٦ - إن القصة التي يرويها بعض المفسرين بما يتعارض مع مبدأ «عصمة الأنبياء» لا أصل لها، ولا مستند عليها، وإنما هي من الإسرائيليات الدخيلة.
٧ - لم يكن خطأ داود ﵇ في أنه قضى لأحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر، فهذا من أصول الحكم التي لا يمكن تجاوزها، قال ابن العربي: وهذا مما لا يجوز عند أحد، ولا في ملة من الملل، ولا يمكن ذلك للبشر، وإنما تقدير الكلام أن أحد الخصمين ادّعى، والآخر سلم في الدعوى، فوقعت بعد ذلك الفتوى (١). و
قد قال النبي ص لعلي ﵁ فيما أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما: «إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر».
٨ - أجمع العلماء على أن الأنبياء معصومون عن الكبائر، وفي الصغائر اختلاف، الأصح كما قرر ابن العربي وغيره أنهم معصومون عن الصغائر والكبائر.
٩ - استدل العلماء على مشروعية الشركة بأدلة، منها: ما ورد على لسان داود ﵇: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي الشركاء في المال كما تقدم.
١٠ - الصلحاء في كل زمان قليلون، لقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ يعني الصالحين. سمع عمر ﵁ رجلا يقول في دعائه: اللهم اجعلني من عبادك القليل، فقال له عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال: أردت قول الله :
﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ فقال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر.
١١ - اختلف العلماء في سجدة داود، هل هي من عزائم السجود المأمور به في القرآن أو لا؟ أي هل هي سجدة تلاوة؟
стр. 6932
فقال المالكية والحنفية: ليست موضع سجود، لما
في البخاري وغيره عن ابن عباس أنه قال: «ص، ليست من عزائم القرآن، وقد رأيت النبي ص يسجد فيها». وأنكر المالكية أيضا سجدة الشكر.
وقال الشافعية والحنابلة: إنها ليست من عزائم السجود، بل هي سجدة شكر، استدلالا بفعل النبي ص، كما نص الحديث المتقدم،
وروى النسائي أن النبي ص قال: «سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرا».
١٢ - ليس في استغفار داود ما يشعر بارتكاب ذنب أو أمر يستغفر منه، وما زال الاستغفار شعار الأنبياء المشهود لهم بالعصمة.
١٣ - الأصل في مشروعية الأقضية أو التقاضي قوله تعالى: ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ﴾ وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ [المائدة ٤٩/ ٥] وقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ﴾ [النساء ١٠٥/ ٤] وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ﴾ [النساء ١٣٥/ ٤].
١٤ - إن قاعدة الحكم الأساسية الحكم بالعدل والحق: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ﴾ ومن قواعده: أن القاضي لا يحكم في الوقائع إلا بالدعوى ورفع الأمر إليه، فيجب الحكم بالحق، وألا يميل القاضي إلى أحد الخصمين لقرابة أو رجاء نفع، أو سبب يقتضي الميل من صحبة أو صداقة أو غيرهما.
١٥ - هذه الآية: ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ.﴾. تمنع الحاكم من القضاء بعلمه الشخصي في الحوادث، لأن الحكام لو مكّنوا أن يحكموا بعلمهم، لم يشأ أحدهم إذا أراد أن يحفظ وليّه (صديقه) ويهلك عدوه إلا ادعى علمه فيما حكم به. وبذلك يمنع من هذا القضاء للتهمة، قال أبو بكر ﵁: لو رأيت رجلا على حدّ من حدود الله، ما أخذته حتى يشهد على ذلك غيري.
стр. 6933
وروي أن امرأة جاءت إلى عمر، فقالت له: احكم لي على فلان بكذا، فإنك تعلم ما لي عنده، فقال لها: إن أردت أن أشهد لك فنعم، وأما الحكم فلا.
وأخرج أبو داود وغيره عن النبي ص أنه اشترى فرسا فجحده البائع، فلم يحكم بعلمه، وقال: «من يشهد لي؟» فقام خزيمة فشهد فحكم.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: أن رسول الله ص قضى بيمين وشاهد.
إثبات البعث والثواب والعقاب وبيان فضل القرآن
﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)﴾
الإعراب:
﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي هذا كتاب.
البلاغة:
﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. الآية: مقابلة بين المؤمنين والمفسدين، وبين المتقين والفجار، وهذا من المحسنات البديعية.
المفردات اللغوية:
﴿باطِلاً﴾ عبثا ولعبا ﴿ذلِكَ﴾ أي خلق السماء والأرض باطلا ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مظنون كفار مكة ﴿فَوَيْلٌ﴾ هلاك وعذاب شديد، أو هو واد في جهنم ﴿أَمْ﴾ بمعنى همزة الإنكار، أي إنكار التسوية بين الفريقين ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. نزل لما قال كفار مكة للمؤمنين: إنا
стр. 6934
نعطى في الآخرة مثلما تعطون. والآية تدل على صحة القول بالحشر والمعاد، والفجار: الأشقياء ﴿مُبارَكٌ﴾ كثير الخير والبركات والمنافع الدنيوية والأخروية ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ ليتدبروا أي ليتفكروا وينظروا في معاني الآيات، فيؤمنوا ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾ يتعظ ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أصحاب العقول، جمع لب: وهو العقل.
المناسبة:
بعد تهديد الضالين عن سبيل الله بالعذاب الشديد يوم الحساب في القيامة، أخبر تعالى بأن هذا اليوم آت لا ريب فيه، لأنه خلق الخلق لهدف معين، ثم يحاسبهم في نهاية الأمر، ثم بيّن عدم المساواة في الحساب بين المؤمنين والكفار وبين المتقين والفجار، ثم أخبر عن فضل القرآن العظيم، وأنه كثير المنافع الدينية والدنيوية.
التفسير والبيان:
﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً﴾ أي ما أوجدنا السماء والأرض وما بينهما من المخلوقات عبثا لا حكمة فيه، أو لهوا ولعبا، بل خلقناهما للدلالة على قدرتنا العظيمة، وليعمل فيهما بطاعتنا وعبادتنا وتوحيدنا، كما قال تعالى:
﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦/ ٥١].
﴿ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ أي إن الذين كفروا يظنون أن هذه الأشياء خلقت عبثا لغير غرض، فلا قيامة ولا حساب، فيا هلاك هؤلاء الكافرين في النار يوم المعاد والنشور، جزاء ما قدموا من الشرك والمعصية، وكفران نعم الله، وإنكار البعث، وظنهم الباطل. ونظير القسم الأول من الآية قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً، وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥/ ٢٣].
стр. 6935
ونظير القسم الثاني قوله سبحانه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم ٢/ ١٤] وقوله : ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم ٣٧/ ١٩].
ثم أبان الله تعالى منهج الحساب أو عدم التسوية بين المؤمنين والكافرين، فقال: ﴿أَمْ ١ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ أي بل أنجعل الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله، وعملوا بفرائضه، وأصلحوا أعمالهم، فأدّوا ما يجب للخالق والمخلوق، كالمفسدين في الأرض بالمعاصي، أم نجعل أتقياء المؤمنين كأشقياء الكافرين والمنافقين والمنهمكين في معاصي الله من المسلمين؟!! فليس ذلك إن فعلناه عدلا، ولا يتفق مع الحكمة، ومقتضى أي نظام.
أي ليس من عدل الله وحكمته التسوية بين المؤمنين والكافرين، فلا يستوي الفريقان عند الله، وإذا كان الأمر كذلك، فلا بدّ من دار أخرى يثاب فيها المطيع، ويعاقب فيها الفاجر، إذ لولا البعث والحساب والجزاء لكان الفريقان سواء.
ويؤيد هذا المبدأ العقول السليمة والفطر المستقيمة أنه لا بد من معاد وجزاء، فلا يعقل أن يكون جزاء المحسن كجزاء المسي، ولا تتقبل النفس الإنسانية أن يترك الظالم دون عقاب، وألا ينصف المظلوم أو المحزون أو المعدم من الظالم الباغي المترف، وألا يعوض عن كمده وحرمانه في الدنيا.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ، أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟!﴾ [القلم ٣٤/ ٦٨ - ٣٦].
стр. 6936
وإذا ثبت قرآنا ودينا وعقلا وفطرة أن هنالك فرقا واضحا بين المؤمن وغيره، وأن للمؤمن حياة سعيدة دائمة في الجنان، وأن للكافر عذابا أليما في النيران، فما الطريق إلى السعادة؟ الطريق قوله تعالى:
﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي إن طريق السعادة الأبدية هو اتباع القرآن الذي أنزله الله هدى ورحمة للمؤمنين، وهو كثير الخير والبركة، فيه الشفاء لمن تمسك به، والنجاة لمن تبعه، وقد أنزله تعالى للناس للتدبر والتفكر في معانيه، لا لمجرد التلاوة بدون تدبر، وليتعظ أهل العقول الراجحة به وببيانه. قال الحسن البصري: والله ما تدّبره بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق ولا عمل.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - ليس خلق السموات والأرض عبثا وهزلا ولعبا، وإنما له غاية عظمي وهدف صحيح وهو الدلالة على قدرة الله. والذين يظنون أن الله خلقهما باطلا عبثا هم الكفار، فيا ويلهم من عذاب النار.
٢ - تدل هذه الآية: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ.﴾. على إثبات الحشر والنشر والمعاد (أو القيامة) لأنه إذا لم يكن خلقهما باطلا، كان القول بالحشر والنشر لازما، وكان كل من أنكر القول بالحشر والنشر شاكّا في حكمة الله في خلق السماء والأرض.
٣ - إذا لم يكن حشر ونشر ومعاد فحينئذ يكون حال المطيع أدنى من حال العاصي، لذا وبّخ تعالى الشاكين في الحشر والنشر، وأنكر عدم التسوية بين المؤمن والكافر، وبين الصالح والمفسد.
стр. 6937
٤ - الآية هذه: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ رد واضح على منكري البعث الذين جعلوا مصير المطيع والعاصي إلى شيء واحد.
٥ - قوله تعالى: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا﴾ دليل على وجوب معرفة معاني القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهذّ (سرعة القراءة)، إذ لا يصح التدبر مع الهذّ. وقال الحسن البصري: تدبر آيات الله اتباعها.
٦ - القرآن الكريم ذكرى وعظة لأولي الألباب، أي أصحاب العقول الراجحة، فالعاقل هو المستفيد من آي القرآن، والقرآن هو الذي يذكره بضرورة التوبة والإنابة إلى الله إذا زاغ أو انحرف.
قصة سليمان ﵇
﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤) قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾
стр. 6938
الإعراب:
﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ المقصود بالمدح محذوف، وهو سليمان أو داود، وهو إلى سليمان أقرب.
﴿الصّافِناتُ الْجِيادُ﴾ الأول نائب فاعل ﴿عُرِضَ﴾ والثاني صفته، و ﴿الْجِيادُ﴾: جمع جواد، أو جمع جائد.
﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ منصوب على أنه مفعول به، والمعنى: أنه آثر حب الخير، لا أنه أحبّ حبّا، أو منصوب على المصدر، بوضع ﴿حُبَّ﴾ الاسم موضع الاحباب الذي هو المصدر، والوجه الأول أوجه.
﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ أي الشمس، وإنما أضمر لدلالة الحال، مثل ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن ٢٦/ ٥٥] أي الأرض، لدلالة الحال، وإن لم يجر لها ذكر.
البلاغة:
﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ المسح هنا حقيقة أي مسحها بيده استحسانا لها وإعجابا بها، وقيل: المسح كناية عن العقر والذبح.
﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ بينهما طباق، لأنهما بمعنى أعط من شئت، وامنع من شئت.
المفردات اللغوية:
﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ سليمان، إذ ما بعده تعليل للمدح وهو أواب ﴿أَوّابٌ﴾ رجّاع إلى الله بالتسبيح والذكر في جميع الأوقات، أو بالتوبة ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ ما بعد الزوال ﴿عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ على سليمان ﴿الصّافِناتُ﴾ القائمات، أو القائمة على ثلاث وطرف الحافر الرابع، أي يرفع إحدى يديه أو رجليه، ويقف على مقدم حافرها، مع القوائم الأخرى، وهو من الصفات المحمودة في الخيل، لا يكاد يكون إلا في العرب الخلّص، مأخوذ من صفن يصفن صفونا. ﴿الْجِيادُ﴾ جمع جواد، وهو الذي يسرع في عدوه أو جريه، والجواد من الناس: السريع البذل. والمعنى: أن الخيول إذا استوقفت سكنت، وإن ركضت سبقت، وكانت ألف فرس عرضت عليه، كالعرض العسكري اليوم.
﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أي آثرت أو أردت حب الخير وهو هنا الخيل، وأصل الخير: المال الكثير، ويحتمل أنه سماها خيرا لتعلق الخير بها،
قال ص فيما أخرجه أحمد عن جابر: «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة».
стр. 6939
﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي أحببت الخيل وحصل حبها عن ذكر ربي وأمره، لا عن الشهوة والهوى. وليس المراد كما يذكر القصاصون: أنه آثر رؤية الخيل عن صلاة العصر حتى غابت الشمس ﴿تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ اختفت وغابت الشمس، واستترت بما يحجبها عن الأبصار. والحجاب:
بالحاجز أو بالليل.
﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ ردوا الخيل الصافنات علي استمتاعا بالنعمة، أي كفاها ركضا وعدوا ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً﴾ شرع يمسحها بيده استحسانا لها وإعجابا بها، وليس المعنى: جعل يذبحها ويعقرها بالسيف لتفويت صلاة العصر عليه، فهذا لا يليق بالنبوة. ﴿بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ أي بسيقانها وأعناقها، فيربّت عليها ويدللها ويمسح نواصيها بيده، لا أنه ذبحها وعرقب أرجلها تقربا إلى الله تعالى، حيث اشتغل بها عن الصلاة، وتصدق بلحمها، فعوضه الله خيرا منها وأسرع، وهي الريح تجري بأمره كيف شاء، فهذا من الإسرائيليات الدخيلة.
﴿فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ ابتليناه واختبرناه بمرض، وقال البيضاوي: وأظهر ما قيل فيه: ما
روي مرفوعا أنه قال: «لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن، فلم تحمل إلا امرأة جاءت بشق رجل، فو الذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء الله لجاهدوا فرسانا» (١).
ومن الإسرائيليات في تفسير الابتلاء: أن الله ابتلاه بسلب ملكه، وذلك لتزوجه بامرأة عشقها، وكانت تعبد الصنم في دار من غير علمه، وكان ملكه في خاتمه، فنزعه مرة عند إرادة الخلاء ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة، على عادته، فجاءها جنّي في صورة سليمان، فأخذه منها.
﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾ أي جسما ضعيفا كأنه جسد بلا روح، وقيل: الجسد: هو نصف الإنسان الذي ولدته امرأته، وقيل: هو ذلك الجني، وهو صخر أو غيره، جلس على كرسي سليمان، وعكفت عليه الطير وغيرها، فخرج سليمان في غير هيئته، فرآه على كرسيه، وقال للناس: أنا سليمان، فأنكروه. وهذان التفسيران المقولان غير صحيحين في الظاهر والثاني منهما من تتمة القصة الدخيلة من الإسرائيليات.
﴿ثُمَّ أَنابَ﴾ رجع تائبا إلى الله من ترك الأفضل وهو عدم تعليق الأمر بمشيئة الله، وهذا عظيم على نبي، لأن حسنات الأبرار سيئات المقرّبين ﴿قالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ما صدر عني من الذنب ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ أي امنحني ملكا لا يكون لأحد من بعدي أن يملك مثله.
стр. 6940
﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ جعلناها منقادة لأمره ﴿رُخاءً﴾ لينة مع قوتها وشدتها، فلا تزعزع ولا تعصف ﴿حَيْثُ أَصابَ﴾ قصد وأراد ﴿وَالشَّياطِينَ﴾ أي وسخرنا له الشياطين ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ﴾ أي يبنون له ما يشاء من المباني، ويغوصون في البحر لاستخراج الدر واللؤلؤ منه ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ أي وآخرين منهم مشدودين في القيود والسلاسل، وهم مردة الشياطين.
﴿هذا عَطاؤُنا﴾ أي هذا ما أعطيناك من الملك العظيم الذي طلبته، من السيطرة على الريح والشياطين وتسخيرهم ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ فأعط من شئت، وامنع من شئت ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ لا حساب عليك في ذلك الإعطاء أو الإمساك، فلا يقال لك: كم أعطيت ولم منعت؟ ﴿لَزُلْفى﴾ قربة في الآخرة ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وحسن مرجع، وهو الجنة.
المناسبة:
هذه هي القصة الثانية-قصة سليمان بن داود ﵉، فيها تعداد النعم التي أنعم الله بها على سليمان، كما أنعم على أبيه داود من قبل، ليشكر المحسن، ويتعظ المسيء الذي يرى في قصتي داود وسليمان عظة وعبرة، فإنهما ملكا ملكا عظيما، لم يحجبهما عن شكر الله، وعبادته وطاعته، وتقدير نعمه الكثيرة، فأين ملكهما من زعامة قريش وأمثالهم؟!.
التفسير والبيان:
﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ، نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ أي وآتينا داود ابنا نبيا، كما قال : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النمل ١٦/ ٢٧] وإلا فقد كان له بنون غيره، وهذا الابن ما أحقّه بالمدح والثناء، فهو نعم العبد، لأنه توّاب رجّاع إلى الله، كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله في أكثر الأوقات.
روى ابن أبي حاتم عن مكحول قال: لما وهب الله تعالى لداود سليمان قال له: يا بني ما أحسن؟ قال: سكينة الله والإيمان، قال: فما أقبح؟ قال: كفر بعد إيمان، قال: فما أحلى؟ قال: روح الله بين عباده-أي رحمته-قال: فما
стр. 6941
أبرد؟ قال: عفو الله عن الناس، وعفو الناس بعضهم عن بعض، قال داود ﵇: فأنت نبي.
ثم ذكر الله واقعتين لسليمان من وقائع توبته فقال:
الواقعة الأولى:
قصة عرض الخيل: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ﴾ أي اذكر أيها الرسول مادحا حين عرض على سليمان ﵇ في مملكته وسلطانه بعد العصر آخر النهار الخيول الصافنات (أي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة) والجياد: السراع في العدو، لينظر إليها ويتعرف أحوالها ومدى صلاحيتها لمهامها، وليستمتع بما أنعم الله عليه منها.
﴿فَقالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ أي قال سليمان: إنني أحببت هذه الخيل وآثرتها عن غيرها حبا حصل عن ذكر ربي وأمره، لا بهواي وشغفي، وكانت ذات أعداد كثيرة، تعدو حتى غابت عني بسبب الغبار وبعد المسافة. وبه يتبين أن حبه لها لم يكن إلا امتثالا لأمر الله بربط الخيل للجهاد في سبيل الله، وتقوية دينه، وتثبيت دعائمه، وقد كان ذلك مندوبا إليه في دينهم.
هذا هو التفسير المتعين الذي يتفق مع مركز النبوة وشرف الرسالة ودلالة الحال في تعداد النعم لا النقم على سليمان، فلا يصح التفسير بشيء يتنافى مع هذا، لا سيما وقد أمر الله تعالى نبينا ص أن يتأسى بداود وسليمان، كما في مطلع الآيات. و ﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ، وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ.﴾ ..
ثم أعاد سليمان عرض الصافنات أمامه قائلا:
﴿رُدُّوها عَلَيَّ، فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ أي أعيدوا هذه الخيل
стр. 6942
إلي، فلما عادت جعل يمسح بيده سيقانها وأعناقها ونواصيها، تشريفا لها وتكريما وتدليلا وسرورا بها، وتفحصا لأحوالها وإصلاح ما قد يطلع عليه من عيوبها، لأنها عدة الجهاد، ووسيلة الحرب، لرد العدوان، ودفع غارات المعتدين. وقال أكثر المفسرين: معناه أنه مسح السيف بسوقها وأعناقها، أي قطعها، لأنها شغلته عن صلاة العصر. وهذا بعيد على نبي شاكر نعم ربه، يعاقب ما ليس أهلا للعقاب.
الواقعة الثانية:
إلقاؤه جسدا على كرسيه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ، وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ﴾ أي تالله لقد اختبرنا سليمان ﵇ باختبار آخر، وهو الفتنة في جسده، كما اختار الرازي، حيث ابتلاه الله بمرض شديد في جسمه، حتى نحل جسمه، وأصبح هزيلا، ثم أناب، أي رجع إلى حال الصحة (١).
وبعض المفسرين كما ذكرت عن البيضاوي وكذا أبو حيان (٢) يفسر هذه الفتنة بما عزم عليه من الطواف على سبعين من نسائه، تأتي كل واحدة بفارس مجاهد في سبيل الله، دون أن يقول: إن شاء الله، فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، هو الذي ألقي على جسده، فالجسد الملقى هو المولود شق رجل.
وقيل: إن الملقى شيطان، وهذا قول باطل من الزنادقة. قال ابن كثير:
وهذا وغيره من الإسرائيليات، وهي من المنكرات، من أشدها ذكر النساء (٣).
стр. 6943
﴿قالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ قال سليمان: ربّ اغفر لي ما صدر عني من الذنب الذي ابتليتني لأجله، وهذا من سمو الإحساس بالخطيئة، فقد تكون شيئا لا يخلو عن ترك الأفضل والأولى، وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة، لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولأن الأنبياء أبدا في مقام هضم النفس، وإظهار الذلة والخضوع، كما
قال ص فيما رواه البخاري عن أبي هريرة: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة».
﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ وامنحني ملكا عظيما لا يتأتى لأحد غيره مثله، إنك يا ربّ أنت الكثير الهبات والعطايا، فأجب دعائي.
قال الزمخشري: كان سليمان ﵇ ناشئا في بيت الملك والنبوة، ووارثا لهما، فأراد أن يطلب من ربّه معجزة، فطلب بحسب إلفه ملكا زائدا على الممالك، زيادة خارقة للعادة، بالغة حدّ الإعجاز، ليكون ذلك دليلا على نبوته، قاهرا للمبعوث إليهم، وأن يكون معجزة حتى يخرق العادات، فذلك معنى قوله: ﴿لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾.
وقيل: كان ملكا عظيما، فخاف أن يعطى مثله أحد، فلا يحافظ على حدود الله فيه (١).
فأجاب الله تعالى دعاءه وأعطاه نعما خمسة، فقال:
١ - ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ أي فذلّلنا له الرّيح، وجعلناها منقادة لأمره، تجري ليّنة طائعة في قوّة وسرعة، دون عواصف مضطربة ولا أعاصير، تحمله إلى أي جهة قصد وأراد. ووصف الرّيح هنا بكونها رخاء لا يتعارض مع آية أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ [الأنبياء ٨١/ ٢١] لأن المراد بالعاصفة هنا القوية الشديدة، لا الهائجة
стр. 6944
المضطربة، فهي في قوة الرياح العاصفة، لكنها كانت طيّبة غير خطرة، أو أنها كانت بحسب الحاجة، ليّنة مرة، وعاصفة أخرى.
٢ - ﴿وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ﴾ أي وذلّلنا له أيضا الشياطين تعمل بأمره، إما في بناء المباني الشاهقة، وإما في الغوص في البحار لاستخراج الدرر واللآلئ والمرجان، وإما في أعمال أخرى.
٣ - ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ أي وسخرنا له شياطين آخرين هم مردة الشياطين، سخّروا له حتى قرنهم في القيود والسلاسل، قمعا لشرّهم، وعقابا لهم.
٤ - ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ هذه نعمة رابعة هي حرية التصرف فيما أعطاه الله إياه من الملك العظيم، والثراء والغنى، والسيطرة على الريح والشياطين وتسخيرهم، فقد أذن له ربّه بأن يمنح من يشاء، ويمنع من يشاء، ولا حساب عليه في ذلك الإعطاء أو الإمساك، فلا يقال له: كم أعطيت، ولم منعت؟ ٥ - ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي وإن له في الآخرة لقربة وكرامة عند الله، وحسن مرجع، وهو الجنة، وفيض ثواب، فهو ذو حظ عظيم عند الله يوم القيامة.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - من مزيد فضل الله على عبده داود ﵇ أن وهبه ولدا ورث عنه الملك والنبوة.
٢ - ومن نعم الله على عبده سليمان ﵇ أنه أنعم عليه بالخيل
стр. 6945
الصّافنات الجياد، التي تعدّ عدّة الحرب، وآلة القتال المهمة في مواجهة الأعداء، وكان عددها ألف فرس يجاهد عليها في سبيل الله تعالى.
٣ - لقد أحبها سليمان ﵇، لأنها حققت له تنفيذ أوامر ربّه في ربطها للجهاد، فكان يعرضها أمامه في عرض عسكري مهيب، يرهب العدو، وكانت تمتاز بسرعة الجري أو العدو، حتى إنها غابت عنه بسبب شدة الغبار وبعد المسافة.
٤ - لم يقتصر سليمان ﵇ على عرضها أمامه للمرة الأولى، وإنما طلب إعادتها إليه، فشرع في مسح سيقانها ونواصيها بيده، تكريما لها، وتفحّصا لأحوالها حتى يعالج ما قد يكون بها من عيوب.
٥ - امتحن الله تعالى سليمان ﵇ بالمرض، كما يمتحن عباده المؤمنين، قيل: كان ذلك بعد عشرين سنة من ملكه، ثم ملك بعد الاختبار عشرين سنة أخرى، كما ذكر الزمخشري.
واشتدّ به المرض حتى أصبح لشدّة ضعفه-كما تقول العرب: لحما على وضم، وجسما بلا روح، ثم عاد إلى صحته وحالته الأولى.
وطلب المغفرة من ربّه على ما قد يكون من ذنب في تقديره كان سببا لمرضه، وهذا من قبيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فقد يكون ترك الأفضل والأولى عند أصحاب السمو والدرجة العالية، وعلى رأسهم الأنبياء، بمثابة ذنب عندهم، وهو عند غيرهم ليس بذنب.
٦ - أجاب الله دعاء سليمان ﵇، فأمده بنعم عظمي، هي: تسخير الرّيح له، تحمله إلى أي مكان أراد، وتسخير الشياطين للخدمة في مجالات الحياة المختلفة من بناء وغوص في البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان، والتسلّط على مردة الشياطين، حتى يقيّدهم بالأغلال والسلاسل، كفّا لشرّهم ومنع أذاهم.
стр. 6946
ومنحه حرية التّصرّف في الملك والمال، فيعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، دون حساب ولا رقيب، ودون مراجعة أو نقص.
وكذلك جعله مقرّبا عند الله، مكرّما عند ربّه في الجنة، مغمورا بالثواب الجزيل، فائزا برضا ربّه.
والخلاصة: لقد منح الله سليمان خيري الدنيا والآخرة، وجمع له بين الملك والنبوة كأبيه داود ﵉، وسخّر الله له ملكا عظيما وسلطة شاملة على الإنس والجن والشياطين. وهذا لم يتأت لأحد قبله ولا بعده.
قصة أيوب ﵇
﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ (٤٤)﴾
الإعراب:
﴿أَيُّوبَ إِذْ نادى﴾ ﴿أَيُّوبَ﴾: عطف بيان، و ﴿إِذْ﴾: بدل اشتمال منه.
﴿رَحْمَةً مِنّا﴾ منصوب إما لأنه مصدر، أو لأنه مفعول لأجله.
البلاغة:
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ في هذا الإسناد مراعاة الأدب مع الله تعالى، فإنه أسند المرض والضرر الذي أصابه إلى الشيطان أدبا، وإن كان الخير والشر بيد الله تعالى لحكمة يعلمها.
стр. 6947
المفردات اللغوية:
﴿أَيُّوبَ﴾ هو أيوب بن أموص بن أروم بن عيص بن إسحاق ﵇، وامرأته ليا بنت يعقوب، الراجح أنه قبل إبراهيم بأكثر من مائة سنة، وكان موطنه أرض عوص: جزء من جبل سعير، أو بلاد أدوم. ﴿أَنِّي﴾ بأني. ﴿بِنُصْبٍ﴾ بضرّ، والنّصب (بالضّم) والنّصب (بفتحتين) كالرّشد والرّشد: المشقة والتعب. ﴿وَعَذابٍ﴾ ألم مضرّ، كما في آية ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء ٨٣/ ٢١]. ونسب ذلك إلى الشيطان-وإن كانت الأشياء كلها من الله-تأدّبا مع الله تعالى.
﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ اضرب بها الأرض، فضرب فنبعت عين ماء. ﴿مُغْتَسَلٌ﴾ ماء تغتسل به وتشرب منه. ﴿بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ تغتسل وتشرب منه، فاغتسل وشرب، فذهب عنه كل داء كان بباطنه وظاهره.
﴿وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ﴾ بأن جمعناهم عليه بعد تفرّقهم، أو أحييناهم بعد موتهم. ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ أي ورزقه مثلهم. ﴿رَحْمَةً مِنّا﴾ أي لرحمتنا عليه. ﴿وَذِكْرى﴾ عظة وتذكيرا لهم لينتظروا الفرج بالصبر واللجوء إلى الله فيما يحيق بهم. ﴿لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ لأصحاب العقول.
﴿ضِغْثاً﴾ حزمة صغيرة من الحشيش والريحان ونحوهما، أو قضبان. ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ زوجتك. ﴿وَلا تَحْنَثْ﴾ بترك ضربها، والحنث في اليمين: إذا لم يفعل ما حلف عليه. روي أن زوجته ليا بنت يعقوب ﵇ ذهبت لحاجة، وأبطأت، فحلف إن برئ ليضربنّها مائة ضربة، فحلّل الله يمينه بذلك، وهي رخصة باقية في الحدود للضرورة كمرض ونحوه. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوب. ﴿إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ رجّاع إلى الله تعالى بالتوبة والإنابة.
المناسبة:
هذه هي القصة الثالثة من قصص الأنبياء في هذه السورة، والمقصود بها كغيرها الاعتبار، فقد كان داود وسليمان ﵉ ممن أفاض الله عليهما أصناف النعم، فكانت قصتهما لتعليم الشكر على النعمة، وأيوب كان ممن خصّه الله تعالى بأنواع البلاء، فكانت قصته لتعليم الناس الصبر على الشدائد، كأن الله تعالى قال: يا محمد اصبر على سفاهة قومك، فإنه ما كان في الدنيا أكثر نعمة ومالا وجاها من داود وسليمان ﵉، وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب
стр. 6948
عليه السلام، فتأمل في أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، وأن العاقل لا بدّ له من الصبر على المكاره.
التفسير والبيان:
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ، إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾ أي واذكر أيها الرسول لقومك صبر أيوب على مرضه مدة طويلة هي نحو من ثماني عشرة سنة، حين نادى ربّه بأني قد مسني الضّر ومسّني الشيطان بمشقة وألم مضر، وإنما نسب ذلك الضر إلى الشيطان أدبا مع الله تعالى كما تقدم. والذي يجب اعتقاده أن هذا المرض لم يكن منفّرا الناس منه، وإنما هو مجرد مرض جلدي يشفى بالمياه المعدنية أو الكبريتية، لأن شرط الأنبياء: السلامة عن الأمراض المنفّرة طبعا.
روى ابن جرير وابن أبي حاتم جميعا عن أنس بن مالك ﵁ قال:
إن رسول الله ص قال: «إن نبي الله أيوب ﵇ لبث به بلاؤه ثماني عشرة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين (١)، كانا من أخصّ إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم، والله لقد أذنب أيوب ذنبا، ما أذنبه أحد من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة، لم يرحمه الله تعالى، فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له.
فقال أيوب ﵇: لا أدري ما تقول، غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله تعالى، فأرجع إلى بيتي، فأكفّر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق.
стр. 6949
قال: وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضاها، أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم، أبطأ عليها، فأوحى الله ﵎ إلى أيوب ﵇ أن ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ فاستبطأته، فالتفتت تنظر، فأقبل عليها، قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو على أحسن ما كان، فلما رأته، قالت: أي، بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، فو الله القدير على ذلك، ما رأيت رجلا أشبه به منك، إذ كان صحيحا، قال: فإني أنا هو، وكان له أندران: أندر للقمح، وأندر للشعير، فبعث الله تعالى سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض».
﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ، هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ أي قلنا له: اضرب برجلك الأرض، فركض (ضرب) فنبعت عين جارية، فاغتسل فيها، وشرب منها، فخرج صحيحا معافى، بريئا من المرض.
وهذا دليل على أن مرضه كان من الأمراض الجلدية غير المعدية ولا المنفّرة، وإنما كانت مؤذية متعبة تحت الجلد، كالإكزيما والحكة ونحوهما، مما يمكن شفاؤه بالمياه المعدنية أو الكبريتية المفيدة في تلك الأمراض.
وكما تمّ الشفاء من المرض أعاد الله له أهله وولده وماله، فقد كان ذا مال جزيل وأولاد كثيرين وسعة من الدنيا، فقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ، رَحْمَةً مِنّا، وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ أي منحناه أهله وضاعفناهم، إما أن الله تعالى أحياهم بعد أن أماتهم، والله قادر على كل شيء، وإما أنه تعالى جمعهم له بعد تفرقهم، وأكثر نسلهم، وزادهم، فكانوا مثلي ما كانوا قبل ابتلائه، رحمة من الله به، وتذكرة لأصحاب العقول السليمة، والإيمان أن عاقبة الصبر الفرج، وأن رحمة الله قريب من المحسنين، وأن مع العسر يسرا.
стр. 6950
ثم ذكر الله تعالى له رخصة في التّحلل من يمينه، فقال:
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ، وَلا تَحْنَثْ﴾ أي وخذ بيدك حزمة كبيرة من القضبان، فاضرب بها زوجتك التي حلفت أن تجلدها مائة جلدة إن برئت من مرضك، ولا تحنث في يمينك، أي لا تترك العمل بمقتضى اليمين، بسبب إبطائها في الرجوع، وهي ليا بنت يعقوب، أو رحمة بنت افرائيم بن يوسف.
ثم أثنى الله سبحانه على أيوب ﵇ قائلا:
﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً، نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ أي لقد وجدناه صابرا على البلاء الذي ابتليناه به في جسده، وذهاب ماله وأهله وولده، نعم العبد أيوب، إنه رجّاع إلى الله بالتوبة والاستغفار، زيادة في حسناته ورفع درجته، لا بسبب ذنب جناه، فجازيناه بتفريج كربته، مع أنه ليس في الشكوى إلى الله إخلال بالصبر، ولكن إيمان الأنبياء المطلق التام الذي يعرّفهم أن الله عليم بهم، قد لا يطلبون من الله شيئا لإذهاب همهم وغمهم.
روي عن أيوب ﵇ أنه كان يقول كلما أصابته مصيبة: «اللهم أنت أخذت، وأنت أعطيت»، وكان يقول في مناجاته: «إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي، ولم يتبع قلبي بصري، ولم يلهني ما ملكت يميني، ولم آكل إلا ومعي يتيم، ولم أبت شبعان ولا كاسيا، ومعي جائع أو عريان».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الأحكام التالية:
١ - لا مانع من دعاء الله تعالى والشكوى إليه عند المصاب، وإن كان أيوب ﵇ صبر مدة طويلة على المرض، ثم دعا ربّه لتفريج نوعين من المكروه: الألم الشديد في الجسم، والغمّ الشديد بسبب زوال الخيرات وحصول المكروهات، لذا ذكر الله تعالى لفظين وهما النّصب والعذاب.
стр. 6951
٢ - على المؤمن أن يتدرّع بالصّبر عند الشدائد، فقد أمر الله النّبي ص بالاقتداء بأيوب ﵇ في الصبر على المكاره، وكذلك بغيره من الأنبياء مثل داود وسليمان ﵉.
٣ - لم يكن مرض أيوب ﵇ منفّرا، لأن شرط النّبوة: السلامة عن الأمراض المنفّرة طبعا، وإنما كان مرضه تحت الجلد، كأمراض الحكمة، مما ليس بمعد، وإن كان مؤلما ومزعجا. وهو مرض حسي، تناول البدن بدليل قوله ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء ٨٣/ ٢١]، و ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾، و ﴿فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء ٨٤/ ٢١]، و ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ و ﴿هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾.
٤ - في هذه الآية دلالة على أن للزوج أن يضرب امرأته تأديبا، بدليل حلف أيوب على ضرب امرأته. والذي أباحه القرآن هو ضرب النساء حال النشوز، لقوله تعالى: ﴿وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ إلى أن قال:
﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء ٣٤/ ٤]. كذلك دلّ قوله تعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ [النساء ٣٤/ ٤]، على أن للزوج ضرب امرأته تأديبا لغير نشوز.
٥ - إن الضرب بالضغث رخصة من الله تعالى لأيوب ﵇ تحلّة اليمين، جزاء على تلك الخدمة الطويلة التي قدمتها له زوجته أثناء مرضه.
واختلف العلماء بعدئذ، هل هذا الحكم عام أو خاص بأيوب وحده؟ للعلماء في ذلك رأيان:
الرأي الأول:
قالت الحنفية-الذين يقولون: شرع من قبلنا شرع لنا-: إن الحكم عام، فمن حلف ليضرب مائة ضربة، فأخذ حزمة من حطب عدد عيدانها مائة، فضرب بها، برّ في يمينه، ولا كفّارة عليه، لأن الله قد رخّص لأيوب ﵇ هذا،
стр. 6952
وجعله غير حانث به، وما دام غير حانث فهو بارّ. وهذا في المريض العليل غير الصحيح السليم (١).
وكذلك قالت الشافعية والحنابلة: يجوز إقامة الحدّ في المرض الذي لا يرجى برؤه، بأن يضرب بمئة شمراخ دفعة واحدة، لما
روى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن سهل بن حنيف: «أنّ النّبي ص أمر في رجل أضنى أن يأخذوا له مائة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة». قال الشافعي: إذا حلف ليضربنّ فلانا مائة جلدة، أو ضربا، ولم يقل: ضربا شديدا، ولم ينو ذلك بقلبه: يكفيه مثل هذا الضرب المذكور في الآية، ولا يحنث.
والشافعي الذي لا يقول بأن شرع من قبلنا شرع لنا اعتمد في ذلك على ما ثبت في السّنّة النّبوية. وأما الإمام أحمد فيقول بأن شرع من قبلنا شرع لنا.
الرأي الثاني:
قالت المالكية الذين يرون أن شرع من قبلنا شرع لنا: إن هذه رخصة خاصة بأيوب ﵇، بدليل توجيه الخطاب وبما ذكر للترخيص من العلة. قال ابن العربي: وإنما انفرد مالك في هذه المسألة عن القاعدة لتأويل بديع: هو أن جريان الأيمان عند مالك في سبيل النّيّة والقصد أولى،
لقول رسول الله ص فيما أخرجه البخاري ومسلم عن عمر ﵁: «إنما الأعمال بالنّيّات» والنّيّة أصل الشريعة وعماد الأعمال ومعيار التكليف. وقصة أيوب هذه لم يصح كيفية يمين أيوب فيها، حتى نلتزم شريعته فيها (٢). وهذا قول الليث أيضا.
ونهج ابن القيم في (أعلام الموقعين) الذي حارب فيه الحيل منهج المالكية، وقرر أن هذه الفتيا خاصة الحكم، فإنها لو كانت عامة الحكم في حقّ كل أحد، لم
стр. 6953
يخف على نبي كريم موجب يمينه، ولم يكن في قصها علينا كبير عبرة، فإنما يقصّ علينا ما خرج عن نظائره لنعتبر به، ونستدل به على حكمة الله فيما قصّه علينا. ويدلّ عليه اختصاص قوله تعالى: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً﴾ وهذه الجملة خرجت مخرج التعليل، كما في نظائرها، فعلم أن الله سبحانه إنما أفتاه بذلك جزاء له على صبره، وتخفيفا عن امرأته، ورحمة بها. وأيضا فإنه تعالى إنما أفتاه بهذا لئلا يحنث كما قال: ﴿وَلا تَحْنَثْ﴾.
٦ - فضيلة الصبر عظيمة، لذا وصف الله نبيه أيوب بأنه صبر على ما أصابه من أذى في بدنه وأهله وماله، وبأنه أوّاب، أي كثير التأويب والرجوع إلى الله في كل أموره.
قصة إبراهيم وذريته ﵈
-إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذي الكفل -
﴿وَاُذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاُذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤)﴾
الإعراب:
﴿إِبْراهِيمَ﴾ بدل من ﴿عِبادَنا﴾ أو (عبدنا) أو عطف بيان.
стр. 6954
﴿بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ﴾ على قراءة التنوين هذه تكون ﴿ذِكْرَى﴾ بدلا من ﴿بِخالِصَةٍ﴾ وتقديره: إنا أخلصناهم بذكرى الدار، ويجوز نصبه ب ﴿بِخالِصَةٍ﴾ لأنه مصدر كالعافية والعاقبة.
وقرئ بترك التنوين بجعل ﴿ذِكْرَى﴾ مجرورا بالإضافة وهي إضافة بيان.
﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ ﴿جَنّاتِ﴾: بدل منصوب من ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
و ﴿مُفَتَّحَةً﴾ صفة لجنات، وفيه ضمير عائد إلى ﴿جَنّاتِ﴾ وتقديره: جنات عدن مفتحة هي، أو حال وعامله ما في المتقين من معنى الفعل. و ﴿الْأَبْوابُ﴾ إما مرفوع ب ﴿مُفَتَّحَةً﴾ وإما مرفوع بدلا من ضمير ﴿مُفَتَّحَةً﴾. تقول: فتحت الجنان: إذا فتحت أبوابها، قال تعالى:
﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ، فَكانَتْ أَبْواباً﴾ [النبأ ١٩/ ٧٨].
﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الهاء والميم في ﴿لَهُمُ﴾.
﴿إِنَّ هذا لَرِزْقُنا، ما لَهُ مِنْ نَفادٍ﴾ ﴿ما لَهُ﴾: حال من: ﴿لَرِزْقُنا﴾، أو خبر ثان ل ﴿إِنَّ﴾.
البلاغة:
﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ﴾ استعارة تصريحية، استعار ﴿الْأَيْدِي﴾ للقوة في العبادة، و ﴿الْأَبْصارِ﴾ للتبصر في الدين.
﴿هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ، جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ بينها وبين ما يأتي في المقطع الآتي مقابلة وهي: ﴿هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ﴾.
﴿هذا ما تُوعَدُونَ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب للعناية بهم.
المفردات اللغوية:
﴿عِبادَنا﴾ وقرئ: عبدنا.
﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ أصحاب القوة في العبادة. ﴿وَالْأَبْصارِ﴾ أصحاب البصائر في الدين والفقه فيه ومعرفة أسراره. ﴿أَخْلَصْناهُمْ﴾ جعلناهم خالصين لنا. ﴿بِخالِصَةٍ﴾ بخصلة خالصة لا شوب فيها هي ﴿ذِكْرَى الدّارِ﴾ أي تذكر الدار الآخرة والعمل لها.
﴿الْمُصْطَفَيْنَ﴾ المختارين من أبناء جنسهم، جمع مصطفى. ﴿الْأَخْيارِ﴾ المفضلين عليهم في الخير، جمع خيّر: وهو المطبوع على فعل الخير. ﴿إِسْماعِيلَ﴾ هو ابن إبراهيم الخليل. ﴿وَالْيَسَعَ﴾ اللام زائدة، وهو نبي، ابن اخطوب استخلفه إلياس على بني إسرائيل، ثم صار نبيا.
﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ ابن عم يسع، أو بشر بن أيوب، واختلف في نبوته ولقبه، والأصح أنه نبي،
стр. 6955
قيل: فرّ إليه مائة نبي من القتل فآواهم وكفلهم، وقيل: تكفّل بعمل رجل صالح كان يصلي كل يوم مائة صلاة. ﴿كُلٌّ﴾ كلهم. ﴿مِنَ الْأَخْيارِ﴾ جمع خيّر، كما تقدّم.
﴿هذا ذِكْرٌ﴾ هذا ذكر وشرف وتنويه لهم بالثناء الجميل، أو هذا المذكور من الآيات نوع من الذكر وهو القرآن. ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ مرجع في الآخرة. ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ جنات استقرار وثبات، يقال: عدن بالمكان: أقام به. ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ أي على الأرائك، كما في آية أخرى.
﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ لا ينظرن إلى غير أزواجهن. ﴿أَتْرابٌ﴾ جمع ترب، أي لدات متساوون في السّنّ، بنات ثلاث وثلاثين سنة، حتى لا تحصل الغيرة بينهنّ، ولأن التّحاب بين الأقران أثبت.
﴿هذا﴾ المذكور. ﴿ما تُوعَدُونَ﴾ به. ﴿لِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ لأجل الحساب، فإن الحساب علة الوصول إلى الجزاء. ﴿نَفادٍ﴾ انقطاع، أي دائم له صفة الدوام.
المناسبة:
هذه مجموعة قصص من الأنبياء في هذه السورة، ذكر الله فيها قصص إبراهيم وذريته الأنبياء، يراد بها العظة والعبرة، والتعليم لنا، والتّخلق بأخلاقهم، والعمل بأعمالهم التي من أجلها استحقوا ما أعدّ الله لهم ولأمثالهم في هذه الآيات من الثواب الجزيل والنعيم المقيم. وهي معطوفة على بداية القصص في هذه السورة، كأنه تعالى قال: «فاصبر على ما يقولون، واذكر عبدنا داود» [الآية ١٧] إلى أن قال: ﴿وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ﴾ أي واذكر يا محمد صبر إبراهيم حين ألقي في النار، وصبر إسحاق في دعوة بني إسرائيل إلى الرشاد، وصبر يعقوب حين فقد ولده وذهب بصره، وصبر إسماعيل للذبح، وصبر اليسع وذي الكفل على أذى بني إسرائيل.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين، فيقول:
﴿وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ﴾ أي واذكر العمل الصالح وصبر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي القوة في العبادة
стр. 6956
والبصيرة النافذة، فإنهم دأبوا على الطاعة، وقويناهم على العمل المرضي، وأحسنوا وقدموا خيرا، وآتيناهم البصيرة في العلم والفقه في الدين، والعمل النافع فيه.
وعلة ذلك:
﴿إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ﴾ أي خصصناهم بخصلة خالصة هي العمل للآخرة، والتزام أوامرنا ونواهينا، لتذكرهم الدار الآخرة والإيمان بها، وذلك شأن الأنبياء.
﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ﴾ أي وإنهم لمن المختارين من أبناء جنسهم، المطبوعين على فعل الخير، فلا يميلون للأذى، ولا تنطوي قلوبهم على الضغينة والحقد والحسد والبغض لأحد، ولا يرتكبون شرّا ومعصية، فهم أخيار مختارون.
﴿وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ، وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ﴾ أي واذكر أيضا صبر إسماعيل واليسع وذي الكفل وأعمالهم الصالحة، فكل منهم من الأخيار المختارين للنبوة.
وبعد أن أمر الله تعالى رسوله بالصبر على سفاهة قومه وذكر جملة من الأنبياء، ذكر ما يؤول إليه حال المؤمنين وحال الكافرين من الجزاء، ومقرّ كل واحد من الفريقين، فقال تعالى:
﴿هذا ذِكْرٌ، وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ هذه الآيات القرآنية التي تعدد محاسنهم تذكّر لهم وتنويه، وذكر جميل في الدنيا، وشرف يذكرون به أبدا، وإن لهم وللمتقين أمثالهم لحسن مرجع يرجعون فيه في الآخرة إلى مغفرة الله ورضوانه ونعيم جنّته. وهذا شروع فيما أعدّ لهم ولأمثالهم من النعيم والسعادة في الدار الآخرة.
стр. 6957
ثم فسّر الله تعالى المقصود بالمرجع والمآب الحسن قائلا:
﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ أي إن ذلك المآب هو في جنات إقامة دائمة، مفتحة لهم أبوابها، فإذا جاءوها فتحت لهم أبوابها إكراما لهم، تفتحها لهم الملائكة ليدخلوها مكرمين. وفي هذا إيماء بتخصيصها لهم وبسعتها وروعتها وبهائها الذي تسرّ به النفوس.
﴿مُتَّكِئِينَ فِيها، يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ﴾ أي تراهم متكئين في الجنات على الأرائك والأسرّة، يطلبون ما لذّ وطاب مما شاؤوا من أنواع الفاكهة الكثيرة المتنوعة، وأنواع الشراب الكثير العذب الطيب، وغيرهما، فمهما طلبوا وجدوا، وأحضر كما أرادوا ﴿بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة ١٨/ ٥٦].
والسبب في تخصيص الفاكهة والشراب بالذكر: ترغيب العرب فيها، لأن ديارهم حارة قليلة الفواكه والأشربة، وفيه إيماء بأن طعامهم لمجرد التّفكّه والتّلذّذ لا للتّغذي، لعدم حاجتهم إليه بسبب خلق أجسامهم للدوام، فلا تحتاج لبدائل المتلفات والتّحللات.
وبعد وصف المسكن والمأكول والمشروب، ذكر تعالى الأزواج، فقال:
﴿وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ﴾ أي ولهم زوجات قاصرات طرفهنّ على أزواجهنّ، لا ينظرن إلى غيرهم، وهم لدات متساويات في السّن، متساويات في الحسن والجمال، يحب بعضهنّ بعضا، فلا تباغض ولا غيرة عندهنّ.
ثم ذكر الله تعالى ما وعد به المتقين من الثواب قائلا:
﴿هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ أي هذا المذكور من صفات الجنة هو الذي وعد به تعالى عباده المتقين، وهو الجزاء الأوفى الذي وعدوا به، وأجلّ ليوم الحساب في الآخرة بعد البعث والنشور من القبور.
стр. 6958
وصفة هذا النعيم الدوام، فقال تعالى:
﴿إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ﴾ أي إن هذا الذي أنعمنا به عليكم لرزق دائم لا انقطاع له، ولا فناء أبدا، كقوله : ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ﴾ [النحل ٩٦/ ١٦]، وقوله جلّ وعلا: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨/ ١١]، وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق ٢٥/ ٨٤]، أي غير منقطع، وقوله سبحانه: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها، تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا، وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾ [الرعد ٣٥/ ١٣].
فقه الحياة أو الأحكام:
جعل الله تعالى هؤلاء الصّفوة المختارة من الأنبياء مع من تقدّمهم قدوة طيبة وأسوة حسنة للنبي ص وللمؤمنين من بعده، في الصّبر والعمل الصالح، والعلم النافع، والقوة في العبادة، والفقه في الدين.
وسبب اصطفائهم إيمانهم بالدار الآخرة وتذكرهم لها، وعملهم المحقق لرضوان الله ومغفرته ودخول جنانه فيها، فهم يذكرون الآخرة، ويرغبون فيها، ويزهدون في الدنيا.
وذكرهم في القرآن المتلو إلى يوم القيامة إشادة بهم، وذكر جميل في الدنيا، وشرف يذكرون به فيها أبدا.
ولهم ولكلّ المتقين مع هذا الذكر الجميل في الدنيا حسن المرجع في القيامة، إذ لهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، مفتحة الأبواب، تفتحها الملائكة تكريما لهم.
يتمتعون بنعيم الجنان في مسكن مريح يتكئون فيه على الأرائك، ولهم ما يطلبون من أنواع الفاكهة الكثيرة والشراب الكثير.
стр. 6959
ولهم أيضا أزواج قاصرات الطّرف لا ينظرن إلى غيرهم، وهنّ لدات أتراب على سنّ واحدة، متساوين في الحسن والجمال والشباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة.
ثم ذكر الله تعالى أن هذا الموصوف بهذه الصفات هو الجزاء والثواب الذي وعد به المتقين، ثم أخبر تعالى عن دوام هذا الثواب. وهذا دليل على أن نعيم الجنة لا ينقطع.
عقاب الطاغين الأشقياء
﴿هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ (٦٤)﴾
الإعراب:
﴿هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ.﴾. ﴿هذا﴾: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الأمر هذا.
﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ.﴾. ﴿هذا﴾ يجوز فيه النصب والرفع، أما النصب فبتقدير فعل يفسره ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ أي فليذوقوه هذا فليذوقوه، والفاء زائدة في مذهب أبي الحسن الأخفش، مثل:
هذا زيد فاضرب. وأما الرفع: فهو على أنه مبتدأ، وخبره: ﴿حَمِيمٌ﴾، و ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ اعتراض، والفاء للتنبيه، أو هو المخصوص بالذم، أي بئس المهاد هذا المذكور، أو مبتدأ وخبره ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ ويرفع ﴿حَمِيمٌ﴾ على تقدير (هو حميم)، أو خبر مبتدأ، تقديره: الأمر هذا، ويرفع ﴿حَمِيمٌ﴾ على تقدير: هو حميم.
стр. 6960
﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾: ﴿آخَرُ﴾ مبتدأ، و ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ صفة له، ولهذا حسن أن يكون مبتدأ، مع كونه نكرة، و ﴿أَزْواجٌ﴾ خبر المبتدأ. ويجوز جعل ﴿أَزْواجٌ﴾ مبتدأ ثانيا، و ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ خبر ل ﴿أَزْواجٌ﴾ والجملة منهما خبر المبتدأ الأول الذي هو ﴿آخَرُ﴾.
﴿ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ﴾: ﴿ما﴾ في موضع رفع بالابتداء، و ﴿لَنا﴾ خبره، و ﴿لا نَرى﴾ حال من ضمير ﴿لَنا﴾. و ﴿كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾ صفة ل ﴿رِجالاً﴾. و ﴿مِنَ الْأَشْرارِ﴾ في موضع نصب، لتعلقه ب ﴿نَعُدُّهُمْ﴾. وتجوز إمالة ﴿مِنَ الْأَشْرارِ﴾ لوجود الراء المكسورة.
﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ﴾: ﴿تَخاصُمُ﴾ إما بدل من ﴿لَحَقٌّ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف تقديره (هو تخاصم) أو خبر بعد خبر ل ﴿إِنَّ﴾ أو بدل من ﴿ذلِكَ﴾ على الموضع.
البلاغة:
﴿الْأَشْرارِ﴾ ﴿الْأَبْصارُ﴾ ﴿أَهْلِ النّارِ﴾ فيها مراعاة الفواصل من المحسنات البديعية.
﴿فَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم.
المفردات اللغوية:
﴿لِلطّاغِينَ﴾ الكفار الذين كذبوا بالله ورسله، وتجاوزوا حدود الله. ﴿مَآبٍ﴾ مرجع ومصير. ﴿يَصْلَوْنَها﴾ يدخلونها. ﴿الْمِهادُ﴾ الفراش. ﴿هذا﴾ العذاب، المفهوم مما بعده.
﴿حَمِيمٌ﴾ ماء شديد الحرارة. ﴿وَغَسّاقٌ﴾ شديد البرودة، وهو ما يسيل من صديد أهل النار.
﴿وَآخَرُ﴾ أي وعذاب آخر، وقرئ: «وأخر» بالجمع، أي وأنواع عذاب آخر. ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ مثل المذوق في الشدة والكراهية، أو مثل المذكور من الحميم والغساق. ﴿أَزْواجٌ﴾ أصناف أو أجناس عذابهم.
﴿هذا فَوْجٌ﴾ أي يقال لهم ذلك عند دخولهم النار، والفوج: الجمع الكثير من أتباع الضلال. ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ داخل معكم النار بشدة. ﴿لا مَرْحَباً بِهِمْ﴾ أي لا سعة عليهم ولا ترحيب بهم، وهذا ما يقوله الرؤساء لأتباعهم. ﴿صالُوا النّارِ﴾ داخلون النار بأعمالهم مثلنا.
﴿قالُوا: بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ﴾ قال الأتباع للرؤساء: بل أنتم أحق بما قلتم. ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ أي الكفر. ﴿فَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ المقر وهو جهنم، فلنا ولكم النار.
﴿قالُوا﴾ أي الأتباع أيضا. ﴿عَذاباً ضِعْفاً﴾ مضاعفا أي ذا ضعف، بأن يزيد على العذاب مثله، فيصير ضعفين، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ﴾ [الأحزاب ٦٨/ ٣٣]. ﴿وَقالُوا﴾ أي الرؤساء الطاغون، وهم في النار. ﴿مِنَ الْأَشْرارِ﴾ الأراذل
стр. 6961
الذين لا خير فيهم، يريدون بهم فقراء المسلمين الذين يحتقرونهم ويسترذلونهم ويسخرون بهم.
﴿أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا﴾ استفهام إنكاري، إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في تسخيرهم في الدنيا، أي الأجل أنا قد اتخذناهم مسخرين في أعمالنا، ولم يكونوا كذلك، لم يدخلوا النار؟ وقرئ بضم السين، أي كنا نسخر بهم. ﴿أَمْ زاغَتْ﴾ مالت. ﴿عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ أي أم هم معنا، ولكن لم ترهم أعيننا، وهم فقراء المسلمين كعمار وبلال وصهيب وسلمان.
﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ﴾ ذلك الذي حكينا عنهم واجب وقوعه، لا بد أن يتكلموا به، ثم بيّن ما هو، فقال: ﴿تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ﴾ أي تنازعهم ومخاصمة بعضهم بعضا.
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى ثواب المتقين ومآل السعداء، وصف بعده عقاب الطاغين وحال الأشقياء المحرومين، ليتم التقابل والمقارنة بين الفريقين، ويقترن الوعد بالوعيد، فيقبل على الطاعة، ويجتنب المعصية، ويتحقق الهدف المنشود وهو الإصلاح والتهذيب.
التفسير والبيان:
﴿هذا، وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أي هذا المذكور هو جزاء المؤمنين، أو الأمر هذا كما ذكر، وإن للكافرين الخارجين عن طاعة الله ، المكذبين لرسله، لسوء منقلب ومرجع. ثم فسره بقوله :
﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ أي إنهم يدخلون جهنم ويلفحهم حرها من كل جانب، فبئس ما مهدوا لأنفسهم، وهو الفراش، أي بئس ما تحتهم من نار جهنم، مشبها النار بالمهاد، كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف ٤١/ ٧].
﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ﴾ أي هذا حميم فليذوقوه، أو العذاب هذا فليذوقوه، وهو أمرتهكم وسخرية بذوق العذاب، وهو ماء حار شديد الحرارة
стр. 6962
يشوي الجلود، وماء بارد مؤلم لا يستطاع شربه لشدة برودته، أو هو ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد.
﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ أي ولهم أنواع أخرى من العذاب مثل الحميم والغساق، أشد كراهية وإيلاما كالزقوم، والصعود والسّموم، والزمهرير، يعاقبون بها، من الشيء وضده. فقوله: ﴿أَزْواجٌ﴾ أي ألوان من العذاب المختلفة المتضادة.
ثم وصف الله تعالى كلام أهل النار مع بعضهم بعضا، فقال:
﴿هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ، إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ﴾ أي تقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة والزبانية: هذا جمع كبير داخل معكم، فلا مرحبا بهم، أي لا كرامة لهم، وهم يدخلون النار كما دخلناها، ويستحقونها كما استحققناها. والمراد من قولهم: ﴿لا مَرْحَباً بِهِمْ﴾ الدعاء عليهم. وهذا قول صادر من السادة أو الرؤساء والقادة عن الأتباع المنبوذين في الدنيا، والمراد به الإخبار من الله تعالى عن انقطاع المودة بين الكفار، بل إن المودة التي كانت بينهم تصير عداوة.
فيجيبهم الأتباع قائلين:
١ - ﴿بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ، أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا، فَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ أي قال الأتباع للرؤساء: بل أنتم لا كرامة لكم، وأنتم أحق بهذا منا، فإنكم أضللتمونا ودعوتمونا إلى هذا المصير وأوقعتمونا فيه، فبئس المقر جهنم لنا ولكم. والمراد من هذا الكلام التشفي منهم، كما قال تعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف ٣٨/ ٧].
٢ - ﴿قالُوا: رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النّارِ﴾ أي قال الأتباع أيضا عن الرؤساء داعين عليهم: ربنا عاقب الذين أوردونا هذا المورد في
стр. 6963
النار وقدموا لنا هذا العذاب عقابا مضاعفا في النار، عقابا على الكفر، وعقابا على الإضلال، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا، فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النّارِ قالَ: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي لكل منكم عذاب بحسبه [الأعراف ٣٨/ ٧ - ٣٩] وقال سبحانه: ﴿رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا، فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا، رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ، وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب ٦٧/ ٣٣ - ٦٨]. ويؤيده
الحديث الصحيح عند مسلم عن جرير بن عبد الله: «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها».
ثم تحدث الكفار عن أناس كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة، فقال تعالى:
﴿وَقالُوا: ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ؟﴾ أي قال المشركون بعضهم لبعض تعجبا وتحسرا: إننا نفتقد في النار رجالا كنا نعدهم في الدنيا أشرارا لا خير فيهم، فما لنا لا نراهم معنا في النار؟ يعنون في زعمهم فقراء المؤمنين، كعمّار وخبّاب وصهيب وبلال وسالم وسلمان.
قال مجاهد: هذا قول أبي جهل يقول: ما لي لا أرى بلالا وعمارا وصهيبا وفلانا وفلانا؟ وهذا ضرب مثل، وإلا فكل الكفار، هذا حالهم، يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار. فلما دخل الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم، فقالوا هذا القول.
﴿أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ أي الأجل أنا قد سخرناهم في الدنيا في أعمالنا، أو سخرنا منهم، وكانوا أهل الكرامة فأخطأنا، فلم يدخلوا النار، أم هم معنا ولكن لم نعلم مكانهم في النار؟ قال الحسن البصري: كل ذلك قد فعلوه، اتخذوهم سخريا، وزاغت عنهم أبصارهم، أي وهم في الجنة. وقوله:
﴿سِخْرِيًّا﴾ بضم السين وكسرها، قيل: هما بمعنى واحد، وقيل: بالكسر هو الهزء، وبالضم: هو التذليل والتسخير.
стр. 6964
وهذا إنكار على أنفسهم وتأنيب لها على اتخاذهم سخريا في الدنيا.
ثم أكد الله تعالى حدوث هذا التخاصم والتنازع قائلا:
﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ﴾ أي إن ذلك الذي حكاه الله عنهم لحق لا بدّ أن يتكلموا به، أو هذا الذي أخبرناك به يا محمد أمر واقع حتما يوم القيامة، وهو تخاصم أهل النار فيها، وما قالته الرؤساء للأتباع، وما قالته الأتباع لهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
ذكر الله تعالى ألوانا من العذاب في النار للكفار يوم القيامة، وتلك الألوان أو الأنواع هي ما يأتي:
١ - إن مصير الظالمين الكافرين شر مرجع ومآب ومنقلب يصيرون إليه.
٢ - إنهم يصلون جهنم، أي يدخلونها، وبئس ما مهدوا لأنفسهم، أو بئس الفراش لهم، وهو ما تحتهم من النار.
٣ - إن شرابهم الحميم والغسّاق، والحميم: الماء الحار الشديد الحرارة، والغساق: ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد.
٤ - لهم أصناف وألوان أخرى من العذاب كالزمهرير والسموم وأكل الزقوم والصعود والهوي، إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة، والجميع مما يعذبون به، ويهانون بسببه.
٥ - قال ابن عباس: إن القادة إذا دخلوا النار، ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة: ﴿هذا فَوْجٌ﴾ يعني الأتباع، والفوج: الجماعة ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أي داخل النار معكم، فقالت السادة: ﴿لا مَرْحَباً بِهِمْ﴾ أي لا اتسعت منازلهم في النار، والمراد به الدعاء. فقال القادة أو الملائكة: ﴿إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ﴾ كما صليناها.
стр. 6965
قال أبو حيان: والظاهر أن قوله: ﴿هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ من قول رؤسائهم بعضهم لبعض.
٦ - رد الأتباع على الرؤساء بقولهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ﴾ أنتم دعوتمونا إلى العصيان فبئس القرار لنا ولكم. وقالوا أيضا: ربنا من سوّغ لنا هذا وسنّه وتسبب في عذابنا هذا فضاعف عذابه، عذابا على الكفر، وعذابا على الإضلال.
وكل كلام من الفريقين فيه زيادة تبكيت وإيلام وإزعاج للفريق الآخر.
٧ - زعم الكفار في الدنيا أن أعداءهم في الدنيا وهم فقراء المؤمنين العرب أو الموالي غير العرب، كبلال وصهيب وسلمان من أهل النار، فافتقدوهم بحسب زعمهم في النار معهم، فلم يجدوهم، فلاموا أنفسهم على خطئهم باتخاذهم سخريا في الدنيا. وهذا لون آخر من التعذيب النفسي الداخلي.
قال مجاهد وغيره: يسألون أين عمار، أين صهيب، أين فلان، يعدون ضعفاء المسلمين، فيقال لهم: أولئك في الفردوس.
٨ - إن هذا التخاصم والتنازع الذي يزعج أهل النار أمر واقع حتما في النار، وهو حق ثابت، يجب الإيمان به.
بعض أدلة صدق النبي ص
﴿قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾
стр. 6966
الإعراب:
﴿قُلْ: هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾: ﴿هُوَ نَبَأٌ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة، و ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿مُعْرِضُونَ﴾، و ﴿عَنْهُ﴾ متعلق بالخبر وهو ﴿مُعْرِضُونَ﴾.
﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ﴿أَنَّما﴾ إما مرفوع نائب فاعل ل ﴿يُوحى﴾ وإما منصوب بتقدير حذف حرف الجر، أي بأنما أنا نذير، و ﴿إِلَيَّ﴾ يقوم مقام نائب الفاعل ل ﴿يُوحى﴾ والوجه الأول أوجه.
المفردات اللغوية:
﴿قُلْ﴾ يا محمد لكفار مكة. ﴿مُنْذِرٌ﴾ مخوف بالنار. ﴿الْقَهّارُ﴾ لخلقه. ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يغلب أو الغالب على أمره.
﴿الْغَفّارُ﴾ الذي يغفر ما يشاء من الذنوب لمن يشاء.
﴿قُلْ﴾ يا محمد للمشركين. ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ خبر مهم جدا. ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أي إن القرآن الذي أنبأتكم به وجئتكم فيه بما لا يعلم إلا بوحي هو مهم جدا، وأنتم معرضون عنه لتمادي غفلتكم، فإن العاقل لا يعرض عن مثله.
﴿بِالْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ الملائكة، وهم أشراف الخلق، أي ما كان لي من علم بكلام الملأ الأعلى.
﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شأن آدم حين قال الله: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة ٣٠/ ٢].
﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي ما يوحى إلي إلا أني بيّن الإنذار.
المناسبة:
هذه الآيات عود على بدء السورة الداعية إلى التوحيد وإثبات نبوة النبي ص، والمعاد، فهي تقرير للتوحيد، ووعد ووعيد للموحدين والمشركين بسبب الإعراض عن دعوة النبي محمد ص، وإثبات للبعث الذي يفصل فيه بين المؤمنين والكافرين بعد إنذار النبي ص في الدنيا بعقاب من أنكر التوحيد والنبوة والمعاد.
وهذا دليل على أن السورة إلى آخرها في أحسن وجوه الترتيب والنظم.
стр. 6967
التفسير والبيان:
﴿قُلْ: إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ﴾ أي قل أيها الرسول للكفار بالله، المشركين به من أهل مكة وغيرهم، المكذبين لرسوله ص: إنما أنا مخوف لكم من عقاب الله وعذابه، مبلّغ أحوال عقاب من أنكر التوحيد والنبوة والمعاد، مثل عقاب الأمم السابقة في الدنيا كعاد وثمود، وأحوال عذاب جهنم في الآخرة.
﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ أي ليس هناك إلا إله واحد لا شريك له، قهار لكل شيء سواه، قد قهر كل شيء وغلبه.
﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا، الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾ أي مالك جميع السموات والأرض وما بينهما من المخلوقات، ومتصرف فيه، وهو الذي يغلب ولا يغلب، فلا يغالبه مغالب إذا عاقب العصاة، وهو غفار الذنوب لمن أطاعه، ولمن شاء من عباده إذا تاب، ولمن التجأ إليه.
ثم توعدهم تعالى على مخالفة أمر الله تعالى ورسوله ص والإعراض عن القرآن، فقال:
﴿قُلْ: هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أي قل أيها الرسول لمشركي مكة وغيرهم: إن هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولا منذرا، وأن الله واحد لا شريك له، وأن القرآن وحي منزل من عند الله، هو خبر عظيم مهم جدا، لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة، فهو ينقذكم من الضلالة إلى النور، لكنكم أنتم معرضون عما أقول، لا تتفكرون فيه. وفي هذا توبيخ لهم وتقريع، لكونهم أعرضوا عنه، فعليهم العدول عن خطأهم.
ثم ذكر تعالى ما يدل على نبوة محمد ص، فقال:
﴿ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى، إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي ما كان لي قبل أن
стр. 6968
يوحى إلي علم باختلاف الملأ الأعلى في شأن آدم ﵇، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه في تفضيله عليه، فلولا الوحي من أين كنت أدري بتلك المغيبات.
﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي ما يوحى إلي إلا للإنذار الواضح، والتبليغ البيّن، لا لأمر آخر من تسلط أو ملك.
فقه الحياة أو الأحكام:
أبان الله تعالى في هذه الآيات بعض أدلة صدق النبي ص في نبوته، وأوضح بعض مهامه وواجباته.
أما مهمته: فهي إنذار من عصاه بالنار، وتخويف عقاب الله من أنكر التوحيد والنبوة والمعاد.
وكذلك تقرير التوحيد وهو أن لا إله إلا الله، المنزه عن الشريك والنظير، وأنه سبحانه القهار لكل شيء، وهذا يدل على كونه واحدا، وأن الذي جعل شريكا له لا يقدر على شيء أصلا، مثل هذه الأوثان والجمادات التي لا تضر ولا تنفع.
ولما كانت صفة ﴿الْقَهّارُ﴾ توجب الخوف الشديد، أردفه تعالى بذكر صفات ثلاث له دالة على الرحمة والفضل والكرم:
أولها-كونه ربا للسموات والأرض والعناصر الأربعة (الماء، والهواء، والنار، والتراب) والمواليد الثلاثة (الإنس والجن والحيوان).
ثانيها-كونه عزيزا (أي منيعا قويا لا مثل له) فهو قادر على كل الممكنات، فهو يغلب الكل ولا يغلبه شيء.
стр. 6969
ثالثها-كونه غفارا لذنوب عباده المطيعين المخلصين في العبادة.
والمنذر به: هو الحساب والثواب والعقاب والنبوة والقرآن، وهذا خبر عظيم القدر، فلا ينبغي أن يستخف به. وليس من مهام النبي التسلط أو التجبر أو تحقيق النفوذ.
وأما بعض أدلة النبوة وإنزال الوحي عليه: فهو ما يخبر عنه القرآن الكريم من أنباء الملأ الأعلى وهم الملائكة حين اختصموا في أمر آدم حين خلق فقالوا:
﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة ٣٠/ ٢] وقال إبليس:
﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف ١٢٠/ ٧] فهذا البيان من محمد ص عن قصة آدم وغيره من الغيبيات لا يتصور إلا بتأييد إلهي، وحينئذ قامت المعجزة على صدقه.
فما بالهم أعرضوا عن تدبر القرآن ليعرفوا صدقه.
وقوله: ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ترغيب في النظر والاستدلال في العقائد ومنع التقليد.
قصة آدم ﵇
﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاّ إِبْلِيسَ اِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾
стр. 6970
الإعراب:
﴿قالَ: فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ الحق الأول بالرفع: إما خبر مبتدأ محذوف وتقديره: أنا الحق أو فالحق قسمي أو مني، وإما مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: فالحق متى، ويقرأ بالنصب على تقدير فعل، تقديره: الزموا الحق أو اتبعوا الحق، أو بتقدير حذف حرف القسم، كقولك: الله لأفعلن، والدليل على أنه قسم: قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾.
و ﴿فَالْحَقُّ﴾ الثاني: منصوب ب ﴿أَقُولُ﴾ أي أقول الحق، وهو اعتراض بين القسم وجوابه.
وقرئ: فالحقّ والحقّ أقول، بالجر فيها على القسم، وإعمال حرف الجر في القسم مع الحذف، كما تقول: الله لأفعلن، (و) الله لأذهبن، وهي قراءة شاذة.
البلاغة:
﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ تأكيد بمؤكدين: لفظ كل، ولفظ ﴿أَجْمَعُونَ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ﴾ أي اذكر حين ذلك. ﴿إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ هو آدم.
﴿سَوَّيْتُهُ﴾ أتممته وعدّلت وأكملت خلقته. ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ وأحييته بنفخ الروح فيه، وأضاف الروح إلى نفسه لشرفه وطهارته، والروح: جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه.
﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ فخروا له أو اسقطوا له. ﴿ساجِدِينَ﴾ تكرمة وتبجيلا له، وهو سجود تحية بالانحناء، لا سجود عبادة.
﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ تأكيدان، الأول لإفادة العموم، والثاني لإفادة الاجتماع في السجود.
﴿إِبْلِيسَ﴾ هو أبو الجن، وكان من الملائكة. ﴿اِسْتَكْبَرَ﴾ تعاظم. ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ في علم الله، أو باستكباره عن أمر الله تعالى، واستنكافه عن الطاعة. ﴿ما مَنَعَكَ﴾ ما صرفك وصدك. ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ خلقته بنفسي من غير توسط أب وأم، واليد: القدرة، وهو تمثيل