الإعراب:
﴿قُلْ: هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾: ﴿هُوَ نَبَأٌ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة، و ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿مُعْرِضُونَ﴾، و ﴿عَنْهُ﴾ متعلق بالخبر وهو ﴿مُعْرِضُونَ﴾.
﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ﴿أَنَّما﴾ إما مرفوع نائب فاعل ل ﴿يُوحى﴾ وإما منصوب بتقدير حذف حرف الجر، أي بأنما أنا نذير، و ﴿إِلَيَّ﴾ يقوم مقام نائب الفاعل ل ﴿يُوحى﴾ والوجه الأول أوجه.
المفردات اللغوية:
﴿قُلْ﴾ يا محمد لكفار مكة. ﴿مُنْذِرٌ﴾ مخوف بالنار. ﴿الْقَهّارُ﴾ لخلقه. ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يغلب أو الغالب على أمره.
﴿الْغَفّارُ﴾ الذي يغفر ما يشاء من الذنوب لمن يشاء.
﴿قُلْ﴾ يا محمد للمشركين. ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ خبر مهم جدا. ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أي إن القرآن الذي أنبأتكم به وجئتكم فيه بما لا يعلم إلا بوحي هو مهم جدا، وأنتم معرضون عنه لتمادي غفلتكم، فإن العاقل لا يعرض عن مثله.
﴿بِالْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ الملائكة، وهم أشراف الخلق، أي ما كان لي من علم بكلام الملأ الأعلى.
﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شأن آدم حين قال الله: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة ٣٠/ ٢].
﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي ما يوحى إلي إلا أني بيّن الإنذار.
المناسبة:
هذه الآيات عود على بدء السورة الداعية إلى التوحيد وإثبات نبوة النبي ص، والمعاد، فهي تقرير للتوحيد، ووعد ووعيد للموحدين والمشركين بسبب الإعراض عن دعوة النبي محمد ص، وإثبات للبعث الذي يفصل فيه بين المؤمنين والكافرين بعد إنذار النبي ص في الدنيا بعقاب من أنكر التوحيد والنبوة والمعاد.
وهذا دليل على أن السورة إلى آخرها في أحسن وجوه الترتيب والنظم.
стр. 6967
التفسير والبيان:
﴿قُلْ: إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ﴾ أي قل أيها الرسول للكفار بالله، المشركين به من أهل مكة وغيرهم، المكذبين لرسوله ص: إنما أنا مخوف لكم من عقاب الله وعذابه، مبلّغ أحوال عقاب من أنكر التوحيد والنبوة والمعاد، مثل عقاب الأمم السابقة في الدنيا كعاد وثمود، وأحوال عذاب جهنم في الآخرة.
﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ أي ليس هناك إلا إله واحد لا شريك له، قهار لكل شيء سواه، قد قهر كل شيء وغلبه.
﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا، الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾ أي مالك جميع السموات والأرض وما بينهما من المخلوقات، ومتصرف فيه، وهو الذي يغلب ولا يغلب، فلا يغالبه مغالب إذا عاقب العصاة، وهو غفار الذنوب لمن أطاعه، ولمن شاء من عباده إذا تاب، ولمن التجأ إليه.
ثم توعدهم تعالى على مخالفة أمر الله تعالى ورسوله ص والإعراض عن القرآن، فقال:
﴿قُلْ: هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أي قل أيها الرسول لمشركي مكة وغيرهم: إن هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولا منذرا، وأن الله واحد لا شريك له، وأن القرآن وحي منزل من عند الله، هو خبر عظيم مهم جدا، لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة، فهو ينقذكم من الضلالة إلى النور، لكنكم أنتم معرضون عما أقول، لا تتفكرون فيه. وفي هذا توبيخ لهم وتقريع، لكونهم أعرضوا عنه، فعليهم العدول عن خطأهم.
ثم ذكر تعالى ما يدل على نبوة محمد ص، فقال:
﴿ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى، إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي ما كان لي قبل أن
стр. 6968
يوحى إلي علم باختلاف الملأ الأعلى في شأن آدم ﵇، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه في تفضيله عليه، فلولا الوحي من أين كنت أدري بتلك المغيبات.
﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي ما يوحى إلي إلا للإنذار الواضح، والتبليغ البيّن، لا لأمر آخر من تسلط أو ملك.
فقه الحياة أو الأحكام:
أبان الله تعالى في هذه الآيات بعض أدلة صدق النبي ص في نبوته، وأوضح بعض مهامه وواجباته.
أما مهمته: فهي إنذار من عصاه بالنار، وتخويف عقاب الله من أنكر التوحيد والنبوة والمعاد.
وكذلك تقرير التوحيد وهو أن لا إله إلا الله، المنزه عن الشريك والنظير، وأنه سبحانه القهار لكل شيء، وهذا يدل على كونه واحدا، وأن الذي جعل شريكا له لا يقدر على شيء أصلا، مثل هذه الأوثان والجمادات التي لا تضر ولا تنفع.
ولما كانت صفة ﴿الْقَهّارُ﴾ توجب الخوف الشديد، أردفه تعالى بذكر صفات ثلاث له دالة على الرحمة والفضل والكرم:
أولها-كونه ربا للسموات والأرض والعناصر الأربعة (الماء، والهواء، والنار، والتراب) والمواليد الثلاثة (الإنس والجن والحيوان).
ثانيها-كونه عزيزا (أي منيعا قويا لا مثل له) فهو قادر على كل الممكنات، فهو يغلب الكل ولا يغلبه شيء.
стр. 6969
ثالثها-كونه غفارا لذنوب عباده المطيعين المخلصين في العبادة.
والمنذر به: هو الحساب والثواب والعقاب والنبوة والقرآن، وهذا خبر عظيم القدر، فلا ينبغي أن يستخف به. وليس من مهام النبي التسلط أو التجبر أو تحقيق النفوذ.
وأما بعض أدلة النبوة وإنزال الوحي عليه: فهو ما يخبر عنه القرآن الكريم من أنباء الملأ الأعلى وهم الملائكة حين اختصموا في أمر آدم حين خلق فقالوا:
﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة ٣٠/ ٢] وقال إبليس:
﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف ١٢٠/ ٧] فهذا البيان من محمد ص عن قصة آدم وغيره من الغيبيات لا يتصور إلا بتأييد إلهي، وحينئذ قامت المعجزة على صدقه.
فما بالهم أعرضوا عن تدبر القرآن ليعرفوا صدقه.
وقوله: ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ترغيب في النظر والاستدلال في العقائد ومنع التقليد.
قصة آدم ﵇
﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاّ إِبْلِيسَ اِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾
стр. 6970
الإعراب:
﴿قالَ: فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ الحق الأول بالرفع: إما خبر مبتدأ محذوف وتقديره: أنا الحق أو فالحق قسمي أو مني، وإما مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: فالحق متى، ويقرأ بالنصب على تقدير فعل، تقديره: الزموا الحق أو اتبعوا الحق، أو بتقدير حذف حرف القسم، كقولك: الله لأفعلن، والدليل على أنه قسم: قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾.
و ﴿فَالْحَقُّ﴾ الثاني: منصوب ب ﴿أَقُولُ﴾ أي أقول الحق، وهو اعتراض بين القسم وجوابه.
وقرئ: فالحقّ والحقّ أقول، بالجر فيها على القسم، وإعمال حرف الجر في القسم مع الحذف، كما تقول: الله لأفعلن، (و) الله لأذهبن، وهي قراءة شاذة.
البلاغة:
﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ تأكيد بمؤكدين: لفظ كل، ولفظ ﴿أَجْمَعُونَ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ﴾ أي اذكر حين ذلك. ﴿إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ هو آدم.
﴿سَوَّيْتُهُ﴾ أتممته وعدّلت وأكملت خلقته. ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ وأحييته بنفخ الروح فيه، وأضاف الروح إلى نفسه لشرفه وطهارته، والروح: جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه.
﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ فخروا له أو اسقطوا له. ﴿ساجِدِينَ﴾ تكرمة وتبجيلا له، وهو سجود تحية بالانحناء، لا سجود عبادة.
﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ تأكيدان، الأول لإفادة العموم، والثاني لإفادة الاجتماع في السجود.
﴿إِبْلِيسَ﴾ هو أبو الجن، وكان من الملائكة. ﴿اِسْتَكْبَرَ﴾ تعاظم. ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ في علم الله، أو باستكباره عن أمر الله تعالى، واستنكافه عن الطاعة. ﴿ما مَنَعَكَ﴾ ما صرفك وصدك. ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ خلقته بنفسي من غير توسط أب وأم، واليد: القدرة، وهو تمثيل
стр. 6971
للخلق المستقل وللدلالة على أنه معتنى بخلقه، فهذا تشريف لآدم، فإن كل مخلوق تولى الله خلقه.
﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ؟﴾ أي تكبرت الآن عن السجود من غير استحقاق، أم كنت من المتكبرين المتفوقين المستحقين للترفع عن طاعة الله، فتكبرت عن السجود، لكونك منهم، وهو استفهام توبيخ.
﴿قالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ إبداء للمانع. ﴿فَاخْرُجْ مِنْها﴾ من الجنة أو من السموات.
﴿رَجِيمٌ﴾ مرجوم مطرود من الرحمة. ﴿لَعْنَتِي﴾ طردي. ﴿فَأَنْظِرْنِي﴾ فأمهلني. ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يبعث الناس. ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ وقت النفخة الأولى. ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ بسلطانك وقهرك. ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ لأضلنهم. ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ المؤمنين الذين أخلصتهم للعبادة وعصمتهم من الضلالة.
﴿فَالْحَقُّ﴾ المراد بالحق: إما اسمه أو الحق الذي هو نقيض الباطل، عظمه الله باقسامه به، أي فالحق مني أو فالحق قسمي، وجواب القسم: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾. ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ أحق الحق وأقوله. ﴿مِنْكَ﴾ أي من ذريتك وجنسك. ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي من ذرية آدم.
المناسبة:
هذه هي القصة الأخيرة في هذه السورة، وقد ذكرت في سور: البقرة، والأعراف، والحجر، والإسراء، والكهف. والمقصود منها منع الحسد والكبر، لأن امتناع إبليس عن السجود كان بسبب الحسد والكبر، والكفار إنما نازعوا محمدا ص بسبب الحسد والكبر، وذكرت هنا لتكون زاجرا للكفار عن هاتين الخصلتين المذمومتين.
التفسير والبيان:
﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ أي اذكر يا محمد قصة خلق آدم أبي البشر، حين قال الله للملائكة: إني سأخلق بشرا هم آدم وذريته، ﴿مِنْ طِينٍ﴾ تراب مخلوط بالماء، كما في آية أخرى: ﴿مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر ٢٦/ ١٥].
стр. 6972
﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي، فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ أي فإذا أتممت خلقه وعدلته وأكملته، وجعلته حيا بعد أن كان جمادا لا حياة فيه، فاسجدوا له، أي سجود التحية والتكريم، لا سجود العبادة. وهو أمر واجب بالسجود. والنفخ تمثيل لإفاضة مادة الحياة فيه، فليس هناك نافخ ولا منفوخ.
﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ أي فامتثل الملائكة كلهم لأمر الله، وسجدوا عن آخرهم، ما بقي منهم ملك إلا سجد، وسجدوا مجتمعين في آن واحد، لا متفرقين.
﴿إِلاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ أي سجد الملائكة كلهم إلا إبليس امتنع مستكبرا متعاظما ولم يكن من الساجدين، جهلا منه بأنه طاعة، وكان استكباره استكبار كفر، فصار من الكافرين بمخالفة أمر الله وأنفته من السجود واستكباره عن طاعة الله، أو إنه كان من الكافرين في علم الله.
﴿قالَ: يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾ قال الله له: يا إبليس ما الذي صرفك وصدك عن السجود لآدم، الذي توليت بنفسي خلقه من غير واسطة أب وأم، هل استكبرت عن السجود الآن، أم أنك كنت من القوم المتعالين عن ذلك؟ والمراد إنكار الأمرين معا.
فأجاب قائلا:
﴿قالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ، وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ أي إنني خير من آدم، فإني مخلوق من نار، وآدم مخلوق من طين، والنار خير وأشرف من الطين في زعمه، لما فيها من صفة الارتفاع والعلو، وأما التراب فهو خامد هابط لا ارتفاع فيه.
﴿قالَ: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ قال الله تعالى: فاخرج من الجنة أو
стр. 6973
من السموات أو من زمرة الملائكة، فإنك مرجوم بالكواكب، مطرود من رحمة الله ومحل أنسه ومن كل خير.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ أي وإن طردي مستمر دائم ما دامت الدنيا إلى يوم الجزاء والقيامة، ثم في الآخرة يلقى من عذاب الله وعقوبته وسخطه ما هو به حقيق.
﴿قالَ: رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي قال إبليس: رب أمهلني حيا، ولا تعاجلني بالإماتة إلى اليوم الذي يبعث فيه الناس، أي آدم وذريته بعد موتهم. طلب هذا ليوسوس لآدم وذريته، فيثأر من آدم الذي كان سببا لطرده من رحمة الله.
﴿قالَ: فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ قال الله تعالى:
فإنك من الممهلين، إلى اليوم الذي قدره الله لفناء الخلائق، وهو عند النفخة الأولى. وقد طلب إبليس الإنظار (الإمهال) إلى يوم البعث، ليتخلص من الموت، لأنه إذا أنظر إلى يوم البعث، لم يمت، فأنظره الله إلى وقت الصعق لا إلى البعث. فلما أمن الهلاك تمرد وطغى وتحدى قائلا:
﴿قالَ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي فإني أقسم بعزتك (سلطانك وقهرك) أن أضل بني آدم بتزيين الشهوات لهم، وإدخال الشبه عليهم، إلا الذين أخلصتهم لطاعتك، وعصمتهم من الضلالة والهوى والشيطان، فهؤلاء لا أقدر على إضلالهم وإغوائهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ [الحجر ٤٢/ ١٥].
فأجابه الله تعالى:
﴿قالَ: فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾
стр. 6974
أي قال الله: أنا الحق أو الحق مني ملء جهنم من إبليس وأتباعه، وأقول الحق:
لأملأن جهنم من جنسك من الشياطين، وممن تبعك من ذرية آدم، فأطاعوك إذ دعوتهم إلى الضلال والغواية. فهذا قسم من الله تعالى لإبليس أنه سيدخله وأتباعه النار حتى تمتلئ منهم. وقال الزمخشري: ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ أي ولا أقول إلا الحق، على حكاية لفظ المقسم به، ومعناه التوكيد والتسديد.
فقه الحياة أو الأحكام:
قصة آدم ﵇ هذه مع إبليس اللعين: تصوير بالغ للأمر الإلهي، وبيان مدى طاعته، وتقرير العقاب على المخالف، وعناصر القصة هي:
-لقد أخبر الله الملائكة أنه سيخلق بشرا من التراب، فإذا خلقه وأحياه، فيجب عليكم أن تسجدوا له إكراما وتحية، لا عبادة وتأليها.
-فامتثل الملائكة وسجدوا كلهم مجتمعين لآدم خضوعا له وتعظيما لله بتعظيمه إلا إبليس الذي كان من جنس الجن، فخانه طبعه وجبلته، فأنف من السجود لآدم، جهلا بأن السجود له طاعة لله، والأنفة من طاعة الله استكبارا كفر، ولذلك كان من الكافرين باستكباره عن أمر الله تعالى.
-سأله ربه سؤال تقرير وتوبيخ عن سبب امتناعه من السجود لما خلق الله، أكان ذلك استكبارا عن السجود أم كان من المتكبرين على ربه، فتكبر لهذا؟ -أجاب إبليس بأنه خير من آدم، لأنه مخلوق من النار وآدم مخلوق من الطين، والنار في زعمه أشرف من الطين لما فيها من خاصية الارتفاع والاندفاع والتعالي. وهذا جهل منه، لأن الجواهر أو العناصر متجانسة متساوية، فقاس وأخطأ القياس.
стр. 6975
-كان عقابه الإخراج من الجنة، والرجم بالكواكب والشهب، والطرد والإبعاد من رحمة الله إلى يوم القيامة، لأن اللعن منقطع حينئذ.
-أراد الملعون ألا يموت، فطلب تأخيره إلى يوم البعث، فلم يجبه الله إلى ذلك، وإنما أخره إلى الوقت المعلوم، وهو يوم يموت الخلق فيه، فأخّر إليه استهانة به.
-لما أمن إبليس الهلاك طغى وتمرد وتحدى ربه، وأقسم بعزة الله أنه يضل بني آدم بتزيين الشهوات والمعاصي، وإدخال الشبه عليهم، ودعوتهم إلى المعاصي، وقد علم أنه لا يتمكن إلا من الوسوسة، ولا يفسد إلا من كان لا يصلح لو لم يوسوسه.
لهذا استثنى من تسلطه عباد الله الذين أخلصهم لطاعته وعبادته وعصمهم منه.
-أقسم الله بذاته، وأخبر أنه لا يقول إلا الحق أنه سيملأ جهنم من إبليس وأتباعه، عقابا على مخالفتهم أوامر الله، وإصرارهم على ارتكاب المعاصي.
حال الداعي وحال الدعوة ومعجزة القرآن
﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾
الإعراب:
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ أصله: (لتعلمون) إلا أنه لما اتصلت به نون التوكيد الثقيلة أوجبت بناءه، لأنها أكدت الفعلية، فردته إلى أصله في البناء، فحذفت النون، فاجتمع ساكنان: الواو والنون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة قبلها. والمعنى: لتعرفنّ، لذا تعدى إلى مفعول واحد. واللام: لام قسم مقدر، أي والله لتعلمن.
стр. 6976
المفردات اللغوية:
﴿ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة والوحي والقرآن. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ جعل أو عوض.
﴿الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ المتقولين القرآن من تلقاء نفسي أو المتصنعين المتحلين بما ليسوا من أهله، فأنتحل النبوة والقول على الله. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ما القرآن إلا عظة بليغة للإنس والجن والعقلاء، دون الملائكة.
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ لتعرفن يا كفار مكة وغيركم خبر صدقه وعاقبة خبره وهو ما فيه من الوعد والوعيد، بإتيانه يوم القيامة، وذلك لمن آمن به ومن أعرض عنه.
المناسبة:
هذه خاتمة شريفة لهذه السورة، يتبين فيها حال الداعي وهو الرسول ص وهو أنه لا يأخذ أجرا ومالا على هذه الدعوة، ويظهر فيها كيفية الدعوة وهي أنها لا تقوّل فيها وإنما هي وحي من عند الله، ودين يشهد بصحته العقل، وتتحدد فيها مهمة القرآن بأنه عظة للعالمين، وستظهر معجزته ووعده ووعيده يوم القيامة.
التفسير والبيان:
﴿قُلْ: ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ، وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين من قومك: ما أطلب منكم من جعل أو مال تعطونيه على تبليغ رسالتي ووحي الله والنصح بالقرآن وغيره من الوحي، وما أنا من المتقوّلين على الله، حتى أقول ما لا أعلم، أو أدعوكم إلى غير ما أمرني الله بالدعوة إليه.
والتكلف: التصنع والتقول والاختلاق.
﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أي ما هذا القرآن، أو ما أدعوكم إليه إلا موعظة للخلق أجمعين، والعاقل من يشهد بصحته. و ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ الإنس والجن. ونحو الآية: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩/ ٦] وقوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود ١٧/ ١١].
стр. 6977
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ لتعرفن أيها الكفار خبره وصدقه، من الدعوة إلى الله وتوحيده، والترغيب في الجنة، والتحذير من النار، بعد زمان قريب، إما بعد الموت، وإما يوم القيامة. قال الحسن البصري: يا ابن آدم، عند الموت يأتيك الخبر اليقين.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - لم يطلب النبي ص على تبليغ دعوته عوضا ماديا، ولم ينشد تحقيق مكسب مالي أو مطمع دنيوي كالحكم والسلطة والجاه، وهذا دليل على صدقه في نبوته، لأن من الظاهر أن الكذاب لا بدّ من أن يظهر طمعه في طلب الدنيا، وكان ص بعيدا عن الدنيا، عديم الرغبة فيها.
٢ - لم يكن النبي ص متكلفا متقوّلا ولا متخرّصا ما لم يؤمر به من عند ربه، فهو مبلّغ وحي الله بأمانة متناهية دون زيادة ولا نقص. أخرج الشيخان في صحيحيهما عن عبد الله بن مسعود قال: يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله قال لنبيكم ص: ﴿قُلْ: ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾.
وأخرج ابن عدي عن أبي برزة قال: قال رسول الله ص: «ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: هم الرحماء بينهم، قال: ألا أنبئكم بأهل النار؟ قلنا: بلى، قال: هم الآيسون القانطون الكذابون المتكلّفون».
٣ - تتلخص دعوة النبي ص في أصول ثمانية، هي الأصول المعتبرة في دين الله، ويشهد بصحتها كل ذي عقل سليم وطبع مستقيم وهي:
стр. 6978
أولا-الدعوة إلى الإقرار بوجود الله.
ثانيا-الدعوة إلى تنزيه الله وتقديسه عن كل ما لا يليق به: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١/ ٤٢].
ثالثا-الإقرار بكونه تعالى موصوفا بكمال العلم والقدرة والحكمة والرحمة.
رابعا-الإقرار بكونه منزها عن الشركاء والأضداد.
خامسا-الامتناع عن عبادة الأوثان التي هي مجرد جمادات، ولا منفعة في عبادتها، ولا مضرة في الإعراض عنها.
سادسا-تعظيم الأرواح الطاهرة المقدسة، وهم الملائكة والأنبياء.
سابعا-الإقرار بالبعث والقيامة ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم ٣١/ ٥٣].
ثامنا-الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة (١).
٤ - إن ما دعا إليه النبي ص من الوعد والوعيد والإيمان بالقرآن هو عظة بليغة للعالمين، أي الجن والإنس.
وسيعلم الكفار نبأ الذكر وهو القرآن أنه حق وصدق بعد زمان قريب، إما بعد الموت وإما يوم القيامة.
стр. 6979
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الزّمر
مكيّة، وهي خمس وسبعون آية.
تسميتها:
سميت سورة الزمر لأن الله تعالى ذكر في آخرها زمرة الكفار الأشقياء مع الإذلال والاحتقار [٧١ - ٧٢] وزمر المؤمنين السعداء مع الإجلال والإكرام [٧٣ - ٧٥].
مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بما قبلها وهي سورة ص من وجهين:
الأول-إنه تعالى ختم سورة ص واصفا القرآن بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ وابتدأ هذه السورة بقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ فكأنه قيل: هذا الذكر تنزيل، فهما كالآية الواحدة، بينهما اتصال وتلاحم شديد.
الثاني-ذكر تعالى في آخر ص قصة خلق آدم ﵇، وذكر في القسم الأول من هذه السورة أحوال الخلق من المبدأ إلى المعاد، متصلا بخلق آدم المذكور في السورة المتقدمة.
стр. 6980
مشتملاتها:
موضوع هذه السورة الحديث عن التوحيد وأدلة وجود الله ووحدانيته، وعن الوحي والقرآن العظيم.
ابتدأت هذه السورة ببيان تنزيل القرآن الكريم من الله تعالى على رسوله ص، وأمر الرسول ص بإخلاص الدين لله، وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقات، وتوضيح شبهة المشركين في اتّخاذ الأصنام آلهة شفعاء، وعبادتها وسيلة إلى الله تعالى، والنّعي عليهم في عبادة الأوثان.
وأردفت ذلك بإقامة الأدلة على وحدانية الله، من خلق السموات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر، وخلق الإنسان في أطوار مختلفة متعاقبة، ثم نددت بطبيعة المشرك وتناقضه حين يدعو الله حال الضر، وينساه حال الرخاء. ثم عادت لإيراد بعض هذه الأدلة كإنزال المطر وإنبات النبات.
ثم ذكرت مقارنة بين المؤمنين وبين الكافرين، حيث يسعد الأوائل في الدنيا والآخرة، ويشقى الآخرون فيهما، ويتمنون الفداء حين يرون العذاب.
وأشادت بعظمة القرآن الكريم حيث تقشعر من آياته جلود المؤمنين الخائفين، ثم تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله، على عكس المشركين الذين تنقبض قلوبهم عند سماع توحيد الله، كما أن القرآن يتضمن أمثالا للناس لعلهم يتذكرون.
ومن هذه الأمثال يتضح الفرق بين من يعبد إلها واحدا، وبين من يعبد آلهة متعددة لا تسمع ولا تجيب، كالعبد المملوك لسيد واحد، والمملوك لعدة شركاء متخاصمين فيه. ثم رد تعالى على المشركين الذين يتخذون الأصنام شفعاء من دون الله، ولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون.
стр. 6981
وأخبر الله تعالى عن موت النّبي ص وموت أصحابه، وأن الله هو المهيمن على الأرواح، فيتوفّى بعضها في أجلها، ويترك بعضها إلى أجل آخر.
ثم فتح باب الأمل أمام المسرفين، ووعدهم بمغفرة ذنوبهم إذا تابوا، وأوضح ما يرى على وجوه الذين كذبوا على الله أهل النار يوم القيامة من كآبة وحزن.
وأعقب ذلك ببيان أحوال القيامة، وحدوث نفختين: الأولى للإماتة، والثانية للإحياء من القبور، ثم يأتي الحساب والقضاء بالحق، وإيفاء كل نفس ما عملت.
وختمت السورة بتقسيم الناس يوم القيامة فريقين: فريق الكافرين الذين يساقون زمرا وجماعات إلى جهنم، ويشاهدون من أهوال المحشر، وفريق المؤمنين الذين يساقون إلى الجنان وتحييهم الملائكة، ويشاهدون في الجنة النعيم المقيم الذي يستدعي الحمد التام لله رب العالمين، ويرون الملائكة حافين حول العرش يسبحون بحمد ربهم.
فضلها:
أخرج النسائي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ص يصوم حتى نقول: ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان ص يقرأ في كل ليلة: بني إسرائيل-أي الإسراء-والزّمر.
стр. 6982
مصدر القرآن والأمر بالعبادة الخالصة لله تعالى
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ (٣) لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٤)﴾
الإعراب:
﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾: مبتدأ، و ﴿مِنَ اللهِ﴾: خبره، ويجوز كونه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا تنزيل. وقرئ ﴿تَنْزِيلُ﴾ بالنصب، على إضمار فعل نحو اقرأ أو الزم.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ.﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره:
يقولون: ما نعبدهم، ويجوز جعل الخبر: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. ويكون «يقولون» المحذوف حال في ضمير ﴿اِتَّخَذُوا﴾ تقديره: والذين اتخذوا من دونه أولياء قائلين: ما نعبدهم. وجملة ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ في موضع نصب ب «يقولون» المقدر، لأن الجمل تقع بعد القول محكية في موضع نصب.
المفردات اللغوية:
﴿الْكِتابِ﴾ القرآن ﴿الْعَزِيزِ﴾ القوي في ملكه ﴿الْحَكِيمِ﴾ في صنعه، يضع الأشياء في موضعها المناسب ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ بالحق متعلق ب ﴿أَنْزَلْنا﴾ أي ملتبسا بالحق، قائما عليه، أو بسبب إثبات الحق وإظهاره وتفصيله ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ ممحضا له الدين، خاليا من الشرك والرياء، أي موحدا الله.
стр. 6983
﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾ أي لله وحده الدين صافيا نقيا، لا يستحقه غيره، لأنه المنفرد بصفات الألوهية والاطلاع على الأسرار والضمائر. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ أي المتخذون من دون الله نصراء وهم كفار مكة الذين اتخذوا الأصنام آلهة. ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ يقولون: ما نعبدهم.
﴿زُلْفى﴾ قربى، مصدر بمعنى التقريب. ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ وبين المسلمين. ﴿فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين، فيدخل المؤمنين الجنة، والكافرين النار.
﴿لا يَهْدِي﴾ لا يوفق للاهتداء إلى الحق. ﴿مَنْ هُوَ كاذِبٌ﴾ في نسبة الولد إليه.
﴿كَفّارٌ﴾ شديد الكفر بعبادته غير الله.
﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ كما قال المشركون: ﴿اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً﴾. ﴿لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ لاختار من خلقه ما يشاء غير ما قالوا: إن الملائكة بنات الله، وعزيز ابن الله، والمسيح ابن الله. ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيها له عن اتخاذ الولد. ﴿الْقَهّارُ﴾ القاهر كل شيء من خلقه.
سبب النزول:
نزول الآية (٣):
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾: أخرج جويبر عن ابن عباس في هذه الآية قال:
أنزلت في ثلاثة أحياء: عامر وكنانة وبني سلمة، كانوا يعبدون الأوثان، ويقولون: الملائكة بناته، فقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.
التفسير والبيان:
﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ أي هذا الكتاب العظيم وهو القرآن تنزيل من الله تعالى، العزيز الذي لا يغلب ولا يعجزه شيء، الحكيم في صنعه، يضع الأشياء في مواضعها المناسبة، فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، كما قال : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى قَلْبِكَ، لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٢/ ٢٦ - ١٩٥] وقال ﵎: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت ٤١/ ٤١ - ٤٢].
стр. 6984
﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ أي إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن مقترنا بالحق، أي إن كل ما فيه حق، من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف الشرعية، ولم ننزله باطلا لغير شيء.
﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ فاعبد الله وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا نصلح العبادة إلا لله وحده، وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد. والإخلاص: أن يقصد العبد بعمله وجه الله سبحانه، ولا يقصد شيئا آخر. والدين: العبادة والطاعة، ورأسها توحيد الله، واعتقاد أنه لا شريك له. ولهذا قال تعالى مؤكدا هذا المعنى:
﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾ أي ألا لله العبادة والطاعة الخالصة من شوائب الشرك والرياء وغيره. وأما ما سواه من الدين فليس بدين الله الخالص الذي أمر به، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له.
وقوله: ﴿أَلا لِلّهِ﴾ يفيد الحصر، أي أن يثبت الحكم في المذكور، وينتفي عن غيره.
وإذا كان رأس العبادة الإخلاص لله، فطريق المشركين مذموم، كما قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ، ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ أي وأما المشركون الذين والوا غير الله تعالى، وهي الأصنام التي عبدوها من دونه، فيقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله تقريبا، ويشفعوا لنا عنده في حوائجنا.
وهؤلاء عاقبتهم وخيمة كما قال تعالى مهددا لهم:
﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي إن الله يحكم بين أهل الأديان
стр. 6985
يوم القيامة، ويفصل في خلافاتهم، ويجزي كل عامل بعمله، فيدخل المخلصين الموحدين الجنة، ويدخل المشركين النار.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ أي إن الله لا يرشد لدينه، ولا يوفق للاهتداء إلى الحق، من هو كاذب مفتر على الله، في زعمه أن لله ولدا، وأن الآلهة تشفع له وتقربه إلى الله، مغال في كفره باتخاذ الأصنام آلهة، وجعلها شركاء لله، من غير دليل عقلي ولا نقلي مقبول.
ثم رد الله تعالى على زعمهم اتخاذ الله ولدا، فقال:
﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أي لو شاء الله اتخاذ ولد، وهو لا يحتاج لذلك، لاختار من جملة خلقه ما يشاء أن يختاره، ولكان الأمر على خلاف ما يزعمون، فيختار أكمل الأولاد وهم الأبناء، لا البنات كما زعموا، إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوق له، ولا يصح أن يكون المخلوق ولدا للخالق، فلم يبق إلا أن يختار ما يريد هو، لا ما يزعمون.
ثم نزّه الله تعالى نفسه عن اتخاذ الولد، فقال:
﴿سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ أي تنزه الله وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي يفتقر إليه كل شيء، وهو الغني عما سواه، قهر الأشياء فدانت له وخضعت وذلت، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الأحكام التالية:
١ - إن القرآن العظيم تنزيل من رب العالمين، وكل ما فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف حق لا مرية فيه، وصدق يجب العمل
стр. 6986
به. والدليل على نزوله من عند الله: أن الفصحاء عجزوا عن معارضته، ولو لم يكن معجزا، لأنه كلام الله الموحى به إلى رسوله ص، لما عجزوا عن معارضته.
٢ - العبادة والطاعة لا تكون إلا لله وحده، فلله الدين الخالص الذي لا يشوبه شيء.
روى أبو هريرة ﵁: أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أتصدق بالشيء، وأصنع الشيء، أريد به وجه الله، وثناء الناس، فقال رسول الله ص: «والذي نفس محمد بيده لا يقبل الله شيئا شورك فيه» ثم تلا رسول الله ص: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾.
وروى ابن جرير عن أبي هريرة حديثا قدسيا بلفظ: «من عمل عملا أشرك فيه غيري، فهو له كله، وأنا أغنى الشركاء عن الشرك».
٣ - قال ابن العربي عن آية: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾: هي دليل على وجوب النية في كل عمل، وأعظمه الوضوء الذي هو شطر الإيمان، خلافا لأبي حنيفة والوليد بن مسلم عن مالك اللذين يقولان: إن الوضوء يكفي من غير نية، وما كان ليكون من الإيمان شطره، ولا ليخرج الخطايا من بين الأظافر والشعر، بغير نية (١).
٤ - اعتمد المشركون في عبادتهم الأصنام واتخاذها شفعاء عند الله على وهم لا يعتمد أصلا على أساس مقبول من العقل والنقل، إذ كيف يعقل أن تكون الأصنام والجمادات وسيلة تقرب إلى الله؟ وكذلك لا يعقل أن تكون هذه الأصنام تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية، أو تماثيل الأنبياء والصالحين الذين مضوا، ويكون المقصود من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى من جعلت تماثيل لها، لأن هذه المخلوقات عاجزة عن جلب الخير لنفسها أو دفع الضر عنها، فكيف تحقق ذلك لغيرها؟!!
стр. 6987
ويلاحظ أن ظاهرة الشرك قديمة، وجاءت الرسل لتفنيدها وإبطالها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ، وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦/ ١٦] والطاغوت: كل ما عبد من دون الله من الأوثان وغيرها، وقال سبحانه: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا، فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥/ ٢١].
٥ - أجاب الله تعالى عن شبهة المشركين مقتصرا في الجواب على مجرد التهديد، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي إن الله يحكم بين أهل الأديان يوم القيامة، فيجازي كلا بما يستحق.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ أي إن الله لا يوفق للدين الذي ارتضاه، وهو دين الإسلام، ولا يرشد إلى الهداية من كذب على الله وافترى عليه، وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه.
٦ - أبان الله تعالى بعدئذ أنه لا ولد له كما يزعم جهلة المشركين في الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى، فلو أراد تعالى أن يسمي أحدا من خلقه بأنه ولد، ما جعله إليهم، سبحانه، أي تنزه وتقدس ربنا عن الولد، فهو الله الواحد الأحد، القهار لكل شيء.
من أدلة التوحيد وكمال القدرة وكمال الاستغناء
﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾
стр. 6988
الإعراب:
﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ متعلق ب ﴿خَلَقَ﴾.
﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ، لَهُ الْمُلْكُ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ ﴿ذلِكُمُ﴾: مبتدأ، و ﴿رَبُّكُمْ﴾: خبره، و ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾: خبر آخر، و ﴿الْمُلْكُ﴾: مرفوع بالجار والمجرور، وتقديره: ذلكم ربكم كائن له الملك. و ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ فيه وجهان: الرفع على أنه خبر آخر للمبتدأ، والنصب على أنه منصوب على الحال، وتقديره: منفردا بالوحدانية.
البلاغة:
﴿تَكْفُرُوا﴾ ﴿تَشْكُرُوا﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ﴾ يلقي هذا على هذا، والتكوير: اللف على الجسم المستدير، وهذا يدل على كروية الأرض، ومنه كوّر المتاع والعمامة: ألقى بعضه على بعض ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ذلل وطوع، وجعلهما منقادين له ﴿يَجْرِي﴾ في فلكه ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ لوقت معين محدود هو يوم القيامة ﴿الْعَزِيزُ﴾ القوي الغالب على كل شيء ﴿الْغَفّارُ﴾ لذنوب عباده إذا شاء وإذا تابوا. والآية دليل على وجود الله ووحدانيته وقدرته.
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أي آدم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ فيه ثلاث دلالات على وجود الله وتوحيده وقدرته: خلق آدم ﵇ أولا من غير أب وأم، ثم خلق حواء منه أو من جنسه، ثم شعّب الخلق منهما. و ﴿ثُمَّ﴾ معطوف على محذوف تقديره: مثل خلقها، للدلالة على مباينتها لها في الفضل والمزية، فهو-كما قال الزمخشري-من التراخي في الحال والمنزلة، لا من
стр. 6989
التراخي في الوجود (١) ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ﴾ وقضى لكم وقسم، لأن قضاياه وقسمه موصوفة بالنزول من السماء، حيث كتب في اللوح: كل كائن يكون. أو أحدث لكم بأسباب نازلة كأشعة الكواكب والأمطار ﴿الْأَنْعامِ﴾ الإبل والبقر والغنم-الضأن والمعز ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ أي جعل من كل صنف من الإبل والبقر والضأن والمعز ذكرا وأنثى. وهي جمع أزواج، والزوج: اسم لكل واحد معه غيره، فإن انفرد فهو فرد ﴿خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ أي بالتدرج من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام مكسوة لحما ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ هي ظلمة البطن وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة أو الصلب ﴿ذلِكُمُ﴾ الذي هذه أفعاله ﴿اللهُ رَبُّكُمْ﴾ هو المستحق للعبادة والمالك ﴿لَهُ الْمُلْكُ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ إذ لا يشاركه في الخلق غيره ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ أي يعدل بكم عن عبادته إلى عبادة غيره.
﴿غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ عن إيمانكم ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ﴾ رحمة عليهم ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ لأنه سبب فلا حكم، أي وإن تشكروا الله فتؤمنوا يرض الشكر لكم ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ لا تتحمل نفس آثمة ذنب نفس أخرى ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ، فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بالمحاسبة والمجازاة ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بحديث النفس، فلا تخفى عليه خافية من أعمالكم.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى في الآية المتقدمة كونه منزها عن الولد بكونه إلها واحدا قهارا غالبا، أي كامل القدرة، أعقبه ببيان الأدلة الدالة على الوحدانية وكمال القدرة وكمال الاستغناء عن أحد من خلقه، فذكر ثلاثة أدلة: خلق السموات والأرض وما فيهما من العوالم، وتذليل الشمس والقمر لقدرته، وتسييرهما في نظام ومسار دقيقين، وخلق الإنسان الأول وتشعيب الخلق منه، وخلق ثمانية أزواج من أنواع الأنعام ذكرا وأنثى، وفي كل دليل من هذه الأدلة أدلة ثلاثة أبينها بمشيئة الله هنا.
стр. 6990
التفسير والبيان:
الدليل الأول وأقسامه من العالم العلوي:
أ- ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أبدع وأوجد العالم العلوي من السموات والأرض إبداعا قائما على الحق والصواب، لأغراض ضرورية وحكم ومصالح، فلم يخلقهما باطلا وعبثا، وجعلهما في أبدع نظام. وهذا يدل على وجود الإله القادر، وعلى استحالة أن يكون له شريك أو صاحبة أو ولد، فهو واحد، كامل القدرة، كامل الاستغناء عن غيره.
ب- ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ أي يغشي كلا منهما الآخر، حتى يذهب ضوءه أو ظلمته، أو يجعلهما متتابعين متعاقبين، يطلب كل منهما الآخر طلبا حثيثا، كقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ، يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ [الأعراف ٥٤/ ٧] وقوله سبحانه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحديد ٦/ ٥٧].
وهذا دليل على كروية الأرض أولا: لأن التكوير: اللف على الجسم المستدير، وعلى دورانها حول نفسها ثانيا، لأن تعاقب الليل والنهار والنور والظلمة لا يتم دون دوران.
ج - ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي وجعلهما منقادين لأمره بالطلوع والغروب لمنافع العباد ومصالحهم، وكل منهما يسير في فلكه إلى منتهى دورته، وإلى وقت معين محدود في علم الله، وهو انتهاء الدنيا، ومجيء القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء ١٠٤/ ٢١].
وذيّل الآية بالدلالة على المراد وهو إثبات كمال القدرة الإلهية مع الترغيب في طلب المغفرة، فقال:
стр. 6991
﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾ ﴿أَلا﴾: تنبيه، أي تنبهوا، أي إن خلق هذا العالم العلوي وأجرامه العظيمة من غالب قادر على الانتقام ممن عاداه، ساتر لذنوب عباده بالمغفرة، ولا أحد مثله في ذلك، والجمع بين هاتين الصفتين للدلالة على أنه مع عزته وعظمته وكبريائه وكمال قدرته، هو غفار عظيم الرحمة والفضل والإحسان، يغفر لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه، فإن الإخبار عن كونه عظيم القدرة يوجب الخوف والرهبة، فأتبعه بوصف ﴿الْغَفّارُ﴾ الذي يوجب كثرة الرحمة، وكثرة الرحمة لا تعني الطمع من دون فعل، وإنما توجب الرجاء والرغبة في طلب المغفرة بالعبادة والإخلاص له. والخلاصة: إن هذا التذييل للترغيب في العمل الموجب للمغفرة، بعد الترهيب الموجب للحذر.
ثم أتبعه بدليل آخر:
الدليل الثاني وأقسامه من العالم السفلي:
أ- ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ أي خلقكم أيها الناس على اختلاف أجناسكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة، هي آدم ﵇، ثم جعل من جنسها (١) زوجها، وهي حواء، ثم شعّب الخلق منهما، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ [النساء ١/ ٤] وهذا الجزء من الدليل في عالم الأرض مشتمل كما هو واضح على أدلة ثلاثة. والمشهور في قوله: ﴿مِنْها﴾ أنه خلق حواء من ضلع آدم، ولم يخلق سبحانه أنثى من ضلع رجل غيرها.
ب- ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ أي وقضى لكم وقسم وخلق وأعطاكم من ظهور الأنعام (وهي الإبل والبقر والضأن والمعز) ثمانية أزواج من كل صنف ذكرا وأنثى، كما قال تعالى:
стр. 6992
﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ، وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ، وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام ١٤٣/ ٦] أي ذكر وأنثى لكل منها.
ج - ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ أي يبتدئ خلقكم ويقدره في بطون أمهاتكم في مراحل متدرجة من الخلق، حيث يكون أحدكم أولا نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يتكون العظام، ثم تكسى العظام باللحم والعروق والأعصاب، ثم تنفخ فيه الروح، فيصير إنسانا خلقا آخر في أحسن تقويم.
وتكون مراحل الخلق في ظلمات أغشية ثلاثة، هي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، والأغشية-كما يقول الأطباء-: هي الغشاء المنباري، والخربون، والغشاء اللفائفي.
ثم ذيّل هذه الآية كالآية السابقة بما يشير إلى الهدف وهو الإيمان بالموجد الخالق المنشئ، فقال تعالى:
﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ، لَهُ الْمُلْكُ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ أي هذا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلق الإنسان هو الرب المربي لكم، الذي له الملك الحقيقي المطلق في الدنيا والآخرة، الواحد الأحد الذي لا إله إلا هو، ولا يشاركه أحد فيه، فلا تنبغي العبادة إلا له، فكيف تصرفون عن عبادته، مع ما يوجب استحقاقه لها، إلى عبادة غيره؟ أو كيف تعبدون معه غيره، وكيف تتقبل عقولكم ذلك؟ ثم أبان الله تعالى أن ثمرة هذه العبادة لكم، والله غني على الإطلاق، فقال:
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أي إن تكفروا بالله بعد توافر أدلة وجوده وتوحيده وقدرته، فإن الله هو الغني عما سواه من المخلوقات، كما قال
стр. 6993
تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم ٨/ ١٤].
وفي صحيح مسلم: «لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئا».
ثم ذكر الله تعالى ما يأمر به ويرضاه وما ينهى عنه ولا يرضاه، فقال:
﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ، وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أي لا يحب الله تعالى الكفر ولا يأمر به، لأنه مرتع الضلال والانحراف والذل لمعبودات لا ضرر منها ولا نفع فيها، وهو سبب الشقاوة في الدارين.
وإن تشكروا الله على نعمه، يرض لكم الشكر ويحبه ويزدكم من فضله، لأن الله هو سبب السعادة في الدنيا والآخرة.
ثم أعلن الله تعالى مبدأ المسؤولية الفردية في الدنيا والآخرة الذي هو من مفاخر الإسلام، فقال:
﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي لا تحمل نفس عن نفس شيئا من الآثام والذنوب والجرائم، بل كل إنسان مطالب بأمر نفسه وعمله من خير أو شر. وقد وردت هذه الآية في القرآن الكريم خمس مرات. وهي كقوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ٢١/ ٥٢] وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨/ ٧٤].
والجزاء على قدر العمل، فقال تعالى:
﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي ثم مآلكم ومصيركم إلى ربكم يوم القيامة، فيخبركم بأعمالكم من خير وشر، إنه خبير بما تضمره القلوب وتستره أي مكنونات النفوس، فلا تخفى عليه خافية.
стр. 6994
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات الكريمات على الآتي:
١ - الأدلة على وجود الله وتوحيده وكمال قدرته واستغنائه عن الصاحبة والولد: هي خلق السموات والأرض وما بينهما، وتعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر لمصالح العباد والمخلوقات، وخلق الإنسان في أصله أو باتخاذ الأسباب الظاهرية، وخلق ثمانية أزواج أو أصناف من الأنعام، من الإبل اثنين ومن البقر اثنين ومن المعز اثنين، كل واحد زوج، والأزواج ثمانية تشمل الذكر والأنثى.
٢ - دل تكوير الليل على النهار، وتكوير النهار على الليل على كروية الأرض ودورانها حول نفسها.
٣ - ودل تسخير الشمس والقمر بالطلوع والغروب لمنافع العباد، وجريانهما في فلكهما إلى يوم القيامة، على كمال قدرة الله ودقة نظامه ومراعاته مصالح العباد.
٤ - ينبه الله تعالى على أنه عزيز غالب، غفار ستّار لذنوب خلقه برحمته، وفي هذا جمع بين الرهبة والرغبة، رهبة من الله ، ورغبة في إخلاص العبادة والطاعة لله تعالى.
٥ - مراحل خلق الإنسان تحدث متعاقبة متدرجة من نطفة إلى علقة إلى مضغة، إلى عظم ثم لحم. ويبدأ تكون الإنسان في داخل ظلمات ثلاث: ظلمة البطن وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة.
٦ - إن الله الذي خلق هذه الأشياء هو ربكم مربيكم، وهو المالك الواحد الأحد، كما قال تعالى: ﴿رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾.
стр. 6995
فكيف تنصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره؟ ٧ - إذا كفر جميع الناس فلا يضرّون الله، والله هو الغني عنهم، لكن لا يرضى الله الكفر لعباده ولا يحب ذلك منهم، وإن شكروه رضي بالشكر وأمر به، ومصير جميع الخلائق إلى ربهم، فيخبرهم بما قدموا من خير أو شر.
والآية دليل على أن الإرادة غير الرضا، وهو مذهب أهل السنة، فقد يريد الله شيئا، لكن لا يرضى به، فهو يريد كون ما لا يرضاه، وقد أراد الله خلق إبليس، وهو لا يرضاه، والرضا: ترك اللوم والاعتراض، وليس هو الإرادة.
٨ - من مفاخر الإسلام ومبادئه الكبرى تقرير مبدأ المسؤولية الشخصية:
﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وذلك يدفع إلى العمل، ويمنع الخمول والكسل، ويخلّص الناس من فكرة النصارى بإرث الخطيئة، ويفتح باب الأمل لبناء الإنسان نفسه ومجده والاعتماد على نفسه، دون تأثر بأفعال الآخرين، وذلك غاية التكريم الإلهي للإنسان.
٩ - دل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ على إثبات البعث والقيامة، ودل قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ على شمول علم الله بالكليات والجزئيات، وبالكبائر والصغائر، وبالفعل الحاصل والقول المقول، وبما يسبقه من نية وحديث نفس وعزم وهمّ وغير ذلك من مراحل تكوين الفعل والقول.
стр. 6996
تناقض الكفار واستقامة المؤمنين
﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)﴾
الإعراب:
﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ﴾ ﴿أَمَّنْ﴾ بالتشديد: بإدخال «أم» بمعنى بل والهمزة على «من» بمعنى الذي، وليس بمعنى الاستفهام، لأن «أم» للاستفهام، فلا يدخل على ما هو استفهام. وفي الكلام محذوف تقديره: العاصون ربهم خير أم من هو قانت، ودخل على هذا المحذوف أيضا: ﴿قُلْ: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾. وقرئ بالتخفيف على أن تكون الهمزة للاستفهام بمعنى التنبيه، ويكون في الكلام محذوف تقديره: أمن هو قانت يفعل كذا كمن هو على خلاف ذلك.
ودخل على هذا المحذوف: ﴿قُلْ: هَلْ يَسْتَوِي.﴾. أو أن تكون الهمزة للنداء، وتقديره: يا من هو قانت أبشر فإنك من أهل الجنة، لأن ما قبله يدل عليه، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾. و ﴿يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ في موضع الحال، أو الاستئناف للتعليل.
البلاغة:
﴿يَرْجُوا﴾ ﴿يَحْذَرُ﴾ بينهما طباق.
﴿قُلْ: تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ أمر أريد به التهديد، مثل ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ [الأنعام ١٣٥/ ٦ ومواضع أخرى].
﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ إيجاز بالحذف، أي كمن هو كافر.
стр. 6997
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ﴾ أي الكافر ﴿ضُرٌّ﴾ شدة ﴿دَعا رَبَّهُ﴾ تضرع ﴿مُنِيباً إِلَيْهِ﴾ راجعا إليه ﴿خَوَّلَهُ نِعْمَةً﴾ أعطاه إنعاما وملكه ﴿نَسِيَ﴾ ترك الضر ﴿ما كانَ يَدْعُوا﴾ الذي يتضرع إلى كشفه ﴿إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو الله، من قبل النعمة ﴿أَنْداداً﴾ شركاء، جمع ندّ ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ عن سبيل دين الإسلام، وقرئ ليضل وكل من الضلال والإضلال نتيجة، وليسا غرضين.
﴿قُلْ: تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾ بقية أجلك، وهو أمر تهديد، فيه إشعار بأن الكفر نوع تشهي لا سند له، وإقناط للكافر من التمتع في الآخرة، ولذلك علله بقوله: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾ هذا استئناف على سبيل المبالغة.
﴿قانِتٌ﴾ طائع خاشع ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ ساعاته ﴿وَقائِماً﴾ للصلاة ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ يخاف عذابها ﴿وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أي جنته، وفي الكلام محذوف تقديره: كمن هو عاص بالكفر أو غيره ﴿قُلْ: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ نفي لاستواء الفريقين، أي لا يستويان، وكما لا يستوي العالمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصون ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ يتعظ ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أصحاب العقول.
سبب النزول:
نزول الآية (٩):
﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ﴾؟: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ﴾ الآية، قال: نزلت في عثمان بن عفان، وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال: نزلت في عمار بن ياسر. وأخرج جويبر عن ابن عباس قال: نزلت في ابن مسعود وعمار بن ياسر وسالم مولى أبي حذيفة.
المناسبة:
بعد بيان فساد مذهب المشركين في عبادة الأصنام، وأنه لا دليل لهم على عبادتها، وبيان أن الله تعالى هو الذي يجب أن يعبد، وأن الله غني عما سواه من المخلوقات لا يفتقر إلى عبادتهم، ذكر الله تعالى هنا تناقض الكفار بالرجوع إلى
стр. 6998
الله وقت الشدة، وتركه وقت الرخاء. ثم أردفه ببيان مدى صلابة المؤمنين في دينهم، وتمسكهم بمبدئهم، فهم لا يرجعون إلا إلى الله، ولا يعتمدون إلا على فضل الله.
التفسير والبيان:
﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ، ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ، نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ هذا موقف متناقض من الكفار، فإذا أصاب الكافر شدة من مرض أو فقر أو خوف، تضرع إلى ربه، راجعا إليه تائبا، مستغيثا به في تفريج كربته، وكشف ما نزل به، ثم إذا منحه نعمة أو أعطاه وملكه، وصار في حال رخاء ورفاهية، نسي ذلك الدعاء والتضرع، أو نسي ربه الذي كان يدعوه من قبل.
وجعل لله شركاء من الأصنام أو غيرها، يعبدها، ليصير وتكون نتيجته وعاقبته الضلال والإضلال، يضل بنفسه، ويضل الناس بعمله هذا ويمنعهم من توحيد الله والدخول في الإسلام، فسبيل الله: الإسلام والتوحيد، والأنداد الأوثان والأصنام، ولام ﴿لِيُضِلَّ﴾ لام العاقبة.
والمعنى الأول (وهو أنه عند الحاجة يتضرع ويستغيث بالله) مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ، ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ، فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ، وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً﴾ [الإسراء ٦٧/ ١٧].
والمعنى الثاني (وهو أنه في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع) مثل قوله تعالى:
﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً، فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ، مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس ١٢/ ١٠].
стр. 6999
والمعنى الثالث (جعل الأنداد الشركاء لله) كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات ٦/ ١٠٠].
لكل هذا هدد الله وأوعد ذلك الكافر المتناقض على ما فعل، فقال:
﴿قُلْ: تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾ قل أيها الرسول لمن هذه حالته وطريقته ومسلكه: استمتع أيها الإنسان بكفرك تمتعا قليلا أو زمانا قليلا هو مدة أجلك، فمتاع الدنيا قليل، فإنك في الآخرة من أصحاب النار الخالدين فيها أبدا، ومصيرك إليها عن قريب، كقوله تعالى: ﴿قُلْ: تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ [إبراهيم ٣٠/ ١٤] وقوله سبحانه: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً، ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان ٢٤/ ٣١].
ثم ذكر الله تعالى أحوال المؤمنين القانتين الذين لا يعتمدون دائما إلا على ربهم، فقال:
﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أي أذلك الكافر أحسن حالا ومآلا، أم المؤمن بالله، الذي هو مطيع خاشع يصلي الله في ساعات الليل، وخشوعه مستمر حال سجوده وحال قيامه، يخاف الآخرة، ويرجو رحمة ربه، فيجمع بين الخوف والرجاء، وتلك هي العبادة الكاملة، التي يفوز بها صاحبها؟! الجواب واضح. قال أبو حيان: وفي الآية دليل على فضل قيام الليل وأنه أرجح من قيام النهار.
﴿قُلْ: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي هل يستوي العلماء والجهال؟ إنما يتعظ بآيات الله ويتدبرها أهل العقول السليمة، لا الجهلاء، وإنما يعرف الفرق بين الصنفين العاقل، لا الجاهل.
لا يستوي الفريقان، فإن العالم الذي يدرك الحق ويعرف منهج
стр. 7000
الاستقامة، فيتبعه ويعمل به، لا يستوي أبدا مع الجاهل الذي يخبط خبط عشواء، ويسير في متاهة وضلال.
والمراد بالإتيان بهذه الآية لنفي استواء الفريقين بطريق الاستفهام: هو تأكيد نفي المساواة بين الفريقين الأولين: الكافر المتناقض والمؤمن المطيع الخاشع، فكما أنه لا يستوي العالم والجاهل، لا يستوي المؤمن والمشرك الذي جعل لله أندادا ليضل عن سبيل الله، الأول في قمة الخير والعلم، والآخر في أسفل دركات الشر والجهل.
قال أبو حيان: دلت الآية على أن كمال الإنسان محصور في هذين المقصودين: العلم والعمل، فكما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. والمراد بالعلم هنا: ما أدى إلى معرفة الله، ونجاة العبد من سخطه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى وجود موقفين متعارضين بين الناس، فريق الكافرين وفريق المؤمنين.
أما الكافر: فهو متناقض، تراه يستغيث بالله راجعا إليه مخبتا مطيعا له إذا أصابته شدة من مرض أو فقر أو خوف، لإزالة تلك الشدة عنه، فإن سلم ونجا وعوفي، وصار في حال اطمئنان واستقرار ورخاء ورفاهية، بفضل من الله وحده، نسي ربه الذي كان يدعوه من قبل في كشف الضر عنه.
ولا يقتصر أمره على مجرد النسيان والهجر أو الترك، وإنما يتجاوز ذلك إلى اعتقاد الشرك بالله، واتخاذ الأوثان والأصنام شركاء لله.
стр. 7001
بل لا يقتصر في ذلك على أن يضل نفسه، بل يضل غيره بفعله أو قوله، ويدعوه إلى أن يشاركه في ذلك، فيزداد إثما على إثمه.
لهذا حق أن يوجّه له التهديد الشديد والوعيد الأكيد بأن يتمتع بكفره زمنا قليلا، فإن مصيره في النهاية إلى النار.
وأما المؤمن: فهو سوي غير متناقض، مستقيم غير مضطرب، صلب في دينه غير متزعزع، يثبت في جميع أحواله على حال واحدة، من الإيمان الراسخ بالله، والاستقامة على أمر الله، فهو إذن ليس كالكافر الذي مضى ذكره.
تراه مصليا خاشعا لربه في جنح الظلام، والناس نيام، يناجي ربه، جامعا بين الخوف والرجاء.
ثم أكد الله تعالى وجه الفرق بين المؤمن والكافر بالمقارنة بين العالم والجاهل، فكما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. ثم إن الذين يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم ويعملون به، فأما من لم ينتفع بعلمه ولم يعمل به، فهو بمنزلة من لم يعلم، وفي هذا إشارة إلى أن الكافر أو المشرك أو العاصي جاهل وإن كان عالما بعلوم الدنيا، فإنما يتذكر ويعتبر ويتعظ بهذه المقارنات أصحاب العقول من المؤمنين.
ويلاحظ الترتيب في تعداد أوصاف المؤمن، بدأ فيها بذكر العمل في وصفه بكونه قانتا ساجدا قائما، ثم ختمها بذكر العلم في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وهذا يدل على أن كمال الإنسان محصور في العمل والعلم، فالعمل هو البداية، والعلم هو النهاية.
ثم إنه تعالى نبّه على أن الانتفاع بالعمل إنما يحصل بالمواظبة عليه، فإن القنوت عبارة عن كون الرجل قائما دائما بما يجب عليه من الطاعات.
стр. 7002
وقوله تعالى: ﴿قُلْ: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ.﴾. تنبيه عظيم على فضيلة العلم وفضل العلماء.
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ يدل على أن إدراك التفاوت بين العلماء والجهال ومعرفته لا يكون إلا من أولي الألباب، أي العقول السليمة.
قيل لبعض العلماء: إنكم تقولون: العلم أفضل من المال، ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك، ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء؟ فأجاب العالم بأن هذا أيضا يدل على فضيلة العلم، لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع، فلا جرم تركوه (١).
نصائح للمؤمنين في العبادة ووعدهم ووعيد عبدة الأصنام
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اِجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ (٢٠)﴾
стр. 7003
الإعراب:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ ﴿حَسَنَةٌ﴾: مبتدأ، وخبره: الجار والمجرور قبله، و ﴿فِي﴾ يتعلق ب ﴿أَحْسَنُوا﴾ إذا أريد بالحسنة: الجنة، وب ﴿حَسَنَةٌ﴾ إذا أريد بالحسنة ما يعطى للعبد في الدنيا، مما يستحب فيها، والوجه الأول أوجه، لأن الدنيا ليست بدار جزاء.
﴿قُلِ: اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ ﴿اللهَ﴾: منصوب ب ﴿أَعْبُدُ﴾ و ﴿مُخْلِصاً﴾: حال من ضمير ﴿أَعْبُدُ﴾ أو من ضمير ﴿قُلِ﴾ و ﴿دِينِي﴾ مفعول ﴿مُخْلِصاً﴾ ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها﴾ ﴿أَنْ﴾: مصدرية في موضع نصب بدل من مفعول ﴿اِجْتَنَبُوا﴾ تقديره: والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت. و ﴿لَهُمُ الْبُشْرى﴾ ﴿لَهُمُ﴾: في موضع رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿الَّذِينَ﴾ و ﴿الْبُشْرى﴾ مرفوع ب ﴿لَهُمُ﴾ لوقوعه خبرا للمبتدأ.
البلاغة:
﴿فَوْقِهِمْ﴾ و ﴿تَحْتِهِمْ﴾ بينهما طباق.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ جناس اشتقاق.
﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ﴾ أسلوب تهكمي، لأن إطلاق الظلة على النار المحرقة تهكم.
﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ.﴾. وضع فيه الظاهر موضع ضمير ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾ للدلالة على مبدأ اجتنابهم والتمييز بين الحق والباطل.
﴿مَنْ فِي النّارِ﴾ وضع فيه الظاهر موضع الضمير، للدلالة على أنه واقع في العذاب.
﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ مقابلة بين حال أهل النار وحال أهل الجنة.
﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ﴾ مجاز مرسل، أطلق المسبب (دخول جهنم) وأراد السبب (الكفر والضلال)، لأن الضلال سبب لدخول النار.
стр. 7004
المفردات اللغوية:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ عذاب ربكم بلزوم طاعته. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أي للذين أحسنوا بالطاعات في الدنيا مثوبة حسنة في الآخرة، وقيل: حسنة في الدنيا هي الصحة والعافية. ﴿وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ﴾ فمن تعسر عليه الإحسان بالطاعة في وطنه، فليهاجر إلى مكان يتمكن فيه من الطاعة وترك المنكرات ومخالطة الكفار. ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ﴾ على مشاق الطاعة من احتمال البلاء ومهاجرة الأوطان لأجل الطاعة. ﴿أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ بغير مكيال ولا ميزان.
﴿مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ أي أعبده عبادة خالصة من الشرك والرياء، موحدا له. ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ بأن أكون. ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأمة. ﴿إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك والرياء. ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لعظمة ما فيه. ﴿قُلِ: اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ من الشرك، وهو أمر بالإخبار عن إخلاصه وأن يكون مخلصا له دينه، بعد الأمر بالإخبار عن كونه مأمورا بالعبادة والإخلاص خائفا على المخالفة من العقاب، قطعا لأطماعهم، ولذا رتب عليه قوله:
﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ غيره، وهذا تهديد لهم. ﴿الْخاسِرِينَ﴾ أي الكاملين في الخسران الذين خسروا ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ بالضلال ﴿وَأَهْلِيهِمْ﴾ بالإضلال، ونوع الخسارة: التخليد في النار وعدم الوصول إلى الجنة. ﴿الْمُبِينُ﴾ البيّن الواضح ﴿ظُلَلٌ﴾ طبقات من النار، جمع ظلّة.
﴿ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ ذلك العذاب هو الذي يخوف به عباده المؤمنين ليتقوه، بدليل نهاية الآية: ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾.
﴿الطّاغُوتَ﴾ البالغ غاية الطغيان، فهو مشتق من الطغيان للمبالغة، والتاء فيه مزيدة للتأكيد مثل رحموت وملكوت (واسع الرحمة والملك) والطاغوت: كل ما عبد من دون الله من الأوثان وغيرها. ﴿أَنْ يَعْبُدُوها﴾ بدل اشتمال من الطاغوت. ﴿وَأَنابُوا إِلَى اللهِ﴾ أقبلوا ورجعوا.
﴿لَهُمُ الْبُشْرى﴾ بالجنة والثواب. ﴿هَداهُمُ اللهُ﴾ لدينه. ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أصحاب العقول.
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ؟﴾ ﴿حَقَّ﴾ ثبت ووجب، و ﴿تُنْقِذُ﴾ تخرج، والهمزة للإنكار، والكلام جملة شرطية معطوفة على محذوف، دل عليه الكلام تقديره: أأنت مالك أمرهم، فمن حق عليه العذاب، فأنت تنقذه. والمعنى: لا تقدر على هدايته، فتنقذه من النار.
﴿اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ بأن أطاعوه. ﴿غُرَفٌ﴾ جمع غرفة وهي الحجرة. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي من تحت تلك الغرف. ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ مصدر مؤكد، منصوب بفعله المقدر، لأن
стр. 7005
قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ في معنى الوعد. ﴿لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ﴾ الوعد، لأن الخلف نقص، وهو على الله تعالى محال.
سبب النزول:
نزول الآية (١٧ - ١٨):
﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾:
أخرج جويبر عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ الآية، أتى رجل من الأنصار النبي ص، فقال: يا رسول الله، إني لي سبعة مماليك، وإني قد أعتقت لكل باب منها مملوكا، فنزلت فيه الآية:
﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ، فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.
نزول الآية (١٧):
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر، كانوا في الجاهلية يقولون: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾:
زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي.
المناسبة:
بعد نفي المساواة بين من يعلم وبين من لا يعلم، أمر الله تعالى رسوله ص بأن ينصح المؤمنين بجملة نصائح تتضمن الأمر بالتقوى والاستمرار بالطاعة، والأمر بإخلاص الدين لله في العبادة، حتى تكون خالية من الشرك والرياء، والتحذير من خسارة النفس والأهل لئلا يصلوا نار جهنم، ثم ذكر الله تعالى تهديده ووعيده لعبدة الأصنام، وأردفه بوعد المبتعدين عن عبادتها وعن كل ألوان الشرك، ليقترن الوعد بالوعيد، والترهيب بالترغيب، كما هي عادة القرآن.
التفسير والبيان:
﴿قُلْ: يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا، اِتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ قل أيها الرسول: يا عباد الله