← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

لا يصعب عليه أمر، فهو يعلم المستحق للعقوبة، قادر على الانتقام منه في أي وقت أو مكان شاء. ثم أبان الله تعالى سياسته العقابية، وأخبر عن سابغ وواسع رحمته بالناس، فقال: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي لو عجل تعالى العقاب وآخذ الناس بجميع ذنوبهم، لأهلك جميع أهل السموات والأرض، وما يملكونه من دواب وأرزاق، لشؤم معاصيهم. والمراد بالدابة كما قال ابن مسعود: جميع الحيوان مما دبّ ودرج. ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ، فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً﴾ أي ولكن يؤجل عقابهم ومؤاخذتهم بذنوبهم إلى وقت محدد وهو يوم القيامة، فيحاسبهم يومئذ، ويوفي كل عامل بعمله، فيجازي بالثواب أهل الطاعة، وبالعقاب أهل المعصية، والله بصير بمن يستحق منهم الثواب، ومن يستحق منهم العقاب، لا يخفى عليه شيء من أمرهم. ونظير الآية: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ، لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ [الكهف ٥٨/ ١٨]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - أقسمت قريش قبل بعثة الرسول ﷺ ، حين بلغهم أن أهل الكتاب كذّبوا رسلهم أنه إن جاءهم نبي ليكونن أهدى ممن كذب الرسل من أهل الكتاب. وكانت العرب تتمنى أن يكون منهم رسول كما كانت الرسل من بني إسرائيل. فلما جاءهم ما تمنّوه وهو الرسول النذير، من أنفسهم، نفروا عنه، ولم يؤمنوا

стр. 6722

به، تكبرا وعتوا عن الإيمان، ومكرا منهم بصدهم عن الإيمان ليكثر أتباعهم. ٢ - لكن تنكر المشركين للعهد بالله، وإخلالهم بالوفاء باليمين، وعاقبة شركهم: لا ترتد آثاره إلا عليهم أنفسهم. وهذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. وفي أمثال العرب: «من حفر لأخيه جبّا، وقع فيه منكبّا» وروى الزهري أن النبي ﷺ قال: «لا تمكر ولا تعن ماكرا، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ ولا تبغ ولا تعن باغيا، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾. وفي الحديث الذي أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن قيس بن سعد: «المكر والخديعة في النار» أي تدخل أصحابها في النار؛ لأنها من أخلاق الكفار، لا من أخلاق المؤمنين الأخيار، قال ﷺ : «وليس من أخلاق المؤمن: المكر والخديعة والخيانة». ٣ - ما موقف المشركين المعاند من نبي الله إلا كموقف من ينتظر العذاب الذي نزل بالكفار الأولين، وقد أجرى الله العذاب على الكفار، وجعل ذلك سنة أي طريقة فيهم، فهو يعذب المستحق، لا يقدر أحد أن يبدل ذلك، ولا أن يحول العذاب عن نفسه إلى غيره. والإهلاك ليس سنة الأولين وإنما هو سنة الله بالأولين. ٤ - تأكيدا لهذا الموقف نبّههم الله تعالى إلى الأمثلة الواقعية من تاريخ الأمم الغابرة، وهم الذين يشاهدون آثار تدمير مساكنهم ودورهم أثناء تجاراتهم ورحلاتهم إلى بلاد اليمن والشام والعراق، مثل إهلاك قوم عاد وثمود ومدين وغيرهم، لما كذبوا رسل الله، وكانوا أشد من أهل مكة قوة، وأكثر أموالا وأولادا، وإذا أراد الله إنزال عذاب بقوم لم يعجزه ذلك. ٥ - اقتضت رحمة الله ﵎ ألا يعجل العذاب للعصاة والكفار على

стр. 6723

ذنوبهم، وإنما يؤخرهم ويمهلهم إلى يوم معين كي تكون لديهم فرصة، فيتداركوا تقصيرهم، ويعدلوا عن ظلمهم، وكان مقتضى العدل تعجيل العقوبة، وإذا فعل الله ذلك، أهلك جميع المخلوقات إلا من يشاء، والله سبحانه عليم بمن يستحق العقاب منهم. وهذا رد بليغ على المشركين الذين كانوا من شدة عنادهم وفساد اعتقادهم وعتوهم يستعجلون بالعذاب، ويقولون لرسول الله ﷺ : عجل لنا عذابنا، فقال الله: للعذاب أجل. وقد حكى القرآن الكريم استعجال المشركين بالعقاب استهزاء، حيث قالوا: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨].

стр. 6724

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة يس مكيّة، وهي ثلاث وثمانون آية. تسميتها: سميت سورة يس لافتتاحها بهذه الأحرف الهجائية، التي قيل فيها إنها نداء معناه (يا إنسان) بلغة طي لأن تصغير إنسان: أنيسين، فكأنه حذف الصدر منه، وأخذ العجز، وقال: ﴿يس﴾ أي أنيسين. وعلى هذا يحتمل أن يكون الخطاب مع محمد ﷺ ، بدليل قوله تعالى بعده. ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. مناسبتها لما قبلها: تظهر صلة هذه السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة: ١ - بعد أن ذكر تعالى في سورة فاطر قوله: ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [٣٧] وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ، لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ، فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ [٤٢] والمراد به محمد ﷺ ، وقد أعرضوا عنه وكذبوه، افتتح هذه السورة بالقسم على صحة رسالته، وأنه على صراط مستقيم، وأنه أرسل لينذر قوما ما أنذر آباؤهم. ٢ - هناك تشابه بين السورتين في إيراد بعض أدلة القدرة الإلهية الكونية، فقال تعالى في سورة فاطر: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾

стр. 6725

[١٣] وقال في سورة يس: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [٣٧ - ٣٨]. ٣ - وقال سبحانه في فاطر: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ [١٢] وقال في يس: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [٤١]. مشتملاتها: تضمنت هذه السورة كسائر السور المكية المفتتحة بأحرف هجائية الكلام عن أصول العقيدة من تعظيم القرآن الكريم، وبيان قدرة الله ووحدانيته، وتحديد مهام النبي ﷺ بالبشارة والإنذار، وإثبات البعث بأدلة حسية مشاهدة من الخلق المبتدأ والإبداع الذي لم يسبق له مثيل. وقد بدئت السورة بالقسم الإلهي بالقرآن الحكيم على أن محمدا رسول حقا من رب العالمين لينذر قومه العرب وغيرهم من الأمم، فانقسم الناس من رسالته فريقين: فريق معاند لا أمل في إيمانه، وفريق يرجى له الخير والهدى، وأعمال كل من الفريقين محفوظة، وآثارهم مدونة معلومة في العلم الأزلي القديم. ثم ضرب المثل لهم بأهل قرية كذبوا رسلهم واحدا بعد الآخر، وكذبوا الناصح لهم وقتلوه، فدخل الجنة، ودخلوا هم النار. وأعقب ذلك تذكيرهم بتدمير الأمم المكذبة الغابرة. وانتقل البيان إلى إثبات البعث والقدرة والوحدانية بإحياء الأرض الميتة، وبيان قدرة الله الباهرة في الكون من تعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب السيارة والثابتة، وتسيير السفن في البحار. وإزاء ذلك هزم الجاحدون، وأنذروا بالعقاب السريع، وفوجئوا بنقمة الله في تصوير أهوال القيامة، وبعثهم من القبور بنفخة البعث والنشور، فأعلنوا

стр. 6726

ندمهم، وصرحوا بأن البعث حق، ولكن لم يجدوا أمامهم إلا نار جهنم، وكانوا قد وبخوا على اتباع وساوس الشيطان، وأعلموا أن الله قادر على مسخهم في الدنيا. وأما المؤمنون فيتمتعون بنعيم الجنان، ويحسون بأنهم في أمن وسلام من رب رحيم. ثم نفى الله تعالى كون رسوله شاعرا، وأعلم الكافرين أنه منذر بالقرآن المبين أحياء القلوب، وذكّر الناس قاطبة بضرورة شكر المنعم على ما أنعم عليهم من تذليل الأنعام، والانتفاع بها في الطعام والشراب واللباس. وندد الله تعالى باتخاذ المشركين آلهة من الأصنام أملا في نصرتها لهم يوم القيامة، مع أنها عاجزة عن أي نفع، وهم مع ذلك جنودها الطائعون. وختمت السورة بالرد القاطع على منكري البعث بما يشاهدونه من ابتداء الخلق، وتدرج الإنسان في أطوار النمو، وإنبات الشجر الأخضر ثم جعله يابسا، وخلق السموات والأرض، وإعلان القرار النهائي الحتمي الناجم عن كل ذلك، وهو قدرة الله الباهرة على إيجاد الأشياء بأسرع مما يتصور الإنسان، وأنه الخالق المالك لكل شيء في السموات والأرض. والخلاصة: أن السورة كلها إيقاظ شديد للمشاعر والوجدان، وتحريك قوي للأحاسيس، وفتح نفّاذ للقلوب، لكي تبادر إلى الإقرار بالخالق وتوحيده، والإيمان بالبعث والجزاء. قال النبي ﷺ في كتاب أبي داود عن معقل بن يسار: «اقرؤوا يس على موتاكم».

стр. 6727

القرآن والرسول والمرسل إليهم ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ الإعراب: ﴿يس﴾ إما بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي هذه يس، وإما بالضم على نداء المفرد أو على أنه مبني كحيث، وقرئ بالنصب على معنى: اتل يس، وإما بالفتح كأين وكيف، وقرئ بالكسر مثل: جير لإسكان الياء وكسر ما قبلها. ومنهم من أظهر النون، ومنهم من أدغمها في الواو، فمن أظهرها فلأن حروف الهجاء من حقها أن يوقف عليها، كالعدد، ولذلك لم تعرب، ومن أدغمها أجراها مجرى المتصل، والإظهار أقيس. ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ في موضع رفع خبر (إن) و ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إما في موضع رفع خبر بعد خبر (إن) وإما في موضع نصب متعلق ب ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ منصوب على المصدر، مصدر (نزّل) وهو مضاف إلى الفاعل،

стр. 6728

ويقرأ بالرفع على تقدير مبتدأ محذوف، تقديره: هو تنزيل، ويقرأ أيضا بالجر على البدل من القرآن. ﴿ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ ﴿قَوْماً﴾: إما نافية، وإما مصدرية في موضع نصب، تقديره: لتنذر قوما إنذارا مثل إنذارنا آباءهم، ممن كانوا في زمان إبراهيم وإسماعيل. ﴿وَآثارَهُمْ﴾ هي السنن التي سنّوها، فيه محذوف تقديره: سنكتب ذكر ما قدموا وذكر آثارهم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ﴾ ﴿كُلَّ﴾ منصوب بفعل مقدر دلّ عليه ﴿أَحْصَيْناهُ﴾ أي أحصينا كل شيء أحصيناه. البلاغة: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ في كل منهما تأكيد بأكثر من مؤكد وهو (إن) واللام؛ لأن المخاطب منكر، وهذا التأكيد يسمى إنكاريا. ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً﴾ استعارة تمثيلية، شبه حال الكفار في امتناعهم عن الإيمان بمن غلّت يده إلى عنقه بالقيود، فصار مرفوع الرأس خافض البصر، لا يستطيع فعل شيء ولا الالتفات إلى غيره. وكذلك شبه حالهم بمن وجد بين سدّين لا يستطيع النفاذ والاهتداء لطريقه. ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ بينهما طباق. ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ بينهما طباق السلب. ﴿نَحْنُ نُحْيِ﴾ جناس ناقص لتغير الحروف. المفردات اللغوية: ﴿يس﴾ تقرأ: يا، س بمد الياء، وإظهار النون الساكنة، أو بإدغام نون السين في الواو التي بعدها، إلخ ما ذكر في الحاشية، والمراد من هذه الحروف المقطعة الهجائية كما سبق بيانه التنبيه، مثل ألا ويا، والإشارة إلى العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف تتركب منها لغتهم وكلامهم، ليكون عجزهم عنه أبلغ حجة عليهم. ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ الواو: واو القسم، يقسم الله تعالى لمحمد ﷺ بالقرآن المحكم بعجيب النظم وبديع المعاني، أو بذي الحكمة، على أن محمدا رسول من عند الله، لئلا يشك أحد في كونه مرسلا. ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي الأنبياء المرسلين إلى قومهم وغيرهم، والتأكيد بالقسم واللام للرد على من أنكر رسالته من الكفار بقولهم: لست مرسلا. ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي الطريق القويم الذي لا التواء فيه ولا اعوجاج، بل هو الموصل إلى المطلوب، في العقيدة والشريعة، في التوحيد والاستقامة في الأمور.

стр. 6729

﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أي إن القرآن تنزيل منزل من العزيز الغالب في ملكه، الرحيم بخلقه. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ اللام متعلق ب ﴿تَنْزِيلَ﴾، والمعنى أرسلناك بهذا التنزيل لتنذر قوما لم ينذر آباؤهم الأقربون، في زمن الفترة، أو لتطاول مدة الفترة بين عيسى ومحمد ﵉. ﴿غافِلُونَ﴾ أي إن القوم العرب غافلون عن الإيمان والرشد، وعن الشرائع والأحكام. ﴿حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ﴾ وجب الحكم بالعذاب على أكثر أهل مكة: وهم من مات على الكفر وأصرّ عليه. ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم ممن علم الله أنهم لا يؤمنون بالقرآن. ﴿أَغْلالاً﴾ جمع غلّ: وهو ما تجمع به اليد إلى العنق للتعذيب. ﴿فَهِيَ﴾ الأيدي مجموعة. ﴿إِلَى الْأَذْقانِ﴾ جمع ذقن: وهي مجتمع اللّحيين. ﴿مُقْمَحُونَ﴾ رافعون رؤوسهم لا يستطيعون خفضها، غاضون أبصارهم في عدم التفاتهم إلى الحق. وهذا تمثيل، يراد به أنهم لا يذعنون للإيمان ولا يخفضون نفوسهم له. ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ أمامهم، والمراد: منعناهم عن الإيمان بموانع هي استكبارهم وعتوهم وعنادهم عن قبول الحق والخضوع له. ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ﴾ غطينا أبصارهم. ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ أي فهم بسبب ذلك لا يقدرون على إبصار سبيل الهدى، إنهم عموا عن البعث، وعن قبول الشرائع الإلهية. وهذا تمثيل أيضا لسد طريق الإيمان عليهم؛ لأن الله سبحانه قد علم منهم الإصرار على ما هم فيه من الكفر والموت عليه. والعلم: مجرد معرفة مسبقة لا يمنع الإنسان عقلا وواقعا من الإيمان؛ لأنه غير معروف له. ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي إنذارك إياهم وعدمه سواء، فلا ينفعهم الإنذار، بسبب العتو والاستكبار. ﴿إِنَّما تُنْذِرُ﴾ ينفع إنذارك. ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي اتبع القرآن، وخاف عقاب الله في السر والعلن، وإن لم يره، والغيب: أي قبل معاينة أهواله. ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ هو الجنة. ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى﴾ نبعثهم بعد الموت. ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا﴾ أي نكتب في اللوح المحفوظ ما أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة. ﴿وَآثارَهُمْ﴾ أي ما أبقوه بعدهم من الحسنات التي لا ينقطع نفعها بعد الموت، كالعلم والكتاب والمسجد والمشفى والمدرسة، أو من السيئات كنشر البدع والمظالم والأضرار والضلالات بين الناس. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ أي كل شيء من أعمال العباد وغيرها ضبطناه في اللوح المحفوظ أو في صحائف الأعمال. سبب النزول: نزول الآية (١): ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾: أخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال:

стр. 6730

كان رسول الله ﷺ يقرأ في السجدة، فيجهر بالقراءة حتى يتأذى به ناس من قريش، حتى قاموا ليأخذوه، وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم، وإذا بهم عمي لا يبصرون، فجاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: ننشدك الله والرحم يا محمد، فدعا حتى ذهب ذلك عنهم. فنزلت: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فلم يؤمن من ذلك النفر أحد. نزول الآية (٨): ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا لأفعلن، فأنزل الله: ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً﴾ إلى قوله: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ فكانوا يقولون: هذا محمد، فيقول: أين هو، أين هو؟ لا يبصر. نزول الآية (١٢): ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى﴾: أخرج الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة، فأرادوا النّقلة إلى قرب المسجد، فنزلت هذه: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ فقال النبي ﷺ : «إن آثاركم تكتب، فلا تنتقلوا». وأخرج الطبراني عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد الرزاق عن أبي سعيد قال: شكت بنو سلمة إلى رسول الله ﷺ بعد منازلهم من المسجد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ فقال النبي ﷺ : «عليكم منازلكم، فإنما تكتب آثاركم». التفسير والبيان: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي

стр. 6731

أقسم بالقرآن ذي الحكمة البالغة، المحكم بنظمه ومعناه بأنك يا محمد لرسول من عند الله على منهج سليم، ودين قويم، وشرع مستقيم لا عوج فيه. وفي هذا إشارة إلى أن القرآن هو المعجزة الباقية، وأن محمدا رسول الله ﷺ ، صادق في نبوته، ومرسل برسالة دائمة من عند ربه. ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أي هذا القرآن والدين والصراط الذي جئت به تنزيل من رب العزة، الرحيم بعباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى ٥٢/ ٤٢ - ٥٣]. وهذا دليل واضح على مكانة القرآن وأنه أجل نعمة من نعم الرحمن. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ، فَهُمْ غافِلُونَ﴾ أي أرسلناك أيها النبي لتنذر العرب الذين لم يأتهم رسول نذير من قبلك، ولم يأت آباءهم الأقربين من ينذرهم ويعرّفهم شرائع الله تعالى، فهم غافلون عن معرفة الحق والنور والشرائع التي تسعد البشر في الدارين. لكنّ ذكرهم وحدهم هنا للعناية بهم وتوجيه الخطاب لهم: لا ينفي كونه مرسلا إلى الناس كافة، بدليل الآيات والأحاديث المتواترة المعروفة في عموم بعثته ﷺ ، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا النّاسُ، إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف ١٥٨/ ٧] وقوله ﷺ فيما أخرجه الشيخان والنسائي عن جابر: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة». ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي لقد وجب العذاب على أكثر أهل مكة، وهو ما سجّل عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون بالقرآن وبمحمد ﷺ ، وهم الذين علم الله أنهم يموتون على الكفر، ويصرون عليه طوال حياتهم.

стр. 6732

والمراد بالقول: الحكم والقضاء الأزلي، وهو سبق علم الله بنهاياتهم، لا بطريق الجبر والإلجاء، بل باختيارهم وإصرارهم على الكفر، وفي هذا تطمين للنبي ﷺ حتى لا يجزع ولا يأسف على عدم إيمانهم به. ثم ضرب الله تعالى مثلا لتصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى إيمانهم، فقال: ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً، فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ أي إنا جعلنا أيديهم مشدودة إلى أعناقهم بالقيود، تمنعهم من فعل شيء، فصاروا مرفوعي الرؤوس خافضي الأبصار. وهذا يعني أن الله جعلهم كالمغلولين المقمحين (الرافعي رؤوسهم الغاضي أبصارهم) في أنهم لا يلتفتون إلى الحق، ولا يوجهون أنظارهم نحوه، وهم أيضا كالقائمين بين سدين، لا يبصرون أمامهم ولا خلفهم، وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله، كما قال: ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا، فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ أي تأكيدا لما سبق في تصوير حالتهم أنهم بتعاليهم عن النظر في آيات الله جعلوا كمن أحاط به سدان من الأمام والخلف، فمنعاه من النظر، فهو لا يبصر شيئا، وهؤلاء لا ينتفعون بخير، ولا يهتدون إليه؛ لأنا غطينا أبصارهم عن الحق. وهذا مثل صائب لأهل الجهالة والتخلف والبدائية الذين حجبوا مداركهم وأبصارهم عن التأمل في معطيات المدنية والتقدم والحضارة، وهو تمثيل رائع للسد الإلهي المعنوي بالسد الحاجز المادي الحسي. ونتيجة لما سبق: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي إن إنذارك لهؤلاء المصرين على كفرهم وعدمه سواء، فلا ينفعهم الإنذار، ما داموا غير مستعدين

стр. 6733

لقبول الحق، والخضوع لنداء الله، والنظر في الدلائل الدالة على صدق رسالة النبي ﷺ ، والتأمل في عجائب الكون المشاهدة الدالة على وجود الله تعالى ووحدانيته. أما نفع الإنذار، فهو كما ذكر تعالى: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ، وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ، فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ أي إنما ينفع إنذارك الذين آمنوا بالقرآن العظيم واتبعوا أحكامه وشرائعه، وخافوا عقاب الله قبل حدوثه ومعاينة أهواله، أو خشوا الله قبل رؤيته، فهؤلاء بشرهم بمغفرة لذنوبهم، ورضوان من الله، وأجر كريم ونعيم مقيم هو الجنة. ونظير الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ، وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك ١٢/ ٦٧]. ثم أكد الله تعالى حصول الجزاء للمؤمنين وغيرهم، فقال: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى، وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ أي إننا قادرون فعلا على إحياء الموتى، وبعثهم أحياء من قبورهم، ونحن الذين ندوّن لهم كل ما قدموه وأسلفوه من عمل صالح أو سيء، وتركوا من أثر طيب أو خبيث، أي نكتب ونسجل أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها وخلفوها من بعدهم، فنجزيهم على ذلك إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فمن عمل على نشر الفضيلة جوزي بها، ومن عمد إلى نشر الرذيلة والسوء في الملاهي أو الكتب الخليعة يحاسب عليها. وهذا كقوله ﷺ -فيما رواه مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي-: «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا».

стр. 6734

وروى مسلم أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده». ثم ذكر تعالى أن كتابة الآثار لا تقتصر على الناس، وإنما تتناول جميع الأشياء، فقال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ أي لقد ضبطنا وأحصينا كل شيء من أعمال العباد وغيرهم في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ الذي سجّل فيه جميع ما يتعلق بالكائنات، كما قال تعالى: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ [طه ٥٢/ ٢٠] وقال سبحانه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر ٥٢/ ٥٤ - ٥٣]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - القرآن الكريم معجزة النبي ﷺ الخالدة إلى يوم القيامة، وهو تنزيل من رب العالمين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ٢ - الرسول محمد ﷺ رسول من عند الله، أرسله الله بالهدى ودين الحق، على منهج وطريق ودين مستقيم هو الإسلام. ٣ - رسالة النبي ﷺ إلى العرب خاصة وإلى الناس كافة، فلم يبق بعدها عذر لمعتذر. ٤ - إن رؤوس الكفر والطغيان والعناد من أهل مكة أو العرب استحقوا الخلود في نار جهنم والعذاب الدائم فيها؛ لأنهم أصروا على الكفر، وأعرضوا عن النظر في آيات الله، والتأمل في مشاهد الكون، وقد علم الله في علمه الأزلي

стр. 6735

بقاءهم على الكفر، لكنه أمر نبيه بدعوتهم إلى دينه؛ لأنهم لا يعلمون سابق علم الله فيهم، ولتعليمنا المنهج في دعوة الناس قاطبة إلى الإيمان بالله والقرآن ورسالة النبي ﷺ والبعث والحساب والجزاء. ٥ - لا أمل بعد هذا في إنذارهم ولا نفع فيه بعد أن سدوا على أنفسهم منافذ الهداية ومدارك المعرفة، ولم تتفتح بصائرهم لرؤية الحق والنور الإلهي. ٦ - إنما نفع الإنذار لمن استعد للنظر في منهج الحق، ثم آمن بالقرآن كتابا من عند الله، وخشي عذاب الله وناره قبل المعاينة والحدوث، فهذا وأمثاله يغفر الله له ذنبه، ويدخله الجنة. ٧ - البعث حق والإيمان به واجب، والله قادر عليه، وسيكون مستند الجزاء ما كتب من أعمال العباد، وما تركوه من آثار صالحة أو سيئة، كما أن الله أحصى كل شيء وضبطه من أمور الكائنات، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وقد دلّ سبب نزول الآية على أن حسنات البعيدين عن المسجد مثل حسنات القريبين منه، وأنه إن تعذر عليهم الاقتراب من المسجد أو شقّ عليهم، فلا يلزم القرب منه. قصة أصحاب القرية-أنطاكية ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧) قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ اُدْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾

стр. 6736

الإعراب: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ﴾ ﴿أَصْحابَ﴾: منصوب إما على البدل من قوله: ﴿مَثَلاً﴾ أي واضرب لهم مثلا مثل أصحاب القرية، فالمثل الثاني بدل من الأول، وحذف المضاف، وإما لأنه مفعول ثان ل ﴿اِضْرِبْ﴾. و ﴿إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿إِذْ﴾: بدل اشتمال من أصحاب القرية. و ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ﴾ بدل من إذ الأولى. و ﴿إِذْ جاءَهَا﴾: ظرف لقوله ﴿جاءَهَا﴾. ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ جواب الشرط محذوف، تقديره: أئن ذكرتم، تلقيتم التذكير والإنذار بالكفر والإنكار. و ﴿أَإِنْ﴾: همزة استفهام دخلت على إن الشرطية. ﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾: أكثر القراء فتحوا الياء من ﴿لِيَ﴾ إشعارا بفتح الابتداء ب ﴿لا أَعْبُدُ﴾ ليبتعدوا عن صورة الوقف على الياء؛ لأنهم لو سكنوا لكانت صورة السكون مثل صورة الوقف. أما في قوله: ﴿ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل ٢٠/ ٢٧] فالياء ساكنة. ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ ما: إما بمعنى الذي، و ﴿غَفَرَ لِي﴾: صلته، والعائد محذوف

стр. 6737

تقديره: الذي غفره لي ربي، وحذف تخفيفا، وإما مصدرية، أي بغفران ربي لي، وإما استفهامية، وفيه معنى التعجب من مغفرة الله، تحقيرا لعمله وتعظيما لمغفرة ربه، لكن في هذا الوجه ضعف؛ لأنه لو كانت استفهامية لزم حذف الألف منها، فتصير (بم). البلاغة: ﴿اِتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً﴾ إطناب بتكرار الفعل. ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ استفهام للتوبيخ. ﴿قِيلَ: اُدْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ مجاز بالحذف، أي لما أعلن إيمانه قتلوه، فقيل له: ادخل الجنة. ﴿أَرْسَلْنا﴾ ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿تَطَيَّرْنا﴾ ﴿طائِرُكُمْ﴾ فيهما جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً﴾ أي: ومثّل لهم مثلا، والمعنى: واضرب لهم مثلا مثل أصحاب القرية، أي اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية، والمثل الثاني بيان للأول. والمثل: الصفة والحال الغريبة التي تشبه المثل في الغرابة. ﴿أَصْحابَ الْقَرْيَةِ﴾ قال القرطبي: هذه القرية: هي أنطاكية في قول جميع المفسرين. ﴿إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ هم أصحاب عيسى، بعثهم إلى أهل أنطاكية للدعوة إلى الله. ﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ في الرسالة. ﴿فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ قوّينا وأيدنا بثالث، وقرئ: فعززنا بالتخفيف: أي غلبنا وقهرنا. ﴿إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ أي مشاركون لنا في البشرية، فليس لكم مزية علينا تختصون بها. ﴿وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ مما تدّعونه أنتم، ويدّعيه غيركم ممن قبلكم من الرسل وأتباعهم. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ﴾ أي ما أنتم إلا كاذبون في ادعاء ما تدّعون من ذلك. ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ﴾ جار مجرى القسم، وقد أكدوا الجواب بالقسم وباللام، ردا على زيادة إنكارهم. ﴿الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي التبليغ الواضح للرسالة بالأدلة الواضحة وهي معجزات عيسى ﵇ من إبراء الأكمه والأبرص والمريض وإحياء الميت، وليس علينا غير ذلك. ﴿تَطَيَّرْنا﴾ تشاءمنا بكم، وذلك لاستغرابهم ما ادّعوه، واستقباحهم له ونفورهم عنه. ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ تتركوا هذه الدعوة، وتعرضوا عن هذه المقالة، واللام لام القسم. ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ بالحجارة. ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم، شديد. ﴿طائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي سبب شؤمكم معكم، وهو الكفر والتكذيب، فهو سبب الشؤم لا نحن. ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أي: أإن وعظناكم وخوفناكم وذكرناكم بالله، ادعيتم أن فينا الشؤم عليكم، والمراد بالاستفهام: التوبيخ. ﴿مُسْرِفُونَ﴾ متجاوزون الحد في الشرك ومخالفة الحق.

стр. 6738

﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾ هو حبيب بن موسى النجار، كان قد آمن بالرسل أصحاب عيسى، ومنزله بأقصى البلد أي أبعد مواضعها، قال قتادة: «كان يعبد الله في غار، فلما سمع بخبر الرسل جاء يسعى» أي يشتد عدوا لما سمع بتكذيب القوم للرسل. ﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ المعنى: أيّ مانع يمنعني من عبادة الذي خلقني، وكذلك أنتم، ما لكم لا تعبدون الله الذي خلقكم؟! ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بعد الموت، فيجازيكم بكفركم. ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ استفهام بمعنى النفي، أي لن أتخذ من غير الله الهة هي الأصنام، فأعبدها وأترك عبادة من يستحق العبادة، وهو الذي فطرني. ﴿لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي لا تفيدني شيئا من النفع، كائنا ما كان. ﴿وَلا يُنْقِذُونِ﴾ لا يخلصوني من الضر الذي أرادني الرحمن به. ﴿إِنِّي إِذاً﴾ أي: إذا اتخذت من دونه آلهة. ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ واضح، وهذا تعريض بهم. ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ آمنت بالذي خلقكم، فاسمعوا إيماني، فرجموه فمات. وهذا تصريح بعد التعريض تشددا في الحق. ﴿قِيلَ: اُدْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ قيل له عند موته: ادخل الجنة، تكريما له بدخولها بعد قتله، كما هي سنة الله في الشهداء. ﴿قالَ: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ تمنى أن يعلموا بحاله، ليعلموا حسن مآله، وحميد عاقبته، فيؤمنوا مثل إيمانه. المناسبة: بعد بيان حال مشركي العرب الذين أصروا على الكفر، ضرب الحق تعالى لهم مثلا يشبه حالهم في الإفراط والغلو في الكفر وتكذيب الدعاة إلى الله، وهو حال أهل قرية أنطاكية شمال سورية على ساحل البحر المتوسط الذين كذبوا الرسل فدمرهم الله بصيحة واحدة، فإذا استمر المشركون على عنادهم واستكبارهم، كان إهلاكهم يسيرا كأهل هذه القرية، وتكون قصتهم مع رسل الله، كقصة قوم النبي ﷺ معه. التفسير والبيان: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ أي واضرب مثلا في الغلو والعناد والكفر يا محمد لقومك الذين كذبوك بأهل قرية أنطاكية، حين

стр. 6739

أرسل الله إليهم ثلاثة رسل من أصحاب عيسى ﵇ الحواريين فكذبوهم، كما كذبك قومك عنادا، وأصر الفريقان على التكذيب. والقرية: أنطاكية في رأي جميع المفسرين، والمرسلون: أصحاب عيسى أرسلهم مقررين لشريعته، في رأي ابن عباس وكثير من المفسرين. ثم بيّن عدد الرسل فقال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما، فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ، فَقالُوا: إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ أي حين أرسلنا إليهم رسولين، أرسلهما عيسى ﵇ بأمر الله تعالى، فبادروا إلى تكذيبهما في الرسالة، فأيدناهما وقويناهما برسول ثالث، فقالوا لأهل تلك القرية: إنا مرسلون إليكم من ربكم الذي خلقكم بأن تعبدوه وحده لا شريك له، وتتركوا عبادة الأصنام. وكان الرسولان الأولان يوحنا وبولص، والرسول الثالث شمعون وقيل: إنه بولص. فتمسكوا كغيرهم من الأمم بشبهة البشرية، كما حكى تعالى: ﴿قالُوا: ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا، وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ، إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ﴾ أي قال أصحاب القرية للرسل الثلاثة: أنتم مثلنا بشر تأكلون الطعام وتمشون في الأسواق، فمن أين لكم وجود مزية تختصون بها علينا، وتدّعون الرسالة؟ والله الرحمن لم ينزل إليكم رسالة ولا كتابا مما تدّعون، ويدّعيه غيركم من الرسل وأتباعهم، وما أنتم فيما تدّعون الرسالة إلا كاذبون. وقولهم: ﴿ما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ﴾ دليل على اعترافهم بوجود الله، لكنهم ينكرون الرسالة، ويعبدون الأصنام وسائل إلى الله تعالى. وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله:

стр. 6740

﴿ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ، فَقالُوا: أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا؟﴾ [التغابن ٦/ ٦٤] أي تعجبوا من ذلك وأنكروه. وقوله تعالى: ﴿قالُوا: إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم ١٠/ ١٤]. فأجابهم الرسل: ﴿قالُوا: رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ أي أجابتهم رسلهم الثلاثة قائلين: الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبة عليه، لانتقم منا أشد الانتقام، ولكنه سيعزّنا وينصرنا عليكم، وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار؟ كقوله تعالى: ﴿قُلْ: كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً، يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ، وَكَفَرُوا بِاللهِ، أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت ٥٢/ ٢٩]. ثم ذكر الرسل مهمتهم: ﴿وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، ولا يجب علينا إلا تبليغ الرسالة بنحو واضح، فإذا استجبتم كانت لكم سعادة الدارين، وإن لم تجيبوا فستعلمون عاقبة تكذيبكم. فعند ذلك هددهم أهل القرية: ﴿قالُوا: إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ، وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي قال لهم أهل القرية: إنا تشاءمنا بكم، ولم نر خيرا في عيشنا على وجوهكم، فقد فرقتمونا وأوقعتم الخلاف فيما بيننا، ولئن لم تتركوا هذه الدعوة، وتعرضوا عن هذه المقالة، لنرجمنكم بالحجارة، وليصيبنكم منا عذاب مؤلم أو عقوبة شديدة. وقوله: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ﴾ بيان للرجم، يعني: ولا يكون الرجم رجما قليلا بحجر أو حجرين، بل نديم ذلك عليكم إلى الموت، وهو عذاب أليم. ويرى

стр. 6741

بعضهم أن الواو بمعنى (أو) والمراد: إما أن نقتلكم أو نسجنكم ونعذبكم في السجون. فأجابهم الرسل: ﴿قالُوا: طائِرُكُمْ مَعَكُمْ، أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي قالت لهم رسلهم: شؤمكم مردود عليكم، وهو معكم ومنكم، فسبب الشؤم هو تكذيبكم وكفركم، لا نحن، أمن أجل تذكيركم وأمرنا إياكم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، ادعيتم أن فينا الشؤم عليكم، وتوعدتمونا وهددتمونا؟ بل الحق أنكم قوم جاوزتم الحد في مخالفة الحق، وأسرفتم في الضلال، وتماديتم في الغي والعناد. وهذا الموقف مشابه لموقف قوم فرعون: ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا: لَنا هذِهِ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ، أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ [الأعراف ١٣١/ ٧] ومماثل لموقف قوم صالح: ﴿قالُوا: اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ، قالَ: طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ [النمل ٤٧/ ٢٧]. ثم أيدهم الله بنصير: ﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى، قالَ: يا قَوْمِ، اِتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي وجاء رجل من أبعد أطراف المدينة يسرع المشي لما سمع بخبر الرسل، وهو حبيب النجار، فقال ناصحا قومه: يا قوم، اتبعوا رسل الله الذين أتوكم لإنقاذكم من الضلال، وهم مخلصون لكم في دعوتهم، فلا يطلبون أجرا ماليا على إبلاغ الرسالة، وهم على منهج الحق والهداية فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له. وأبان أنه يحب لهم ما يحب لنفسه: ﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؟ أي وما يمنعني من

стр. 6742

إخلاص العبادة للذي خلقني، وإليه المرجع والمآل يوم المعاد، فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وفي هذا ترغيب بعبادة الله وترهيب من عقابه، ثم أكد سلامة منهجه وتقريعهم على عبادة الأصنام، فقال تعالى: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً، إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً، وَلا يُنْقِذُونِ﴾؟ هذا استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع، يراد به: لن أتخذ من دون الله آلهة، فأعبدها وأترك عبادة من يستحق العبادة، وهو الذي فطرني وخلقني، فإنه إن أرادني الرحمن بسوء لم تنفعني شفاعة هذه الأصنام التي تعبدونها، ولا تخلصني من ورطة السوء، فإنها لا تملك من الأمر شيئا؛ إذ إنها لا تملك دفع الضرر ولا منعه، ولا جلب النفع، ولا تنقذ أحدا مما هو فيه. ﴿إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي إن اتخذت هذه الأصنام آلهة من دون الله، فإني في الحقيقة والواقع في خطأ واضح، وجهل فاضح، وانحراف عن الحق. وهذا تعريض بهم، ثم صرح بإيمانه تصريحا لا شك فيه مخاطبا الرسل: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ أي إني صدقت بربكم الذي أرسلكم، فاشهدوا لي بذلك عنده. روي عن ابن عباس وكعب ووهب ﵃: أنه لما قال ذلك، وثبوا عليه وثبة رجل واحد، فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه. وقال قتادة: جعلوا يرجمونه بالحجارة، وهو يقول: اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون، فلم يزالوا به حتى مات ﵀. وكان من حبّه لهدايتهم: ﴿قِيلَ: اُدْخُلِ الْجَنَّةَ، قالَ: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِما غَفَرَ لِي رَبِّي،

стр. 6743

وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ أي قال الله تكريما له بعد قتله: ادخل الجنة، لاستشهادك في سبيل إعلان الحق، فدخلها وهو يرزق فيها، فلما عاين نعيمها قال: يا ليت قومي يعلمون بمآلي وحسن حالي وحميد عاقبتي، فيؤمنوا مثل إيماني، فيصيروا إلى مثل ما أنا فيه من نعيم، وليتهم يعلمون بما أنعم الله عليّ من مغفرة لذنوبي، وبما جعلني في زمرة المكرمين المقربين الشهداء الذين منحهم ربهم الثواب الجزيل والفضل العميم. وهذا شأن المؤمن المخلص يحب الخير للناس جميعا، قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحا، لا تلقاه غاشّا. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - لم يترك الله سبحانه في قرآنه سبيلا لدعوة الناس إلى الإيمان الصحيح، سواء بالأدلة والبراهين، أو بإعمال الفكر والعقل، أو بالتأمل والمشاهدة، أو بضرب الأمثال، أو بذكر القصص للعظة والعبرة. والمراد من بيان قصة أصحاب القرية: توضيح أن النبي ﷺ أمر بإنذار المشركين من قومه، حتى لا يحل بهم ما حلّ بكفار أهل القرية المبعوث إليهم ثلاثة رسل. ٢ - يكون الرسول عادة من جنس المرسل إليهم، حتى لا يبادروا إلى الإعراض بحجة المغايرة والمخالفة، فتكون شبهة الكافرين ببشرية الرسل في غير محلها، وإنما الباعث عليها الاعتزاز بالنفس والاستعلاء والاستكبار فيما يبدو. ٣ - يؤكد الرسل عادة صدقهم بالمعجزات، وأما رسل عيسى فقد ذكروا للقوم معجزاته، وأقسموا بالله أنهم رسل الله الذين بعثهم عيسى بأمر ربه، وإن كذبوهم، لم يجدوا سبيلا إلا التصريح بمهمتهم بالتحديد، وهي إبلاغ الرسالة، والاعلام الواضح في أن الله واحد لا شريك له.

стр. 6744

٤ - لا يجد المرسل إليهم في العادة ذريعة بعد دحض حجتهم إلا ادّعاء التشاؤم بالرسل. قال مقاتل في أصحاب القرية: حبس عنهم المطر ثلاث سنين، فقالوا: هذا بشؤمكم. ويقال: إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين. ٥ - ثم إذا ضاق الأمر بهم يلجأون عادة إلى التهديد والوعيد إما بالطرد والإبعاد من البلد، وإما بالقتل أو الرجم بالحجارة. قال الفراء في قوله: ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾: وعامة ما في القرآن من الرجم معناه القتل. وقال قتادة: هو على بابه من الرجم بالحجارة. وقيل: لنشتمنكم. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ فهو إما القتل أي الرجم بالحجارة المتقدم، وإما التعذيب المؤلم قبل القتل كالسلخ والقطع والصلب. ٦ - إن الشؤم الحقيقي من أهل القرية وهو الشرك والكفر وتكذيب الرسل، وليس هو من شؤم المرسلين، ولا بسبب تذكيرهم ووعظهم، وإنما بسبب إسرافهم في الكفر، وتجاوزهم الحدّ، والمشرك يجاوز الحدّ. ٧ - لا يعدم الحق في كل زمان أنصارا له، وإن كانوا قلة، وكان أهل الباطل كثرة، فقد قيض الله مؤمنا من أهل القرية جاء يعدو مسرعا لما سمع بخبر الرسل، وناقش قومه، ورغبهم وأرهبهم، ودعاهم إلى توحيد الله واتباع الرسل، وترك عبادة الأصنام، فإن الرسل على حق وهدى، لا يطلبون مالا على تبليغ الرسالة، وهذا دليل إخلاصهم وعدم اتهامهم بمأرب دنيوي، والخالق هو الأحق بالعبادة، وهو الذي إليه المرجع والمآب، فيحاسب الخلائق على ما قدموا من خير أو شر. أما الأصنام فلا تجلب نفعا ولا تدفع ضررا، ولا تنقذ أحدا مما ألمّ به من البلاء، فمن عبدها بعدئذ فهو في خسران ظاهر.

стр. 6745

٨ - ثم صرح مؤمن القرية مخاطبا الرسل بأنه مؤمن بالله ربهم، فليشهدوا له بالإيمان. ٩ - لقد كان جزاؤه المرتقب من القوم بسبب تصلبه في الدين، وتشدده في إظهار الحق: القتل أو الموت الزؤام. وأما جزاؤه من الله فهو التكريم في جنان الخلد. ١٠ - بالرغم من هذا الإيذاء والتعذيب أحبّ هذا المؤمن، كشأن كل مؤمن، أن يبادر قومه إلى الإيمان بمثل ما آمن به، ليحظوا بما حظي به من النعيم والنجاة. قال ابن عباس: نصح قومه حيّا وميتا. وقال ابن أبي ليلى: سبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب وهو أفضلهم، ومؤمن آل فرعون، وصاحب يس، فهم الصدّيقون. وقد ذكره الزمخشري مرفوعا عن رسول الله ﷺ . ١١ - قال القرطبي: وفي هذه الآية تنبيه عظيم، ودلالة على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته، والباغين له الغوائل، وهم كفرة عبدة أصنام (١).

стр. 6746

تتمة قصة أصحاب القرية -تعذيب مكذبي الرسل - ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾ الإعراب: ﴿وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ ﴿ما﴾: إما زائدة وإما اسم معطوف على ﴿جُنْدٍ﴾. ﴿يا حَسْرَةً﴾ نداء مشابه للمضاف، مثل: يا خيرا من زيد، ويا سائرا إلى الشام، ونداء مثل هذه الأشياء التي لا تعقل: تنبيه للمخاطبين، كأنه يقول لهم: تحسّروا على هذا، وادعوا الحسرة، وقولوا لها: احضري فهذا وقتك. ﴿كَمْ أَهْلَكْنا.﴾. ﴿كَمْ﴾: اسم للعدد في موضع نصب ب ﴿أَهْلَكْنا﴾ و ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ﴾ في موضع نصب على البدل من ﴿كَمْ﴾. و ﴿كَمْ﴾ وما بعدها من الجملة في موضع نصب ب ﴿يَرَوْا﴾. و ﴿أَنَّهُمْ﴾ مفعول مقدر، أي حكمنا أو قضينا أنهم لا يرجعون. ﴿وَإِنْ كُلٌّ.. لَمّا﴾ ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، ولما خففت بطل عملها لنقصها عن مشابهة الفعل، فارتفع ما بعدها بالابتداء. و ﴿لَمّا جَمِيعٌ﴾: خبره، وما: زائدة، وتقديره: لجميع، وأدخلت اللام في خبرها، لتفرق بينها وبين «إن» التي بمعنى «ما». ومن قرأ ﴿لَمّا جَمِيعٌ﴾ بالتشديد، فمعناه «إلا» و «إن» بمعنى «ما» وتقديره: وما كل إلا جميع، فيكون ﴿كُلٌّ﴾ مرفوعا بالابتداء، و ﴿جَمِيعٌ﴾ خبره. و ﴿مُحْضَرُونَ﴾ خبر ثان.

стр. 6747

البلاغة: في الآيات المتقدمة من مطلع السورة إلى هنا يوجد فيها ما يسمى بمراعاة الفواصل، الذي يزيد في روعة البيان القرآني، ويؤثر في سمع التالي والمستمع. المفردات اللغوية: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي لم ننزل على قوم حبيب النجار من بعد قتلهم له. ﴿مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ﴾ الجند: العسكر، والمراد هنا الملائكة لإهلاكهم وللانتقام منهم. ﴿وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ ملائكة لإهلاك أحد، لسبق قضائنا وقدرنا بأن إهلاكهم بالصيحة، لا بإنزال الجند، وهذا للدلالة على أن إنزال الجنود من عظائم الأمور، وهو تحقير لشأنهم، وتصغير لأمرهم، فهم ليسوا أهلا لأن ننزل لإهلاكهم جندا من السماء، بل أهلكناهم بصيحة واحدة. ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أي ما كانت عقوبتهم إلا أن صاح بهم جبريل، فأهلكهم. ﴿فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ ساكتون هامدون ميتون لا يسمع لهم حسّ، كالرماد الخامد، فالخمود: انطفاء النار، والمقصود به هنا الموت. ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ الحسرة: الغم على ما فات، والندم عليه، والعباد: هؤلاء ونحوهم ممن كذب الرسل، فأهلكوا، ونداء الحسرة مجاز، أي هذا أوانك فاحضري. ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ هذا سبب الحسرة وهو الاستهزاء المؤدي إلى إهلاكهم. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ ألم يعلموا أي أهل مكة القائلون للنبي: لست مرسلا، والاستفهام للتقرير، أي اعلموا. ﴿كَمْ﴾ خبرية بمعنى كثيرا، والمعنى: إنا ﴿أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ كثيرا. ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ الأمم: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أي ألم يروا كثرة إهلاكنا من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم بعد هلاكهم، وضمير ﴿أَنَّهُمْ﴾ عائد للمهلكين، وضمير ﴿إِلَيْهِمْ﴾ عائد للمكذبين، أفلا يعتبرون بذلك؟! ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ﴾ ﴿إِنْ﴾: نافية بمعنى ما، و ﴿لَمّا﴾ بمعنى إلاّ، ويصح جعل «إن» مخففة من الثقيلة، ولما: بالتخفيف، واللام فارقة، وما: مزيدة. ﴿جَمِيعٌ﴾ مجموعون في الموقف بعد بعثهم. ﴿لَدَيْنا﴾ عندنا ﴿مُحْضَرُونَ﴾ للحساب. المناسبة: هذه الآيات تتمة قصة أصحاب القرية، أبان الله تعالى فيها حال المكذبين رسلهم، وأوضح سنة الله في أمثالهم في العذاب الدنيوي، ثم ما يتعرضون له من

стр. 6748

العذاب الأخروي. وذكرت هنا في بدء الجزء، لأن عد الأجزاء مراعى فيه العدّ اللفظي لا الاتصال المعنوي. التفسير والبيان: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ أي لم ننزل على قوم المؤمن حبيب النجار من بعد قتلهم له، لدعوتهم إلى الإيمان بالله، جندا من الملائكة، وما كنا بحاجة إلى هذا الإنزال، بل كان الأمر أيسر علينا من ذلك، وقد سبق قضاؤنا بأن إهلاكهم بالصيحة، لا بإنزال الجند. وهذا لتحقير شأنهم، فإن إنزال الملائكة لعظائم الأمور، وهؤلاء لا يحتاجون لإهلاكهم جندا من السماء، بل أهلكناهم بصيحة واحده، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً، فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ أي ما كان إهلاكهم إلا بصيحة واحدة صاح بهم جبريل، فأهلكهم، فإذا هم أموات لا حراك بهم. وقوله: ﴿إِنْ كانَتْ﴾ أي الأخذة أو العقوبة إلا صيحة واحدة، وقوله: ﴿واحِدَةً﴾ تأكيد لكون الأمر هينا عند الله، وقوله: ﴿فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ فيه إشارة إلى سرعة الهلاك. ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ، ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي يا هؤلاء الذين كذبتم الرسل تحسروا حسرة أليمة، واندموا على ما فعلتم، بسبب أنه ما جاء رسول يدعو إلى التوحيد والحق والخير إلا استهزئ به وكذّب وجحد ما أرسل به من الحق. فقوله ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ أي هذا وقت الحسرة على مكذبي الرسل، وتنكير ﴿حَسْرَةً﴾ للتكثير. وسبب التحسر عليهم: أنهم لم يعتبروا بأمثالهم من الأمم الخالية. ولا متحسر أصلا في الحقيقة، إذ المقصود بيان أن ذلك وقت طلب الحسرة، حيث ظهرت الندامة عند مواجهة العذاب ومعاينته. وقيل: إنها حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل.

стр. 6749

ثم أنذر الله تعالى الأجيال الحاضرة والمستقبلة فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أي ألم يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل كعاد وثمود، وأنهم لا رجعة لهم إلى الدنيا، خلافا لما يزعم الدّهرية الذين يعتقدون جهلا منهم أنهم يعودون إلى الدنيا كما كانوا فيها، كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَقالُوا: ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا، وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ.﴾. [الجاثية ٢٤/ ٤٥]. ثم أعلمهم أيضا بوجود الحساب والعقاب في الآخرة بعد عذاب الدنيا، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أي وإن جميع الأمم الماضية والآتية ستحضر للحساب يوم القيامة بين يدي الله ، فيجازيهم بأعمالهم كلّها خيرها وشرها، وهذا كقوله : ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ﴾ [هود ١١١/ ١١]. وهذا دليل على أنه ليس من أهلكه الله تركه، بل بعده جمع وحساب، وحبس وعقاب، ولو أن من أهلك ترك لكان الموت راحة، كما قال القائل: ولو أنّا إذا متنا تركنا... لكان الموت راحة كل حيّ ولكنا إذا متنا بعثنا... ونسأل بعده عن كل شيّ فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - إن تكذيب الرسل ما جاؤوا به من الحق يستدعي مزيد الألم والندامة والحسرة. ٢ - لا رجعة لأحد إلى الدنيا بعد الموت أو الإهلاك. ٣ - إن يوم القيامة يوم الجزاء والحساب والثواب والعقاب الدائم.

стр. 6750

أدلة القدرة الإلهية على البعث وغيره ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاّ رَحْمَةً مِنّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤)﴾ الإعراب: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها﴾ ﴿أَحْيَيْناها﴾ خبر للأرض، والجملة خبر لآية أو صفة لها.

стр. 6751

﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ ﴿ما﴾: إما اسم موصول في موضع جر بالعطف على ﴿ثَمَرِهِ﴾. و ﴿عَمِلَتْهُ﴾: الصلة، والهاء: العائد، وإما أنها نافية في قراءة «عملت» بغير هاء، والوجه الأول أوجه، لاحتياج «عملت» لتقدير مفعول إذا كانت «ما» نافية. ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ ﴿الْقَمَرَ﴾ إما مرفوع بالابتداء، و ﴿قَدَّرْناهُ﴾ الخبر، وإما منصوب بتقدير فعل دل عليه. ﴿قَدَّرْناهُ﴾ أي قدرنا القمر قدرناه. و ﴿مَنازِلَ﴾ أي قدرناه ذا منازل، فحذف المضاف، أو قدرنا له منازل، فحذف حرف الجر من المفعول الأول. ﴿حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ.﴾. الكاف في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿عادَ﴾ وهو العامل فيه و ﴿كَالْعُرْجُونِ﴾: وزنه فعلول نحو زنبور وقرقور، وليس على وزن فعلون لأنه ليس في كلام العرب. ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ أن وصلتها في تأويل المصدر في موضع رفع فاعل: ﴿يَنْبَغِي﴾. وقرئ ﴿سابِقُ النَّهارِ﴾ بالجر بالإضافة، وسابق النهار، لأن التقدير: سابق النهار، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين. ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ﴿آيَةٌ﴾ مبتدأ، وخبره إما ﴿لَهُمْ﴾ وإما ﴿أَنّا حَمَلْنا﴾. ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ ﴿صَرِيخَ﴾: مبني مع لا على الفتح، ويجوز فيه الرفع مع التنوين، لتكرار «لا» مرة ثانية. ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا﴾ ﴿رَحْمَةً﴾: منصوب بتقدير حذف حرف الجر، أي إلا برحمة، أو مفعول لأجله. البلاغة: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ التنكير للتعظيم، أي آية عظيمة دالة على قدرة الله على البعث وغيره. ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها﴾ بين الموت والإحياء طباق. ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ بين الليل والنهار طباق أيضا، وفي قوله ﴿نَسْلَخُ﴾ استعارة تصريحية، صرح فيها بلفظ المشبه به، حيث شبه إظهار ضوء النهار من ظلمة الليل بسلخ الجلد عن الشاة، واستعار كلمة «السلخ» للإزالة والإخراج. ﴿حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ تشبيه مرسل مجمل لأنه لم يذكر فيه وجه الشبه، وهو مشتمل على ثلاثة أوضاع: الدقة، والانحناء، والصفرة. ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها.﴾. قدم الفاعل على الفعل لتقوية النفي، وللدلالة على أن الشمس مسخرة بأمر الله، لا تسير في مدارها إلا بإرادة الله.

стр. 6752

﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ فيه تنزيل غير العاقل منزلة العاقل، حيث عبر عن الشمس والقمر والنجوم بضمير جمع المذكر في قوله ﴿يَسْبَحُونَ﴾ بدل: يسبح، لأن السباحة من صفات العقلاء. ﴿يَأْكُلُونَ﴾ و ﴿الْعُيُونِ﴾ و ﴿يَعْلَمُونَ﴾ و ﴿مُظْلِمُونَ﴾ و ﴿يَسْبَحُونَ﴾ و ﴿الْمَشْحُونِ﴾ و ﴿يَرْكَبُونَ﴾ سجع لطيف غير متكلف، وكذا في قوله ﴿الْعَلِيمِ﴾ و ﴿الْقَدِيمِ﴾. المفردات اللغوية: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ علامة دالة على البعث. ﴿الْمَيْتَةُ﴾ التي لا نبات فيها، وتقرأ بتخفيف الياء أو بالتشديد، والأول أشيع لسلسها على اللسان. ﴿أَحْيَيْناها﴾ بالماء فصارت حية بالنبات. ﴿وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا﴾ المراد جنس الحب كالحنطة. ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ قدم الصلة (الجار والمجرور) على الفعل للدلالة على أن معظم ما يؤكل ويعاش به هو الحب. ﴿جَنّاتٍ﴾ بساتين ذات أشجار مثمرة كالنخيل والأعناب. ﴿وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ﴾ فتّحنا وشققنا فيها شيئا من العيون. ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ ﴿ثَمَرِهِ﴾ يقرأ بفتحتين وضمتين، أي ثمر المذكور من النخيل وغيره. ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ قيل: ما: نافية أي لم تعمل الأيدي الثمر بل العامل له هو الله، والأصح: أنها اسم موصول عطف على الثمر، والمراد: ما يتخذ منه كالعصير والدبس ونحوهما. ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ أنعم الله تعالى عليهم وهو أمر بالشكر، من طريق إنكار تركه. ﴿سُبْحانَ﴾ تنزيها لله عما لا يليق به. ﴿الْأَزْواجَ كُلَّها﴾ الأنواع والأصناف المختلفة. ﴿مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ من النبات والشجر. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي وخلق الأزواج من أنفسهم، وهم الذكور والإناث من بني آدم. ﴿وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ من أصناف المخلوقات العجيبة في البرّ والبحر، والسماء والأرض، مما لم يطلعهم الله عليه، ولم يجعل لهم طريقا إلى معرفته. ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ أي وعلامة دالة لهم على القدرة العظيمة وتوحيد الله ووجوب ألوهيته. ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ نفصل منه النهار ونزيله عنه، والسلخ: إذهاب الضوء، ومجيء الظلمة. ﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ داخلون في الظلام مفاجأة وبغتة. ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ آية مستقلة أخرى، تطلع وتسير لحد معين ينتهي إليه جريانها ودورها. ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي ذلك الجري تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور، ﴿الْعَلِيمِ﴾ المحيط علمه بكل معلوم. ﴿قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ أي جعلنا له منازل، والمنازل: جمع منزل، والمراد به المسافات التي يقطعها القمر في يوم وليلة، وهي ثمانية وعشرون منزلا ينزل القمر في كل ليلة في واحد منها، فإذا صار في آخرها وهو حينئذ دقيق قوس، عاد إلى أولها. ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما،

стр. 6753

وليلة واحدة إن كان تسعة وعشرين يوما. والمنازل معروفة: وهي الشّرطان، البطين، الثّريّا، الدّبران، الهقعة، الهنعة، الذّراع المبسوطة، النّثرة، الطّرف، الجبهة، الزّبرة، الصّرفة، العوّاء، السّماك الأعزل، الغفر، الزّبانى، الإكليل، القلب، الشّولة، النّعائم، البلدّة، سعد الذّابح، سعد بلع، سعد السّعود، سعد الأخبية، الفرغ المقدم، الفرغ المؤخّر، الرّشاء وهو بطن الحوت. ﴿حَتّى عادَ﴾ في آخر منازله في رأي العين. ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ كالشمراخ المعوج، لأنه إذا عتق يرق ويتقوس ويصفر. و ﴿الْقَدِيمِ﴾ العتيق. ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها﴾ لا يصح لها ويسهل. ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ في سرعة سيره، فتجتمع معه في الليل، لأن لكل واحد منهما مدارا منفردا، فلا يتمكن أحدهما من الدخول على الآخر، وإن كانت في نظر العين تسبق الشمس القمر في كل شهر مرة. والخلاصة: أن حرف النفي ﴿لا﴾ للدلالة على أنها مسخرة، لا يتيسر لها إلا ما أريد بها. ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ أي لا يأتي قبل انقضائه، ولا يسبقه، ولكن يأتي عقبه، ويجيء كل واحد منهما في وقته، ولا يسبق صاحبه. ﴿وَكُلٌّ﴾ التنوين عوض عن المضاف إليه، أي وكل من الشمس والقمر وبقية الكواكب والنجوم. ﴿فِي فَلَكٍ﴾ هو المدار الذي يدور فيه الكوكب، سمي به لاستدارته كفلكة المغزل. ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يسيرون فيه بسهولة، وقد نزّلوا منزلة العقلاء. ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ علامة دالة على قدرتنا. ﴿أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وقرئ: ذرياتهم أي أولادهم ومن يهمهم حمله الذين يبعثونهم للتجارة، وأصل الذرية: صغار الأولاد، ثم استعملت في الصغار والكبار، وتطلق على الواحد والجمع، وقيل: المراد آباؤهم الأقدمون الذين في أصلابهم هم وذرياتهم، وإنما امتن الله عليهم بذكر الذرية دونهم، لأنه أبلغ في الامتنان عليهم، وأدخل في التعجيب من قدرته، في حمل أصولهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح. ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ السفينة المملوءة، قيل: إنها سفينة نوح ﵇. ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي أوجدنا بتعليمهم صناعة السفن الصغار والكبار والزوارق، مثل سفينة نوح ﵇، وقيل: المراد الإبل، فإنها سفائن البر. ﴿ما يَرْكَبُونَ﴾ فيه، ولعل ذلك إشارة إلى المركبات والقطارات والطائرات المستحدثة. ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ إن نرد أغرقناهم مع إيجاد السفن. ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ لا مغيث. ﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ ينجون. ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ﴾ أي لا أحد ينقذهم وينجيهم إلا بإنقاذنا لرحمة وتمتيع إياهم بلذاتهم إلى انقضاء آجالهم. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى ما يدل على الحشر بإحضار جميع الأمم إليه يوم القيامة

стр. 6754

للحساب والجزاء، ذكر ما يدل على إمكان البعث بإنبات النبات من الأرض الجدباء بالمطر، وإيجاد البساتين وتفجير الأنهار، لتوفير سبل المعاش بها، مما يستدعي شكرهم على تلك النعم. وبعد بيان أحوال الأرض التي هي المكان الكلي، ذكر أربع آيات دالة على قدرته العظيمة من أحوال الأزمنة، وهي تعاقب الليل والنهار، ودوران الشمس، ومسير القمر في منازله، وتخصيص مدار مستقل لكل من الشمس والقمر. ثم أردف ذلك بدليل آخر دال على القدرة المقترنة بالرحمة وهو تنقل الأولاد والأجيال في السفن العابرة مياه البحار. التفسير والبيان: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا، فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ أي ومن العلامات الدالة على وجود الله وقدرته على البعث وإحياء الموتى: إحياء الأرض الهامدة التي لا نبات فيها، بإنزال الماء عليها، وجعلها تموج وتهتز بالنبات المختلف الألوان والأشكال، وإخراج الحب الذي هو رزق للعباد ولأنعامهم، وهو معظم ما يؤكل، وأكثر ما تقوم به الحياة والمعاش. وكما نحيي الأرض الميتة نحيي الموتى. ﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ، وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ﴾ أي وأوجدنا في الأرض التي أحييناها بساتين مشجرة من نخيل وأعناب وغيرها، وجعلنا فيها أنهارا موزعة في أماكن مختلفة، يحتاجون إليها. وخصص النخيل والأعناب بالذكر من بين سائر الفواكه، لأن ألذ المطعوم الحلاوة، وهي فيها أتم، ولأن التمر والعنب قوت وفاكهة خلافا لغيرهما، ولأنهما أعم نفعا.

стр. 6755

﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ، أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ أي إن القصد من إنشاء الحب والجنات أن يأكل المخلوقون من ثمر المذكور من النخيل والأعناب، ويأكلوا مما صنعته أيديهم من تلك الغراس والزروع أو الحبوب والثمار، كالعصير والدبس ونحوهما، وما ذاك كله إلا من رحمة الله تعالى بهم، لا بقدرتهم وقوتهم، فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى؟! وهذا أمر بالشكر من طريق إنكار تركه. وقوله ﴿مِنْ ثَمَرِهِ﴾ عائد إلى ما ذكر قبل ذلك، وقال الرازي: المشهور أنه عائد إلى الله. وقوله: ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ يشمل في رأي الرازي الزراعة والتجارة. ولما أمرهم تعالى بالشكر، وشكر الله بالعبادة، نبّه إلى أنهم لم يقتنعوا بالترك، بل عبدوا غيره، وأتوا بالشرك، فقال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ، وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ أي تنزيها عن الشريك لله الذي خلق الأنواع والأصناف كلها من مختلف الألوان والطعوم والأشكال، من الزروع والثمار والنبات، وخلق من النفوس الذكور والإناث، وخلق مخلوقات شتى لا يعرفونها، كما قال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨/ ١٦] وقال : ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات ٤٩/ ٥١]. والخلاصة: أن خالق هذا الخلق العظيم من إنسان وحيوان ونبات وخالق أشياء لا نعلمها منزه عن الشريك والنظير، قادر على كل شيء، وفي الآية الأمر بالتنزيه عما لا يليق بالله تعالى، كالأمر بالشكر في الآية المتقدمة. وبعد الاستدلال على إمكان البعث والحشر بأحوال الأرض المكانية، ذكر تعالى أدلة أربعة من أحوال الأزمنة، فقال:

стр. 6756

١ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ، فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ أي ومن أدلة قدرته تعالى العظيمة: خلق الليل والنهار، وتعاقب الليل والنهار دائبين، فينزع النهار من الليل فيأتي بالضوء وتذهب الظلمة، وينزع الليل من النهار، فيصبح الخلق في ظلمة ويذهب الضوء، وهكذا يتعاقبان، يجيء هذا فيذهب هذا، ويذهب هذا فيجيء هذا، كما قال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ [الأعراف ٥٤/ ٧] نتيجة لدوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق، فتشرق الشمس على نصف الكرة الأرضية، وتغيب عن النصف الآخر، وفي كل من الظلمة والنور نفع وخير، ففي الظلام ترك العمل وسكون النفس والراحة من العناء، وفي النور متعة ولذة وحركة وعمل من أجل كسب الرزق. وقوله ﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ أي داخلون في الظلام، وإذا للمفاجاة، أي فهم داخلون في الظلمة مفاجأة وبغتة، لا يد لهم بعدئذ، ولا بد من الدخول فيه. ٢ - ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي وآية مستقلة دالة على قدرته تعالى: دوران الشمس في فلكها إلى نهاية مدارها، وذلك الدوران تقدير من الله القاهر الغالب كل شيء، المحيط علمه بكل شيء. وهناك قولان للمفسرين في تفسير المستقر: الأول-أن المراد مستقرها المكاني وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي وجميع المخلوقات تحت العرش. والثاني-أن المراد مستقرها الزماني وهو منتهى سيرها، وهو يوم القيامة (١). وقد أثبت علماء الفلك أنه زيادة على دوران الشمس الظاهري وسط النجوم بسبب دوران الأرض حول الشمس مرة في السنة، للشمس حركتان أخريان:

стр. 6757

دورة حول محورها مرة في كل ست وعشرين يوما تقريبا، ودورة مع توابعها من الكواكب السيارة حول مركز النظام النجومي بسرعة تقدر بنحو مائتي ميل في الثانية. والمستقر في رأي العلماء في الحالة الأولى: هو المحور الثابت، وفي الثانية: هو مركز النظام النجومي بأسره. ٣ - ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ أي جعل الله للقمر منازل يسير فيها سيرا آخر، وهي ثمانية وعشرون منزلا ذكرناها، ينزل كل ليلة في واحد منها بمعدل ١٣ درجة في اليوم، ثم يستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما، وليلة واحدة إن كان تسعة وعشرين يوما، فإذا صار القمر في آخرها دق وصغر واصفر وتقوس، وعاد إلى أولها، حتى صار كالعرجون القديم: وهو الغصن الذي عليه طلع النخلة، وهو أصفر عريض يعوجّ، ويقطع منه الشماريخ، يبقى على النخل يابسا. ويستدل بمنازل القمر على مضي الشهور، كما أن الشمس يعرف بها الليل والنهار، كما قال : ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ: هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩/ ٢] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَالْقَمَرَ نُوراً، وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ [يونس ٥/ ١٠] وقال ﵎: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ، فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ، وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ، وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً﴾ [الإسراء ١٢/ ١٧]. والشمس تطلع كل يوم، وتغرب في آخره، ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفا وشتاء، يطول بسبب ذلك النهار، ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار. وأما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ثم يزداد نورا في الليلة الثانية، ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء مقتبسا من الشمس، حتى يتكامل في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر، حتى يصير كالعرجون القديم- عرجون النخل.

стр. 6758

وعلماء الفلك قسموا النجوم التي تقع حول مدار القمر ثمانيا وعشرين مجموعة تسمى منازل القمر. وقد كان العرب يعرفون بها الأنواء (أي الأمطار)، ويقيسون بالنسبة إليها مواقع الكواكب السيارة ومنها الشمس. ٤ - ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ، وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي لا يصح ولا يسهل لكل من الشمس والقمر أن يدرك أحدهما الآخر، لأن لكل منهما مدارا مستقلا، لا يجتمع مع الآخر فيه، ولأن الشمس تسير مقدار درجة في اليوم، والقمر يسير مقدار (١٣) درجة في اليوم. ولا تسبق آية الليل وهي القمر آية النهار وهي الشمس، لأن لكل منهما مجالا وسلطانا، فسلطان الشمس ومجالها بالنهار، وسلطان القمر بالليل. وكل من الشمس والقمر والأرض يسبح ويدور في فلكه في السماء، كما يسبح السمك في الماء، فالشمس تسير في مدار لها نصف قطره (٩٣) مليون ميل، وتتم دورتها في سنة، والقمر يدور حول الأرض كل شهر في مدار نصف قطره (٢٤) ألف ميل، والأرض تدور حول الشمس في سنة، وحول نفسها في يوم وليلة. وهذا دليل على أن الله جعل لكل من الشمس والقمر والأرض مدارا مستقلا يدور فيه، فلا يحجب أحدهما ضوء الآخر إلا نادرا حينما يحدث كسوف الشمس أو خسوف القمر. وبعد بيان الدليل المكاني وهو الأرض والأدلة الزمنية الأربعة المتقدمة، أتى تعالى بدليل آخر على قدرته، وهو تسيير الإنسان في البحر كما يسير في البر، كما قال تعالى: ﴿وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء ٧٠/ ١٧] وقال هنا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أي ومن دلائل قدرته ورحمته ﵎: تسخيره البحر ليحمل السفن، وركوب الذرية، أي الأولاد في السفن المملوءة بالبضائع التي ينقلونها من بلد إلى آخر، لتوفير القوت

стр. 6759

والمعاش، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ، لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان ٣١/ ٣١]. وقيل: الذرية: آباؤهم الذين حملوا في سفينة نوح ﵇، وهي السفينة المملوءة بالأمتعة والحيوانات التي أمره الله تعالى أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، حفاظا على أصول المخلوقات. والمعنى: أن الله حمل آباء هؤلاء وأجدادهم في سفينة نوح. ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ أي وخلقنا للناس مثل تلك السفن سفنا برية وهي الإبل، فإنها سفن البر يحملون عليها ويركبون عليها، لكن قال الرازي: الضمير في ﴿مِثْلِهِ﴾ عائد إلى الفلك، على قول الأكثرين، فيكون هذا كقوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ [ص ٥٨/ ٣٨] وعلى هذا فالأظهر أن يكون المراد الفلك الآخر الموجود في زمانهم، وليس المراد الإبل. ويؤيد هذا قوله تعالى هنا: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾. ولو كان المراد الإبل، لكان قوله: ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ فاصلا بين متصلين. ويحتمل أن يعود الضمير إلى معلوم غير مذكور تقديره: من مثل ما ذكرنا من المخلوقات، مثل قوله تعالى هنا: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ (١) وعلى هذا، الآية تشمل كل وسائل النقل الحديثة من سيارات وقطارات وطائرات. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً، وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨/ ١٦]. ودليل رحمته ولطفه تعالى حفظ الركاب في تلك الوسائط، فقال: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ، فَلا صَرِيخَ لَهُمْ، وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ أي وإن نرد إغراقهم في الماء مع حمولاتهم، فلا مغيث لهم يغيثهم مما هم فيه، أو ينجيهم من الغرق، ولا هم ينقذون مما أصابهم.

стр. 6760

﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ﴾ ﴿إِلاّ﴾ هنا: استثناء منقطع، تقديره: ولكن برحمتنا نسيركم في البر والبحر، ونحفظكم من الغرق، ونسلمكم إلى أجل مسمى، ونمتعكم بالحياة الدنيا إلى وقت معلوم عند الله ، وهو الموت. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - من الأدلة الدالة على وجود الله وتوحيده وكمال قدرته على البعث وإحياء الموتى وغير ذلك: إحياء الأرض الهامدة بالنبات الأخضر، وإخراج الحب منه، الذي هو قوام الحياة وأساس القوت والمعاش. ٢ - ومن الأدلة أيضا خلق بساتين في الأرض من نخيل وأعناب، وتفجير الينابيع في البساتين للأكل من ثمر ماء العيون، أو من ثمر المذكور وهو ثمر الجنات والنخيل، ومن الذي عملته أيدي الناس من الثمار، ومن أصناف الحلاوات والأطعمة، ومما اتخذوا من الحبوب كالخبر وأنواع الحلويات. وخصص النخيل والأعناب بالذكر، لأنهما أعلى الثمار، كما تقدم. ٣ - تستوجب هذه النعم شكر الخالق المنعم المتفضل، وشكره بعبادته، والإذعان لسلطانه وإرادته. ٤ - يجب تنزيه الخالق عما لا يليق به، والبعد عن صنيع الكفار الذين عبدوا غير الله، مع ما رأوا من نعمه وآثار قدرته. ٥ - إن آثار قدرة الله ومظاهرها في العالم كثيرة، منها خلق النباتات والثمار المختلفة والألوان والطعوم والأشكال والأحجام صغرا وكبرا. ومنها خلق الأولاد
следующие страницы →