السبق إلى الخيرات. ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ إقامة. ﴿أَساوِرَ﴾ جمع أسورة: وهي حلية تلبس في اليد. ﴿الْحَزَنَ﴾ الخوف من مخاطر المستقبل. ﴿لَغَفُورٌ﴾ للذنوب. ﴿شَكُورٌ﴾ للطاعة.

стр. 6702

﴿دارَ الْمُقامَةِ﴾ أي دار الإقامة الدائمة وهي الجنة. ﴿نَصَبٌ﴾ تعب. ﴿لُغُوبٌ﴾ إعياء من التعب أو كلال، ونفيهما جميعا للدلالة على الاستقلال، ولعدم التكليف في الجنة. سبب النزول: نزول الآية (٣٥): ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ﴾: أخرج البيهقي وابن أبي حاتم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «قال رجل للنبي ﷺ : إن النوم مما يقرّ الله به أعيننا في الدنيا، فهل في الجنة من نوم؟ قال: لا، إن النوم شريك الموت، وليس في الجنة موت، قال: فما راحتهم؟ فأعظم ذلك رسول الله ﷺ ، وقال: ليس فيها لغوب، كل أمرهم راحة، فنزلت: ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ، وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾». المناسبة: بعد بيان الأصل الأول في العقيدة، وهو وجود الله الواحد، وإثباته بأنواع الأدلة، وهي: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ﴾ ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ﴾ ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة، فقال: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾. ولما بيّن الله تعالى في الآية السابقة ثواب تلاوة كتاب الله، أكد ذلك وقرره بأن هذا الكتاب حق وصدق، فتاليه محق ومستحق لهذا الثواب، وهو مصدق لما تقدمه من الكتب السابقة، ثم قسم ورثته ثلاثة أنواع، ثم أوضح جزاء العاملين به في الآخرة. التفسير والبيان: يبين الله تعالى مكانة القرآن ومهمته بين الكتب السماوية فقال: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، إِنَّ اللهَ

стр. 6703

بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ أي إن الذي أوحينا إليك به يا محمد وهو القرآن هو الحق الثابت الدائم، المصدق والموافق لما تقدمه من الكتب السماوية السابقة، إن الله محيط بجميع أمور عباده، يعلم أحوالها الباطنة والظاهرة، يشرع لهم من الشرائع والأحكام المناسبة لكل زمان ومكان، وقد أنزله على محمد ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، لما اقتضت حكمته وعدله. ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي ثم قضينا وقدرنا بتوريث هذا القرآن من اخترنا من عبادنا، وهم يا محمد علماء أمتك من الصحابة فمن بعدهم، التي هي خير الأمم بنص الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠/ ٣] وجعلناهم أقساما ثلاثة: ١ - الظالم لنفسه: بتجاوز الحد، وهو المفرط في فعل بعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات. ٢ - المقتصد: المتوسط المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، لكنه قد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات. ٣ - السابق بالخيرات بإذن الله: وهو الذي يفعل الواجبات والمستحبات، ويترك المحرمات والمكروهات وبعض المباحات. وهذا خير الثلاثة، الذي سبق غيره في أمور الدين. ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي توريث الكتاب والاصطفاء فضل عظيم من الله تعالى. ثم أبان الله تعالى جزاء المؤمنين السابقين بغير حساب والمقتصدين بحساب يسير، والظالمين إن رحموا، فقال:

стр. 6704

﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً، وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ أي يدخل هؤلاء المصطفون جميعا جنات الإقامة الدائمة يوم المعاد، التي يحلّون فيها أساور من ذهب مرصع باللؤلؤ، ويكون لباسهم حريرا خالصا، وقد أباحه الله تعالى لهم في الآخرة، بعد أن كان محظورا عليهم في الدنيا. ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة» وقال: «هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة». وعلى هذا تكون الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة في هذه الأمة، والعلماء أغبط الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه الرحمة. أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن قيس بن كثير قال: قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء ﵁، وهو بدمشق، فقال: ما أقدمك أي أخي؟ قال: حديث بلغني أنك تحدّث به عن رسول الله ﷺ ، قال: أما قدمت لتجارة؟ قال: لا، قال: أما قدمت لحاجة؟ قال: لا، قال: أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال: نعم، قال ﵁: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سلك طريقا يطلب فيها علما، سلك الله تعالى به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإنه ليستغفر للعالم من في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورّثوا العلم، فمن أخذ به، أخذ بحظّ وافر». ﴿وَقالُوا: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ، إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أي وقالوا حين استقروا في مأواهم جنات عدن: الحمد والشكر والثناء على الله الذي أزال عنا الخوف من المحذور، وأراحنا من هموم الدنيا والآخرة، إن ربنا صاحب الفضل والرحمة والسعة، فهو غفور لذنوب عباده، شكور لطاعتهم.

стр. 6705

روى الطبراني عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في الموت، ولا في القبور، ولا في النشور، وكأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رؤوسهم من التراب يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ، إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾». قال ابن عباس ﵄ وغيره: غفر لهم الكثير من السيئات، وشكر لهم اليسير من الحسنات. ثم حمدوه أيضا على نعمة البقاء والاستقرار في الجنة والراحة فيها، فقال: ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ، لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ، وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ أي يقولون: الذي أعطانا هذه المنزلة، وهذا المقام الذي لا تحول عنه من فضله ومنّه ورحمته، لم تكن أعمالنا تساوي ذلك، كما ثبت في الصحيح لدى مسلم وأبي داود عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة منه وفضل» ولا نتعرض فيها لتعب ولا إعياء، لا في الأبدان ولا في الأرواح؛ إذ إنهم دأبوا على العبادة في الدنيا، فصاروا في راحة دائمة مستمرة، كما قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ [الحاقة ٢٤/ ٦٩]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - القرآن الكريم هو الحق الصدق الثابت الذي لا شك فيه، وهو الموافق والمصدق لأصول الكتب السماوية السابقة في صورتها الصحيحة قبل التحريف والتبديل؛ لأن الله أعلم بما يحقق الحكمة والمصلحة والعدل. ٢ - علماء الأمة الإسلامية من الصحابة فمن بعدهم ممن اختارهم الله ورثوا

стр. 6706

القرآن وضمنه كل كتاب منزل؛ لأن الله شرفهم على سائر العباد، وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس، وأكرمهم بكونهم أمة خير الأنبياء وسيد ولد آدم. ٣ - قسم الله الأمة المسلمة بالنسبة للعمل بالقرآن ثلاثة أقسام: الظالم لنفسه: أصحاب الكبائر من أهل التوحيد، والمقتصد الذي لم يصب كبيرة، والسابق إلى الأعمال الصالحة. ٤ - وعد الله المصطفين جميعا أو السابقين إلى الخيرات جنات عدن يدخلونها، متمتعين فيها بحلي الذهب المرصع باللؤلؤ، مرتدين فيها الحرير الخالص. وهذا دليل سرورهم ومتعتهم. ٥ - يحمد الله هؤلاء المؤمنون الذين جعل مأواهم جنات عدن ودار الإقامة، قائلين: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن أي الخوف من محذور المستقبل، لا يصيبنا فيها عناء ولا إعياء ولا مشقة. وهذا إخبار ببقائهم في الجنان ودوامهم فيها على الاستمرار. جزاء الكافرين وأحوالهم في النار وتهديدهم على كفرهم ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاّ خَساراً (٣٩)﴾

стр. 6707

الإعراب: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ ﴿فَيَمُوتُوا﴾: منصوب بأن مضمرة بعد النفي. البلاغة: ﴿غَفُورٌ﴾ ﴿شَكُورٌ﴾ ﴿كَفُورٍ﴾ صيغ مبالغة، وتوافق فواصل. ﴿فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ تهكم في صيغة أمر. ﴿وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتاً، وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاّ خَساراً﴾ إطناب لزيادة التشنيع والتقبيح على الكافرين وكفرهم. ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ، فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ سجع عفوي فيه غاية الجمال. المفردات اللغوية: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ﴾ لا يحكم عليهم بموت ثان ﴿فَيَمُوتُوا﴾ يستريحوا من العذاب ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها﴾ بل كلما خبت زيد استعارها ﴿كَذلِكَ نَجْزِي﴾ مثل ذلك الجزاء، أو كما جزيناهم ﴿كَفُورٍ﴾ كثير الكفر. ﴿يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ يستغيثون في النار بشدة وصوت عال، من الصراخ: وهو الصياح ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا﴾ بإضمار: يقولون: أخرجنا منها ﴿نَعْمَلْ صالِحاً﴾ تقييد العمل بالصالح للتحسر على ما عملوه من غير الصالح، والاعتراف به. ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ جواب من الله وتوبيخ لهم، معناه نجعلكم تعمرون وقتا أو نمهلكم ﴿ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أي أولم نعمركم وقتا كافيا للتذكر، من أراد أن يتذكر ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ الرسول، فما أجبتم ﴿لِلظّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿نَصِيرٍ﴾ معين يدفع عنهم العذاب. ﴿إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا تخفى عليه خافية، فلا يخفى عليه أحوالهم ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بما في القلوب من العقائد والظنون، وهو تعليل لما سبق؛ لأنه إذا علم مضمرات الصدور-وهي أخفى ما يكون-كان علمه بغيرها أولى، بالنظر إلى حال الناس.

стр. 6708

﴿خَلائِفَ﴾ جمع خليفة، يخلف بعضكم بعضا وهو الذي يقوم بما كان يقوم به سلفه، والخلفاء: جمع خليف. ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ جزاء كفره ﴿مَقْتاً﴾ غضبا وبغضا ﴿خَساراً﴾ خسارة للآخرة؛ لأنهم اشتروا بعمرهم رأس المال سخط الله تعالى. المناسبة: بعد بيان جزاء ورثة القرآن، ذكر جزاء الكفار؛ لأن المقارنة تبعث في النفس طمأنينة وارتياحا، وليعرف المؤمنون أن فخار الكفار في الدنيا عليهم ينقلب حسرة في الآخرة، وأنه لا نصير للظالمين. ثم أردف ذلك ببيان إحاطة علم الله بالأشياء، لينفي وجود نصير للظالمين، ثم ذكر خلافتهم في الأرض ليقطع حجتهم بطلب العودة إلى الدنيا، وأعقبه بتهديد الكافرين على كفرهم، فإنه لا ينفع عند الله إلا المقت، ولا يفيدهم إلا الخسارة، فإن العمر كرأس مال من اشترى به رضا الله ربح، ومن اشترى به سخطه خسر. التفسير والبيان: بعد بيان حال السعداء شرع الله تعالى في بيان حال الأشقياء في الآخرة، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا، وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها﴾ أي والذين كفروا بالله وبالقرآن وستروا ما تدل عليه العقول من دلالات واضحة على الحق، لهم نار جهنم، لا يحكم عليهم بموت ثان، فيستريحوا من العذاب والآلام، ولا يخفف عنهم شيء من العذاب طرفة عين، بل كلما خبت زيد سعيرها، وكلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها ليذوقوا العذاب. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ، لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ، قالَ:﴾ ﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ [الزخرف ٧٧/ ٤٣] وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ، لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ، وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف ٧٤/ ٤٣ - ٧٥] وقوله:

стр. 6709

﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾ [الإسراء ٩٧/ ١٧] وقوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً﴾ [النبأ ٣٠/ ٧٨]. وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «أما أهل النار الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها، ولا يحيون». ﴿كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ أي مثل ذلك الجزاء الشديد نجزي كل مبالغ في الكفر، فنزج به في قعر جهنم. ثم وصف تعالى حالهم في العذاب بقوله: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها: رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ أي وهؤلاء الكفار يستغيثون في النار، رافعين أصواتهم، ينادون قائلين: ربنا أخرجنا منها، وارجعنا إلى الدنيا، نعمل عملا صالحا ترضى عنه، غير ما كنا نعمله من الشرك والمعاصي، فنجعل الإيمان بدل الكفر، والطاعة بدل المعصية. فرد الله عليهم موبخا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أي ألم نبقكم مدة من العمر، تتمكنون فيه من التذكر إذا أردتم التذكر، أو أما عشتم في الدنيا أعمارا لو كنتم ممن ينتفع بالحق، لانتفعتم به في مدة عمركم؟ ونظير الآية: ﴿فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ، ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ، وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر ١١/ ٤٠ - ١٢]. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لقد أعذر الله تعالى إلى عبد أحياه حتى بلغ ستين أو سبعين سنة، لقد أعذر الله تعالى إليه، لقد أعذر الله تعالى إليه». ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ أي وجاءكم الرسول المنذر، وهو النبي ﷺ ، ومعه

стр. 6710

القرآن، ينذركم بالعقاب إن عصيتم. وقيل: النذير: الشيب. وقال الرازي: أي آتيناكم عقولا، وأرسلنا إليكم من يؤيد المعقول بالدليل المنقول. وبه يتبين أن الله تعالى احتج عليهم بالعمر والرسل؛ لقوله تعالى: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ، قالَ: إِنَّكُمْ ماكِثُونَ، لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ، وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف ٧٧/ ٤٣ - ٧٨] وقوله سبحانه: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ؟ قالُوا: بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ، فَكَذَّبْنا وَقُلْنا: ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ، إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك ٨/ ٦٧ - ٩]. ﴿فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أي فذوقوا عذاب جهنم، جزاء على مخالفتكم للأنبياء في الدنيا، فليس لكم اليوم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والنكال، وهو تهكم بصيغة الأمر مثل قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩/ ٤٤]. ثم أخبر تعالى عن إحاطة علمه بجميع الأمور ومنها أحوالهم، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي إن الله يعلم كل أمر خفي في السموات والأرض، ومنها أعمال العباد، لا تخفى منها خافية، فلو ردّكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحا، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨/ ٦] وذلك لأنه عليم بما تنطوي عليه الضمائر، وبما تكنّه السرائر، من المعتقدات والظنون وحديث النفس، وسيجازي كل عامل بعمله. وفيه إشارة إلى أنه لو أعادهم إلى الدنيا لم يعدلوا عن الكفر أبدا. وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تعليل لشمول علمه.

стр. 6711

ثم ذكر سببا آخر لعلمه بالغيب، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي إن الله هو الذي جعلكم يخلف قوم قوما آخرين قبلهم، خلفا بعد خلف، وجيلا بعد جيل، لتنتفعوا بخيرات الأرض، وتشكروا الله بالتوحيد والطاعة، كما قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل ٦٢/ ٢٧]. ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي فمن كفر منكم هذه النعمة، فعليه ضرر كفره، وجزاؤه عليه دون غيره. ﴿وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتاً، وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاّ خَساراً﴾ أي كلما استمروا على كفرهم أبغضهم الله تعالى وغضب عليهم، وكلما أصروا على الكفر خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وأصابهم النقص والهلاك. وهذا التكرار دليل على أن الكفر يستوجب أمرين هما البغض والخسران. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - هذه أحوال النار ومقالتهم، يخلدون في نار جهنم، ولا يموتون فيها ولا يحيون: ﴿لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ [الأعلى ١٣/ ٨٧]، ولا يخفف عنهم شيء من عذابها، وهذا جزاء كل كافر بالله ورسوله ﷺ . ٢ - إنهم يقولون في النار: ربنا أخرجنا من جهنم، وردنا إلى الدنيا، نعمل عملا صالحا غير عملنا الذي كنا نعمله، وهو الشرك، فنؤمن بدل الكفر، ونطيع بدل المعصية، ونمتثل أمر الرسل. ٣ - أجابهم الله تعالى بأنه أعطاهم مدة من العمر كافية، يتمكن فيه كل واحد

стр. 6712

من التذكر إذا أراد التذكر، وجاءتهم الرسل تنذرهم من عقاب الله إن أصروا على الكفر، فكان أمامهم فرصتان: مدة العمر، وإرسال الرسل. ٤ - إن دار الآخرة ليست بدار تكليف، فلا يقبل فيها تصحيح الإيمان، ولا تنفع فيها التوبة، فذلك كله محله دار الدنيا، لذا يقال للكفار: ذوقوا عذاب جهنم؛ لأنكم ما اعتبرتم ولا اتعظتم، فما للظالمين من ناصر ولا مانع من عذاب الله تعالى. ٥ - الله تعالى عالم بكل أمر خفي أو ظاهر في الدنيا والآخرة، ومطلع على أعمال العباد، وهو يعلم أنه لو رد الكفار إلى الدنيا لم يعملوا صالحا، كما قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨/ ٦] وهذا تقرير لدوامهم في العذاب. وسبب سعة علمه بالغيب: أنه عالم في الماضي والمستقبل بمضمرات الصدور، وأنه جعل الناس خلفا بعد خلف، وقرنا بعد قرن، للانتفاع بكنوز الأرض، وشكر الله بالتوحيد والطاعة. ٦ - من كفر فعليه جزاء كفره وهو العقاب والعذاب. ٧ - إذا استمر الكفار على كفرهم لم يستفيدوا إلا أمرين: المقت، أي البغض والغضب من الله تعالى، والخسارة، أي الهلاك والضلال. فهل من معتبر منهم في الدنيا قبل فوات الأوان؟ مناقشة المشركين في عبادة الأوثان وإنكار التوحيد ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاّ غُرُوراً (٤٠) إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١)﴾

стр. 6713

الإعراب: ﴿أَرُونِي﴾ بدل اشتمال من ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾. ﴿إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ جملة سادّة مسد الجوابين: جواب القسم وجواب الشرط. البلاغة: ﴿أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾ استفهام إنكاري للتوبيخ. ﴿حَلِيماً غَفُوراً﴾ من صيغ المبالغة. ﴿غُرُوراً﴾ ﴿غَفُوراً﴾ توافق فواصل. المفردات اللغوية: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أي أخبروني ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ تعبدون من غير الله، وهم الأصنام الذين زعمتم أنهم شركاء لله تعالى ﴿أَرُونِي﴾ أخبروني ﴿شِرْكٌ﴾ شركة مع الله ﴿فِي السَّماواتِ﴾ أي في خلقها ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً﴾ ينطق على أنا اتخذنا شركاء ﴿فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ على حجة من ذلك الكتاب بأن لهم شركة جعلية، أي لهم معي شركة ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ﴾ أي ما يعد الكافرون. ولمّا تقرر نفي أنواع الحجج في ذلك، أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه، وهو تغرير الأسلاف الأخلاف أو الرؤساء الأتباع ﴿غُرُوراً﴾ باطلا. ﴿يُمْسِكُ﴾ يحفظ ﴿أَنْ تَزُولا﴾ كراهة أن تضطرب وتنتقل من أماكنها، من الزوال، والمعنى: يمنعهما من الزوال ﴿وَلَئِنْ﴾ اللام لام القسم ﴿إِنْ أَمْسَكَهُما﴾ ما أمسكهما ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي من بعد الله، أي سواه، أو من بعد الزوال، ومن الأولى: زائدة، والثانية: للابتداء والمعنى الأصح: لا يقدر أحد غيره تعالى على إمساكهما لو فرض زوالهما ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ في تأخير عقاب الكفار، وفي إمساكه السموات والأرض.

стр. 6714

المناسبة: بعد بيان جزاء المؤمنين والكافرين وتهديد كل من كفر بالله، ذكر تعالى ما يدعو للتوحيد ويبطل الإشراك، مناقشا المشركين في أبسط مقومات عبادة الإله: وهو الخلق والإبداع، وأن هذه الآلهة المزعومة عاجزة عن ذلك. التفسير والبيان: ﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ قل أيها النبي للمشركين: أخبروني عن الشركاء الذين تعبدونهم من دون الله وتتخذونهم آلهة من الأصنام والأوثان، هل خلقوا شيئا من الأرض، حتى يستحقوا الألوهية؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾ وهل لهم شركة مع الله في خلق السموات أو في ملكها أو في التصرف فيها، حتى يستحقوا بذلك الشركة في الألوهية؟ ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾؟ أي وهل أنزلنا عليهم كتابا يقرر ما يقولونه من الشرك والكفر، يكون لهم حجة فيما يدعون؟ ﴿بَلْ، إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاّ غُرُوراً﴾ أي بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي تمنوها لأنفسهم، وهي كلها غرور وباطل وزور، كما يعد الرؤساء والقادة أتباعهم بمواعيد يغرونهم بها، وهي أباطيل تغر ولا حقيقة لها، وذلك قولهم: إن هذه الآلهة تنفعهم وتقرّبهم إلى الله، وتشفع لهم عنده. وبعد بيان ضعف الأصنام وعجزها عن أي شيء، أبان تعالى ما يؤهله للعبادة، ويجعله أهلا للعظمة، فقال مبينا قدرته وبديع صنعه: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ أي إن الله يمنع زوال

стр. 6715

السموات والأرض واضطرابها، وانتقالها من أماكنها، وهذا يشير إلى نظام الجاذبية، وأن الأرض كرة تسبح في الفضاء، كغيرها من الشمس والقمر والكواكب الأخرى السيارة التي تجري في مدارات خاصة بها، كما قال : ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [فاطر ٤١/ ٣٥] وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم ٢٥/ ٣٠]. ﴿وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ أي لو قدّر إشرافهما على الزوال، لا يقدر أحد غيره تعالى على إمساكهما، ولا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو، وهو مع ذلك حليم غفور، يمهل عقاب المشركين، ويغفر لمن تاب منهم ما أجرم في الماضي، فهو يحلم فيؤخّر ويؤجّل، ولا يعجّل، ويستر آخرين ويغفر، ويظل ممسكا السموات والأرض، بالرغم من أنه يرى عباده، وهم يكفرون به ويعصونه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - يتحدى الله تعالى المشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد، ويطالبهم أن يخبروا عن شركائهم الذين يعبدونهم من دون الله، أعبدوهم؛ لأن لهم شركة في خلق السموات والأرض، أم خلقوا من الأرض شيئا؟! أم عندهم كتاب أنزله إليهم بالشركة؟! وقوله ﴿شُرَكاءَكُمُ﴾: إنما أضاف الشركاء إليهم، من حيث إن الأصنام في الحقيقة لم تكن شركاء لله، وإنما هم جعلوها شركاء، فقال: ﴿شُرَكاءَكُمُ﴾ أي الشركاء بجعلكم. ويحتمل أن يقال: شركاءكم في النار، لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء ٩٨/ ٢١] قال الرازي: وهو قريب، ويحتمل أن يقال: هو بعيد، لاتفاق المفسرين على الأول.

стр. 6716

٢ - الحقيقة أنه لا جواب يقنع من المشركين، وإنما هم يتبعون أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي تمنوها لأنفسهم، وهي باطل وزور، وما مواعيدهم لبعضهم بعضا إلا أباطيل تغرّ، حين قال السادة للأتباع: إن هذه الآلهة تنفعكم وتقرّبكم. ٣ - الدليل على عظمة الله وقدرته بعد ثبوت ضعف الأصنام وعجزها: هو أن الله خالق السموات والأرض وممسكهما، فلا يوجد حادث إلا بإيجاده، ولا يبقى إلا ببقائه، ولو زالتا فرضا واضطربتا ما أمسكهما من أحد غير الله ﷻ . ٤ - من صفات الله العليا: الحلم، فلا يعجل العقوبة للكفار والعصاة، والمغفرة لمن تاب وآمن وعمل صالحا، ثم اهتدى إلى طريق الحق على الدوام، وهو تعالى يحافظ على هذا النظام البديع للكون، بالرغم من كفر الكافرين. إنكار المشركين الرسالة النبوية وتهديدهم بالإهلاك ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً (٤٢) اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥)﴾

стр. 6717

الإعراب: ﴿اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ ﴿اِسْتِكْباراً﴾ مفعول لأجله، و ﴿مَكْرَ السَّيِّئِ﴾ منصوب على المصدر، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. البلاغة: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ في ﴿ظَهْرِها﴾ استعارة مكنية، شبّه الأرض بدابة تحمل على ظهرها أنواع المخلوقات، ثم حذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الظهر، بطريق الاستعارة المكنية. ﴿عَلِيماً قَدِيراً﴾ ﴿بَصِيراً﴾ من صيغ المبالغة. المفردات اللغوية: ﴿وَأَقْسَمُوا﴾ حلف المشركون ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ طاقتها وغاية اجتهادهم فيها ﴿لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ رسول منذر ﴿أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ اليهود أو النصارى، لما رأوا من تكذيب بعضهم بعضا؛ إذ قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ محمد ﷺ ﴿ما زادَهُمْ﴾ مجيئه ﴿إِلاّ نُفُوراً﴾ تباعدا عن الحق والهدى. ﴿اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ﴾ أي إنهم ما كذبوا برسالة محمد ﷺ لاعتقاد كذبه، إنما فعلوا ذلك لأجل الاستكبار عن أن يكونوا أتباعا له، ولأجل العتو: وهو التجبر والمضي في الفساد ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أي ومكر العمل السيء من الشرك وكيد رسول الله ﷺ ، والمكر: هو الحيلة والخداع والعمل القبيح ﴿وَلا يَحِيقُ﴾ لا يصيب ولا ينزل ولا يحيط ﴿إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ وهو الماكر ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون ﴿إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ طريقة المتقدمين من تعذيب المكذبين رسلهم ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ أي لا يبدل بالعذاب غيره، ولا يحول إلى غير مستحقه، وبعبارة أخرى: التبديل: وضع الرحمة موضع العذاب، والتحويل: نقل العذاب من المكذبين إلى غيرهم. ﴿عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مصير وآثار الماضين من قبلهم أثناء سيرهم إلى الشام واليمن والعراق، كعاد وثمود ومدين وأمثالهم، نزل بهم العذاب، لما كذبوا الرسل، فتلك سنة الله في المكذبين التي لا تبدّل ولا تحوّل ﴿وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ وأطول أعمارا، وأكثر أموالا، وأقوى أبدانا، من أهل مكة، فأهلكهم الله بتكذيبهم رسلهم. والواو: واو الحال ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ

стр. 6718

شَيْءٍ﴾ يسبقه ويفوته ﴿إِنَّهُ كانَ عَلِيماً﴾ بالأشياء كلها لا يخفى عليه شيء ﴿قَدِيراً﴾ لا يصعب عليه أمر. ﴿بِما كَسَبُوا﴾ عملوا من الذنوب أو المعاصي أو الخطايا ﴿عَلى ظَهْرِها﴾ على ظهر الأرض من الأحياء ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ من الدواب التي تدبّ، والدابة: كل ما يدبّ على الأرض ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو يوم القيامة ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً﴾ أي فيجازيهم على أعمالهم، بإثابة المؤمنين، وعقاب الكافرين. سبب النزول: نزول الآية (٤٢): ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي هلال أنه بلغه: أن قريشا كانت تقول: لو أن الله بعث منا نبيا، ما كانت أمة من الأمم أطوع لخالقها، ولا أسمع لنبيها، ولا أشد تمسكا بكتابها منا، فأنزل الله: ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات ١٦٨/ ٣٧] ﴿لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام ١٥٧/ ٦] ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ وكانت اليهود تستفتح على النصارى به، فيقولون: إنا نجد نبيا يخرج. المناسبة: بعد بيان إنكار المشركين للتوحيد، وتوبيخهم وتقريعهم على سخف عقولهم، ذكر الله تعالى تكذيبهم للرسول ﷺ ، بعد ترقبهم له، ثم هددهم بالهلاك كمن قبلهم من الأمم الغابرة الذين كذبوا رسلهم، وأردفه بتذكيرهم بما يشاهدونه في رحلاتهم إلى الشام والعراق واليمن من آثار تدمير منازل المكذبين بالرغم من كمال القوة، وكثرة المال والولد، وختم السورة ببيان مدى حلمه على الناس، وأنه لو أراد مؤاخذتهم لأفناهم، ولكنه أخرّ عقابهم إلى يوم القيامة، وحينها يعاقبهم على أعمالهم.

стр. 6719

التفسير والبيان: هذا نبأ عجيب غريب عن قريش والعرب لا علم لنا به من غير القرآن، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ: لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ أقسمت قريش والعرب بالله أغلظ الأيمان قبل إرسال الرسول إليهم: لئن جاءهم من الله رسول منذر ليكونن أمثل من أي أمة من الأمم أو من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل في الطاعة، وأشدهم تمسكا بالرسالة وقبولا لها. وذلك كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا: إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا، وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا: لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ، فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها، سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام ١٥٦/ ٦ - ١٥٧]. ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ، ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً، اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ، وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أي فلما أتاهم ما تمنوه، وهو رسول الله ﷺ بما أنزل عليه من القرآن العظيم، ما ازدادوا إلا كفرا إلى كفرهم وتباعدا عن الإيمان وإجابة النبي ﷺ ، مستكبرين عن اتباع آيات الله، ومكروا بالناس في صدهم إياهم عن سبيل الله تعالى. وبه تبين ألا عهد لهم، ولا صدق في كلامهم، ولا وفاء بما يقولون، فتحملوا ثم فعلهم كما قال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ أي وما يعود وبال ذلك إلا عليهم نفسهم دون غيرهم، وعادت عليهم عاقبة مكرهم بالإثم والوزر، ونزلت عاقبة لسوء بمن أساء، قبل المساء إليه، كما قال تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء ٢٢٧/ ٢٦] ومكر السيء: أي مكر العمل السيء، والمكر: هو الحيلة والخداع والعمل القبيح، وهو هنا الكفر وخداع الضعفاء، وصدهم عن الإيمان ليكثر أتباعهم.

стр. 6720

أي وما يعود وبال ذلك إلا عليهم نفسهم دون غيرهم، وعادت عليهم عاقبة مكرهم بالإثم والوزر، ونزلت عاقبة لسوء بمن أساء، قبل المساء إليه، كما قال تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء ٢٢٧/ ٢٦] ومكر السيء: أي مكر العمل السيء، والمكر: هو الحيلة والخداع والعمل القبيح، وهو هنا الكفر وخداع الضعفاء، وصدهم عن الإيمان ليكثر أتباعهم. ثم هددهم بجزاء أمثالهم، فقال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي فهل ينتظرون إلا عقوبة لهم على تكذيبهم الرسول ﷺ ومخالفة أوامره مثل عقوبة الله للأمم الماضية المكذبين. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ أي تلك سنة الله وطريقته. التي لا تتغير ولا تتبدل في كل مكذب، فلن توضع الرحمة موضع العذاب، ولن يحوّل العذاب من مكذب إلى غيره، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ، وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ﴾ [الرعد ١١/ ١٣]. ثم لفت أنظارهم إلى آثار تدمير الماضين المكذبين فقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي أولم ينتقلوا في الأراضي في رحلاتهم إلى الشام واليمن والعراق، فيشاهدوا مصير السابقين الذين كذبوا الرسل، كيف دمّر الله عليهم، وللكافرين أمثالهم، بالرغم من أنهم كانوا أشد قوة من قريش وأكثر عددا وعددا، وأموالا وأولادا، فما أغنى ذلك شيئا، ولا دفع عنهم من عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك، لأنه كما قال تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ، إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ أي لأن الله لا يعجزه ولا يفوته أو يسبقه شيء إذا أراد حدوثه في السموات والأرض، فلن يعجزه هؤلاء المشركون المكذبون لرسوله ﷺ ، ولن يفلتوا من عقابه؛ لأن الله تعالى عليم بجميع الكائنات لا يخفى عليه شيء، قدير

стр. 6721

لا يصعب عليه أمر، فهو يعلم المستحق للعقوبة، قادر على الانتقام منه في أي وقت أو مكان شاء. ثم أبان الله تعالى سياسته العقابية، وأخبر عن سابغ وواسع رحمته بالناس، فقال: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي لو عجل تعالى العقاب وآخذ الناس بجميع ذنوبهم، لأهلك جميع أهل السموات والأرض، وما يملكونه من دواب وأرزاق، لشؤم معاصيهم. والمراد بالدابة كما قال ابن مسعود: جميع الحيوان مما دبّ ودرج. ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ، فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً﴾ أي ولكن يؤجل عقابهم ومؤاخذتهم بذنوبهم إلى وقت محدد وهو يوم القيامة، فيحاسبهم يومئذ، ويوفي كل عامل بعمله، فيجازي بالثواب أهل الطاعة، وبالعقاب أهل المعصية، والله بصير بمن يستحق منهم الثواب، ومن يستحق منهم العقاب، لا يخفى عليه شيء من أمرهم. ونظير الآية: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ، لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ [الكهف ٥٨/ ١٨]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - أقسمت قريش قبل بعثة الرسول ﷺ ، حين بلغهم أن أهل الكتاب كذّبوا رسلهم أنه إن جاءهم نبي ليكونن أهدى ممن كذب الرسل من أهل الكتاب. وكانت العرب تتمنى أن يكون منهم رسول كما كانت الرسل من بني إسرائيل. فلما جاءهم ما تمنّوه وهو الرسول النذير، من أنفسهم، نفروا عنه، ولم يؤمنوا

стр. 6722

به، تكبرا وعتوا عن الإيمان، ومكرا منهم بصدهم عن الإيمان ليكثر أتباعهم. ٢ - لكن تنكر المشركين للعهد بالله، وإخلالهم بالوفاء باليمين، وعاقبة شركهم: لا ترتد آثاره إلا عليهم أنفسهم. وهذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. وفي أمثال العرب: «من حفر لأخيه جبّا، وقع فيه منكبّا» وروى الزهري أن النبي ﷺ قال: «لا تمكر ولا تعن ماكرا، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ ولا تبغ ولا تعن باغيا، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾. وفي الحديث الذي أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن قيس بن سعد: «المكر والخديعة في النار» أي تدخل أصحابها في النار؛ لأنها من أخلاق الكفار، لا من أخلاق المؤمنين الأخيار، قال ﷺ : «وليس من أخلاق المؤمن: المكر والخديعة والخيانة». ٣ - ما موقف المشركين المعاند من نبي الله إلا كموقف من ينتظر العذاب الذي نزل بالكفار الأولين، وقد أجرى الله العذاب على الكفار، وجعل ذلك سنة أي طريقة فيهم، فهو يعذب المستحق، لا يقدر أحد أن يبدل ذلك، ولا أن يحول العذاب عن نفسه إلى غيره. والإهلاك ليس سنة الأولين وإنما هو سنة الله بالأولين. ٤ - تأكيدا لهذا الموقف نبّههم الله تعالى إلى الأمثلة الواقعية من تاريخ الأمم الغابرة، وهم الذين يشاهدون آثار تدمير مساكنهم ودورهم أثناء تجاراتهم ورحلاتهم إلى بلاد اليمن والشام والعراق، مثل إهلاك قوم عاد وثمود ومدين وغيرهم، لما كذبوا رسل الله، وكانوا أشد من أهل مكة قوة، وأكثر أموالا وأولادا، وإذا أراد الله إنزال عذاب بقوم لم يعجزه ذلك. ٥ - اقتضت رحمة الله ﵎ ألا يعجل العذاب للعصاة والكفار على

стр. 6723

ذنوبهم، وإنما يؤخرهم ويمهلهم إلى يوم معين كي تكون لديهم فرصة، فيتداركوا تقصيرهم، ويعدلوا عن ظلمهم، وكان مقتضى العدل تعجيل العقوبة، وإذا فعل الله ذلك، أهلك جميع المخلوقات إلا من يشاء، والله سبحانه عليم بمن يستحق العقاب منهم. وهذا رد بليغ على المشركين الذين كانوا من شدة عنادهم وفساد اعتقادهم وعتوهم يستعجلون بالعذاب، ويقولون لرسول الله ﷺ : عجل لنا عذابنا، فقال الله: للعذاب أجل. وقد حكى القرآن الكريم استعجال المشركين بالعقاب استهزاء، حيث قالوا: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨].

стр. 6724

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة يس مكيّة، وهي ثلاث وثمانون آية. تسميتها: سميت سورة يس لافتتاحها بهذه الأحرف الهجائية، التي قيل فيها إنها نداء معناه (يا إنسان) بلغة طي لأن تصغير إنسان: أنيسين، فكأنه حذف الصدر منه، وأخذ العجز، وقال: ﴿يس﴾ أي أنيسين. وعلى هذا يحتمل أن يكون الخطاب مع محمد ﷺ ، بدليل قوله تعالى بعده. ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. مناسبتها لما قبلها: تظهر صلة هذه السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة: ١ - بعد أن ذكر تعالى في سورة فاطر قوله: ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [٣٧] وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ، لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ، فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ [٤٢] والمراد به محمد ﷺ ، وقد أعرضوا عنه وكذبوه، افتتح هذه السورة بالقسم على صحة رسالته، وأنه على صراط مستقيم، وأنه أرسل لينذر قوما ما أنذر آباؤهم. ٢ - هناك تشابه بين السورتين في إيراد بعض أدلة القدرة الإلهية الكونية، فقال تعالى في سورة فاطر: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾

стр. 6725

[١٣] وقال في سورة يس: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [٣٧ - ٣٨]. ٣ - وقال سبحانه في فاطر: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ [١٢] وقال في يس: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [٤١]. مشتملاتها: تضمنت هذه السورة كسائر السور المكية المفتتحة بأحرف هجائية الكلام عن أصول العقيدة من تعظيم القرآن الكريم، وبيان قدرة الله ووحدانيته، وتحديد مهام النبي ﷺ بالبشارة والإنذار، وإثبات البعث بأدلة حسية مشاهدة من الخلق المبتدأ والإبداع الذي لم يسبق له مثيل. وقد بدئت السورة بالقسم الإلهي بالقرآن الحكيم على أن محمدا رسول حقا من رب العالمين لينذر قومه العرب وغيرهم من الأمم، فانقسم الناس من رسالته فريقين: فريق معاند لا أمل في إيمانه، وفريق يرجى له الخير والهدى، وأعمال كل من الفريقين محفوظة، وآثارهم مدونة معلومة في العلم الأزلي القديم. ثم ضرب المثل لهم بأهل قرية كذبوا رسلهم واحدا بعد الآخر، وكذبوا الناصح لهم وقتلوه، فدخل الجنة، ودخلوا هم النار. وأعقب ذلك تذكيرهم بتدمير الأمم المكذبة الغابرة. وانتقل البيان إلى إثبات البعث والقدرة والوحدانية بإحياء الأرض الميتة، وبيان قدرة الله الباهرة في الكون من تعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب السيارة والثابتة، وتسيير السفن في البحار. وإزاء ذلك هزم الجاحدون، وأنذروا بالعقاب السريع، وفوجئوا بنقمة الله في تصوير أهوال القيامة، وبعثهم من القبور بنفخة البعث والنشور، فأعلنوا
следующие страницы →