بل لا يقتصر في ذلك على أن يضل نفسه، بل يضل غيره بفعله أو قوله، ويدعوه إلى أن يشاركه في ذلك، فيزداد إثما على إثمه.
لهذا حق أن يوجّه له التهديد الشديد والوعيد الأكيد بأن يتمتع بكفره زمنا قليلا، فإن مصيره في النهاية إلى النار.
وأما المؤمن: فهو سوي غير متناقض، مستقيم غير مضطرب، صلب في دينه غير متزعزع، يثبت في جميع أحواله على حال واحدة، من الإيمان الراسخ بالله، والاستقامة على أمر الله، فهو إذن ليس كالكافر الذي مضى ذكره.
تراه مصليا خاشعا لربه في جنح الظلام، والناس نيام، يناجي ربه، جامعا بين الخوف والرجاء.
ثم أكد الله تعالى وجه الفرق بين المؤمن والكافر بالمقارنة بين العالم والجاهل، فكما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. ثم إن الذين يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم ويعملون به، فأما من لم ينتفع بعلمه ولم يعمل به، فهو بمنزلة من لم يعلم، وفي هذا إشارة إلى أن الكافر أو المشرك أو العاصي جاهل وإن كان عالما بعلوم الدنيا، فإنما يتذكر ويعتبر ويتعظ بهذه المقارنات أصحاب العقول من المؤمنين.
ويلاحظ الترتيب في تعداد أوصاف المؤمن، بدأ فيها بذكر العمل في وصفه بكونه قانتا ساجدا قائما، ثم ختمها بذكر العلم في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وهذا يدل على أن كمال الإنسان محصور في العمل والعلم، فالعمل هو البداية، والعلم هو النهاية.
ثم إنه تعالى نبّه على أن الانتفاع بالعمل إنما يحصل بالمواظبة عليه، فإن القنوت عبارة عن كون الرجل قائما دائما بما يجب عليه من الطاعات.
стр. 7002
وقوله تعالى: ﴿قُلْ: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ.﴾. تنبيه عظيم على فضيلة العلم وفضل العلماء.
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ يدل على أن إدراك التفاوت بين العلماء والجهال ومعرفته لا يكون إلا من أولي الألباب، أي العقول السليمة.
قيل لبعض العلماء: إنكم تقولون: العلم أفضل من المال، ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك، ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء؟ فأجاب العالم بأن هذا أيضا يدل على فضيلة العلم، لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع، فلا جرم تركوه (١).
نصائح للمؤمنين في العبادة ووعدهم ووعيد عبدة الأصنام
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اِجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ (٢٠)﴾
стр. 7003
الإعراب:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ ﴿حَسَنَةٌ﴾: مبتدأ، وخبره: الجار والمجرور قبله، و ﴿فِي﴾ يتعلق ب ﴿أَحْسَنُوا﴾ إذا أريد بالحسنة: الجنة، وب ﴿حَسَنَةٌ﴾ إذا أريد بالحسنة ما يعطى للعبد في الدنيا، مما يستحب فيها، والوجه الأول أوجه، لأن الدنيا ليست بدار جزاء.
﴿قُلِ: اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ ﴿اللهَ﴾: منصوب ب ﴿أَعْبُدُ﴾ و ﴿مُخْلِصاً﴾: حال من ضمير ﴿أَعْبُدُ﴾ أو من ضمير ﴿قُلِ﴾ و ﴿دِينِي﴾ مفعول ﴿مُخْلِصاً﴾ ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها﴾ ﴿أَنْ﴾: مصدرية في موضع نصب بدل من مفعول ﴿اِجْتَنَبُوا﴾ تقديره: والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت. و ﴿لَهُمُ الْبُشْرى﴾ ﴿لَهُمُ﴾: في موضع رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿الَّذِينَ﴾ و ﴿الْبُشْرى﴾ مرفوع ب ﴿لَهُمُ﴾ لوقوعه خبرا للمبتدأ.
البلاغة:
﴿فَوْقِهِمْ﴾ و ﴿تَحْتِهِمْ﴾ بينهما طباق.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ جناس اشتقاق.
﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ﴾ أسلوب تهكمي، لأن إطلاق الظلة على النار المحرقة تهكم.
﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ.﴾. وضع فيه الظاهر موضع ضمير ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾ للدلالة على مبدأ اجتنابهم والتمييز بين الحق والباطل.
﴿مَنْ فِي النّارِ﴾ وضع فيه الظاهر موضع الضمير، للدلالة على أنه واقع في العذاب.
﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ مقابلة بين حال أهل النار وحال أهل الجنة.
﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ﴾ مجاز مرسل، أطلق المسبب (دخول جهنم) وأراد السبب (الكفر والضلال)، لأن الضلال سبب لدخول النار.
стр. 7004
المفردات اللغوية:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ عذاب ربكم بلزوم طاعته. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أي للذين أحسنوا بالطاعات في الدنيا مثوبة حسنة في الآخرة، وقيل: حسنة في الدنيا هي الصحة والعافية. ﴿وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ﴾ فمن تعسر عليه الإحسان بالطاعة في وطنه، فليهاجر إلى مكان يتمكن فيه من الطاعة وترك المنكرات ومخالطة الكفار. ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ﴾ على مشاق الطاعة من احتمال البلاء ومهاجرة الأوطان لأجل الطاعة. ﴿أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ بغير مكيال ولا ميزان.
﴿مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ أي أعبده عبادة خالصة من الشرك والرياء، موحدا له. ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ بأن أكون. ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأمة. ﴿إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك والرياء. ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لعظمة ما فيه. ﴿قُلِ: اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ من الشرك، وهو أمر بالإخبار عن إخلاصه وأن يكون مخلصا له دينه، بعد الأمر بالإخبار عن كونه مأمورا بالعبادة والإخلاص خائفا على المخالفة من العقاب، قطعا لأطماعهم، ولذا رتب عليه قوله:
﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ غيره، وهذا تهديد لهم. ﴿الْخاسِرِينَ﴾ أي الكاملين في الخسران الذين خسروا ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ بالضلال ﴿وَأَهْلِيهِمْ﴾ بالإضلال، ونوع الخسارة: التخليد في النار وعدم الوصول إلى الجنة. ﴿الْمُبِينُ﴾ البيّن الواضح ﴿ظُلَلٌ﴾ طبقات من النار، جمع ظلّة.
﴿ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ ذلك العذاب هو الذي يخوف به عباده المؤمنين ليتقوه، بدليل نهاية الآية: ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾.
﴿الطّاغُوتَ﴾ البالغ غاية الطغيان، فهو مشتق من الطغيان للمبالغة، والتاء فيه مزيدة للتأكيد مثل رحموت وملكوت (واسع الرحمة والملك) والطاغوت: كل ما عبد من دون الله من الأوثان وغيرها. ﴿أَنْ يَعْبُدُوها﴾ بدل اشتمال من الطاغوت. ﴿وَأَنابُوا إِلَى اللهِ﴾ أقبلوا ورجعوا.
﴿لَهُمُ الْبُشْرى﴾ بالجنة والثواب. ﴿هَداهُمُ اللهُ﴾ لدينه. ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أصحاب العقول.
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ؟﴾ ﴿حَقَّ﴾ ثبت ووجب، و ﴿تُنْقِذُ﴾ تخرج، والهمزة للإنكار، والكلام جملة شرطية معطوفة على محذوف، دل عليه الكلام تقديره: أأنت مالك أمرهم، فمن حق عليه العذاب، فأنت تنقذه. والمعنى: لا تقدر على هدايته، فتنقذه من النار.
﴿اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ بأن أطاعوه. ﴿غُرَفٌ﴾ جمع غرفة وهي الحجرة. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي من تحت تلك الغرف. ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ مصدر مؤكد، منصوب بفعله المقدر، لأن
стр. 7005
قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ في معنى الوعد. ﴿لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ﴾ الوعد، لأن الخلف نقص، وهو على الله تعالى محال.
سبب النزول:
نزول الآية (١٧ - ١٨):
﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾:
أخرج جويبر عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ الآية، أتى رجل من الأنصار النبي ص، فقال: يا رسول الله، إني لي سبعة مماليك، وإني قد أعتقت لكل باب منها مملوكا، فنزلت فيه الآية:
﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ، فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.
نزول الآية (١٧):
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر، كانوا في الجاهلية يقولون: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾:
زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي.
المناسبة:
بعد نفي المساواة بين من يعلم وبين من لا يعلم، أمر الله تعالى رسوله ص بأن ينصح المؤمنين بجملة نصائح تتضمن الأمر بالتقوى والاستمرار بالطاعة، والأمر بإخلاص الدين لله في العبادة، حتى تكون خالية من الشرك والرياء، والتحذير من خسارة النفس والأهل لئلا يصلوا نار جهنم، ثم ذكر الله تعالى تهديده ووعيده لعبدة الأصنام، وأردفه بوعد المبتعدين عن عبادتها وعن كل ألوان الشرك، ليقترن الوعد بالوعيد، والترهيب بالترغيب، كما هي عادة القرآن.
التفسير والبيان:
﴿قُلْ: يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا، اِتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ قل أيها الرسول: يا عباد الله
стр. 7006
الذين آمنوا بالله ربا وبالإسلام دينا، اتقوا عذاب ربكم باتباع أوامره واجتناب نواهيه، والاستمرار على طاعته وتقواه.
وعلة الأمر:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة في الدنيا وهي الصحة والعافية والظفر والغنيمة والعزة والسلطان، وفي الآخرة وهي الجنة والمثوبة الطيبة الجزيلة. وتنكير ﴿حَسَنَةٌ﴾ للتعظيم للدلالة على كمالها.
ثم رغبهم في الهجرة للتمكن من التقوى والطاعة، فقال:
﴿وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ﴾ أي إذا لم تتمكنوا من التقوى في بلد، فهاجروا إلى حيث تمكن طاعة الله، والعمل بما أمر به، والترك لما نهى عنه، وجاهدوا، واعتزلوا الأوثان ومستنقعات الكفر، أسوة بالأنبياء والصالحين، كما قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء ٩٧/ ٤].
ثم ذكر أجرهم على الهجرة والصبر على مفارقة الأوطان، فقال:
﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي إنما يوفيهم الله أجرهم في الجنة في مقابلة صبرهم على الهجرة وترك الأوطان بغير حساب، أي بغير كيل ولا وزن، وبما لا يقدر على حصره وحسبانه حاصر وحاسب.
وهذا دليل على أن مجرد الإيمان بالقلب أو إعلان الإسلام دون تقوى ولا عمل بأوامر الله واجتناب نواهيه لا يكفي إطلاقا.
ثم ضم تعالى إلى الأمر بالتقوى الأمر بالإخلاص في العبادة والطاعة، فقال:
﴿قُلْ: إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ أي إنما أمرت بإخلاص العبادة لله وحده، إخلاصا خاليا من الشرك والرياء وغير ذلك. وهذا وإن كان
стр. 7007
أمرا للرسول ص، فهو لوم على عبادة الأوثان، من قبيل «إياك أعني واسمعي يا جارة».
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي وأمرت بأن أكون أول المسلمين من هذه الأمة في مخالفة دين الآباء الوثنيين، وتوحيد الله، وأول من انقاد لله تعالى من أهل العصر أو القوم، لأنه أول من خالف عبّاد الأصنام.
﴿قُلْ: إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي قل لهؤلاء المشركين عبدة الأوثان: إني أخشى إن عصيت ربي بترك إخلاص العبادة له وتوحيده، وترك الدعوة المعادية للشرك وتضليل أهله عذاب يوم شديد الهول، وهو يوم القيامة. وهذا تعريض بهم بطريق الأولى والأحرى.
ثم أكد الأمر بالإخلاص في الطاعة للدلالة على أنه يعبد الله وحده، ولترسيخ المعنى في الأذهان، فقال: ﴿قُلِ: اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين مرة أخرى: أمرني ربي أن أعبده وحده لا شريك له (١)، وأن يكون تعبّدي خالصا لله غير مشوب بشرك ولا رياء ولا غيرهما، فلا أعبد غيره، لا استقلالا، ولا على جهة الشركة.
ثم هددهم وأوعدهم قائلا:
﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ أي اعبدوا ما أردتم أن تعبدوه من غير الله، من الأوثان والأصنام، فسوف تجازون بعملكم، وهذا الأمر للتهديد والتقريع والتوبيخ والتبرؤ منهم.
стр. 7008
ثم حذرهم من عاقبة الخسران يوم القيامة قائلا:
﴿قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ أي قل لهم أيها الرسول: إنما الخاسرون كل الخسران هم الذين خسروا أنفسهم بالضلال والشرك والمعاصي، وخسروا أتباعهم من الأهل حيث أضلوهم وأوقعوهم في العذاب الدائم يوم القيامة، وهذا هو الخسران البيّن الظاهر الواضح، فلا خسران أعظم منه، إذ لا مجال لتعويض الخسارة.
ثم وصف حالهم في النار لبيان نوع الخسران فقال:
﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ، وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أي لهم أطباق متراكمة من النار الملتهبة عليهم، من فوقهم ومن تحتهم، أي أن النار محيطة بهم من كل جانب، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ، وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف ٤١/ ٧] وقوله: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، وَيَقُولُ: ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت ٥٥/ ٢٩].
وسمى ما تحتهم ظللا، لأنها تظلل من تحتها من أهل النار، ففي كل طبقة من طبقات النار طائفة من طوائف الكفار.
﴿ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ، يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ أي ذلك العذاب الشديد الذي يخبر به الله خبرا كائنا لا محالة ليرهب به عباده، لينزجروا عن المعاصي والمآثم والمحارم، فيا عبادي اخشوا بأسي وسطوتي، وعذابي ونقمتي. وهذا التحذير والتنبيه نعمة عظمي صادرة من فيض رحمة الله وفضله، حتى لا يفاجأ الناس بالعذاب، ومن أنذر فقد أعذر.
وبعد إيراد هذا الوعيد لعبدة الأصنام، ذكر الله تعالى وعده لمن اجتنب عبادتها، فقال:
стр. 7009
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ، لَهُمُ الْبُشْرى﴾ أي والذين أعرضوا عن عبادة الأصنام والشيطان، وأقبلوا على عبادة الله معرضين عما سواه، لهم البشارة العظمى بالثواب الجزيل، وهو الجنة، إما على ألسنة الرسل، أو حين الموت أو عند البعث. وهي بشارة شاملة لمن نزلت الآية في حقهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والآية كقوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس ٦٤/ ١٠].
والطاغوت (١): يطلق على الواحد والجمع، ويشمل عبادة الأوثان والشيطان، لأن الشيطان هو الآمر بتلك العبادة والمزيّن لها، فهو سبب الكفر والعصيان.
﴿فَبَشِّرْ عِبادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي بشر بالجنة أيها الرسول عبادي المؤمنين الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت، والذين يستمعون القول الحق، من كتاب الله وسنة رسوله، فيفهمونه، فيتبعون أحسن ما يؤمرون به، فيعملون بما فيه، كما قال تعالى لموسى ﵇: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها﴾ [الأعراف ١٤٥/ ٧].
وهذا مدح لهم بأنهم نقّاد في الدين يميزون بين الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي هؤلاء المتصفون بهذه الصفة هم الذين وفقهم للصواب في الدنيا والآخرة، وهم ذوو العقول الصحيحة والفطر المستقيمة.
стр. 7010
ثم بيّن تعالى أضداد المذكورين قائلا:
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ، أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ﴾ أي أأنت مالك أمر الناس، فمن وجب عليه العذاب لإعراضه وعناده، فأنت تخلصه من النار؟ والمعنى: إنك لا تقدر على هدايته، فتنقذه من عذاب النار. والآية تسلية لرسول الله ص، لأنه كان حريصا على إيمان قومه، فأعلمه الله أن من كان من أهل الضلالة والهلاك، لا تستطيع هدايته.
ثم أعاد الله تعالى الإخبار عن جزاء المتقين السعداء للحض على التقوى، فقال:
﴿لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ﴾ أي لكن أولئك الذين اتقوا عذاب ربهم بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، لهم في الجنة غرف مبنية محكمة البناء، وهي القصور الشاهقة ذات الطبقات المزخرفات العالية، لأن الجنة درجات بعضها فوق بعض، والنار دركات بعضها تحت بعض، والجنة تجري فيها من تحت تلك الغرف أنهار عذبة الماء، وفي ذلك كمال بهجتها وزيادة رونقها، ثم أكد تعالى حسن هذا الجزاء، فأخبر أنه وعد من الله وعده للمتقين المؤمنين، ووعد الله حق ثابت، لا ينقض ولا يخلف.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - أمر الله المؤمنين بأن يضموا إلى الإيمان التقوى: وهي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، مما يدل على أن الإيمان وحده لا يكفي، كما يدل على أن الإيمان يبقى مع المعصية.
٢ - للتقوى فوائد جلّى، فللمتقين حسنة في الدنيا من صحة وعافية ونصر
стр. 7011
وسلطان وجاه وغنى، وحسنة في الآخرة بالثواب الجزيل والعطاء الكثير الدائم.
٣ - لا عذر للمقصرين في الإحسان والطاعة، فمن صد عن طاعة الله في بلد، فعليه المهاجرة إلى بلد آخر يتمكن فيه من الاشتغال بالطاعات والعبادات، اقتداء بالأنبياء والصالحين في هجرتهم إلى غير بلادهم، ليزدادوا إحسانا إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم.
والمقصود من الآية ﴿وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ﴾ الترغيب في الهجرة من مكة حيث كانت واجبة في صدر الإسلام، والصبر على مفارقة الأوطان.
٤ - الصبر: هو الرضا بمفارقة الأوطان والأهل، واحتمال البلايا وفجائع الدنيا في طاعة الله تعالى. وثواب الصبر مفتوح غير مقيد بحدود، فكل من رضي بما أصابه، وترك ما نهي عنه، فلا مقدار لأجره. وهذا يشابه ثواب الصوم،
لقوله ص عن ربه فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: «الصوم لي وأنا أجزي به».
عن الحسين ﵄ قال: سمعت جدي رسول الله ص يقول: «أدّ الفرائض تكن من أعبد الناس، وعليك بالقنوع تكن من أغنى الناس، يا بني إن في الجنة شجرة يقال لها: شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، يصبّ عليهم الأجر صبّا» ثم تلا النبي ص:
﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾.
قال النحاس: لفظ صابر يمدح به، وإنما هو لمن صبر عن المعاصي، وإذا أردت أنه صبر على المصيبة قلت: صابر على كذا.
ثم إن الأجر على الصبر إنما هو بحسب الوعد من الله، لا بحسب الاستحقاق.
٥ - أمر الله تعالى رسوله ص مرتين في هذه الآيات للتأكيد بإخلاص
стр. 7012
العبادة والطاعة لله وحده لا شريك له، دون أن تكون مشوبة بشائبة الشرك أو الرياء أو غير ذلك. وأمة الرسول ص من بعده مأمورة بذلك، لأن أمر الرسول ص أمر للأمة، والبدء به تعليم وإرشاد وجعله قدوة لأمته.
كذلك أمر الله تعالى رسوله ص بأن يكون أول المسلمين من هذه الأمة، وكان ذلك فعلا، فإنه كان أول من خالف دين آبائه، وخلع الأصنام وحطمها، وأسلم لله وآمن به، ودعا إلى ذلك.
وأمر الرسول ص أيضا بأن يخاف عذاب يوم القيامة.
وكل هذه الأوامر تعريض بالمشركين وتعليم وإرشاد للمؤمنين.
٦ - قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ ليس إباحة ولا إذنا وإقرارا لعبادتهم الأصنام، وإنما هو أمر تهديد ووعيد وتقريع، كقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت ٤٠/ ٤١] وقوله: ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ [الأنعام ١٣٥/ ٦].
٧ - إن الخسارة الكبرى التي لا تعوض للمشركين والكافرين هي خسارة النفس والأهل يوم القيامة بسبب الضلال عن الدين الحق، والإضلال للأتباع عن دين الله. قال ابن عباس: ليس من أحد إلا وخلق الله له زوجة في الجنة، فإذا دخل النار خسر نفسه وأهله. ومن عمل بطاعة الله، كان له ذلك المنزل والأهل إلا ما كان له قبل ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾ [المؤمنون ١٠/ ٢٣].
٨ - للكفار عذاب يحيط بهم من كل جانب في نار جهنم يوم القيامة. وهو عذاب شديد، لذا خوّف الله به عباده المؤمنين وأولياءه المتقين، فيا أولياء الله، اتقوا الله ربّكم من هذا العذاب، بإخلاص التوحيد والطاعة. وهذا وعيد شديد لعبدة الأصنام.
стр. 7013
٩ - وعد الله بالجنة المؤمنين الذين اجتنبوا عبادة الأوثان والشياطين الذي زين لهم تلك العبادة، والذين أنابوا إلى الله، أي رجعوا بالكلية إلى عبادته وطاعته.
وهؤلاء فعلا هم الذين انتفعوا بعقولهم، وهم الذين ميّزوا بين الحق والباطل، وبين الحسن والقبيح، ففهموا أوامر الله، واتبعوا كتاب الله وسنة رسوله ص.
١٠ - الهداية بيد الله تعالى وحده، لذا خاطب الله رسوله ص مسليا له:
أفأنت تنقذ من النار من حقت عليه كلمة العذاب؟ ويلاحظ أن الهداية والضلال من خلق الله تعالى وإيجاده، كخلق جميع أعمال الإنسان، أما تحصيلهما واكتسابهما واختيارهما فمن العبد، قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾ [الكهف ١٧/ ١٨].
١١ - لما بيّن الله تعالى أن للكفار ظللا من النار من فوقهم ومن تحتهم، بيّن أن للمتقين غرفا فوقها غرف، أي علالي مرتفعة فوقها علالي مبنية كبناء منازل الأرض، لأن الجنة درجات يعلو بعضها بعضا، وللنار دركات بعضها أسفل من بعض.
والجنة مزدانة بأبهى أنواع الجمال، فهي تجري من تحت غرفها الأنهار، أي هي جامعة لأسباب النزهة، وقد وعد الله بها عباده الأتقياء وعدا محققا كائنا لا شك فيه، كما أوعد الكافرين بالنار، وإن الله لا يخلف الميعاد الذي وعد به الفريقين.
стр. 7014
حال الدنيا
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١)﴾
الإعراب:
﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً﴾ ﴿يَجْعَلُهُ﴾: فعل مضارع مرفوع، وقرئ بالنصب، وهي قراءة ضعيفة.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تعلم ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ من السحاب مطرا ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ﴾ أدخله عيونا وأمكنة نبع، والينابيع: جمع ينبوع: وهو عين الماء ﴿يَهِيجُ﴾ ييبس ويجف ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ تشاهده بعد الخضرة مثلا مصفرا ﴿أَلْوانُهُ﴾ أنواعه وأصنافه ﴿حُطاماً﴾ فتاتا مكسرا ﴿لَذِكْرى﴾ تذكيرا بأنه لا بد من صانع حكيم دبره وسوّاه ﴿لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ لأصحاب العقول، فهم لا غيرهم الذين يتذكرون به للدلالة على وحدانية الله تعالى وقدرته.
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى الآخرة بصفات تقتضي الرغبة فيها، وفي طاعة الله، وصف الدنيا بصفة تستوجب النفرة منها، وهي قصر مدتها وسرعة زوالها.
وإنما قدم وصف الآخرة، لأن الترغيب في الآخرة مقصود بالذات، والتنفير عن الدنيا مقصود عرضا.
التفسير والبيان:
ألم تشاهد أيها الرسول وكل مخاطب أن الله أنزل من السحاب مطرا، فأدخله
стр. 7015
وأسكنه في الأرض، ثم أخرج منها عيونا متدفقة بالماء، ثم تسقى به الأرض، فيخرج بذلك الماء من الأرض زرعا مختلفا أنواعه، كبّر وشعير وخضار وغيرهما، ومختلفا ألوانه، من أصفر وأخضر وأبيض وأحمر وغيرها من الألوان البديعة الأخاذة.
ثم ييبس ويجف، فتراه مصفرا بعد خضرته ونضارته، ثم يصير متفتتا متكسرا، وإنّ فيما تقدم ذكره من إنزال المطر وإخراج الزرع به موعظة ينتفع بها أهل العقول الصحيحة، وتذكرة وتنبيها على حكمة فاعل ذلك وقدرته.
فهؤلاء يعلمون بأن حال الحياة الدنيا كحال هذا الزرع في سرعة الزوال والانقطاع، وذهاب بهجتها، وتلاشي رونقها ونضارتها، ولم يبق لديهم شك في أن الله قادر على البعث والحشر.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ، وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ [الكهف ٤٥/ ١٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية تدل على قدرة الله في إحياء الخلق، والتمييز بين المؤمن والكافر، فهو قادر على ذلك، كما أنه قادر على إنزال الماء من السماء، أي إنزال المطر من السحاب.
وهي أيضا ترغب في الآخرة لخلودها، وتنفر من الدنيا لتوقيتها وقصر مدتها وسرعة زوالها وانقضائها.
فهذه الدنيا الفانية متاعها زائل، وزخرفها باهت، وهي متحولة متغيرة لا تبقى على حال واحدة، ونهايتها محتومة، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها
البلاغة:
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾؟ إيجاز بالحذف لدلالة السياق عليه ل حذف خبره وتقديره:
كمن طبع الله على قلبه؟ ومثله: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ وجوابه كمن أمن منه بدخول الجنة.
﴿وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ أي وقيل لهم، وضع الظاهر موضع الضمير تسجيلا للظلم عليهم وإشعارا بما يوجب القول لهم، وهو: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.
﴿يَهْدِي﴾ و ﴿يُضْلِلِ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿شَرَحَ﴾ فتح وبسط، والمراد: خلق نفسه شديدة الاستعداد لقبول الإسلام ﴿صَدْرَهُ﴾ أي قلبه، فاهتدى، من حيث إن الصدر محل القلب منبع الروح المتعلق بالنفس القابلة للإسلام، وجواب الاستفهام محذوف تقديره: كمن طبع الله على قلبه، بدليل ما بعده وهو: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ ويل: كلمة عذاب، والقاسية قلوبهم: المعرضة عن قبول القرآن، والقسوة: جمود القلب وصلابته. وقوله المتقدم: ﴿فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ يعني نور المعرفة والاهتداء إلى الحق، والنور:
البصيرة والهدى،
قال ص: «إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح» وسيأتي الحديث بتمامه ﴿مُبِينٍ﴾ بيّن واضح.
﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ أي القرآن ﴿كِتاباً﴾ قرآنا ﴿مُتَشابِهاً﴾ في النظم والمعنى، أي يشبه بعضه بعضا في الإعجاز، وحسن النظم، والدقة، وصحة المعنى والإحكام ﴿مَثانِيَ﴾ جمع مثنى، من التثنية: التكرار، أي ثنى فيه الوعد والوعيد وغيرهما ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ﴾ تضطرب وتتحرك وترتعد خوفا عند ذكر وعيده ﴿يَخْشَوْنَ﴾ يخافون ﴿تَلِينُ﴾ تطمئن وتسكن ﴿إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ عند ذكر وعده ﴿ذلِكَ﴾ الكتاب ﴿هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ هدايته ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ ومن يخذله ﴿فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ يخرجه من الضلالة.
﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ﴾ يجعله درقة (ترسا) يقي به نفسه أشد العذاب، بأن يلقى في النار مغلولة يداه إلى عنقه، والجواب محذوف تقديره: كمن أمن منه بدخول الجنة ﴿لِلظّالِمِينَ﴾ كفار مكة وأمثالهم ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي ذوقوا وباله وجزاءه.
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي كذبوا رسلهم في إتيان العذاب ﴿فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ من الجهة التي لا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها ﴿الْخِزْيَ﴾ الذل والهوان ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ كالقتل والسبي والإجلاء والخسف والمسخ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لو كان المكذبون يعلمون عذاب الآخرة ما كذبوا.
стр. 7018
سبب النزول:
نزول الآية (٢٣):
﴿اللهُ نَزَّلَ﴾:
روى الحاكم وغيره عن سعد بن أبي وقاص قال: نزل على النبي ص القرآن، فتلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله، لو حدثتنا؟ فنزل: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾. وعن ابن عباس: أن قوما من الصحابة قالوا: يا رسول الله، حدّثنا بأحاديث حسان وبأخبار الدهر، فنزل: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى ما يوجب الإقبال على الآخرة بطاعة الله تعالى، وما يوجب الإعراض عن الدنيا، أوضح أن الانتفاع بهذه البيانات لا يكمل إلا إذا شرح الله الصدور ونوّر القلوب، ثم أوضح أن من أضله الله فلا هادي له، وأن من يلقى في النار ليس كمن آمن وأمن، فدخل الجنة، وأن مكذبي الرسل لهم عذاب شديد في الدنيا والآخرة.
التفسير والبيان:
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ؟﴾ أي أفمن وسّع الله صدره للإسلام، فقبله واهتدى بهديه، فهو بسبب هذه الهداية على بصيرة ونور من ربه يفيض عليه، أي نور المعرفة والاهتداء إلى الحق، كمن قسا قلبه لسوء اختياره وغفلته وجهالته، فصار في ظلمات الضلالة وبليّات الجهالة؟!.
والمعنى: أنه لا يستوي المهتدي المهدي الموفق للإسلام والحق ومن هو قاسي القلب، البعيد عن الحق، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً، فَأَحْيَيْناهُ، وَجَعَلْنا لَهُ
стр. 7019
نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ، كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ [الأنعام ١٢٢/ ٦] وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ [الأنعام ١٢٥/ ٦].
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قلنا: يا رسول الله، قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ، فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ كيف انشرح صدره؟ قال: «إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح، قلنا: يا رسول الله، وما علامة ذلك؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله».
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عمر: أن رجلا قال:
يا رسول الله، أي المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم له استعدادا، وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع، قالوا: فما آية ذلك يا نبي الله؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت».
ثم ذكر عقاب قساة القلوب للدلالة على الكلام المحذوف الذي قدر، فقال:
﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ، أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي فالعذاب الشديد لمن لا تلين قلوبهم عند ذكر الله، ولا تخشع ولا تعي ولا تفهم، أولئك قساة القلوب في ضلال واضح عن الحق، وغواية ظاهرة لكل الناس.
أخرج الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ص: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي».
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ص قال: «قال الله تعالى: اطلبوا
стр. 7020
الحوائج من السّمحاء، فإني جعلت فيهم رحمتي، ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم، فإني جعلت فيهم سخطي».
وقال مالك بن دينار: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب، وما غضب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم.
ثم وصف الله القرآن الذي يشرح الصدر، فقال:
﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ، تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ أي الله (١) نزل أحسن الأحاديث وهو القرآن، لما فيه من الخيرات والبركات والمنافع العامة والخاصة، وهو كتاب يشبه بعضه بعضا في جمال النظم وحسن الإحكام والإعجاز، وصحة المعاني، وقوة المباني، وبلوغه أعلى درجات البلاغة، وتثنى فيه القصص وتردد، وتتكرر فيه المواعظ والأحكام من أوامر ونواه ووعد ووعيد، ويثنى في التلاوة فلا يملّ سامعه، ولا يسأم قارئه.
إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين لله، كما قال الزجاج، وتضطرب النفس وترتعد بالخوف مما فيه من الوعيد. ثم تسكن وتطمئن الجلود والقلوب عند سماع آيات الرحمة، قال قتادة: هذا نعت أولياء الله، نعتهم بأنها تقشعر جلودهم، ثم تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان.
عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: كان أصحاب النبي ص إذا قرئ عليهم القرآن، كما نعتهم الله، تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم.
стр. 7021
قيل لها: فإن أناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن، خر أحدهم مغشيا عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي ذلك الكتاب أو القرآن هو هداية الله يهدي به من يشاء هدايته ويوفقه للإيمان، وهذه صفة من هداه الله، ومن كان على خلاف ذلك، فهو ممن أضله الله.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ أي من يخذله الله عن الإيمان بالقرآن من الفساق والفجرة، فلا مرشد له.
ثم أبان الله تعالى سبب التفرقة بين المهتدي والضال، فقال:
﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ؟﴾ هذا مثل قوله تعالى:
﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [فصلت ٤٠/ ٤١]. والمعنى:
أمن يتقحم نار جهنم، فلا يجد ما يتقي به سوى وجهه، ليتقي العذاب الشديد يوم القيامة، كمن هو آمن لا يعتريه شيء من المخاوف أو المكروه، ولا يحتاج إلى اتقاء المخاوف، بل هو سالم من كل سوء، مطمئن في جنة الله؟! أي لا يستوي هذا وذاك، كما قال : ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك ٢٢/ ٦٧].
﴿وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ: ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي: وحين يقال للكافرين:
ذوقوا جزاء كسبكم من المعاصي في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة ٣٥/ ٩].
ثم ذكر تعالى عذاب مكذبي الرسل من الأمم الماضية في الدنيا، فقال:
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي إن بعض
стр. 7022
الأمم الماضية الذين كذبوا الرسل، أهلكهم الله بذنوبهم، وأتاهم العذاب من جهة لا يترقبون إتيان العذاب منها، وذلك عند أمنهم وغفلتهم، فأذاقهم الله الذل والهوان بما أنزل بهم من العذاب والنكال، كالخسف والمسخ والقتل والسبي والأسر وغير ذلك.
ثم إن عذاب الآخرة أشد وأنكى وأعظم مما أصابهم في الدنيا، لكونه في غاية الشدة والدوام، لو كانوا ممن يعلم ويتفكر ويعمل بمقتضى علمه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - لا يستوي المهتدي الذي شرح الله صدره للإسلام، فهو على هدى من ربه، ومن طبع على قلبه وحرم الهداية، فالويل ثم الويل لقساة القلوب المعرضين عن ذكر الله، فهم في ضلال واضح.
٢ - القرآن الكريم هو أحسن الحديث، أي أن أحسن ما يسمع هو ما أنزله الله وهو القرآن، وهذه هي الصفة الأولى للقرآن.
ومن خصائصه وصفاته: أنه متشابه بعضه مع بعض في الحسن والحكمة والإحكام أي في النظم والمعنى، ويصدق بعضه بعضا، ليس فيه تناقض ولا اختلاف. وأنه مثاني أي تثنى فيه القصص والمواعظ والأحكام، وتثنى تلاوته فلا يملّ منه، وأنه يجمع بين الترهيب والترغيب، فالنفس المؤمنة به تضطرب وتخاف مما فيه من الوعيد، ثم تطمئن وتسكن عند سماع آيات الرحمة. وأنه هدى الله الذي يهدي به من يشاء هدايته، وأما من يضله ويخذله من الفساق والفجار المعرضين عنه، فلا مرشد له. فهذه صفات خمس للقرآن المجيد.
٣ - لا يستوي عقلا وعدلا وواقعا رجلان: أحدهما يرمى به مكتوفا في
стр. 7023
النار، فأول شيء تمس منه النار وجهه، ومن هو آمن من العذاب لا يتعرض لشيء من المكروه والمخاوف. ويقال للظالمين الكافرين تبكيتا وتوبيخا:
﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.
٤ - إن عقاب الأمم الماضية المكذبة بالرسل نوعان: عقاب في الدنيا بالمسخ والخسف والزلزلة والصيحة والريح الصرصر والغرق والقتل والأسر والتشريد والذل والهوان ونحو ذلك، مما أتاهم من جهة لا يحتسبون إتيان العذاب منها، وعقاب آخر أشد وأنكى وأكبر وأعظم مما أصابهم في الدنيا، لو علموا به وتفكروا وتأملوا، وعملوا بمقتضى علمهم.
والمقصود من كل ذلك التخويف والترهيب.
عربية القرآن وضرب الأمثال فيه
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾
الإعراب:
﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ ﴿قُرْآناً﴾: توطئة للحال أو حال مؤكدة، و ﴿عَرَبِيًّا﴾: حال من القرآن.
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً.﴾. بدل من ﴿مَثَلاً﴾ تقديره: ضرب الله مثلا مثل رجل، فحذف المضاف.
стр. 7024
و ﴿فِيهِ شُرَكاءُ﴾ مرفوع بالظرف على المذهبين: البصري والكوفي، لأن الظرف وقع صفة لقوله: ﴿رَجُلاً﴾. و ﴿رَجُلاً سَلَماً﴾ معطوف على قوله: ﴿رَجُلاً﴾ الأول، أي مثل رجل سالم.
﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً﴾ تمييز.
المفردات اللغوية:
﴿ضَرَبْنا﴾ جعلنا ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ يحتاج إليه الناظر في أمر دينه ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ لا اختلال فيه بوجه من الوجوه، ولا لبس ولا اختلاف ﴿يَتَّقُونَ﴾ الكفر.
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً﴾ للمشرك والموحد، وضرب المثل: تشبيه حال غريبة بحال أخرى مثلها ﴿مُتَشاكِسُونَ﴾ متنازعون مختلفون لسوء أخلاقهم وطباعهم ﴿سَلَماً﴾ سالما خالصا ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً﴾ أي لا يستوي العبد المملوك لجماعة، والعبد لواحد، فإن الأول يحتار فيمن يخدم من أسياده إذا طلبوه وهو مثل للمشرك، والثاني مثل للموحد.
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ كل الحمد له وحده، لا يشاركه فيه على الحقيقة سواه، لأنه المنعم بالذات والمالك على الإطلاق ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أكثر أهل مكة والكفار لا يعلمون ما ينتظرهم من العذاب، فيشركون بالله غيره، لفرط جهلهم.
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ إنك يا محمد ميت، والكل سواء في الموت، ستموت ويموتون، فلا شماتة بالموت. نزلت الآية لما استبطؤوا موته ص. والميّت (بالتشديد) من سيموت، والميت (بالتخفيف) من مات ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ أيها الناس، فيه تغليب المخاطب على الغائب ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ تحتكمون للقضاء فيما حدث بينكم من المظالم.
المناسبة:
بعد بيان صفات القرآن الخمس المتقدمة والتي على رأسها أنه ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ ذكر تعالى خواص أخرى للقرآن: هي أنه يضرب فيه الأمثال للناس تخويفا وتحذيرا، وأنه قرآن متلو إلى يوم القيامة، وأنه عربي اللسان، وغير ذي عوج، أي بريء من التناقض.
стр. 7025
ثم ذكر فيه مثلا عجيبا للمؤمن الموحد والمشرك، يدل على فساد مذهب المشركين، بعد أن أفاض تعالى في شرح وعيد الكفار في هذه السورة.
التفسير والبيان:
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي لقد بيّنا للناس المطلوب فيه بضرب الأمثال، من كل مثل يحتاجون إليه في أمر دينهم، ومن أمثال القرون الخالية تخويفا لهم وتحذيرا، والمثل يقرّب المعنى إلى الذهن، لعلهم يتعظون، فيعتبرون. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ، وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٣/ ٢٩]. والخلاصة: أن الحكمة في ضرب الأمثال للناس هي أن تكون عظة وذكرى لهم ليتقوا ربهم، ويرتدعوا عن غيهم.
ووصف القران بصفات ثلاث: هي كونه قرآنا أي كونه متلوا في المحاريب إلى قيام القيامة، كما قال تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ، وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر ٩/ ١٥]. وكونه عربيا بلسان عربي مبين، أي أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء ٨٨/ ١٧].
وكونه غير ذي عوج، أي براءته من التناقض، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ، لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء ٨٢/ ٤]. وذلك لعلهم يتقون ما حذرناهم منه من بأس الله وسطوته.
وإنما قدم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ على ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ لأن التذكر متقدم على الاتقاء، لأنه إذا اتعظ به وفهم معناه، حصل الاتقاء والاحتراز.
ثم ذكر تعالى مثلا للمؤمن الموحد والكافر المشرك، فقال:
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً، فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ، وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ، هَلْ
стр. 7026
يَسْتَوِيانِ مَثَلاً﴾؟ أي ضرب الله مثلا للمشرك في صنعه لا في معبوده، الذي يعبد أكثر من إله، بحالة رجل عبد مملوك يملكه عدد من الرجال، مختلفون فيما بينهم، متنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم، متعاسرون، لسوء أخلاقهم وطباعهم، كل له رأي وحاجة، فإذا طلب كل واحد من السادة من هذا العبد شيئا أو حاجة، فماذا يفعل، وكيف يرضي جميع الشركاء؟ كذلك المشرك في عبادته آلهة متعددة لا يتمكن من إرضاء جميع تلك الآلهة.
وضرب الله مثلا آخر للمؤمن الموحد بحالة رجل آخر مملوك لشخص واحد، لا يشاركه فيه غيره، فإذا طلب منه شيئا لبّاه دون ارتباك ولا حيرة، وهذا كالمسلم الذي لا يعبد إلا الله، ولا يسعى لإرضاء غير ربه، فهل يكون في طمأنينة أم في حيرة؟ هذان المملوكان هل يستويان صفة وحالا؟ أي لا يستوي هذا وهذا، فكذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، فأين هذا من هذا؟ ولما كان هذا المثل ظاهرا بيّنا جليا، قال تعالى:
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي الحمد لله على إقامة الحجة عليهم، وعلى أن الحمد لله لا لغيره، وعلى التوفيق للإسلام والحق، بل أكثر الناس لا يعلمون هذا الفرق، فيشركوا مع الله غيره.
ونظرا لجهل أكثر الناس بالحق وعدم انتفاعهم بهذا المثل، أخبر تعالى تهديدا بالموت بأن مصير الخلائق كلهم إلى الله، وهناك يتقاضون في المظالم بين يدي الله، فقال:
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ أي إنك أيها الرسول ستموت، وهم سيموتون، ثم يحصل التقاضي عند الله، فيما اختلفتم
стр. 7027
فيه في الدنيا من التوحيد والشرك، وسيحكم الله بينكم يوم القيامة، فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين، ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين.
وقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ.﴾. نعي أجل رسول ص وإعلام الصحابة بأنه يموت ولا يخلد في الدنيا، فقد كان بعضهم يعتقد أنه لا يموت، وهو أيضا حث لكفار قريش على انتهاز الفرصة، والمسارعة إلى الإيمان، وتلقي الوحي عن النبي ص، لأن إقامته فيهم قليلة، وليس خالدا بينهم.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ ليس خاصا بالمؤمنين والكافرين في التخاصم بينهم في الدار الآخرة، وإنما هي شاملة لكل متنازعين في الدنيا، فإنه تعاد عليهم الخصومة في الآخرة. وهو دليل على أن محمدا ص سيخاصم قومه ويحتج عليهم بأنه قد بلغهم الرسالة وأنذرهم، وهم يخاصمونه، ويعتذرون بما لا معنى له.
روى الترمذي-وقال: حسن صحيح-عن الزبير بن العوام ﵁ قال: لما نزلت هذه السورة على رسول الله ص: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قال الزبير ﵁: أي، رسول الله، أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا، مع خواص الذنوب؟ قال ص:
«نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه».
وروى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ص:
«أول الخصمين يوم القيامة جاران».
وروى الإمام أحمد أيضا عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ص: «والذي نفسي بيده، إنه ليختصم حتى الشاتان فيما انتطحتا».
وروى الحافظ أبو بكر البزار عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله
стр. 7028
ص: «يجاء بالإمام الجائر الخائن يوم القيامة، فتخاصمه الرعية، فيفلحون عليه، فيقال له: سدّ ركنا من أركان جهنم».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الآتي:
١ - القرآن الكريم كتاب شامل كامل لم يترك شيئا من أمر الدنيا والآخرة إلا بينه وأجلاه، حتى بالأمثال الموضحة للناس معانيه ومراميه، قال تعالى:
﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٣٨/ ٦].
والقرآن الكريم عظة وتذكير، وسبب اتقاء الكفر وتكذيب الرسل.
وخواصه: أنه قرآن متلو في المحاريب وغيرها إلى يوم القيامة، ونزل بلسان عربي مبين، ولا تناقض ولا اختلاف فيه.
٢ - إن مذهب المشركين في عبادة الأوثان وتعدد الآلهة فاسد باطل لا يقبله عاقل صحيح العقل، ومن عوامل بطلانه وتهافته أنه لا يحقق لذويه غاياتهم، وأبسط دليل على ذلك هو هذا المثل الذي ضربه القرآن هنا للمؤمن الموحد والكافر المشرك.
مثل الأول الذي يعبد الله وحده: مثل رجل عبد مملوك لسيد واحد، يستطيع إرضاءه وتحقيق مراده. ومثل الثاني الذي يعبد آلهة متعددة: مثل رجل عبد مملوك لعدة شركاء، يطلبون منه في الخدمة مطالب متعارضة، فكيف يستطيع إرضاء الكل؟ وأخلاقهم متباينة، ونياتهم متغايرة، لا يلقاه أحد إلا استخدمه في حوائجه الخاصة، فتراه يلقى منهم العناء والنصّب والتعب الشديد، وهو مع ذلك لا يرضي واحدا منهم بخدمته، لكثرة الحقوق والواجبات الملقاة على عاتقه، مما يجعله ينفر ويأبق ويهرب ولا يستمر على هذا النحو من العذاب.
стр. 7029
أما الذي يخدم واحدا لا ينازعه فيه أحد، إذا أطاعه وحده، عرف ذلك له، وإن أخطأ صفح عن خطئه، فأيهما أقل تعبا أو على هدى مستقيم؟! لذا ختم الله تعالى بيانه بتعليمنا فضله علينا، وإرشادنا إلى حمده وشكره والثناء عليه على أن هدانا للإسلام، ووفقنا للحق، بعد ظهور الحجة على الكافرين، ولكن أكثر الناس لا يعلمون الحق، فيتبعونه.
٣ - إن مصير جميع الخلائق إلى الله لحسابهم وتصفية منازعاتهم والقضاء العدل فيهم، سواء المؤمنون والكافرون، فيتخاصم الكافر والمؤمن والظالم والمظلوم،
وورد في خبر عن ابن منده عن ابن عباس: «إن الخصومة تبلغ يوم القيامة إلى أن يحاجّ الروح الجسد».
وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي ص قال: «من كان عنده مظلمة لأخيه من عرض أو مال، فليتحلله اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح، أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه، فحملت عليه».
وأخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ أيضا أن رسول الله ص قال:
«أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال رسول الله ص: إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار».
وقال أبو سعيد الخدري: كنا نقول: ربنا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفّين، وشد بعضنا على بعض بالسيوف، قلنا: نعم هو هذا.
стр. 7030
وعيد المكذبين ووعد المصدقين
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي اِنْتِقامٍ (٣٧)﴾
الإعراب:
﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾: ﴿الَّذِي﴾: مبتدأ، وخبره:
﴿أُولئِكَ﴾. وإنما جاز أن يقع ﴿أُولئِكَ﴾ خبرا للذي، و ﴿أُولئِكَ﴾ جمع، و ﴿الَّذِي﴾ واحد، لأن ﴿الَّذِي﴾ يراد به الجنس، فلهذا جاز أن يقع خبره جمعا.
البلاغة:
﴿مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ فيه إقامة الظاهر مقام المضمر، أي مثوى لهم.
﴿يُضْلِلِ﴾ و ﴿هادٍ﴾ و ﴿يَهْدِ﴾ و ﴿مُضِلٍّ﴾ بينهما طباق.
﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾؟ استفهام إنكار للنفي، مبالغة في الإثبات، والعبد: رسول الله ص، ويحتمل إرادة الجنس، وفسر بالأنبياء. وهكذا كل استفهام إنكاري مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح ١/ ٩٤]، ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ﴾ [يس ٦٠/ ٣٦] دخل على نفي، يفيد معنى التقرير والتثبيت بالدليل، إذ نفي النفي إثبات.
стр. 7031
المفردات اللغوية:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ.﴾. أي لا أحد أظلم ﴿مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ﴾ بنسبة الشريك والولد إليه ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ وهو القرآن الذي جاء به محمد ص ﴿مَثْوىً﴾ مقاما ومأوى ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ اللام تحتمل العهد (أي كفار قريش) والجنس: جميع الكفار، وذلك يكفيهم جزاء لأعمالهم.
﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ هو النبي ص ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هم أتباعه المؤمنون، كأبي بكر الصديق، فالذي: بمعنى الذين، لذا قال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الشرك ﴿جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانهم ﴿أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا، وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ.﴾. أسوأ وأحسن بمعنى السيء والحسن، كقولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان. ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾: ويعطيهم ثوابهم على الطاعات في الدنيا. و ﴿الَّذِي عَمِلُوا﴾: ما عملوه من المعاصي. وخص الأسوأ للمبالغة، فإنه إذا كفّر كان غيره أولى بذلك. ويقابلهم بالأحسن في زيادة الأجر وعظمه لفرط إخلاصهم في أعمالهم.
﴿بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ أي يكفي عبده النبي ص وعيد المشركين وكيدهم ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ الخطاب للنبي ص، والتخويف من قريش ﴿بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي الأصنام، بأن تقتله أو تخبله ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ تركه في الضلال والاعتقاد بما لا ينفع ولا يضر ﴿فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ يهديهم إلى الرشاد ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ﴾ يوفقه للإيمان ﴿بِعَزِيزٍ﴾ غالب منيع قوي قاهر ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾ أي ينتقم ممن عاداه وعادى رسوله ص.
ويقال: «بلى» بعد كل من الاستفهامات الثلاثة في الآيات: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾؟
سبب النزول:
نزول الآية (٣٦):
﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾: أخرج عبد الرزاق عن معمر: قال لي رجل: قالوا للنبي ص: لتكفّنّ عن شتم آلهتنا أو لنأمرنها فلتخبّلنّك، فنزلت:
﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾.
стр. 7032
المناسبة:
بعد أن بالغ واستقصى الله تعالى في بيان وعيد الكفار، وأردفه بذكر مثل يدل على فساد مذهبهم وقبح طريقتهم في قوله: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً.﴾. أتى هنا بأسوأ اعتقادهم وهو تكذيب الله بإثبات ولد له أو شريك، وتكذيب الرسول ص بعد إثبات صدقه بالأدلة القاطعة، وختمه بوعيدهم في جهنم.
ثم أتبعه بوعد الصادق المصدوق ووعد أتباعه المصدقين المؤمنين من تكفير السيئات ومنحهم أفضل الثواب، ليكون الوعد مقرونا بالوعيد.
التفسير والبيان:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ﴾ هذا نوع آخر من قبائح أفعال الكفار المشركين، وهو أنهم يكذبون الله، ويكذبون القائل المحق وهو رسوله الكريم ص، والمعنى: لا أحد أظلم ممن كذب على الله، فزعم أن له ولدا أو شريكا أو صاحبة وحرّم وحلل من غير أمر الله، وكذب بما جاء به رسول الله ص من دعوة الناس إلى التوحيد، وأمرهم بالقيام بفرائض الشرع، ونهيهم عن محرّماته، وإخبارهم بالبعث والنشور.
فهم جمعوا بين طرفي الباطل: كذب على الله تعالى، وتكذيب رسول الله ص بعد قيام الأدلة القاطعة على كونه صادقا في ادعاء النبوة.
وقوله: ﴿إِذْ جاءَهُ﴾ أي وقت مجيئه فاجأه بالتكذيب من غير فكر ولا ترو ولا نظر، بل وقت مجيئه كذب به.
ثم أردفه بوعيدهم فقال:
﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾؟ بلى، أي أليس في نار جهنم الواسعة
стр. 7033
العريضة مقام ومأوى وسكنى لهؤلاء الكافرين. وفيه تنبيه على علة كذبهم وتكذيبهم، وهو الكفر. والمراد: ألا يكفيهم العذاب في جهنم جزاء على أعمالهم؟ وهو استفهام تقرير وإثبات، لا نفي.
ثم أتبع الوعيد السابق بوعد الصادقين المصدقين، فقال:
﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ، أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ أي أما الذي جاء بالصدق والقول الحق وهو رسول الله ص وخاتم الأنبياء وإمام الرسل، والذين صدقوا به وآمنوا بأنه رسول من عند الله وهم أتباعه المؤمنون، وأيقنوا أن القرآن كلام الله تبيان كل شيء وخير وسعادة للبشرية جمعاء، فأولئك هم الذين اتقوا الله، وتجنبوا الشرك، وتبرؤوا من الأصنام والأوثان.
وثواب هؤلاء ما قال تعالى:
﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي لهم ما يطلبون عند ربهم في الجنان، من رفع الدرجات، ودفع المضرّات، وتكفير السيئات، فضلا عن أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وذلك جزاء الذين أحسنوا في أعمالهم. والإحسان كما
ثبت في الصحيح لدى الشيخين عن عمر عن رسول الله ص، قال: «الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك».
وعلة هذا الجزاء:
﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا، وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وعدهم الله بما سبق ليكفر عنهم سيء ما عملوا، ويجزيهم أجرهم كاملا بالمحاسن من أعمالهم، ولا يجزيهم بالمساوئ. وإذا غفر لهم ما هو الأسوأ من أعمالهم، غفر لهم ما دونه بطريق أولى. والحسن الذي يعملونه هو الأحسن عند الله تعالى.
стр. 7034
وقوله: ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ﴾ يدل على سقوط العقاب عنهم على أكمل الوجوه.
ثم ذكر تعالى أنه يكفي المؤمنين في الدنيا ما أهمهم ويمنع عنهم ما يخوفونهم به، فقال:
﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ أي أن الله سبحانه يكفي من عبده وتوكّل عليه، فيدفع عنه الويلات والمصائب، ويعطيه جميع المرغوبات، كقوله:
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ [البقرة ١٣٧/ ٢].
وعبر بلفظ الاستفهام لإنكار النفي، مبالغة في الإثبات، والمراد تقرير ذلك في النفوس، والإشارة إلى كفايته تعالى على أبلغ وجه وأظهره بحيث لا ينكره أحد، لأنه ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، قادر على كل الممكنات، غني عن كل الحاجات، فهو تعالى عالم بحاجات العباد، وقادر على توفيرها، وهو ليس بخيلا ولا محتاجا حتى يمنعه بخله وحاجته عن إعطاء عبده ما يريد.
والمراد بعبده: النبي ص وجميع عباد الله، بدليل قراءة «عباده».
روى الترمذي والنسائي وابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ص يقول: «أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا وقنع به».
وبعد أن ذكر الله تعالى المقدمة وهي كفاية العباد، رتب عليها النتيجة المطلوبة فقال:
﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي ويخوفك أيها الرسول المشركون ويتوعدونك بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دون الله جهلا منهم وضلالا، فلا تخف مما يخوفونك به من آلهتهم وجنودهم، فإن الله يحميك مما يضرك، وليس عند آلهتهم نفع ولا ضرر. وقد عرفنا في سبب النزول أن المشركين خوفوا
стр. 7035
النبي ص مضرّة الأوثان، فقالوا: أتسبّ آلهتنا؟ لئن لم تكفّ عن ذكرها لتخبلنّك أو تصيبنك بسوء. ولما بعث النبي خالدا إلى كسر العزّى قال له سادنها: إني أخاف عليك منها، فلها قوة لا يقدم لها شيء، فأخذ خالد الفأس، فهشم به وجهها ثم انصرف.
والآية دليل على أن الله يحمي نبيه ص من السوء، ويكفيه وأتباعه الدين والدنيا، إذ لما كان تعالى كافي عبده، كان التخويف بغيره عبثا باطلا.
ثم أبان الله تعالى مدى قدرته وسلطانه ليبطل توعد المشركين ويبين جهلهم، فقال:
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ، وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ أي من حق عليه القضاء بضلالة، لسوئه وفسقه وعصيانه، فما له من هاد يهديه إلى الرشد ويخرجه من الضلالة، ومن يوفقه الله إلى السعادة والإيمان لاستعداده لهما.
فلا مضل له أبدا.
والمراد أن خلق المهتدين والضالين بيد الله، فهو الفاعل، وليس لمن عداه أي تأثير في ذلك، فلا راد لفضله، ولا مانع لمراده، لذا هدد كفار قريش قائلا:
﴿أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾؟ أي أليس الله بغالب لكل شيء قاهر له، ينتقم من عصاته بعذاب شديد؟ فهو منيع الجناب، لا يضام من استند إلى جنابه، ولجأ إلى بابه، فإنه القوي الذي لا أقوى منه، ولا أشد انتقاما منه، ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله ص.
والخلاصة: إن الآية وعد للمؤمنين، وعيد لكفار قريش وأمثالهم.
стр. 7036
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي:
١ - لا أحد عند الله أظلم ممن كذب عليه، فزعم أن له ولدا وشريكا، وكذّب بالقرآن الذي جاء به النبي المصطفى ص.
٢ - يكفي هؤلاء الجاحدين مقرا ومقاما جهنم، وساءت مصيرا.
٣ - إن النبي ص الذي جاء بالصدق والحق، وأتباعه الذين صدقوا به كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، هم المتقون الله حق التقوى، الذي وحّدوه فلم يشركوا به شيئا، وتجنبوا عذابه وعقابه ومعاصيه.
٤ - قد أثبت الله تعالى للذي جاء بالصدق وصدق به أربعة أحكام:
الأول-أنهم هم المتقون، كما تقدم.
الثاني-أن لهم ما يشاءون عند ربهم من الكرامة والنعيم في الجنة، ذلك جزاء المحسنين وهو الثناء في الدنيا، والثواب في الآخرة. وهذا الوعد يدخل فيه كل ما يرغب الإنسان فيه، ويدل على حصول الثواب على أكمل الوجوه.
الثالث-أن الله يكرمهم ولا يؤاخذهم بسيئاتهم، ويثيبهم على الطاعات في الدنيا بأحسن أعمالهم وهي الجنة. وهذا يدل على سقوط العقاب عنهم على أكمل الوجوه.
الرابع-بدد الله كل تخويفات المبطلين التي يرددونها ويشيعونها كثيرا، بإثبات كفايته عباده وحمايته لهم من كل سوء أو شر، سواء أكان مصدر الجن أو الإنس الأشرار، أو الأصنام في زعم عبدتها مع أنها لا تضر ولا تنفع. قال إبراهيم ﵇ فيما حكى القرآن عنه: ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ، وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ
стр. 7037
أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً﴾ [الأنعام: ٨١/ ٦].
٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ﴾ دليل على خلق الأعمال وإرادة الكائنات من الله الذي ينتقم ممن عاداه أو عادى رسله. ودليل أيضا على أن من يضله الله بتركه في غيه وضلالته، فما له من هاد يهديه إلى الخير أبدا، ومن يهديه الله إلى الحق والصواب، فما له من مضل أبدا.
تزييف طريقة عبدة الأصنام وتهديدهم
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَع???????? (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾
الإعراب:
﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ.﴾. ﴿ما تَدْعُونَ﴾ هو المفعول الأول، وجاء المفعول الثاني جملة استفهامية. وفيها العائد على ﴿ما﴾ وهو لفظ «هن».
﴿كاشِفاتُ﴾ .. ﴿مُمْسِكاتُ﴾ كل منهما خبر المبتدأ، ويقرأ كل منهما بالتنوين وترك التنوين، فمن نوّن نصب «ضرّه» و «رحمته» باسم الفاعل، ومن ترك التنوين جرهما بالإضافة، وهي لا تفيد هنا تعريفا، لأنها في نية الانفصال، لأن اسم الفاعل ليس بمعنى الماضي، والأصل هو التنوين، وإنما يحذف للتخفيف.
البلاغة:
﴿ضُرِّهِ﴾ و ﴿رَحْمَتِهِ﴾ بينهما طباق.
стр. 7038
المفردات اللغوية:
﴿وَلَئِنْ﴾ اللام لام القسم. ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ لوضوح البرهان على تفرده بالخالقية. ﴿قُلْ:﴾
﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ.﴾. أي أرأيتم بعد ما تحققتم أن خالق العالم هو الله وليست آلهتكم، إن أراد الله أن يصيبني بضر هل يكشفنه، أو أرادني بنفع هل يمسكنه عني؟ لا، و ﴿تَدْعُونَ﴾ تعبدون، و ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الأصنام. والضر: الشدة والبلاء، والرحمة: النعمة والرخاء. وقال: ﴿كاشِفاتُ﴾ و ﴿مُمْسِكاتُ﴾: لما يصفونها به من الأنوثة، تنبيها على ضعفها.
﴿حَسْبِيَ اللهُ﴾ كافيا في إصابة الخير ودفع الضر، وتقرر بهذا أن الله هو القادر الذي لا مانع لما يريده من خير أو شر ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ يثق الواثقون لعلمهم بأن الكل منه تعالى.
﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ على حالكم، وهو اسم للمكان أستعير للحال. ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ على مكانتي أي على حالتي، فحذف للاختصار والمبالغة في الوعيد. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ فإن خزي أعدائه دليل غلبته، وقد أخزاهم الله يوم بدر ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ عذاب دائم، وهو عذاب النار.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٨):
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾:
روي عن مقاتل أن النبي ص سألهم، فسكتوا، فنزل ذلك. وقال غيره: قالوا: لا تدفع شيئا قدّره الله، ولكنها تشفع، فنزلت.
المناسبة:
بعد أن أوضح الله تعالى وعيد المشركين ووعد الموحدين، عاد إلى إقامة الدليل على تزييف طريقة عبدة الأصنام، معتمدا على أصلين:
الأول-أن هؤلاء المشركين مقرّون بوجود الإله الخالق القادر العالم.
والثاني-أن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر.
стр. 7039
التفسير والبيان:
أقام الله تعالى الدليل على وحدانيته بإقرار المشركين أنفسهم بذلك، فقال:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، لَيَقُولُنَّ: اللهُ﴾ أي إذا سألت المشركين عن خالق السموات والأرض، اعترفوا بأنه هو الله سبحانه، مع عبادتهم للأوثان. وإذا اعترفوا، فكيف قبلت عقولهم عبادة غير الخالق، وتشريك مخلوق مع خالقه في العبادة؟ مع أن هذه المعبودات لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرا، كما قال موبخا لهم:
﴿قُلْ: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ، هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ، أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ، هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾؟ أي إذا أقررتم بأن الله تعالى خلق الأشياء كلها، فأخبروني عن آلهتكم هذه، هل تقدر على كشف ما أراده الله بي من الشدة والضرر، أو هل تستطيع أن تمنع عني ما أراده الله لي من الخير والنعمة والرخاء؟ وإذا كانت في الواقع لا تملك شيئا ولا قدرة لها على شيء، فكيف تجوز عبادتها؟! وأنث قوله: ﴿هُنَّ كاشِفاتُ﴾ و ﴿هُنَّ مُمْسِكاتُ﴾ وهي الأصنام للتنبيه على كمال ضعفها وتحقيرها وتعجيزها، فإن الأنوثة مظنة الضعف، ولأنهم كانوا يصفونها بالتأنيث ويسمونها: اللات والعزى ومناة.
﴿قُلْ: حَسْبِيَ اللهُ، عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ قل أيها النبي: الله كافيني أو كافيّ في جميع أموري من جلب النفع ودفع الضر، فلا أخاف تلك الأصنام التي تخوفونني بها، وإنما أخاف الله الذي عليه لا على غيره يتوكل المؤمنون، ويعتمد المعتمدون.
وذلك كما قال هود ﵇: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ، قالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً، ثُمَّ
стр. 7040
لا تُنْظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ، ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود ٥٤/ ١١ - ٥٦].
أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس قال: كنت خلف النبي ص فقال: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفّت الصحف.
واعمل لله بالشكر في اليقين. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضا، رفع الحديث إلى رسول الله ص قال: «من أحبّ أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى، ومن أحبّ أن يكون أغنى الناس، فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله ».
ثم هدد الله المشركين وأوعدهم بقوله:
﴿قُلْ: يا قَوْمِ، اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ، إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أي قل أيها النبي: يا قومي، اعملوا ما شئتم، اعملوا على حالتكم وطريقتكم التي أنتم عليها من عداوة رسالتي، واعتداد بالقوة والشدة، واجتهدوا في أنواع المكر، فإني على حالتي ومنهجي وطريقتي التي أنا عليها في الدعوة إلى توحيد الله ونشر دينه بين الناس، فسوف تعلمون وبال ذلك، ومن سيأتيه عذاب يهينه ويذله في الدنيا بعد افتخاره واستكباره، فيظهر