← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

بإسحاق نبيا من الصالحين، مباركا عليه وعلى إسحاق، وجعل أكثر الأنبياء من نسلهما، وأن من ذريتهما محسن فاعل للخير، وظالم لنفسه بالمعاصي. التفسير والبيان: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ، فَانْظُرْ ماذا تَرى﴾ أي فلما كبر إسماعيل وشبّ وبلغ الحد الذي يقدر فيه على السعي والعمل، قال الفرّاء: «كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة» قال إبراهيم لابنه المأمور بذبحه وهو ابنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنه الذبيح، وقال بعد ذلك: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قال له: يا بني إني رأيت في المنام أني أذبحك، فما رأيك؟ وقد أخبره بذلك ليستعد لتنفيذ أمر الله، ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله، وليعلم صبره لأمر الله، وإلا فرؤيا الأنبياء وحي لازم الامتثال. وأما ما ذكر في التوراة: «اذبح بكرك وحيدك إسحاق» فكلمة إسحاق من زياداتهم وتحريفهم لكتاب الله، وإلا فإن «إسحاق» لم يكن بكر إبراهيم، ولم يكن وحيده، بل الذي كان كذلك هو إسماعيل. ثم لما بذل إبراهيم ابنه للذبح وأطاع، أعطاه الله ولدا آخر هو إسحاق. فأجابه إسماعيل معلنا الطاعة قائلا: ﴿قالَ: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ أي قال إسماعيل: امض لما أمرك الله من ذبحي، وافعل ما أوحي إليك، سأصبر على القضاء الإلهي، وأحتسب ذلك عند الله . وهذا مصداق وصفه السابق بالحلم، ومصداق ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ، وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا. وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ، وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم ٥٤/ ١٩ - ٥٥].

стр. 6862

وبدأ تنفيذ أمر الله، فقال تعالى: ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي فلما استسلما وانقادا لأمر الله وأطاعاه، وفوّضا أمرهما إلى الله، وأكب إبراهيم ابنه على وجهه حتى لا تأخذه العاطفة فيتردد في الذبح، أو ألقاه على جنبه، فوقع جبينه (جانب الجبهة) على الأرض والموضع الذي أراد ذبحه فيه: هو المنحر بمنى عند الجمار. قال مجاهد: قال إسماعيل لأبيه: لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي، عسى أن ترحمني، فلا تجهز عليّ، اربط يدي إلى رقبتي، ثم ضع وجهي للأرض، ففعل. روى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لما أمر إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام بالمناسك، عرض له الشيطان عند السعي، فسابقه فسبقه إبراهيم ﵇، ثم ذهب به جبريل ﵇ إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات، وثم تلّه للجبين، وعلى إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام قميص أبيض، فقال له: يا أبت، إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره، فاخلعه حتى تكفنني فيه، فعالجه ليخلعه، فنودي من خلفه: ﴿أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ فالتفت إبراهيم، فإذا بكبش أبيض أقرن أعين، قال ابن عباس: لقد رأيتنا أن نتتبع ذلك الضرب من الكباش. ﴿وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ لما أضجعه للذبح ناداه من خلفه من الجبل ملك: قد حصل المقصود من رؤياك، وتحقق المطلوب وصرت مصدّقا بمجرد العزم، وإن لم تذبح، وأتيت بما أمكنك. ثم عدد الله تعالى نعمه على إبراهيم وهي:

стр. 6863

١ - ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي مثلما جازيناك بالعفو عن الذبح، والتخلص من الشدة والمحنة، نجزي كل محسن على طاعته، ونثيبه على فعله. وهو تعليل لما أنعم الله على إبراهيم وابنه من الفرج بعد الشدة والسلامة من المحنة. ثم عظم الله تعالى شأن هذه المحنة في العادة، فقال: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ أي إن هذا الاختبار لهو الاختبار الصعب الواضح والمحنة التي لا محنة أصعب منها، حيث اختبره الله في مدى طاعته بذبح ولده، فصبر محتسبا الأجر عند ربه. وقيل: إن هذا لهو النعمة الظاهرة، يقال: أبلاه الله إبلاء وبلاء: إذا أنعم عليه. ٢ - ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ أي جعلنا له فداء ولده بتقديم كبش عظيم الجثة سمين، أو عظيم القدر. قال الحسن البصري: ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى (وعل) هبط عليه من ثبير، فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه. وهذا قول علي ﵁. وفي هذا دليل على أن الأضحية بالغنم أفضل من الإبل والبقر. وهو مذهب المالكية، لطيب اللحم. ٣ - ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ﴾ أي أبقينا له في الأمم القادمة ثناء حسنا وذكرا جميلا، فأحبّه أتباع الملل كلها، اليهودية والنصرانية والإسلام، وكذا أهل الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾. سلام منا على إبراهيم ومن الملائكة والإنس والجن. وقيل: السلام: هو الثناء الجميل. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي مثل هذا الجزاء نجزي جميع المحسنين بالفرج

стр. 6864

بعد الشدة. ولم يذكر هنا «إنا» كأمثاله اكتفاء بذكره السابق عن ذكره هنا مرة ثانية. ٤ - ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي ووهبناه ولدا آخر وهو إسحاق، وجعلناه نبيا صالحا من زمرة الصالحين. وهذه هي النعمة الرابعة. ٥ - ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ﴾ أي تابعنا إمدادهما بالنعم والبركات الدنيوية والأخروية، ومنها كثرة الولد والذرية، وجعل أكثر الأنبياء من نسلهما ونسل إسماعيل. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ أي إن بعض ذريتهما محسن فاعل للخيرات، وبعضها ظالم لنفسه بالكفر والمعاصي. وهذا دليل على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، وأن النفع ليس بالوراثة والنسب أو الانتماء، وإنما الانتفاع بالأعمال، وأنه لا يعيب الأصول ولا ينتقصهم سوء بعض ذريتهم، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام ١٦٤/ ٦]. فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: ١ - أمر الله تعالى إبراهيم ﵇ في المنام ثلاث ليال متتابعات، لا في اليقظة بذبح ابنه، لأنه تعالى جعل رؤيا الأنبياء ﵈ حقا، لتقوية الدلالة على كونهم صادقين. قال تعالى في حق إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. وقال سبحانه في حق يوسف ﵇: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف ٤/ ١٢]. وقال تعالى في حق محمد ص خاتم النبيين: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ.﴾. [الفتح ٢٧/ ٤٨].

стр. 6865

٢ - احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الله تعالى قد يأمر بما لا يريد وقوعه، فإنه سبحانه أمر بالذبح، وما أراد وقوعه. ٣ - احتجوا أيضا بالآية على جواز نسخ الحكم قبل وجود زمن الامتثال. ٤ - إن الذبيح بحسب دلالة هذه الآيات وترتيبها هو إسماعيل ﵇، لأنه هو المبشر به أولا، وأما إسحاق فبشّر به بعد إسماعيل، مما يدل على أن إسماعيل هو الابن الأكبر، وهو الذي كان ذبيحا بالاتفاق عند الأكثرين. ولو كان الذبيح إسحاق، لكان الذبح يقع ببيت المقدس، لا بالمنحر من منى، وهذا موضع الذبح اتفاقا. ويؤيده أدلة أخرى منها: قول النبي ص فيما رواه الحاكم في المناقب: «أنا ابن الذبيحين» أي إسماعيل، وأبيه عبد الله الذي نذر أبوه عبد المطلب أن يذبح ولدا إذا رزق عشرة من الولد، أو إذا سهل الله عليه حفر بئر زمزم، فتم له الأمران، فأقرع، فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا له: افد ابنك بمئة من الإبل، ففداه بمئة من الإبل. ومنها: ما نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعي، أين عقلك؟ ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه، والمنحر بمكة. ومنها: أن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر، دون إسحاق، في قوله تعالى: ﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء ٨٥/ ٢١] وهو صبره على الذبح، ووصفه أيضا بصدق الوعد في قوله: ﴿إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم ٥٤/ ١٩] لأنه وعد أباه الصبر على الذبح، فوفى به. ومنها: الآثار الصحيحة المقطوع بها بان الذبيح إسماعيل ﵇، وهو

стр. 6866

منقول عن ابن عباس، وابن عمر، وعلي، وأبي هريرة، وأبي الطّفيل عامر بن واثلة من الصحابة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، ومجاهد، والشعبي، ويوسف بن مهران، والربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القرظي، والكلبي، وعلقمة، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح من التابعين ﵃، قالوا: الذبيح إسماعيل (١). قال القرطبي: وهذا القول أقوى في النقل عن النبي ص وعن الصحابة والتابعين. ولكن اليهود حسدوا العرب على هذا الفضل بأن يكون أبوهم إسماعيل هو الذبيح، فزادوا في التوراة وحرفوها، ودسّوا في روايات الآثار وبعض الأحاديث أن الذبيح إسحاق، وسرى ذلك بين بعض الصحابة وبعض المسلمين محتجين بدليلين: الأول-إنه تعالى حكى عن إبراهيم ﵇ قبل هذه الآية أنه قال: ﴿إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ والمراد منه بالإجماع مهاجرته إلى الشام، ثم قال: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فوجب أن يكون هذا الغلام ليس إلا إسحاق. ثم قال بعده: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ والغلام الذي بلغ معه السعي هو ذلك الغلام الذي حصل في الشام، فثبت أن مقدمة هذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسحاق. وكذلك آخر الآية يدل أيضا على ذلك، لأنه تعالى لما تمم قصة الذبيح قال بعده: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وإنما بشره بهذه النبوة لتحمّله هذه الشدائد في قصة الذبيح، فأول الآية وآخرها يدل على أن الذبيح هو إسحاق ﵇. الثاني-ما اشتهر من كتاب يعقوب ﵇ ونصه: «من يعقوب إسرائيل نبي الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله».

стр. 6867

وهذا هو المروي الصحيح عن عبد الله بن مسعود: أن رجلا قال له: يا ابن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله: ذلك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله ﵇. وروي ذلك أيضا عن عمر، وجابر، والعباس، وكعب الأحبار من الصحابة، وعن بعض التابعين مثل قتادة، ومسروق، وعكرمة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدّي، وعن مالك بن أنس، كلهم قالوا: الذبيح إسحاق. لكن يلاحظ أن لكعب الأحبار في هذه الأخبار ضلعا واضحا، وهي أخبار من الكتب القديمة غير موثوقة، وتلقاها بعض المسلمين عنه، وسرت فيما بينهم. وقد نقلنا عن ابن كثير والبيضاوي تفنيد هذه الروايات. وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح؟ وهذا مذهب ثالث. ٥ - الحكمة في مشاورة إبراهيم ابنه بقوله: ﴿فَانْظُرْ ماذا تَرى﴾: أن يطلع ابنه على هذه الواقعة، ليظهر له صبره في طاعة الله، فتكون فيه قرة عين لإبراهيم، والصبر درجة عالية، وليحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة، والثناء الحسن في الدنيا، فقال إسماعيل: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾. وإنما علّق ذلك بمشيئة الله تعالى على سبيل التبرك والتيمن، وأنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله. قال بعض أهل الإشارة: لما استثنى، وفقه الله للصبر. ٦ - قوله ﴿فَلَمّا أَسْلَما﴾ أي انقادا لأمر الله: دليل على أن الأب والابن كانا في درجة واحدة من التسليم والتفويض لأمر الله تعالى. ٧ - عدد الله تعالى بمناسبة هذه القصة على إبراهيم ﵇-كما تقدم- نعما خمسا: هي جزاؤه الحسن ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي نجزيهم بالخلاص

стр. 6868

من الشدائد في الدنيا والآخرة، والفداء العظيم بالكبش، والثناء الحسن بين الأمم والسلام من الله، وبشارته بولد آخر، وجعل أكثر الأنبياء من بني إسرائيل وغيرهم من ذريته وذرية إسحاق وإسماعيل. ٨ - الفداء بالكبش دليل-كما تقدم-على أن الأضحية بالغنم أفضل من الإبل والبقر. واختلف العلماء: هل الأضحية أفضل أو الصدقة بثمنها؟ قال مالك وأصحابه: الضحية أفضل إلا بمنى، لأنه ليس موضع الأضحية. وقال أصحاب الرأي: إن الضحية أفضل، كذلك قال أحمد بن حنبل: الضحية أفضل من الصدقة، لأن الضحية سنة مؤكدة كصلاة العيد. ومعلوم أن صلاة العيد أفضل من سائر النوافل، وكذلك صلوات السنن أفضل من التطوع كله. وقد روي في فضل الضحايا آثار حسان، منها ما خرّجه الترمذي عن عائشة أن رسول الله ص قال: «ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحبّ إلى الله من إهراق الدم، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفسا». والأضحية عند الجمهور ليست بواجبة، ولكنها سنة ومعروف. وقال أبو حنيفة: الأضحية واجبة على المقيمين الواجدين من أهل الأمصار، ولا تجب على المسافر. وخالفه أبو يوسف ومحمد، فقالا: ليست بواجبة ولكنها سنة، غير مرخص لمن وجد السبيل إليها في تركها. والذي يضحى به بإجماع المسلمين: الأزواج الثمانية: وهي الضأن والمعز والإبل والبقر. والأخيران يجزئ الواحد منهما عن سبعة. ويتّقى من الضحايا-كما روى الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة) عن

стр. 6869

البراء بن عازب-أربع: «العرجاء البين ضلعها (عرجها)، والعوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعجفاء التي لا تنقي» (١). و في الخبر الذي رواه أحمد والأربعة عن علي: «أمرنا رسول الله ص أن نستشرف العين والأذن..». ٩ - دلت الآية على أن من نذر نحر ابنه أو ذبحه: أنه يفديه بكبش، كما فدى به إبراهيم ابنه، قال ذلك ابن عباس. وعنه رواية أخرى: ينحر مائة من الإبل كما فدى بها عبد المطلب ابنه. روى الشعبي عنه الروايتين. والأولى أصح. وقال الشافعي: هو معصية يستغفر الله منها. وقال أبو حنيفة: هي كلمة يلزمه بها في ولده ذبح شاة، ولا يلزمه في غير ولده شيء. وهذا قول ابن العربي أيضا، لأن الله تعالى جعل ذبح الولد عبارة عن ذبح الشاة شرعا، فألزم الله إبراهيم ذبح الولد، وأخرجه عنه بذبح شاة، والله تعالى يقول: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ [الحج ٧٨/ ٢٢] والإيمان: التزام أصلي، والنذر التزام فرعي، فيجب أن يكون محمولا عليه. ١٠ - بشر الله بنبوة إسحاق من الأنبياء الصالحين، وكان هذا بعد إيراد قصة الذبيح، مما يدل على أنه إسماعيل. قال المفضل: الصحيح الذي يدل عليه القرآن أنه إسماعيل، وذلك أنه قص قصة الذبيح، فلما قال في آخر القصة: ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. ثم قال: ﴿سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ. كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، وَبارَكْنا عَلَيْهِ﴾ أي على إسماعيل وعلى إسحاق، كنى به، لأنه قد تقدم ذكره، ثم قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما﴾ فدل على أنها ذرية إسماعيل وإسحاق، وليس تختلف الرواة في أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة. والأدق أن يقال: باركنا على إبراهيم في أولاده.

стр. 6870

١١ - لما ذكر تعالى البركة في الذرية والكثرة، قال: منهم محسن ومنهم مسيء، وأن المسيء لا تنفعه بنوة النبوة، فاليهود والنصارى، وإن كانوا من ولد إسحاق، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل، فلا بد من الفرق بين المحسن والمسيء، والمؤمن والكافر. وفي التنزيل رد عليهم: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى: نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ الآية [المائدة ١٨/ ٥] أي أبناء رسل الله، فرأوا لأنفسهم فضلا. قصة موسى وهارون ﵉ ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾ المفردات اللغوية: ﴿مَنَنّا عَلى مُوسى وَهارُونَ﴾ أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية ﴿وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ نجيناهما من تغلب فرعون واستعباده بني إسرائيل قومهما، ومن الغرق ﴿وَنَصَرْناهُمْ﴾ الضمير يعود عليهما مع القوم، والنصر على القبط ﴿فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ﴾ على فرعون وقومه. ﴿وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ البليغ في بيانه وفيما أتى به من الحدود والأحكام وغيره، وهو التوراة ﴿الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الطريق الموصل إلى الحق والصواب ﴿وَتَرَكْنا﴾ أبقينا عليهما ثناء حسنا ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ﴾ سلام منا عليهما ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ مثل ذلك الجزاء نجزي المحسنين المطيعين لله. ﴿إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ شهادة لهما بالإيمان، وهي علة الإحسان إليهما.

стр. 6871

المناسبة: هذه هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة، فبعد أن ذكر الله تعالى إنجاء إسماعيل من الذبح، ونجاة إبراهيم من النار، ذكر هنا ما منّ به على موسى وهارون من وجوه الإنعام المحصورة في نوعين: إيصال المنافع إليهما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وَهارُونَ﴾ ودفع المضار عنهما في قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. التفسير والبيان: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وَهارُونَ﴾ أي تالله لقد أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية. أما منافع الدنيا كما ذكر الرازي: فالوجود والحياة والعقل والتربية والصحة وتحصيل صفات الكمال في ذات كل واحد منهما. وأما منافع الدنيا: فالعلم والطاعة، وأعلى هذه الدرجات: النبوة الرفيعة، المقرونة بالمعجزات الباهرة القاهرة. وتفصيل هذه النعم في قوله تعالى: ١ - ﴿وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أي ونجيناهما وقومهما بني إسرائيل من استعباد فرعون إياهم، بقتل الآباء واستحياء النساء وتشغيلهم في أخسّ الأشياء والصناعات والمهن، كما نجيناهما مع القوم من الغرق الذي أهلك فرعون وقومه قبط مصر. ٢ - ﴿وَنَصَرْناهُمْ، فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ﴾ أي نصرناهم على أعدائهم، فغلبوهم، وأخذوا أرضهم وأموالهم التي جمعوها طوال حياتهم، فكانوا أصحاب الدولة بعد أن كانوا رعية أذلاء. ٣ - ﴿وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ أي وأنزلنا عليهما الكتاب العظيم الواضح الجلي الشامل لأمور الدنيا والآخرة، وهو التوراة، كما قال تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ.﴾. [المائدة ٤٤/ ٥] وقال

стр. 6872

سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء ٤٨/ ٢١]. ٤ - ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أرشدناهما إلى طريق الحق والصواب في الأقوال والأفعال، والإسلام وشرع الله. ٥ - ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ﴾ أبقينا لهما من بعدهما ذكرا حسنا جميلا وثناء حسنا في الأمم المتأخرة. قال ابن كثير والشوكاني وغيرهما: ثم فسره بقوله: ﴿سَلامٌ..﴾. إلخ. وقال آخرون: الآتي كلام مستقل، وهو ما أرجحه، لكثرة الفوائد. ٦ - ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ﴾ أي سلام منا على موسى وهارون، ومن الملائكة والإنس والجن أبد الدهر. والسبب ما قاله تعالى: ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي مثل هذا الجزاء نجزي بالخلاص من الشدائد والمحن كل من أحسن عمله فأطاع الله وانقاد له، وعلة الإحسان: أنهما من زمرة عبادة الله المؤمنين إيمانا صحيحا كاملا. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: ١ - أنعم الله على موسى وهارون بنعم كثيرة دينية ودنيوية، أرفعها درجة النبوة، ثم ذكر تعالى هذه النعم وهي: أ-نجاهما وقومهما بني إسرائيل من الرق الذي لحق بني إسرائيل واستعباد فرعون لهم، وقيل: من الغرق الذي لحق فرعون. ب-نصرهما وقومهما على أعدائهم قبط مصر.

стр. 6873

ج -أنزل عليهما التوراة الكتاب المنير الواضح البليغ في بيانه الشامل لمصالح الدنيا والآخرة. د-هداهما إلى الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام بالمعنى العام القائم على التوحيد، وأرشدهما إلى طريق الحق والصواب، وأمدهما بالتوفيق والعصمة. هـ -أبقى عليهما الثناء الحسن بين الأمم، وتلك نعمة عظمي. و-حظيا بالسلام من الله تعالى ومن الملائكة والإنس والجن أبد الدهر. ٢ - إن سنة الله تعالى الدائمة الجزاء الحسن للمحسنين أعمالهم بالخلاص من الشدائد، والسلامة من المحن، وذلك يشمل موسى وهارون ﵉ وأمثالهما. ٣ - إن سبب هذه الفضائل: الإيمان الذي هو أشرف وأعلى وأكمل من كل الفضائل. قصة إلياس ﵇ ﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾

стр. 6874

الإعراب: ﴿اللهَ رَبَّكُمْ.﴾. ﴿اللهَ﴾: منصوب على أنه بدل من قوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾ ويقرأ بالرفع على الابتداء، و ﴿رَبَّكُمْ﴾: الخبر. ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ مفعول ﴿تَرَكْنا﴾ محذوف، تقديره: وتركنا عليه في الآخرين الثناء الحسن، ثم ابتدأ فقال: ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾. ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ ﴿سَلامٌ﴾: مبتدأ، وخبره الجار والمجرور بعده، والجملة في موضع نصب ب ﴿تَرَكْنا﴾. و ﴿إِلْ ياسِينَ﴾: إما لغة في إلياس كميكال وميكائيل، وإما جمع (إلياسي) فحذف ياء النسب، كالأعجميين والأشعريين، وإنما حذفت لثقلها وثقل الجمع، وقد تحذف هذه في جمع التكسير، وفي جمع التصحيح مثل المهالبة جمع المهالبيّ. البلاغة: ﴿تَدْعُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿إِلْياسَ﴾ أحد أنبياء بني إسرائيل، وهو إلياس بن ياسين سبط هارون أخ موسى، بعث بعده، أرسل إلى قوم في بعلبك ونحوها. ﴿إِذْ﴾ منصوب بفعل مقدر هو: اذكر. ﴿قالَ لِقَوْمِهِ:﴾ ﴿أَلا تَتَّقُونَ﴾ أي تتقون الله، فتعبدونه، وتتركون ما ينهاكم الله عنه من الشرك والمعاصي، فتأمنون عذاب الله. ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ أي أتعبدون بعلا وهو اسم لصنم من ذهب، كان لأهل بعلبك، وبه سمي البلد أيضا مضافا إلى (بك) في لبنان. ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾ تتركون عبادة الله تعالى الذي هو أحسن المصورين الخالقين. ﴿اللهَ رَبَّكُمْ.﴾. الذي يربيكم بنعمه بعد أن أوجدكم من العدم، أنتم وأجدادكم، فهو الذي تحقّ له العبادة. ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ الذين اصطفاهم الله للطاعة، وأخلصوا لله العبادة، فهم ناجون من العذاب. ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أبقينا عليه ثناء حسنا. ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ أي سلام منا على إلياس، أو عليه وعلى قومه الذين آمنوا معه، فجمعوا تغليبا، كقولهم للمهلب وقومه: المهلبون. وقرئ: آل ياسين بالمد، والمراد به أهل إلياس. ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي مثل ذلك الجزاء نجزي كل من أحسن عمله لله. ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ علة الإحسان المتقدم.

стр. 6875

المناسبة: هذه هي القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة، والمقصود بها بيان جهود النبي إلياس ﵇ أحد أنبياء بني إسرائيل في الدعوة إلى توحيد الله، ومقاومة الشرك وعبادة الأصنام، كمن تقدمه من الأنبياء مثل نوح وإبراهيم ﵉. التفسير والبيان: ﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران أخي موسى ﵉، بعثه الله في بني إسرائيل بعد حزقيل ﵇، وكانوا قد عبدوا صنما يقال له (بعل) فدعاهم إلى توحيد الله تعالى، ونهاهم عن عبادة ما سواه. ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ: أَلا تَتَّقُونَ﴾ أي اذكر حين قال لقومه: هلا تخافون الله في عبادتكم غيره، وتتركون ما ينهاكم عنه من الشرك والمعاصي. ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ، اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي أتعبدون صنما أنتم صنعتموه، وتتركون عبادة المستحق للعبادة وحده لا شريك له؟ فهو الذي صوّركم وأنشأكم، وهو أحسن المصورين الخالقين، ولا خالق سواه، وهو الذي يربيكم بنعمه بعد أن أوجدكم من العدم، أنتم وأجدادكم. ويلاحظ الترتيب أنه لما عابهم على عبادة غير الله، صرح بالتوحيد ونفي الشركاء. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي فكذبوا دعوته ونبوته، فصاروا بسبب تكذيبه لمحضرون في العذاب يوم القيامة، ويجازون على ما قدموا من سوء الأعمال.

стр. 6876

ثم استثنى الله تعالى من كان مؤمنا من قومه، الذين وحدوا الله توحيدا خالصا وعبدوه، وأخلصوا العمل لله، فهؤلاء ناجون من العذاب، مثابون ثوابا حسنا على صالح أعمالهم، لا يحضرون العقاب المقرر للمشركين. ثم ذكر الله تعالى ما أنعم به على النبي إلياس، فقال: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي أبقينا عليه ثناء جميلا في الأمم المتتالية. ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ أي سلام من الله وملائكته وإنسه وجنّه على إلياس الذي آمن بكتاب الله، وقاوم الشرك والوثنية. وفي قراءة «آل ياسين» أي عليه وعلى أهل دينه الذين آمنوا برسالته، واتبعوا الحق. ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي كما جازيناه بالتخلص من الشدة والمحنة، نجازي كل محسن عمله لله تعالى، وعلة الجزاء الحسن: أنه مؤمن من جملة عباد الله المصدقين بوجود الله وتوحيده واتصافه بالصفات الحسنى. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إن إلياس ﵇ أحد الأنبياء المرسلين إلى قومه الذين عبدوا الأصنام، وتركوا عبادة الله تعالى. ٢ - لقد حذّرهم إلياس من عذاب الله، وعابهم على عبادة الأصنام، وأمرهم بما فيه ترغيب وتعقل أمرا بعبادة الله الخالق الرازق المنعم، الذي يربيهم بنعمه، هم وأجدادهم المتقدمون، وكذا الأجيال اللاحقة إلى يوم القيامة. ٣ - أخبر الله تعالى عن قوم إلياس أنهم كذبوه فاستحقوا الإحضار إلى عذاب جهنم في الآخرة.

стр. 6877

٤ - نجّى الله من العذاب الذين آمنوا بالله من قومه. ٥ - أبقى الله على إلياس الثناء الجميل في الأمم المتعاقبة والأجيال المتلاحقة. ٦ - سلام من الله وملائكته وإنسه وجنّه على إلياس على مدى الحياة. ٧ - يجزي الله الجزاء الأوفى كل من أحسن عمله لله تعالى، وسبب الجزاء لإلياس ومن آمن معه: أنه مؤمن بالله إيمانا صادقا خالصا من أي شائبة. قصة لوط ﵇ ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ المفردات اللغوية: ﴿وَإِنَّ لُوطاً﴾ هو لوط بن هاران أخي إبراهيم ﵇ ابن تارح، آمن بإبراهيم، وأرسله الله إلى أهل سدوم أهل المنكرات والمعاصي والفواحش. ﴿الْغابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب. ﴿دَمَّرْنَا﴾ أهلكنا. ﴿الْآخَرِينَ﴾ كفار قومه. ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾ وإنكم يا أهل مكة لتمرون على منازلهم وآثارهم في أسفاركم ومتاجركم إلى الشام، فإن (سدوم) في طريقه. ﴿مُصْبِحِينَ﴾ وقت الدخول في الصباح، أي أول النهار. ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾ أي وفي المساء. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ؟﴾ أفليس فيكم عقل تعتبرون به يا أهل مكة؟ المناسبة: هذه هي القصة الخامسة من قصص هذه السورة، ذكرها تعالى ليعتبر بها مشركو العرب، فإن الذين كفروا وعصوا من قوم لوط ﵇ هلكوا، والذين آمنوا نجوا.

стр. 6878

التفسير والبيان: ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي وإن لوطا من الأنبياء الذين أرسلهم الله إلى قومه (أهل سدوم) لارتكابهم الفواحش، فنصحهم فأبوا نصحه، فأهلكهم الله بالزلزال أو بالصيحة والحجارة المحرقة، فجعل بلادهم عاليها سافلها، ونجاه وأهله الذين آمنوا به إلا امرأته، كما قال تعالى: ﴿إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ، إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ﴾ أي نجينا لوطا وأهله المؤمنين به جميعا، إلا امرأته، فإنها هلكت وبقيت في العذاب، لرضاها بفعل القوم، وتواطؤها معهم على القوم الذين يأتون إلى لوط ﵇. ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ أي ثم أهلكنا قومه الذين كذّبوا برسالته وهم أهل الفاحشة (اللواط) عدا من نجيناهم. وهنا نبّه الله تعالى مشركي مكة إلى الاعتبار بمصير هؤلاء المكذبين العصاة، فقال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ، أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي وإنكم يا أهل مكة تمرون على منازلهم التي فيها آثار العذاب في وقت الصباح، أي بالنهار ذهابا إلى الشام، وفي الليل أثناء رجوعكم من الشام أفلا تتدبرون بعقل واع، وتتعظون بما تشاهدونه في ديارهم من آثار التدمير وعقوبة الله النازلة بهم، فتخافوا من أن يحلّ بكم نفس العذاب، وتصيروا إلى مثل المصير، لمخالفتهم رسولهم. وأشار الله تعالى إلى الصباح والليل، لأن المسافر في أكثر الأمر إنما يمشي في الليل وفي أول النهار. فقه الحياة أو الأحكام: يقص الله تعالى قصص الأنبياء السابقين للعظة والعبرة، ومن هذه

стр. 6879

القصص: قصة لوط ﵇ مع قومه أهل سدوم، فأرشدهم إلى عبادة الله تعالى، وترك عبادة الأصنام، واجتناب الفواحش والمنكرات، ومنها إتيان الرجال، فكذبوه وعصوا أمر ربهم، فعاقبهم الله بالزلزال، فدمر ديارهم وأهلكهم، ونجّى الله لوطا وأهله الذين آمنوا برسالته إلا زوجته التي كانت راضية بأفعال القوم، وتدلهم على ضيوف لوط ﵇. هذه عبرة وأي عبرة، لذا حذّر تعالى مشركي مكة الذين يرون في أسفارهم ومتاجرهم إلى الشام آثار ذلك الدمار، ونبههم إلى ضرورة العظة والاعتبار بمصير هؤلاء الذين كذبوا رسولهم، حتى لا يحل بهم ما حل بغيرهم. قصة يونس ﵇ ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨)﴾ الإعراب: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿أَوْ﴾: إما للتخيير، أي يتخير الرائي في أن يعدهم مائة ألف أو يزيدون، وإما للشك من الرائي، إذا رآهم شك في عدتهم لكثرتهم، وإما بمعنى (بل) وإما بمعنى الواو، والوجهان الأولان مذهب البصريين، والوجهان الآخران مذهب الكوفيين. البلاغة: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ في ﴿أَبَقَ﴾ استعارة تصريحية، شبه خروج يونس ﵇ بغير إذن ربه بإباق العبد، أي هربه من سيده.

стр. 6880

المفردات اللغوية: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ﴾ هو نبي الله يونس بن متى، من أنبياء اليهود بني إسرائيل في الظاهر أرسله الله عقيب نبوته إلى مدينة كبري ليدعو أهلها (هم أهل نينوى) إلى توحيد الله، وترك الوثنية. ﴿أَبَقَ﴾ أصل الإباق: الهرب من السيد، والمراد هنا أنه ترك البلد بغير إذن ربه. ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ السفينة المملوءة في صورة المغاضب لربه، وهو في الحقيقة غاضب من قومه، لمّا لم ينزل بهم العذاب الذي وعدهم به، فركب السفينة، فوقفت في لجّة البحر، فقال الملاحون: هنا عبد أبق (هرب) من سيده، تظهره القرعة. ﴿فَساهَمَ﴾ فقارع من في الفلك، أي اقترع أهل السفينة. ﴿الْمُدْحَضِينَ﴾ المغلوبين بالقرعة، فقال: أنا الآبق، فألقوه في البحر. ﴿فَالْتَقَمَهُ﴾ ابتلعه. ﴿مُلِيمٌ﴾ آت بما يلام عليه من ذهابه إلى البحر، وركوبه السفينة بلا إذن من ربه. ﴿الْمُسَبِّحِينَ﴾ الذاكرين الله كثيرا بالتسبيح مدة عمره، وفي بطن الحوت بقوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ، سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء ٨٧/ ٢١]. ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أحياء، أي لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. ﴿فَنَبَذْناهُ﴾ ألقيناه من بطن الحوت، بأن حملنا الحوت على لفظه. ﴿بِالْعَراءِ﴾ بالمكان الخالي عما يغطيه من شجر أو نبت، في الساحل، في يومه أو بعد أيام، والله أعلم، روي أن الحوت سار مع السفينة رافعا رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح، حتى انتهوا إلى البر، فلفظه. ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ عليل مما ناله، قيل: صار بدنه كبدن الطفل حين يولد. ﴿وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي فوقه. ﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ وهو الدّباء أو القرع المعروف، غطّته بأوراقها عن الذباب، وظلّلته بساق على خلاف العادة في امتداد القرع على الأرض، معجزة له، وقيل: هو الموز يتغطى بورقه، ويستظل بأغصانه، ويفطر على ثماره، وقيل: التين. قيل لرسول الله ص: إنك لتحب القرع؟ قال: «أجل، هي شجرة أخي يونس». ويقال: وكانت تأتيه وعلة صباحا ومساء يشرب من لبنها حتى قوي. ﴿وَأَرْسَلْناهُ﴾ بعد ذلك إلى قوم هم أهل نينوى من أرض الموصل. ﴿إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ في مرأى الناظر، إذا نظر إليهم قال: هم مائة ألف أو أكثر، والمراد: الوصف بالكثرة. ﴿فَآمَنُوا﴾ عند معاينة أمارات العذاب الموعودين به. ﴿فَمَتَّعْناهُمْ﴾ أبقيناهم ممتعين بما لهم في الدنيا. ﴿إِلى حِينٍ﴾ إلى أجلهم المسمى ومنتهى أعمارهم. المناسبة: هذه هي القصة السادسة والأخيرة في هذه السورة، وإنما جعلت خاتمة

стр. 6881

للقصص، لأن يونس ﵇ لما لم يصبر على أذى قومه، وأبق إلى الفلك، وقع في تلك الشدائد، وفي هذا عبرة ودرس وتعليم للنبي ص ليصبر على أذى قومه. جاء في الصحيحين عن رسول الله ص أنه قال: «ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» ونسبه إلى أمه، وفي رواية: إلى أبيه. التفسير والبيان: ذكر الله يونس في القرآن باسمه أربع مرات (١)، وذكره بوصفه مرتين، في سورة الأنبياء: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً﴾ [٨٧] وفي سورة القلم: ﴿وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ، إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [٤٨]. ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إن يونس بن متى وهو ذو النون أحد الأنبياء المرسلين إلى قومه أهل نينوى بالموصل. قال المفسرون: كان يونس قد وعد قومه العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب، خرج عنهم وقصد البحر، وركب السفينة، فكان كالفارّ من مولاه، فوصف بالإباق. ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي اذكر حين هرب من قومه مغاضبا قومه إلى السفينة المملوءة بغير إذن ربه، فقارع أهل السفينة، فكان من المغلوبين في القرعة التي اقترعوها ليلقوا بعضهم في البحر، خوفا من غرق السفينة الثقيلة الحمولة، فألقوه في البحر بعد أن وقعت القرعة عليه ثلاث مرات. وأصل الإباق: هرب العبد من السيد، لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه، وصف به. ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ فابتلعه الحوت، وهو مليم نفسه على ما فرط

стр. 6882

منها أو هو آت ما يلام عليه، من ترك قومه بغير إذن ربه، وكان عليه أن يصبر على أذى قومه. والخروج بغير إذن الله كبيرة على الأنبياء، لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين. ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي لولا أنه كان في حياته من الذاكرين الله كثيرا، المسبحين بحمده، المصلين له، للبث ميتا في بطن الحوت، وصار له قبرا إلى يوم القيامة، لأن العادة أن يهضم كسائر أنواع الغذاء. جاء في الحديث الصحيح الذي ذكره النووي في الأربعين النووية عن ابن عباس في رواية غير الترمذي: «تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» وكما كان مسبّحا ربه في حياته، سبح الله في بطن الحوت، كما قال : ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ: أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ، سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنا لَهُ، وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ، وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء ٨٧/ ٢١ - ٨٨]. ﴿فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ ألقيناه، بأن جعلنا الحوت يلقيه، في مكان خال ليس فيه شجر ولا نبت ولا بناء، على جانب دجلة، وهو عليل الجسم ضعيف البدن، كهيئة الصبي حين يولد. ﴿وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ أي أنبتنا عليه شجرة فوقه تظلل عليه هي شجرة الدّبّاء وهو القرع، وهذا سريع النمو، وقدرة الله تجعل الشيء كن فيكون. ذكر بعضهم في القرع فوائد: منها سرعة نباته، وتظليل ورقه لكبره ونعومته، وأنه لا يقربها الذباب، وجودة تغذية ثمرته، وأنه يؤكل نيئا ومطبوخا بلبّه وقشره أيضا. وقد ثبت أن رسول الله ص كان يحب الدباء، ويتتبعه من حواشي الصّحفة. وقد مكث يونس في هذه الحالة حتى اشتد لحمه ونبت شعره، ثم جاءه الأمر الإلهي: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَآمَنُوا، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ أي

стр. 6883

أرسله الله عائدا إلى القوم الذين هرب منهم إلى البحر، وهم أهل نينوى من أرض الموصل، وعددهم مائة ألف، بل أكثر من ذلك، فهم يزيدون عن هذا العدد، فدعاهم إلى ربه مرة أخرى، فصدقوه كلهم وآمنوا به، بعد ما شاهدوا أعلام نبوته، وأمارات العذاب، فمتعهم الله في الدنيا إلى حين انقضاء آجالهم ومنتهى أعمارهم، كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا، كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨/ ١٠]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت قصة يونس إلى ما يأتي: ١ - وقعت حادثة التقام الحوت يونس ﵇ بعد أن صار رسولا، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أي أنه كان من المرسلين حينما أبق إلى الفلك. ٢ - لا يصح لنبي المهاجرة عن بلد القوم الذين أرسل إليهم إلا بإذن ربه، فلما ذهب يونس ﵇ بغير إذن ربه، وصف فعله بالإباق. قال العلماء: إنما قيل ليونس: أبق عن العبودية، لأنه خرج بغير أمر الله ، مستترا من الناس. وإنما العبودية: ترك الهوى، وبذل النفس عند أمور الله ، فلما آثر هواه لزمه اسم الآبق. ولم يبين لنا القرآن الكريم سبب إباقه، وقد فهم ذلك بالأمارات. ٣ - القرعة جائزة شرعا، وملزمة الأثر كالقسمة، لقوله تعالى: ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. لكن المستقر في تشريعنا أنه لا يجوز الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر، وإنما تطبق عليه الحدود والتعزيرات على مقدار جنايته. وإنما كان ذلك في يونس وزمانه مقدمة لتحقيق برهانه، وزيادة في إيمانه.

стр. 6884

٤ - أتى يونس ﵇ بما يلام عليه، فأصابته القرعة ثلاث مرات، فألقوه في البحر، تخفيفا لحمولة السفينة، فالتقمه الحوت، وهو آت بما يلام عليه. ٥ - لم يبين القرآن الكريم مدة لبثه في بطن الحوت، لذا اختلف العلماء في تعيين المدة، فقيل: بعض يوم، أو ساعة واحدة، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: سبعة أيام، وقيل: عشرين يوما، وقيل: أربعين يوما (١). والمعول عليه أن الله أبقاه حيا في بطن الحوت، فجعله عسير الهضم عليه، في مدة قليلة أو كثيرة، معجزة له. ٦ - لقد نجى الله تعالى يونس ﵇، لأمرين: أنه كان من المسبحين الذاكرين الله كثيرا طوال عمره، ومن تعرف على الله وقت الرخاء عرفه وقت الشدة، وأنه أعلن توبته في بطن الحوت الذي حماه الله من هضمه، فقال: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ، سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾. لذلك قيل: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر. وقال الحسن البصري: ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا في حال الرخاء، فذكّره الله به في حال البلاء، وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه، وإذا عثر وجد متكأ. ومن هذا المعنى قوله ص فيما رواه الضياء عن الزبير: «من استطاع منكم أن تكون له خب (أي خبيئة) من عمل صالح فليفعل» أي فليجتهد العبد، ويحرص على خصلة من صالح عمله، يخلص فيها بينه وبين ربه، ويدخرها ليوم فاقته وفقره، ويسترها عن خلقه، يصل إليه نفعها أحوج ما كان إليه. أما تسبيحه فقال القرطبي: الأظهر أنه تسبيح اللسان الموافق للجنان. جاء في كتاب أبي داود عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ص قال: «دعاء ذي النون

стр. 6885

في بطن الحوت: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ، سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾، لم يدع به رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له». ٧ - كان من تتمة نعمة الله على يونس ﵇ أنه بعد أن ألقاه الحوت، وهو في حال من الضعف، بساحل قرية من الموصل، أنبت عليه لحمايته وتظليله شجرة من يقطين. روى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: طرح يونس بالعراء، وأنبت الله عليه يقطينة، قلنا: يا أبا هريرة، وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدّبّاء، هيأ الله له أروية (١) وحشية تأكل من خشاش الأرض-أو هشاش الأرض-فتفشج (٢) عليه، فترويه من لبنها، كل عشية وبكرة حتى نبت. ٨ - بعد أن اشتد لحمه ونبت شعره، أعاده الله إلى قومه الذين يزيد عددهم عن مائة ألف، فدعاهم إلى ربه، فآمنوا لما رأوا أعلام نبوته، ليظهر الله إرادته وقدرته له في الإيمان، ولما آمنوا أزال الله الخوف عنهم، وآمنهم من العذاب، ومتعهم الله بمتاع الدنيا إلى منتهى أعمارهم. تفنيد عقائد المشركين ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾

стр. 6886

الإعراب: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ﴾ مكسورة بعد ﴿أَلا﴾ لأنها مبتدأة، ولولا اللام في ﴿لَيَقُولُونَ﴾ لجاز فتحها على أن تكون ﴿أَلا﴾ بمعنى: حقا، تقول: أحقا أنك منطلق. ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ.﴾. قرئ بهمزة من غير مد، أصله «اصطفى» بهمزة وصل، فأدخلت عليه همزة الاستفهام، فاستغني بها عن همزة الوصل، فحذفت، مثل «أستغفرت». ومن قرأه بالمد أبدل من همزة الوصل مدة كإبدال همزة لام التعريف، نحو: آلرجل عندك، ونحو ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس ٥٩/ ١٠]. ﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ ﴿مَنْ﴾: في موضع نصب ب ﴿بِفاتِنِينَ﴾ وقرئ ﴿صالِ الْجَحِيمِ﴾ وفيه ثلاثة أوجه: إما حذف لام ﴿صالِ﴾ وهي الياء، وإما قلب اللام التي هي الياء من «صالي» إلى موضع العين، فصار «صايل» ثم حذف الياء، فبقيت اللام مضمومة، وفيه بعد، وإما أصله «صالون» جمع صال، حملا على معنى «من» فحذفت النون منه للإضافة، وحذف الواو لالتقاء الساكنين. ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ تقديره: وما منا أحد إلا له مقام معلوم. ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ إن: مخففة من الثقيلة، وتقديره: وإنهم كانوا ليقولون، ودخلت اللام فرقا بين المخففة والثقيلة. البلاغة: ﴿الْبَناتِ﴾ و ﴿الْبَنِينَ﴾ بينهما طباق. ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ﴾ ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً﴾ ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾: تتابع الاستفهام للتوبيخ.

стр. 6887

﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ التفات من الخطاب إلى الغيبة، والأصل: وتجعلون، للإهمال والإبعاد من رحمة الله. المفردات اللغوية: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ استخبرهم واطلب منهم الفتيا توبيخا لهم، وهو معطوف على مثله في أول السورة، فإنه تعالى أمر رسوله أولا باستفتاء قريش عن وجه إنكارهم البعث، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة، حيث جعلوا لله البنات، ولأنفسهم البنين، في قولهم: الملائكة بنات الله. ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ﴾ بزعمهم أن الملائكة بنات الله. ﴿وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ فيختصون بالأعلى، ويجعلون لله الأدنى. ﴿وَهُمْ شاهِدُونَ﴾ الخلق، لأن أمثال ذلك لا يعرف إلا بالشهود أو الحضور. ﴿أَمْ﴾ بمعنى «بل» الإضرابية، مع همزة الاستفهام. ﴿إِفْكِهِمْ﴾ الإفك: أشد الكذب. ﴿وَلَدَ اللهُ﴾ بقولهم: الملائكة بنات الله. ﴿لَكاذِبُونَ﴾ فيما ادعوه، وتدينوا به. ﴿أَصْطَفَى﴾ اختار، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء. وهو استفهام إنكار واستبعاد. ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الفاسد الذي لا يرتضيه عقل. ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أنه منزه عن ذلك من الولد والشريك والند والنظير. ﴿سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ حجة واضحة، نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بناته، أو أن لله ولدا. ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الذي أنزل عليكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ادعائكم أو قولكم ذلك. ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ أي جعل المشركون بينه تعالى وبين الملائكة نسبا أي صلة وارتباطا بقولهم: إنها بنات الله، وسموا بالجنّة لاستتارهم عن الأبصار. ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ﴾ إن الكفرة قائلي ذلك. ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ للنار للعذاب فيها. ﴿سُبْحانَ اللهِ﴾ تنزيها لله. ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ من الولد (بأن لله ولدا) والنسب ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي لكن عباد الله الذين اصطفاهم ربهم ينزهون الله تعالى عما يصفه هؤلاء، وهو استثناء منقطع. ﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ﴾ من الأصنام، وهو عود لخطابهم. ﴿ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ على الله ﴿بِفاتِنِينَ﴾ أحدا، مفسدين الناس بالإغواء، حاملين إياهم على الضلال والفتنة. وعليه: متعلق بفاتنين. ﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ إلا من سبق في علم الله تعالى أنه من أهل النار يصلاها لا محالة، يقال: صلي النار: دخلها. ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أي قال جبريل للنبي ص: ما منا معشر الملائكة أحد إلا له مقام معلوم في السموات، يعبد الله فيه لا يتجاوزه. وهذا اعتراف الملائكة بالعبودية للرد على عبدتهم. ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ صفوفا في أداء الطاعة ومنازل الخدمة. ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ

стр. 6888

الْمُسَبِّحُونَ﴾ المنزهون الله عما لا يليق به. ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ أي وإن كان كفار مكة ليقولون. ﴿وَإِنْ﴾ مخففة من الثقيلة أي وإنهم. ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ كتابا من الكتب التي أنزلت على الأمم الماضية. ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ لأخلصنا العبادة له، ولم نخالف مثلهم. ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي لما جاءهم القرآن الذي هو أشرف الأذكار والمهيمن عليها كفروا به. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم. سبب النزول: نزول الآية (١٥٨): ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ.﴾.: أخرج جويبر عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآيات في ثلاثة أحياء من قريش: سليم، وخزاعة، وجهينة: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾. ونقل الواحدي عن المفسرين أنهم قالوا: إن قريشا وأجناس العرب: جهينة وبني سلمة، وخزاعة، وبني مليح قالوا: الملائكة بنات الله. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد قال: قال كبار قريش: الملائكة بنات الله، فقال لهم أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم؟ قالوا، بنات سراة الجن، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. نزول الآية (١٦٥): ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ.﴾.: أخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي مالك قال: كان الناس يصلون متبددين، فأنزل الله: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ فأمرهم النبي ص أن يصفوا. المناسبة: بعد افتتاح هذه السورة بتوبيخ المشركين على إنكارهم البعث، وبعد بيان قصص الأنبياء التي هي في الأعم الأغلب درس بليغ للمشركين، بدأ الله تعالى

стр. 6889

ببيان عقائد المشركين وتفنيدها وتقبيحها، ومن تلك العقائد: إثبات الأولاد لله تعالى، ونسبة البنات لله بقولهم: «الملائكة بنات الله» وجعل البنين لأنفسهم، ثم افتراؤهم بجعل الملائكة إناثا لا ذكورا، ثم أعلن تعالى حملته الشديدة على المشركين، فأبان أنهم عاجزون عن إضلال أحد إلا إذا كان هو من أهل الضلال وأصحاب الجحيم، في علم الله السابق. وناسب بعدئذ إيراد تصريح الملائكة بعبوديتهم لله للرد على المشركين الذين زعموا أنهم بنات الله. التفسير والبيان: عطف الله تعالى هذه الآيات على قوله في أول السورة: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا﴾ فقال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ أي استخبرهم يا محمد على سبيل التوبيخ، وسلهم مؤنبا ومقرعا ومنكرا على هؤلاء المشركين في قسمتهم وسفه عقولهم، في جعلهم لأنفسهم البنين، وهو النوع الجيد، ولله تعالى البنات التي يكرهونها أشد الكره، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل ٥٨/ ١٦] أي يسوؤه ذلك، ولا يختار لنفسه إلا البنين، فكيف يجعلون لله أدنى الجنسين وهو الإناث، ولهم أعلاها وهم الذكور؟. والمراد بالآية: بيان جور القسمة وإظهار شدة الغرابة، كيف نسبوا إلى الله تعالى النوع الذي لا يختارونه لأنفسهم؟ كما في قوله : ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى، تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم ٢١/ ٥٣ - ٢٢]. ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ﴾ بل كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث، وما شاهدوا خلقهم؟ وهذا انتقال عن الكلام الأول إلى ما هو أشد منه، فكيف جعلوهم إناثا، وهم لم يحضروا عند خلقنا لهم، وذلك لا يعلم إلا بالمشاهدة، ولم يشهدوا، فلم يقم لهم دليل يدل على قولهم، لا من النقل الصحيح، ولا من العقل السليم.

стр. 6890

ونظير الآية قوله سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً، أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ؟ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف ١٩/ ٤٣] أي ويسألون عن ذلك يوم القيامة. ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ: وَلَدَ اللهُ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي إن قولهم هذا هو من الكذب والافتراء، الذي لا دليل له ولا شبهة دليل. فكيف يقولون: صدر منه الولد، إنهم فيما يقولون أكذب الكاذبين. وبه يتبين أنهم ذكروا في الملائكة ثلاثة أوصاف في غاية الكفر والكذب، وهي أنهم جعلوهم بنات الله، فنسبوا الولد لله، وجعلوا ذلك الولد أنثى، ثم عبدوهم من دون الله. ثم أنكر الله تعالى عليهم حكمهم الجائر فقال: ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ، ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ، أَفَلا تَذَكَّرُونَ؟﴾ المعنى: أي شيء يحمله على اختيار البنات دون البنين؟ كما قال تعالى: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً؟ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ [الإسراء ٤٠/ ١٧] أي كيف يعقل تفضيله البنات على البنين، مع أن البنين أفضل؟ أليس لكم عقول تتدبرون بها ما تقولون؟ أفلا تعتبرون وتتفكرون فتتذكروا بطلان قولكم؟. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ؟ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ المعنى: بل ألكم حجة واضحة على هذا القول؟ فإن كان لكم برهان، فهاتوا برهانا على ذلك، مستندا إلى كتاب منزّل من السماء عن الله تعالى أنه اتخذ ما تقولونه، إن صدقتم في ادعائكم.

стр. 6891

ويلاحظ من تتابع هذه الاستفهامات وتكرارها مدى التوبيخ والتبكيت والإنكار الشديد لأقاويلهم، وتسفيه أحلامهم، فإن ما يقولونه لا يمكن استناده إلى عقل، بل لا يجوزه العقل أصلا. ثم أكد الله تعالى افتراء المشركين على الله بنسبة الملائكة إليه نسبا، فقال: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ أي جعل المشركون بين الله وبين الجن وهم هنا الملائكة صلة نسب، فقالوا: الملائكة بنات الله، وسموا جنا لاجتنانهم واستتارهم عن الأبصار. والقائل بهذه المقالة كنانة وخزاعة، قالوا: إن الله خطب إلى سادات الجن، فزوجوه من سروات بناتهم، فالملائكة بنات الله من سروات بنات الجن، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وما هذا إلا وهم واختراع القصاصين منهم، وقيل: القبائل هم اليهود، قالوا لعنهم الله: إن الله صاهر الجن، فكانت الملائكة من بينهم. وكل هذا بسبب تشبيه الخالق بالبشر، ووصفه بالمادية الجسدية، وهو كفر. ثم أخبر الله تعالى عن عذابهم قائلا: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي وتالله، لقد علمت الملائكة الذين ادعى المشركون أن بينهم وبينه تعالى نسبا، إن أولئك المشركين لمحضرون للحساب والعذاب في النار، لكذبهم وافترائهم بقولهم المتقدم. ثم نزّه الله تعالى نفسه عن كل ما لا يليق به من نقائص البشر، قائلا. ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي تنزه الله تعالى وتقدس عن أن يكون له ولد، وعما يصفه به الظالمون الملحدون، وتعالى علوا كبيرا. ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي لكن عباد الله المخلصين وهم المتّبعون للحق

стр. 6892

المنزل على كل نبي مرسل ناجون، فلا يحضرون إلى عذاب النار، وهذا استثناء منقطع. ثم تحدى الله تعالى المشركين، وأثبت عجزهم عن إضلال أحد أو فتنته، فقال مخاطبا المشركين: ﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ. ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ. إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ ١ الْجَحِيمِ﴾ أي فإنكم وآلهتكم التي تعبدون من دون الله لستم بقادرين على فتنة أحد عن دينه وإضلاله إلا من هو أضل منكم ممن هو من أهل الجحيم الذي سبق في علم الله تعالى أنهم لما علم من سوء استعدادهم ممن يدخلون النار ويصلونها، وهم المصّرون على الكفر، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ [الأعراف ١٧٩/ ٧] فهذا النوع من الناس: هو الذي ينقاد للشرك والضلالة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات ٨/ ٥١ - ٩] أي إنما يضل به من هو مأفوك مبطل. ثم نزه الله تعالى الملائكة مما نسبوا إليه من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات الله. ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ هذا حكاية من الله تعالى عما تقوله الملائكة معناه: وما منا ملك إلا له مرتبة معلومة من المعرفة والعبادة والمكان، لا يتجاوزها. والمراد به الإشارة إلى درجاتهم في طاعة الله تعالى، مبالغة في العبودية لله . قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ص: «ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد، أو قائم» (٢).

стр. 6893

﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ، وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ أي قالت الملائكة أيضا: وإنا لنحن الصافون صفوفا في مواقف العبودية، وإنا لنحن المسبحون باللسان وبالصلاة، المنزهون الله تعالى عما لا يليق به، فنحن عبيد فقراء لله. والمقصود أن صفات الملائكة هي التذلل والعبادة لله، وليسوا كما وصفهم به الكفار من أنهم بنات الله، وهو إشارة إلى درجاتهم في المعارف، كما أن الأول إشارة إلى درجاتهم في الطاعة. ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: «خرج علينا رسول الله ص، ونحن في المسجد، فقال: ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربها، فقلنا: يا رسول الله، كيف تصفّ الملائكة عند ربها؟ قال: يتمّون الصفوف الأوّل، ويتراصّون في الصف». وفي صحيح مسلم أيضا عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ص: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدا، وتربتها طهورا». وكان عمر ﵁ إذا قام للصلاة يقول: أقيموا صفوفكم، واستووا، إنما يريد الله بكم هدي الملائكة عند ربها، ويقرأ: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ تأخر يا فلان، تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبّر. ثم ذكّر تعالى بما كان يقول المشركون قبل البعثة النبوية: ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ، لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي إن المشركين كانوا قبل بعثة النبي ص، إذا عيّروا بالجهل، قالوا: لو كان عندنا كتاب من كتب الأولين كالتوراة والإنجيل، لأخلصنا العبادة لله، ولم نكفر به، فجاءهم محمد ص بالذّكر المبين فكفروا به، وسوف يعلمون عاقبة كفرهم ومغبته. وهذا وعيد أكيد وتهديد شديد على كفرهم بربهم وبالقرآن وبالرسول ص.

стр. 6894

وذلك كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ، فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ، ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً﴾ [فاطر ٤٢/ ٣٥] وقوله سبحانه: ﴿أَنْ تَقُولُوا: إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا، وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا: لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ، فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ، وَصَدَفَ عَنْها، سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام ١٥٦/ ٦ - ١٥٧]. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما هو آت: ١ - من أكاذيب المشركين الوثنيين وافتراءاتهم أنهم قالوا: البنات لله. والملائكة بنات الله، والملائكة إناث، وكل ذلك باطل، لأنهم نسبوا لله الولد وهو الذي لم يلد ولم يولد، وكان يستنكفون من البنت، والشيء الذي يستنكف المخلوق منه، كيف يمكن إثباته للخالق، ولم يشهدوا كيفية تخليق الله الملائكة، فكيف يزعمون أنهم إناث؟!! ٢ - لكل هذا وبخهم الله تعالى بجمل متتابعة متكررة من الاستفهامات المذكورة في الآيات، والتي تناقض الحس والعقل والمنطق والنظر، ولا دليل عليها من نقل يوثق به، ولا تعتمد على حجة وبرهان. ٣ - قال كفار قريش: الملائكة بنات الله، جاعلين نسبا بينه وبينهم، والملائكة مبرؤون من هذا الزعم، ويعلمون يقينا أن أولئك الكفار محضرون للعذاب في نار جهنم. ٤ - نزّه الله تعالى نفسه عما قالوا من الكذب، وعما وصفوا من المزاعم،

стр. 6895

وذلك تنزيه واجب واقع لا شك فيه، يستحق ربنا به تمام الحمد والشكر على تعريفنا بما يجب لذاته الكريمة من تقديس. ٥ - إن عباد الله المخلصين لله العبادة، المتبعين أوامر ربهم، هم الناجون. ٦ - لا يقر هؤلاء الكفار ولا آلهتهم التي يعبدون من دون الله على حمل أحد على الضلال إلا إذا كان سبق في علم الله أنه من أهل النار، لإصراره على الكفر، وعدم استعداده للإيمان. قال الرازي: وهذا دليل لأهل السنة على أنه لا تأثير لإغواء الشيطان ووسوسته، وإنما المؤثر قضاء الله وتقديره، لأن قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ تصريح بأنه لا تأثير لقولهم، ولا تأثير لأحوال معبوديهم في وقوع الفتنة والضلال. وقوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ يعني إلا من كان كذلك في حكم الله وتقديره (١). وهي رد على القدرية. فإن حكم الله وقدره لا جبر فيه ولا إكراه. ٧ - وصف الملائكة أنفسهم بثلاث صفات، تعظيما لله ، واعترافا بالعبودية له، وإنكارا منهم عبادة من عبدهم، وهي: أن لكل واحد منهم مرتبة لا يتجاوزها، ودرجة لا يتعدى عنها، وأنهم صافون صفوفا في أداء الطاعات ومنازل الخدمة والعبودية، وأنهم دائما يسبحون الله تعالى، والتسبيح: تنزيه الله عما لا يليق به. وجاءت الصفتان الثانية والثالثة بصفة الحصر، ومعناه: أنهم في مواقف العبودية لا غيرهم، وأنهم هم المسبحون لا غيرهم، وذلك يدل على أن طاعات البشر ومعارفهم بالنسبة إلى طاعات الملائكة وإلى معارفهم كالعدم، حتى يصح هذا الحصر، كما ذكر الرازي. ثم عقب على ذلك قائلا: فكيف يجوز مع هذا الحصر أن

стр. 6896

يقال: البشر تقرب درجته من الملك، فضلا عن أن يقال: هل هو أفضل منه أم لا؟!! ٨ - إن أخبار قريش عجيبة وغريبة، سواء قبل البعثة النبوية أم بعدها. فقد كانوا يتمنون قبل بعثة النبي ص لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله، وما كان من أمر القرون الأولى، ويأتيهم بكتاب الله، ثم جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب المهيمن على كل الكتب، وهو القرآن، فكفروا به، وكذبوا رسول الله ص، وما وفوا بما قالوا: فاستحقوا الوعيد والتهديد، وهو أنهم سوف يعلمون مغبة كفرهم، وعاقبة تكذيبهم. نصر جند الله تعالى ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)﴾ الإعراب: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿لَهُمُ﴾: ضمير فصل بين اسم «إن» وهو «هم» وخبرها ﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ وأدخلت اللام على الضمير. ولا يجوز أن يكون ﴿لَهُمُ﴾ صفة لاسم «إن»، لأن اللام لا تدخل على الصفة. ويجوز جعل ﴿لَهُمُ﴾ مبتدأ، و ﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ خبره، والجملة منهما في موضع رفع خبر «إن».

стр. 6897

البلاغة: ﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ استعارة تمثيلية، شبه العذاب النازل بهم بجيش هجم عليهم بغتة، فلم ينتصحوا بكلام ناصح، ولا استعدوا للدفاع، حتى هزمهم وأفناهم. المفردات اللغوية: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ أي وعدناهم بالنصر والغلبة، وذلك بقوله تعالى: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨] وقوله هنا: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾. وإنما سماها كلمة وهي كلمات لانتظامها في معنى واحد. ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ الغالبون في الحرب وغيرها، وهذا باعتبار الغالب، وبشرط نصرة دين الله. ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ أي إن جندنا المؤمنين أتباع الرسل غالبون الكفار في الدنيا بالحجة والنصرة عليهم، فإن لم ينتصروا في الدنيا انتصروا في الآخرة. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم. ﴿حَتّى حِينٍ﴾ أي إلى أن يحين موعد نصرك عليهم وهو في عهد النبوة يوم بدر أو يوم الفتح-فتح مكة. ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ انظر إليهم وارتقب ما ينالهم من الأسر والقتل في الدنيا، والتعذيب في الآخرة حين نزول العذاب بهم. ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عاقبة كفرهم، وما قضينا لك من التأييد والنصر في الدنيا، والثواب في الآخرة. وسوف للوعيد لا للتبعيد. ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ؟﴾ هذا قول من الله يتضمن التهديد لهم، روي أنه لما نزل. ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ قالوا: متى هذا؟ فنزل قوله تعالى: ﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أي إذا نزل العذاب بفنائهم: وهو المكان الواسع، قال الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم. ﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي بئس صباحا صباح المنذرين بالعذاب. وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر لتسجيل صفة الإنذار عليهم. ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ كرره تأكيدا لتهديدهم، وتسلية للنبي ص. ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ الغلبة والقوة. ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ بأن له ولدا. ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ المبلغين عن الله التوحيد والشرائع. ﴿وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ على نصرهم وهلاك الكافرين. سبب النزول: نزول الآية (١٧٦): ﴿أَفَبِعَذابِنا.﴾.: أخرج جويبر عن ابن عباس قال: قالوا: يا محمد، أرنا

стр. 6898

العذاب الذي تخوفنا به، عجّله لنا، فنزلت: ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ وهو صحيح على شرط الشيخين. التفسير والبيان: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ أي لقد سبق وعدنا بالنصر والظفر على الكفار في الدنيا والآخرة لعبادنا الرسل الذين أرسلناهم للإنذار والتبشير، ففي الدنيا: تكون الغلبة والقهر لهم بالأسر والقتل والتشريد أو الإجلاء أو بالحجة والبرهان، ونحو ذلك، وفي الآخرة: الظفر بالجنة، والنجاة من النار، وهذا في الأعم الأغلب. وجند الله: حزبه، وهم الرسل وأتباعهم. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨] وقوله سبحانه: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر ٥١/ ٤٠]. وشرط النصر معروف، وهو الإيمان الصحيح بالله ، والعمل بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والتزام دين الله شرعا ودستورا ونظاما ومنهج حياة، قال تعالى: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧/ ٣٠] وقال سبحانه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [سورة محمد ٧/ ٤٧] وقال : ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨/ ٧]. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ﴾ أي أعرض عنهم، واصبر على أذاهم لك، إلى مدة معلومة عند الله سبحانه، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر. ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي أنظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال بمخالفتك وتكذيبك، كالأسر والقتل، وسوف يبصرون كل ما وعدتهم به

стр. 6899

من العقاب، وما وعدناك به من النصر وانتشار دينك في الآفاق، وذلك حين لا ينفعهم الإبصار. وكرر تعالى ذلك تأكيدا. والمراد بالأمر بإبصارهم على الحال المنتظرة الموعودة: الدلالة على أنها كائنة واقعة لا محالة، وأن حدوثها قريب، وفي ذلك تسلية للرسول ص وتنفيس عنه عما يناله من أذى كفار قومه قريش. ثم وبخهم الله تعالى وهددهم على طلبهم تعجيل العذاب قائلا: ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ؟﴾ أي كيف يجرءون على استعجال عذابنا الشديد؟ والواقع أنهم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم بك، قائلين: متى هذا العذاب؟ والعذاب نازل بهم قطعا لا محالة. ﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي فإذا نزل العذاب بهم أو بمحلّتهم، فبئس ذلك اليوم يومهم، لإهلاكهم ودمارهم. ورد في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: صبّح رسول الله ص خيبر، فلما خرجوا بفؤوسهم ومساحيهم، ورأوا الجيش، رجعوا وهم يقولون: محمد والله، محمد والخميس -الجيش-فقال النبي ص: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين» ورواه أحمد أيضا بلفظ آخر، وهو صحيح على شرط الشيخين. ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ، وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي وأعرض أيها الرسول عن هؤلاء المشركين إلى أجل آخر يحين فيه هلاكهم، وانظر إليهم وارتقبهم، فسوف يرون ما يحل بهم من عقاب. وهذا تأكيد لما تقدم من الأمر بالكف عنهم، والصبر على أذاهم. ثم ختمت السورة بخاتمة عظيمة فيه تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، ومدحه للرسل الكرام، فقال سبحانه:

стр. 6900

﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي تنزيها لربك أيها الرسول وتقديسا وتبرئة عما يقول الظالمون المكذبون المفترون المعتدون، فهو رب القوة والغلبة والعزة التي لا ترام، وسلام الله على الرسل الكرام الذين أرسلهم إلى أقوامهم، في الدنيا والآخرة، لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقيقته، والحمد والشكر لله في الأولى والآخرة في كل حال، فهو رب الثقلين: الإنس والجن، دون سواه. وهذا تعليم من الله للمؤمنين أن يقولوا ذلك. روى ابن أبي حاتم عن الشعبي، والبغوي عن علي كرم الله وجهه، قال: قال رسول الله ص: «من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، يوم القيامة، فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. ووردت أحاديث في كفارة المجلس: «سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك». وذكر الثعلبي عن أبي سعيد الخدري قال: «سمعت رسول الله ص غير مرة ولا مرتين يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾». فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - سبق الوعد الإلهي بنصر المرسلين بالحجة والغلبة، ونصر جند الله وهم الرسل وأتباعه على أعدائهم، وذلك على الغالب. والنصر إما بقوة الحجة، أو بالدولة والاستيلاء، أو بالدوام والثبات.
следующие страницы →