← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

يقال: البشر تقرب درجته من الملك، فضلا عن أن يقال: هل هو أفضل منه أم لا؟!! ٨ - إن أخبار قريش عجيبة وغريبة، سواء قبل البعثة النبوية أم بعدها. فقد كانوا يتمنون قبل بعثة النبي ص لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله، وما كان من أمر القرون الأولى، ويأتيهم بكتاب الله، ثم جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب المهيمن على كل الكتب، وهو القرآن، فكفروا به، وكذبوا رسول الله ص، وما وفوا بما قالوا: فاستحقوا الوعيد والتهديد، وهو أنهم سوف يعلمون مغبة كفرهم، وعاقبة تكذيبهم. نصر جند الله تعالى ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)﴾ الإعراب: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿لَهُمُ﴾: ضمير فصل بين اسم «إن» وهو «هم» وخبرها ﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ وأدخلت اللام على الضمير. ولا يجوز أن يكون ﴿لَهُمُ﴾ صفة لاسم «إن»، لأن اللام لا تدخل على الصفة. ويجوز جعل ﴿لَهُمُ﴾ مبتدأ، و ﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ خبره، والجملة منهما في موضع رفع خبر «إن».

стр. 6897

البلاغة: ﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ استعارة تمثيلية، شبه العذاب النازل بهم بجيش هجم عليهم بغتة، فلم ينتصحوا بكلام ناصح، ولا استعدوا للدفاع، حتى هزمهم وأفناهم. المفردات اللغوية: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ أي وعدناهم بالنصر والغلبة، وذلك بقوله تعالى: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨] وقوله هنا: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾. وإنما سماها كلمة وهي كلمات لانتظامها في معنى واحد. ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ الغالبون في الحرب وغيرها، وهذا باعتبار الغالب، وبشرط نصرة دين الله. ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ أي إن جندنا المؤمنين أتباع الرسل غالبون الكفار في الدنيا بالحجة والنصرة عليهم، فإن لم ينتصروا في الدنيا انتصروا في الآخرة. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم. ﴿حَتّى حِينٍ﴾ أي إلى أن يحين موعد نصرك عليهم وهو في عهد النبوة يوم بدر أو يوم الفتح-فتح مكة. ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ انظر إليهم وارتقب ما ينالهم من الأسر والقتل في الدنيا، والتعذيب في الآخرة حين نزول العذاب بهم. ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عاقبة كفرهم، وما قضينا لك من التأييد والنصر في الدنيا، والثواب في الآخرة. وسوف للوعيد لا للتبعيد. ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ؟﴾ هذا قول من الله يتضمن التهديد لهم، روي أنه لما نزل. ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ قالوا: متى هذا؟ فنزل قوله تعالى: ﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أي إذا نزل العذاب بفنائهم: وهو المكان الواسع، قال الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم. ﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي بئس صباحا صباح المنذرين بالعذاب. وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر لتسجيل صفة الإنذار عليهم. ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ كرره تأكيدا لتهديدهم، وتسلية للنبي ص. ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ الغلبة والقوة. ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ بأن له ولدا. ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ المبلغين عن الله التوحيد والشرائع. ﴿وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ على نصرهم وهلاك الكافرين. سبب النزول: نزول الآية (١٧٦): ﴿أَفَبِعَذابِنا.﴾.: أخرج جويبر عن ابن عباس قال: قالوا: يا محمد، أرنا

стр. 6898

العذاب الذي تخوفنا به، عجّله لنا، فنزلت: ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ وهو صحيح على شرط الشيخين. التفسير والبيان: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ أي لقد سبق وعدنا بالنصر والظفر على الكفار في الدنيا والآخرة لعبادنا الرسل الذين أرسلناهم للإنذار والتبشير، ففي الدنيا: تكون الغلبة والقهر لهم بالأسر والقتل والتشريد أو الإجلاء أو بالحجة والبرهان، ونحو ذلك، وفي الآخرة: الظفر بالجنة، والنجاة من النار، وهذا في الأعم الأغلب. وجند الله: حزبه، وهم الرسل وأتباعهم. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨] وقوله سبحانه: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر ٥١/ ٤٠]. وشرط النصر معروف، وهو الإيمان الصحيح بالله ، والعمل بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والتزام دين الله شرعا ودستورا ونظاما ومنهج حياة، قال تعالى: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧/ ٣٠] وقال سبحانه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [سورة محمد ٧/ ٤٧] وقال : ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨/ ٧]. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ﴾ أي أعرض عنهم، واصبر على أذاهم لك، إلى مدة معلومة عند الله سبحانه، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر. ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي أنظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال بمخالفتك وتكذيبك، كالأسر والقتل، وسوف يبصرون كل ما وعدتهم به

стр. 6899

من العقاب، وما وعدناك به من النصر وانتشار دينك في الآفاق، وذلك حين لا ينفعهم الإبصار. وكرر تعالى ذلك تأكيدا. والمراد بالأمر بإبصارهم على الحال المنتظرة الموعودة: الدلالة على أنها كائنة واقعة لا محالة، وأن حدوثها قريب، وفي ذلك تسلية للرسول ص وتنفيس عنه عما يناله من أذى كفار قومه قريش. ثم وبخهم الله تعالى وهددهم على طلبهم تعجيل العذاب قائلا: ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ؟﴾ أي كيف يجرءون على استعجال عذابنا الشديد؟ والواقع أنهم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم بك، قائلين: متى هذا العذاب؟ والعذاب نازل بهم قطعا لا محالة. ﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي فإذا نزل العذاب بهم أو بمحلّتهم، فبئس ذلك اليوم يومهم، لإهلاكهم ودمارهم. ورد في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: صبّح رسول الله ص خيبر، فلما خرجوا بفؤوسهم ومساحيهم، ورأوا الجيش، رجعوا وهم يقولون: محمد والله، محمد والخميس -الجيش-فقال النبي ص: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين» ورواه أحمد أيضا بلفظ آخر، وهو صحيح على شرط الشيخين. ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ، وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي وأعرض أيها الرسول عن هؤلاء المشركين إلى أجل آخر يحين فيه هلاكهم، وانظر إليهم وارتقبهم، فسوف يرون ما يحل بهم من عقاب. وهذا تأكيد لما تقدم من الأمر بالكف عنهم، والصبر على أذاهم. ثم ختمت السورة بخاتمة عظيمة فيه تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، ومدحه للرسل الكرام، فقال سبحانه:

стр. 6900

﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي تنزيها لربك أيها الرسول وتقديسا وتبرئة عما يقول الظالمون المكذبون المفترون المعتدون، فهو رب القوة والغلبة والعزة التي لا ترام، وسلام الله على الرسل الكرام الذين أرسلهم إلى أقوامهم، في الدنيا والآخرة، لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقيقته، والحمد والشكر لله في الأولى والآخرة في كل حال، فهو رب الثقلين: الإنس والجن، دون سواه. وهذا تعليم من الله للمؤمنين أن يقولوا ذلك. روى ابن أبي حاتم عن الشعبي، والبغوي عن علي كرم الله وجهه، قال: قال رسول الله ص: «من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، يوم القيامة، فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. ووردت أحاديث في كفارة المجلس: «سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك». وذكر الثعلبي عن أبي سعيد الخدري قال: «سمعت رسول الله ص غير مرة ولا مرتين يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾». فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - سبق الوعد الإلهي بنصر المرسلين بالحجة والغلبة، ونصر جند الله وهم الرسل وأتباعه على أعدائهم، وذلك على الغالب. والنصر إما بقوة الحجة، أو بالدولة والاستيلاء، أو بالدوام والثبات.

стр. 6901

٢ - كان النبي ص والمؤمنون في مكة قبل الهجرة مأمورين بالكف عن المشركين، والصفح عنهم، والصبر على أذاهم، وترك مقاتلتهم. ٣ - هدد الله المشركين وأوعدهم بما سينالهم من عذاب الدنيا والآخرة، وحينئذ سوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار. ٤ - من الحماقة الشديدة استعجال الكفار وقوع عذاب الله، فإنه لا داعي للاستعجال، والعذاب واقع بهم لا محالة، وهو عذاب شديد مدمر، فإذا حلّ بهم أو بديارهم فبئس صباح الذين أنذروا بالعذاب. ٥ - يسن ختم الصلاة والمجلس بآية: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وفي هذه الآية أنواع ثلاثة من صفات الله تعالى: هي تنزيهه وتقديسه عن كل ما لا يليق بصفات الألوهية وهو كلمة سبحان، ووصفه بكل ما يليق بصفات الألوهية وهو قوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ وكونه منزها عن الشريك والنظير. وقوله ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ يدل على أنه القادر على جميع الحوادث التي خلقها. وقوله: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ كلمة محتوية على أقصى الدرجات وأكمل النهايات في معرفة إله العالم. والمهم أن يعرف العاقل كيف يعامل نفسه ويعامل الناس في الدنيا.

стр. 6902

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة ص مكيّة، وهي ثمان وثمانون آية. تسميتها: سميت سورة ص لافتتاحها بهذا الحرف العربي أحد أحرف الهجاء الثمانية والعشرين، للدلالة على أن هذا القرآن العظيم مكون ومنظوم من حروف الهجاء العربية، ومع ذلك لم يستطع العرب الفصحاء الإتيان بمثل أقصر سورة منه، فبدئ به بهذه السورة كغيرها من السور المبدوءة بحروف هجائية، بقصد تحدي العرب، وإثبات إعجاز القرآن. مناسبتها لما قبلها: تظهر صلة هذه السورة بما قبلها من وجهين: الأول-أن الله تعالى حكى في آخر سورة الصافات التي قبلها قول الكفار: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ، لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ ثم كفروا به، ثم افتتح هذه السورة بالقسم بالقرآن ذي الذكر، لتفصيل المجمل هناك. الثاني-أن هذه السورة بعد الصافات، كطس-النمل بعد الشعراء، وكطه والأنبياء بعد مريم، وكيوسف بعد هود، في كونها متممة لها بذكر من بقي من الأنبياء ممن لم يذكر في تلك، مثل داود، وسليمان، وأيوب، وآدم، وأشار إلى بقية من ذكر.

стр. 6903

مشتملاتها: موضوع هذه السورة كسائر السور المكية في بيان أصول العقيدة الإسلامية «التوحيد، والنبوة، والبعث» من خلال مناقشة المشركين في عقائدهم المناقضة لتلك الأصول، وإيراد قصص الأنبياء للعظة والعبرة، وبيان حال الكفار والمشركين يوم القيامة، ووصف عذاب أهل النار، ونعيم أهل الجنة. ابتدأت السورة بالوصف الناقد لصفات المشركين من الكبرياء وإباء الحق والإعراض عنه، مع تذكيرهم بعاقبة الماضين الذين حادوا عن الحق، فهلكوا، مثل قوم نوح وعاد وفرعون وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة. ومن أهم تلك الصفات ثلاث: إنكار الوحدانية، وإنكار نبوة محمد ص، وإنكار البعث والحساب. ثم ذكرت قصة داود وسليمان وأيوب مفصلا، وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذي الكفل مجملا ﵈. وانتقل البيان إلى الغاية الكبرى وهي إثبات البعث والحساب ووصف نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار. ثم توجهت السورة بقصة بدء الخلق-قصة آدم ﵇ وسجود الملائكة له إلا إبليس، وطرده من الجنة، وصبّ اللعنة عليه إلى يوم القيامة، وتوعده وأتباعه بملء جهنم منهم. وختمت السورة ببيان إخلاص النبي ص في تبليغ رسالته دون طلب أجر، مما يدل على نبوته، وأردفه بإعلان كون القرآن رسالة للثقلين: الإنس والجن، وأن المشركين بعد موتهم يعلمون حقيقة أمره.

стр. 6904

مناقشة المشركين في عقائدهم ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا وَاِصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اِخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١)﴾ الإعراب: ﴿ص﴾ قرئ «صاد» بسكون الدال وفتحها وكسرها بلا تنوين وبتنوين. فمن قرأ بالسكون فعلى الأصل، لأن الأصل في حروف الهجاء البناء، والأصل في البناء أن يكون على السكون. ومن قرأ بالفتح جعله اسما للسورة، كأنه قال: اقرأ صاد. ومن قرأ بالكسر بغير تنوين فهو إما أمر من المصاداة وهي المقابلة، أي قابل القرآن بعملك، وإما بإعمال حرف القسم مع حذفه، مثل: الله لأفعلن، وفيه ضعف. ومن قرأ بالكسر مع التنوين شبهه بالأصوات التي تنون للفرق بين التعريف والتنكير، مثل صه وصه. ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ مجرور على القسم وجوابه إما ﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ وإما ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وإما ﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ﴾ وإما ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ وتقديره: لكم أهلكنا، فحذفت اللام، كما حذفت في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ [الشمس ٩/ ٩١] أي لقد أفلح.

стр. 6905

﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ ﴿لاتَ﴾: حرف بمعنى ليس، وله اسم وخبر، أي ولات الحين حين مناص. والجملة حال من فاعل نادوا. ومن قرأ ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ بالرفع، أضمر الخبر، وهو شاذ لا يقاس عليه. وتاء لات لتأنيث الكلمة، وهي عند البصريين بمنزلة تاء الفعل، مثل: ضربت وذهبت، والوقف عليها بالتاء، وعليه خط المصحف، وهي عند الكوفيين بمنزلة تاء الاسم، نحو: ضاربة وذاهبة، والوقف عليها بالهاء، والأقيس مذهب البصريين، لأن الحرف إلى الفعل أقرب منه إلى الاسم. ﴿أَنِ امْشُوا﴾ أن مفسرة، تقديره: أي امشوا، وهو من المشاية: كثيرة النتاج، دعا لهم بكثرة الماشية. ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ ﴿جُنْدٌ﴾ مبتدأ، و ﴿ما﴾ زائدة، و ﴿هُنالِكَ﴾ صفة جند، تقديره: جند كائن هنالك، و ﴿مَهْزُومٌ﴾ خبر المبتدأ. وقيل: هنالك متعلق بمهزوم، والأول أوجه. البلاغة: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي أهل قرن، فهو مجاز مرسل، والقرن: مائة عام. ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ﴾ وضع الظاهر موضع الضمير، والأصل: وقالوا، لرصد كفرهم. ﴿كَذّابٌ﴾ ﴿الْعَزِيزِ﴾ ﴿الْوَهّابِ﴾ ﴿أَوّابٌ﴾ من صيغ المبالغة. ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ تأكيد الجملة الخبرية بإنّ واللام لزيادة التعجب والإنكار منهم. ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ﴾ التنوين في ﴿جُنْدٌ﴾ للتقليل والتحقير، وزيادة ﴿ما﴾ لتأكيد القلة. ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ﴾ ﴿مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾: توافق الفواصل الذي يزيد الكلام روعة وبهاء وجمالا. المفردات اللغوية: ﴿ص﴾ معناه: أن القرآن مركب من هذه الحروف العربية، وأنتم أيها العرب قادرون على تكوين الجمل والكلام منها، ولستم قادرين على معارضة القرآن والإتيان بمثله، فهو للدلالة على

стр. 6906

التحدي والتنبيه على الإعجاز. وقيل: إن هذه الفواتح وأمثالها لها معان أخرى (١). ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ يقسم الله تعالى بالقرآن، والإقسام بالقرآن: فيه تنبيه على شرف قدره وعلوّ محله. ومعنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: البيان، أو الشرف والشهرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤/ ٤٣]. وجواب القسم في رأي جماعة محذوف تقديره: إنه لكلام معجز، أو ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ أي لا ريب فيه قطعا، بل المشركون من أهل مكة وأمثالهم في تكبر وتجبر عن الإيمان، واعتزاز بالباطل، والعزة أيضا: الغلبة والقهر و ﴿شِقاقٍ﴾ أي خلاف وعداوة لله ولرسوله ﴿كَمْ﴾ كثير ﴿أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي قد أهلكنا قبلهم كثيرا من الأمم الماضية الذين كانوا أشد قوة وأكثر أموالا ﴿فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ أي نادوا حين نزول العذاب بهم أي استغاثوا، وليس ذلك الوقت وقت خلاص وفرار ومنجى. وهذا وعيد على كفرهم بالقرآن استكبارا وشقاقا. ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ تعجبوا من مجيء رسول من أنفسهم ينذرهم ويخوفهم بالعذاب بالنار إن استمروا على الكفر، وهو النبي ص ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ: هذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ قالوا ذلك لما شاهدوا المعجزات الخارجة عن قدرة البشر ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً﴾ أصيّرها إلها واحدا؟ حين قال لهم: قولوا: لا إله إلا الله، أي كيف يكون للخلق كلهم إله واحد؟ ﴿عُجابٌ﴾ عجيب، بالغ في العجب إلى الغاية، وإنما تعجبوا، لأنه كان لكل قبيلة إله. ﴿الْمَلَأُ﴾ الأشراف، انطلقوا من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب بعد سماعهم قول النبي ص كلمة يقولونها تدين لهم بها العرب والعجم، قالوا: فما هي؟ قال: لا إله إلا الله ﴿أَنِ امْشُوا﴾ يقول بعضهم لبعض: امضوا على ما كنتم عليه ولا تدخلوا في دينه ﴿وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ اثبتوا على عبادتها ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ أي إن هذا الذي يريده محمد ص بنا وبآلهتنا، من دعوته إلى التوحيد لشيء من ريب الزمان يراد بنا، ليعلو علينا، ونكون له أتباعا. ﴿الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ هي ملة النصرانية ﴿اِخْتِلاقٌ﴾ كذب اختلقه محمد ص وافتراه ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا؟﴾ أأنزل عليه القرآن، ونحن الرؤساء والأشراف، أكبر منه سنا، وأعظم منه شرفا ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ أي من القرآن أو الوحي ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أي بل لم يذوقوا عذابي بعد، فإذا ذاقوه زال شكهم. والمعنى: إنهم لا يصدّقون به حتى يمسهم العذاب، فيلجئهم إلى تصديقه.

стр. 6907

﴿خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ مفاتيح نعم ربك ﴿الْعَزِيزِ﴾ الغالب ﴿الْوَهّابِ﴾ من النبوة وغيرها، حتى يعطوها لمن شاؤوا ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ﴾ أي فليصعدوا في المعارج والوسائل التي توصلهم إلى السماء والاستيلاء على العرش، حتى يحكموا بما يريدون ﴿جُنْدٌ ما﴾ جند حقير من الكفار ﴿هُنالِكَ﴾ إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل هذا القول، وتكذيب النبي ﴿مَهْزُومٌ، مِنَ الْأَحْزابِ﴾ صفتان ل ﴿جُنْدٌ﴾ فهم مغلوبون، متحزبون على الأنبياء قبلك، فقهروا وهلكوا، فكذلك نهلك هؤلاء. سبب النزول: نزول الآية (٥): ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ.﴾.: أخرج أحمد والترمذي والنسائي والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب، فجاءته قريش، وجاءه النبي ص، فشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريد من قومك؟ قال: أريد منهم كلمة، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية كلمة واحدة، قال: وما هي؟ قال: لا إله إلا الله، فقالوا: إلها واحدا؟ إن هذا لشيء عجاب، فنزل فيهم ﴿ص وَالْقُرْآنِ.﴾. إلى قوله: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾. التفسير والبيان: ﴿ص، وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ص أحد حروف الهجاء العربية، افتتح بها هذه السورة كغيرها من السور للتحدي والتنبيه على إعجاز القرآن، وتنبيه المخاطب للإصغاء إلى الكلام الآتي بعده. وأقسم بالقرآن ذي البيان الشامل لكل ما يحتاج إليه العباد في المعاش والمعاد من الدين الجامع للعقائد الثابتة الصحيحة، والشرائع الناظمة للحياة الإنسانية، والوعد والوعيد، وهو أيضا ذو الشرف والشهرة والرفعة، أقسم به إنه لكلام معجز منزل من الله، وإن محمدا لصادق فيما يدعيه من النبوة، والرسالة من رب العالمين إلى البشرية جمعاء، وهو أيضا تذكير كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء ١٠/ ٢١] أي تذكيركم.

стр. 6908

وسبب كفر المشركين هو: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ أي إن هذا القرآن ذكرى لمن يتذكر، وعبرة لمن يعتبر، وإنما لم ينتفع به الكافرون، لأنهم في استكبار عنه، وترفع عن اتباع الحق، ومخالفة لله ولرسوله ص ومعاندة ومكابرة وحرص على المخالفة. ثم خوّفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم، فقال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ، فَنادَوْا، وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ أي قد أهلكنا قبلهم كثيرا من الأمم الخالية بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء، فاستغاثوا وجأروا إلى الله تعالى حين جاءهم العذاب، فلم يجدهم شيئا، لأن الوقت ليس وقت خلاص وفرار من العذاب، كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ، لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ، لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ [الأنبياء ١٢/ ٢١ - ١٣] و ﴿يَرْكُضُونَ﴾ يهربون. وقال سبحانه: ﴿حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون ٦٤/ ٢٣]. ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، وَقالَ الْكافِرُونَ: هذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أي تعجب المشركون من بعثة محمد ص بشيرا ونذيرا، وبشرا رسولا من أنفسهم، وقال الكافرون لما رأوا معجزاته الباهرة: هذا ساحر خدّاع كذاب فيما يدعيه من النبوة، وينسبه إلى الله من الوحي. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ، وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ، قالَ الْكافِرُونَ: إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس ٢/ ١٠]. وفي الآية دلالة على أن المشركين ذوي العزة والشقاق كذبوا الرسول ص من غير حجة وبرهان، وحسدا من عند أنفسهم، وطمعا في أن يكون الرسول ص

стр. 6909

أحد الزعماء والرؤساء، ولم يجدوا تهمة أرخص من اتهامه بالسحر والكذب، وذلك دليل الإفلاس. ثم أورد الله تعالى لهم شبهات ثلاثا في وصف النبي بالكذب: الأولى تتعلق بالألوهية أو التوحيد، والثانية بالنبوة، والثالثة بالمعاد، وهنا ذكر شبهتين، والثالثة ستأتي في آية ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾. ١ - توحيد الإله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أصيّر الآلهة إلها واحدا، وقصر الألوهية على الله سبحانه، إن هذا لشيء بالغ النهاية في العجب. وإنما تعجبوا لأنه كان لكل قبيلة إله، وكانوا يقولون: إنما نعبدهم ليقربونا زلفى إلى الله، والله يملكهم، فأي ضير في هذا؟ وادعوا العجب ممن رفض الآلهة المتعددة، وقالوا: إن آباءهم على كثرتهم ورجاحة عقولهم لا يعقل أن يكونوا جاهلين مبطلين، ويكون «محمد ص» وحده محقّا صادقا. وهذا مجرد تقليد أعمى وإرث منقول دون دليل عقلي ولا نقلي. وسبب نزول هذه الآيات الكريمات كما تقدم: ما رواه الترمذي وغيره بلفظ آخر عن ابن عباس، قال: «مرض أبو طالب، فجاءت قريش إليه، وجاء النبي ص، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه، قال: وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريد من قومك؟ فقال: يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذلّ لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها الجزية العجم، فقال: وما هي؟ قال: لا إله إلا الله، قال: فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً﴾؟ فنزل فيهم القرآن ﴿ص، وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ حتى بلغ ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ (١). ورواه بلفظ آخر ابن أبي حاتم وابن جرير عن السدّي.

стр. 6910

وفي رواية: لما أسلم عمر بن الخطاب ﵁ شقّ على قريش إسلامه، فاجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا: اقض بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبي ص فقال: يا ابن أخي، هؤلاء قومك يسألونك السواء (١)، فلا تمل كل الميل على قومك. قال: «وماذا يسألونني؟» قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك، فقال النبي ص: «أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم» فقال أبو جهل: لله أبوك! لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال النبي ص: «قولوا: لا إله إلا الله» فنفروا من ذلك وقاموا، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً﴾؟ فكيف يسع الخلق كلّهم إله واحد؟ فأنزل الله فيهم هذه الآيات، إلى قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾. ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ أي وانطلق أشراف قريش من مجلس أبي طالب قائلين: امضوا على ما كنتم فيه، واثبتوا على عبادة آلهتكم، واصبروا على ذلك، إن هذا التحول عن الآلهة لأمر عظيم يريده محمد ص، ليعلو علينا، ونكون له أتباعا، فيتحكم فينا بما يريد. ٢ - عدم وجود التوحيد في النصرانية: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ، إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ ما سمعنا بهذه الدعوة إلى توحيد الإله في الملة الآخرة وهي النصرانية، وما هذا إلا افتراء وكذب لا حقيقة له، وليس له مستند من وحي ودين سماوي، ولا من عقل صحيح فيما يزعمون، فوجب أن يكون باطلا. ٣ - تخصيص النبوة في محمد: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا؟﴾ استفهام إنكار، أي كيف ينزل القرآن على محمد دوننا، ونحن الرؤساء والأشراف؟ فهذا أمر مستبعد، كما حكي عنهم في آية أخرى: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١/ ٤٣] فرد الله عليهم قائلا:

стр. 6911

﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ؟ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ [الزخرف ٣٢/ ٤٣]. وسبب استبعادهم هذا، الناشئ عن جهلهم وقلة عقلهم: الشك في أمر القرآن وحسد النبوة: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي، بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أي بل الحقيقة أنهم في شك من القرآن أو الوحي، بل إنما شكوا وتركوا النظر والاستدلال، لأنهم لم يذوقوا عذابي، فإذا ذاقوه صدقوا بالقرآن، وزال عنهم الشك والحسد. و ﴿لَمّا﴾ بمعنى «لم» وما: زائدة، مثل: ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون ٤٠/ ٢٣] و ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء ١٥٥/ ٤ أو المائدة ١٣/ ٥]. ثم رد الله تعالى عليهم استبعادهم نبوة محمد ص وجعلها في صناديدهم قائلا: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهّابِ﴾ أي بل أهم يملكون مفاتيح نعم ربك القوي الغالب، المانح الواهب الكثير المواهب، حتى يعطوا نعمة النبوة لمن يشاءون؟ كما في آية أخرى: ﴿قُلْ: لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ، وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً﴾ [الإسراء ١٠٠/ ١٧]. ثم أنكر الله تعالى ما هو أشد، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ﴾ أي بل أهم يملكون السموات والأرض وما بينهما من المخلوقات والعوالم، فإن فرض أنهم يملكون، فليصعدوا في المعارج التي توصلهم إلى السماء، حتى يحكموا بما يريدون من عطاء ومنع، ويدبروا أمر العالم بما يشتهون. ثم أجمل الله تعالى وصفهم بالقلة والحقارة فقال: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ أي ما هم إلا جند مغلوبون

стр. 6912

هنالك، أي في ذلك الموضع الذي كانوا يذكرون فيه هذه الكلمات الطاعنة في نبوة محمد ص، والذي يتحزبون فيه على المؤمنين. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ، وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ [القمر ٤٤/ ٥٤ - ٤٦]. وهذا وعد من الله بنصر نبيه ص وأن الغلبة ستكون له. فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: ١ - أقسم الله بالقرآن العظيم ذي الشرف والشهرة والمجد على صدق نبوة محمد ص وأنه رسول من الله إلى الناس كافة. ٢ - إن سبب إعراض كفار قريش عن الإيمان برسالة النبي ص هو التكبر والتجبر والاستعلاء عن اتباع الحق، ومخالفة الله تعالى ورسوله ص ومعاداتهما وإظهار مباينتهما. ٣ - أنذرهم الله وحذرهم من الإهلاك كما أهلك الأمم الماضية الذين كانوا أمنع منهم وأشد قوة وأكثر أموالا وأولادا، فاستغاثوا وتابوا، ولكن في وقت لا ينفع فيه التوبة، ولا ينفع العمل. ٤ - لقد تعجب كفار قريش بسبب جهلهم أن جاءهم رسول بشر من أنفسهم، يبشرهم وينذرهم، فلم يجدوا حجة للإعراض عنه إلا أن قالوا: ساحر كذاب، أي يجيء بالكلام المموّه الذي يخدع به الناس، ويكذب في دعوى النبوة. ٥ - وبالغوا في التعجب من دعوته إلى التوحيد وتصييره الآلهة إلها واحدا. ٦ - لم يجد هؤلاء الكفار سبيلا إلا أن أعلنوا إصرارهم على وثنيتهم، وقال

стр. 6913

الرؤساء للأتباع: امضوا على ما كنتم فيه، ولا تدخلوا في دين محمد ص، واثبتوا على عبادة آلهتكم المخصصة لكل قبيلة، فإنما يريد محمد بما يقول الانقياد له ليعلو علينا، ونكون له أتباعا، فيتحكم فينا بما يريد، فاحذروا أن تطيعوه. ٧ - أيدوا وثنيتهم بآخر الملل وهي النصرانية، فإن النصارى يجعلون مع الله إلها، وإن الدعوى إلى توحيد الإله ما هو في زعمهم إلا كذب وافتراء وتخرّص وابتداع على غير مثال. ٨ - إن شعورهم بالعزة والاستكبار دفعهم أيضا إلى إنكار اختصاص محمد ص بإنزال القرآن عليه ونزول الوحي على قلبه، دونهم، وهم في رأيهم أحق بذلك، لأنهم السادة والرؤساء والأشراف. ٩ - إن حقيقة أمرهم أنهم شكوا فيما أنزل الله تعالى على رسوله ص، هل هو من عنده أم لا؟ وكذلك اغتروا بطول الإمهال، ولو ذاقوا عذاب الله على الشرك لزال عنهم الشك، ولكن لا ينفع الإيمان حينئذ. ١٠ - عجيب أمر هؤلاء المشركين، هل يملكون مفاتيح نعم الله، فيمنعون محمدا ص مما أنعم الله به عليه من النبوة؟ فالله المالك للنعم يرسل من يشاء، لأن خزائن السموات والأرض له. وهل يملكون عالم السماء والأرض وما بينهما من المخلوقات، فإن ادّعوا ذلك، فليصعدوا إلى السموات، وليمنعوا الملائكة من إنزال الوحي على محمد ص. ١١ - ما هؤلاء الكفار إلا مجرد جند من الأحزاب مهزومون، متحزبون في موضع تحزّبهم لقتال محمد ص، وذلك الموضع مكة، وهم في النهاية أذلّة لا حجة لهم، ولا قدرة لأن يصلوا إلى الاستيلاء على سلطان الله وملكه، فيتصرفوا في الناس كيف يريدون.

стр. 6914

وهذا تأنيس للنبي ص، ووعد له بالنصر والغلبة، ولهم بالهزيمة، وقد تحقق هذا يوم بدر. قال الرازي: والأصوب عندي حمله على يوم فتح مكة. إنذار الكفار بحال الأمم المكذبة قبلهم ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦)﴾ الإعراب: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إنما دخلت التاء في ﴿كَذَّبَتْ﴾ لتأنيث الجماعة، أي كان تأنيث ﴿قَوْمُ﴾ باعتبار المعنى. البلاغة: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ﴾ استعارة مكنية، شبه الملك بخيمة كسيرة شدّت حبالها بالأوتاد لترسخ في الأرض، ولا تقتلعها الرياح، وذكر الأوتاد تخييل. المفردات اللغوية: ﴿ذُو الْأَوْتادِ﴾ الوتد: هو الذي يدق في الأرض أو الحائط لربط الأشياء به من حبال وغيرها، والمراد هنا ذو الملك الثابت، والبناء المحكم، والحكم الراسخ ﴿الْأَيْكَةِ﴾ الغيضة من الشجر الكثير الملتف، وأصحاب الأيكة: هم قوم شعيب ﵇ ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ أي ما كل أحد من الأحزاب ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي إلا وقع منه تكذيب الرسل، وجمع الرسل، لأنهم إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم، لأن دعوتهم واحدة، وهي دعوة التوحيد ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ وجب عقابي عليهم بتكذيبهم، وإن تأخر. ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ﴾ أي ينتظر كفار مكة ﴿صَيْحَةً﴾ هي نفخة القيامة، تحل بهم العذاب

стр. 6915

﴿فَواقٍ﴾ بضم الفاء وفتحها: أي توقف مقدار من الزمن وهو ما بين حلبتي الناقة أو الرضعتين، حتى يجتمع الحليب في الضرع، أو الفواق: الرجوع والترداد، فإن في الفواق يرجع اللبن بعد سويعة إلى الضرع، أي إذا جاءت الصيحة لا تتوقف مقدار فواق ناقة، وفي الحديث الذي رواه البيهقي عن أنس، وهو ضعيف: «العيادة فواق ناقة» ﴿وَقالُوا﴾ كفار مكة استهزاء ﴿قِطَّنا﴾ قسطنا من العذاب الذي توعدنا به، أو كتاب أعمالنا، استعجلوا ذلك استهزاء. المناسبة: بعد بيان أن المشركين توانوا وتكاسلوا عن النظر والاستدلال، لأنه لم ينزل بهم العذاب، بيّن الله تعالى في هذه الآيات أن أقوام سائر الأنبياء كانوا هكذا، حتى نزل بهم العقاب. والمقصود منه تخويف أولئك الكفار الذين كانوا يكذبون الرسول ص في إخباره عن نزول العقاب بهم. التفسير والبيان: ذكر الله ستة أصناف من الكفار الذين كذبوا الرسل في الأمم الغابرة وهم: ١ - ٣: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ﴾ أي كذبت الرسل قبل قريش قوم نوح، وقبيلة عاد، وفرعون ذو الحكم الراسخ وقومه. أما قوم نوح ﵇ فكذبوه وآذوه وهزئوا به، وقالوا عنه: إنه مجنون، فأهلكهم الله بالغرق والطوفان، ونجّى الله نوحا ومن آمن به، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ، فَكَذَّبُوا عَبْدَنا، وَقالُوا: مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ، فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً، فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ [القمر ٩/ ٥٤ - ١٤]. وأما عاد قوم هود ﵇ فكذبوه أيضا، فأهلكهم الله بالريح، كما قال تعالى: ﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ

стр. 6916

أَيّامٍ حُسُوماً، فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى، كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٦/ ٦٩ - ٧]. وأما فرعون الطاغية الجبار ذو الحكم الثابت الراسخ القوي، فأرسل الله تعالى إليه موسى ﵇ بآيات أو معجزات تسع ومعه أخوه هارون، فكذب وعصى، فأهلكه الله بالغرق، ونجى موسى وقومه المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى، إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً، اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى، فَقُلْ: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى، وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى، فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى، فَكَذَّبَ وَعَصى، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى، فَحَشَرَ فَنادى، فَقالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى، فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ [النازعات ١٥/ ٧٩ - ٢٦]. وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ، فَأَنْجَيْناكُمْ، وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة ٥٠/ ٢]. ٤ - ٦: ﴿وَثَمُودُ، وَقَوْمُ لُوطٍ، وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ، أُولئِكَ الْأَحْزابُ﴾ أي كذبت قبيلة ثمود قوم صالح، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة، أي الغيضة، أولئك الأحزاب، أي هم الموصوفون بالقوة والكثرة، كمن تحزّب عليك أيها النبي. أما ثمود قوم صالح ﵇ فكذبوه، وعقروا الناقة المعجزة، فأهلكهم الله بالصيحة، أو بالطاغية، فصاروا كهشيم المحتظر، كما قال تعالى: ﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة ٥/ ٦٩] وقال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ، فَقالُوا: أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ، إِنّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ إلى أن قال: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٢٣/ ٥٤ - ٣١]. وأما قوم لوط ﵇ فكذبوه أيضا فأهلكوا بالخسف أو الزلزلة، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ، إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر ٣٣/ ٥٤ - ٣٤].

стр. 6917

وأما أصحاب الأيكة (أي الشجر الكثير الملتف بعضه على بعض) فهم قوم شعيب ﵇، كذبوه، فأهلكوا بعذاب يوم الظلّة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ، فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ، وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر ٧٨/ ١٥ - ٧٩]. وقال سبحانه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ، إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٨٩/ ٢٦]. وسبب إهلاكهم تكذيبهم الرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ، فَحَقَّ عِقابِ﴾ أي ما كل أحد من هؤلاء الأقوام الغابرة إلا كذب الرسل، فوجب عقاب الله لهم، جزاء وفاقا. وهذا يعني أن علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل، فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر، وهذا مفاد الآية التالية: ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ أي ما ينتظر كفار قريش إلا عقابا بنفخة الساعة التي هي النفخة الثانية وهي نفخة الفزع التي يأمر الله إسرافيل أن يطولها، فلا يبقى أحد من أهل السموات والأرض إلا فزع إلا من استثنى الله . وما لها من فواق: أي ما لها من انتظار وراحة وإفاقة. وتحدث تلك النفخة بلا توقف مقدار فواق الناقة: وهو الزمن الذي بين الحلبتين. والمعنى: ليس بينهم وبين حلول ما أعد الله لهم من عذاب النار إلا أن ينفخ في الصور النفخة الثانية، وإذا حل هذا الموعد فلا تأخر عنه أبدا، كما قال تعالى: ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس ٤٩/ ٣٦ - ٥٠] وهذا إخبار عن قرب القيامة والموت. ثم ذكر تعالى الشبهة الثالثة للكفار في تكذيب النبي ص وهي المتعلقة بالمعاد (١)، فقال:

стр. 6918

﴿وَقالُوا: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ أي وقال المشركون تهكما واستهزاء حين سمعوا بالمعاد والحساب والعقاب: ربنا عجّل لنا نصيبنا من العذاب الذي توعدنا به، ولا تؤخره إلى يوم القيامة. وهذا إنكار من الله تعالى على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب، كما قالوا: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨]. وقائل ذلك: النضر بن الحارث الذي قال الله فيه ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج ١/ ٧٠] أو أبو جهل، ورضي الآخرون بقوله. ثم أمر الله رسوله بالصبر على أذى المشركين وعلى سفاهتهم قائلا: ﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أي اصبر على أذى قومك المشركين، فإنهم في النهاية مقهورون أذلاء، ونبشرك على صبرك بالظفر والنصر والعاقبة الحميدة. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات عظة بليغة وعبرة مؤثرة يتأثر بها ذوو الإحساس الإنساني السليم الذي يتخلى صاحبه عن الكبر والاستعلاء. وما أعظمها عبرة وشاهدا محسوسا لكفار مكة. إن أمامهم آثار الدمار والخراب والهلاك، أو إنهم يسمعون ما حدث للأمم التي كذّبت رسلها، وما جرى على المثيل يجري على مثيله. فإن الله القوي القاهر أغرق قوم نوح بالطوفان، وأهلك فرعون وجنوده بالإغراق في البحر، وقوم هود بالريح الصرصر العاتية، وقوم صالح بالصيحة أو بالطاغية (وهي الصيحة المجاوزة للحدّ في الشدة) وقوم لوط بالخسف أو الزلزلة، وأصحاب الأيكة بعذاب الظلة.

стр. 6919

وما ينتظر كفار مكة إلا صيحة القيامة ليزجّ بهم في عذاب النار التي إذا جاءت لا تؤخر أبدا، أو لا تستأخر لحظة واحدة: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل ٦١/ ١٦]. ولكن اغتر الكفار بطول المهلة، ولما سمعوا أن الله منع عذاب الاستئصال عنهم في الدنيا، إكراما للنبيّ ص: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال ٣٣/ ٨] وجعل عذابهم في الآخرة، قالوا سخرية واستهزاء: ربنا عجل لنا نصيبنا من العذاب قبل يوم القيامة والحساب إن كان الأمر كما يقول محمد ص. وهذا غاية الجهل والسفاهة والحمق. ثم أمر الله نبيه ص بالصبر على أذاهم وسفاهتهم لما استهزءوا به، فما بعد الصبر إلا الفرج، وسيكون النصر والظفر قريبا. قصة داود ﵇ ﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ (١٧) إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠) وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاِهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦)﴾

стр. 6920

الإعراب: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ إِذْ دَخَلُوا.﴾. ﴿إِذْ﴾ الأولى تتعلق ب ﴿نَبَأُ﴾ و ﴿تَسَوَّرُوا﴾ بلفظ الجمع، لأن الخصم مصدر يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، فجمع حملا على المعنى. و ﴿إِذْ﴾ الثانية: بدل من الأولى. و ﴿خَصْمانِ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: نحن خصمان، فحذف المبتدأ. ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ عزّني بالتشديد على الأصل من عزّه: إذا غلبه، وقرئ بالتخفيف على أنه مخفف من المشدد، كما يقال في «ربّ: رب». والخطاب: مصدر خاطب أو مصدر خطب، نحو الأول: ضارب ضرابا، ونحو الثاني كتب كتابا. ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ تقديره: بسؤاله إياك نعجتك، فحذف الهاء التي هي فاعل في المعنى، والمفعول الأول، وأضاف المصدر إلى المفعول الثاني ﴿الْخُلَطاءِ﴾ جمع خليط بوزن فعيل صفة فيجمع على فعلاء إلا إن كان فيه واو فيجمع على فعاة، نحو طويل وطوال. ﴿وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ ﴿بَعْضُهُمْ﴾: مبتدأ، و ﴿قَلِيلٌ﴾: خبره، و ﴿ما﴾ زائدة، ﴿وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ﴾ أي تيقن، وقرئ ﴿فَتَنّاهُ﴾ بالتخفيف، أراد به فتنة الملكين. ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ﴾ ﴿ذلِكَ﴾ منصوب ب غفرنا، ويصح جعله خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك. البلاغة: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ بينهما طباق، لأن المراد بهما المساء والصباح. ﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ ورد بأسلوب التشويق. ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ.﴾. ورد بأسلوب الإطناب.

стр. 6921

المفردات اللغوية: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ واذكر لهم قصته تعظيما للمعصية في أعينهم، فإنه مع علوّ شأنه، واختصاصه بعظائم النعم والمكرمات، لما توهم أو ظن أنه أتى صغيرة استغفر ربه وأناب، فما الظن بالكفرة وأهل الطغيان؟ ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ القوة والجلد في العبادة، كان يصوم يوما، ويفطر يوما، ويصوم نصف الليل، وينام ثلثه، ويقوم سدسه ﴿أَوّابٌ﴾ رجاع إلى الله وإلى طاعته ومرضاته. ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ بتسبيحه ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ بالمساء والصباح، وأصل العشي: وقت العشاء، و ﴿الْإِشْراقِ﴾ وقت شروق الشمس ووضوح ضوئها ﴿مَحْشُورَةً﴾ مجموعة إليه من كل جانب، تسبح معه ﴿كُلٌّ لَهُ﴾ من الجبال والطير لأجل تسبيحه ﴿أَوّابٌ﴾ رجاع إلى التسبيح منقاد يسبح تبعا له ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قويناه حتى ثبت، وآزرناه بالهيبة والنصر، وبالحرس والجنود ﴿الْحِكْمَةَ﴾ النبوة وكمال العلم وإصابة الصواب في القول والعمل ﴿وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ البيان الشافي، والكلام الفاصل بين الحق والباطل. ﴿وَهَلْ أَتاكَ﴾ أيها الرسول أي خبرهم وقصتهم، ويراد بالاستفهام هنا التعجب والتشويق إلى استماع ما بعده ﴿الْخَصْمِ﴾ جماعة الخصوم، ويطلق الخصم على المفرد والجمع، مذكرا ومؤنثا ﴿تَسَوَّرُوا﴾ أتوه من أعلى السور، ودخلوا إلى المنزل والمسجد الذي يصلي فيه، حيث منعوا الدخول عليه من الباب، لشغله بالعبادة ﴿فَفَزِعَ﴾ خاف ﴿خَصْمانِ﴾ نحن فوجان متخاصمان، والمشهور أنهما ملكان، والأقرب أنهما بشران عاديان صاحبا نعاج أي مواشي، والخصومة حقيقية ﴿بَغى﴾ جار وظلم ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ لا تجر في الحكم ولا تبعد عن الحق ﴿وَاهْدِنا﴾ أرشدنا ﴿سَواءِ الصِّراطِ﴾ وسط الطريق الصواب. ﴿إِنَّ هذا أَخِي﴾ أي على ديني ﴿نَعْجَةً﴾ أنثى الضأن ﴿أَكْفِلْنِيها﴾ اجعلني كافلها وملكنيها ﴿وَعَزَّنِي﴾ غلبني ﴿فِي الْخِطابِ﴾ في الجدال والمخاطبة والمحاجة ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ سؤاله نعجتك ليضمها إليه ﴿الْخُلَطاءِ﴾ الشركاء، والمعارف أو الأعوان الذين بينهم خلطة وامتزاج، جمع خليط ﴿وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ ﴿ما﴾ زائدة لتأكيد القلة ﴿وَظَنَّ﴾ من الظن وهو رجحان تصور الشيء، أو بمعنى تيقن وعلم ﴿فَتَنّاهُ﴾ ابتليناه أو امتحناه بتلك الحكومة، واختبرناه بهذه الحادثة ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ للظن السيء بالرجلين أنهما أتياه لقتله وهو منفرد في محرابه ﴿وَخَرَّ راكِعاً﴾ ساجدا ﴿وَأَنابَ﴾ تاب ورجع إلى الله وطاعته. ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ﴾ أي عفونا عنه ذلك الظن السيء بالرجلين، وهذا من قبيل «حسنات الأبرار سيئات المقرّبين». ﴿لَزُلْفى﴾ قرب من الله ﴿مَآبٍ﴾ مرجع في الآخرة.

стр. 6922

﴿إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ استخلفناك على الملك فيها لتدبير أمور الناس ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى﴾ هوى النفس ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ عن الدلائل الدالة على الحق ﴿بِما نَسُوا﴾ بنسيانهم ﴿يَوْمَ الْحِسابِ﴾ المرتب لهم، لضلالهم عن السبيل الحق، فإن تذكر يوم الحساب يقتضي ملازمة الحق ومخالفة الهوى. المناسبة: بعد إنذار قريش بحال الكفار الغابرين، وبعد أمر النبي ص بالصبر على أذى قريش وسفاهتهم، أمره الله تعالى بتذكر حال تسعة من الأنبياء، حال ثلاثة منهم تفصيلا، وحال ستة آخرين منهم إجمالا، ليتأسى بما لاقوا من أذى قومهم، محتسبين أجرهم عند الله تعالى. وبدأ بذكر قصة داود ﵇، ليتذكر حال ذلك النبي الشاكر الصابر، ذي القوة في الدين والبدن معا. ويجب أن تفهم هذه القصة-قصة المحاكمة-على النحو الظاهري المبين في القرآن الكريم، وأن تستبعد الإسرائيليات منها، لمناقضتها مبدأ عصمة الأنبياء، فقد روي في الإسرائيليات أن داود ﵇ وقع بصره على امرأة تستحم، فأعجبته وعشقها، وكانت زوجة أحد قواده واسمه «أوريا الحثي» فأراد أن يتخلص منه ليتزوج بها، فأرسله في إحدى المعارك وحمّله الراية، وأمره بالتقدم فانتصر، فأرسله مرارا ليتخلص منه حتى قتل، فتزوجها. قال البيضاوي: هذا هزء وافتراء، ولذلك قال علي ﵁: «من حدّث بحديث داود على ما يرويه القصاص، جلدته مائة وستين». وهو حد الفرية على الأنبياء، أي مضاعفا (١). وأبطل الإمام الرازي هذه الحكاية المفتراة بوجوه ثلاثة ملخصها:

стр. 6923

الأول: أن هذه الحكاية لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم فجورا لاستنكف منها. الثاني-أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين: السعي في قتل رجل مسلم بغير حق، وإلى الطمع في زوجته، وكلاهما منكر. الثالث-أن الله تعالى وصف داود ﵇ قبل ذكر هذه القصة بصفات عشر، ثم وصفه أيضا بصفات كثيرة بعد هذه القصة، وكل هذه الصفات تنافي كونه ﵇ موصوفا بهذا الفعل المنكر والعمل القبيح (١). والرواية الصحيحة لهذه القصة: أن داود ﵇ كان يقسم وقته الأسبوعي أثلاثا: ثلث لشؤون الملك، وثلث للقضاء بين الناس، وثلث آخر للخلوة والعبادة وترتيل الزبور في المحراب (٢)، فتجاوز خصمان هذا النظام، وتسورا عليه المحراب من فوق الجدار طلبا للمحاكمة في غير موعدها، ففزع منهما، وظن أنهما جاءا لاغتياله، وهو منفرد في محرابه لعبادة ربه، والخصمان بشران لا ملكان، والنعاج: المواشي، لا النساء. إلا أنه بادر إلى الحكم والقضاء قبل سماع بينة الخصم الآخر، فعاتبه الله على ذلك، ونبهه إلى وجوب تثبت القاضي وسماع الخصم الآخر، قبل إصدار الحكم. وسأبين أن هذا أيضا محل نظر، فإنه لا يعقل أن يحكم داود ﵇ قبل سماع قول الخصم الآخر، فهذا من مبادئ الحكم الأولية التي لا تترك.

стр. 6924

التفسير والبيان: تضمنت قصة داود ﵇ في هذه السورة ثلاثة موضوعات: الأول-تعداد الصفات التي أنعم الله بها على داود والتي أهّلته لسعادة الدنيا والآخرة. الثاني-إصدار الحكم في واقعة بين خصمين. الثالث-استخلاف الله تعالى إياه بعد تلك الواقعة. الموضوع الأول-صفات داود ﵇ ذكر الله تعالى عشر صفات لداود ﵇ آتاه الله إياها، وهي تحقق كمال السعادة الدنيوية والأخروية. ١ - ٤: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ، ذَا الْأَيْدِ، إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ هذا معطوف على مطلع الآية المذكور في نهاية المقطع السابق وهو ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ والمعنى: اذكر أيها الرسول لقومك قصة عبدنا داود ذي القوة في العلم والعمل وطاعة الله، قال قتادة: أعطي داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام قوة في العبادة، وفقها في الإسلام، وكان يقوم ثلث الليل، ويصوم نصف النهار، ثبت في الصحيحين أن النبي ص قال: «أحبّ الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما، ويفطر يوما، ولا يفرّ إذا لاقى، وإنه كان أوّابا». أي رجّاعا إلى الله في جميع أموره وشؤونه. وفي تاريخ البخاري عن أبي داود قال: «كان النبي ص إذا ذكر داود وحدث عنه قال: كان أعبد البشر». والصفات الأربع المذكورة هنا هي:

стр. 6925

١ - الصبر: فقد أمر الله تعالى محمدا ص على جلالة قدره بأن يقتدي به في الصبر على طاعة الله. ٢ - والعبودية: فقد وصفه ربه بقوله ﴿عَبْدَنا داوُدَ﴾ وعبر عن نفسه بصيغة الجمع للتعظيم، والوصف بالعبودية لله غاية التشريف، كوصف محمد ص بها ليلة المعراج: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء ١/ ١٧]. فإن وصف الله تعالى الأنبياء بعبوديته مشعر بأنهم قد حققوا معنى العبودية بسب الاجتهاد في الطاعة. ٣ - والقوة على أداء الطاعة والاحتراز عن المعاصي، في قوله تعالى: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾. ٤ - والرجاع إلى طاعة الله في أموره كلها، في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ أَوّابٌ﴾. ٥ - ٦: تسبيح الجبال والطير معه: ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ أي إنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار، كما قال : ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ ١٠/ ٣٤] قال ابن كثير: وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجّع بترجيعه، إذا مرّ به الطير، وهو سابح في الهواء، فسمعه، وهو يترنم بقراءة الزبور، لا يستطيع الذهاب، بل يقف في الهواء، ويسبح معه، وتجيبه الجبال الشامخات، ترجّع معه، وتسبّح تبعا له (١). وهذا ما قاله تعالى: ٧ - ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً، كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ﴾ أي وسخرنا له الطير، حال كونها محبوسة في الهواء، تسبح بتسبيحه، وكل من الجبال والطير مطيع، يسبح تبعا له، فكلما سبح داود جاوبته. وهذا يومئ أن داود ﵇ كان حسن الترتيل، جميل الصوت.

стр. 6926

٨ - قوة الملك: ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ أي قوينا ملكه بالجند أو الحرس، وجعلنا له ملكا كاملا من جميع ما يحتاج إليه الملوك. ٩ - إيتاء الحكمة: ﴿وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ﴾ أعطيناه الفهم والعقل والفطنة، والعلم، والعدل، وإتقان العمل، والحكم بالصواب. ولما كمّل الله تعالى نفس نبيه داود بالحكمة، أردفه ببيان كمال خلقه في النطق والعبادة، فقال: ﴿وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾. ١٠ - حسن الفصل في الخصومات: ﴿وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ أي وألهمناه حسن الفصل في القضاء بإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإيجاز البيان، بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل. الموضوع الثاني-القضاء في خصومة ﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ، قالُوا: لا تَخَفْ، خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ، وَلا تُشْطِطْ، وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ هذا نبأ عجيب يشوق السامع سماعه ومعرفته، لذا ذكره الله لرسوله، ومعناه: هل علمت ذلك الخبر المهم العجيب؟ وبدأه بهذا الاستفهام، ليكون مدعاة إلى الإصغاء له والاعتبار به. إنه نبأ جماعة من الخصوم تسلقوا سور غرفة داود المخصصة للصلاة، فدخلوا عليه وهو منهمك بالصلاة وعبادة الله وترانيم الزبور، في غير موعد المحاكمة المخصص للناس، فخاف منهم ظنا منه أنهم جاؤوا لاغتياله، وهو منفرد في محرابه للعبادة، في أشرف مكان في داره-وقد كان اغتيال الأنبياء معروفا في بني إسرائيل، فقد قتلوا إشعيا وزكريا، كما قال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ٢١/ ٣] فقالوا له: لا تخف، نحن متخاصمان جار بعضنا على

стр. 6927

بعض، فاحكم بيننا حكما عادلا، ولا تجر في الحكم، واهدنا إلى الطريق الحق العدل. وموضوع الخصومة هو: ﴿إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً، وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ، فَقالَ:﴾ ﴿أَكْفِلْنِيها، وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ أي إن هذا أخ لي في الدين والإنسانية، يملك تسعا وتسعين شاة، وأملك شاة واحدة، فقال: ملكنيها وغلبني في المخاصمة والجدال والحجة، فأتى بحجج لم أستطع ردها. والنعجة: هي الأنثى من الضأن، وقد يقال لبقر الوحش: نعجة. فحكم داود ﵇ بقوله: ﴿قالَ: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ﴾ أي قال داود الحاكم بعد إقرار المدعى عليه بالدعوى: لقد ظلمك بهذا الطلب، وطمع عليك. ويقال: إن خطيئة داود هي قوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ لأنه قال ذلك قبل أن يتثبت، فربما كان صاحب النعجة الواحدة هو الظالم. ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أي وإن كثيرا من الشركاء في المال أو المعارف والأعوان المتعاملين ليظلم بعضهم بعضا، إلا من آمن بالله وخاف ربه وعمل صالح الأعمال، فإنه لا يظلم، وهؤلاء الصالحون قلة، كما قال تعالى: ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ، وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ﴾ [الأعراف ١٠٢/ ٧]. ﴿وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ﴾ أي وعلم داود وأيقن أنما اختبرناه بهذه الواقعة، وهي تعرضه للاغتيال ثم نجاته منه، فاستغفر ربه لذنبه وهو سوء ظنه بالخصمين، وأنهما أتيا لاغتياله، وهو الأصح، أو أنه حكم

стр. 6928

بين الخصمين في النعاج قبل أن يسمع بيّنه الخصم الآخر، وكان الحق له، وخر ساجدا-وعبر بالركوع عن السجود-ورجع إلى الله بالتوبة من ذنبه. ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ، وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي فغفرنا له سوء ظنه أو ما كان منه مما يقال فيه: إن حسنات الأبرار سيئات المقرّبين، وإن له عند ربه لقربا وحسن مرجع، وهو الجنة. والظاهر أن الذنب: هو همّ داود الانتقام من هذين الشخصين اللذين كانا يقصدان اغتياله، فاصطنعا هذه الخصومة، لأنهما رأيا أن الحرس سيقتلونهما ولن يفلتا من العقاب، ثم رأى داود أن العفو والصفح أقرب لمقام النبوة، فاستغفر ربه مما كان قد عزم عليه من الانتقام. الموضوع الثالث-الاستخلاف في الأرض ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ يخاطب الله تعالى داود ﵇ بأنه استخلفه حاكما بين الناس في الأرض، فله السلطة والحكم، وعليهم السمع والطاعة. ثم بيّن الله تعالى له قواعد الحكم تعليما لغيره من الناس: ١ - ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي فاقض بين الناس بالعدل الذي قامت به السموات والأرض. وهذه أولى وأهم قواعد الحكم. ٢ - ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى﴾ أي لا تمل في الحكم مع أهواء نفسك أو بسبب مطامع الدنيا، فإن اتباع الهوى مزلقة ومدعاة إلى النار، لذا قال: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي إن اتباع الهوى سبب في الوقوع في الضلال والانحراف عن جادة الحق، وما عاقبته إلا الخذلان، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ﴾ أي إن الذين يتنكبون طريق الحق والعدل، لهم عقاب شديد يوم القيامة

стр. 6929

والحساب الأخروي، بسبب نسيانهم أهوال ذلك اليوم، وما فيه من حساب دقيق لكل إنسان، وبسبب تركهم العمل لذلك اليوم، ومنه القضاء بالعدل. والعبرة من هذا الموضوع: الوصية من الله لولاه الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق، ولا يحيدوا عنه، فيضلوا عن سبيل الله، وقد توعد الله تعالى من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والحساب الشديد. روى ابن أبي حاتم أن أبا زرعة دخل على الوليد بن عبد الملك فقال له الوليد: أخبرني، أيحاسب الخليفة؟ فإنك قد قرأت القرآن وفقهت! فقال: يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل في أمان الله، قال: يا أمير المؤمنين: أنت أكرم على الله أو داود ﵇؟ إن الله تعالى جمع له بين الخلافة والنبوة، ثم توعده في كتابه، فقال: ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ، وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى، فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ.﴾. الآية (١). فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - وصف الله تعالى داود ﵇ بعشر صفات: هي كما تقدم الصبر، والعبودية لله، والقوة في الدين، وكونه أوابا كثير الرجوع إلى الله تعالى، وتسبيح الجبال، والطير مع تسبيحه وترنيمه، وإتيان الطير طائعة له، وتشديد ملكه في الدين والدنيا، وإيتاؤه الحكمة (الفهم والعقل والفطنة والحكم بالصواب) وحسن الفصل في الخصومات. ٢ - بمناسبة تسبيح الجبال معه بالعشي والإشراق، أي في المساء والصباح، ذكر القرطبي أن صلاة الضحى نافلة مستحبة، جاء في صحيح مسلم عن أبي ذرّ

стр. 6930

عن النبي ص أنه قال: «يصبح على كل سلامي (١) من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى». وأخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ص: «من حافظ على شفعة الضحى، غفر له ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر». وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: «أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر». وأقل الضحى كما في هذه الأحاديث وغيرها ركعتان، وأكثره ثنتا عشرة ركعة. ٣ - ذكر الله تعالى لداود بعد قصة المحاكمة عشر صفات منها سؤال المغفرة من ربه فغفر له، ومنها السجود شكرا لله والإنابة، ومنها: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومنها ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾. قال مجاهد عن عبد الله بن عمر: الزلفى: الدنو من الله يوم القيامة. ٤ - ليس الحاكم ملزما كل يوم بالاستعداد لفصل القضاء في الخصومات بين الناس، وإنما له تخصيص أيام في الأسبوع لتلك المهمة الخطيرة. ٥ - الفزع ظاهرة إنسانية في المفاجآت، وقد فزع النبي داود ﵇ من الرجلين اللذين أتياه ليلا في غير وقت دخول الخصوم، أو لدخولهم عليه بغير إذنه، أو لأنهم تسوروا عليه المحراب ولم يأتوه من الباب. وقد شاع بين بني إسرائيل قتل الأنبياء وإيذاؤهم.

стр. 6931

٦ - إن القصة التي يرويها بعض المفسرين بما يتعارض مع مبدأ «عصمة الأنبياء» لا أصل لها، ولا مستند عليها، وإنما هي من الإسرائيليات الدخيلة. ٧ - لم يكن خطأ داود ﵇ في أنه قضى لأحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر، فهذا من أصول الحكم التي لا يمكن تجاوزها، قال ابن العربي: وهذا مما لا يجوز عند أحد، ولا في ملة من الملل، ولا يمكن ذلك للبشر، وإنما تقدير الكلام أن أحد الخصمين ادّعى، والآخر سلم في الدعوى، فوقعت بعد ذلك الفتوى (١). و قد قال النبي ص لعلي ﵁ فيما أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما: «إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر». ٨ - أجمع العلماء على أن الأنبياء معصومون عن الكبائر، وفي الصغائر اختلاف، الأصح كما قرر ابن العربي وغيره أنهم معصومون عن الصغائر والكبائر. ٩ - استدل العلماء على مشروعية الشركة بأدلة، منها: ما ورد على لسان داود ﵇: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي الشركاء في المال كما تقدم. ١٠ - الصلحاء في كل زمان قليلون، لقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ يعني الصالحين. سمع عمر ﵁ رجلا يقول في دعائه: اللهم اجعلني من عبادك القليل، فقال له عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال: أردت قول الله : ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ فقال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر. ١١ - اختلف العلماء في سجدة داود، هل هي من عزائم السجود المأمور به في القرآن أو لا؟ أي هل هي سجدة تلاوة؟

стр. 6932

فقال المالكية والحنفية: ليست موضع سجود، لما في البخاري وغيره عن ابن عباس أنه قال: «ص، ليست من عزائم القرآن، وقد رأيت النبي ص يسجد فيها». وأنكر المالكية أيضا سجدة الشكر. وقال الشافعية والحنابلة: إنها ليست من عزائم السجود، بل هي سجدة شكر، استدلالا بفعل النبي ص، كما نص الحديث المتقدم، وروى النسائي أن النبي ص قال: «سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرا». ١٢ - ليس في استغفار داود ما يشعر بارتكاب ذنب أو أمر يستغفر منه، وما زال الاستغفار شعار الأنبياء المشهود لهم بالعصمة. ١٣ - الأصل في مشروعية الأقضية أو التقاضي قوله تعالى: ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ﴾ وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ [المائدة ٤٩/ ٥] وقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ﴾ [النساء ١٠٥/ ٤] وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ﴾ [النساء ١٣٥/ ٤]. ١٤ - إن قاعدة الحكم الأساسية الحكم بالعدل والحق: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ﴾ ومن قواعده: أن القاضي لا يحكم في الوقائع إلا بالدعوى ورفع الأمر إليه، فيجب الحكم بالحق، وألا يميل القاضي إلى أحد الخصمين لقرابة أو رجاء نفع، أو سبب يقتضي الميل من صحبة أو صداقة أو غيرهما. ١٥ - هذه الآية: ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ.﴾. تمنع الحاكم من القضاء بعلمه الشخصي في الحوادث، لأن الحكام لو مكّنوا أن يحكموا بعلمهم، لم يشأ أحدهم إذا أراد أن يحفظ وليّه (صديقه) ويهلك عدوه إلا ادعى علمه فيما حكم به. وبذلك يمنع من هذا القضاء للتهمة، قال أبو بكر ﵁: لو رأيت رجلا على حدّ من حدود الله، ما أخذته حتى يشهد على ذلك غيري.

стр. 6933

وروي أن امرأة جاءت إلى عمر، فقالت له: احكم لي على فلان بكذا، فإنك تعلم ما لي عنده، فقال لها: إن أردت أن أشهد لك فنعم، وأما الحكم فلا. وأخرج أبو داود وغيره عن النبي ص أنه اشترى فرسا فجحده البائع، فلم يحكم بعلمه، وقال: «من يشهد لي؟» فقام خزيمة فشهد فحكم. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: أن رسول الله ص قضى بيمين وشاهد. إثبات البعث والثواب والعقاب وبيان فضل القرآن ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)﴾ الإعراب: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي هذا كتاب. البلاغة: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. الآية: مقابلة بين المؤمنين والمفسدين، وبين المتقين والفجار، وهذا من المحسنات البديعية. المفردات اللغوية: ﴿باطِلاً﴾ عبثا ولعبا ﴿ذلِكَ﴾ أي خلق السماء والأرض باطلا ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مظنون كفار مكة ﴿فَوَيْلٌ﴾ هلاك وعذاب شديد، أو هو واد في جهنم ﴿أَمْ﴾ بمعنى همزة الإنكار، أي إنكار التسوية بين الفريقين ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. نزل لما قال كفار مكة للمؤمنين: إنا

стр. 6934

نعطى في الآخرة مثلما تعطون. والآية تدل على صحة القول بالحشر والمعاد، والفجار: الأشقياء ﴿مُبارَكٌ﴾ كثير الخير والبركات والمنافع الدنيوية والأخروية ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ ليتدبروا أي ليتفكروا وينظروا في معاني الآيات، فيؤمنوا ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾ يتعظ ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أصحاب العقول، جمع لب: وهو العقل. المناسبة: بعد تهديد الضالين عن سبيل الله بالعذاب الشديد يوم الحساب في القيامة، أخبر تعالى بأن هذا اليوم آت لا ريب فيه، لأنه خلق الخلق لهدف معين، ثم يحاسبهم في نهاية الأمر، ثم بيّن عدم المساواة في الحساب بين المؤمنين والكفار وبين المتقين والفجار، ثم أخبر عن فضل القرآن العظيم، وأنه كثير المنافع الدينية والدنيوية. التفسير والبيان: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً﴾ أي ما أوجدنا السماء والأرض وما بينهما من المخلوقات عبثا لا حكمة فيه، أو لهوا ولعبا، بل خلقناهما للدلالة على قدرتنا العظيمة، وليعمل فيهما بطاعتنا وعبادتنا وتوحيدنا، كما قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦/ ٥١]. ﴿ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ أي إن الذين كفروا يظنون أن هذه الأشياء خلقت عبثا لغير غرض، فلا قيامة ولا حساب، فيا هلاك هؤلاء الكافرين في النار يوم المعاد والنشور، جزاء ما قدموا من الشرك والمعصية، وكفران نعم الله، وإنكار البعث، وظنهم الباطل. ونظير القسم الأول من الآية قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً، وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥/ ٢٣].

стр. 6935

ونظير القسم الثاني قوله سبحانه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم ٢/ ١٤] وقوله : ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم ٣٧/ ١٩]. ثم أبان الله تعالى منهج الحساب أو عدم التسوية بين المؤمنين والكافرين، فقال: ﴿أَمْ ١ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ أي بل أنجعل الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله، وعملوا بفرائضه، وأصلحوا أعمالهم، فأدّوا ما يجب للخالق والمخلوق، كالمفسدين في الأرض بالمعاصي، أم نجعل أتقياء المؤمنين كأشقياء الكافرين والمنافقين والمنهمكين في معاصي الله من المسلمين؟!! فليس ذلك إن فعلناه عدلا، ولا يتفق مع الحكمة، ومقتضى أي نظام. أي ليس من عدل الله وحكمته التسوية بين المؤمنين والكافرين، فلا يستوي الفريقان عند الله، وإذا كان الأمر كذلك، فلا بدّ من دار أخرى يثاب فيها المطيع، ويعاقب فيها الفاجر، إذ لولا البعث والحساب والجزاء لكان الفريقان سواء. ويؤيد هذا المبدأ العقول السليمة والفطر المستقيمة أنه لا بد من معاد وجزاء، فلا يعقل أن يكون جزاء المحسن كجزاء المسي، ولا تتقبل النفس الإنسانية أن يترك الظالم دون عقاب، وألا ينصف المظلوم أو المحزون أو المعدم من الظالم الباغي المترف، وألا يعوض عن كمده وحرمانه في الدنيا. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ، أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟!﴾ [القلم ٣٤/ ٦٨ - ٣٦].
следующие страницы →