← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

١ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ، فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ أي ومن أدلة قدرته تعالى العظيمة: خلق الليل والنهار، وتعاقب الليل والنهار دائبين، فينزع النهار من الليل فيأتي بالضوء وتذهب الظلمة، وينزع الليل من النهار، فيصبح الخلق في ظلمة ويذهب الضوء، وهكذا يتعاقبان، يجيء هذا فيذهب هذا، ويذهب هذا فيجيء هذا، كما قال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ [الأعراف ٥٤/ ٧] نتيجة لدوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق، فتشرق الشمس على نصف الكرة الأرضية، وتغيب عن النصف الآخر، وفي كل من الظلمة والنور نفع وخير، ففي الظلام ترك العمل وسكون النفس والراحة من العناء، وفي النور متعة ولذة وحركة وعمل من أجل كسب الرزق. وقوله ﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ أي داخلون في الظلام، وإذا للمفاجاة، أي فهم داخلون في الظلمة مفاجأة وبغتة، لا يد لهم بعدئذ، ولا بد من الدخول فيه. ٢ - ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي وآية مستقلة دالة على قدرته تعالى: دوران الشمس في فلكها إلى نهاية مدارها، وذلك الدوران تقدير من الله القاهر الغالب كل شيء، المحيط علمه بكل شيء. وهناك قولان للمفسرين في تفسير المستقر: الأول-أن المراد مستقرها المكاني وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي وجميع المخلوقات تحت العرش. والثاني-أن المراد مستقرها الزماني وهو منتهى سيرها، وهو يوم القيامة (١). وقد أثبت علماء الفلك أنه زيادة على دوران الشمس الظاهري وسط النجوم بسبب دوران الأرض حول الشمس مرة في السنة، للشمس حركتان أخريان:

стр. 6757

دورة حول محورها مرة في كل ست وعشرين يوما تقريبا، ودورة مع توابعها من الكواكب السيارة حول مركز النظام النجومي بسرعة تقدر بنحو مائتي ميل في الثانية. والمستقر في رأي العلماء في الحالة الأولى: هو المحور الثابت، وفي الثانية: هو مركز النظام النجومي بأسره. ٣ - ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ أي جعل الله للقمر منازل يسير فيها سيرا آخر، وهي ثمانية وعشرون منزلا ذكرناها، ينزل كل ليلة في واحد منها بمعدل ١٣ درجة في اليوم، ثم يستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما، وليلة واحدة إن كان تسعة وعشرين يوما، فإذا صار القمر في آخرها دق وصغر واصفر وتقوس، وعاد إلى أولها، حتى صار كالعرجون القديم: وهو الغصن الذي عليه طلع النخلة، وهو أصفر عريض يعوجّ، ويقطع منه الشماريخ، يبقى على النخل يابسا. ويستدل بمنازل القمر على مضي الشهور، كما أن الشمس يعرف بها الليل والنهار، كما قال : ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ: هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩/ ٢] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَالْقَمَرَ نُوراً، وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ [يونس ٥/ ١٠] وقال ﵎: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ، فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ، وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ، وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً﴾ [الإسراء ١٢/ ١٧]. والشمس تطلع كل يوم، وتغرب في آخره، ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفا وشتاء، يطول بسبب ذلك النهار، ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار. وأما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ثم يزداد نورا في الليلة الثانية، ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء مقتبسا من الشمس، حتى يتكامل في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر، حتى يصير كالعرجون القديم- عرجون النخل.

стр. 6758

وعلماء الفلك قسموا النجوم التي تقع حول مدار القمر ثمانيا وعشرين مجموعة تسمى منازل القمر. وقد كان العرب يعرفون بها الأنواء (أي الأمطار)، ويقيسون بالنسبة إليها مواقع الكواكب السيارة ومنها الشمس. ٤ - ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ، وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي لا يصح ولا يسهل لكل من الشمس والقمر أن يدرك أحدهما الآخر، لأن لكل منهما مدارا مستقلا، لا يجتمع مع الآخر فيه، ولأن الشمس تسير مقدار درجة في اليوم، والقمر يسير مقدار (١٣) درجة في اليوم. ولا تسبق آية الليل وهي القمر آية النهار وهي الشمس، لأن لكل منهما مجالا وسلطانا، فسلطان الشمس ومجالها بالنهار، وسلطان القمر بالليل. وكل من الشمس والقمر والأرض يسبح ويدور في فلكه في السماء، كما يسبح السمك في الماء، فالشمس تسير في مدار لها نصف قطره (٩٣) مليون ميل، وتتم دورتها في سنة، والقمر يدور حول الأرض كل شهر في مدار نصف قطره (٢٤) ألف ميل، والأرض تدور حول الشمس في سنة، وحول نفسها في يوم وليلة. وهذا دليل على أن الله جعل لكل من الشمس والقمر والأرض مدارا مستقلا يدور فيه، فلا يحجب أحدهما ضوء الآخر إلا نادرا حينما يحدث كسوف الشمس أو خسوف القمر. وبعد بيان الدليل المكاني وهو الأرض والأدلة الزمنية الأربعة المتقدمة، أتى تعالى بدليل آخر على قدرته، وهو تسيير الإنسان في البحر كما يسير في البر، كما قال تعالى: ﴿وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء ٧٠/ ١٧] وقال هنا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أي ومن دلائل قدرته ورحمته ﵎: تسخيره البحر ليحمل السفن، وركوب الذرية، أي الأولاد في السفن المملوءة بالبضائع التي ينقلونها من بلد إلى آخر، لتوفير القوت

стр. 6759

والمعاش، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ، لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان ٣١/ ٣١]. وقيل: الذرية: آباؤهم الذين حملوا في سفينة نوح ﵇، وهي السفينة المملوءة بالأمتعة والحيوانات التي أمره الله تعالى أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، حفاظا على أصول المخلوقات. والمعنى: أن الله حمل آباء هؤلاء وأجدادهم في سفينة نوح. ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ أي وخلقنا للناس مثل تلك السفن سفنا برية وهي الإبل، فإنها سفن البر يحملون عليها ويركبون عليها، لكن قال الرازي: الضمير في ﴿مِثْلِهِ﴾ عائد إلى الفلك، على قول الأكثرين، فيكون هذا كقوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ [ص ٥٨/ ٣٨] وعلى هذا فالأظهر أن يكون المراد الفلك الآخر الموجود في زمانهم، وليس المراد الإبل. ويؤيد هذا قوله تعالى هنا: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾. ولو كان المراد الإبل، لكان قوله: ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ فاصلا بين متصلين. ويحتمل أن يعود الضمير إلى معلوم غير مذكور تقديره: من مثل ما ذكرنا من المخلوقات، مثل قوله تعالى هنا: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ (١) وعلى هذا، الآية تشمل كل وسائل النقل الحديثة من سيارات وقطارات وطائرات. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً، وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨/ ١٦]. ودليل رحمته ولطفه تعالى حفظ الركاب في تلك الوسائط، فقال: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ، فَلا صَرِيخَ لَهُمْ، وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ أي وإن نرد إغراقهم في الماء مع حمولاتهم، فلا مغيث لهم يغيثهم مما هم فيه، أو ينجيهم من الغرق، ولا هم ينقذون مما أصابهم.

стр. 6760

﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ﴾ ﴿إِلاّ﴾ هنا: استثناء منقطع، تقديره: ولكن برحمتنا نسيركم في البر والبحر، ونحفظكم من الغرق، ونسلمكم إلى أجل مسمى، ونمتعكم بالحياة الدنيا إلى وقت معلوم عند الله ، وهو الموت. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - من الأدلة الدالة على وجود الله وتوحيده وكمال قدرته على البعث وإحياء الموتى وغير ذلك: إحياء الأرض الهامدة بالنبات الأخضر، وإخراج الحب منه، الذي هو قوام الحياة وأساس القوت والمعاش. ٢ - ومن الأدلة أيضا خلق بساتين في الأرض من نخيل وأعناب، وتفجير الينابيع في البساتين للأكل من ثمر ماء العيون، أو من ثمر المذكور وهو ثمر الجنات والنخيل، ومن الذي عملته أيدي الناس من الثمار، ومن أصناف الحلاوات والأطعمة، ومما اتخذوا من الحبوب كالخبر وأنواع الحلويات. وخصص النخيل والأعناب بالذكر، لأنهما أعلى الثمار، كما تقدم. ٣ - تستوجب هذه النعم شكر الخالق المنعم المتفضل، وشكره بعبادته، والإذعان لسلطانه وإرادته. ٤ - يجب تنزيه الخالق عما لا يليق به، والبعد عن صنيع الكفار الذين عبدوا غير الله، مع ما رأوا من نعمه وآثار قدرته. ٥ - إن آثار قدرة الله ومظاهرها في العالم كثيرة، منها خلق النباتات والثمار المختلفة والألوان والطعوم والأشكال والأحجام صغرا وكبرا. ومنها خلق الأولاد

стр. 6761

والأزواج أي ذكورا وإناثا، ومنها خلق أصناف أخرى لا يعلمها البشر في البر والبحر والسماء والأرض. وإذا كان الله قد انفرد بالخلق، فلا ينبغي أن يشرك به. ٦ - ومن العلامات الدالة أيضا على توحيد الله وقدرته ووجوب ألوهيته: تعاقب الليل والنهار وما يتبعهما من ظلمة وضوء لتحقيق مصالح العباد، وضبط السنين والحساب، وجريان الشمس لمستقرّ لها هو محورها أو نهاية سيرها يوم القيامة، وتقدير القمر ذا منازل هي ثمانية وعشرون منزلا، ينزل القمر كل ليلة بمنزل منها، فإذا صار في آخرها، عاد إلى أوّلها، فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة، ثم يستتر، ثم يطلع هلالا، فيعود في قطع الفلك على المنازل، وهي منقسمة على البروج، لكل برج منزلان وثلث. ومنها جعل مدار مستقل وسلطان منفرد لكل من الشمس والقمر والأرض، فلا يدخل أحدها على الآخر، وإنما كل من الشمس والقمر والنجوم يجري في فلك خاص به. ٧ - ومن دلائل قدرة الله ورحمته: حمل ذرية القرون الماضية والحاضرة والمقبلة في السفن المملوءة بالسلع والأمتعة، وخلق وسائط أخرى للركوب مماثلة للسفن وهي الإبل سفائن البراري، ووسائل النقل الحديثة في البر والجو من سيارات وقطارات وطائرات ومناطيد (أو مطاود) ونحوها. والله قادر على إغراق ركاب السفن في البحار، فيصبحون دون مغيث ولا مجير ولا منقذ مما ألم بهم، ولكن رحمته تعالى اقتضت إبقاءهم وإنقاذهم ليتمتعوا بمتاع الحياة الدنيوية إلى آجالهم المرسومة، وأعمارهم المحدودة، والتمتع إلى حين هو الموت.

стр. 6762

وقد عجّل الله عذاب الأمم السالفة، وأخّر عذاب أمة محمد ص، وإن كذبوه، إلى يوم القيامة، تكريما لهذا الرسول ص. موقف الكفار من تقوى الله وآيات الله والشفقة على خلق الله ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ البلاغة: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بين الكفر والإيمان طباق. ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ﴾ استفهام أريد به التهكم. المفردات اللغوية: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ للكفار ﴿اِتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ﴾ احذروا ما هو قدّامكم من الآفات والنوازل وعذاب الدنيا، وما ستواجهون من عذاب الآخرة ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لتكونوا راجين لرحمة الله. وجواب إذا محذوف تقديره: أعرضوا، دل عليه الآية التي بعدها. ﴿إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ أي ما تأتيهم من آية من آيات القرآن إلا أعرضوا عنها، ولم يلتفتوا إليها ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي قال فقراء الصحابة ﴿أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ أي تصدقوا على الفقراء من الأموال التي رزقكم الله ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ استهزاء بهم، وتهكما بقولهم. ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ﴾ في زعمكم ومعتقدكم، وقولكم: إن الرزاق هو الله، فكأنهم حاولوا إلزام المسلمين قائلين: نحن نوافق مشيئة الله، فلا نطعم من لم يطعمه الله ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ما أنتم في قولكم لنا ذلك مع معتقدكم هذا إلا في ضلال واضح، حيث أمرتمونا ما يخالف مشيئة الله. ويجوز أن يكون هذا جوابا لهم، أو حكاية لجواب المؤمنين لهم.

стр. 6763

وهذا غلط منهم، ومكابرة ومجادلة بالباطل، فإن الله سبحانه أغنى بعض خلقه، وأفقر بعضا لحكمة يعلمها، وأمر الغني أن يطعم الفقير، وابتلاه به فيما فرض عليه من الصدقة، ليعلم الطائع من العاصي علم بيان وانكشاف، وإقامة حجة وبرهان. المناسبة: بعد بيان الآيات الدالة يقينا وقطعا على وجود الله وتوحيده وقدرته التامة، أخبر الله تعالى أن الكفار مع هذا الدليل القاطع يعرضون عن آيات ربهم، ولا يعترفون بها، وشأن العاقل الاقتناع بها، ولكن هؤلاء لا يتقون الله، ولا يحذرون بأن يصيبهم مثل هلاك الأمم الغابرة، ولا يفكرون في آيات الله، وليس في قلوبهم رحمة أو شفقة على عباد الله، فهم في غاية الجهل ونهاية الغفلة، وليسوا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا مثل العامة الذين يبنون الأمر على الأحوط. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن تمادي المشركين في غيهم وضلالهم، وعدم اكتراثهم بذنوبهم الماضية، ولا بما يستقبلون بين أيديهم يوم القيامة، فيقول: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ: اِتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي وإذا قيل لهؤلاء المعرضين عن آيات الله، المكذبين بها: احذروا أن يصيبكم مثلما أصاب من قبلكم من الأمم، مما هو قدّامكم، من الآفات والنوازل وعذاب الدنيا، وخافوا ما أنتم مقدمون عليه بعد الهلاك من عذاب الآخرة، إذا أصررتم على الكفر حتى الموت، لعل الله يرحمكم باتقائكم ذلك، ويحميكم من عذابه، ويغفر لكم. وإذا قيل لهم ذلك أعرضوا عنه، وإذا قيل لهم: اتقوا لا يتقون. وليس إعراضهم مقتصرا على ذلك، بل هم عن كل آية معرضون، كما قال تعالى:

стр. 6764

﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ أي وما تجيء هؤلاء المشركين آية من آيات الله على التوحيد وصدق الرسل إلا شأنهم الإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها، وترك التأمل بها، وعدم الانتفاع بها، لتعطيل طاقة الفكر والنظر المرشد إلى الإيمان وتصديق الرسول ص. وفضلا عن سوء الاعتقاد بالله ورسوله ص، تركوا الشفقة على خلق الله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ، قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا:﴾ ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ﴾؟ أي وإذا طلب منهم الصدقة، وأمروا بالإنفاق مما رزقهم الله على الفقراء والمحاويج، أجابوا المؤمنين استهزاء بهم، وتهكما بقولهم: هؤلاء الذين أمرتمونا بالإنفاق عليهم: لو شاء الله لأغناهم، ولأطعمهم من رزقه، فنحن نوافق مشيئة الله تعالى فيهم. وكان هذا الاحتجاج باطلا، لأن الله تعالى إذا ملّك عبدا مالا، ثم أوجب عليه فيه حقا، فكأنه انتزع ذلك القدر منه، فلا معنى للاعتراض. وقد صدقوا في قولهم: لو شاء الله أطعمهم، ولكن كذبوا في الاحتجاج بذلك. وقوله: ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ ترغيب في الإنفاق، فإن الله رزقكم، فإذا أنفقتم فهو يخلف لكم الرزق ثانيا كما رزقكم أولا، وهو أيضا ذم على البخل الذي هو في غاية القبح، فإن أبخل البخلاء من يبخل بمال الغير، وفي هذا ذم لهم على ترك الشفقة على خلق الله. ومع هذا كله، عابوا الآمرين لهم بالإنفاق واتهموهم بالضلال، فقالوا تتمة لكلامهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ما أنتم في أمركم لنا بالإنفاق إلا في خطأ واضح، وانحراف عن جادة الهدى والرشاد.

стр. 6765

وقوله ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ.﴾. يفيد الحصر. وهذا فهم خطأ من المشركين، لأن حكمة الله اقتضت تفاوت الناس في الرزق، فهو يقبض الرزق عمن يشاء، ويبسطه لمن يشاء، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى ٢٧/ ٤٢] فقد أغنى قوما، وأفقر آخرين، وأمر الفقراء بالصبر، وأمر الأغنياء بالعطاء والشكر: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل ٥/ ٩٢ - ١٠]. وقال ابن جرير عن قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾: ويحتمل أن يكون من قول الله للكفار حين ناظروا المؤمنين، وردوا عليهم، فقال لهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ قال ابن كثير: وفي هذا نظر، والله أعلم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أمور ثلاثة هي: أولا-إن المشركين قوم تمادوا في الغي والضلال والعناد والكبر، ولم يتأملوا في أحداث الماضي، ووقائع الزمان، وأحوال الأمم التي أهلكهم الله بتكذيبهم رسلهم، ولم ينظروا في مستقبل الحياة الآخرة، فتراهم إذا قيل لهم: اتقوا الله، لا يتقون. ثانيا-وهم أيضا شأنهم وديدنهم الإعراض عن آيات الله، والتكذيب لها، وعدم الانتفاع بها، لتركهم النظر المؤدي إلى الإيمان بالله وتصديق الرسول ص. ثالثا-كما أنهم أخلّوا بتعظيم الخالق، حرموا العطف والشفقة على الإنسانية، وانعدمت عندهم عاطفة الرحمة بالمخلوقات، إذ قيل لهم: أنفقوا مما رزقكم الله، فبخلوا وتهكموا، وهو شأن البخلاء في كل عصر.

стр. 6766

إنكار الكفار يوم البعث وبيان أنه حق لا شك فيه ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ الإعراب: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ الأصل: يختصمون بوزن «يفتعلون» فحذف حركة التاء، ولم ينقلها إلى الخاء، وأبدل من التاء صادا، وأدغم الصادين ببعضهما، وكسر الخاء لسكونها وسكون الصاد الأولى، لأن الأصل في التقاء الساكنين الكسر. وقرئ ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ بفتح الياء والخاء، بنقل تتمة التاء إلى الخاء، وقرئ أيضا ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ بكسر الياء والخاء، وقد كسر الياء اتباعا لكسرة الخاء، والكسر للاتباع كثير في كلامهم، مثل قسيّ وعصي وخفي. وقرئ «يخصمون» كيضربون، أي يخصم بعضهم بعضا. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ الجار والمجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل ﴿فَإِذا هُمْ﴾ إذا هنا ظرفية للمفاجاة. ﴿يا وَيْلَنا﴾ إما منادى مضاف، فويل: هو المنادي، ونا: هو المضاف إليه، ونداء الويل كنداء الحسرة في قوله تعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾. وإما أن يكون المنادي محذوفا، و ﴿وَيْلَنا﴾ منصوب على المصدر، كأنهم قالوا: يا هؤلاء ويلا لنا، فلما أضيفت حذفت اللام الثانية. ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿ما﴾ مصدرية أو موصولة محذوفة العائد.

стр. 6767

البلاغة: ﴿مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ استعارة، شبه حال موتهم بحال نومهم، أي من بعثنا من موتنا. ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي تقول لهم الملائكة ذلك، أي وعدكم به الرحمن. المفردات اللغوية: ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ متى يتحقق ويجيء ما وعدتمونا به وهو وعد البعث ﴿ما يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون ﴿إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي نفخة إسرافيل الأولى في الصور، وهي التي يموت بها أهل الأرض جميعا ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ أي تأخذهم الصيحة فجأة في غفلة عنها، وهم يتخاصمون في معاملاتهم ومتاجرهم وأكلهم وشربهم وغير ذلك. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أن يوصوا في شيء من أمورهم بما لهم وما عليهم ﴿وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي لا يستطيعون الرجوع من أسواقهم وأشغالهم إلى منازلهم، بل يموتون فيها ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ أي نفخ فيه النفخة الثانية للبعث، وبين النفختين أربعون سنة ﴿فَإِذا هُمْ﴾ المقبورون ﴿مِنَ الْأَجْداثِ﴾ القبور ﴿إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يخرجون بسرعة، أو يسرعون. ﴿قالُوا﴾ أي الكفار منهم ﴿يا وَيْلَنا﴾ يا هلاكنا، والويل: مصدر لا فعل له من لفظه وهو الهلاك ﴿مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾؟ من أخرجنا من موتنا، لأنهم بسبب ما رأوا من الهول، وما داهمهم من الفزع، ظنوا أنهم كانوا نياما ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ﴾ أي هذا البعث الذي وعد به الرحمن ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي وصدق فيه الأنبياء المرسلون، والمعنى: رجعوا إلى أنفسهم، فاعترفوا أنهم كانوا في الموت وبعثوا، وأقروا بصدق الرسل يوم لا ينفع التصديق أو الإقرار. ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً، فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أي ما كانت الفعلة إلا النفخة الأخيرة التي نفخها إسرافيل في الصور، فإذا هم مجموعون عندنا بسرعة بمجرد تلك الصيحة للحساب والجزاء والعقاب. قال البيضاوي: وفي كل ذلك تهوين أمر البعث والحشر، واستغناؤهما عن الأسباب المألوفة في الدنيا. وتنكير ﴿صَيْحَةً﴾ للتكثير. ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي يقال لهم ذلك، تصويرا للموعود، وتمكينا له في النفوس.

стр. 6768

المناسبة: بعد بيان إعراض الكفار عن التقوى، وامتناعهم من الإنفاق، أبان الله تعالى سبب ذلك وهو إنكارهم للبعث، واستعجالهم له، استهزاء به، ثم أوضح أنه حق لا مرية فيه، وأنه سيأتيهم الموت بغتة، وهم في غفلة عنه، وأن البعث أمر سهل على الله لا يحتاج إلا إلى نفخة واحدة في الصور. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن استبعاد الكفرة لقيام الساعة في قولهم: ﴿وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؟ أي ويقول المشركون استعجالا للبعث استهزاء وسخرية وتهكما بالمؤمنين: متى يأتي هذا الوعد بالبعث الذي وعدتمونا به، وتهددونا به، إن كنتم صادقين فيما تقولون وتعدون؟! والخطاب للرسول ص والمؤمنين الذين دعوهم إلى الإيمان بالله وباليوم الآخر، فأجابهم الله تعالى: ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ أي ما ينتظرون للعذاب والقيامة إلا نفخة واحدة في الصور، هي نفخة الفزع التي يموت بها جميع أهل الأرض فجأة، وهم يختصمون فيما بينهم في البيع والشراء ونحوهما من أمور الدنيا أي وهم متشاغلون في شؤون الحياة من معاملة وحديث وطعام وشراب وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف ٩٥/ ٧] وقال سبحانه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف ٦٦/ ٤٣]. وقوله جل وعز: ﴿إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي النفخة الأولى في الصور، كما قال عكرمة، ويؤيده ما رواه ابن جرير عن ابن عمر قال: لينفخنّ في الصور،

стр. 6769

والناس في طرقهم وأسواقهم ومجالسهم، حتى إن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومانه، فما يرسله أحدهما من يده حتى ينفخ في الصور، فيصعق به، وهي التي قال الله: ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ، وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ص: «لتقومنّ الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة، والرجل يليط (١) حوضه، فلا يسقي منه، ولتقومنّ الساعة، وقد انصرف الرجل بلبن لقحته (نعجته)، فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه (فمه)، فلا يطعمها». ثم أبان تعالى سرعة حدوث الموت العام أو الصيحة، فقال: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي لا يستطيع بعضهم أن يوصي إلى بعض بما له من أملاك وما عليه من ديون، بل يموتون في أسواقهم ومواضعهم، ولا يتمكنون من الرجوع إلى منازلهم التي كانوا خارجين عنها. ثم أخبر الله تعالى عن نفخة ثانية هي نفخة البعث والنشور من القبور، فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ أي ونفخ في الصور نفخة ثانية للبعث والنشور من القبور، فإذا جميع المخلوقين يخرجون من القبور، يسرعون المشي إلى لقاء ربهم للحساب والجزاء، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً، كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج ٤٣/ ٧٠]. ثم ذكر ما يطرأ عليهم بعد البعث من الأهوال والمخاوف فقال تعالى: ﴿قالُوا: يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ أي قال المبعوثون: يا هلاكنا من الذي بعثنا من قبورنا بعد موتنا؟ وهي قبورهم التي كانوا يعتقدون في دار

стр. 6770

الدنيا أنهم لا يبعثون منها، وظنوا لما شاهدوا من الأهوال وما استبد بهم من الفزع، أنهم كانوا نياما. وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم، لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد. ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي هذا ما وعد به الله وصدق في الإخبار عنه الأنبياء المرسلون، فهم رجعوا إلى أنفسهم، فاعترفوا أنهم بعثوا من الموت، وأقروا بصدق الرسل، يوم لا ينفع التصديق. فهذا الكلام من قول الكفار، وهو رأي عبد الرحمن بن زيد، واختاره الشوكاني وغيره. واختار ابن جرير وابن كثير أن هذا جواب الملائكة أو جواب المؤمنين، كقوله ﵎: ﴿وَقالُوا: يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ. هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات ٢٠/ ٣٧ - ٢١]. ثم أوضح الله تعالى سرعة البعث، فقال: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً، فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أي ما كانت النفخة إلا صيحة واحدة، فإذا هم أحياء مجموعون لدينا بسرعة للحساب والجزاء، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣/ ٧٩ - ١٤] وقال : ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل ٧٧/ ١٦]. وأردف بعدئذ ما يكون في ذلك من القضاء العادل، فقال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي في يوم القيامة لا تبخس نفس شيئا من عملها مهما قلّ، ولا توفون إلا ما عملتم من خير أو شر.

стр. 6771

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - كان الرد الحاسم على استعجال الكفار قيام الساعة استهزاء أنها تأتي فجأة كلمح البصر أو هي أقرب، وتحدث بنفخة واحدة هي نفخة إسرافيل في وقت يختصم الناس في أمور دنياهم، فيموتون في مكانهم. وهذه نفخة الصّعق. ٢ - من آثار الموت المفاجئ بتلك النفخة أنهم لا يتمكنون من العودة إلى ديارهم إذا كانوا خارجين منها، ولا يستطيعون الإيصاء إلى غيرهم بما لهم وما عليهم. وقيل: لا يستطيع أن يوصي بعضهم بعضا بالتوبة، بل يموتون في أسواقهم ومواضعهم. ٣ - ثم تأتي النفخة الثانية وهي نفخة البعث والنشور من القبور، فهما نفختان، لا ثلاث، بدليل هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ، فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾. و روى المبارك بن فضالة عن الحسن البصري قال: قال رسول الله ص: «بين النفختين أربعون سنة، الأولى يميت الله بها كل حيّ، والأخرى يحيي الله بها كلّ ميت». ٤ - يتعجب أهل البعث ويذهلون ويفزعون مما يرون من شدائد الأهوال، فيتساءلون عمن أخرجهم من قبورهم، مفضلين عذاب القبر، لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد. ٥ - النفخة الثانية أيضا وهي نفخة البعث والنشور سريعة جدا، فإذا حدثت تجمّع الناس جميعا وحضروا مسرعين إلى لقاء ربهم للحساب والجزاء، كما قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ﴾ [القمر ٨/ ٥٤]. ٦ - الحساب حق وعدل، والجزاء قائم على العدل المطلق، فلا ينقص من

стр. 6772

ثواب العمل أي شيء مهما قل، ولا يجزى الناس إلا على وفق ما عملوا من خير أو شر. جزاء المحسنين ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ الإعراب: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ ﴿أَصْحابَ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾، وخبرها: إما ﴿فِي شُغُلٍ﴾ وإما ﴿فاكِهُونَ﴾. و ﴿فِي شُغُلٍ﴾: متعلق ب ﴿فاكِهُونَ﴾ ويجوز أن يكونا خبرين. ولا يجوز جعل ﴿فَالْيَوْمَ﴾ خبرا، لأنه ظرف زمان، وظروف الزمان لا تكون أخبارا عن الجثث. و ﴿فَالْيَوْمَ﴾ منصوب على الظرف، وعامله ﴿فِي شُغُلٍ﴾ وتقديره: إن أصحاب الجنة كائنون في شغل اليوم. ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾ ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿وَأَزْواجُهُمْ﴾: عطف عليه، و ﴿مُتَّكِؤُنَ﴾: خبر المبتدأ، و ﴿فِي ظِلالٍ﴾: متعلق ب ﴿مُتَّكِؤُنَ﴾. و ﴿عَلَى الْأَرائِكِ﴾. صفة ل ﴿ظِلالٍ﴾ ويجوز جعل: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ و ﴿عَلَى الْأَرائِكِ﴾ و ﴿مُتَّكِؤُنَ﴾ أخبارا متعددة لمبتدأ واحد. ﴿لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ﴾ ﴿فاكِهَةٌ﴾: مبتدأ، و ﴿لَهُمْ﴾: خبره، و ﴿فِيها﴾: معمول الخبر، وهو ﴿لَهُمْ﴾ ويجوز جعل كل من ﴿لَهُمْ﴾ و ﴿فِيها﴾ خبرين للمبتدأ الذي هو ﴿فاكِهَةٌ﴾، ويجوز أيضا جعل ﴿لَهُمْ﴾ وصفا ل ﴿فاكِهَةٌ﴾ فلما تقدم صار في موضع نصب على الحال، ويجوز أيضا جعل ﴿فِيها﴾ صفة ل ﴿فاكِهَةٌ﴾ فلما تقدم عليها صار في موضع نصب على الحال. ﴿وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ﴾ ﴿ما﴾: إما اسم موصول بمعنى الذي: مبتدأ ﴿وَلَهُمْ﴾ خبره، وصلته: ﴿يَدَّعُونَ﴾، والعائد محذوف، وإما نكرة موصوفة، وصفتها ﴿يَدَّعُونَ﴾ وإما مصدرية، فتكون مع ﴿يَدَّعُونَ﴾ في تأويل المصدر. ويدعون أي يتمنون ويشتهون، وأصله (يدتعيون) بوزن يفتعلون فأبدل من التاء دالا، ونقلت حركة الياء إلى ما قبلها، فسكنت الياء، والواو بعدها ساكنة، فاجتمع ساكنان، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين.

стр. 6773

﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ﴿سَلامٌ﴾: بدل مما يدعون، مرفوع على البدل من ﴿ما﴾ أي ولهم أن يسلم الله عليهم، وهذا منى أهل الجنة. و ﴿قَوْلاً﴾: مصدر مؤكد لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ سَلامٌ﴾ قال الزمخشري: والأوجه أن ينتصب على الاختصاص. ويصح جعل ﴿سَلامٌ﴾ وصفا ل ﴿ما﴾ إذا جعلتها نكرة موصوفة، أي ولهم شيء يدعونه سلام، ويصح جعله خبرا ل ﴿ما﴾. المفردات اللغوية: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ الشغل: الشأن الذي يشغل الإنسان عما سواه، إما لمسرة أو لمساءة. والمراد به هنا: أنهم مشغولون بما هم فيه من اللذات، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، يشتغلون بذلك عن الاهتمام بأمر أهل النار. وهو شغل متعة، لا شغل تعب، لأن الجنة لا نصب فيها. ﴿فاكِهُونَ﴾ متنعمون متلذذون. ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جمع ظل، وهو ما لا تصيبه الشمس. ﴿الْأَرائِكِ﴾ جمع أريكة: وهو السرير المزيّن في قبة أو بيت، أو الفراش، فالأرائك: الأسرّة التي في الحجال. ﴿يَدَّعُونَ﴾ أي يتمنون ويشتهون. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى حدوث البعث لا شك فيه، وما يكون في يوم القيامة من الجزاء العادل، بيّن هنا ما أعده للمحسنين، ثم أعقبه في الآيات التالية بما أعده للمسيئين، ترغيبا في العمل الصالح، وترهيبا من سوء الأعمال. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن حال أهل الجنة فيقول: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ أي إن المؤمنين الصالحين إذا نزلوا في روضات الجنات يوم القيامة، كانوا في شغل عن غيرهم، بما يتمتعون به من اللذات، والنعيم المقيم، والفوز العظيم، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فهم في شغل عما فيه أهل النار من العذاب، وهم متنعمون متلذذون معجبون بالنعيم.

стр. 6774

وليس التمتع وحدهم وإنما هم في أنس وسرور مع أزواجهم، فقال تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ، عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾ أي إنهم وحلائلهم في الجنة في ظلال الأشجار التي لا تصيبها الشمس، لأنه لا شمس فيها، وهم فيها متكئون على السرر المستورة بالخيام والحجال (المظلة الساترة). والأرائك كما بينا: الأسرّة التي في الحجال. وهذه المتعة في الظلال، وعلى الأسرّة والفرش الوثيرة الناعمة هي حلم الإنسان وغاية ما يطمح إليه. والمتعة ليست روحية وإنما هي مادية، فقال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ، وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ﴾ أي تقدم لهم الفواكه من جميع أنواعها، ولهم غير ذلك كل ما يتمنون ويشتهون، فمهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذّ. وقوله: ﴿لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ﴾ ولم يقل «يأكلون» إشارة إلى اختيارهم وملكهم وقدرتهم. والنعمة الأسمى من كل ما يجدون: سلام الله عليهم، فقال تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أي إن ما يتمنونه هو تحية الله لهم بالسلام أي الأمان من كل مكروه، يقول لهم: سلام عليكم يا أهل الجنة، كما قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ: سَلامٌ﴾ [الأحزاب ٤٤/ ٣٣] أو بوساطة الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ [الرعد ٢٣/ ١٣ - ٢٤] والمعنى أن الله يسلم عليهم بوساطة الملائكة، أو بغير وساطة، مبالغة في تعظيمهم، وذلك متمناهم.

стр. 6775

فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يلي: ١ - إن أصحاب الجنة يتمتعون فيها متعة مادية وليست روحية فقط، فهم في شغل بما هم فيه من اللذات والنعيم عن الاهتمام بأهل المعاصي في النار، وما هم فيه من أليم العذاب، وإن كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم. ٢ - يتمتع أهل الجنة بنعيمها هم وأزواجهم، تحت ستور تظللهم، وعلى الأرائك (أي السّرر في الحجال، كالناموسيات) متكئون. ٣ - لهم أنواع من الفاكهة لا تعد ولا تحصى، ولهم كل ما يتمنون ويشتهون، فمهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذ. ٤ - ولهم أكمل الأشياء وآخرها الذي لا شيء فوقه وهو السلام من الله الرب الرحيم، إما بوساطة الملائكة، أو بغير وساطة، مبالغة في تعظيمهم، وذلك أقصى ما يتمنونه. جزاء المجرمين ﴿وَاِمْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اُعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ﴾

стр. 6776

عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اِسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾. الإعراب: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: ألم أعهد إليكم بألا تعبدوا، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به. البلاغة: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ .. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ بينهما طباق السلب، أحدهما سلب والآخر إيجاب. ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ استفهام إنكاري للتوبيخ. ﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ بين المضي والرجوع طباق. المفردات اللغوية: ﴿وَامْتازُوا﴾ تميزوا وانفردوا عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم، أي ويقال للمجرمين: اعتزلوا في الآخرة عن الصالحين. ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ أوصي وآمر على لسان رسلي، والعهد: الوصية، وهذا من جملة ما يقال لهم تقريعا وإلزاما للحجة. ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ ألا تطيعوه، والمراد: عبادة غير الله من الآلهة الباطلة، مما زين به الشيطان وأمر به. ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بيّن العداوة. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ وحدوني وأطيعوني، أي ألم أعهد إليكم بترك عبادة الشيطان، وبعبادتي. ﴿هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي طريق معتدل قويم، وهو دين الإسلام. ﴿جِبِلاًّ﴾ خلقا وجمعا عظيما، جمع جبيل كقديم، وقرئ بضم الباء. ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ عداوة الشيطان وإضلاله لكم. ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في الدنيا على ألسنة الرسل. ﴿اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ادخلوها وقاسوا حرها بسبب كفركم بالله في الدنيا، وطاعتكم للشيطان، وعبادتكم للأوثان. ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ﴾ أي نمنعها من الكلام، والمراد أفواه الكفار. ﴿وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ وغيرها، بأن يخلق الله فيها القدرة على الكلام. ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي يقترفون، فكل عضو ينطق بما صدر منه، قال البيضاوي: أي بظهور آثار المعاصي عليها، ودلالتها على أفعالها، أو بإنطاق الله تعالى إياها. ﴿لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ﴾ أي أعميناهم، والطمس: إزالة

стр. 6777

الأثر بالمحو. ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ أي ابتدروا إلى الطريق المألوف لهم ليمصوا فيه. ﴿فَأَنّى يُبْصِرُونَ﴾ أي فكيف يبصرون الطريق والحق حينئذ؟ أي لا يبصرون. ﴿لَمَسَخْناهُمْ﴾ أي لو شئنا تغيير صورتهم إلى صورة أخرى قبيحة. ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ أي مكانهم، بحيث يجمدون فيه، وقرئ: مكاناتهم جمع مكانة، بمعنى مكان، أي في منازلهم. ﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا﴾ ذهابا. ﴿وَلا يَرْجِعُونَ﴾ أي ولا رجوعا، أي لم يقدروا على ذهاب ولا عودة. ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾ ومن نطل عمره. ﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ نغير خلقه ونقلبه فيه، ونجعله على عكس ما كان عليه أولا من القوة والطراوة، فيصبح بعد قوته وشبابه ضعيفا هرما. ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ؟﴾ أن من قدر على ذلك قدر على الطمس والمسخ والبعث، فيؤمنوا. المناسبة: بعد بيان حال المحسنين في الآخرة، أعقبه تعالى ببيان حال المجرمين في الدنيا والآخرة، ففي الآخرة يميزون عن المؤمنين، ويصلون نار جهنم خالدين فيها أبدا بسبب كفرهم واتباع وساوس الشيطان، وفي الدنيا لم يعاجلهم بالعقوبة رحمة منه، فلم يشأ أن يذهب أبصارهم، أو يمسخ صورهم ويجعلهم كالقردة والخنازير، وأعطاهم الفرصة الكافية من العمر في الدنيا ليتمكنوا من النظر والاهتداء، قبل أن يضعفوا ويعجزوا عن البحث والإدراك، وذلك تحذير واضح لهم. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن حال الكفار يوم القيامة بتمييزهم عن المؤمنين في موقفهم، فيقول: ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي يقال للمجرمين الكافرين في الآخرة: تميزوا في موقفكم عن المؤمنين، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً، ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا: مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ، فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس ٢٨/ ١٠] وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم ١٤/ ٣٠] ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم ٤٣/ ٣٠] أي يصيرون صدعين فرقتين.

стр. 6778

أو المراد: يمتاز المجرمون بعضهم عن بعض، فاليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة، والماديون والملحدون فرقة، وهكذا. ثم أبان الله تعالى سبب تمييزهم عن غيرهم، موبخا ومقرعا لهم على كفرهم، فقال: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أي ألم أوصكم وآمركم وأتقدم إليكم على لسان الرسل يا بني آدم ألا تطيعوا الشيطان فيما يوسوس به إليكم من معصيتي ومخالفة أمري، فإن الشيطان ظاهر العداوة لكم، بدءا من أبيكم آدم ﵇. وبعد النهي عن عبادة غير الله أمر تعالى بعبادته، فقال: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي وأن وحّدوني وأطيعوني فيما أمرتكم به، ونهيتكم عنه، وهذا المأمور به والمنهي عنه هو الطريق المعتدل القويم، وهو دين الإسلام. ثم أخبر الله تعالى عن مساعي الشيطان في إضلال السابقين، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً، أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾؟ أي لقد أغوى الشيطان خلقا كثيرا، وزين لهم فعل السيئات، وصدهم عن طاعة الله وتوحيده، أفلم تعقلوا عداوة الشيطان لكم، وتبتعدوا عن مثل ضلالات السابقين، حتى لا تعذبوا مثلهم. ثم بيّن الله تعالى مآل أهل الضلال قائلا لهم يوم القيامة تقريعا وتوبيخا: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي هذه النار التي وعدتم بها في الدنيا وحذرتكم منها على ألسنة الرسل فكذبتموهم، وقد برزت لهم لإرهابهم.

стр. 6779

﴿اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ادخلوها وذوقوا حرها اليوم، بسبب كفركم بالله في الدنيا، وتكذيبكم بها، وطاعتكم للشيطان، وعبادتكم للأوثان. وفي هذا الكلام إشارة إلى شدة ندامتهم وحسرتهم من وجوه ثلاثة (١): ١ - قوله تعالى: ﴿اِصْلَوْهَا﴾ وهو أمر تنكيل وإهانة، كقوله تعالى لفرعون: ﴿ذُقْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩/ ٤٤]. ٢ - قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ﴾ الذي يدل على أن العذاب حاضر، وأن لذاتهم قد مضت، وبقي العذاب اليوم. ٣ - قوله تعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ الذي ينبئ عن الكفر بنعمة عظيمة، وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام، كما قال بعضهم: أليس بكاف لذي نعمة... حياء المسيء من المحسن ثم أبان الله تعالى مدى مواجهتهم بالجرم الذي ارتكبوه دون أن يستطيعوا إنكاره، فقال: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ، وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ، وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي في هذا اليوم الرهيب، يختم الله على أفواه الكافرين والمنافقين ختما لا يقدرون معه على الكلام، ويستنطق جوارحهم بما عملت، فتنطق أيديهم وأرجلهم بما اقترفت، ليعلموا أن أعضاءهم التي كانت أعوانا لهم على المعاصي، صارت شهودا عليهم. وجعل الكلام للأيدي والشهادة للأرجل، لأن أكثر الأفعال تتم بمباشرة الأيدي، كما قال تعالى: ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس ٣٥/ ٣٦] وقال سبحانه: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥/ ٢] أي ولا تلقوا بأنفسكم،

стр. 6780

والشاهد على العمل ينبغي أن يكون غيره، فجعل الأرجل والجلود من جملة الشهود، لتعذر إضافة الأفعال إليها. روى مسلم والنسائي وابن أبي حاتم عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ص قال: «يقول العبد يوم القيامة: لا أجيز علي إلا شاهدا من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين شهودا، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بعمله، ثم يخلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكنّ وسحقا، فعنكنّ كنت أناضل». ثم أوضح الله تعالى بعض مظاهر قدرته عليهم من إذهاب البصر والمسخ وسلب الحركة، فقال: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ، فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ، فَأَنّى يُبْصِرُونَ؟﴾ أي ولو نريد لأذهبنا أعينهم وأعميناهم، فصاروا لا يبصرون طريق الهدى، فلو بادروا إلى الطريق المألوفة لهم ليسلكونها، لم يستطيعوا، وكيف يبصرون الطريق وقد ذهبت أبصارهم؟ ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ، فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا، وَلا يَرْجِعُونَ﴾ أي لو شئنا لبدّلنا خلقهم، وحولنا صورهم إلى صور أخرى أقبح منها كالقردة والخنازير، وهم في أمكنتهم ومواضعهم التي هم فيها يرتكبون السيئات، فلا يتمكنون من الذهاب والمضي أمامهم، ولا الرجوع وراءهم، بل يلزمون حالا واحدا، لا يتقدمون ولا يتأخرون. ثم حذرهم من تفويت فرصة الشباب والعمر، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ، أَفَلا يَعْقِلُونَ؟﴾ أي ومن نطل عمره، نرده إلى الضعف بعد القوة، والعجز بعد النشاط، أفلا يدركون ويتفكرون أنهم كلما تقدمت بهم السن، ضعفوا وعجزوا عن العمل؟ وأننا أعطيناهم الفرصة

стр. 6781

الكافية من العمر للبحث والنظر والتفكير الصحيح، فإذا طالت أعمارهم بعدئذ أكثر من ذلك، فلن يفيدهم طول العمر شيئا. وفي هذا قطع لأعذارهم بأنه لم تتوافر لديهم الفرصة المواتية للبحث والنظر. والآية مثل: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم ٥٤/ ٣٠]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يلي: ١ - إن سياسة العزل للمجرمين ستطبق في الآخرة بنحو تام وشامل، فيميز المجرمون عن المؤمنين، تحقيرا لهم، وإعدادا لسوقهم إلى نار جهنم، وذلك حين يؤمر بأهل الجنة إلى الجنة، فيقال لهم: اخرجوا من جملتهم. وقال الضحاك: يمتاز المجرمون بعضهم من بعض، فيمتاز اليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة. ٢ - يعاتب الكفار سلفا في الدنيا قبل أن يعاقبوا في الآخرة، فيقال لهم من جهة الحق: ألم أوصكم وأبلّغكم على ألسنة الرسل ألا تطيعوا الشيطان في معصيتي، وأن توحدوني وتعبدوني، فإن عبادتي دين قويم. ٣ - يؤكد تعالى تحذيره من الشيطان قائلا: لقد أغوى الشيطان بوساوسه خلقا كثيرا، أفلا تعتبرون بالآخرين، وألا تعقلون عداوته، وتعلموا أن الواجب طاعة الله تعالى. ٤ - وتقول خزنة جهنم للكفار: هذه جهنم التي وعدتم، فكذبتم بها. روي عن أبي هريرة أن رسول الله ص قال: «إذا كان يوم القيامة، جمع الله الإنس

стр. 6782

والجن والأوّلين والآخرين في صعيد واحد، ثم أشرف عنق من النار على الخلائق، فأحاط بهم، ثم ينادي مناد: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فحينئذ تجثو الأمم على ركبها، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ [الحج ٢/ ٢٢]، ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى، وَما هُمْ بِسُكارى، وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ٢/ ٢٢]». ٥ - إن أعضاء الإنسان التي كانت أعوانا في حق نفسه، صارت عليه شهودا في حق ربّه. والسبب في التعبير بكلام الأيدي وشهادة الأرجل أن اليد مباشرة للعمل، فتحتاج إلى شهادة غيرها. ومن وقائع الشهادة يوم القيامة أن المشركين قالوا كما حكى القرآن عنهم: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣/ ٦] فيختم الله على أفواههم، حتى تنطق جوارحهم. ٦ - لو شاء الله لأعمى الكفار عن الهدى، فلا يبصرون طريقا إلى منازلهم ولا غيرها، ولكنه لم يفعل رحمة بهم، وليتمكنوا من النظر الصحيح المؤدي إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له. ٧ - ولو شاء الله لبدل خلقة الكفار إلى ما هو أقبح منها جزاء على كفرهم، ولجعلهم حجرا أو جمادا أو بهيمة، كالقردة والخنازير، وحينئذ لا يستطيعون أن يمضوا أمامهم، ولا يرجعوا وراءهم، كما أن الجماد لا يتقدم ولا يتأخر، ولكنه تعالى أيضا لم يفعل، لرحمته الواسعة. ٨ - لا حاجة لإطالة أعمار الناس أكثر مما قدر تعالى لهم، لأنه كلما طال العمر ازداد الإنسان ضعفا. والمقصود بالآية ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ.﴾. الإخبار عن هذه الدار بأنها دار زوال وانتقال، لا دار دوام واستقرار، ولهذا قال تعالى في ختام الآية: ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أي يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم، ثم

стр. 6783

صيرورتهم إلى سن الشيبة، ثم إلى الشيخوخة، ليعلموا أنهم خلقوا لدار أخرى لا زوال لها، ولا انتقال عنها، ولا محيد عنها، وهي الدار الآخرة. ثم أفلا يعقلون أن من فعل هذا بهم قادر على بعثهم مرة أخرى؟! إثبات وجود الله ووحدانيته وبيان خواص الرسالة ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾ الإعراب: ﴿فَمِنْها رَكُوبُهُمْ﴾ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم، وقرئ: ركوبهم وركوبتهم، وهما ما يركب، كالحلوب والحلوبة. حذف التاء من الأول، كقولهم: امرأة صبور وشكور، وكلاهما بمعنى مفعول. البلاغة: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ بين الجملتين ما يسمى بالمقابلة، قابل بين الإنذار والإعذار، وبين المؤمنين والكفار. ﴿مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً﴾ استعارة تمثيلية، شبه قيامه بالخلق والتكوين بمن يعمل أمرا بيديه، ويتقنه بذاته، واستعار لفظ العمل للخلق. ﴿وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ﴾ بعد قوله: ﴿فَمِنْها رَكُوبُهُمْ﴾ عام بعد خاص، لتعظيم النعمة.

стр. 6784

﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ استفهام إنكاري للتقريع والتوبيخ. ﴿يُسِرُّونَ﴾ و ﴿يُعْلِنُونَ﴾ بينهما طباق. ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ تشبيه بليغ، أي كالجند في الخدمة والدفاع. المفردات اللغوية: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ رد لقول المشركين في مكة: إن محمدا شاعر، وما أتى به من القرآن شعر، أي ما علمناه الشعر، بتعليم القرآن، فإنه لا يماثله لفظا ولا معنى، لأنه غير موزون ولا مقفّى، والشعر: كلام موزون مقفّى. فالضمير في ﴿عَلَّمْناهُ﴾ للنبي ص. ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي ما يصح له الشعر، ولا يتأتى منه، ولا يسهل عليه لو طلبه. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ﴾ أي ما القرآن إلا عظة أو موعظة وإرشاد من الله. ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أي وكتاب سماوي مظهر للأحكام والشرائع وغيرها، يتلى في أثناء العبادة. ﴿لِيُنْذِرَ﴾ القرآن أو الرسول ص ﴿مَنْ كانَ حَيًّا﴾ عاقلا ما يخاطب به فهما، أو حيّ القلب، مستنير البصيرة. ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ يجب العذاب ويثبت. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾ الذين يصيرون إلى الكفر، وهم كالميتين لا يعقلون ما يخاطبون به. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعلموا، والاستفهام للتقرير، والواو الداخلة على ﴿لَمْ﴾ للعطف. ﴿أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ﴾ للناس. ﴿مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا﴾ مما تولينا إحداثه وعملناه وأبدعناه بلا شريك ولا معين ﴿أَنْعاماً﴾ هي الإبل والبقر والغنم، وخصها بالذكر لما فيها من بدائع الفطرة وكثرة المنافع. ﴿فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ متملكون، ضابطون قاهرون، يتصرفون بها كيف شاؤوا، ولو خلقناها وحشية لنفرت منهم، ولم يقدروا على ضبطها. ﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ سخرناها لهم، وجعلناها منقادة لهم. ﴿فَمِنْها رَكُوبُهُمْ﴾ مركوبهم. ﴿وَمِنْها يَأْكُلُونَ﴾ ما يأكلون لحمه. ﴿وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ كأصوافها وأوبارها وأشعارها. ﴿وَمَشارِبُ﴾ من لبنها، جمع مشرب بمعنى الموضع، أو المصدر. ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ المنعم بها عليهم فيؤمنوا، إذ لولا خلقه لها وتذليله إياها لما حصّلوا هذه المنافع المهمة. ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً﴾ من الأصنام ونحوها يعبدونها، ولا قدرة لها على شيء، ولا فائدة منها. ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ رجاء أن ينصروهم في وقت الأزمات والشدائد. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ أي لا تستطيع آلهتهم مناصرتهم في شيء ما، وقد نزلوا منزلة العقلاء. ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ أي وهم لآلهتهم من الأصنام جنود يذودون عنهم، ثم هم محضرون في النار معهم. ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ فلا يهمّك قولهم في الله بالإلحاد والشرك، وفيك بالتكذيب، قائلين

стр. 6785

لك: لست مرسلا. ﴿إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ نعلم السر والجهر، فنجازيهم عليه، وهو تعليل النهي على الاستئناف. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أصلين من أصول الدين الثلاثة، وهما الوحدانية في قوله: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ والبعث أو الحشر في قوله: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ﴾ .. ﴿اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾ ذكر الأصل الثالث وهو الرسالة في الآيتين الأوليين: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ..﴾. الآية. ثم إنه تعالى أعاد الكلام على الوحدانية وأقام الأدلة الدالة عليها في بقية هذه الآيات. التفسير والبيان: ينفي الحق ﵎ صفة الشعر عن القرآن، وخاصية الشاعرية عن الرسول ص، فيقول: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي ليس النبي شاعرا، وما يصح له الشعر، ولا يتأتى منه ولا يسهل عليه لو طلبه، فليس هو في طبعه، ولا يحبه، وقد جعله الله أميا لا يقرأ ولا يكتب، وإنما علمه الله قرآنا هو أسمى من الشعر، ونوع آخر غير الشعر. والشعر: كلام عربي له وزن خاص، ينتهي كل بيت منه بحرف خاص يسمى قافية، ولا بد في القصيدة من وحدة القافية، أي الحرف الأخير من كل بيت. ويعتمد الشعر على الخيال الخصب، والتصوير الرائع، والعاطفة المشبوبة، ولا يتبع الشاعر فيه ما يمليه العقل والمنطق، ولا يتحرى الصدق والدقة في إرسال أوصاف المديح والهجاء والرثاء والغزل وغير ذلك، ويبالغ الشاعر في التصوير والوصف، وما همّه إلا انتزاع الإعجاب من السامعين بقوله، لذا وصف

стр. 6786

تعالى الشعراء بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء ٢٢٥/ ٢٦ - ٢٢٦] وقال العرب: أعذب الشعر أكذبه قال أبو حيان: والشعر: إنما هو كلام موزون مقفّى، يدل على معنى تنتخبه الشعراء من كثرة التخييل وتزويق الكلام وغير ذلك، مما يتورع المتدين عن إنشاده، فضلا عن إنشائه (١). أما القرآن الكريم فخبره صدق، وكلامه عظة واقعية، ومنهجه التشريع الذي يسعد البشر، وقصده الترغيب في فضائل الأعمال وغرر الخصال والأخلاق، والترهيب من الانحراف والرذيلة، وتقرير أحكام العبادة الصحيحة والمعاملة الرشيدة. فالآية دلت على نفي كون القرآن شعرا في قوله تعالى: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾، ونفي كون النبي شاعرا في قوله تعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ وإنما علّمه الله القرآن الذي يمتاز بخاصيّة معينة تختلف عن الشعر المعروف وعن النثر المألوف. وهي رد قاطع على قول العرب أهل مكة: إن القرآن شعر أو سحر أو من عمل الكهان، وإن محمدا شاعر، قاصدين بذلك إبطال صفة الوحي به من عند الله، وتكذيب خاصيّة الرسالة. وأما ما ورد على لسان الرسول ص من أقوال موزونة، فهو مجرد سليقة اتفاقية من غير تكلف ولا صنعة ولا قصد، مثل قوله يوم حنين وهو راكب البغلة البيضاء يقدم بها في نحور العدو: أنا النبي لا كذب... أنا ابن عبد المطلب

стр. 6787

وقوله ص حينما نكبت أصبعه في غار: إن أنت إلا أصبع دميت... وفي سبيل الله ما لقيت بل إن الخليل بن أحمد الفراهيدي ما عدّ المشطور من الرجز شعرا. ولكنه ص كان يتمثل أحيانا ببعض الأشعار لشعراء العرب، مثل تمثله ببيت طرفة بن العبد في معلّقته المشهورة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا... ويأتيك بالأخبار من لم تزود وقد صح فيما رواه ابن أبي حاتم وابن جرير عن عائشة ﵂ أنه كان يقول: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا... ويأتيك من لم تزود بالأخبار فقال أبو بكر ﵁: ليس هذا هكذا، فقال ص: «إني لست بشاعر ولا ينبغي لي». وروى ابن سعد وابن أبي حاتم عن الحسن: «أنه ص كان يتمثل بهذا البيت هكذا: كفى بالإسلام والشيب ناهيا للمرء، والرواية: كفى الشيب والإسلام للمرء. ناهيا، فقال أبو بكر: أشهد إنك رسول الله، ما علمك الشعر، وما ينبغي لك». وثبت في الصحيح أنه ص تمثّل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة ﵁، ولكن تبعًا لقول أصحابه الذين كانوا يرتجزون، وهم يحفرون ويقولون: اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا.... ولا تصدقنا ولا صلينا... فأنزل سكينة علينا

стр. 6788

وثبت الأقدام إن لاقينا... إن رأينا الأولى قد بغوا علينا... إذا أرادوا فتنةً أبينا ويرفع ﷺ صوته بقوله: أبينا، ويمدّها. وعدم تعليمه الشعر، لأن الله إنما علّمه القرآن العظيم الذى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت ٤٢/ ٤١]. والقرآن ليس بشعر ولا تخيلات، ولا كهانة، ولا مفتعل، ولا سحر يؤثر، وإنما هو دستور للحياة الإسلامية، ومواعظ وإرشادات، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أي ما القرآن إلا ذكر من الأذكار، وموعظة من المواعظ، وكتاب سماوي واضح ظاهر جلي لمن تأمله وتدبره، يتلى في المعابد، ويسترشد في كل شؤون الحياة. لذا قال تعالى محدّدا مهمة القرآن ومهمة رسول الله ص: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ أي لينذر هذا القرآن المبين كل حي على وجه الأرض، كقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩/ ٦] ولكن إنما ينتفع بنذارته من هو حيّ القلب، مستنير البصيرة، ولكي تثبت به وتجب كلمة العذاب على الكافرين، الممتنعين من الإيمان به، وهذا في مقابلة صفة المؤمنين وهم أحياء القلوب، أما الكافرون فهم لكفرهم وسقوط حجتهم وعدم تأملهم أشبه بالأموات في الحقيقة، لعدم تأثرهم بعظات القرآن، وانعدام يقظتهم لاتباع الحق والهدى. والخلاصة: أن الآية دالة على أن القرآن رحمة للمؤمنين، وحجة على الكافرين. ثم أعاد تعالى الكلام في الوحدانية وأتى ببعض أدلتها، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ أي أو لم

стр. 6789

يشاهد هؤلاء المشركون بالله عبدة الأصنام وغيرهم أن الله خلق لهم هذه الأنعام (وهي الإبل والبقر والغنم) التي سخرها لهم، وأوجدها من أجلهم من غير وساطة ولا شريك، وجعلهم مالكين لها، يقهرونها ويضبطونها ويتصرفون بها كيف شاؤوا، وهي ذليلة لهم، لا تمتنع منهم، ولو شاء لجعلها مستعصية عليهم، مستوحشة نافرة منهم، فلا يستفيدون منها، فترى الولد الصغير يقود البعير الكبير، بل ولو كان القطار مائة بعير أو أكثر. ثم أبان الله تعالى منافعها الملموسة، فقال: ﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ، فَمِنْها رَكُوبُهُمْ، وَمِنْها يَأْكُلُونَ﴾ أي وجعلناها لهم مسخّرة مذللة منقادة لهم، لا تمتنع مما يريدون منها، حتى الذبح، فمنها مركوبهم الذي يركبونه في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال، ومنها ما يأكلون من لحمها. ﴿وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ، أَفَلا يَشْكُرُونَ؟﴾ أي ولهم فيها منافع أخرى غير الركوب والأكل منها، كالاستفادة من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين، وهي لهم مشارب أي يشربون من ألبانها، أفلا يشكرون خالق ذلك ومسخره وموجد هذه النعم لهم، بعبادته وطاعته، وترك الإشراك به غيره. وهذا حثّ صريح على شكر الخالق المنعم بعبادته وطاعته، وهو أبسط ما يوجبه الوفاء، وتقدير المعروف والإحسان. ولكن الكفار تنكروا لهذا الواجب، وكفروا بأنعم الله، واستمروا في ضلالهم وتركوا عبادة الله، وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع، وتوقعوا منه النصرة، فقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً، لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي واتخذ هؤلاء المشركون

стр. 6790

الأصنام ونحوها آلهة يعبدونها من دون الله، يبتغون بذلك أن تنصرهم وترزقهم وتقربهم إلى الله زلفى. ولكنها في الواقع لا تقدر على شيء، ولا تحقق فائدة لعبادها، لذا قال تعالى مبينا خيبة أملهم: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ، وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ أي لا تقدر هذه الآلهة على نصر عابديها، بل هي أضعف من ذلك وأذل وأحقر، بل لا تقدر على نصرة أنفسها، ولا على الانتقام ممن أساء إليها، لأنها جماد لا تسمع ولا تعقل، لذا كان الثابت بطلان ما رجوه منها، وأمّلوه من نفعها. والكفار المشركون جند طائعون للأصنام، يغضبون لها في الدنيا، وهي لا تستطيع نصرهم، ولا تقدم لهم خيرا، ولا تدفع عنهم شرا، إنما هي أصنام. وقوله: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ أي يخدمونهم، ويدفعون عنهم، ويغضبون لهم، وليس للآلهة استطاعة على شيء، ولا قدرة على النصر. أو إنهم يوم القيامة محضرون لعذابهم، لأنهم يجعلونهم وقودا للنار. ثم سلّى الله رسوله عما يلقاه من أذى المشركين، فقال: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ، إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ أي فلا يهمنك تكذيبهم لك وكفرهم بالله، وأذاهم، وجفاؤهم، وقولهم: هؤلاء آلهتنا، وأنها شركاء لله في المعبودية، أو قولهم لرسول الله ص: أنت شاعر، أو ساحر، أو كاهن ونحو ذلك. فإنا نحن نعلم جميع ما هم فيه، نعلم سرهم وجهرهم، ونعلم ما يسرون لك من العداوة، وإنا مجازوهم بذلك، ومعاقبوهم عليه.

стр. 6791

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: ١ - ليس القرآن شعرا، ولا محمّد ص شاعرا، فلا يقول الشعر ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلا به، كسر وزنه، وإنما كان همّه فقط الإفادة من المعاني. ٢ - إن إصابة النبي ص الوزن أحيانا لا يوجب أنه يعلم الشعر، فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن، وليس ذلك شعرا ولا في معناه، كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ٩٢/ ٣] وقوله: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف ١٣/ ٦١] وقوله: ﴿وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤] وقوله: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩/ ١٨] إلى غير ذلك من الآيات. ٣ - روى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن إنشاد الشعر، فقال: لا تكثرن منه، فمن عيبه أن الله يقول: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ، وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾. ٤ - ما ينبغي ولا يصح للنبي ص أن يقول الشعر، وذلك من أعلام النبوة، ولا اعتراض لملحد على هذا بما يتفق الوزن فيه من القرآن وكلام الرسول ص، لأن ما وافق وزنه وزن الشعر، ولم يقصد به إلى الشعر، ليس بشعر، ولو كان شعرا لكان كل من نطق بموزون من العامة الذين لا يعرفون الوزن شاعرا. ٥ - إن الذي يتلوه النبي ص على الناس هو ذكر من الأذكار، وعظة من المواعظ، وقرآن بيّن واضح مشتمل على الآداب والأخلاق، والحكم والأحكام، والتشريع المحقق لسعادة البشر.

стр. 6792

٦ - إن الغرض من إنزال القرآن إنذار من كان حيّ القلب، مستنير البصيرة، وإيجاب الحجة بالقرآن على الكفرة. ٧ - من أدلة وجود الله ووحدانيته: خلق الإنسان والحيوان والنبات، فإنه سبحانه خلق كل ذلك، وأبدعه، وعمله من غير واسطة ولا وكالة ولا شركة. ومن فضله ونعمته على الناس تذليل الأنعام لهم، وتسخيرها لمنافعهم في الركوب، وأكل اللحوم وشرب الحليب والألبان، وصنع الأسمان، حتى إن الصبي يقود الجمل العظيم ويضربه ويوجهه كيف شاء، وهو له طائع. وهذا كله وغيره يوجب شكر الخالق المنعم وهو الله على نعمه، بعبادته وطاعته وإخلاص ذلك له. ٨ - بالرغم من وجود الآيات الدالة على قدرة الله، اتخذ الكفار المشركون من دون الله آلهة، لا قدرة لها على فعل، طمعا في نصرتها وأملا في مساعدتها لهم إن نزل بهم عذاب. والحقيقة أن تلك الآلهة المزعومة لا تستطيع نصر عابديها، ولا جلب الخير لهم، ولا دفع الشر والضر عنهم، ومع ذلك فإن الكفار جند طائعون لهذه الآلهة، يمنعون عنهم ويدفعون عنهم، ويغضبون لهم في الدنيا، فهم لها بمنزلة الجند والحرس، وهي لا تستطيع أن تنصرهم. وقيل: إن الآلهة جند للعابدين يوم القيامة، محضرون معهم في النار، فلا يدفع بعضهم عن بعض. وفي الخبر: إنه يمثّل لكل قوم ما كانوا يعبدونه في الدنيا من دون الله، فيتبعونه إلى النار، فهم لهم جند محضرون. وهذا المعنى ثبت في صحيح مسلم وكذا في جامع الترمذي عن أبي هريرة أن النبي ص قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطّلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا ليتبع كل إنسان ما كان يعبد،

стр. 6793

فيمثّل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون». ٩ - سلا الله نبيه ص، فقال له: لا يحزنك قولهم: شاعر، ساحر، روي أن القائل عقبة بن أبي معيط، فنفى الله ذلك عن رسوله. ١٠ - إن الله تعالى عليم مطلع على ما يسرّ الكافرون ويظهرون من القول والعمل، فيجازيهم بذلك يوم القيامة. إثبات البعث ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ الإعراب: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ﴾ الهمزة للإنكار مع إفادة التعجب، والواو للعطف على مقدر، أي ألم يتفكر الإنسان ويعلم. البلاغة: ﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ من صيغ المبالغة.

стр. 6794

﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ استعارة تمثيلية، شبه سرعة إنجازه الأشياء بأمر المطاع من غير امتناع ولا تأخير. ﴿مَلَكُوتُ﴾ صيغة مبالغة من الملك، أي الملك الواسع التام كالجبروت والرحموت للمبالغة. المفردات اللغوية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ أو لم يعلم. ﴿الْإِنْسانُ﴾ أي إنسان، ويشمل من كان سبب النزول، وهو العاص بن وائل السهمي وأبي بن خلف. ﴿أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أنا خلقناه من أضعف الأشياء، والنطفة: الذرة من مادة الحياة وهي المني. ﴿فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ الخصيم: الشديد الخصومة لنا، المبالغ في الجدل إلى أقصى الغاية، والمبين: البيّن في نفي البعث. ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً﴾ أي أورد في شأننا قصة غريبة هي في غرابتها كالمثل، إذ أنكر إحياءنا للعظام النخرة، ونفى القدرة على إحياء الموتى، مقارنا ذلك بما عجز عنه، وقائسا قدرة الله على قدرة العبد. ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ نسي خلقنا إياه، من المني، وهو أغرب من مثله. ﴿قالَ: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ الرميم: البالية أي ما بلي من العظام، ولم يقل: رميمة لأنه اسم لا صفة، روي أن العاصي بن وائل أو أمية بن خلف أو أبي بن خلف (١) أخذ عظما رميما، ففتته، وقال للنبي ص: أترى يحيي الله هذا بعد ما بلي ورمّ؟ فقال ص: «نعم، ويدخلك النار» وفيه دليل على أن العظم ذو حياة، فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء. ﴿قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي فإن قدرته كما كانت، لامتناع التغير فيه، والمادة على حالها في القابلية اللازمة لذاتها. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أي وهو بكل مخلوق عليم جملة وتفصيلا، قبل خلقه وبعد خلقه، يعلم تفاصيل المخلوقات وأجزاء الأشخاص المتفتتة، ومواقعها وطريق تمييزها، وضمّ بعضها إلى بعض على النمط السابق. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً﴾ أي أن الله يسرّ لكم الانتفاع بالحطب، تحرقونه للطبخ والدفء، وقد كان أخضر رطبا، أو أن هناك شجرا يسمى المرخ، وشجرا آخر يسمى العفار، إذا قطع منهما عودان، وضرب أحدهما على الآخر، انقدحت منهما النار، وهما أخضران، وفي أمثال العرب: «في كل شيء نار، واستمجد المرخ والعفار»، ﴿فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾

стр. 6795

تقدحون منه النار، وتوقدونها من ذلك الشجر، بعد أن كان أخضر. وهذا دالّ على القدرة على البعث، فإنه تعالى جمع فيه بين الماء والنار والخشب، فلا الماء يطفئ النار، ولا النار تحرق الخشب. وإبراز الشيء من ضدّه: وهو اقتداح النار من الشيء الأخضر أبدع شيء، وهو دالّ على قدرة الله تعالى. ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي إن من قدر على خلق السموات والأرض، وهما في غاية العظم، يقدر على إعادة خلق البشر الذي هو صغير ضعيف ﴿بَلى﴾ أي هو قادر على ذلك، وبلى كلمة جواب كنعم، تأتي بعد كلام منفي، وكان الجواب من الله للدلالة على أنه لا جواب سواه. ﴿وَهُوَ الْخَلاّقُ﴾ الكثير الخلق ﴿الْعَلِيمُ﴾ الواسع العلم بكل شيء، فهو كثير المخلوقات والمعلومات. ﴿إِنَّما أَمْرُهُ﴾ شأنه في الإيجاد. ﴿إِذا أَرادَ شَيْئاً﴾ خلق شيء. ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي فهو يكون، أي يحدث، وهو تمثيل لتأثير قدرته في مراده من غير تأخر وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة، قطعا للشبهة في قياس قدرة الله تعالى على قدرة الخلق، ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ.﴾. أي تنزيه عما ضربوا له من المثل، وتعجيب مما قالوا فيه، ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الملك التام والقدرة، كالرحموت والرهبوت والجبروت، زيدت الواو والتاء للمبالغة ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تردون في الآخرة. سبب النزول: أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: جاء العاص بن وائل إلى رسول الله ص بعظم حائل، ففتّه، فقال: يا محمد: أيبعث هذا بعد ما أرمّ؟ قال: نعم، يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم، فنزلت الآيات: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى آخر السورة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير وقتادة والسّدّي نحوه، وسمّوا الإنسان أبي بن خلف. وهذا هو الأصح كما قال أبو حيان، لما رواه ابن وهب عن مالك. وبناء عليه، قال المفسّرون: إن أبي بن خلف الجمحي جاء إلى
следующие страницы →