وتأخير. وقيل: يساقون إلى النار أولا، ثم يحشرون للسؤال إذا قربوا من النار، ويكون سؤالهم عن عقائدهم وأقوالهم وأفعالهم.
وهذا كله دليل على أن الكافر يحاسب.
٣ - يقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ: ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ أي لا ينصر بعضكم بعضا، فيمنعه من عذاب الله.
٤ - في ذلك الموقف الرهيب لا حيلة لهم، وهم منقادون خاضعون لأمر الله، مستسلمون لعذاب الله .
٥ - تظهر هناك صورة من النقاش والجدل والتخاصم والتلاوم بين الرؤساء والأتباع، لقوله سبحانه: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أي يسأل بعضهم بعضا، والمراد بالتساؤل: التخاصم، فليس المقصود منه تساؤل المستفهمين، بل هو تساؤل التوبيخ واللوم.
يقول الأتباع لمن دعاهم إلى الضلالة: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي تأتوننا عن طريق الخير وتصدوننا عنها، أو تأتوننا عن اليمين التي نحبها ونتفاءل بها لتغرونا بذلك من جهة النصح، والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين وتسميه السانح، أو تأتوننا من قبل الدّين، فتهونون علينا أمر الشريعة وتنفروننا عنها. قال القرطبي عن الأخير: وهذا القول حسن جدا، لأن من جهة الدين يكون الخير والشر، واليمين بمعنى الدّين، أي كنتم تزينون لنا الضلالة.
وقيل: اليمين بمعنى القوة، أي تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر، قال الله تعالى:
﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات ٩٣/ ٣٧] أي بالقوة، وقوة الرجل في يمينه.
стр. 6827
فيجيبهم الرؤساء: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي لم تؤمنوا قط حتى ننقلكم من الإيمان إلى الكفر، بل كنتم على الكفر وألفتموه. ولم يكن لنا عليهم سلطان وقهر وحجة في ترك الحق، بل كنتم قوما ضالين متجاوزين الحد، فوجب علينا وعليكم قول ربّنا، فكلنا ذائقو العذاب، كما أخبر الله على ألسنة الرسل:
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣/ ٣٢].
وقالوا أيضا: لقد أغويناكم وأضللناكم، أي زينا لكم ما كنتم عليه من الكفر، إنا كنا غاوين بالوسوسة والاستدعاء.
٦ - ثم أخبر الله تعالى عنهم: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي يكون القادة والأتباع جميعا في نار جهنم، سواء الضال والمضل، كل بحسبه.
٧ - إن مقتضى العدل الإلهي والسنن الرباني أن يعاقب المجرمون المشركون على جرمهم العظيم، وهو إنكار الوحدانية والاستكبار عن كلمة التوحيد، وتكذيب الرسل، أو التكذيب بالتوحيد، والتكذيب بالنبوة.
وقد صدر منهم الأمران جميعا، أما إنكار التوحيد ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ: لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وأما تكذيب الرسل فهو في قوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ: أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ أي لقول شاعر مجنون، فجمعوا بين إنكار الوحدانية وإنكار الرسالة.
فردّ الله عليهم بقوله: ﴿بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي إن الرسول ص جاء بالقرآن والتوحيد، وصدّق الأنبياء المرسلين قبله فيما جاؤوا به من التوحيد ونفي الشريك.
стр. 6828
جزاء الكافرين وجزاء المؤمنين المخلصين
﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)﴾
الإعراب:
﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾ ﴿الْعَذابِ﴾: مجرور بالإضافة، من إضافة الفاعل لمفعوله.
وقرئ بنصب العذاب على تقدير النون في ﴿لَذائِقُوا﴾ كما يقال: ولا ذاكر الله إلا قليلا.
﴿فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فَواكِهُ﴾: بدل من ﴿رِزْقٌ﴾ في قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾.
﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ظرف أو حال من ضمير ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أو خبر ثان لأولئك. وكذلك ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ إما حال أو خبر.
стр. 6829
﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ ﴿غَوْلٌ﴾: مبتدأ، و ﴿فِيها﴾: خبره، ولا يجوز أن يبنى ﴿غَوْلٌ﴾ مع ﴿لا﴾ للفصل بينهما ب ﴿فِيها﴾.
﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ بفتح نون ﴿مُطَّلِعُونَ﴾ وقرئ بالكسر، وهو ضعيف جدا، لأنه جمع بين نون الجمع والإضافة، وكان ينبغي أن يكون «مطلعيّ» بياء مشددة، لأن النون تسقط للإضافة.
﴿فَاطَّلَعَ﴾ بالتشديد، وقرئ بالتخفيف «اطلع» وهما فعلان ماضيان.
﴿إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى﴾ ﴿مَوْتَتَنَا﴾: منصوب على المصدر، كأنه قال: ما نحن نموت إلا موتتنا الأولى، كما تقول: ما ضربت إلا ضربة واحدة.
البلاغة:
﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب من إنهم إلى إنكم، لزيادة التقبيح والتشنيع عليهم.
﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ كناية، كنّى بذلك عن الحور العين، لأنهن عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن.
﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ تشبيه مرسل مجمل، حذف منه وجه الشبه، فصار مجملا.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾ بالإشراك وتكذيب الرسل ﴿إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إلا مثل ما عملتم، أو جزاء ما عملتم ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي المؤمنين الذين أخلصوا لله في العبادة، أو أخلصهم الله لعبادته واصطفاهم لدينه، وهو استثناء منقطع ﴿أُولئِكَ لَهُمْ﴾ في الجنة ﴿رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ أي معروف الخصائص من الدوام والانتظام وتمحض اللذة ﴿فَواكِهُ﴾ ما يؤكل تلذذا لا لحفظ الصحة والتغذي، لأن أهل الجنة مستغنون عن حفظها، بخلق أجسامهم للأبد ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ أي ولهم من الله إكرام عظيم برفع درجاتهم عنده، وسماع كلامه تعالى ولقائه في الجنة.
وهم أيضا مكرمون في نيل الرزق، فإنه يصل إليهم من غير تعب ولا سؤال، كما عليه رزق الدنيا ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي في جنات ليس فيها إلا النعيم.
﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أي على أسرّة يتكئون عليها، ينظر بعضهم إلى وجوه بعض، كل منهم مسرور بلقاء أخيه، لا ينظر بعضهم قفا بعض. ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ على كل منهم ﴿بِكَأْسٍ﴾ بإناء فيه الشراب ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ أي من خمر يجري على وجه الأرض، كالعيون والأنهار ﴿بَيْضاءَ﴾
стр. 6830
أشد بياضا من اللبن ﴿لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أي لذيذة لمن شربها، بخلاف خمر الدنيا، فإنها كريهة عند الشرب، قال الحسن البصري: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن، له لذة لذيذة ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها، ولا يصيبهم منها مرض ولا صداع ﴿وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ يسكرون، بخلاف خمر الدنيا. قرئ بفتح الزاي وكسرها، من نزف الشارب وأنزف: سكر، فهو نزيف ومنزوف.
﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قصرن أبصارهن على أزواجهن، فلا يردن غيرهم ﴿عِينٌ﴾ أي ضخام الأعين حسانها، جمع عيناء: وهي المرأة الواسعة العين مع حسنها ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شبههن في الصفاء والبياض المخلوط بشيء من الصفرة ببيض النعام المستور بريشه من الريح والغبار.
والمكنون: المصون من الغبار ونحوه. وهذا اللون وهو البياض المشوب بصفرة أحسن ألوان النساء.
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أي أقبل بعض أهل الجنة على بعض، حال شربهم، يسألون عن أحوالهم التي كانت في الدنيا، وذلك من تمام نعيم الجنة ﴿قَرِينٌ﴾ خليل وصاحب في الدنيا، كافر بالبعث، منكر له. ﴿لَمَدِينُونَ﴾ مجزيون بأعمالنا، ومحاسبون بها، بعد أن صرنا ترابا وعظاما؟ ﴿قالَ﴾ المؤمن ذلك القائل لإخوانه ﴿مُطَّلِعُونَ﴾ معي إلى النار، لننظر حال ذلك القرين الذي قال لي تلك المقالة، كيف منزلته في النار؟ ﴿فَاطَّلَعَ﴾ ذلك المؤمن إلى النار ﴿فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ رأى قرينه في وسط النار ﴿قالَ﴾ له شماتة ﴿إِنْ كِدْتَ﴾ قاربت، و ﴿إِنْ﴾: مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن واللام هي الفارقة ﴿لَتُرْدِينِ﴾ لتهلكني بإغوائك وتوقعني في النار ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ ورحمته علي بالإيمان والهداية ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ معك في النار، المسوقين للعذاب ﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ أي أنحن مخلدون غير ميتين؟ وهو قول أهل الجنة ﴿إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى﴾ غير موتتنا التي في الدنيا، وهذا قول صادر من دواعي الابتهاج والسرور بما أنعم الله عليهم من نعيم الجنة الذي لا ينقطع، فهو استفهام تلذذ وتحدث بنعمة الله تعالى، من تأييد الحياة وعدم التعذيب ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي لسنا بمعذبين.
﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي إن ما فيه أهل الجنة من النعمة والخلود والأمن من العذاب، لهو الفوز الساحق الذي لا يقدر قدره. ويحتمل أن يكون هذا من كلام أهل الجنة، وأن يكون كلام الله تقريرا لما يقولون. ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ أي هذه هي التجارة الرابحة، وهو الهدف الأمثل الذي يسعى إليه العاملون، لا العمل للدنيا الزائفة، فلنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون، لا لحظوظ الدنيا المشوبة بالآلام، السريعة الزوال. ويحتمل أن يكون هذا أيضا من كلام أهل الجنة أو كلام الله.
стр. 6831
المناسبة:
بعد أن حكى الله تعالى تكذيب الكفار بالتوحيد وبالنبوة، نقل الكلام من الغيبة إلى الحضور، مبينا أن حوار الأتباع والرؤساء من أهل الضلال لا فائدة فيه، فإن العذاب شامل الفريقين، وأن الجزاء العدل في الآخرة على وفق العمل في الدنيا، ثم استثنى الله تعالى العباد الذين اصطفاهم لطاعته، وأخلصوا العبادة لربهم، فهم في ألوان متنوعة من النعيم المادي في الجنة من مآكل ومشارب وملابس وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وكذا من النعيم المعنوي حيث لا يشغلهم همّ ولا نصب، ويستذكرون أحوالهم في الدنيا، وأحاديثهم مع بعض القرناء الأخلاء.
التفسير والبيان:
يبين الله تعالى حال المكذبين الضالين، وهو أيضا خطاب للناس، فيقول:
﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾ أي إنكم أيها الكفار لتذوقن العذاب المؤلم في نار جهنم الذي يدوم ولا ينقطع.
﴿وَما تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي إن جزاء كم لحق وعدل لا ظلم فيه، وهو عقابكم على أعمالكم من الكفر والمعاصي، فهي سبب الجزاء: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦/ ٤١] ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف ١٩/ ١٨].
بعد بيان حال المجرمين المتكبرين عن قبول التوحيد المصرّين على إنكار النبوة، ذكر تعالى حال المخلصين في كيفية الثواب، فقال:
﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ، أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ، فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ أي ولكن عباد الله الذين أخلصهم الله لطاعته وتوحيده، وأخلصوا العمل لله، ناجون لا يذوقون العذاب ولا يناقشون الحساب، بل يتجاوز عن سيئاتهم، كما
стр. 6832
قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ.﴾. [العصر ١/ ١٠٣ - ٣] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ.﴾. [المدثر ٣٨/ ٧٤ - ٣٩]. و ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ صفة مدح، لأن كونهم عباد الله يلزم منه أن يكونوا مخلصين.
ولهؤلاء المخلصين رزق من الله، معلوم حسنه وطيبه ودوامه دون انقطاع في الجنة، يعطونه بكرة وعشيا، وإن لم يكن ثمة بكرة وعشية، فيتمتعون بلذيذ الفواكه المتنوعة أي الثمار كلها، فهي أطيب ما يأكلونه، وذلك الأكل حاصل مع الإكرام والتعظيم، فهم يخدمون ويرفهون، ولهم أيضا إكرام عظيم برفع درجاتهم في الجنة عند ربهم، ويسمعون كلامه ويلقونه في رحاب الجنان.
وفي هذا دلالة على أن تناولهم الفاكهة إنما هو تلذذ لا للتغذي والقوت، لأنهم مستغنون عنه، لأنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد. ووصف ﴿رِزْقٌ﴾ بمعلوم، أي عندهم.
وبعد بيان مأكولهم، وصف الله تعالى مساكنهم، فقال:
﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ، عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أي إن هذا الرزق يأتيهم في جنات ذات نعيم مقيم ومتاع دائم، وهم على أسرة يتكئون عليها، ينظر بعضهم إلى وجوه بعض، بسرور وابتهاج، لا ينظر بعضهم في قفا بعض، فصاروا يجمعون بين المتعة المادية الجسدية، والمتعة الروحية الإنسانية.
وبعد بيان صفة المأكل والمسكن ذكر تعالى صفة الشراب، فقال:
﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أي يدار عليهم بآنية من خمر تجري في أنهر، والمعين: الماء الجاري، فهي تخرج من العيون كما يخرج الماء دون انقطاع، وسمي معينا لظهوره.
стр. 6833
ثم وصف الله تعالى خمر الجنة البعيدة عن آفات خمر الدنيا، فقال:
﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ ١ لِلشّارِبِينَ، لا فِيها غَوْلٌ، وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ أي ذات لون أبيض شديد البياض، لذيذة الطعم، طيبة الرائحة، لا كخمر الدنيا المرّة ذات النكهة المزعجة، وهي لا تذهب بالعقول، ولا تؤدي إلى صداع الرأس، ووجع البطن، وأنواع الأمراض، كما هو شأن خمر الدنيا، فهي بخلاف خمر الدنيا في جميع تلك الأوصاف، لا تضر النفس والعقل والمال والشخصية، بسبب نزع مادة الغول أي الكحول منها. وفي هذا إيماء إلى مفاسد خمر الدنيا من صداع وفساد وسكر، وعربدة وهذيان، وإفساد للدم، وجهاز الهضم كله.
وبعد بيان صفة مشروبهم ذكر تعالى صفة زوجاتهم، فقال:
﴿وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ أي لديهم زوجات عفيفات، لا ينظرن إلى غير أزواجهن، ولا يردن غيرهم، ذوات عيون واسعة حسان. والعين جمع عيناء: وهي النجلاء الواسعة في جمال، الحسناء المنظر، وبه يتبين أنه تعالى وصف عيونهن بالحسن والعفة، كما قال تعالى في الحور العين: ﴿خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن ٧٠/ ٥٥].
﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ أي كأن ألوانهن من البياض المشوب بأدنى الصفرة، كالبيض المحصون المصون المستور الذي لم تمسه الأيدي، ولم يتلوث بالريح والغبار. وهذا اللون أحسن ألوان النساء.
وبعد بيان ألوان المتعة المادية لأهل الجنة في المآكل والمشارب والمساكن والأزواج، ذكر الله تعالى بعض أنواع المتع النفسية، فقال:
стр. 6834
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أي أقدم بعضهم حال شربهم واجتماعهم ومعاشرتهم في مجالسهم، يسأل بعضا آخر عن أحوالهم التي كانوا عليها في الدنيا، وماذا كانوا يعانون فيها، وذلك من تمام نعيم الجنة.
ومن موضوعات التساؤل قوله تعالى:
﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ: إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ، يَقُولُ: أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ، أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَدِينُونَ﴾ أي قال مؤمن من أهل الجنة: كان لي صاحب في الدنيا كافر بالبعث منكر له، يقول: أنحن إذا متنا وصرنا ترابا متفتتا وعظاما بالية، أنكون محاسبين بعدئذ على أعمالنا، ومبعوثين نجازى على ما قدمنا في الدنيا؟ فذلك أمر مستحيل غير معقول ولا مقدور لأحد، فهل أنت مصدق مثل هذه الخرافات؟ ﴿قالَ: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾؟ قال المؤمن لجلسائه: انظروا معي إلى أهل النار لأريكم ذلك القرين الذي قال لي تلك المقالة، كيف يعذب، وكيف يجازى الجزاء الأوفى؟ ﴿فَاطَّلَعَ، فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ أي فنظر ذلك المؤمن إلى أهل النار، فرأى قرينه في وسط جهنم، يتلظى بحرّها.
﴿قالَ: تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ، وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ أي قال المؤمن لقرينه الكافر على جهة التوبيخ: لقد قاربت أن توقعني في الردى والهلاك بالإغواء، وتهلكني بدعوتك إياي إلى إنكار البعث والقيامة، ولولا رحمة ربي وعصمته من الضلال، وتوفيقه وإرشاده لي إلى الحق، وهدايته لي إلى الإسلام، لكنت من المحضرين معك في النار للعذاب.
ثم عاد ذلك المؤمن إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة، فقال:
стр. 6835
﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى، وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي قال المؤمن لجلسائه ابتهاجا وسرورا بما أنعم عليهم من نعيم الجنة الدائم: أنحن مخلّدون منعّمون أبدا، فلا نموت إلا الموتة الأولى الحادثة في الدنيا، ولسنا معذّبين كما يعذّب الكفار أصحاب النار؟ هذه حال المؤمنين وصفتهم وما قضى الله لهم ألا يذوقوا إلا الموتة الأولى، بخلاف الكفار، فإنهم فيما هم فيه من العذاب يتمنون الموت كل ساعة. والمؤمن يقول هذا القول تحدثا بنعمة الله واغتباطا بحاله وبمسمع من قرينه توبيخا له، يزداد به عذابا، وأما المؤمن فيسعد ويغبط نفسه بالخلود في الجنة، والإقامة في النعيم، بلا موت ولا عناء.
﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ أي إن هذا النعيم الدائم المقيم وهذا الفضل العميم الذي نحن فيه لهو النجاح الباهر، والفوز الأكبر الذي لا يوصف، ولمثل هذا النعيم والفوز، ليعمل العاملون في الدنيا، ليحظوا به، لا أن يعملوا فحسب لحظوظ الدنيا الفانية، المقترنة بالمخاطر والآلام والمتاعب الكثيرة. والخلاصة: أن المطلوب هو العمل للآخرة وللجنة الخالدة، لا أن يقصر العمل على المكاسب الدنيوية فقط.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - إن عذاب الكفار والمجرمين أمر حق وعدل ومؤكد الوقوع.
٢ - هذا الجزاء يكون بسبب العمل المنكر وهو الشرك والمعاصي، وهذا رد على من قد يقول: كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عباده؟
стр. 6836
٣ - إن تنفيذ الأمر الإلهي واجتناب القبيح والمعصية يتطلبان الترغيب في الثواب، والترهيب من العقاب، لذا استثنى الله من الإخبار بالعذاب عباده الذين أخلصوا العمل لله تعالى، فهم ناجون غير معذبين.
٤ - إن ثواب المؤمنين المخلصين هو الجنة، وفيها الرزق المعلوم الصفات وهو الدائم الذي لا ينقطع، المشتمل على أطيب المآكل من الثمار المختلفة الرطبة واليابسة، في بساتين يتنعمون فيها، ولهم إكرام من الله جل وعز برفع الدرجات وسماع كلامه ولقائه.
ولا ينظر بعضهم في قفا بعض، وإنما يجلسون على أسرّة يتكئون عليها متقابلين وجها لوجه، غير متدابرين.
وذلك الرزق مشتمل أيضا على أطيب المشارب من خمور تقدم لهم بكؤوس مترعة، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها، وإنما تجري كما تجري العيون على وجه الأرض، وخمر الجنة أشد بياضا من اللبن، طيبة الطعم، وطيبة الريح، لا تغتال عقولهم، ولا تذهب بها بشربها، ولا يصيبهم منها مرض ولا صداع، ولا يسكرون منها.
ولهم أزواج من النساء العفيفات اللاتي قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم، وهن حسان العيون، ذوات جمال ولون بديع كبيض النعام المصون، يخالط لونها صفرة قليلة، وهو أحسن ألوان النساء.
٥ - يتجاذب أهل الجنة أطراف الأحاديث المسلّية التي يتذكرونها في الدنيا، إتماما للأنس في الجنة، فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا.
ومن موضوعات أحاديثهم: قصة المؤمن والكافر، يقول المؤمن من أهل الجنة: كان لي في الدنيا قرين أي صديق ملازم، فسألني متعجبا: هل أنت من
стр. 6837
المصدقين بالبعث والجزاء؟ وهل نحن مجزيون محاسبون بعد الموت، وهل يعقل أن نعود أحياء بعد أن متنا وصرنا ترابا وعظاما نخرة؟ وتتمة الموضوع أن يقول المؤمن لأهل الجنة: هل أنتم مطلعون إلى النار لننظر كيف حال ذلك القرين ومآله؟ فلم يفعلوا، وإنما اطلع هو، فوجد قرينه معذبا في وسط النار. فيقول له موبخا: والله، لقد قاربت أن توقعني في النار، وتهلكني، ولولا فضل ربي ورحمته وعصمته من الضلال والباطل، وإنعامه بالإرشاد والتوفيق إلى الحق، لكنت محضرا معك في النار مثلك.
٦ - ثم يعود ذلك المؤمن إلى خطاب جلسائه الذين هم من أهل الجنة، بعد أن يعلموا أنهم لا يموتون حين يمثل الموت بصورة كبش أملح فيذبح، بعد أن كانوا لا يعلمون بذلك في أول دخولهم في الجنة، فيقول مغتبطا مبتهجا: أنحن مخلّدون منعّمون، فما نحن بميتين ولا معذّبين؟ ٧ - النتيجة من القصة والحديث المتبادل: هي أن الظفر بنعيم الجنان هو الفوز الأعظم، ولمثل هذا العطاء والفضل ينبغي أن يعمل العاملون العمل الصالح المؤدي إلى تلك النعمة الكبرى.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ يحتمل أن يكون من كلام المؤمن لما رأى ما أعد الله له في الجنة وما أعطاه، ويحتمل أن يكون من قول الملائكة، ويحتمل أن يكون هو من قول الله لأهل الدنيا، أي قد سمعتم ما في الجنة من الخيرات والجزاء، فليعمل العاملون لمثل هذا، كما تقدم إيجازه.
стр. 6838
جزاء الظالمين وأنواع العذاب في جهنم
﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾
الإعراب:
﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾: إما وصف لشجرة، وإما خبر بعد خبر، وإما في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿تَخْرُجُ﴾. و ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾: اي منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.
البلاغة:
﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ في قوله: ﴿خَيْرٌ﴾ أسلوب تهكمي للتهكم بهم.
﴿مُنْذِرِينَ﴾ ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ بينهما جناس ناقص، يراد بالأول الرسل، وبالثاني الأمم.
﴿طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾ تشبيه مرسل مجمل حذف منه وجه الشبه، أي في الهول والشناعة وتناهي القبح.
المفردات اللغوية:
﴿أَذلِكَ﴾ المذكور لهم. ﴿خَيْرٌ نُزُلاً﴾ ضيافة، والنزل: ما يعد للنازل ضيفا وغيره من طعام وشراب. ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ شجرة معدة لأهل النار، وهي شجرة صغيرة الورق تنبت
стр. 6839
بتهامة، لها ثمر مرّ كريه الرائحة، يكره أهل النار على تناوله، فهم يتزقمونه. والتزقم: البلع مع الجهد والألم. ﴿إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ أي أنبتناها في قعر جهنم، لتكون محنة للكافرين من أهل مكة، إذ قالوا: كيف ذلك، والنار تحرق الشجر، فكيف تنبته؟ ولم يعلموا أن من قدر على خلق ما يعيش في النار، فهو أقدر على خلق الشجر في النار وحفظه من الإحراق، وهناك أشياء نشاهدها اليوم غير قابلة للاحتراق.
﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ أي تنبت في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. ﴿طَلْعُها﴾ ثمرها أو حملها المشبّه بطلع النخل، وأصل الطلع: ثمر النخلة أول ظهوره، أطلق على ثمر هذه الشجرة مجازا. ﴿كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾ شبه المحسوس بالمتخيل، وإن كان غير مرئي، للدلالة على أن ثمرها في غاية القبح، ونهاية البشاعة، كتشبيه الفائق في الحسن بالملك، وقيل: الشياطين: حيات هائلة قبيحة المنظر، لها أعراف. ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها﴾ فإن الكفار لآكلون من تلك الشجرة مع قبحها لشدة جوعهم. ﴿فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ الملء: حشو الوعاء بما لا زيادة عليه. ﴿لَشَوْباً﴾ الشوب: الخلط، يقال: شاب الطعام أو الشراب: خلطه بشيء آخر. ﴿حَمِيمٍ﴾ ماء شديد الحرارة، يشربونه، فيختلط بالمأكول من شجرة الزقوم، فيصير شوبا له.
﴿مَرْجِعَهُمْ﴾ مصيرهم. ﴿لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ إلى دركاتها أو إلى نفسها، وهذا دليل على أنهم يخرجون من النار لشراب الحميم، وأنه خارجها، لقوله تعالى: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ، يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن ٤٣/ ٥٥ - ٤٤] يوردون إليه، كما تورد الإبل إلى الماء، ثم يردون إلى الجحيم.
﴿أَلْفَوْا﴾ وجدوا. ﴿يُهْرَعُونَ﴾ يزعجون إلى اتباعهم، ويسرعون إسراعا شديدا، وهو تعليل لاستحقاقهم تلك الشدائد بتقليد الآباء في الضلال. والإهراع: الإسراع الشديد. ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ قبل قومك. ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ من الأمم الماضية.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أنبياء أنذروهم من العواقب. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي مصير الكافرين من الأمم وهو العذاب. ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ إلا الذين تنبهوا بإنذارهم، فأخلصوا دينهم لله، فنجوا من العذاب، والمخلصين: بفتح اللام: هم الذين أخلصهم الله للعبادة والطاعة، وبكسر اللام: هم الذين أخلصوا في العبادة.
المناسبة:
بعد بيان ما أعده الله تعالى للأبرار في جنات النعيم من مآكل ومشارب وغيرها، ذكر تعالى ما أعده للأشرار في نار جهنم، من أنواع المآكل والمشارب بسبب تقليدهم الآباء في الكفر بالله وعبادة الأصنام والأوثان.
стр. 6840
التفسير والبيان:
﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ أهذا المذكور من نعيم الجنة وما فيها مآكل ومشارب وملاذ وغيرها خير ضيافة وعطاء، أم شجرة الزقوم ذات الطعم المرّ الشنيع، التي في جهنم؟ وهذا نوع من التهكم والسخرية بهم، فهو طعام أهل النار يتزقمونه، وهو نزلهم وضيافتهم.
﴿إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ أي إنا جعلنا تلك الشجرة اختبارا للكافرين، حين افتتنوا بها وكذبوا بوجودها، فقالوا: كيف تكون الشجرة في النار، والنار تحرق ما فيها؟ وهذا الاستبعاد لجهلهم بأن بعض الأشياء غير قابل للاحتراق، ولأنهم لم يعلموا ولم يلاحظوا أن من قدر على خلق إنسان يعيش في النار، فهو أقدر على خلق شجر فيها لا يحترق.
وصفات تلك الشجرة ما قاله تعالى:
١ - ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ أي إنها شجرة تنبت في قعر النار وقرار جهنم، وترتفع أغصانها إلى دركاتها.
٢ - ﴿طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾ أي إن ثمرها وما تحملها كأنه في تناهي قبحه وشناعة منظره كأنه رؤوس الشياطين، تبشيعا لها وتكريها لذكرها، فشبّه المحسوس بالمتخيل غير المرئي، والعرب تشبّه قبيح الوجه بالشيطان، وتشبه جميل الصورة بالملك، كما جاء في القرآن حكاية على لسان صواحبات يوسف ﵇: ﴿ما هذا بَشَراً، إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١/ ١٢].
وقيل: إن الشياطين هي حيّات لها رؤوس وأعراف، وهي من أقبح الحيات.
стр. 6841
ثم ذكر الله تعالى أن هذه الشجرة مأكل الكفار أهل النار، فقال:
﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها، فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ أي إنهم يأكلون من ثمر هذه الشجرة السيء الريح والطعم والطبع، فيملئون بطونهم منه، بالإكراه والاضطرار، لأنهم لا يجدون غير هذه الشجرة ونحوها، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ، لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية ٦/ ٨٨ - ٧] فهذا طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة.
روى ابن أبي حاتم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ص تلا هذه الآية، وقال: «اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه؟» (١).
وبعد وصف طعامهم، وصف تعالى شرابهم بما هو أبشع منه، قائلا:
﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي ثم إن لهم بعد الأكل منها لشرابا من ماء شديد الحرارة يخالط طعامهم. والمقصود من كلمة ﴿ثُمَّ﴾ بيان أن حال المشروب في البشاعة أعظم من حال المأكول. ومكان هذا الماء خارج جهنم، لقوله تعالى:
﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أي مرجعهم بعد شرب الحميم وأكل الزقوم إلى دار الجحيم. وهذا يدل على أنهم عند شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم، مما يدل على أن الحميم في موضع خارج عن الجحيم، فهم يوردون الحميم لشربه، كما تورد الإبل إلى الماء، ثم يردّون إلى الجحيم، كما قال تعالى: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن ٤٣/ ٥٥ - ٤٤].
стр. 6842
وبعد وصف عذابهم في أكلهم وشربهم ذكر الله تعالى علة العذاب قائلا:
﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ، فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ أي إنهم وجدوا وصادفوا آباءهم على الضلال، فاقتدوا بهم وقلدوهم، من غير تعقل ولا تدبر، ولا حجة وبرهان، فهم يتبعون آباءهم في سرعة، كأنهم حرّضوا على ذلك، وأزعجوا إلى اتباع آبائهم.
ثم بيّن الله تعالى أن الكفر ظاهرة قديمة، وأتباعه كثر، تسلية للرسول ص في كفر قومه وتكذيبهم، فقال:
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي إن أكثر الأمم الماضية كانوا ضالين، يجعلون مع الله آلهة أخرى.
ولكن رحمته تعالى لم تتركهم دون إنذار، فقال:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أي أرسل الله في الأمم الماضية أنبياء ورسلا ينذرونهم بأس الله، ويحذرونهم سطوته ونقمته ممن كفر به، وعبد غيره، لكنهم تمادوا في مخالفة رسلهم وتكذيبهم فأهلكهم الله، كما قال:
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ فانظر أيها الرسول والمخاطب كيف كان مصير الكافرين المكذبين، أهلكهم الله ودمّرهم وصاروا إلى النار، مثل قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، ثم استثنى تعالى منهم المؤمنين قائلا:
﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي لكن نجى الله عباده الذين اصطفاهم وأخلصهم لطاعته، بتوفيقهم إلى الإيمان والتوحيد، والعمل بأوامر الله، ففازوا بجنان الخلد، ونصرهم في الدنيا.
ويفهم من هذه التسلية للرسول ص أنه يجب عليه أن يكون له أسوة بمن
стр. 6843
تقدمه من الرسل، فيصبر كما صبروا، ويستمر على دعوته، وإن تمرد المرسل إليهم، فليس عليه إلا البلاغ.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - لا مجال للمقارنة بين ما أعده الله لعباده الأبرار من نعيم في الجنان، وما أعده للأشرار من عذاب في النيران.
٢ - إن طعام أهل النار هو الزقّوم الثمر المرّ الكريه الطعم والرائحة، العسير البلع، المؤلم الأكل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان ٤٣/ ٤٤ - ٤٦].
٣ - إن الإخبار عن وجود شجرة الزقوم في قعر جهنم فتنة وابتلاء واختبار للكفار الذين قالوا: كيف تكون الشجرة في النار وهي تحرق النار؟ لكن كان هذا القول جهلا منهم، إذ إن هناك أشياء نشاهدها اليوم غير قابلة للاحتراق، ولا يستحيل في العقل أن يخلق الله في النار شجرا من جنسها لا تأكله النار، كما يخلق الله فيها الأغلال والقيود والحيّات والعقارب وخزنة النار.
٤ - وصف الله تعالى هذه الشجرة بصفتين: الأولى-إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم أي منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. والصفة الثانية- ثمرها وحملها في قبحه وشناعته كأنه رؤوس الشياطين، وهذا الشبه متصور في نفوس العرب، وإن كان غير مرئي. ومن ذلك قولهم لكل قبيح: هو كصورة الشيطان، ولكل صورة حسنة كصورة الملك.
ومنه قوله تعالى مخبرا عن صواحبات يوسف: ﴿ما هذا بَشَراً، إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١/ ١٢] وهذا تشبيه تخييلي.
стр. 6844
وقال الزجاج والفرّاء: الشياطين حيات لها رؤوس وأعراف، وهي من أقبح الحيّات وأخبثها وأخفها جسما.
٥ - لا يكتفي أهل النار بتناول شيء قليل من الزقوم، وإنما يأكلون منه بالإكراه حتى تمتلئ منه بطونهم، فهذا طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة.
وبعد الأكل من الشجرة يشربون الماء المغلي الشديد الحرارة الذي يخالط طعام الزقوم، قال الله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً، فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ [سورة محمد ١٥/ ٤٧]. قيل: يمزج لهم الزقوم بالحميم ليجمع لهم بين مرارة الزقوم وحرارة الحميم، تغليظا لعذابهم، وتجديدا لبلائهم.
٦ - يشرب أهل النار من ماء الحميم ويأكلون الزقوم من مكان خارج جهنم، للآية: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ فهذا يدل على أنهم كانوا حين أكلوا الزقوم في عذاب غير النار، ثم يردون إليها. والحميم كما قال مقاتل خارج الجحيم، فهم يوردون الحميم لشربه، ثم يردون إلى الجحيم، لقوله تعالى: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ، يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن ٤٣/ ٥٥ - ٤٤].
٧ - إن سبب عذابهم الذي استحقوه هو تقليدهم آباءهم في الكفر بالله وتكذيب الرسل وعبادة الأصنام والأوثان، فكأنهم يستحثون من خلفهم، ويسرعون إلى تقليدهم، ويزعجون من شدة الإسراع.
٨ - لقد كفر بالله وكذب الرسل وضل كثير من الأمم الماضية، ولكن الله أرسل إليهم رسلا أنذروهم العذاب فكفروا، فكان مصيرهم الدمار والهلاك وولوج النار.
٩ - ينجي الله دائما عباده المؤمنين الذين استخلصهم من الكفر، وأخلصوا لله النية والعمل، ففازوا بنعيم الجنان، ونصرهم الله في الدنيا.
стр. 6845
قصة نوح ﵇
﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)﴾
الإعراب:
﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ المخصوص بالمدح محذوف، تقديره: فلنعم المجيبون نحن، كقوله تعالى:
﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ [ص ٤٤/ ٣٨] أي أيوب.
﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾ ﴿سَلامٌ﴾: مبتدأ، و ﴿عَلى نُوحٍ﴾: خبره، وجاز الابتداء بالنكرة، لأنه في معنى الدعاء، كقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين ١/ ٨٣] وقرئ سلاما بالنصب على أنه مفعول ﴿تَرَكْنا﴾ تقديره: تركنا عليه في الآخرين سلاما، أي ثناء حسنا.
البلاغة:
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ كناية، كنى بذلك عن الذكر الجميل والثناء الحسن.
المفردات اللغوية:
﴿نادانا نُوحٌ﴾ دعانا حين أيس من قومه، فالمراد من النداء الاستغاثة، بقوله: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر ١٠/ ٥٤]. ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ له نحن، اي فأجبناه أحسن الإجابة، والتقدير: فو الله لنعم المجيبون نحن، فحذف ما حذف لقيام ما يدل عليه. ونوع الجواب: أنا أهلكناهم بالغرق.
﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أي الغرق أو أذى قومه، والكرب: الغم الشديد ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ أي أبقينا ذريته متناسلين إلى يوم القيامة، فالناس كلهم من نسله ﵇، وكان
стр. 6846
له ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم، وحام: وهو أبو السودان، ويافث: أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج من الصين واليابان ونحوهم. روي أنه مات كل من معه في السفينة غير بنيه وأزواجهم.
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أبقينا عليه ثناء حسنا بين الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة، فمفعول ﴿وَتَرَكْنا﴾ محذوف، كما في الثناء السابق بقوله: ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾. ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ هذا الكلام جيء به على الحكاية، والمعنى: يسلمون عليه تسليما، أي يثنون عليه ثناء حسنا ويدعون له ويترحمون عليه. وقيل: هو سلام من الله عليه ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي مثل ذلك الجزاء الذي جازيناه نجزي المحسنين ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ تعليل لإحسانه بالإيمان، إظهارا لجلالة قدره وأصالة أمره ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ أي كفار قومه.
المناسبة:
هذه الآيات شروع في تفصيل القصص بعد إجمالها، فبعد ذكر ضلال كثير من الأمم السابقة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وقوله:
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أتبعه بتفصيل قصص الأنبياء ﵈، وهذه هي القصة الأولى-قصة نوح ﵇ مع قومه، في بيان بليغ موجز.
التفسير والبيان:
﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ أي تالله لقد دعانا نوح ﵇، واستغاث بنا، ودعا على قومه بالهلاك حيث قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ [نوح ٢٦/ ٧١] بعد أن طال دعاؤهم إلى الإيمان، فكذبوه وآذوه وهموا بقتله ولم يؤمن معه إلا القليل، مع طول المدة التي لبثها فيهم وهي ألف سنة إلا خمسين عاما، ولم يزدهم دعاؤه إلا فرارا.
فأجاب الله دعاءه أحسن الإجابة، وأهلك قومه بالطوفان.
أخرج ابن مردويه عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ص إذا
стр. 6847
صلّى في بيتي، فمرّ بهذه الآية: ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ قال:
صدقت ربنا، أنت أقرب من دعي، وأقرب من بغي، فنعم المدعو، ونعم المعطي، ونعم المسؤول، ونعم المولى، أنت ربنا، ونعم النصير».
وبعد بيان أنه سبحانه نعم المجيب على سبيل الإجمال، بين أن الإنعام حصل في الإجابة من وجوه:
١ - ﴿وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أي ونجينا نوحا وأهل دينه، وهم من آمن معه وهم ثمانون، من الغم الشديد وهو الغرق.
٢ - ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ أي وجعلنا ذريته وحدهم دون غيرهم هم الباقين على قيد الحياة، وأهلكنا من كفر بدعائه، ولم نبق منهم باقية، ومن كان معه في السفينة من المؤمنين ماتوا كما قيل، ولم يبق إلا أولاده وذريته.
والآية تفيد الحصر، وهو يدل على أن كل من سواه وسوى ذريته قد فنوا.
قال ابن عباس: ذريته بنوه الثلاثة: سام وحام ويافث، فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك.
٣ - ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي أبقينا له ثناء حسنا فيمن يأتي بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة.
﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ أي وقلنا: عليك يا نوح سلام منا في الملائكة وعالمي الإنس والجن. أو معناه أن الذي أبقي عليه من الذكر الجميل والثناء الحسن: أنه يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم. ويؤيد التفسير الأول آية: ﴿قِيلَ: يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود ٤٨/ ١١].
وعلة أنواع الإنعام السابقة ما قاله تعالى:
стр. 6848
﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله ، أو خصصنا نوحا ﵇ بتلك النعم التي منها إبقاء ذكره الحسن في ألسنة جميع العالمين لأجل أنه كان محسنا.
وعلة إحسانه ما قاله سبحانه:
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إن السبب في كون نوح محسنا هو كونه عبدا لله مؤمنا. وهذا دليل على أن الإيمان بالله تعالى وإطاعته أعظم الدرجات وأشرف المقامات.
﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ أي أغرقنا كفار قومه بالطوفان وأهلكناهم، ولم نبق منهم أحدا، وتلك عظة وعبرة: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧/ ٥٠].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت قصة نوح ﵇ على الآتي:
١ - أجاب الله تعالى دعاء نوح ﵇ بإهلاك قومه، فالداعي مضطر، والمدعو وهو الله نعم المقصود المجيب.
٢ - كانت النعمة العظمى هي إجابة الدعاء، وكانت مظاهر الإنعام على نوح ثلاثة: هي نجاة نوح ومن آمن معه، وجعل ذريته أصول البشر والأعراق والأجناس، وإبقاء الذكر الجميل والثناء الحسن. وقال قوم: كان لغير ولد نوح أيضا نسل، بدليل قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء ٣/ ١٧].
ومما أبقي عليه: السلام الدائم في الأنبياء والأمم، أو أن الله كافأه أيضا بالسلام منه عليه سلاما يذكر بين الأمم إلى يوم القيامة.
стр. 6849
٣ - أهلك الله بالغرق قوم نوح ﵇، ولم يبق أثرا لذريتهم.
٤ - وتلك النعم على نوح لأجل أنه كان محسنا، وعلة إحسانه أنه كان عبد الله المؤمن المصدّق الموحد الموقن.
قصة إبراهيم ﵇
- ١ -
تحطيم الأصنام
﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا اِبْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾
الإعراب:
﴿أَإِفْكاً آلِهَةً﴾ إفكا: منصوب ب ﴿تُرِيدُونَ﴾ تقديره: أتريدون إفكا، و ﴿آلِهَةً﴾ بدل منصوب من «إفكا».
стр. 6850
﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ما﴾: مصدرية في موضع نصب بالعطف على الكاف والميم في الفعل المتقدم، وهي مع الفعل مصدر، تقديره: خلقكم وعملكم. ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ استفهامية في موضع نصب ب ﴿تَعْمَلُونَ﴾ على التحقير لعملهم والتصغير له، والوجه الأول أظهر.
البلاغة:
﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ، إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿سَقِيمٌ﴾ ﴿الْجَحِيمِ﴾ ﴿حَلِيمٍ﴾ بينها ما يسمى بمراعاة الفواصل من المحسنات البديعية، زيادة في الروعة والجمال.
﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ في ﴿جاءَ﴾ استعارة تبعية، شبه إقباله على ربه مخلصا بمن قدم على الملك بهدية ثمينة، ففاز بالرضى والقبول.
﴿اِبْنُوا لَهُ بُنْياناً﴾ بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿شِيعَتِهِ﴾ ممن سار على دينه ومنهاجه في الإيمان وأصول الشريعة، قال البيضاوي:
«ولا يبعد اتفاق شرعهما في الفروع أو غالبا، وكان بينهما ألفان وست مائة وأربعون سنة (٢٦٤٠) وكان بينهما نبيّان: هود وصالح صلوات الله عليهم». وأصل كلمة الشيعة: أتباع الرجل وأنصاره، وكل قوم اجتمعوا على أمر، فهم متشيعون له، ثم صارت بعد موت سيدنا علي بن أبي طالب ﵁ تطلق على جماعة خاصة في مواجهة أهل السنة.
﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ﴾ أي اذكر، فهو متعلق بمحذوف، وحقيقة المجيء بالشيء: نقله من مكانه، والمراد هنا الإقبال على الله سليم القلب مخلصا ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ من الشك وغيره، الناصح لله في خلقه، السالم من جميع العلل والآفات النفسية كالرياء وغيره من النيات السيئة ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ موبخا، وهو في هذه الحالة السليمة و ﴿إِذْ﴾ بدل من إذ الأولى أو ظرف لجاء. ﴿ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ما الذي تعبدون؟.
﴿أَإِفْكاً﴾ الإفك: أسوأ الكذب ﴿آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ أي أتريدون آلهة من دون الله للإفك، أي أتعبدون غير الله؟ ﴿فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره، وما ترون يصنع بكم؟ والمعنى: إنكار ما يوجب ظنا، فضلا عن قطع (أي يقين) يصدّ عن عبادته، وهو كالحجة على ما قبله.
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ أوهمهم أنه يعتمد على النجوم، حين سألوه أن يعبد معهم ﴿فَقالَ: إِنِّي سَقِيمٌ﴾ مريض عليل، أراد أن يتخلف عنهم في خروجهم من الغد يوم عيد لهم،
стр. 6851
فاعتل بالسقم ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ أي تركوه وذهبوا إلى عيدهم ﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ﴾ ذهب أو مال خفية إلى أصنامهم وعندها الطعام، ومنه يقال: روغان الثعلب أي الميل ﴿فَقالَ: أَلا تَأْكُلُونَ﴾ قال استهزاء وسخرية: ألا تأكلون من الطعام الذي صنعوه لكم؟ فلم ينطقوا.
﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ﴾ لا تجيبوني، وقد علم أنها جمادات لا تنطق ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ مال عليهم يضربهم بقوة وشدة، فكسرهم ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ أي أقبل إليه عبدة تلك الأصنام يسرعون المشي، لما علموا بما صنعه بها، فقالوا: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ ﴿قالَ:﴾
﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ أي قال لهم موبخا: أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها؟ ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ أي خلقكم وخلق الذي تصنعونه، فاعبدوه وحده.
﴿قالُوا: اِبْنُوا لَهُ بُنْياناً، فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ أي تشاوروا فيما بينهم أن يبنوا له بنيانا من حجارة، ويملأوه حطبا، ويضرموه، ثم يلقوه فيه. والجحيم: النار الشديدة ﴿فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً﴾ بإلقائه في النار لتهلكه ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ المقهورين، فصارت النار بعد إلقائه عليها بردا وسلاما، ولم تؤثر فيه.
﴿ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ مهاجر من بلد قومي دار الكفر إلى حيث أمرني بالمهاجرة إليه وهو الشام، أو إلى حيث أتمكن من عبادته ﴿هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي ولدا صالحا يعينني على طاعتك، ويؤنسني في الغربة ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ أي بصبي ذكر يكبر ويصير حليما، أي ذا حلم كثير.
المناسبة:
هذه قصة ثانية تبين مدى الصلة الوثيقة والارتباط العميق بين الأنبياء في رسالاتهم، افتتحت بأن إبراهيم ﵇ من شيعة نوح، أي من أهل بيته وعلى دينه ومنهاجه، فهما مصدر الخير والسعادة للناس، فكانت قصة إبراهيم أبي الأنبياء بعد قصة نوح أبي البشر الثاني ﵉، والأول نجاه الله من الغرق، والثاني نجاه الله من النار.
التفسير والبيان:
﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ﴾ أي وإن إبراهيم ﵇ ممن سار على دين نوح ﵇ ومنهجه وسلك طريقه في الدعوة إلى توحيد الله والإيمان به
стр. 6852
وبالبعث، وغير ذلك من أصول الشريعة، وإن اختلفا في الفروع، وقد يكونان متفقين فيها.
﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أي اذكر حين أقبل على ربه بقلب مخلص صادق الإيمان، خال من شوائب الشرك والشك والرياء، ناصح لله في خلقه، كأنه جاءه بتحفة من عنده لربه، فاستحق الفوز والرضوان.
ومن خصاله وأعماله المجيدة:
﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ: ماذا تَعْبُدُونَ﴾؟ أي من مظاهر إخلاصه لربه حين قال لجماعته: ما الذي تعبدونه من هذه الأصنام من دون الله؟ وهذا إنكار على عبادتهم وتوبيخ على منهجهم وخطتهم، ولوم صريح على عبادة الأصنام والأنداد، لذا قال:
﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ، فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي أتريدون آلهة من دون الله تعبدونها إفكا وكذبا، دون حجة ولا دليل، وما ظنكم إذا لقيتم ربكم أنه فاعل بكم، وقد عبدتم معه غيره، وما ترونه يصنع بكم؟ فهو استفهام توبيخ وتحذير وتوعد، أي أيّ شيء ظنكم بمن هو يستحق لأن تعبدوه إذ هو رب العالمين، حتى تركتم عبادته وعدلتم به الأصنام؟!! ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ أي نظر إبراهيم في علوم النجوم وفي معانيها لا أنه نظر إليها تعظيما وتقديسا كما كان يفعل قومه، مريدا بذلك أن يوهمهم أنه يعلم ما يعلمون.
أو أن المراد تأمل في الكون والسماء وأطال الفكر، قال قتادة: إن العرب تقول للشخص إذا تفكر وأطال الفكرة: نظر في النجوم، أي أطال الفكرة فيما هو فيه.
стр. 6853
﴿فَقالَ: إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي مريض عليل، قاصدا بذلك أنه مريض القلب من إقبال قومه على الكفر والشرك وعبادة الأوثان.
والخلاصة: إن نظر إبراهيم في النجوم، وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ من قبيل التورية، فإنه أراد شيئا، وفهموا منه شيئا آخر، تمهيدا لخطته التي بيّتها في أن يكايد أصنامهم، حينما سيخرجون من الغد في يوم عيد لهم، وذلك بالتخلف عن الخروج معهم، دون أن يطلعوا على ما بيّت عليه النية.
وبه يتبين أن إبراهيم ﵇ لم يقدم على النظر إلى النجوم كما يفعل عبدتها، فذلك غير جائز، ولم يكن كاذبا في قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾.
﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ أي تركوه وذهبوا إلى عيدهم ومعبدهم.
﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ، فَقالَ: أَلا تَأْكُلُونَ﴾؟ أي فمال خفية وذهب في سرعة إلى تلك الأصنام التي كانوا يعبدونها، وقد وضعوا لها الطعام في عيدهم لتباركه، وقال لها تهكما واستهزاء: ألا تأكلون من هذا الطعام المقدم إليكم؟ ﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ﴾؟ أي ما الذي يمنعكم من النطق والجواب عن سؤالي؟ ومراده التهكم والاحتقار، لأنه يعلم أنها جمادات لا تنطق.
﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ فمال عليهم يضربهم بقوة وشدة حتى حطمهم إلا كبيرا لهم، كما في سورة الأنبياء.
﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ أي فأقبل إليه قومه بعد عودتهم من عيدهم مسرعين، يسألون عمن كسرها، وقد قيل: إنه إبراهيم، وعرفوا أنه هو، فقالوا له: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟!! ولما جاؤوا يعاتبونه، أخذ يؤنبهم ويعيبهم، فقال: ﴿قالَ: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾؟ أي أتعبدون من دون الله أصناما أنتم تصنعونها وتنحتونها بأيديكم؟
стр. 6854
﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ أي والله هو الجدير بالعبادة، لأنه الخالق، خلقكم وخلق تلك الأصنام التي تعملونها بأيديكم. وفيه دلالة على أن الله خلق الإنسان وخلق أعماله.
روى البخاري عن حذيفة ﵁ مرفوعا قال:
«إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته».
فلما قامت عليهم الحجة لجؤوا إلى الانتقام بالقوة والإيذاء، فقالوا:
﴿قالُوا: اِبْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ أي ابنوا له بنيانا واسعا واملؤوه حطبا كثيرا، وأضرموا فيه النار، ثم ألقوه في تلك النار المسعرة.
﴿فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً، فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ أي أرادوا به سوءا بحيلة ومكر، وإحراقه في النار، فأنجيناه منها، وجعلناها بردا وسلاما عليه، ولم تؤثر فيه أدنى تأثير، وجعلنا له النصر والغلبة، وجعلناهم المهزومين المغلوبين الأذلّين حيث أبطلنا كيدهم.
ولما نجا إبراهيم ﵇ ونصره الله على قومه، وأيس من إيمانهم قرر الهجرة ومفارقتهم، كما قال تعالى:
﴿وَقالَ: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ أي إني مهاجر من بلد قومي الذين آذوني، تعصبا للأصنام، وكفرا بالله، وتكذيبا لرسله، إلى حيث أمرني بالمهاجرة إليه، حيث أتمكن من عبادته، وإنه سيهديني إلى ما فيه صلاح ديني ودنياي، وهو الأرض المقدسة بالشام.
وهذا دليل على وجوب الهجرة من المكان إلى مكان آخر، إذا لم يتمكن المؤمن من إقامة شعائر دينه.
وفي أثناء الهجرة دعا ربه بأن يرزقه الولد، فقال:
стр. 6855
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي رب هب لي ولدا صالحا يعينني على طاعتك، ويؤنسني في الغربة.
﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ أي فبشرناه بصبي ذكر يكبر ويصير ذا حلم كثير. وهذا الغلام كما قال ابن كثير: هو إسماعيل ﵇، فإنه أول ولد بشّر به إبراهيم ﵇، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل ﵇ ولد، ولإبراهيم ﵇ ست وثمانون سنة (٨٦) وولد إسحاق، وعمر إبراهيم ﵇ تسع وتسعون سنة (٩٩).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - الأنبياء والرسل وإن طال الزمان بينهم مهمتهم واحدة وهي الدعوة إلى توحيد الله والإيمان بالرسل وبالبعث، وإلى أصول الأخلاق والفضائل.
٢ - كان إبراهيم الخليل ﵇ ذا قلب مخلص من الشرك والشك، ناصح لله في خلقه، عالم بأن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور.
٣ - من جملة آثار سلامة قلب إبراهيم ﵇ أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد، فقال: ﴿ماذا تَعْبُدُونَ﴾؟ قاصدا بذلك الكلام تقبيح طريقتهم ولومهم على فعلهم.
٤ - ندد بعبادتهم الأصنام، مبينا أنها إفك وأسوأ الكذب، وحذر من سخط الله حين لقائه، وقد عبدوا غيره.
٥ - لجأ إلى الإيهام وأخذ بالتورية في أمرين أظهر فيهما شيئا، وأراد شيئا
стр. 6856
آخر، وهما النظر في النجوم، وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، قاصدا بالأول أنه يعلم بعلوم النجوم، وأنه تفكر فيما يعمل لما كلّفوه الخروج معهم، وبالثاني أنه سيمرض مرض الموت، لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب، ثم يموت، فتوهموا هم أنه سقيم الآن، وهذا تورية وتعريض، كما قال للملك لما سأله عن سارّة: هي أختي، يعني أخوة الدين.
وفي الصحيح الذي أخرجه أحمد والشيخان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ :
«لم يكذب إبراهيم النبي ﵇ إلا ثلاث كذبات» والكذب تعريضا والتورية أمر جائز مباح. وقيل: أراد أنه سقيم النفس لكفرهم ووثنيتهم.
٦ - دبر إبراهيم ﵇ خطة ناجحة لتحطيم الأصنام، فقد مكث في البلدة حينما خرج القوم لعيدهم ومعبدهم، بعد أن قدموا طعاما لأصنامهم لتباركه بزعمهم، أو للسدنة، فجاء إليهم، وخاطبهم كما يخاطب العقلاء قائلا على جهة التهكم والاستهزاء: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ﴾؟ فلم يجيبوا، وهو يعلم ذلك، فانهال عليهم ضربا بقوة وشدة، حتى دمرهم إلا كبيرا لهم، كما في سورة الأنبياء، لإلزام القوم بالحجة، وتعريفهم خطأهم وأن هذه الأصنام لا تقدر حماية أنفسها.
٧ - أقبل إليه القوم مسرعين، بعد أن عرفوا أن الفاعل هو إبراهيم، فقالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ فقال محتجا: ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾؟ أي أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها بأيديكم، والنحت: النجر والبري.
ثم قال: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ أي خلقكم وخلق ما تعملونه من الأصنام بالخشب والحجارة وغيرهما، وبإيجاز: خلقكم وعملكم.
وقد استدل أهل السنة بهذه الآية على أن الأفعال خلق لله ، واكتساب للعباد، وفي هذا إبطال مذاهب القدرية والجبرية.
أخرج البخاري
стр. 6857
عن أبي هريرة مرفوعا كما تقدم عن النبي ﷺ قال: «إن الله خالق كل صانع وصنعته»
وأخرجه البيهقي من حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله صنع كل صانع وصنعته، فهو الخالق، وهو الصانع سبحانه».
٨ - تشاور القوم في أمر إبراهيم ﵇ لما غلبهم بالحجة فقالوا: ابنوا له بنيانا، تملؤونه حطبا، فتضرمونه، ثم ألقوه فيه وهو الجحيم. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: فلما صار في البنيان قال: حسبي الله ونعم الوكيل.
وأرادوا بإبراهيم الكيد، أي المكر والاحتيال لإهلاكه، فجعلهم الله المقهورين المغلوبين الأذلين، إذ نفذت حجته من حيث لم يمكنهم دفعها، ولم ينفذ فيه مكرهم ولا كيدهم.
٩ - الهجرة والعزلة واجبة إذا لم يتمكن المسلم من إقامة شعائر دينه، وأول من فعل ذلك إبراهيم ﵇، وذلك حين خلصه الله من النار ﴿قالَ: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي﴾ أي مهاجر من بلد قومي ومولدي، إلى حيث أتمكن من عبادة ربي، فإنه ﴿سَيَهْدِينِ﴾ فيما نويت إلى الصواب. قال مقاتل: هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارّة، إلى الأرض المقدسة وهي أرض الشام.
١٠ - مشروعية الدعاء بالولد، فلما عرف إبراهيم ﵇ أن الله مخلصه، دعا الله ليعضده بولد يأنس به في غربته، فقال: رب هب لي ولدا صالحا من الصالحين، فبشره الله تعالى على لسان الملائكة-كما تقدم في هود- بغلام يكون حليما في كبره، فكأنه بشّر ببقاء ذلك الولد، لأن الصغير لا يوصف بذلك.
стр. 6858
- ٢ -
قصة الذبيح
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾
الإعراب:
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ﴾ ﴿مَعَهُ﴾ متعلق بمحذوف لا ببلغ، فإن بلوغهما لم يكن معا، كأنه قال:
فلما بلغ السعي، فقيل: مع من؟ فقيل: معه.
﴿فَانْظُرْ ماذا تَرى﴾ من الرأي، وليس من رؤية العين، و ﴿ماذا﴾ في موضع نصب ب ﴿تَرى﴾. ويجوز جعل ﴿فَلَمّا﴾ استفهامية في موضع رفع مبتدأ، و ﴿ذا﴾ بمعنى الذي في موضع خبر المبتدأ.
﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ في جواب «لمّا» ثلاثة أوجه: إما محذوف تقديره: فلما أسلما رحما أو سعدا، وإما ﴿نادَيْناهُ﴾ والواو زائدة، وإما ﴿تَلَّهُ﴾ والواو زائدة، والوجه الأول أوجه.
البلاغة:
﴿مُحْسِنٌ وَظالِمٌ﴾ بينهما طباق.
стр. 6859
المفردات اللغوية:
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي وصل إلى السن التي تمكنه من أن يسعى معه في أعماله ويعينه، قيل: بلغ سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة ﴿إِنِّي أَرى﴾ أي رأيت، ورؤيا الأنبياء حق، وأفعالهم بأمر الله تعالى. قيل: إنه رأى ليلة التروية أن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح روّى أنه من الله أو من الشيطان، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهمّ بنحره، ولهذا سميت الأيام الثلاثة بالتروية وعرفة والنحر.
من الذبيح ؟
قال البيضاوي: والأظهر أن المخاطب به إسماعيل، لأنه الذي وهب له إثر الهجرة، ولأن البشارة بإسحاق معطوفة على البشارة بهذا الغلام،
ولقوله ص فيما رواه الحاكم في المناقب: «أنا ابن الذبيحين» فأحدهما جدّه إسماعيل، والآخر أبوه عبد الله، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا، إن سهل الله له حفر بئر زمزم، أو بلغ بنوه عشرة، فلما سهل الله له ذلك، أقرع، فخرج السهم على عبد الله، ففداه بمئة من الإبل، ولذلك ثبتت الدية مائة، ولأن ذلك كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة، حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة، ولأن البشارة بإسحاق كانت مقرونة بولادة يعقوب منه، فلا يناسبها الأمر بذبحه مراهقا.
وما
روي أنه ص سئل: أي النسب أشرف؟ فقال: «يوسف صدّيق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله» فالصحيح أنه قال: «يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» والزوائد من الراوي. وما روي أن يعقوب كتب إلى يوسف مثل ذلك، لم يثبت (١).
وقال ابن كثير: وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن طائف من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة ﵃ أيضا، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقي إلا عن أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلّما من غير حجة، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه-الذبيح-إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بغلام حليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٢).
﴿فَانْظُرْ ماذا تَرى﴾ من الرأي، شاوره ليتهيأ للذبح، وينقاد للأمر به، وليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله، فيثبت، ويسلّم الأمر لله ﴿يا أَبَتِ﴾ التاء عوض عن ياء الإضافة
стр. 6860
﴿اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أي ما تؤمر به، وإنما ذكر بلفظ المضارع لتكرر الرؤيا ﴿مِنَ الصّابِرِينَ﴾ على الذبح أو على قضاء الله.
﴿فَلَمّا أَسْلَما﴾ استسلما لأمر الله، وخضعا وانقادا له ﴿وَتَلَّهُ﴾ كبّه على وجهه، لئلا يرى فيه تغيرا يرق له، فلا يذبحه، أو أضجعه على شقه، فوقع جبينه على الأرض. وكان ذلك عند الصخرة بمنى. والجبين: أحد جانبي الجبهة، والجبهة: بين جبينين، واللام في قوله ﴿لِلْجَبِينِ﴾ لبيان ما صرع عليه، كقوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء ١٠٩/ ١٧]. ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ حققت ما طلب منك بالعزم والإتيان بالمقدمات ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي كما جزيناك نجزي المحسنين لأنفسهم بامتثال الأمر، وهذا تعليل لتفريج تلك الشدة عنهما، وهو إحسانهما ﴿إِنَّ هذا﴾ الذبح المأمور به ﴿لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ الاختبار الظاهر الذي يتميز فيه المخلص من غيره. ﴿وَفَدَيْناهُ﴾ أي المأمور بذبحه، وهو إسماعيل ﵇ على الأرجح، وقيل:
إسحاق ﴿بِذِبْحٍ﴾ بكبش يذبح بدله ﴿عَظِيمٍ﴾ عظيم الجثة، سمين. واستدل به الحنفية على أن من نذر ذبح ولده، لزمه ذبح شاة.
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أبقينا عليه ثناء حسنا في الأجيال اللاحقة ﴿سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ﴾ أي سلام منا عليه ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي مثل ذلك الجزاء نجزي المحسنين لأنفسهم بطاعة الله تعالى ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ علة الإحسان.
﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ﴾ بشارة بولد آخر بأن يوجد إسحاق، وهو دليل على أن الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق ﴿نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ مقضيا نبوته، مقدرا كونه من الصالحين ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ﴾ على إبراهيم في أولاده ﴿وَعَلى إِسْحاقَ﴾ ولد إبراهيم، بأن جعلنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم، أي أكثر الأنبياء من نسله، مثل أيوب وشعيب ﵉. ﴿مُحْسِنٌ﴾ مؤمن ﴿وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ كافر عاص ﴿مُبِينٌ﴾ بيّن الكفر، ظاهر الظلم. قال البيضاوي: وفي ذلك تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، وإن الظلم في أعقاب إبراهيم وإسحاق لا يعود عليهما بنقيصة وعيب.
المناسبة:
هذه تتمة القصة الثانية-قصة إبراهيم ﵇، فبعد أن قال : ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ أتبعه بما يدل على حصول ما بشر به وبلوغه سن الطاقة على العمل. ثم أتبعه بقصة الذبيح إسماعيل والفداء، ثم بشره تعالى
стр. 6861
بإسحاق نبيا من الصالحين، مباركا عليه وعلى إسحاق، وجعل أكثر الأنبياء من نسلهما، وأن من ذريتهما محسن فاعل للخير، وظالم لنفسه بالمعاصي.
التفسير والبيان:
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ، فَانْظُرْ ماذا تَرى﴾ أي فلما كبر إسماعيل وشبّ وبلغ الحد الذي يقدر فيه على السعي والعمل، قال الفرّاء: «كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة» قال إبراهيم لابنه المأمور بذبحه وهو ابنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنه الذبيح، وقال بعد ذلك: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قال له:
يا بني إني رأيت في المنام أني أذبحك، فما رأيك؟ وقد أخبره بذلك ليستعد لتنفيذ أمر الله، ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله، وليعلم صبره لأمر الله، وإلا فرؤيا الأنبياء وحي لازم الامتثال.
وأما ما ذكر في التوراة: «اذبح بكرك وحيدك إسحاق» فكلمة إسحاق من زياداتهم وتحريفهم لكتاب الله، وإلا فإن «إسحاق» لم يكن بكر إبراهيم، ولم يكن وحيده، بل الذي كان كذلك هو إسماعيل. ثم لما بذل إبراهيم ابنه للذبح وأطاع، أعطاه الله ولدا آخر هو إسحاق.
فأجابه إسماعيل معلنا الطاعة قائلا:
﴿قالَ: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ أي قال إسماعيل: امض لما أمرك الله من ذبحي، وافعل ما أوحي إليك، سأصبر على القضاء الإلهي، وأحتسب ذلك عند الله . وهذا مصداق وصفه السابق بالحلم، ومصداق ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ، وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا. وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ، وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم ٥٤/ ١٩ - ٥٥].
стр. 6862
وبدأ تنفيذ أمر الله، فقال تعالى:
﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي فلما استسلما وانقادا لأمر الله وأطاعاه، وفوّضا أمرهما إلى الله، وأكب إبراهيم ابنه على وجهه حتى لا تأخذه العاطفة فيتردد في الذبح، أو ألقاه على جنبه، فوقع جبينه (جانب الجبهة) على الأرض والموضع الذي أراد ذبحه فيه: هو المنحر بمنى عند الجمار.
قال مجاهد: قال إسماعيل لأبيه: لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي، عسى أن ترحمني، فلا تجهز عليّ، اربط يدي إلى رقبتي، ثم ضع وجهي للأرض، ففعل.
روى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لما أمر إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام بالمناسك، عرض له الشيطان عند السعي، فسابقه فسبقه إبراهيم ﵇، ثم ذهب به جبريل ﵇ إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات، وثم تلّه للجبين، وعلى إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام قميص أبيض، فقال له: يا أبت، إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره، فاخلعه حتى تكفنني فيه، فعالجه ليخلعه، فنودي من خلفه: ﴿أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ فالتفت إبراهيم، فإذا بكبش أبيض أقرن أعين، قال ابن عباس: لقد رأيتنا أن نتتبع ذلك الضرب من الكباش.
﴿وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ لما أضجعه للذبح ناداه من خلفه من الجبل ملك: قد حصل المقصود من رؤياك، وتحقق المطلوب وصرت مصدّقا بمجرد العزم، وإن لم تذبح، وأتيت بما أمكنك.
ثم عدد الله تعالى نعمه على إبراهيم وهي:
стр. 6863
١ - ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي مثلما جازيناك بالعفو عن الذبح، والتخلص من الشدة والمحنة، نجزي كل محسن على طاعته، ونثيبه على فعله.
وهو تعليل لما أنعم الله على إبراهيم وابنه من الفرج بعد الشدة والسلامة من المحنة.
ثم عظم الله تعالى شأن هذه المحنة في العادة، فقال:
﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ أي إن هذا الاختبار لهو الاختبار الصعب الواضح والمحنة التي لا محنة أصعب منها، حيث اختبره الله في مدى طاعته بذبح ولده، فصبر محتسبا الأجر عند ربه. وقيل: إن هذا لهو النعمة الظاهرة، يقال: أبلاه الله إبلاء وبلاء: إذا أنعم عليه.
٢ - ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ أي جعلنا له فداء ولده بتقديم كبش عظيم الجثة سمين، أو عظيم القدر. قال الحسن البصري: ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى (وعل) هبط عليه من ثبير، فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه. وهذا قول علي ﵁.
وفي هذا دليل على أن الأضحية بالغنم أفضل من الإبل والبقر. وهو مذهب المالكية، لطيب اللحم.
٣ - ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ﴾ أي أبقينا له في الأمم القادمة ثناء حسنا وذكرا جميلا، فأحبّه أتباع الملل كلها، اليهودية والنصرانية والإسلام، وكذا أهل الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾.
سلام منا على إبراهيم ومن الملائكة والإنس والجن. وقيل: السلام: هو الثناء الجميل.
﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي مثل هذا الجزاء نجزي جميع المحسنين بالفرج
стр. 6864
بعد الشدة. ولم يذكر هنا «إنا» كأمثاله اكتفاء بذكره السابق عن ذكره هنا مرة ثانية.
٤ - ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي ووهبناه ولدا آخر وهو إسحاق، وجعلناه نبيا صالحا من زمرة الصالحين. وهذه هي النعمة الرابعة.
٥ - ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ﴾ أي تابعنا إمدادهما بالنعم والبركات الدنيوية والأخروية، ومنها كثرة الولد والذرية، وجعل أكثر الأنبياء من نسلهما ونسل إسماعيل.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ أي إن بعض ذريتهما محسن فاعل للخيرات، وبعضها ظالم لنفسه بالكفر والمعاصي.
وهذا دليل على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، وأن النفع ليس بالوراثة والنسب أو الانتماء، وإنما الانتفاع بالأعمال، وأنه لا يعيب الأصول ولا ينتقصهم سوء بعض ذريتهم، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام ١٦٤/ ٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
يستدل بالآيات على ما يأتي:
١ - أمر الله تعالى إبراهيم ﵇ في المنام ثلاث ليال متتابعات، لا في اليقظة بذبح ابنه، لأنه تعالى جعل رؤيا الأنبياء ﵈ حقا، لتقوية الدلالة على كونهم صادقين. قال تعالى في حق إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. وقال سبحانه في حق يوسف ﵇: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف ٤/ ١٢]. وقال تعالى في حق محمد ص خاتم النبيين: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ.﴾. [الفتح ٢٧/ ٤٨].
стр. 6865
٢ - احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الله تعالى قد يأمر بما لا يريد وقوعه، فإنه سبحانه أمر بالذبح، وما أراد وقوعه.
٣ - احتجوا أيضا بالآية على جواز نسخ الحكم قبل وجود زمن الامتثال.
٤ - إن الذبيح بحسب دلالة هذه الآيات وترتيبها هو إسماعيل ﵇، لأنه هو المبشر به أولا، وأما إسحاق فبشّر به بعد إسماعيل، مما يدل على أن إسماعيل هو الابن الأكبر، وهو الذي كان ذبيحا بالاتفاق عند الأكثرين. ولو كان الذبيح إسحاق، لكان الذبح يقع ببيت المقدس، لا بالمنحر من منى، وهذا موضع الذبح اتفاقا.
ويؤيده أدلة أخرى منها:
قول النبي ص فيما رواه الحاكم في المناقب: «أنا ابن الذبيحين» أي إسماعيل، وأبيه عبد الله الذي نذر أبوه عبد المطلب أن يذبح ولدا إذا رزق عشرة من الولد، أو إذا سهل الله عليه حفر بئر زمزم، فتم له الأمران، فأقرع، فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا له: افد ابنك بمئة من الإبل، ففداه بمئة من الإبل.
ومنها: ما نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعي، أين عقلك؟ ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه، والمنحر بمكة.
ومنها: أن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر، دون إسحاق، في قوله تعالى:
﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء ٨٥/ ٢١] وهو صبره على الذبح، ووصفه أيضا بصدق الوعد في قوله: ﴿إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم ٥٤/ ١٩] لأنه وعد أباه الصبر على الذبح، فوفى به.
ومنها: الآثار الصحيحة المقطوع بها بان الذبيح إسماعيل ﵇، وهو