← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: ١ - ليس القرآن شعرا، ولا محمّد ص شاعرا، فلا يقول الشعر ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلا به، كسر وزنه، وإنما كان همّه فقط الإفادة من المعاني. ٢ - إن إصابة النبي ص الوزن أحيانا لا يوجب أنه يعلم الشعر، فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن، وليس ذلك شعرا ولا في معناه، كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ٩٢/ ٣] وقوله: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف ١٣/ ٦١] وقوله: ﴿وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤] وقوله: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩/ ١٨] إلى غير ذلك من الآيات. ٣ - روى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن إنشاد الشعر، فقال: لا تكثرن منه، فمن عيبه أن الله يقول: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ، وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾. ٤ - ما ينبغي ولا يصح للنبي ص أن يقول الشعر، وذلك من أعلام النبوة، ولا اعتراض لملحد على هذا بما يتفق الوزن فيه من القرآن وكلام الرسول ص، لأن ما وافق وزنه وزن الشعر، ولم يقصد به إلى الشعر، ليس بشعر، ولو كان شعرا لكان كل من نطق بموزون من العامة الذين لا يعرفون الوزن شاعرا. ٥ - إن الذي يتلوه النبي ص على الناس هو ذكر من الأذكار، وعظة من المواعظ، وقرآن بيّن واضح مشتمل على الآداب والأخلاق، والحكم والأحكام، والتشريع المحقق لسعادة البشر.

стр. 6792

٦ - إن الغرض من إنزال القرآن إنذار من كان حيّ القلب، مستنير البصيرة، وإيجاب الحجة بالقرآن على الكفرة. ٧ - من أدلة وجود الله ووحدانيته: خلق الإنسان والحيوان والنبات، فإنه سبحانه خلق كل ذلك، وأبدعه، وعمله من غير واسطة ولا وكالة ولا شركة. ومن فضله ونعمته على الناس تذليل الأنعام لهم، وتسخيرها لمنافعهم في الركوب، وأكل اللحوم وشرب الحليب والألبان، وصنع الأسمان، حتى إن الصبي يقود الجمل العظيم ويضربه ويوجهه كيف شاء، وهو له طائع. وهذا كله وغيره يوجب شكر الخالق المنعم وهو الله على نعمه، بعبادته وطاعته وإخلاص ذلك له. ٨ - بالرغم من وجود الآيات الدالة على قدرة الله، اتخذ الكفار المشركون من دون الله آلهة، لا قدرة لها على فعل، طمعا في نصرتها وأملا في مساعدتها لهم إن نزل بهم عذاب. والحقيقة أن تلك الآلهة المزعومة لا تستطيع نصر عابديها، ولا جلب الخير لهم، ولا دفع الشر والضر عنهم، ومع ذلك فإن الكفار جند طائعون لهذه الآلهة، يمنعون عنهم ويدفعون عنهم، ويغضبون لهم في الدنيا، فهم لها بمنزلة الجند والحرس، وهي لا تستطيع أن تنصرهم. وقيل: إن الآلهة جند للعابدين يوم القيامة، محضرون معهم في النار، فلا يدفع بعضهم عن بعض. وفي الخبر: إنه يمثّل لكل قوم ما كانوا يعبدونه في الدنيا من دون الله، فيتبعونه إلى النار، فهم لهم جند محضرون. وهذا المعنى ثبت في صحيح مسلم وكذا في جامع الترمذي عن أبي هريرة أن النبي ص قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطّلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا ليتبع كل إنسان ما كان يعبد،

стр. 6793

فيمثّل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون». ٩ - سلا الله نبيه ص، فقال له: لا يحزنك قولهم: شاعر، ساحر، روي أن القائل عقبة بن أبي معيط، فنفى الله ذلك عن رسوله. ١٠ - إن الله تعالى عليم مطلع على ما يسرّ الكافرون ويظهرون من القول والعمل، فيجازيهم بذلك يوم القيامة. إثبات البعث ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ الإعراب: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ﴾ الهمزة للإنكار مع إفادة التعجب، والواو للعطف على مقدر، أي ألم يتفكر الإنسان ويعلم. البلاغة: ﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ من صيغ المبالغة.

стр. 6794

﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ استعارة تمثيلية، شبه سرعة إنجازه الأشياء بأمر المطاع من غير امتناع ولا تأخير. ﴿مَلَكُوتُ﴾ صيغة مبالغة من الملك، أي الملك الواسع التام كالجبروت والرحموت للمبالغة. المفردات اللغوية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ أو لم يعلم. ﴿الْإِنْسانُ﴾ أي إنسان، ويشمل من كان سبب النزول، وهو العاص بن وائل السهمي وأبي بن خلف. ﴿أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أنا خلقناه من أضعف الأشياء، والنطفة: الذرة من مادة الحياة وهي المني. ﴿فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ الخصيم: الشديد الخصومة لنا، المبالغ في الجدل إلى أقصى الغاية، والمبين: البيّن في نفي البعث. ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً﴾ أي أورد في شأننا قصة غريبة هي في غرابتها كالمثل، إذ أنكر إحياءنا للعظام النخرة، ونفى القدرة على إحياء الموتى، مقارنا ذلك بما عجز عنه، وقائسا قدرة الله على قدرة العبد. ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ نسي خلقنا إياه، من المني، وهو أغرب من مثله. ﴿قالَ: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ الرميم: البالية أي ما بلي من العظام، ولم يقل: رميمة لأنه اسم لا صفة، روي أن العاصي بن وائل أو أمية بن خلف أو أبي بن خلف (١) أخذ عظما رميما، ففتته، وقال للنبي ص: أترى يحيي الله هذا بعد ما بلي ورمّ؟ فقال ص: «نعم، ويدخلك النار» وفيه دليل على أن العظم ذو حياة، فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء. ﴿قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي فإن قدرته كما كانت، لامتناع التغير فيه، والمادة على حالها في القابلية اللازمة لذاتها. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أي وهو بكل مخلوق عليم جملة وتفصيلا، قبل خلقه وبعد خلقه، يعلم تفاصيل المخلوقات وأجزاء الأشخاص المتفتتة، ومواقعها وطريق تمييزها، وضمّ بعضها إلى بعض على النمط السابق. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً﴾ أي أن الله يسرّ لكم الانتفاع بالحطب، تحرقونه للطبخ والدفء، وقد كان أخضر رطبا، أو أن هناك شجرا يسمى المرخ، وشجرا آخر يسمى العفار، إذا قطع منهما عودان، وضرب أحدهما على الآخر، انقدحت منهما النار، وهما أخضران، وفي أمثال العرب: «في كل شيء نار، واستمجد المرخ والعفار»، ﴿فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾

стр. 6795

تقدحون منه النار، وتوقدونها من ذلك الشجر، بعد أن كان أخضر. وهذا دالّ على القدرة على البعث، فإنه تعالى جمع فيه بين الماء والنار والخشب، فلا الماء يطفئ النار، ولا النار تحرق الخشب. وإبراز الشيء من ضدّه: وهو اقتداح النار من الشيء الأخضر أبدع شيء، وهو دالّ على قدرة الله تعالى. ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي إن من قدر على خلق السموات والأرض، وهما في غاية العظم، يقدر على إعادة خلق البشر الذي هو صغير ضعيف ﴿بَلى﴾ أي هو قادر على ذلك، وبلى كلمة جواب كنعم، تأتي بعد كلام منفي، وكان الجواب من الله للدلالة على أنه لا جواب سواه. ﴿وَهُوَ الْخَلاّقُ﴾ الكثير الخلق ﴿الْعَلِيمُ﴾ الواسع العلم بكل شيء، فهو كثير المخلوقات والمعلومات. ﴿إِنَّما أَمْرُهُ﴾ شأنه في الإيجاد. ﴿إِذا أَرادَ شَيْئاً﴾ خلق شيء. ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي فهو يكون، أي يحدث، وهو تمثيل لتأثير قدرته في مراده من غير تأخر وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة، قطعا للشبهة في قياس قدرة الله تعالى على قدرة الخلق، ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ.﴾. أي تنزيه عما ضربوا له من المثل، وتعجيب مما قالوا فيه، ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الملك التام والقدرة، كالرحموت والرهبوت والجبروت، زيدت الواو والتاء للمبالغة ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تردون في الآخرة. سبب النزول: أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: جاء العاص بن وائل إلى رسول الله ص بعظم حائل، ففتّه، فقال: يا محمد: أيبعث هذا بعد ما أرمّ؟ قال: نعم، يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم، فنزلت الآيات: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى آخر السورة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير وقتادة والسّدّي نحوه، وسمّوا الإنسان أبي بن خلف. وهذا هو الأصح كما قال أبو حيان، لما رواه ابن وهب عن مالك. وبناء عليه، قال المفسّرون: إن أبي بن خلف الجمحي جاء إلى

стр. 6796

رسول الله ص بعظم حائل، ففتته بين يديه، وقال: يا محمد، يبعث الله هذا بعد ما أرمّ؟ فقال: نعم، يبعث الله هذا، ويميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم، فنزلت هذه الآيات. وعلى أي حال، يقول علماء أصول الفقه: إن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ [المجادلة ١/ ٥٨] نزلت في امرأة واحدة، وأراد الكل في الحكم، فكذلك كل إنسان ينكر الله أو الحشر، فهذه الآية ردّ عليه، فتكون الآية عامة. المناسبة: بعد بيان الأدلة الدّالة على قدرة الله ، ووجوب طاعته وعبادته، وبطلان الشرك به، ذكر تعالى شبهة منكري البعث، وأجاب عنها بأجوبة ثلاثة: هي أن الإعادة مثل البدء بل أهون، وقدرة الله على إيجاد النار من الشجر الأخضر، وخلق ما هو أعظم من الإنسان، وهو خلق السموات والأرض، وفي النهاية: فورية تكوين الأشياء بقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. التفسير والبيان: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ، فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ألم يعلم كل إنسان أننا بدأنا خلقه من نطفة (مني) من ماء مهين، هي أضعف الأشياء، ثم جعلناه بشرا سويّا، ثم تراه يفاجئنا بأنه ناطق مجادل بيّن جريء في جدله، فقوله ﴿خَصِيمٌ﴾ ناطق، و ﴿مُبِينٌ﴾ إشارة إلى قوة عقله. والمراد: أو لم يستدلّ من أنكر البعث بالبدء على الإعادة، فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، فخلقه من شيء ضعيف حقير، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ، فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ، إِلى قَدَرٍ

стр. 6797

مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات ٢٠/ ٧٧ - ٢٢]، وقال سبحانه: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ﴾ [الإنسان ٢/ ٧٦] أي من نطفة من أخلاط متفرقة. فشأن هذا المخلوق أن يشكر النعمة، لا أن يطغى ويتجبر، وينكر البعث والإعادة. ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ، قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟﴾ أي وذكر أمرا عجيبا كالمثل في الغرابة على استبعاد إعادة الله ذي القدرة العظيمة للأجساد والعظام الرميمة، ونسي نفسه، وأن الله تعالى خلقه من العدم إلى الوجود، فأنكر أن الله يحيي العظام البالية، قائسا قدرة الله على قدرة العبد، حيث لم يكن ذلك في مقدور البشر. فأجابه الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أي قل أيها الرسول لهذا المشرك المنكر البعث: يحيي الله تلك العظام البالية الذي أبدع خلقها وأوجدها في المرة الأولى من غير شيء من العدم ولم يكن شيئا مذكورا، وهو لا تخفى عليه خافية من الأشياء، سواء أكانت مجموعة أم مجزأة مشتتة في أنحاء الأرض، ولا يخرج عن علمه أي شيء كائنا ما كان، ولو في أعماق الأرض أو البحر أو أجواف الإنسان أو الحيوان أو اختلط بالتراب والنبات. وقد قال العلماء: إن الذرّة لا تفنى، وتقرر نظرية (لافوازيه) المعروفة: أنه لا يوجد شيء من العدم، والموجود لا ينعدم. ودليل ثان هو: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً، فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ أي وهو الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء، حتى صار خضرا نضرا ذا ثمر يانع، ثم أعاده إلى أن صار حطبا يابسا توقد به النار، ومن قدر على ذلك، فهو قادر على

стр. 6798

ما يريد، لا يمنعه شيء، فهذا التحوّل والتقلّب من عنصر الرطوبة إلى عنصر الحرارة، يدل على إمكان إعادة الرطوبة إلى ما كان يابسا باليا. والمشاهد أن شجر السّنط يوقد به النار وهو أخضر. وقيل: المراد بذلك شجر المرخ والعفار ينبت في أرض الحجاز، فيأتي من أراد قدح نار، وليس معه زناد، فيأخذ عودين أخضرين منهما، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد تماما. ومثل ذلك احتكاك السّحب المولّد لشرارة البرق. ودليل ثالث أعجب مما سبق: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى، وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ أي إن من خلق السّموات السّبع بما فيها من الكواكب السّيارة والثّوابت، والأرضين السّبع بما فيها من جبال ورمال وبحار وقفار، وهي أعظم من خلق الإنسان، إن من خلق ذلك قادر على خلق مثل البشر وإعادة الأجسام، وهي أصغر وأضعف من السّموات والأرض، بلى هو قادر على ذلك، وهو الكثير الخلق، الواسع العلم، فقوله ﴿الْخَلاّقُ﴾ إشارة إلى كمال القدرة، وقوله ﴿الْعَلِيمُ﴾ إشارة إلى شمول العلم. والخلاصة: أن خلق الأشياء العظيمة برهان قاطع على خلق ما دونها، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر ٥٧/ ٤٠]، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى؟ بَلى، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف ٣٣/ ٤٦]. وتأكيدا للبيان ونتيجة لما سبق، قال تعالى:

стр. 6799

﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي إنما شأنه سبحانه في إيجاد الأشياء وإرادتها أن يقول للشيء: ﴿كُنْ﴾ فإذا هو كائن فورا، من غير توقّف على شيء آخر أصلا. ومقتضى ثبوت القدرة التامة لله تعالى: تنزيهه عما وصفوه به، فقال: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي تنزّه الله عما لا يليق به من السوء أو النقص، فهو الذي له ملكية الأشياء كلها، وله القدرة الكاملة على التّصرف فيها كما يريد، وبيده مفاتح كلّ شيء، وإليه لا إلى غيره مرجع العباد بعد البعث في الدار الآخرة، فيجازي كل إنسان بما عمل، فليعبده الناس جميعا وليوحّدوه ويطيعوه، تحقيقا لمصلحتهم. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - عجبا لأمر الإنسان، سواء العاص بن وائل السّهمي، أو أبيّ بن خلف الجمحي (وهو الأصح) أو أمية بن خلف أو غيرهم، كيف خلقه الله من يسير الماء، وأضعف الأشياء، ثم يصبح مخاصما ربّه، مجادلا في الخصومة، مبيّنا للحجة، أي أنه صار بعد أن لم يكن شيئا مذكورا خصيما مبينا. قال أبو حيان: قبّح تعالى إنكار الكفرة البعث حيث قرر أن عنصره الذي خلق منه هو نطفة ماء مهين خارج من مخرج النجاسة، أفضى به مهانة أصله أن يخاصم الباري تعالى، ويقول: من يحيي الميت بعد ما رمّ مع علمه أنه منشأ من موات. ٢ - لقد نسي هذا الإنسان الضعيف المخلوق أن الله أنشأه من نطفة، ثم جعله إنسانا حيّا سويا، فهذا دليل حاضر من نفسه على إمكان البعث، وقد احتج الله على منكري البعث بالنشأة الأولى، فكيف يقول الإنسان: من يحيي هذه العظام البالية؟!

стр. 6800

والجواب: أنّ النّشأة الثانية مثل النّشأة الأولى، فمن قدر على النّشأة الأولى قدر على النّشأة الثانية، وأن الله عالم بكلّ الأشياء، سواء الأجسام العظام أو الذّرات الصغار. ٣ - في قوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ دليل على أن في العظام حياة، وأنها تنجس بالموت، وهو قول أبي حنيفة، وقال الشافعي: لا حياة فيها. ٤ - من أدلة وحدانيته تعالى وكمال قدرته على إحياء الموتى: ما يشاهده الناس من إخراج المحروق اليابس من العود الندي الطري، فإن الشجر الأخضر من الماء، والماء بارد رطب ضدّ النار، وهما لا يجتمعان، فأخرج الله منه النار، فيدلّ ذلك على أنه تعالى هو القادر على إخراج الضدّ من الضدّ، وهو على كلّ شيء قدير. ٥ - إنّ الذي خلق السموات والأرض التي هي أعظم من خلق الناس قادر على أن يبعثهم مرة أخرى. ٦ - إذا أراد الله خلق شيء لا يحتاج إلى تعب ومعالجة، وإنما أمره نافذ فورا، ولا يتوقف على شيء آخر. ٧ - إن الله تعالى نزّه نفسه عن العجز والشرك، لتعليم الناس، وإبراز الحقيقة، فبيده مفاتح كلّ شيء، ومردّ الناس ومصيرهم بعد مماتهم إليه تعالى، ليحاسب كلّ امرئ على ما قدم في دنياه من خير أو شرّ.

стр. 6801

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الصافات مكيّة، وهي مائة واثنتان وثمانون آية. تسميتها: سميت سورة الصافات لافتتاحها بالقسم الإلهي بالصّافات وهم الملائكة الأطهار الذين يصطفّون في السماء كصفوف الناس في الصلاة في الدنيا. مناسبتها لما قبلها: تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من نواح ثلاث: ١ - وجود الشبه بين أول هذه السورة وآخر يس السورة المتقدمة في بيان قدرته تعالى الشاملة لكل شيء في السموات والأرض، ومنه المعاد وإحياء الموتى، لأن الله تعالى كما في يس هو المنشئ السريع الإنجاز للأشياء، ولأنه كما في مطلع هذه السورة واحد لا شريك له، لأن سرعة الإنجاز لا تتهيأ إلا إذا كان الخالق الموجد واحدا. ٢ - هذه السورة بعد يس كالأعراف بعد الأنعام، وكالشعراء بعد الفرقان في تفصيل أحوال القرون الماضية، المشار إليهم وإلى إهلاكهم في سورة يس المتقدمة في قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [٣١].

стр. 6802

٣ - توضح هذه السورة ما أجمل في السورة السابقة من أحوال المؤمنين وأحوال الكافرين في الدنيا والآخرة. مشتملاتها: موضوع هذه السورة كسائر السّور المكية في بيان أصول الاعتقاد: وهي التوحيد، والوحي والنبوة، وإثبات البعث والجزاء. وقد تحدثت عن مغيبات ثلاثة: هي الملائكة، والجنّ، والبعث والجزاء في الآخرة، فابتدأت بالكلام عن الملائكة الصّافات قوائمها أو أجنحتها في السماء استعدادا لتنفيذ أمر الله، والزّاجرات السّحاب لتصريفه كيفما يشاء الله، والذين أقسم الله بهم للدلالة على التوحيد وخلق السموات والأرض، وتزيينها بالكواكب. ثم أشارت إلى الجنّ ومطاردتهم بالشّهب الثاقبة المرصودة لهذا الغرض، للرّدّ على المشركين الجاهليين الذين زعموا وجود نسب وقرابة بين الله تعالى وبين الجنّ، وأبانت موقف المشركين من البعث وإنكاره وأحوالهم في الدنيا والآخرة، وردت عليهم ردّا قاطعا حاسما بأنهم محشورون في زجرة صيحة واحدة وهم داخرون أذلة صاغرون وأنهم لا يفتنون إلا ذوي العقول الضعيفة، وتوبيخهم على قولهم: الملائكة بنات الله، وتنزيه الله عن ذلك. وأبانت هذه السورة أيضا سوء أحوال الكافرين في القيامة، وذكرتهم بالحوار الذي دار بينهم وبين المؤمنين في الدنيا، ثم حسمت الأمر ببيان مآل كل من الفريقين، حيث يخلد المؤمنون في الجنة التي وصف نعيمها، ويخلد الكافرون في النار التي وصف جحيمها، للعبرة والعظة وبيان العاقبة. وناسب هذا الاستعراض التذكير الموجز بقصص بعض الأنبياء السابقين،

стр. 6803

وهم نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وموسى، وهارون، وإلياس، ولوط، ويونس ﵈. ولكنها فصّلت قصة إبراهيم في موقفين حاسمين: أولهما- تحطيمه الأوثان. وثانيهما-إقدامه على ذبح ابنه، ليتجلى للناس جميعا مدى (الإيمان والابتلاء والتضحية) فإنه بادر لتنفيذ أمر ربّه، ممتحنا صبره، مجتازا بالإيمان والصدق محنة الابتلاء، مضحيّا في سبيل رضوان الله بابنه الذي رزقه، فأكرمه الله بالفداء الذي جعل سنّة في الأضحية. كذلك فصلت السورة قصة يونس ﵇ العجيبة، وإنقاذه من بطن الحوت، لتوبته وكونه من الذاكرين الله، المصلّين له. وختمت السورة بالإشارة إلى ما بدئت به من وصف الملائكة بأنهم الصّافون المسبّحون، وبيان نصرة الله لأنبيائه وأوليائه في الدنيا والآخرة، ومدح المرسلين وسلام الله عليهم، وتنزيه الله عن أوصاف المشركين، وثناؤه على نفسه وحمده لذاته بأنه رب العزة ورب العالمين. فضل هذه السّورة: أخرج النّسائي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ص يأمرنا بالتّخفيف، ويؤمّنا بالصّافات». إعلان وحدانية الله ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَالصَّافّاتِ صَفًّا (١) فَالزّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥)﴾

стр. 6804

البلاغة: ﴿إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ﴾ التأكيد بإن واللام بسبب إنكار المخاطبين للوحدانية. المفردات اللغوية: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا﴾ أقسم الله بالملائكة التي تصف في السماء للعبادة كصفوف الناس في الصلاة في الدنيا، انتظارا لتنفيذ أمر الله، ويكون ترتيبهم في الصفوف بحسب مراتبهم في التقدّم والفضيلة. ﴿فَالزّاجِراتِ زَجْراً﴾ الملائكة التي تزجر السحاب أي تسوقه. وأصل الزّجر: الدّفع بقوة الصوت، يقال: زجرت الإبل والغنم: أي أفزعتها بالصوت والصياح، ثم استعمل في السوق والحثّ على الشيء. ﴿فَالتّالِياتِ ذِكْراً﴾ الملائكة التي تتلو القرآن وتقرؤه. ﴿إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ﴾ هذا جواب القسم بالملائكة على أن الله واحد لا شريك له، وهو خطاب للمشركين الذين أنكروا التوحيد. ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ﴾ ربّ ذلك كله: أي خالقه ومالكه، و ﴿الْمَشارِقِ﴾: مشارق الشمس، أي وربّ المغارب أيضا، فللشمس كلّ يوم مشرق ومغرب. والمعنى: أن وجود هذه المخلوقات على هذا النحو البديع من أوضح الأدلّة على وجود الله وقدرته. التفسير والبيان: أقسم الله تعالى بالملائكة الصّافّات صفوفا للعبادة أو الصّافّات أجنحتها في السماء، انتظارا لأمر الله تعالى، والذين هم يقومون بوظائف متعددة، منها: أنهم يسوقون السّحب إلى مكان معين بالتدبير المأمور به فيها، أو أنهم يزجرون الناس ويردعونهم عن المعاصي بإلهام الخير، ويزجرون الشياطين عن الوسوسة والإغواء. ومنها: أنهم يتلون آيات الله على أنبيائه، أو على أوليائه. لقد أقسم الله بأن معبودكم أيها المخاطبون الذي يجب إخلاص العبادة له، هو واحد لا شريك له، وهو خالق السموات والأرض وما بينهما من العوالم والمخلوقات، ومالك ذلك كله، وهو ربّ مشارق الشمس ومغاربها، فأعلنوا في نفوسكم توحيد الله، وأخلصوا له العبادة، وأفردوه بالطاعة، فوجود هذه المخلوقات من أوضح الدلائل على وجود الصانع وقدرته ووحدانيته.

стр. 6805

فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على ما يأتي: ١ - أقسم الله تعالى بالملائكة، ولله أن يقسم على ما يشاء، في أي وقت يشاء. ٢ - ذكرت الآيات صفات ثلاثا للملائكة، وهي: أولا-وقوف الملائكة صفوفا إما لأداء العبادات كما أخبر تعالى عنهم: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصّافّات ١٦٥/ ٣٧]، وإما أنها تصف أجنحتها في الهواء منتظرين وصول أمر الله إليهم، وثانيا-زجر السحاب، أي سوقه وتحريكه والإتيان به من موضع إلى موضع، أو زجر الناس عن المعاصي بالإلهام والتأثير في القلوب، أو زجر الشياطين عن التّعرض لبني آدم بالشّر والإيذاء. وثالثا-قراءة كتاب الله تعالى في الصلاة، وعلى الأنبياء، والأولياء للتذكير بها وغرس الشرائع في النفوس، والصفة الثالثة مذكورة في آية أخرى هي: ﴿فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً، عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ [المرسلات ٥/ ٧٧ - ٦]. هذا.. وقد ورد في السّنة النّبوية حديثان صحيحان عن كيفية صفوف الملائكة: الأول- ما أخرجه مسلم عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ص: «فضّلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعل لنا ترابها طهورا إذا لم نجد الماء». والثاني- ما أخرجه مسلم أيضا والنسائي وابن ماجه عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ص: «ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند

стр. 6806

ربّهم؟ قلنا: وكيف تصفّ الملائكة عند ربّهم؟ قال ص: يتمّون الصّفوف المتقدّمة، ويتراصّون في الصّف». ٣ - كان جواب هذا القسم العظيم أن الله واحد لا شريك له، ولا ثاني له، فهو قسم مشفوع بالبرهان الذي يثبت وحدانية الله تعالى. وفي كلّ شيء له آية... تدلّ على أنه واحد ٤ - الدّليل على وجود الله الصانع ووحدانيته وقدرته كونه الخالق المالك للسموات والأرض وما بينهما من المخلوقات، ولمشارق الشمس ومغاربها، فللشمس كل يوم مشرق ومغرب بعدد أيام السّنة، تطلع كل يوم من واحد منها، وتغرب في واحد، ولها في كل عام مشرقان: أقصى مشرق في الشمال، وأقصى مشرق في الجنوب. واكتفى بذكر المشارق عن المغارب، لدلالتها عليه، وقد صرح بها في قوله : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ، إِنّا لَقادِرُونَ﴾ [المعارج ٤٠/ ٧٠]، وفي آية أخرى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن ١٧/ ٥٥]، يعني في الشتاء والصيف للشمس والقمر، فالآية الأولى لبيان مشرق الشمس الخاص كل يوم، والآية الثانية تبين أن لها في كل عام مشرقين. تزيين السماء بالكواكب ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩) إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)﴾

стр. 6807

الإعراب: ﴿بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ ﴿الْكَواكِبِ﴾: بدل من ﴿بِزِينَةٍ﴾، وقرئ بنصب الكواكب: إما بأن أعمل الزينة في الكواكب، أي زيّنّا الكواكب، مثل ﴿أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ أن أن أطعم يتيما، وإما بنصبه على البدل من موضع ﴿بِزِينَةٍ﴾ وهو النصب، وإما بنصبه ب (أعني). وقرئ بترك تنوين ﴿بِزِينَةٍ﴾ وجرّ ﴿الْكَواكِبِ﴾ على وجهين: الجر على الإضافة، أو بدل من ﴿بِزِينَةٍ﴾ وحذف تنوين ﴿بِزِينَةٍ﴾ لالتقاء الساكنين. والإضافة للبيان، أي المبينة ب ﴿الْكَواكِبِ﴾. ﴿وَحِفْظاً﴾ منصوب بفعل مقدر، أي حفظناها بالشّهب. ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ أتى ب ﴿إِلَى﴾ وإن كان ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾ لا يفتقر إلى حرف جرّ، إما بحمل ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾ على (يصغون)، وإما بحذف المفعول، وتقديره: لا يسّمّعون القول، مائلين إلى الملأ الأعلى. ﴿دُحُوراً﴾ منصوب على المصدر، تقديره: يدحرون دحورا. البلاغة: ﴿كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ وكذلك في الآية بعدها ﴿طِينٍ لازِبٍ﴾ فيها ما يسمى بمراعاة الفواصل أحد المحسنات البديعية. المفردات اللغوية: ﴿السَّماءَ الدُّنْيا﴾ هي أقرب السموات لأهل الأرض، أي القربى منكم، وهي مؤنث الأدنى. ﴿الْكَواكِبِ﴾ هي النجوم والأجرام السماوية، وتزيين السماء إما بها أو بضوئها. ﴿مارِدٍ﴾ عات خارج عن الطاعة، وحفظ السماء من الشياطين برميها بالشهب. ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ كلام مستأنف مبتدأ لبيان حالهم بعد ما حفظ الله السماء منهم، ولا يجوز جعله صفة لكل شيطان، فإنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون. و ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾ أي يتسمّعون. و ﴿الْمَلَإِ﴾ الجماعة المجتمعون على رأي، والمراد بهم هنا الملائكة في السماء. و ﴿الْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ أهل السماء الدنيا فما فوقها. ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ يرجمون بالشهب، وهم الشياطين. ﴿مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾ من آفاق السماء. ﴿دُحُوراً﴾ طردا وإبعادا. ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة. ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ دائم أو شديد. ﴿الْخَطْفَةَ﴾ مصدر للمرة الواحدة، وهي الاختلاس والأخذ بسرعة على غرّة. والاستثناء في قوله: ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ من ضمير ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾ أي لا يسمع إلا الشيطان الذي سمع الكلمة من

стр. 6808

الملائكة، فأخذها بسرعة. ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ﴾ شعلة ساطعة من النار، وهي ما يرى كأن كوكبا انقض. ﴿ثاقِبٌ﴾ مضيء فيحرقه، أو يثقب ما ينزل عليه. المناسبة: هذه الآيات تتضمن دليلا آخر على وجود الله تعالى وقدرته، ذكر بعد الدليل الأول وهو خلق السموات والأرض، وتبين أنه تعالى زيّن السماء الدنيا القريبة من البشر لمنفعتين، هما: تحصيل الزينة، والحفظ من الشيطان المارد. وبالرغم من أن هذه الثوابت مركوزة-كما قال الرازي-في الكرة الثامنة، ما عدا القمر في السادسة، فإن التعبير جاء على وفق الرؤية والنظر حسب الظاهر، فأهل الأرض إذا نظروا إلى السّماء، يرونها ويشاهدونها مزينة بهذه الكواكب، كجواهر مشرقة متلألئة على سطحها الأزرق بأشكال مختلفة. التفسير والبيان: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ جمّل الله سبحانه السماء الدنيا التي هي أقرب السموات إلى الأرض بزينة جميلة فائقة الجمال هي الكواكب، فإنها في أعين الناظرين لها كالجواهر المتلألئة. ﴿وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أي وحفظناها حفظا من كلّ شيطان عات متمرد عن الطاعة، إذا أراد أن يسترق السمع أتاه شهاب ثاقب فأحرقه، لذا قال تعالى: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ أي لا تقدر الشياطين أن يتسمّعوا لحديث الملأ الأعلى وهم الملائكة أهل السماء الدنيا فما فوقها، لأنهم يرمون بالشهب، وذلك إذا تكلموا بما يوحيه الله تعالى من شرعه وقدره.

стр. 6809

وهاتان الخاصتان أو المنفعتان للسّموات، جاءت آيات كثيرة تقررهما مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ، وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ، وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك ٥/ ٦٧]، وقوله : ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ، وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر ١٦/ ١٥ - ١٨]. ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾ أي يرمون بالشّهب من كلّ جهة يقصدون السماء منها، إذا أرادوا الصعود لاستراق السمع. ﴿دُحُوراً، وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ أي يدحرون دحورا، ويطردون ويمنعون من الوصول إلى ذلك، ولهم في الآخرة عذاب دائم مستمر موجع، كما قال تعالى في الآية المتقدمة: ﴿وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ﴾. ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ، فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ أي إلا من اختطف من الشياطين الخطفة، وهي الكلمة، يسمعها من السماء، فيلقيها إلى الذي تحته، ويلقيها الآخر إلى من تحته، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها بقدر الله تعالى قبل أن يأتيه الشهاب، فيحرقه، فيذهب بها الآخر إلى الكاهن، كما جاء في الحديث. فخاطف الكلمة العارضة يتبعه الله بنجم مضيء، أو بشعلة مستنيرة، فتحرقه، وربما لا تحرقه، فيلقي إلى إخوانه الكهان ما خطفه. والخطف: أخذ الشيء بسرعة. والثاقب: المضيء. والملحوظ الثابت أن الشياطين قبل بعثة نبينا محمد ص كانت ترمى أحيانا، وأحيانا لا ترمى، وبعد البعثة تعرضوا للرمي من كل جانب، وزيد في حفظ السماء، فلم يتمكنوا من استراق السمع، إلا بأن يختطف أحدهم كلمة، فيتبعه شهاب ثاقب قبل أن ينزل إلى الأرض، فيلقيها إلى إخوانه، وبهذا بطلت

стр. 6810

الكهانة، وثبتت النبوة والرسالة (١)، وأصبح المقرر شرعا منعهم من التنصّت، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء ٢١٢/ ٢٦]، وقال سبحانه واصفا المرحلتين: ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ، فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً، وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً﴾ [الجنّ ٨/ ٧٢ - ٩]. قال الرازي: دلت التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلا قبل مجيء النبي ص، فإن الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجيء النبي ص بزمان طويل، ذكروا ذلك، وتكلموا في سبب حدوثه، وإذا ثبت أن ذلك كان موجودا قبل مجيء النبي ص، امتنع حمله على مجيء النبي ص، والأقرب أن هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي ص، لكنها كثرت في زمان النبي ص، فصارت بسبب الكثرة معجزة (٢). فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - إن تزيين السماء الدنيا بالكواكب لمنفعتين، هما: تحصيل الزينة، والحفظ من الشيطان المارد. ٢ - وصف تعالى أولئك الشياطين بصفات ثلاث: هي أنهم لا يسّمعون إلى الملأ الأعلى وهم الملائكة، وأنهم يقذفون من كل جانب دحورا، أي طردا وإبعادا، ولهم عذاب واصب، أي دائم مستمر موجع.

стр. 6811

وسميت الملائكة بالملإ الأعلى، لأنهم يسكنون السموات، وأما الإنس والجنّ فهم الملأ الأسفل، لأنهم سكان الأرض. واختلف العلماء على قولين: هل كان هذا القذف قبل المبعث، أو بعده لأجل المبعث؟ وقد جاءت الأحاديث عن ابن عباس بذلك، وستذكر في سورة «الجن». ويجمع بينها كما تقدم بأنها كانت ترمى وقتا، ولا ترمى وقتا، وترمى من جانب ولا ترمى من جانب، فصاروا يرمون دائما واصبا من كل جانب. ٣ - قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ استثناء من قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾ أي لا يسمع الشياطين شيئا مما يوحيه الله تعالى مما يقوله من شرعه وقدره إلا الشيطان الذي خطف الخطفة، أي اختلس الكلمة على وجه المسارقة. ومضمون الأحاديث الصحاح في هذا: أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء، لاستراق السمع، فيقضي الله أمرا من أمور الأرض، فيتحدث به أهل السماء، فيسمعه منهم الشيطان الأدنى، فيلقيه إلى الذي تحته، فربما أحرقه شهاب، وقد ألقى الكلام، وربما لم يحرقه، كما بيّنا، فتنزل تلك الكلمة إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة، وتصدق تلك الكلمة، فيصدّق الجاهلون جميع الكلام، فلما جاء الله بالإسلام، حرست السماء بشدة، فلا يفلت شيطان سمع شيئا. والكواكب الراجمة: هي التي يراها الناس تنقضّ. وليست بالكواكب الجارية في السماء، لأن هذه لا ترى حركتها، والراجمة ترى حركتها، لأنها قريبة منا.

стр. 6812

إثبات المعاد-الحشر والنشر والقيامة ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ الإعراب: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ تاء ﴿عَجِبْتَ﴾ بالفتح: تاء المخاطب. وقرئ بالضم: إما إخبارا عن الله من إنكار الكفار البعث، مع بيان القدرة على الابتداء، حتى بلغ هذا الإنكار منزلة يقال فيه: عجبت، وإما بتقدير: قل عجبت، وحذف القول في كلام العرب كثير. ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ قال الزمخشري: ﴿فَإِنَّما﴾ جواب شرط مقدر، وتقديره: إذا كان ذلك، فما هي إلا زجرة واحدة. البلاغة: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ طباق بين التعجب والسخرية. المفردات اللغوية: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ فاستخبر مشركي مكة المنكرين للبعث أو بني آدم، إما على سبيل التقرير أو التوبيخ. ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا﴾ أهم أقوى أجساما وأعظم أعضاء وأشق إيجادا، أم من خلقنا من الملائكة والسموات والأرض وما بينهما، والمشارق، والكواكب، والشهب الثواقب؟ والإتيان بمن هنا: لتغليب العقلاء. ﴿إِنّا خَلَقْناهُمْ﴾ أي خلقنا أصلهم آدم. ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ أي لزج يلصق باليد. والمعنى: كيف يستبعدون المعاد، وهم مخلوقون من هذا الخلق الضعيف؟

стр. 6813

وإن خلقهم ضعيف، فلا يتكبروا بإنكار النبي والقرآن المؤدي إلى هلاكهم اليسير. بل للانتقال من غرض إلى آخر، وهو الإخبار بحال النبي ص وبحالهم ﴿عَجِبْتَ﴾ يا محمد من تكذيبهم إياك، ومن إنكارهم قدرة الله تعالى وإنكار البعث. ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ أي وهم يستهزئون من تعجبك ومما تقوله من إثبات البعث. ﴿وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أي وإذا وعظوا بالقرآن لا يتعظون. ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً﴾ معجزة دالة على الصدق من معجزات الرسول ص، كانشقاق القمر. ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ يبالغون في السخرية والاستهزاء. ﴿وَقالُوا: إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي وقالوا: ما هذا الذي تأتينا به وهو القرآن إلا سحر ظاهر واضح. ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أي أنبعث إذا متنا، وكرروا الهمزة مبالغة في الإنكار، وإشعارا بأن البعث في رأيهم مستنكر في نفسه، وفي هذه الحالة أشد استنكارا. ﴿أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ الهمزة للاستفهام، وهو عطف بالواو على محل إن واسمها: ﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أو عطف على ضمير: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ والفاصل همزة الاستفهام، أي أو آباؤنا الأولون مبعوثون؟. ﴿قُلْ: نَعَمْ﴾ تبعثون. ﴿وَأَنْتُمْ داخِرُونَ﴾ صاغرون ذليلون. ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ أي صيحة واحدة، وهو جواب شرط مقدر، أي إذا كان ذلك، فإنما البعث زجرة، أي صيحة واحدة هي النفخة الثانية، يقال: زجر الراعي غنمه، أي صاح عليها وأمرها بالإعادة. ﴿فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي فإذا الخلائق قيام من مراقدهم أحياء، ينظرون ما يفعل بهم. ﴿وَقالُوا﴾ الكفار. ﴿يا وَيْلَنا﴾ هلاكنا، وهو مصدر لا فعل له من لفظه، ويقال وقت الهلاك. ﴿الدِّينِ﴾ الحساب والجزاء. ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ الحكم والقضاء بين الخلائق وتمييز المحسن من المسيء. وهو من قول الملائكة. المناسبة: افتتح الله تعالى هذه السورة بإثبات وجود الخالق وقدرته ووحدانيته بدليل واضح وهو خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلق المشارق والمغارب، وأعقب ذلك بإثبات المعاد وهو الحشر والنشر والقيامة. ومن المعلوم أن المقصد الأصلي للقرآن الكريم هو إثبات الأصول الأربعة: وهي الإلهيات، والمعاد، والنبوة، وإثبات القضاء والقدر.

стр. 6814

التفسير والبيان: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا؟﴾ أي سل أيها الرسول هؤلاء المنكرين للبعث: أيهم أشد خلقا، أي أصعب إيجادا، هم أم السموات والأرض وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة؟ والآية نزلت في الأشد بن كلدة وأمثاله، سمي بالأشد لشدة بطشه وقوته. والسؤال للتوبيخ والتقريع، فإنهم يقرون أن هذه المخلوقات أشد خلقا منهم، وإذا كان الأمر كذلك، فلم ينكرون البعث؟ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا، كما قال الله : ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧/ ٤٠] وقال سبحانه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس ٨١/ ٣٦]. ثم أوضح الله تعالى مدى هذا التفاوت، فقال: ﴿إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ أي إنا خلقنا أصلهم وهو آدم من طين لزج يلتصق باليد. فإذا كانوا مخلوقين من هذا الشيء الضعيف، فكيف يستبعدون المعاد؟ وهو إعادة الخلق من التراب أيضا، أو من الماء الذي خالط التراب إذا مات الإنسان في الماء، ولم ينكر ذلك من هو أقوى منهم خلقا وأعظم وأكمل. والمعنى: أن هذه الأجسام قابلة للحياة، إذ لو لم تكن قابلة للحياة، لما صارت حية في المرة الأولى، والإله قادر على خلق هذه الحياة في هذه الأجسام. ثم انتقل البيان القرآني من أسلوب لأسلوب، فقال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ أي لا حاجة لاستفتائهم، فهم قوم معاندون، وأنت يا محمد تتعجب من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث، لأنك موقن إيقانا تاما بصنع الله وقدرته، وبما أخبر الله تعالى به من إعادة الأجسام بعد فنائها،

стр. 6815

وهم على النقيض من ذلك يسخرون ويستهزئون مما تقول لهم من إثبات البعث، ومما تريهم من الأدلة والآيات. أو عجبت من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة، وهم يسخرون منك ومن تعجبك ومما تريهم من آثار قدرة الله، أو عجبت من إنكارهم البعث وهم يسخرون من أمر البعث. ﴿وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أي وإذا وعظوا بموعظة من مواعظ الله ورسوله، لا يتعظون ولا ينتفعون بها، لاستكبارهم وعنادهم وقسوة قلوبهم. ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أي وإذا شاهدوا دليلا واضحا، أو معجزة من معجزات الرسول ص التي ترشدهم إلى التصديق والإيمان، يبالغون في السخرية والاستهزاء، ويتنادون للتهكم والتضاحك، ومشاركة الآخرين في السخرية. ﴿وَقالُوا: إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي وقالوا: ما هذا الذي تأتينا به من الدلائل إلا سحر واضح ظاهر، فلا يؤبه له، ولا ننخدع به، وهو من تراث الأقدمين المشعوذين. ثم خصصوا إنكارهم بالبعث، فقالوا: ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً، أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾؟ أي إن من أعجب ما تقول: أنبعث أحياء بعد أن متنا، وصرنا ترابا وعظاما نخرة؟ ﴿أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾؟ وهل يبعث أيضا آباؤنا وأجدادنا الأقدمون الغابرون الذين مضى على موتهم أحقاب طويلة الأمد؟ فإن بعثهم أشد غرابة. فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ: نَعَمْ، وَأَنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أي قل أيها الرسول لهم: نعم، تبعثون أحياء مرة أخرى، بعد صيرورتكم ترابا، وأنتم في هذا الحشر والنشر صاغرون

стр. 6816

ذليلون حقيرون تحت القدرة العظيمة، كما قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل ٨٧/ ٢٧] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠/ ٤٠]. ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي إن الأمر سهل جدا في قدرة الله، وليس البعث صعبا ولا عسيرا، فإنما البعث صيحة واحدة من إسرافيل بالنفخ في الصور بأمر واحد من الله يدعوهم للخروج من الأرض، فإذا الناس قاطبة قيام من مراقدهم في الأرض، أحياء بين يدي الله تعالى، ينظرون إلى أهوال يوم القيامة. ثم حكى الله تعالى ملامتهم لأنفسهم إذا عاينوا أهوال القيامة بقوله: ﴿وَقالُوا: يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي وقال منكر والبعث الذين كذبوا به في الدنيا: لنا الويل والهلاك، فقد حلّ موعد الجزاء والعقاب على ما قدمنا من أعمال من الكفر بالله والتكذيب للرسل. دعوا على أنفسهم بالويل والثبور والهلاك، لأنهم يومئذ يعلمون ما حل بهم. فأجابتهم الملائكة بقولهم: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي هذا يوم الحكم والقضاء المبرم بين الناس، الذي يفصل فيه بين المحسن والمسيء، ويبين المحق من المبطل، ففريق في الجنة وفريق في السعير. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - استدل الله تعالى على إثبات المعاد من وجهين: أحدهما-إنه تعالى قدر على ما هو أصعب وأشد وأشق من خلق الإنسان وهو

стр. 6817

خلق السموات والأرض والجبال والبحار، فوجب أيضا أن يقدر على إعادة خلق الإنسان. الثاني-إنه تعالى قدر على خلق الإنسان في المرة الأولى، والفاعل وهو الله والقابل للخلق وهو الإنسان باقيان كما كانا، فوجب أن تبقى القدرة عليه في الحال الثانية، وهي البعث أو الحشر والنشر. فدل ذلك على أن البعث والقيامة أمر جائز ممكن. ٢ - كان خلق آدم ﵇ من الطين، وكذا خلق كل إنسان من الطين، لأن تكوينه من الدم، والدم يتولد من الغذاء، والغذاء إما حيواني وإما نباتي، وحياة الحيوان والنبات من تراب الأرض، فمنه تنتج الثمار والحبوب والأعشاب وغيرها بعد سقيها بالماء. ٣ - لقد تعجب الرسول ص من إنكار مشركي مكة وغيرهم للبعث، لما استقر في قلبه من مشاهدة قدرة الله العظمى، وعجيب صنعه، ومبلغ إرادته ومشيئته. ٤ - بعد تقرير الله تعالى الدليل القاطع في إثبات إمكان البعث والقيامة حكى الله تعالى أشياء عن المنكرين: أولها-تعجب النبي ص من إصرارهم على الإنكار، وهم يسخرون منه في إصراره على الإثبات، كما تقدم، مما يدل على أن أولئك الأقوام كانوا في غاية التباعد، وفي طرفي النقيض. ثانيها-أنهم إذا وعظوا بالقرآن وغيره من المسلّمات العقلية لا يتعظون ولا ينتفعون به.

стр. 6818

ثالثها-أنهم إذا رأوا معجزة يبالغون في السخرية ويدعون غيرهم إلى مشاركتهم في السخرية والاستهزاء. رابعها-أن سبب سخريتهم من الآية والمعجزة اعتقادهم أنها من باب السحر. ٥ - بعد إثبات إمكان البعث والقيامة بالدليل العقلي، أقام الله تعالى الدليل السمعي القاطع على وقوع القيامة بقوله: ﴿نَعَمْ﴾ جوابا على إنكارهم البعث، بعد الموت وصيرورتهم وأسلافهم ترابا وعظاما بالية. ٦ - وبعد الإثبات بالدليلين العقلي والسمعي لجواز حدوث القيامة ووقوعها ذكر تعالى بعض أحوال القيامة وهي ثلاث حالات: الحالة الأولى-أن القيامة ما هي إلا صيحة واحدة من إسرافيل بالنفخ في الصور، بأمر الله لدعوة الناس للخروج من الأرض، فيمتثلون فورا، وإذا هم قيام من قبورهم أحياء، ينظرون إلى أهوال القيامة، وإلى بعضهم بعضا. الحالة الثانية-من وقائع القيامة أن المكذبين بعد القيام من القبور يقولون: يا هلاكنا، هذا هو الجزاء الذي نجازى فيه على أعمالنا من الكفر وتكذيب الرسل. الحالة الثالثة-تجيبهم الملائكة: هذا يوم الفصل الحاسم، يوم الحكم والقضاء، الذي يفصل فيه بين المحسن والمسيء.

стр. 6819

مسئولية المشركين في الآخرة وأسبابها ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ الإعراب: ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿ما﴾: استفهامية، مبتدأ، و ﴿لَكُمْ﴾: خبره، و ﴿لا تَناصَرُونَ﴾: جملة في موضع نصب على الحال من الضمير المجرور في ﴿لَكُمْ﴾ مثل: مالك قائما. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ موضع الجملة إما منصوب على أنه خبر «كان» وجملتها في موضع رفع خبر إن، وإما مرفوع على أنه خبر «إن» و «كان» ملغاة. البلاغة: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ أسلوب تهكمي في الهداية، لأنها تكون إلى طريق النعيم، لا إلى صراط الجحيم. ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ استعارة لجهة الخير أو للقوة والشدة أو لجهة الدين.

стр. 6820

﴿إِذا قِيلَ لَهُمْ: لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ إيجاز بالحذف، أي قولوا: لا إله إلا الله، وحذف لدلالة السياق عليه. المفردات اللغوية: ﴿اُحْشُرُوا﴾ يقال للملائكة: اجمعوا، من الحشر: وهو الجمع. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالشرك فهم المشركون، وهو أمر من الله للملائكة بحشر الظلمة من مقامهم إلى الموقف. ﴿وَأَزْواجَهُمْ﴾ أمثالهم وأشباههم، فيحشر عابد الصنم مع عبدة الصنم، وعابد الكواكب مع عبدتها، وأصحاب الخمر معا، وأصحاب الزنى معا. وقيل: أزواجهم: قرناؤهم من الشياطين. ﴿وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ يحشر المعبودون من غير الله من الأصنام والأوثان وغيرها، زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم، وهو عام مخصوص بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١/ ٢١]. ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ دلوهم وعرفوهم طريقها ليسلكوه. ﴿إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ طريق النار. ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ احبسوهم في الموقف أو عند الصراط (١) ﴿إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ عن عقائدهم وأعمالهم. ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ لا ينصر بعضكم بعضا بالتخليص من العذاب كحالكم في الدنيا، وهذا يقال لهم توبيخا وتقريعا. ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ منقادون خاضعون لعجزهم، وأصل الاستسلام: طلب السلامة، ويلزمه الانقياد عرفا. وهذا أيضا يقال لهم. ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يتلاومون ويتخاصمون، فيسأل بعضهم بعضا للتوبيخ. و ﴿قالُوا﴾ قال الأتباع للمتبوعين. ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ عن أقوى الوجوه، وعن جهة الخير التي نأمنكم منها، لحلفكم أنكم على الحق، فصدقناكم واتبعناكم. والمعنى: أنكم أضللتمونا. ﴿قالُوا﴾ قال المتبوعون لهم. ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي إنكم كنتم في الأصل غير مؤمنين، فلم يحدث منا الإضلال الذي يؤدي إلى الرجوع عن الإيمان إلينا. ﴿مِنْ سُلْطانٍ﴾ تسلط عليكم، وقوة وقهر، نقهركم على متابعتنا. ﴿طاغِينَ﴾ مختارين الطغيان والضلال مثلنا، ومتجاوزين الحد في العصيان. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا﴾ وجب علينا جميعا. ﴿قَوْلُ رَبِّنا﴾ بالعذاب، وهو: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿إِنّا لَذائِقُونَ﴾ إنا جميعا لذائقون العذاب بذلك القول. ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ﴾ دعوناكم إلى الغيّ والضلال. ﴿غاوِينَ﴾ ضالين. ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ هذا قول الله تعالى، فإنهم يوم القيامة جميعا الأتباع والمتبوعون مشتركون في العذاب، لاشتراكهم في الغواية.

стр. 6821

﴿إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ أي مثل ذلك الفعل نفعل بالمشركين غير هؤلاء، أي نعذبهم، سواء التابع منهم والمتبوع. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا.﴾. أي إن هؤلاء. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن كلمة التوحيد أو على من يدعوهم إليها. ﴿لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ يعنون محمدا ص. ﴿بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ رد من الله تعالى عليهم، فإن هذا النبي ص جاء بالقرآن المشتمل على الوعد والوعيد، وإثبات الآخرة. والمعنى: إن ما جاء به من التوحيد حق ثبت بالبرهان، وتوافق عليه المرسلون. المناسبة: بعد إثبات وجود الله وعلمه وقدرته ووحدانيته، وإثبات القيامة، ذكر تعالى أحوال الكفار في الآخرة حيث يساقون إلى نار جهنم، دون أن يجدوا لهم نصيرا وعونا يخلصهم من العذاب، ثم يتلاومون فيما بينهم، ويتخاصم الأتباع والمتبوعون، ولكنهم جميعا متساوون في العذاب، بسبب إعراضهم استكبارا عن كلمة التوحيد في الدنيا، وافترائهم على الرسول ص بأنه ﴿لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ مع أنه جاء بالحق الثابت الذي لا محيد عنه وهو التوحيد الذي دعا إليه المرسلون جميعا. التفسير والبيان: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ، مِنْ دُونِ اللهِ﴾ يأمر الله الملائكة بجمع أصناف ثلاثة في موقف الحساب: وهم الظالمون المشركون، وأزواجهم أمثالهم وأشباههم، ومعبودوهم الذين كانوا يعبدونهم من غير الله، من الأوثان والأصنام معا، زيادة لهم في الحسرة والتخجيل على شركهم ومعصيتهم. والظلم هنا: الشرك، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣/ ٣١]. فهذا خطاب من الله للملائكة، أو خطاب الملائكة بعضهم لبعض، أي اجمعوا الظالمين ونساءهم الكافرات وأنواعهم وضرباءهم.

стр. 6822

يحشر المشركون وأشباههم في الشرك ومتابعوهم في الكفر ومشايعوهم في تكذيب الرسل وقرناؤهم من الشياطين، يحشر كل كافر مع شيطانه. كذلك يحشر أصحاب المعاصي مع بعضهم، فيجمع أهل الزنى معا، وأهل الربا معا، وأصحاب الخمر معا.. وهكذا. ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ أي أرشدوا وعرّفوا هؤلاء المحشورين طريق جهنم، زيادة في ازدرائهم والتهكم بهم. ﴿وَقِفُوهُمْ، إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ أي احبسوهم في الموقف للحساب والسؤال عن عقائدهم وأقوالهم وأعمالهم التي صدرت منهم في الدنيا. وفي الحديث الذي أخرجه الترمذي عن ابن مسعود: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم». ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ أي يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: ما بالكم لا ينصر بعضكم بعضا، كما كنتم في الدنيا؟ وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر، فقيل لهم يوم القيامة: ما لكم غير متناصرين؟. ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أي بل إنهم اليوم منقادون لأمر الله، لا يخالفونه، ولا يحيدون عنه، لعجزهم عن الحيلة، فلا ينازعون في شيء أبدا. وفي هذا الموقف في ساحات القيامة، يتلاومون فيما بينهم، ويتخاصم الأتباع والرؤساء، فقال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أي أقدم الأتباع والرؤساء من هؤلاء الكفار، يسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتقريع ومخاصمة، في موقف القيامة، كما يتخاصمون في دركات النار، كما في آية: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً، فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيباً مِنَ النّارِ. قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: إِنّا كُلٌّ فِيها، إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ﴾ [إبراهيم ٤٨/ ٤٠ - ٤٧].

стр. 6823

﴿قالُوا: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي قال الأتباع للرؤساء: إنكم كنتم تأتوننا من جهة الخير، فتصدوننا عنه. وقيل: إن اليمين مجاز مستعار من القوة والقهر، أي كنتم تأتوننا من ناحية القهر والقوة وبحكم السيطرة والرياسة لكم علينا في الدنيا، حتى تحملونا على الضلال، وتقسرونا عليه. وقيل: تأتوننا من جهة الدّين، فتهونون علينا أمره وتنفروننا عنه، كما هو الشأن اليوم في كثير من الرؤساء والرفاق. وكلمة ﴿قالُوا﴾ جواب عن سؤال مقدر، فهو استئناف بياني. فأجاب الرؤساء بجوابين: ١ - ﴿قالُوا: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي بل إنكم أنتم أبيتم الإيمان، وأعرضتم عنه، مع تمكنكم منه، مختارين الكفر، فقلوبكم هي القابلة للكفر والعصيان، وكنتم من الأصل على الكفر. وكلمة ﴿قالُوا﴾ أي المخاطبون وهم قادة الكفر أو الجن. ٢ - ﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ، بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ﴾ أي لم يكن لنا عليكم من حجة وتسلط نسلبكم به اختياركم وتمكنكم، بل كان فيكم طغيان وتجاوز الحد في الكفر، ومجاوزة للحق الذي جاءتكم به الأنبياء، وكنتم مختارين الطغيان، فلهذا استجبتم لنا وتركتم الدين الحق، وما كان منا إلا الدعوة، وكانت منكم الإجابة اختيارا لا جبرا. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنّا لَذائِقُونَ﴾ أي وجب علينا وعليكم حكم ربنا، ولزمنا قول ربنا، وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فلنذوقن ما وعدنا به، ونحن ذائقو العذاب لا محالة يوم القيامة. قال أبو حيان: والظاهر أن قوله: ﴿إِنّا لَذائِقُونَ﴾ إخبار منهم أنهم ذائقون العذاب جميعهم الرؤساء والأتباع.

стр. 6824

﴿فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾ أي إنا أضللناكم، ودعوناكم إلى الضلالة، وإلى ما نحن فيه من الغواية، فاستجبتم لنا. ثم بعد هذا النقاش والجدل بين الأتباع والرؤساء، وصف الله تعالى العذاب الذي يحل بالفريقين، فقال: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي إن التابعين والمتبوعين أو الأتباع والقادة مشتركون حينئذ جميعا في العذاب لا محالة، كما اشتركوا في الضلال والكفر، والجميع في النار، كل بحسبه. واشتراكهم في العذاب عدل ككل المجرمين الكافرين، لذا قال تعالى: ﴿إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ أي مثل ذلك الجزاء نفعل بالمشركين، ويجازى كل عامل بما قدم. وسبب العذاب هو ما قاله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ: لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي إنهم كانوا إذا دعوا إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله، استكبروا عن القبول، وأعرضوا عن قولها كما يقولها المؤمنون. ﴿وَيَقُولُونَ: أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ أي أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا لقول شاعر مجنون، يسرح في الخيال، ويخلط في الأقوال، يعنون رسول الله ص. وبهذا أنكروا في الكلام الأول الوحدانية، وفي الثاني أنكروا الرسالة. فرد الله عليهم تكذيبا لهم بقوله: ﴿بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي إن النبي ص جاء بالحق في جميع ما شرعه الله له، وأوله التوحيد، وصدّق في ذلك الأنبياء المرسلين فيما جاؤوا به

стр. 6825

من التوحيد والوعد والوعيد وإثبات المعاد، ولم يخالفهم في تلك الأصول، ولا جاء بشيء يغاير ما أتوا به من قبله، فكيف يصح وصفه بالشاعر أو المجنون؟ قال تعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت ٤٣/ ٤١] وقال سبحانه: ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١/ ٣٥]. فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يلي: ١ - يحشر الملائكة ويسوقون بأمر الله تعالى الكفار إلى موقف السؤال، وهم ثلاثة أنواع: الظالمون، وأزواجهم (أمثالهم) والأشياء التي كانوا يعبدونها. والمراد بالظالمين: الكافرون، لكونهم عابدين لغير الله تعالى. وهذا يدل على أن الظالم المطلق هو الكافر، ويفهم منه أن كل وعيد ورد في حق الظالم، فالمراد منه الكفار، ويؤكده قوله تعالى: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤/ ٢]. وقوله تعالى: ﴿وَأَزْواجَهُمْ﴾ فسر بأقوال ثلاثة الظاهر منها أولها، ويجوز إرادتها كلها: الأول-أشباههم من الكفرة، فاليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني، وهكذا، لقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً﴾ [الواقعة ٧/ ٥٦]. الثاني-قرناؤهم من الشياطين، لقوله تعالى: ﴿وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٢/ ٧]. الثالث-المراد: نساؤهم اللواتي على دينهم. ٢ - يوقف الكفار للحساب ثم يساقون إلى النار، فيكون الإيقاف أو الحبس قبل السوق إلى الجحيم، ويكون بين الآيتين ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ و ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ تقديم

стр. 6826

وتأخير. وقيل: يساقون إلى النار أولا، ثم يحشرون للسؤال إذا قربوا من النار، ويكون سؤالهم عن عقائدهم وأقوالهم وأفعالهم. وهذا كله دليل على أن الكافر يحاسب. ٣ - يقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ: ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ أي لا ينصر بعضكم بعضا، فيمنعه من عذاب الله. ٤ - في ذلك الموقف الرهيب لا حيلة لهم، وهم منقادون خاضعون لأمر الله، مستسلمون لعذاب الله . ٥ - تظهر هناك صورة من النقاش والجدل والتخاصم والتلاوم بين الرؤساء والأتباع، لقوله سبحانه: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أي يسأل بعضهم بعضا، والمراد بالتساؤل: التخاصم، فليس المقصود منه تساؤل المستفهمين، بل هو تساؤل التوبيخ واللوم. يقول الأتباع لمن دعاهم إلى الضلالة: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي تأتوننا عن طريق الخير وتصدوننا عنها، أو تأتوننا عن اليمين التي نحبها ونتفاءل بها لتغرونا بذلك من جهة النصح، والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين وتسميه السانح، أو تأتوننا من قبل الدّين، فتهونون علينا أمر الشريعة وتنفروننا عنها. قال القرطبي عن الأخير: وهذا القول حسن جدا، لأن من جهة الدين يكون الخير والشر، واليمين بمعنى الدّين، أي كنتم تزينون لنا الضلالة. وقيل: اليمين بمعنى القوة، أي تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر، قال الله تعالى: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات ٩٣/ ٣٧] أي بالقوة، وقوة الرجل في يمينه.

стр. 6827

فيجيبهم الرؤساء: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي لم تؤمنوا قط حتى ننقلكم من الإيمان إلى الكفر، بل كنتم على الكفر وألفتموه. ولم يكن لنا عليهم سلطان وقهر وحجة في ترك الحق، بل كنتم قوما ضالين متجاوزين الحد، فوجب علينا وعليكم قول ربّنا، فكلنا ذائقو العذاب، كما أخبر الله على ألسنة الرسل: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣/ ٣٢]. وقالوا أيضا: لقد أغويناكم وأضللناكم، أي زينا لكم ما كنتم عليه من الكفر، إنا كنا غاوين بالوسوسة والاستدعاء. ٦ - ثم أخبر الله تعالى عنهم: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي يكون القادة والأتباع جميعا في نار جهنم، سواء الضال والمضل، كل بحسبه. ٧ - إن مقتضى العدل الإلهي والسنن الرباني أن يعاقب المجرمون المشركون على جرمهم العظيم، وهو إنكار الوحدانية والاستكبار عن كلمة التوحيد، وتكذيب الرسل، أو التكذيب بالتوحيد، والتكذيب بالنبوة. وقد صدر منهم الأمران جميعا، أما إنكار التوحيد ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ: لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وأما تكذيب الرسل فهو في قوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ: أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ أي لقول شاعر مجنون، فجمعوا بين إنكار الوحدانية وإنكار الرسالة. فردّ الله عليهم بقوله: ﴿بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي إن الرسول ص جاء بالقرآن والتوحيد، وصدّق الأنبياء المرسلين قبله فيما جاؤوا به من التوحيد ونفي الشريك.

стр. 6828

جزاء الكافرين وجزاء المؤمنين المخلصين ﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)﴾ الإعراب: ﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾ ﴿الْعَذابِ﴾: مجرور بالإضافة، من إضافة الفاعل لمفعوله. وقرئ بنصب العذاب على تقدير النون في ﴿لَذائِقُوا﴾ كما يقال: ولا ذاكر الله إلا قليلا. ﴿فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فَواكِهُ﴾: بدل من ﴿رِزْقٌ﴾ في قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾. ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ظرف أو حال من ضمير ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أو خبر ثان لأولئك. وكذلك ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ إما حال أو خبر.

стр. 6829

﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ ﴿غَوْلٌ﴾: مبتدأ، و ﴿فِيها﴾: خبره، ولا يجوز أن يبنى ﴿غَوْلٌ﴾ مع ﴿لا﴾ للفصل بينهما ب ﴿فِيها﴾. ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ بفتح نون ﴿مُطَّلِعُونَ﴾ وقرئ بالكسر، وهو ضعيف جدا، لأنه جمع بين نون الجمع والإضافة، وكان ينبغي أن يكون «مطلعيّ» بياء مشددة، لأن النون تسقط للإضافة. ﴿فَاطَّلَعَ﴾ بالتشديد، وقرئ بالتخفيف «اطلع» وهما فعلان ماضيان. ﴿إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى﴾ ﴿مَوْتَتَنَا﴾: منصوب على المصدر، كأنه قال: ما نحن نموت إلا موتتنا الأولى، كما تقول: ما ضربت إلا ضربة واحدة. البلاغة: ﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب من إنهم إلى إنكم، لزيادة التقبيح والتشنيع عليهم. ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ كناية، كنّى بذلك عن الحور العين، لأنهن عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن. ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ تشبيه مرسل مجمل، حذف منه وجه الشبه، فصار مجملا. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾ بالإشراك وتكذيب الرسل ﴿إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إلا مثل ما عملتم، أو جزاء ما عملتم ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي المؤمنين الذين أخلصوا لله في العبادة، أو أخلصهم الله لعبادته واصطفاهم لدينه، وهو استثناء منقطع ﴿أُولئِكَ لَهُمْ﴾ في الجنة ﴿رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ أي معروف الخصائص من الدوام والانتظام وتمحض اللذة ﴿فَواكِهُ﴾ ما يؤكل تلذذا لا لحفظ الصحة والتغذي، لأن أهل الجنة مستغنون عن حفظها، بخلق أجسامهم للأبد ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ أي ولهم من الله إكرام عظيم برفع درجاتهم عنده، وسماع كلامه تعالى ولقائه في الجنة. وهم أيضا مكرمون في نيل الرزق، فإنه يصل إليهم من غير تعب ولا سؤال، كما عليه رزق الدنيا ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي في جنات ليس فيها إلا النعيم. ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أي على أسرّة يتكئون عليها، ينظر بعضهم إلى وجوه بعض، كل منهم مسرور بلقاء أخيه، لا ينظر بعضهم قفا بعض. ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ على كل منهم ﴿بِكَأْسٍ﴾ بإناء فيه الشراب ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ أي من خمر يجري على وجه الأرض، كالعيون والأنهار ﴿بَيْضاءَ﴾

стр. 6830

أشد بياضا من اللبن ﴿لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أي لذيذة لمن شربها، بخلاف خمر الدنيا، فإنها كريهة عند الشرب، قال الحسن البصري: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن، له لذة لذيذة ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها، ولا يصيبهم منها مرض ولا صداع ﴿وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ يسكرون، بخلاف خمر الدنيا. قرئ بفتح الزاي وكسرها، من نزف الشارب وأنزف: سكر، فهو نزيف ومنزوف. ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قصرن أبصارهن على أزواجهن، فلا يردن غيرهم ﴿عِينٌ﴾ أي ضخام الأعين حسانها، جمع عيناء: وهي المرأة الواسعة العين مع حسنها ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شبههن في الصفاء والبياض المخلوط بشيء من الصفرة ببيض النعام المستور بريشه من الريح والغبار. والمكنون: المصون من الغبار ونحوه. وهذا اللون وهو البياض المشوب بصفرة أحسن ألوان النساء. ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أي أقبل بعض أهل الجنة على بعض، حال شربهم، يسألون عن أحوالهم التي كانت في الدنيا، وذلك من تمام نعيم الجنة ﴿قَرِينٌ﴾ خليل وصاحب في الدنيا، كافر بالبعث، منكر له. ﴿لَمَدِينُونَ﴾ مجزيون بأعمالنا، ومحاسبون بها، بعد أن صرنا ترابا وعظاما؟ ﴿قالَ﴾ المؤمن ذلك القائل لإخوانه ﴿مُطَّلِعُونَ﴾ معي إلى النار، لننظر حال ذلك القرين الذي قال لي تلك المقالة، كيف منزلته في النار؟ ﴿فَاطَّلَعَ﴾ ذلك المؤمن إلى النار ﴿فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ رأى قرينه في وسط النار ﴿قالَ﴾ له شماتة ﴿إِنْ كِدْتَ﴾ قاربت، و ﴿إِنْ﴾: مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن واللام هي الفارقة ﴿لَتُرْدِينِ﴾ لتهلكني بإغوائك وتوقعني في النار ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ ورحمته علي بالإيمان والهداية ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ معك في النار، المسوقين للعذاب ﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ أي أنحن مخلدون غير ميتين؟ وهو قول أهل الجنة ﴿إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى﴾ غير موتتنا التي في الدنيا، وهذا قول صادر من دواعي الابتهاج والسرور بما أنعم الله عليهم من نعيم الجنة الذي لا ينقطع، فهو استفهام تلذذ وتحدث بنعمة الله تعالى، من تأييد الحياة وعدم التعذيب ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي لسنا بمعذبين. ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي إن ما فيه أهل الجنة من النعمة والخلود والأمن من العذاب، لهو الفوز الساحق الذي لا يقدر قدره. ويحتمل أن يكون هذا من كلام أهل الجنة، وأن يكون كلام الله تقريرا لما يقولون. ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ أي هذه هي التجارة الرابحة، وهو الهدف الأمثل الذي يسعى إليه العاملون، لا العمل للدنيا الزائفة، فلنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون، لا لحظوظ الدنيا المشوبة بالآلام، السريعة الزوال. ويحتمل أن يكون هذا أيضا من كلام أهل الجنة أو كلام الله.
следующие страницы →