← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يلي: ١ - لا أحد عند الله أظلم ممن كذب عليه، فزعم أن له ولدا وشريكا، وكذّب بالقرآن الذي جاء به النبي المصطفى ص. ٢ - يكفي هؤلاء الجاحدين مقرا ومقاما جهنم، وساءت مصيرا. ٣ - إن النبي ص الذي جاء بالصدق والحق، وأتباعه الذين صدقوا به كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، هم المتقون الله حق التقوى، الذي وحّدوه فلم يشركوا به شيئا، وتجنبوا عذابه وعقابه ومعاصيه. ٤ - قد أثبت الله تعالى للذي جاء بالصدق وصدق به أربعة أحكام: الأول-أنهم هم المتقون، كما تقدم. الثاني-أن لهم ما يشاءون عند ربهم من الكرامة والنعيم في الجنة، ذلك جزاء المحسنين وهو الثناء في الدنيا، والثواب في الآخرة. وهذا الوعد يدخل فيه كل ما يرغب الإنسان فيه، ويدل على حصول الثواب على أكمل الوجوه. الثالث-أن الله يكرمهم ولا يؤاخذهم بسيئاتهم، ويثيبهم على الطاعات في الدنيا بأحسن أعمالهم وهي الجنة. وهذا يدل على سقوط العقاب عنهم على أكمل الوجوه. الرابع-بدد الله كل تخويفات المبطلين التي يرددونها ويشيعونها كثيرا، بإثبات كفايته عباده وحمايته لهم من كل سوء أو شر، سواء أكان مصدر الجن أو الإنس الأشرار، أو الأصنام في زعم عبدتها مع أنها لا تضر ولا تنفع. قال إبراهيم ﵇ فيما حكى القرآن عنه: ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ، وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ

стр. 7037

أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً﴾ [الأنعام: ٨١/ ٦]. ٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ﴾ دليل على خلق الأعمال وإرادة الكائنات من الله الذي ينتقم ممن عاداه أو عادى رسله. ودليل أيضا على أن من يضله الله بتركه في غيه وضلالته، فما له من هاد يهديه إلى الخير أبدا، ومن يهديه الله إلى الحق والصواب، فما له من مضل أبدا. تزييف طريقة عبدة الأصنام وتهديدهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَع???????? (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾ الإعراب: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ.﴾. ﴿ما تَدْعُونَ﴾ هو المفعول الأول، وجاء المفعول الثاني جملة استفهامية. وفيها العائد على ﴿ما﴾ وهو لفظ «هن». ﴿كاشِفاتُ﴾ .. ﴿مُمْسِكاتُ﴾ كل منهما خبر المبتدأ، ويقرأ كل منهما بالتنوين وترك التنوين، فمن نوّن نصب «ضرّه» و «رحمته» باسم الفاعل، ومن ترك التنوين جرهما بالإضافة، وهي لا تفيد هنا تعريفا، لأنها في نية الانفصال، لأن اسم الفاعل ليس بمعنى الماضي، والأصل هو التنوين، وإنما يحذف للتخفيف. البلاغة: ﴿ضُرِّهِ﴾ و ﴿رَحْمَتِهِ﴾ بينهما طباق.

стр. 7038

المفردات اللغوية: ﴿وَلَئِنْ﴾ اللام لام القسم. ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ لوضوح البرهان على تفرده بالخالقية. ﴿قُلْ:﴾ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ.﴾. أي أرأيتم بعد ما تحققتم أن خالق العالم هو الله وليست آلهتكم، إن أراد الله أن يصيبني بضر هل يكشفنه، أو أرادني بنفع هل يمسكنه عني؟ لا، و ﴿تَدْعُونَ﴾ تعبدون، و ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الأصنام. والضر: الشدة والبلاء، والرحمة: النعمة والرخاء. وقال: ﴿كاشِفاتُ﴾ و ﴿مُمْسِكاتُ﴾: لما يصفونها به من الأنوثة، تنبيها على ضعفها. ﴿حَسْبِيَ اللهُ﴾ كافيا في إصابة الخير ودفع الضر، وتقرر بهذا أن الله هو القادر الذي لا مانع لما يريده من خير أو شر ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ يثق الواثقون لعلمهم بأن الكل منه تعالى. ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ على حالكم، وهو اسم للمكان أستعير للحال. ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ على مكانتي أي على حالتي، فحذف للاختصار والمبالغة في الوعيد. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ فإن خزي أعدائه دليل غلبته، وقد أخزاهم الله يوم بدر ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ عذاب دائم، وهو عذاب النار. سبب النزول: نزول الآية (٣٨): ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾: روي عن مقاتل أن النبي ص سألهم، فسكتوا، فنزل ذلك. وقال غيره: قالوا: لا تدفع شيئا قدّره الله، ولكنها تشفع، فنزلت. المناسبة: بعد أن أوضح الله تعالى وعيد المشركين ووعد الموحدين، عاد إلى إقامة الدليل على تزييف طريقة عبدة الأصنام، معتمدا على أصلين: الأول-أن هؤلاء المشركين مقرّون بوجود الإله الخالق القادر العالم. والثاني-أن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر.

стр. 7039

التفسير والبيان: أقام الله تعالى الدليل على وحدانيته بإقرار المشركين أنفسهم بذلك، فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، لَيَقُولُنَّ: اللهُ﴾ أي إذا سألت المشركين عن خالق السموات والأرض، اعترفوا بأنه هو الله سبحانه، مع عبادتهم للأوثان. وإذا اعترفوا، فكيف قبلت عقولهم عبادة غير الخالق، وتشريك مخلوق مع خالقه في العبادة؟ مع أن هذه المعبودات لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرا، كما قال موبخا لهم: ﴿قُلْ: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ، هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ، أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ، هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾؟ أي إذا أقررتم بأن الله تعالى خلق الأشياء كلها، فأخبروني عن آلهتكم هذه، هل تقدر على كشف ما أراده الله بي من الشدة والضرر، أو هل تستطيع أن تمنع عني ما أراده الله لي من الخير والنعمة والرخاء؟ وإذا كانت في الواقع لا تملك شيئا ولا قدرة لها على شيء، فكيف تجوز عبادتها؟! وأنث قوله: ﴿هُنَّ كاشِفاتُ﴾ و ﴿هُنَّ مُمْسِكاتُ﴾ وهي الأصنام للتنبيه على كمال ضعفها وتحقيرها وتعجيزها، فإن الأنوثة مظنة الضعف، ولأنهم كانوا يصفونها بالتأنيث ويسمونها: اللات والعزى ومناة. ﴿قُلْ: حَسْبِيَ اللهُ، عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ قل أيها النبي: الله كافيني أو كافيّ في جميع أموري من جلب النفع ودفع الضر، فلا أخاف تلك الأصنام التي تخوفونني بها، وإنما أخاف الله الذي عليه لا على غيره يتوكل المؤمنون، ويعتمد المعتمدون. وذلك كما قال هود ﵇: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ، قالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً، ثُمَّ

стр. 7040

لا تُنْظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ، ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود ٥٤/ ١١ - ٥٦]. أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس قال: كنت خلف النبي ص فقال: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفّت الصحف. واعمل لله بالشكر في اليقين. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا». وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضا، رفع الحديث إلى رسول الله ص قال: «من أحبّ أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى، ومن أحبّ أن يكون أغنى الناس، فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله ». ثم هدد الله المشركين وأوعدهم بقوله: ﴿قُلْ: يا قَوْمِ، اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ، إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أي قل أيها النبي: يا قومي، اعملوا ما شئتم، اعملوا على حالتكم وطريقتكم التي أنتم عليها من عداوة رسالتي، واعتداد بالقوة والشدة، واجتهدوا في أنواع المكر، فإني على حالتي ومنهجي وطريقتي التي أنا عليها في الدعوة إلى توحيد الله ونشر دينه بين الناس، فسوف تعلمون وبال ذلك، ومن سيأتيه عذاب يهينه ويذله في الدنيا بعد افتخاره واستكباره، فيظهر

стр. 7041

عندئذ أنه المبطل وخصمه المحقّ، ويحل عليه عذاب دائم مستمر لا محيد له عنه يوم القيامة، وهو عذاب النار. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات تدرجت في الإثبات من وجوب الاعتقاد بوحدانية الله إلى ضرورة عبادته وحده، إلى معرفة علمه وقدرته وتمكنه من إنفاذ تهديده ووعيده في الوقت المناسب. ولكن ما أغبى المشركين وأجهلهم وأحمقهم وأسخفهم!! إنهم مع عبادتهم الأوثان مقرّون بأن الخالق هو الله، وإذا كان الله هو الخالق القادر العالم الحكيم الرحيم، فكيف يعبدون سواه؟ وكيف يخوفون رسول الله ص بآلهتهم الخرقاء العاجزة التي هي مخلوقة لله تعالى، وهو رسول من عند الله الذي خلقها وخلق السموات والأرض؟! وبعد اعترافهم بهذا، ألا يدركون أن هذه الأصنام جمادات صماء، لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر؟ فإن أراد الله عبده بشدة وبلاء، فلا تستطيع هذه الأصنام دفعه ورفعه وإزالته، وإذا أراد الله إمداد عبده بنعمة ورخاء، فلا تتمكن من حجب رحمته وإمساكها ومنعها، وترك الجواب لدلالة الكلام عليه، يعني فسيقولون: لا تكشف ولا تمسك. وأما المؤمن أو العاقل، فإنه لا يلتفت إلى تخويف المشركين بالأصنام الصماء كما في الآية السابقة: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾، ويعلن أنه معتمد على الله، متوكل عليه، ويجب أن يعتمد عليه المعتمدون. كذلك يصر المؤمن بالبقاء على منهجه وطريقته في عبادة الله وحده ويهزأ بكل من ضل عن هذا المنهج، وسوف تنجلي الحقائق، وتتبين ما تتمخض عنه

стр. 7042

الأحداث والأيام، ويدرك الكفار أنهم مهزومون، واقعون في عذاب مهين مذل في الدنيا، وعذاب شديد دائم في الآخرة. والخلاصة: كما يقول المثل: «من فمك أدينك يا إسرائيل»: إنه تعالى انتزع منهم الإقرار بأن خالق العالم هو الله، ثم سألهم أو استخبرهم عن أصنامهم: هل تدفع شرا وتجلب خيرا؟ لبيان عدم صلاحيتها للألوهية والربوبية، وللتنبيه على الجواب عن قوله تعالى المتقدم: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ فهي معدومة الهيبة والإخافة. مظاهر القدرة التامة والعلم الكامل لله ﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اِهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨)﴾

стр. 7043

الإعراب: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾: ﴿الَّتِي﴾ معطوف بالنصب على ﴿الْأَنْفُسَ﴾ أي ويتوفى التي لم تمت في منامها. ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرى﴾ أي الأنفس الأخرى: وهي التي لم يقض عليها الموت، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، و ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ منصوب ب ﴿يُرْسِلُ﴾. ﴿.. الشَّفاعَةُ جَمِيعاً﴾ ﴿جَمِيعاً﴾ حال من ﴿الشَّفاعَةُ﴾. وإنما قال ﴿جَمِيعاً﴾ و ﴿الشَّفاعَةُ﴾ واحد في لفظه، لأنه مصدر، والمصدر يدل على الجمع، كما يدل على الواحد، فحمل جميع على المعنى، والحمل على المعنى كثير في كلامهم. ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ﴾ ﴿وَحْدَهُ﴾ إما منصوب على المصدر، بحذف الزيادة، لأن أصله «أوحد إيحادا» أو على الحال أو على الظرف، والوجه الأول أوجه الوجوه. و ﴿إِذا﴾ الأولى والثانية شرطيتان، والثانية فجائية كالفاء التي تربط الجواب بالشرط. البلاغة: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ﴾ استفهام إنكار. ﴿الْغَيْبِ﴾ و ﴿الشَّهادَةِ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿اِهْتَدى﴾ و ﴿ضَلَّ﴾ ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ.﴾. فيها مقابلة بين الله تعالى والأصنام، وبين الاستبشار والاشمئزاز. والمقابلة: أن يؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب، وهو من المحسنات البديعية. المفردات اللغوية: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنّاسِ﴾ نزلنا عليك القرآن لأجل الناس، ليحقق مصالحهم الدنيوية والأخروية. ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق بانزلنا أي ملتبسا بالحق ملازما له.

стр. 7044

﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ﴾ أي فاهتداؤه نفع به نفسه. ﴿فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ على نفسه، أي فإن وباله لا يتخطاها. ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي بموكّل عليهم لتجبرهم على الهدى، بل عليك البلاغ فحسب. ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ يقبضها عند انتهاء آجالها. ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ أي ويتوفى غير الميتة وقت النوم، وهي التي لم يحضر أجلها، يتوفاها في منامها. ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ ولا يردها إلى البدن الذي خرجت منه. ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرى﴾ أي النائمة. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي إلى وقت موتها. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور من التوفي والإمساك والإرسال. ﴿لَآياتٍ﴾ دلالات على كمال قدرة الله وحكمته. ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في الحياة والموت، فيعلمون أن القادر على ذلك قادر على البعث، وقريش لم يتفكروا في ذلك. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ بل اتخذت قريش. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ﴾ أي اتخذوا الأصنام آلهة عند الله بزعمهم، تشفع لهم عند الله. ﴿قُلْ: أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً﴾ قل لهم: أيشفعون، ولو لم يملكوا الشفاعة وغيرها؟ لا ﴿وَلا يَعْقِلُونَ﴾ أنكم تعبدونهم، ولا يعقلون غير ذلك. ﴿قُلْ: لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً﴾ أي هو مختص بها ومالك الشفاعة كلها، فلا يشفع أحد إلا بإذنه، ولا يستقل بها أحد. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مالك الملك كله، لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيكون الملك له أيضا حينئذ. ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ﴾ أي دون آلهتهم. ﴿اِشْمَأَزَّتْ﴾ نفرت وانقبضت، والاشمئزاز: أن يمتلئ غما، فيحدث انقباض في القلب، وضيق في النفس، يظهر أثره في الوجه ﴿وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي الأصنام. ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ الاستبشار: امتلاء القلب سرورا، حتى تنبسط له بشرة الوجه. ويستبشرون هنا لفرط افتتانهم بالأصنام ونسيانهم حق الله تعالى. ﴿اللهُمَّ﴾ أي يا الله. ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعها. ﴿عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ ما غاب وما شوهد. ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي فأنت وحدك تقدر أن تحكم بيني وبينهم، في أمر الدين، اهدني لما اختلفوا فيه من الحق. ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ سيئات أعمالهم أو كسبهم حين تعرض صحائفهم. ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ وأحاط بهم جزاؤه.

стр. 7045

سبب النزول: نزول الآية (٤٥): ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ﴾: أخرج ابن المنذر عن مجاهد أنها نزلت في قراءة النبي ص النجم عند الكعبة وفرحهم عند ذكره الآلهة. أي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى، وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى.﴾. الآيات من سورة النجم [١٩ - ٢٣]. المناسبة: بعد بيان أدلة وحدانية الله وقدرته، وتوضيح فساد مذاهب المشركين بالأدلة والبراهين، وإتباعه بالوعد والوعيد، سرّى الله عن قلب نبيه ص ضيقه وانزعاجه لإصرارهم على الكفر، وأزال عنه الخوف، فأعلمه بإنزال القرآن العظيم عليه بالحق لنفع الناس واهتدائهم به، وهذا أول مظاهر قدرته. ثم أتبعه بمظهرين آخرين للقدرة هما قبضه الأرواح بانتهاء آجالها، وكونه مالك الشفاعة، ثم ذكر بعدهما بعض قبائح المشركين وعيوبهم واشمئزازهم من ذكر الله. ثم أردف كل ذلك بأمور ثلاثة: الأول-ذكر الدعاء العظيم المتضمن وصف الله بالقدرة التامة في قوله: ﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ثم وصفه بالعلم الكامل في قوله ﴿عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾. الثاني-ظهور أنواع من العقاب لم تكن في حسابهم في قوله: ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾. الثالث-ظهور آثار تلك السيئات التي اكتسبوها في قوله: ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾.

стр. 7046

التفسير والبيان: يخاطب الله رسوله محمدا ص بقوله: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي إنا نحن رب العزة وإله الكون نزّلنا عليك يا محمد القرآن العظيم، لأجل الناس، أي والجن، ولبيان ما كلّفوا به، وإنذارهم به، أنزله ربك مقرونا مصحوبا بالحق ملتبسا به، وهو دين الإسلام. قال الزمخشري: ﴿لِلنّاسِ﴾ لأجلهم ولأجل حاجتهم إليه، ليبشّروا وينذروا، فتقوى دواعيهم إلى اختيار الطاعة على المعصية، ولا حاجة لي إلى ذلك فأنا الغني، فمن اختار الهدى فقد نفع نفسه، ومن اختار الضلالة فقد ضرها (١)، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي فمن عرف طريق الحق وسلكها، فاهتداؤه لنفسه، ويعود نفع ذلك إلى نفسه، ومن حاد عن طريق الحق، فضلاله على نفسه، ويرجع وبال ذلك على نفسه، وما أنت أيها الرسول بموكل أن يهتدوا، ولا بمكلف في حملهم على الهداية، بل عليك البلاغ، وقد فعلت، كقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود ١٢/ ١١] وقوله سبحانه: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد ٤٠/ ١٣] وقوله : ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨ - ٢٢]. ثم ذكر الله تعالى نوعا آخر من أنواع قدرته وتصرفه في الوجود، بعد إنزال القرآن، فقال: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها، وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ أي إن الله هو

стр. 7047

الذي يقبض الأنفس أو الأرواح حين انقضاء آجالها بالموت، الوفاة الكبرى، بما يرسل من الملائكة الذين يقبضونها من الأبدان، ويقطع تعلقها بالأجساد. وكذلك يتوفى الأنفس التي لم يأت أجلها الوفاة الصغرى عند المنام، تشبيها للنائمين بالموتى، حيث يمنعهم من التمييز والتصرف كالموتى بالفعل، مع بقاء الأرواح في أبدانهم. ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ، وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي يمسك الأنفس والأرواح التي قضى عليها الموت الحقيقي، أي لا يردها إلى الجسد الذي كانت فيه، ويرسل النفس النائمة إلى الأجساد حين اليقظة، بأن يعيد إليها إحساسها، إلى أجل مسمى، هو وقت الموت. إن في ذلك المذكور من التوفي التام والإمساك لنفوس، والإرسال لنفوس أخرى لعلامات عجيبة دالة على كمال قدرة الله الباهرة، وحكمته البديعة. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ، وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ، ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى، ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ، ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً، حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا، وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام ٦٠/ ٦ - ٦١] فذكر الوفاتين الصغرى ثم الكبرى، وفي هذه الآية هنا ذكر الكبرى ثم الصغرى، وقال النبي ص: «لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تصحون». واختلف العلماء في النفس والروح هل هما شيء واحد أو شيئان؟ قال ابن عباس: إن في ابن آدم نفسا وروحا، بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس: التي بها العقل والتمييز، والروح:

стр. 7048

هي التي بها النفس والتحريك، فيتوفيان عند الموت، وتتوفى النفس وحدها حين النوم. والأظهر أنهما شيء واحد، كما تدل الآثار الصحاح الآتية في استنباط الأحكام. وقال الرازي: النفس الإنسانية: عبارة عن جوهر مشرق روحاني إذا تعلق بالبدن حصل ضوؤه في جميع الأعضاء، وهو الحياة. ففي وقت الموت: ينقطع تعلقه عن ظاهر البدن وباطنه، وذلك هو الموت. وأما في وقت النوم فإنه ينقطع ضوؤه عن ظاهر البدن دون باطنه، فثبت أن الموت والنوم من جنس واحد، إلا أن الموت انقطاع تام كامل، والنوم انقطاع ناقص من بعض الوجوه (١). ونظرا لشبه النوم بالموت في بعض الأوجه، إذ النوم موت أصغر، والموت نوم أكبر، يسنّ عند النوم الدعاء التالي، ورد في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ص: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين». وخرج البخاري عن حذيفة قال: كان رسول الله ص إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده، ثم يقول: «اللهم باسمك أموت وأحيا» وإذا استيقظ قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور». ثم ذم الله تعالى اتخاذ المشركين شفعاء من دون الله، وهم الأصنام والأنداد التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان، وهي لا تملك شيئا من الأمر، إذ هي جمادات لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر، فقال:

стр. 7049

﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ﴾ أي بل هل اتخذوا من دون الله آلهة شفعاء تشفع لهم عند الله؟ أي لا ينبغي لهم ذلك، وردّ الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ: أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ أي قل لهم أيها النبي وأخبرهم: كيف تتخذون تلك الأصنام شفعاء لكم، وهم لا يملكون شفاعة ولا غيرها، ولا يعقلون شيئا من شفاعة أو غيرها، ولا يدركون أنكم تعبدونهم؟ ثم أعلمهم الله تعالى بصفة جازمة عن ملكه بنفسه جميع أنواع الشفاعات قائلا: ﴿قُلْ: لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً، لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي إن الله تعالى هو مالك جميع أنواع الشفاعة، وليس لأحد منها شيء، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن ارتضاه وأذن له، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥/ ٢] وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء ٢٨/ ٢١]. والسبب أن الله تعالى هو مالك السموات والأرض، وهو المتصرف في جميع شؤونها، وإليه مصيركم بعد البعث. وعليه، تجب العبادة لمالك النفع والضر في الدنيا، ومالك الجزاء والحساب في الآخرة على جميع الأعمال. وفي هذا تهديد ووعيد بالاعتماد على من دون الله في أي شيء. ثم ذكر الله تعالى بعض قبائح المشركين وغرائبهم، فقال: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي إن من سيئات المشركين الكبرى أنه إذا قيل لهم: لا إله إلا الله، انقبضوا ونفروا واغتاظوا، لأنهم لا يؤمنون بالله ولا بالبعث بعد الموت، وإذا ذكر الذين من دونه، أي الأصنام والأنداد، أو الآلهة المزعومة، كاللات والعزّى ومناة، كما ورد في سورة النجم، إذا هم يفرحون ويسرّون. ومدار المعنى على قوله: ﴿وَحْدَهُ﴾ أي إذا أفرد الله بالذكر، ولم

стр. 7050

يذكر معه آلهتهم، اشمأزوا، أي نفروا وانقبضوا، وإذا ذكرت آلهتهم مع الله سروا وفرحوا. وذلك يدل على الجهل والحماقة، لأن ذكر الله أساس السعادة وعنوان الخير، وأما ذكر الأصنام وهي الجمادات، فهو رأس الجهالة والحماقة. قال الزمخشري: ولقد تقابل الاستبشار والاشمئزاز، إذ كل واحد منهما غاية في بابه، لأن الاستبشار: أن يمتلئ قلبه سرورا حتى تنبسط له بشرة وجهه ويتهلل. والاشمئزاز: أن يمتلئ غما وغيظا حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه. وبعد بيان مذمة المشركين وفساد عقولهم في حبهم للشرك ونفرتهم من التوحيد، أمر الله نبيه بالالتجاء إليه والدعاء المنجي من لوثاتهم، فقال: ﴿قُلِ: اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي ادع الله قائلا: يا الله خالق السموات والأرض، ويا عالم السر والعلانية، أنت تفصل بين عبادك، يوم المعاد، فتجازي المحسن بإحسانه، وتعاقب المسيء بإساءته، حتى يظهر المحق من المبطل، وترتفع خلافاتهم التي كانت بينهم في الدنيا. وفطر السموات والأرض: جعلها على غير مثال سابق. وقوله: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ دليل على صفة الله بالقدرة التامة، وقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾ دليل على وصف الله بالعلم الكامل، وإنما قدم ذكر القدرة على ذكر العلم، لأن العلم بكونه تعالى قادرا متقدم على العلم بكونه عالما. أخرج مسلم وأبو داود وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ص إذا قام من الليل، افتتح صلاته: اللهم ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين

стр. 7051

عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». وأخرج الإمام أحمد الحديث المتقدم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن رسول الله ص قال: «من قال: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد، إلا قال الله لملائكته يوم القيامة: إن عبدي قد عهد إلي عهدا، فأوفوه إياه، فيدخله الله الجنة». وأخرج أحمد أيضا والترمذي عن مجاهد قال: قال أبو بكر الصديق: «أمرني رسول الله ص أن أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعي من الليل: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، لا إله إلا أنت، ربّ كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، أو أقترف على نفسي سوءا أو أجرّه على نفسي». ثم ذكر الله تعالى ثلاثة أشياء في وعيد هؤلاء المشركين، فقال: ١ - ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ، مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي ولو أن هؤلاء الكفار المشركين ملكوا كل ما في الأرض من الأموال والذخائر، وملكوا مثله معه أي منضما إليه، لجعلوا الكل فدية لأنفسهم من ذلك العذاب الشديد يوم القيامة، جزاء ظلمهم. وهذا وعيد شديد وإقناط نهائي من الخلاص. ٢ - ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أي وظهر لهم من أنواع العقاب والسخط والعذاب المعد لهم، ما لم يكن في حسابهم ولا خطر في بالهم.

стр. 7052

وهذا يقابل صفة الثواب في الجنة: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وهو مأخوذ من الآية: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧/ ٣٢]. ٣ - ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا، وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي وظهر لهم جزاء وآثار تلك السيئات والمآثم التي اكتسبوها في الدنيا، وأحاط بهم من العذاب والنكال ما كانوا يستهزئون به في الدار الدنيا، من إنذار الرسول ص الذي كان ينذرهم به. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - سلّى الله نبيه عما كان يعظم عليه ويحربه من عدم إيمان قومه، وأخبره أنه أنزل عليه النعمة العظمى، وهو القرآن المجيد مصحوبا بالحق، وهو دين الإسلام، لينتفع به الناس، ويحققوا حاجاتهم. فمن اهتدى، فثواب هدايته إنما هو له، ومن ضل عن الحق، فعقاب ضلاله إنما هو عليه. وليس النبي ص بموكل عليهم ولا ذا سلطان قاهر، حتى يجبرهم على الإيمان. ٢ - من مظاهر قدرة الله تعالى العظيمة أنه يقبض الأنفس والأرواح عند انتهاء آجالها، ويقبض الأنفس عن التصرف في الأجسام، ويمسك أرواح الموتى في الملأ الأعلى، ويرد الأنفس إلى الأجساد بعد النوم، فيطلقها بالتصرف إلى أجل موتها. قال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي

стр. 7053

في المنام، فتتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد، أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. والأظهر أن النفس والروح شيء واحد كما تقدم، لما دلت عليه الآثار الصحاح، منها حديث مسلم عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله ص على أبي سلمة، وقد شقّ بصره (١) فأغمضه، ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» وحديث مسلم أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ص: «ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره، فذلك حين يتبع بصره نفسه». وحديث ابن ماجه عن النبي ص قال: «تحضر الملائكة، فإذا كان الرجل صالحا، قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وابشري بروح وريحان وربّ راض غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء». وفي صحيح مسلم عند أبي هريرة قال: «إذا خرجت روح المؤمن تلقّاها ملكان يصعدان بها». وقال بلال في حديث الوادي: «أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك». والصحيح أن الروح: جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة. ٣ - إن في قبض الله نفس الميت والنائم، وإرساله نفس النائم وحبسه نفس الميت لدلالات على قدرة الله لقوم يتفكرون في خلق الله. ٤ - لم يتفكر الكفار بنحو صحيح، بل اتخذوا الأصنام شفعاء، مع أنها لا تملك شيئا من الشفاعة ولا تعقل، لأنها جمادات. ٥ - الله تعالى هو مالك الشفاعة كلها، ومالك السموات والأرض، وإليه مصير الخلائق وحسابهم يوم البعث والمعاد.

стр. 7054

٦ - تميز المشركون بالجهل والحماقة، فإذا ذكر الله وحده دون أصنامهم انقبضوا ونفروا، وإذا ذكرت الأوثان ظهر في وجوههم البشر والسرور. ٧ - الله تعالى مبدع السموات والأرض على غير مثال سبق، وعالم الغيب والشهادة، أي السر والعلانية، والحاكم الفصل بين العباد في خلافاتهم الدنيوية. ٨ - لو ملك المكذبون المشركون جميع ما في الأرض من أموال وثروات لقدموه فداء رخيصا لافتداء أنفسهم من سوء عذاب يوم القيامة. ٩ - يفاجأ الكفار بأنواع من العقاب لم تخطر ببالهم، ولا جرى تقديرها في حسابهم. ١٠ - يظهر للكفار يوم القيامة آثار المحارم والآثار والكفر والمعاصي، من ألوان العقاب، ويحيط بهم وينزل جزاء ما كانوا به يستهزئون في الدنيا من الإنذارات والبعث والعذاب والحساب الشديد. دعاء الإنسان عند الضر وجحوده عند النعمة وإعلامه بأن الرزق بيد الله ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾

стр. 7055

البلاغة: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ﴾ أي أصاب جنس الإنسان، وهو معطوف على قوله: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ﴾ لبيان تناقضهم، بمعنى أنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده، ويستبشرون بذكر الآلهة، فإذا مسهم ضرّ، دعوا من اشمأزوا من ذكره، دون من استبشروا بذكره، وما بينهما اعتراض مؤكد لإنكار ذلك عليهم. ﴿خَوَّلْناهُ﴾ أعطيناه وملكناه تفضلا ﴿نِعْمَةً﴾ إنعاما ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ على علم مني بوجوه كسبه، أو علم من الله بأني له أهل ومستحق، وضمير ﴿أُوتِيتُهُ﴾ عائد على النعمة، وذكّر الضمير، لأن المراد شيء من النعمة ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي بل النعمة امتحان له، أيشكر أم يكفر، وتأنيث هي مراعاة للفظ النعمة ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أن تخويل النعمة استدراج وامتحان. وهو دليل على أن المراد بالإنسان الجنس. ﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم كقارون وقومه الراضين بها، وأنث ضمير ﴿قالَهَا﴾ لأن المراد هو الجملة أو الكلمة التي هي: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾. ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من متاع الدنيا ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ جزاء سيئات أعمالهم وجزاء أعمالهم، وسماه سيئة، لأنه في مقابلة أعمالهم السيئة، رمزا إلى أن جميع أعمالهم كذلك ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالعتو ﴿مِنْ هؤُلاءِ﴾ المشركين، و ﴿مِنْ﴾ للبيان، أو للتبعيض ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ جزاء كسبهم كما أصاب أولئك، وقد أصابهم، فإنهم قحطوا سبع سنين، وقتل صناديدهم في بدر ﴿وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائتين عذابنا. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ يوسعه ﴿لِمَنْ يَشاءُ﴾ امتحانا ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيقه لمن يشاء ابتلاء ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بأن الحوادث كلها من الله، سواء بالبسط أو بالتضييق. المناسبة: بعد أن حكى الله تعالى بعض قبائح المشركين، أتبعه بحكاية نوع آخر من القبائح، وهو أنهم عند الوقوع في الضر الذي هو الفقر والمرض يفزعون إلى الله تعالى، وفي حال النعمة وهي السعة في المال أو العافية في النفس، يزعمون أن

стр. 7056

حصول ذلك بكسبهم وجهدهم وجدّهم، وهذا تناقض قبيح صارخ. والحقيقة أن ما أوتوه من النعمة فتنة واختبار ليعرف شكرهم أو كفرهم، وأما مقالتهم فهي قديمة قالها كثير قبلهم كقارون وغيره. ثم أبان تعالى أن الله وحده مصدر الرزق، يوسعه لمن يشاء، ويضيقه على من يشاء، بدليل اختلاف الناس في سعة الرزق وضيقه، سواء من المؤمنين والكافرين، وليس جمع الثروة أو ضعفها بعقل الرجل وجهله، أو كياسته وخبرته وغباوته، وإنما بتوفيق الله وتيسيره. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن سوء طبع الإنسان وحاله، فيقول: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا، ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا، قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي إذا أصاب الإنسان المشرك وغيره ضر من فقر أو مرض أو غيرهما، تضرع إلى الله ، واستعان به لكشف الضر عنه، وإذا أعطاه الله نعمة من مال أو جاه أو غيرهما، بغى وطغى، وقال: إنما أعطيته على علم ومهارة مني بوجوه المكاسب، أو لما يعلم الله تعالى من استحقاقي وتأهلي له. قيل: نزلت في حذيفة بن المغيرة. والحقيقة: ليس الإعطاء لما ذكرت، وليس الأمر كما زعمت، بل هو محنة لك، واختبار لحالك، وقد أنعمنا عليك بهذه النعمة لنختبرك فيما أنعمنا عليك، أتشكر أم تكفر؟ أتطيع أم تعصي؟ مع علمنا المتقدم بذلك، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن ذلك استدراج لهم من الله، وامتحان لما عندهم من الشكر أو الكفر، فلهذا يقولون ما يقولون، ويدّعون ما يدّعون. ويلاحظ أن لفظ النعمة مؤنث، ومعناه مذكر، لذا حينما قال: ﴿بَلْ

стр. 7057

هِيَ فِتْنَةٌ﴾ راعى التأنيث، وحينما قال: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ﴾ راعى التذكير، وكلا الأمرين جائز. ثم أوضح الله تعالى قدم مقالتهم وسبقهم بها، فقال: ﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي قد قال هذه المقالة أو الكلمة، وهي قولهم: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ وزعم هذا الزعم، وادعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأمم، كقارون وغيره، فما صح قولهم، ولم يغن عنهم ما كسبوا من متاع الدنيا شيئا، ولا نفعهم جمعهم المال الكثير، لذا قال تعالى: ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أي فحلّ بهم جزاء سيئات ما كسبوا من الأعمال، فعوقبوا في الدنيا كالخسف بقارون وبداره الأرض، وسيعاقبون أشد العذاب في الآخرة. ونظير الآية قوله تعالى عن قارون: ﴿قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي، أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً، وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص ٧٨/ ٢٨]. وقوله سبحانه: ﴿وَقالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً، وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ ٣٥/ ٣٤]. ثم هدد الله تعالى وأوعد مشركي مكة بعقاب مماثل، فقال: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا، وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي والذين ظلموا من هؤلاء الموجودين من الكفار، ومنهم مشركو مكة، سيصيبهم أيضا وبال كسبهم الأعمال المنكرة، كما أصاب من قبلهم، من القحط والقتل والأسر والقهر، وما هم بفائتين على الله، هربا يوم القيامة، بل مرجعهم إليه، يصنع بهم ما يشاء من العقوبة، ودليل قدرته العظمى ما قال:

стр. 7058

﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي أو لم ير هؤلاء المشركون أن الله يوسع الرزق لمن يشاء توسعته له، ويقبضه لمن يشاء قبضه وتضييقه عليه، إن في ذلك لدلالات عظيمة وعلامات مؤثّرة لقوم يؤمنون بالله وحده وبسلطانه وبقدرته. وقد خص المؤمنين، لأنهم المنتفعون بالآيات. فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يأتي: ١ - إن حال الإنسان قلق مضطرب، لا وفاء عنده، ولا ثبات لديه على المبدأ، فتراه عند الشدة يستجير بالله ويستغيث به لينجو من محنته، وعند النعمة يبغي ويطغى ويبطر ويزعم أن النعمة بجهده ومهارته واستحقاقه وأهليته لها. ٢ - الحق أن الثروة والغنى والفقر ليست ميزان قربى العبد من ربه، فقد يمنح الله المؤمن ويمنع الكافر، وقد يفعل العكس، لحكمة بالغة له في ذلك، والنعمة مع الكفر والمعصية استدراج وابتلاء واختبار، ليعرف كون العبد شاكرا أم جاحدا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن إعطاءهم المال اختبار. ٣ - لقد زعم كثير من الناس قديما وحديثا أن إعطاءهم المال لعلم ومهارة لديهم، وعلم من الله باستحقاقهم، فلم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا، وأصابهم جزاء سيئات أعمالهم، وسيصيب الذين أشركوا من أمة النبي ص وهم كل الأمم جزاء كسبهم في الدنيا بالجوع والقتل مثلا، وفي الآخرة بعذاب جهنم، وما هم فائتين الله ولا سابقيه. ٤ - إن الله تعالى وحده هو مصدر الرزق، يمنح منه ما يشاء، ويمنعه عمن يشاء، وفي ذلك عبرة للمؤمنين، وخص المؤمن بالذكر، لأنه هو الذي يتدبر

стр. 7059

الآيات وينتفع بها، ويعلم أن سعة الرزق قد تكون استدراجا، وتقتيره رفعة وإعظاما. مغفرة الذنوب بالتوبة وإخلاص العمل ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاِتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاِسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩)﴾ الإعراب: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: يا حَسْرَتى﴾: ﴿أَنَّ﴾ وصلتها: في موضع نصب، مفعول لأجله. ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي﴾ جواب قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ والجواب ببلى لأنها تأتي في جواب النفي، لأن المعنى: ما هداني الله وما كنت من المتقين، فقيل له: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي، فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ﴾، فلولا أن معنى الكلام النفي، وإلا لما وقعت ﴿بَلى﴾ في جوابه. ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة.

стр. 7060

البلاغة: آية ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا.﴾. فيها: إقباله تعالى على خلقه ونداؤه لهم، وإضافة عباد إليه للتشريف، والتفات من التكلم إلى الغيبة، إذ الأصل: تسرفوا، ولا تقنطوا من رحمتي، وإضافة الرحمة في قوله ﴿مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ إلى الله باعتبار لفظ الجلالة جامعا لجميع الأسماء والصفات، وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ جملة معرّفة الطرفين، مؤكدة بإن وضمير الفصل، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ﴾ وضع فيه الاسم الظاهر موضع الضمير، لدلالته على أنه المستغني والمنعم على الإطلاق. ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ قوله: ﴿جَنْبِ اللهِ﴾: كناية عن حق الله وطاعته. المفردات اللغوية: ﴿عِبادِيَ﴾ هذه الإضافة مخصوصة بالمؤمنين في عرف القرآن. ﴿أَسْرَفُوا﴾ أي تجاوزوا الحد في أفعالهم، بالإسراف أو الإفراط في المعاصي ﴿لا تَقْنَطُوا﴾ لا تيأسوا من مغفرته وتفضله ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ عفوا منه، ولو بعد تعذيب، وتقييد المغفرة بالتوبة خلاف الظاهر، كما قال البيضاوي، ويدل على إطلاقها فيما عدا الشرك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ٤٨/ ٤] والتعليل بقوله هنا: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ على المبالغة وإفادة الحصر، والوعد بالرحمة بعد المغفرة. لكن هذا متروك لمشيئة الله وتفضله، وليس هو القانون العام. ﴿وَأَنِيبُوا﴾ ارجعوا وتوبوا ﴿إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا﴾ أخلصوا العمل ﴿لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ بمنعه، إن لم تتوبوا، وذكر الإنابة بعد المغفرة لئلا يطمع طامع في حصولها بغير توبة، وللدلالة على أنها شرط فيها لازم، لا تحصل بدونه، كما قال الزمخشري، أي إن المغفرة لا تحصل لكل أحد من غير توبة وإخلاص في العمل، وهو القانون العام. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ بمجيئه، فتتداركون التقصير في الأعمال ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ كراهة أن تقول نفس، وتنكير نفس لأن القائل بعض الأنفس، أو للتكثير ﴿يا حَسْرَتى﴾ أي يا حسرتي وندامتي ﴿فَرَّطْتُ﴾ قصرت ﴿فِي جَنْبِ اللهِ﴾ جانبه أي طاعته وعبادته وطلب مرضاته ﴿وَإِنْ﴾ وإني ﴿السّاخِرِينَ﴾ المستهزئين بدينه وكتابه وأهله.

стр. 7061

﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي﴾ بالطاعة والإرشاد إلى الحق فاهتديت ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ عذابه، باتقاء الشرك والمعاصي ﴿كَرَّةً﴾ رجعة إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ المؤمنين الذين أحسنوا العقيدة والعمل ﴿بَلى، قَدْ جاءَتْكَ آياتِي﴾ القرآن، وهو سبب الهداية، وهو رد من الله على القائل: ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي﴾ الذي في قوله معنى النفي أي أن ﴿بَلى﴾ حرف لا يجاب به إلا بعد النفي. ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ تكبرت عن الإيمان بها. وتذكير الخطاب على المعنى، وقرئ بالتأنيث عودا للنفس. سبب النزول: نزول الآية (٥٣): ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾: أخرج الشيخان: البخاري ومسلم، وأبو داود والنسائي عن ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدا ص، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، أو تخبرنا أن لنا توبة-أو أن لما عملنا كفارة-؟ فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ.﴾. إلى قوله: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان ٦٨/ ٢٥ - ٧٠] ونزل: ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ الآية. والمراد من آيات الفرقان: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً﴾ الآية. وأخرج الإمام أحمد عن ثوبان مولى رسول الله ص قال: سمعت رسول الله ص يقول: «ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، فقال رجل: يا رسول الله، فمن أشرك؟ فسكت النبي ص، ثم قال: «ألا، ومن أشرك-ثلاث مرات». وأخرج أحمد أيضا عن عمرو بن عنبسة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ص شيخ كبير، يدعم على عصا له، فقال: يا رسول الله، إن لي غدرات

стр. 7062

وفجرات، فهل يغفر لي؟ فقال ص: ألست تشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى، وأشهد أنك رسول الله، فقال ص: قد غفر لك غدراتك وفجراتك. وأخرج الحاكم والطبراني عن ابن عمر قال: كنا نقول: ما لمفتتن توبة، إذا ترك دينه بعد إسلامه ومعرفته، فلما قدم رسول الله ص المدينة، أنزل فيهم: ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ الآية. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: إن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلها آخر، وقتل النفس التي حرم الله، لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم، وقد عبدنا الآلهة، وقتلنا النفس، ونحن أهل شرك؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ.﴾. الآية. المناسبة: بعد أن أوعد الله تعالى الكافرين بشتى أنواع الوعيد، أردفه ببيان كمال رحمته وفضله وإحسانه في حق عباده المؤمنين، بغفران ذنوبهم إذا تابوا وأنابوا إليه وأخلصوا العمل له، لترغيب الكفار في الإيمان بالله تعالى وترك الضلال، وكثيرا ما تأتي آيات الرحمة مع آيات النقمة ليرجو العبد ويخاف. قال أبو حيان: وهذه الآية: ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ﴾ عامة في كل كافر يتوب ومؤمن عاص يتوب، تمحو الذنب توبته. التفسير والبيان: ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ، لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي قل أيها الرسول: يا عباد الله الذين أفرطوا في المعاصي واستكثروا منها، لا تيأسوا من مغفرة الله تعالى، فإن الله يغفر كل ذنب إلا الشرك الذي لم يتب منه صاحبه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ٤٨/ ٤] إن الله كثير

стр. 7063

المغفرة والرحمة، فلا يعاقب بعد التوبة. قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله ﵎ يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها، ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة، لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه (١). وقال الشوكاني: وهذه الآية أرجى آية في كتاب الله، لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أولا أضاف العباد إلى نفسه، لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب، ثم عقّب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى وبفحوى الخطاب، ثم جاء بما لا يبقى بعده شك: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ.﴾ .. وتقييد المغفرة بالتوبة والإنابة وإخلاص العمل مأخوذ من الآية التالية: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ.﴾. الآية ومن الأحاديث المتقدمة في سبب النزول، فباب الرحمة واسع، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [التوبة ١٠٤/ ٩] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ، يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء ١١٠/ ٤]. أخرج الطبراني عن سنيد بن شكل قال: سمعت ابن مسعود يقول: إن أعظم آية في كتاب الله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة ٢٥٥/ ٢ وآل عمران ٢/ ٣]. وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ [النحل ٩٠/ ١٦]. وإن أكثر آية في القرآن فرجا في سورة الغرف (أي الزمر): ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾.

стр. 7064

وإن أشد آية في كتاب الله تفويضا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢/ ٦٥ - ٣] فقال له مسروق: صدقت (١). وروى ابن أبي حاتم عن أبي الكنود قال: مرّ عبد الله-يعني ابن مسعود- ﵁ على قاض، وهو يذكّر الناس، فقال: يا مذكّر، لم تقنط الناس من رحمة الله؟ ثم قرأ: ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ، لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾. ثم ذكر الله تعالى تقييد المغفرة بشرطين، فقال: ١ - الإنابة والتوبة: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أي ارجعوا إلى الله بالتوبة والطاعة، واجتناب المعاصي، والاستسلام لأمره، والخضوع لحكمه، من قبل مجيء عذاب الدنيا بالموت، ثم لا تجدوا نصيرا ولا معينا يمنع عذابه عنكم، أي قبل حلول النقمة. ٢ - اتباع القرآن: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أي واتبعوا القرآن، أحلوا حلاله، وحرموا حرامه، والتزموا طاعته واجتنبوا معاصيه، أي اتبعوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه، والقرآن كله حسن. وذلك من قبل مجيء العذاب فجأة، وأنتم غافلون عنه، لا تشعرون به. وهذا تهديد ووعيد شديد واضح. ثم حذر الله تعالى من التعلل بالأماني والتحسر على الماضي في وقت لا ينفع فيه ذلك، فقال:

стр. 7065

١ - ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ، وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أي بادروا إلى التوبة والعمل الصالح، واحذروا أن تقول نفس مجرمة مفرطة في التوبة والإنابة: يا ندامتي وحسرتي على تقصيري في الإيمان بالله، وطاعته، وبالقرآن والعمل به، وإنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ بدين الله وكتابه وبرسوله وبالمؤمنين، غير موقن ولا مصدّق بشيء من ذلك. ٢ - ﴿أَوْ تَقُولَ: لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي أو أن تقول: لو أن الله أرشدني إلى دينه، لكنت ممن يتقي الله، ويجتنب الشرك والمعاصي. ٣ - ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً، فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي أو أن تقول حين معاينة العذاب: ليت لي رجعة أخرى إلى الدنيا، فأكون من المؤمنين بالله، الموحّدين له، المحسنين في أعمالهم، وبإيجاز: تود لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل. فرد الله تعالى بقوله: ﴿بَلى، قَدْ جاءَتْكَ آياتِي، فَكَذَّبْتَ بِها، وَاسْتَكْبَرْتَ، وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ أي نعم، لقد جاءتك أيها العبد النادم على ما كان منه آياتي المنزلة في القرآن في الدار الدنيا، وقامت حججي عليك، فكذبت بها، واستكبرت عن اتباعها، وكنت من الجاحدين لها، والمعنى: قد كنت متمكنا من التصديق والمتابعة، فلماذا تطلب الرجعة إلى الدنيا الآن؟! ولن تنفعك الرجعة ولا فائدة منها لقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨/ ٦]. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات الأحكام التالية:

стр. 7066

١ - إن لله تعالى أن يغفر جميع الذنوب الصادرة من المؤمنين، ويعفو عن الكبائر منها أيضا. وهذا متروك لمشيئة الله وفضله. ٢ - يغفر الله تعالى الذنوب بالتوبة من الشرك والكفر والمعاصي، والإنابة والرجوع إلى الله بالإخلاص والعمل الصالح، والخضوع له والطاعة لأوامره واجتناب نواهيه. ومحل ذلك كله في الدنيا قبل مجيء العذاب بالموت، وتعذر التخلص منه، أو المنع منه بناصر أو معين. ٣ - العمل: هو اتباع القرآن العظيم، بإحلال حلاله، وتحريم حرامه، والتزام أوامره وطاعته، واجتناب نواهيه ومعصيته. ويلاحظ أنه تعالى لما وعد بالمغفرة أمر بعد هذا الوعد بشيئين: الأول: الإنابة والتوبة. الثاني: متابعة الأحسن، وهو القرآن، كما قال: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر ٢٣/ ٣٩] والقرآن كله حسن، واتباعه: العمل بما أمر الله في كتابه، واجتناب معصيته. ٤ - يأتي المقصر يوم القيامة بثلاثة أشياء: أولها-الحسرة على التفريط في الطاعة، وأنه ما كان إلا من المستهزئين بالقرآن وبالرسول وبأولياء الله المؤمنين في الدنيا. ثانيها-التعلل بفقد الهداية، وهذا قريب من احتجاج المشركين فيما أخبر الله عنه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا: لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا، وَلا آباؤُنا، وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٤٨/ ٦] فهي كلمة حق أريد بها باطل.

стр. 7067

ثالثها-تمني الرجعة إلى الدنيا، كما قال: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ:﴾ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ، كَلاّ، إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ [المؤمنون ٩٩/ ٢٣ - ١٠٠]. ٥ - أجاب الله تعالى عن كلامهم بأن قال: التعلل بفقد الهداية باطل، لأن الهداية كانت حاضرة، والأعذار زائلة، ولكن العبد كذب بالقرآن، وتكبر عن اتباع آياته، وكان من الكافرين بها، الجاحدين لها. حال المشركين المكذبين وحال المتقين يوم القيامة ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾ الإعراب: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول ﴿تَرَى﴾ و ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾: جملة اسمية في موضع نصب على الحال، واستغني عن الواو لمكان الضمير في قوله: ﴿وُجُوهُهُمْ﴾. ولو نصب ﴿وُجُوهُهُمْ﴾ على البدل من ﴿الَّذِينَ﴾ لكان جائزا حسنا. ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ حال، أو استئناف لبيان المفازة. المفردات اللغوية: ﴿كَذَبُوا عَلَى اللهِ﴾ بنسبة الولد والشريك إليه ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ لما ينالهم من الشدة، ويعتريهم من الذل والحسرة ﴿مَثْوىً﴾ مقام أو مأوى ﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمان والطاعة. والاستفهام: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ تقرير وإثبات لأنهم يرون كذلك.

стр. 7068

﴿وَيُنَجِّي اللهُ﴾ من جهنم ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشرك الذي هو الكذب على الله ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ بفوزهم بالجنة وفلاحهم، بأن يجعلوا في الجنة، وتفسيرها بالسعادة والعمل الصالح إطلاق لها على السبب، فإن سبب منجاتهم العمل الصالح، ويجوز أن يسمى العمل الصالح بنفسه مفازة، لأنه سببها. المناسبة: بعد وعيد المشركين بما سبق من أهوال القيامة، ووعد المتقين بالعفو والمغفرة والنعيم، ذكر الله تعالى نوعا آخر من الوعيد والوعد، وهو حال الفريقين يوم القيامة، حال المكذبين، وحال المتقين، فتسودّ وجوه الفريق الأول، وتبيضّ وجوه الفريق الثاني. التفسير والبيان: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ، أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي واذكر أيها الرسول خبرا مهما هو حين ترى يوم القيامة الذين كذبوا على الله في دعواهم له شريكا وصاحبة وولدا، وجوههم مسودة بكذبهم وافترائهم، لما أحدق بهم من شدة وحزن وكآبة، ولما شاهدوه من العذاب وغضب الله ونقمته. إن في جهنم مسكنا ومقاما للمتكبرين عن طاعة الله، الذين أبوا الانقياد للحق. والكبر: هو بطر الحق وغمط الناس، كما في الحديث الصحيح. وفي حديث آخر أخرجه أحمد والترمذي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ص: «يحشر المتكبرون يوم القيامة كأمثال الذّرّ في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم..». ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ، لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هذا حال الفريق الآخر في مواجهة فريق المشركين المكذبين، وهو أن الله ينجي الذين اتقوا الشرك ومعاصي الله من عذاب جهنم، ينجيهم بفوزهم، أي بنجاتهم

стр. 7069

من النار، وفوزهم بالجنة، وينفي السوء والحزن عنهم يوم القيامة، بل هم آمنون من كل فزع. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيتان على شيئين: الأول-اسوداد وجوه الكفار المشركين الذين كذبوا على الله بنسبة الشريك والولد إليه، مما أحاط بهم من غضب الله ونقمته، والزج بهم في نار جهنم، في أشد حالات الذل والمهانة والصغار. الثاني-نجاة المتقين الشرك والمعاصي من النار، وفوزهم بالجنة. والآية الثانية في شأنهم تدل على أن المؤمنين لا ينالهم الخوف والرعب يوم القيامة، وتأكد هذا بقولهم: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣/ ٢١]. وقد فسر النبي ص هذه الآية في حديث أبي هريرة، قال: «يحشر الله مع كل امرئ عمله، فيكون عمل المؤمن معه في أحسن صورة، وأطيب ريح، فكلما كان رعب أو خوف، قال له: لا ترع، فما أنت بالمراد به، ولا أنت بالمعنيّ به، فإذا كثر ذلك عليه قال: فما أحسنك! فمن أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ أنا عملك الصالح، حملتني على ثقلي، فو الله لأحملنك، ولأدفعنّ عنك، فهي التي قال الله: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ، لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

стр. 7070

دلائل الألوهية والتوحيد ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ (٦٦) وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ الإعراب: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ﴾؟ «غير»: إما منصوب ب ﴿أَعْبُدُ﴾ أي أعبد غير الله فيما تأمروني به، وإمّا منصوب ب ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ لأنه يقتضي مفعولين: الثاني منهما بحرف جر، كقولك: أمرتك الخير، أي بالخير. فالياء: هي المفعول الأول، وغير: مفعول ثان. وأعبد: في موضع البدل من «غير» تقديره: أتأمروني بغير الله أن أعبد. ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾ ﴿اللهَ﴾: منصوب باعبد أو منصوب بتقدير فعل، أي بل اعبد الله فاعبد. والفاء: زائدة عند الأخفش، وغير زائدة عند غيره. ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ.﴾. ﴿الْأَرْضُ﴾: مبتدأ، و ﴿قَبْضَتُهُ﴾: خبره، و ﴿جَمِيعاً﴾: حال. البلاغة: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ استعارة، شبه الخيرات والبركات والأرزاق بخزائن، واستعار لها لفظ المقاليد أي المفاتيح، والمعنى: خزائن رحمته وفضله بيده تعالى.

стр. 7071

﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ استعارة تمثيلية، مثّل لعظمته وكمال قدرته وحقارة السموات والأرض بالنسبة للقدرة بمن قبض شيئا عظيما بكفه، وطوى السموات بيمينه بطريق الاستعارة التمثيلية. المفردات اللغوية: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من خير وشر وإيمان وكفر ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ قيّم يتولى التصرف فيه ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مفاتيح خزائنها من المطر والنبات وغيرهما، لا يملك أمرها ولا يتمكن من التصرف فيها غيره، وهو كناية عن قدرته وحفظه لها ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ القرآن ودلائل قدرة الله ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أنفسهم، وهذا عائد على فريق المكذبين الذين نسبوا لله ولدا وشريكا، وما قبله اعتراض للدلالة على أنه مهيمن على العباد، مطلع على أفعالهم، مجاز عليها. ﴿قُلْ: أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ أي أفغير الله أعبد بعد هذه الدلائل والمواعيد، و ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ اعتراض للدلالة على أنهم أمروه به عقيب ذلك. وقرئ ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ بتخفيف النون، مثل: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ أي تبشرونني. ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. كلام على سبيل الفرض، والمراد به تهييج الرسل، وإقناط الكفرة، وتنبيه الأمة. وأفرد الخطاب: باعتبار كل واحد. واللام الأولى: موطئة للقسم، والأخيرتان للجواب. وعطف الخسران على إحباط: الأعمال: من عطف المسبب على السبب. و ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ليذهبن هباء منثورا. والإحباط: الإبطال. ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ.﴾. رد لما أمروه به ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ إنعامه عليك ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ما عظّموه حق التعظيم اللائق به، حيث جعلوا له شريكا ووصفوه بما لا يليق به ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً﴾ أي الأراضي السبع ﴿قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ مقبوضة له في ملكه وتصرفه، والقبضة: المرة من القبض ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ مجموعات بقدرته. وهذه الآية تنبيه على عظمة الله وكمال قدرته وحقارة الأجرام العظام بالنسبة لقدرته، وفيها دلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه. والآية على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة ولا مجازا، كما ذكر الزمخشري والبيضاوي. ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزه وتقدس وتعاظم الله عما يشركون معه، فما أبعد ما ينسب إلى الله من الولد والشريك عن قدرته وعظمته. هذا واليمين تطلق على اليد، وعلى القدرة والملك، وعلى القوة: ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة ٤٥/ ٦٩] أي بالقوة والقدرة، والمعنى لأخذنا قوته وقدرته. قال الشاعر: إذا ما راية رفعت لمجد... تلقاها عرابة باليمين

стр. 7072

سبب النزول: نزول الآية (٦٤): ﴿قُلْ: أَفَغَيْرَ اللهِ.﴾.؟: أخرج البيهقي في الدلائل عن الحسن البصري قال: قال المشركون للنبي ص: أتضلل آباءك وأجدادك يا محمد؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ: أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ﴾. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن المشركين من جهلهم دعوا رسول الله ص إلى عبادة آلهتهم، ويعبدوا معه إلهه، فنزلت: ﴿قُلْ: أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ.﴾. الآية. نزول الآية (٦٧): ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: أخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: مرّ يهودي بالنبي ص فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السموات على ذه-أي على إصبع-، والأرضين على ذه-أي على إصبع-، والماء على ذه-أي على إصبع-، والجبال على ذه-أي على إصبع-، فأنزل الله: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: غدت اليهود، فنظروا في خلق السموات والأرض والملائكة، فلما فزعوا أخذوا يقدرونه، فأنزل الله: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. وأخرج ابن المنذر عن الربيع بن أنس قال: لما نزلت: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ قالوا: يا رسول الله، هذا الكرسي، فكيف العرش؟ فأنزل الله: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ.﴾. الآية. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى الوعد والوعيد يوم القيامة لأهل التوحيد وأهل

стр. 7073

الشرك، عاد إلى تبيان دلائل الألوهية والتوحيد. ثم نعى على الكافرين أمرهم رسول الله ص بعبادة الأصنام، وأنهم لم يعرفوا الله حق المعرفة، إذ لو عرفوه لما جعلوا الجمادات شركاء له في العبودية. التفسير والبيان: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي إن الله تعالى هو مبدع الأشياء كلها وخالقها جميعها، الموجودة في الدنيا والآخرة، لا فرق بين شيء وآخر، وهو ربها ومالكها والمتصرف فيها والقائم بحفظها وتدبيرها، فهي محتاجة إليه في وجودها وبقائها معا. وهذا دليل على أن أعمال العباد مخلوقة لله. ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي هو مالك أمرها وحافظها، وهذا استعارة لملكه خيراتها وأرزاقها، أو كناية عن انفراده تعالى بحفظها وتدبيرها وملك مفاتيحها، لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، أي مفاتيحها. وهذه الجملة تأكيد للجملة السابقة: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أو عطف بيان، أو تعليل لها، ورأى بعضهم أنها جملة مستأنفة. والمعنى الجامع للجملتين: أن السلطان والملك، والتصرف في كل شيء، والتدبير والحفظ هو لله تعالى. وروى ابن أبي حاتم عن عثمان بن عفان ﵁ «أنه سأل رسول الله ص عن تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقال: ما سألني عنها أحد قبلك يا عثمان، تفسيرها: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، وبحمده، أستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير..» يعني أن قائل ذلك تفتح له خزائن السموات والأرض، ويصيبه خير كثير، وأجر كبير.

стр. 7074

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي والذين جحدوا آيات الله في القرآن وبراهينه في الأكوان الدالة على وحدانية الله وعظيم قدرته وأنه مالك السموات والأرض ومدبرهما، أولئك هم الذين خسروا أنفسهم، وخلدوا في نار جهنم، جزاء كفرهم. ثم أمر الله رسوله بتوبيخ المشركين على الدعوة لعبادة الأصنام، فقال: ﴿قُلْ: أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ أي قل أيها الرسول لكفار قومك الذين دعوك إلى عبادة الأصنام قائلين: هو دين آبائك: أتأمروني أيها الجهلة بعبادة غير الله بعد أن قامت الأدلة القطعية على تفرده بالألوهية، فهو خالق الأشياء كلها وربها ومدبرها، فلا تصلح العبادة إلا له سبحانه. ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أي إن أمركم لعجيب، فلقد أوحي إلي وإلى من قبلي من الرسل أن الإله المعبود هو الله وحده لا شريك له، وأنه إذا أشرك نبي-على سبيل الفرض والتقدير-ليحبطن ويبطلن عمله، وليكونن من الذين خسروا أنفسهم، وضيعوا دنياهم وآخرتهم. وإذا كان الشرك موجبا إحباط عمل الأنبياء فرضا، فهو محبط عمل غيرهم بطريق الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام ٨٨/ ٦]. ثم انتقل من النهي عن الشرك إلى الأمر بعبادة الله وحده، فقال تعالى: ﴿بَلِ، اللهَ فَاعْبُدْ، وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أي أخلص العبادة لله وحده لا شريك له أنت ومن اتبعك وصدّقك، واعبده وحده، ولا تعبد معه أحدا سواه، وكن من الشاكرين إنعامه عليك بالتوفيق والهداية للإيمان بالله وحده، وتشريفك بالرسالة والدعوة إلى دين الله تعالى.

стр. 7075

وبعد أن نعى الله تعالى ما أمر به المشركون نبيّ الله من عبادة الأوثان، نعى عليهم أنهم لم يعرفوا الله حق المعرفة، فقال: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عظموا الله حق تعظيمه، وما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه إلها غيره، وهو الذي لا أعظم ولا أقدر منه. روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ص، فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ص حتى بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ص: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ..﴾. الآية. وروى أحمد ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ص قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ورسول الله ص يقول هكذا بيده، يحركها يقبل بها ويدبر: يمجّد الرب نفسه، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم. فرجف برسول الله ص المنبر حتى قلنا: ليخرّنّ به». ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي والحال أن الأرض تحت تصرف الله وملكه، والسموات خاضعة لقدرته وسلطانه ومشيئته وإرادته، تنزه وتقدس الله عما يشركون به من المعبودات التي جعلوها شركاء لله، فالمراد باليمين: القدرة. وهذه الجملة في رأي الخلف تمثيل لحال عظمة الله تعالى وكمال تصرفه ونفاذ
следующие страницы →