← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ استعارة تمثيلية، مثّل لعظمته وكمال قدرته وحقارة السموات والأرض بالنسبة للقدرة بمن قبض شيئا عظيما بكفه، وطوى السموات بيمينه بطريق الاستعارة التمثيلية. المفردات اللغوية: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من خير وشر وإيمان وكفر ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ قيّم يتولى التصرف فيه ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مفاتيح خزائنها من المطر والنبات وغيرهما، لا يملك أمرها ولا يتمكن من التصرف فيها غيره، وهو كناية عن قدرته وحفظه لها ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ القرآن ودلائل قدرة الله ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أنفسهم، وهذا عائد على فريق المكذبين الذين نسبوا لله ولدا وشريكا، وما قبله اعتراض للدلالة على أنه مهيمن على العباد، مطلع على أفعالهم، مجاز عليها. ﴿قُلْ: أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ أي أفغير الله أعبد بعد هذه الدلائل والمواعيد، و ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ اعتراض للدلالة على أنهم أمروه به عقيب ذلك. وقرئ ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ بتخفيف النون، مثل: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ أي تبشرونني. ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. كلام على سبيل الفرض، والمراد به تهييج الرسل، وإقناط الكفرة، وتنبيه الأمة. وأفرد الخطاب: باعتبار كل واحد. واللام الأولى: موطئة للقسم، والأخيرتان للجواب. وعطف الخسران على إحباط: الأعمال: من عطف المسبب على السبب. و ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ليذهبن هباء منثورا. والإحباط: الإبطال. ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ.﴾. رد لما أمروه به ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ إنعامه عليك ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ما عظّموه حق التعظيم اللائق به، حيث جعلوا له شريكا ووصفوه بما لا يليق به ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً﴾ أي الأراضي السبع ﴿قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ مقبوضة له في ملكه وتصرفه، والقبضة: المرة من القبض ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ مجموعات بقدرته. وهذه الآية تنبيه على عظمة الله وكمال قدرته وحقارة الأجرام العظام بالنسبة لقدرته، وفيها دلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه. والآية على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة ولا مجازا، كما ذكر الزمخشري والبيضاوي. ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزه وتقدس وتعاظم الله عما يشركون معه، فما أبعد ما ينسب إلى الله من الولد والشريك عن قدرته وعظمته. هذا واليمين تطلق على اليد، وعلى القدرة والملك، وعلى القوة: ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة ٤٥/ ٦٩] أي بالقوة والقدرة، والمعنى لأخذنا قوته وقدرته. قال الشاعر: إذا ما راية رفعت لمجد... تلقاها عرابة باليمين

стр. 7072

سبب النزول: نزول الآية (٦٤): ﴿قُلْ: أَفَغَيْرَ اللهِ.﴾.؟: أخرج البيهقي في الدلائل عن الحسن البصري قال: قال المشركون للنبي ص: أتضلل آباءك وأجدادك يا محمد؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ: أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ﴾. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن المشركين من جهلهم دعوا رسول الله ص إلى عبادة آلهتهم، ويعبدوا معه إلهه، فنزلت: ﴿قُلْ: أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ.﴾. الآية. نزول الآية (٦٧): ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: أخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: مرّ يهودي بالنبي ص فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السموات على ذه-أي على إصبع-، والأرضين على ذه-أي على إصبع-، والماء على ذه-أي على إصبع-، والجبال على ذه-أي على إصبع-، فأنزل الله: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: غدت اليهود، فنظروا في خلق السموات والأرض والملائكة، فلما فزعوا أخذوا يقدرونه، فأنزل الله: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. وأخرج ابن المنذر عن الربيع بن أنس قال: لما نزلت: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ قالوا: يا رسول الله، هذا الكرسي، فكيف العرش؟ فأنزل الله: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ.﴾. الآية. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى الوعد والوعيد يوم القيامة لأهل التوحيد وأهل

стр. 7073

الشرك، عاد إلى تبيان دلائل الألوهية والتوحيد. ثم نعى على الكافرين أمرهم رسول الله ص بعبادة الأصنام، وأنهم لم يعرفوا الله حق المعرفة، إذ لو عرفوه لما جعلوا الجمادات شركاء له في العبودية. التفسير والبيان: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي إن الله تعالى هو مبدع الأشياء كلها وخالقها جميعها، الموجودة في الدنيا والآخرة، لا فرق بين شيء وآخر، وهو ربها ومالكها والمتصرف فيها والقائم بحفظها وتدبيرها، فهي محتاجة إليه في وجودها وبقائها معا. وهذا دليل على أن أعمال العباد مخلوقة لله. ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي هو مالك أمرها وحافظها، وهذا استعارة لملكه خيراتها وأرزاقها، أو كناية عن انفراده تعالى بحفظها وتدبيرها وملك مفاتيحها، لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، أي مفاتيحها. وهذه الجملة تأكيد للجملة السابقة: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أو عطف بيان، أو تعليل لها، ورأى بعضهم أنها جملة مستأنفة. والمعنى الجامع للجملتين: أن السلطان والملك، والتصرف في كل شيء، والتدبير والحفظ هو لله تعالى. وروى ابن أبي حاتم عن عثمان بن عفان ﵁ «أنه سأل رسول الله ص عن تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقال: ما سألني عنها أحد قبلك يا عثمان، تفسيرها: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، وبحمده، أستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير..» يعني أن قائل ذلك تفتح له خزائن السموات والأرض، ويصيبه خير كثير، وأجر كبير.

стр. 7074

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي والذين جحدوا آيات الله في القرآن وبراهينه في الأكوان الدالة على وحدانية الله وعظيم قدرته وأنه مالك السموات والأرض ومدبرهما، أولئك هم الذين خسروا أنفسهم، وخلدوا في نار جهنم، جزاء كفرهم. ثم أمر الله رسوله بتوبيخ المشركين على الدعوة لعبادة الأصنام، فقال: ﴿قُلْ: أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ أي قل أيها الرسول لكفار قومك الذين دعوك إلى عبادة الأصنام قائلين: هو دين آبائك: أتأمروني أيها الجهلة بعبادة غير الله بعد أن قامت الأدلة القطعية على تفرده بالألوهية، فهو خالق الأشياء كلها وربها ومدبرها، فلا تصلح العبادة إلا له سبحانه. ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أي إن أمركم لعجيب، فلقد أوحي إلي وإلى من قبلي من الرسل أن الإله المعبود هو الله وحده لا شريك له، وأنه إذا أشرك نبي-على سبيل الفرض والتقدير-ليحبطن ويبطلن عمله، وليكونن من الذين خسروا أنفسهم، وضيعوا دنياهم وآخرتهم. وإذا كان الشرك موجبا إحباط عمل الأنبياء فرضا، فهو محبط عمل غيرهم بطريق الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام ٨٨/ ٦]. ثم انتقل من النهي عن الشرك إلى الأمر بعبادة الله وحده، فقال تعالى: ﴿بَلِ، اللهَ فَاعْبُدْ، وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أي أخلص العبادة لله وحده لا شريك له أنت ومن اتبعك وصدّقك، واعبده وحده، ولا تعبد معه أحدا سواه، وكن من الشاكرين إنعامه عليك بالتوفيق والهداية للإيمان بالله وحده، وتشريفك بالرسالة والدعوة إلى دين الله تعالى.

стр. 7075

وبعد أن نعى الله تعالى ما أمر به المشركون نبيّ الله من عبادة الأوثان، نعى عليهم أنهم لم يعرفوا الله حق المعرفة، فقال: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عظموا الله حق تعظيمه، وما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه إلها غيره، وهو الذي لا أعظم ولا أقدر منه. روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ص، فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ص حتى بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ص: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ..﴾. الآية. وروى أحمد ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ص قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ورسول الله ص يقول هكذا بيده، يحركها يقبل بها ويدبر: يمجّد الرب نفسه، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم. فرجف برسول الله ص المنبر حتى قلنا: ليخرّنّ به». ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي والحال أن الأرض تحت تصرف الله وملكه، والسموات خاضعة لقدرته وسلطانه ومشيئته وإرادته، تنزه وتقدس الله عما يشركون به من المعبودات التي جعلوها شركاء لله، فالمراد باليمين: القدرة. وهذه الجملة في رأي الخلف تمثيل لحال عظمة الله تعالى وكمال تصرفه ونفاذ

стр. 7076

قدرته بحال القابض على الأرض كلها والسموات جميعها. ويرى السلف وجوب الإيمان بهذه الظواهر، والاعتقاد بالقبضة واليمين، لأن الأصل في الكلام حمله على الحقيقة، ويقولون: رأي السلف أسلم، ورأي الخلف أحكم. وإني أميل إلى الأسلم. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁، سمعت رسول الله يقول: «يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟». فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - إن الله تعالى خالق الأشياء كلها، ومنها أعمال العباد. ٢ - إن الله سبحانه هو القائم بحفظ الأشياء وتدبيرها من غير مشارك، وهو سبحانه مالك أمر السموات والأرض وحافظها، وهذا التعبير من باب الكناية، لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي بيده مقاليدها. ٣ - إن الذين كفروا بالقرآن والحجج والدلالات الدالة على وجود الله ووحدانيته وكمال عظمته وقدرته هم الخاسرون أنفسهم في الدنيا والآخرة. وصريح الآية يقتضي أنه لا خاسر إلا كافر. ٤ - من العجب العجاب صدور أمرين من المشركين: أولهما-أن يطلبوا من النبي ص عبادة أصنامهم، ليعبدوا معها إلهه. وثانيهما-أنهم لم يعرفوا الله حق المعرفة، ولم يعظموه حق التعظيم، إذ عبدوا معه غيره، وهو خالق الأشياء ومالكها. ٥ - وصف الله تعالى المشركين بالجهل، لأنهم لم يتفكروا بخالق الأشياء

стр. 7077

ولا بكونه مالكا لمقاليد السموات والأرض، وعبدوا أصناما جمادات لا تضر ولا تنفع، ومن فعل مثل ذلك فهو في غاية الجهل. ٦ - إن الشرك والكفر محبط مبطل لجميع أعمال الكفار والمشركين، ولو كانت صالحة، فلا ثواب لهم عليها في الآخرة، بسبب أرضية الكفر التي قامت عليها. ومن ارتد أيضا ومات على الكفر، لم تنفعه طاعاته السابقة، وحبطت أعماله كلها، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ، فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة ٢١٧/ ٢]. وعليه من حج ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام لا يجب عليه إعادة الحج. ٧ - السموات والأرض كلها تحت ملك الله وقدرته وتصرفه، وليس ذلك بجارحة لأنه نزه نفسه عنها فقال: ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزه وتقدس عن أن تجعل الأصنام شركاء له في المعبودية. نفختا الصور والفصل في الخصومات وإيفاء كل واحد حقه ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾

стр. 7078

الإعراب: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ حال من ضميره. البلاغة: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ ﴿يُظْلَمُونَ﴾ ﴿يَفْعَلُونَ﴾ بينها توافق الفواصل في الحرف الأخير، مما يوحي بروعة البيان وكمال الجمال. المفردات اللغوية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النفخة الأولى التي يموت بها الخلائق كلهم، و ﴿الصُّورِ﴾ بوق أو قرن ينفخ فيه ﴿فَصَعِقَ﴾ مات أو غشي عليه ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ قيل: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فإنهم يموتون بعد ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ النفخة الثانية للبعث من القبور ﴿فَإِذا هُمْ﴾ جميع الخلائق الموتى ﴿قِيامٌ﴾ قائمون من قبورهم ﴿يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون ما يفعل بهم. ﴿وَأَشْرَقَتِ﴾ أضاءت ﴿بِنُورِ رَبِّها﴾ بما أقام فيها من العدل، وما قضى به من الحق ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ وضع كتاب الأعمال أو صحائف الأعمال للحساب ﴿وَالشُّهَداءِ﴾ الذين يشهدون للأمم وعليهم من الملائكة والمؤمنين ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ وقضي بين العباد بالعدل ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ شيئا ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ وصلت كل نفس إلى حقها، وحصلت على الجزاء ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ﴾ عالم ﴿بِما يَفْعَلُونَ﴾ فلا يحتاج إلى شاهد. المناسبة: بعد بيان أدلة عظمة الله وكمال قدرته بتصرفه في الكون وتدبيره، وخلقه كل شيء، ذكر الله تعالى مقدمات يوم القيامة الدالة أيضا على تمام القدرة وعظمة السلطان، وهي نفختا الصور مرتين، الأولى للإماتة، والثانية للبعث من القبور، ثم الفصل بالحق والعدل بين الخلائق للحساب والجزاء، وإيصال الحق إلى كل واحد.

стр. 7079

التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن هول يوم القيامة وما فيه من الآيات العظيمة الباهرة الدالة على كمال القدرة وتمام العظمة الإلهية، فيقول: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ، فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى، فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أي هذه هي النفخة الأولى للموت، حيث ينفخ إسرافيل في الصور الذي هو بوق أو قرن، فيموت من الفزع وشدة الصوت أهل السموات والأرض، والصعق: الموت في الحال. إلا من شاء الله ألا يموت حينئذ كجبرائيل وميكائيل وإسرافيل نفسه الذين يموتون بعد ذلك. قال قتادة: لا ندري من هم؟. ثم ينفخ فيه نفخة أخرى للبعث من القبور، فيقوم الخلق كلهم أحياء على أرجلهم ينظرون أهوال القيامة وما يقال لهم أو ينتظرون ما يفعل بهم، بعد أن كانوا عظاما ورفاتا، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣/ ٧٩ - ١٤] وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ، فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء ٥٢/ ١٧] وقال جل وعلا: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ، إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم ٢٥/ ٣٠]. ثم ذكر الله تعالى بعض أحوال يوم القيامة: ١ - ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ أي أضاءت أرض المحشر وأنارت بتجلي الحق جل وعلا للخلائق لفصل القضاء، وبما أقامه الله من العدل بين أهلها، وما قضى به من الحق بين عباده. ٢ - ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ أي وضعت كتب وصحائف أعمال بني آدم بين

стр. 7080

يدي أصحابها، إما باليمين وإما بالشمال، كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً﴾ [الإسراء ١٣/ ١٧] وقال سبحانه: ﴿مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ [الكهف ٤٩/ ١٨]. ٣ - ٤: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ﴾ أي وجيء بالأنبياء إلى الموقف، ليسألوا عما أجابتهم به أممهم، كما قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء ٤١/ ٤] وجيء أيضا بالشهود الذين يشهدون على الأمم من الملائكة الحفظة التي تقيد أعمال العباد كما قال تعالى: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق ٢١/ ٥٠] والسائق: يسوق للحساب، والشهيد يشهد عليها، وكذا من أمة محمد ص الذين يشهدون على الأمم بما بلغتهم به رسلهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣/ ٢]. وكذلك يجاء بالشهداء المؤمنين الذين استشهدوا في سبيل الله، فيشهدون يوم القيامة بالبلاغ على من بلّغوه، فكذّب بالحق. وبعد فصل الخصومات، بيّن تعالى أنه يوصل إلى كل شخص حقه، فقال معبرا عن هذا المعنى بأربع عبارات: ١ - ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي وقضي بين العباد بالعدل والصدق. ٢ - ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي لا ينقصون من ثوابهم، ولا يزاد في عقابهم، ويكون جزاؤهم على قدر أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، أَتَيْنا بِها، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء ٤٧/ ٢١] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء ٤٠/ ٤]

стр. 7081

٣ - ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أي وفيت وأعطيت كل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر. ٤ - ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ أي والله عالم بما يفعل العباد في الدنيا، من غير حاجة إلى كاتب ولا حاسب ولا شاهد، وإنما وضع الكتاب، وجيء بالنبيين والشهداء لتكميل الحجة، وقطع المعذرة. وأتى بهذا الحكم للدلالة على أنه تعالى يقضي بالحق عن علم تام، فلا يحتمل وجود أي خطأ في ذلك الحكم. والمقصود: بيان أن كل مكلف يصل إلى حقه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - يكون يوم القيامة نفختان: النفخة الأولى منهما يموت بها الخلق، ويحيون في الثانية. والذي ينفخ في الصور هو إسرافيل ﵇. وقد قيل: إنه يكون معه جبريل، لحديث ابن ماجه في السنن عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ص: «إن صاحبي الصور بأيديهما قرنان يلاحظان النظر، متى يؤمران» وحديث أبي داود عن أبي سعيد الخدري أيضا قال: «ذكر رسول الله ص صاحب الصور، وقال: عن يمينه جبرائيل، وعن يساره ميكائيل». ٢ - اختلف في المستثنى من هم؟ فقيل: هم الشهداء متقلّدين أسيافهم حول العرش، لحديث مرفوع عن أبي هريرة ذكره القشيري، وحديث عبد الله بن عمر الذي ذكره الثعلبي. وقيل: إنهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ﵈، لحديث أنس الذي ذكره الثعلبي والنحاس أن النبي ص تلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ، فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ فقالوا: يا نبيّ الله من هم الذين استثنى الله تعالى؟ قال: «هم جبريل وميكائيل

стр. 7082

وإسرافيل وملك الموت» ثم ذكر أنه يؤمر جبريل بإماتة نفس إسرافيل وميكائيل وملك الموت، ثم يميت الله جبريل، ففي هذا الحديث: «إن آخرهم موتا جبريل عليه وعليهم السلام». قال القرطبي: وحديث أبي هريرة في الشهداء أصح. وقال قتادة: الله أعلم بثنياه، أي استثنائه. ٣ - يكون البعث: بأن يبعث الأموات من أهل الأرض والسماء أحياء من قبورهم، وتعاد إليهم أبدانهم وأرواحهم، فيقومون ينظرون، ماذا يؤمرون، أو ينتظرون ما يفعل بهم. ٤ - تستنير أرض المحشر وتضيء بعدل الله وقضائه بالحق بين عباده، والظلم ظلمات، والعدل نور. أو إنها تستنير بنور خلقه الله تعالى، فيضيء به الأرض. وقال أبو جعفر النحاس: وقوله : ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ يبين هذا الحديث المرفوع من طرق كثيرة صحاح: «تنظرون إلى الله ، لا تضامّون في رؤيته» (١) أي لا يلحقكم ضيم كما يلحقكم في الدنيا في النظر إلى الملوك. ٥ - إن أحوال الحكم والقضاء سبع: أن يوضع كتاب الأعمال بين آخذ بيمينه وآخذ بشماله، ويجاء بالنبيين والشهداء، فيسألون عما أجابت الأمم أنبياءها، ويقضى بين الناس بالصدق والعدل، ولا يظلمون، فلا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم، وتوفى كل نفس ما عملت من خير أو شر، والله أعلم بما فعلت كل نفس في الدنيا.

стр. 7083

أحوال أهل العقاب وأهل الثواب ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)﴾ الإعراب: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ﴾ (٧٣) جواب ﴿إِذا﴾: إما محذوف تقديره: حتى إذا جاءوها فازوا أو نعموا، والواو فيه للحال بتقدير: قد، أو قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ والواو زائدة، تقديره: حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها، أو قوله: ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها﴾ والواو زائدة، تقديره: حتى إذا جاءوها قال لهم خزنتها. والوجه الأول أوجه. ﴿طِبْتُمْ﴾ حال. ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ ﴿حَافِّينَ﴾: حال، لأن المراد ب ﴿تَرَى﴾ رؤية البصر لا رؤية القلب. وواحد حافين: حاف. وقال الفراء: هذا لا واحد له، لأن هذا الاسم لا يقع لهم إلا مجتمعين.

стр. 7084

﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ الجملة حال ثانية. البلاغة: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ مقابلة بينهما، قابل بين حال السعداء وحال الأشقياء. والمقابلة كما تقدم: أن يؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب. ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ وضع الظاهر فيه موضع الضمير للدلالة على اختصاص ذلك بالكفرة. ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ استعارة، تشبيها بحال الوارث وتصرفه في إرثه. المفردات اللغوية: ﴿وَسِيقَ﴾ من السوق: وهو الحث على السير بعنف وشدة وإزعاج، بقصد الإهانة والاحتقار ﴿زُمَراً﴾ الزمر: جماعات أو أفواجا متفرقة مرتبة، بعضها إثر بعض، بمقدار تفاوتهم في الضلالة والشر ﴿فُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ ليدخلوها، وهو جواب إذا، وفتح أبواب جهنم عند مجيئهم ليبقى حرها إليهم، إهانة لهم. ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها﴾ تقريعا وتوبيخا ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ من جنسكم ﴿آياتِ رَبِّكُمْ﴾ القرآن وغيره ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ ويخوفونكم وقتكم هذا، وهو وقت دخولهم النار، قال البيضاوي: وفيه دليل على أنه لا تكليف قبل الشرع، من حيث إنهم عللوا توبيخهم بإتيان الرسل وتبليغ الكتب. ﴿وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ وجبت عليهم كلمة الله بالعذاب، وهو الحكم عليهم بالشقاوة بسبب أعمالهم، وأنهم من أهل النار، وقيل: هو قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩/ ١١]. ﴿قِيلَ: اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ أبهم القائل لتهويل ما يقال لهم ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ ماكثين فيها على الدوام ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ اللام فيه للجنس، والمخصوص بالذم محذوف سبق ذكره، أي بئس المأوى جهنم، وهذا دليل على أن تكبرهم عن الحق سبب لدخول النار. ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ أي أسرع بهم بلطف إلى دار الكرامة جماعات، على تفاوت مراتبهم في الشرف وعلو الطبقة ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ أي والحال أنه قد فتحت لهم الأبواب قبل مجيئهم تكريما وتعظيما، وحذف جواب ﴿إِذا﴾ للدلالة على أن لهم حينئذ من الكرامة والتعظيم ما لا يحيط به الوصف، وأن أبواب الجنة تفتح لهم قبل مجيئهم منتظرين استقبالهم، والجواب المقدر: دخلوها ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ لا يعتريكم بعد مكروه ﴿طِبْتُمْ﴾ طهرتم من دنس المعاصي

стр. 7085

﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ أي مخلدين فيها على الدوام أو مقدّرين الخلود، والفاء للدلالة على ان ﴿طِبْتُمْ﴾ سبب لدخولهم وخلودهم، وهو لا يمنع دخول العاصي بعفوه تعالى، لأنه يطهره. ﴿وَقالُوا: الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ عطف على الفعل المقدر جوابا ل ﴿إِذا﴾ وهو: دخلوها ﴿صَدَقَنا وَعْدَهُ﴾ بالبعث والثواب والجنة ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ أي أرض الجنة، يريدون المكان الذي استقروا فيه، وقد أورثوها، أي ملكوها وجعلوا ملاكها، وأطلق تصرفهم فيها كما يشاءون، تشبيها بحال الوارث وتصرفه فيما يرثه، على سبيل الاستعارة ﴿نَتَبَوَّأُ﴾ ننزل ﴿مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ ننزل في أي مقام أردنا من الجنة الواسعة، مع أن في الجنة مقامات معنوية لا يتمانع واردوها ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ الجنة. ﴿حَافِّينَ﴾ محدقين من حول العرش ومحيطين حوله. ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ من كل جانب. و ﴿مِنْ﴾ مزيدة ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ينزهون ربهم من كل نقص، ملتبسين بحمده، قائلين: سبحان الله وبحمده، والجملة حال ثانية أو مقيدة للأولى، والمعنى: ذاكرين له بوصفي جلاله وإكرامه تلذذا به. وفيه إشعار بأن منتهى درجات العليين وأعلى لذائذهم هو الاستغراق في صفات الحق. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ حكم بين جميع الخلائق بالعدل، فيدخل المؤمنون الجنة، والكافرون النار ﴿وَقِيلَ: الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي على ما قضى بيننا من الحق، والقائلون هم المؤمنون المقضي بينهم، أو الملائكة، وقد طوي ذكرهم لتعينهم وتعظيمهم. والخلاصة: لقد ختم استقرار الفريقين بالحمد لله. المناسبة: بعد بيان أحوال أهل القيامة مجملا، بقوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أبان الله تعالى بالتفصيل أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب، ثم وصف ذلك الموكب المهيب موكب الملائكة المحدقين الحافين حول العرش، الذين يسبحون بحمد ربهم، ينزهونه عن النقائص، ويشكرونه، ويقولون بعد استقرار الفريقين في الجنة والنار: الحمد لله رب العالمين على ما أنعم به، وقضى بالحق بين الخلائق.

стр. 7086

التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن حال الأشقياء الكفار، كيف يساقون إلى النار، فيقول: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ أي يساق الكافرون بربهم إلى النار، سوقا عنيفا بزجر وتهديد ووعيد، جماعات متفرقة مرتبة، بعضها إثر بعض، لكل جماعة قائد: هو رأسهم في الكفر وداعيتهم إليه. ونظير الآية: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣/ ٥٢] أي يدفعون إليها دفعا. ﴿حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ أي حتى إذا وصلوا إليها، فتحت لهم أبوابها السبعة سريعا ليدخلوها ولتعجل لهم العقوبة، ويختصوا بنارها. ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ، وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾؟ أي وقال لهم خزنتها من الملائكة الزبانية الأشداء القوى حفظة النار والقائمين عليها، على وجه التقريع والتوبيخ والتنكيل: ألم يأتكم رسل من جنسكم وأنفسكم تتمكنون من مخاطبتهم والأخذ عنهم، يتلون عليكم آيات ربكم التي أنزلها لإقامة الحجج والبراهين على صحة ما دعوكم إليه، ويحذرونكم من شر هذا اليوم، ويخوفونكم لقاء هذا اليوم الذي صرتم إليه. ﴿قالُوا: بَلى، وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ أي أجابهم الكفار معترفين قائلين لهم: بلى، قد جاءونا وأنذرونا وأقاموا علينا الحجج والبراهين، ولكن كذبناهم وخالفناهم، ووجبت كلمة العذاب على من كفر بالله وأشرك، وهي قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩/ ١١]. ونظير الآية: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، قالُوا: بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ، فَكَذَّبْنا وَقُلْنا: ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ، إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي

стр. 7087

ضَلالٍ كَبِيرٍ، وَقالُوا: لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ٨/ ٦٧ - ١٠]. وبعد هذا الإقرار أجيبوا بإصدار حكم الجزاء، فقال تعالى: ﴿قِيلَ: اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها، فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي تقول لهم الملائكة الحفظة على النار: ادخلوا في أبواب جهنم التي فتحت لكم، مقدّرا لكم فيها من قبل الله الخلود والبقاء، ماكثين فيها إلى الأبد، لا خروج لكم منها، ولا زوال لكم عنها، فبئس المسكن الدائم جهنم، بسبب تكبركم في الدنيا عن اتباع الحق، فهو الذي صيركم إلى ما أنتم فيه. وإنما أبهم القائل وأطلق، ولم ينسب إلى قائل معين، ليدل على أن الكون شاهد عليهم بأنهم يستحقون ما هم فيه، بما حكم العدل الخبير عليهم به. ثم يخبر الله تعالى عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون إلى الجنة مكرّمين، فيقول: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ أي وتسوق الملائكة المؤمنين بإعزاز وتشريف وتكريم وفدا إلى الجنة، جماعة بعد جماعة: المقربون، فالأبرار، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كل طائفة مع أمثالهم: الأنبياء مع الأنبياء، والصديقون مع الصديقين، والشهداء مع بعضهم، والعلماء مع أقرانهم. ﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ أي حتى إذا وصلوا إلى أبواب الجنة الثمانية، بعد مجاوزة الصراط، واقتص لهم من مظالم الدنيا، وكانت قد فتحت أبوابها لاستقبالهم بالحراس. ثبت في صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ص: «أنا أول شفيع في الجنة» وفي لفظ: «وأنا أول من يقرع باب الجنة».

стр. 7088

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ص قال: «يدخل الجنة من أمتي زمرة هم سبعون ألفا تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر، فقام عكاشة بن محصن، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: اللهم اجعله منهم، ثم قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، ادع الله تعالى أن يجعلني منهم، فقال ص: سبقك بها عكاشة». وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ص: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ، أو فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء». وأخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ص قال: «إن في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمّى الريان، لا يدخله إلا الصائمون». وروى أحمد عن الحسن عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ص: «مفاتيح الجنة: شهادة أن لا إله إلا الله». ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ، فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ أي وقال خزنة الجنة للمؤمنين: سلامة لكم من كل آفة ومكروه، طابت أعمالكم وأقوالكم وطاب سعيكم في الدنيا، فلم تتدنسوا بالشرك والمعاصي، وطاب جزاؤكم في الآخرة، كما أمر رسول الله ص أن ينادى بين المسلمين في بعض الغزوات فيما رواه أحمد والترمذي والحاكم عن علي: «لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة-أو مؤمنة» فادخلوا الجنة ماكثين فيها أبدا، لا زوال ولا تحول عنها، ولا موت ولا فناء فيها. ﴿وَقالُوا: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ، وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ، نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ أي وقال المؤمنون الأتقياء الذين عملوا

стр. 7089

الصالحات إذا عاينوا الجنة وما فيها من نعيم مقيم وثواب وافر: الحمد والشكر لله العظيم الذي أنجزنا وعده بالبعث والثواب بالجنة، والذي وعدنا به على ألسنة رسله الكرام، كما دعوا في الدنيا: ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ، وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ، إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ [آل عمران ١٩٤/ ٣]، ﴿وَقالُوا: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ، إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ، لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٤/ ٣٥ - ٣٥]. وجعلنا ملاك الجنة المتصرفين فيها، نرث أرض الجنة، كأنها صارت من غيرهم إليهم، فملكوها وتصرفوا فيها، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥/ ٢١]. وأين شئنا حللنا، نتخذ في الجنة من المنازل ما نشاء حيث نشاء، فنعم الأجر أجرنا على عملنا، ونعم أجر العاملين: الجنة. جاء في الصحيحين عن أنس ﵁ في قصة المعراج، قال النبي ص: «أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ (١)، وإذا ترابها المسك». ثم أخبر الله تعالى عن حال الملائكة المحدقين حول العرش، فقال: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ، يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، وَقِيلَ: الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي وترى أيها السعيد المؤمن جماعات الملائكة محيطين محدقين بالعرش المجيد، يسبّحون الله (ينزهون الله عن كل نقص وجور) ويمجدونه ويعظمونه ويقدسونه، ويحمدونه ويشكرونه على أفضاله ونعمه، قائلين: سبحان الله وبحمده.

стр. 7090

والحال أيضا أنه قد قضي بين العباد بالعدل، فأدخل بعضهم الجنة، وبعضهم النار، ونطق المؤمنون والملائكة والكون أجمعه بالحمد والشكر لله ربّ العالمين من الإنس والجن، في حكمه وعدله وقضائه بين المؤمنين وبين أهل النار بالحق المطلق الذي لا خطأ فيه. وأبهم القائل وأطلق هنا كالسابق للدلالة على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد. قال قتادة: افتتح الخلق بالحمد في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١/ ٦]، واختتم بالحمد في قوله ﵎: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، وَقِيلَ: الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. ويلاحظ أن المؤمنين حمدوا ربّهم أولا على إنجاز وعده ووراثتهم أرض الجنة، يتبوّءون منها حيث يشاءون، وحمدوه ثانيا على القضاء بالحق، والحكم بالعدل بين الناس جميعا. فقه الحياة أو الأحكام: أبانت الآيات ما يأتي: ١ - توفى كل نفس عملها، فيساق الكافر إلى النار، والمؤمن إلى الجنة. ٢ - يساق أهل النار إليها بسرعة وعنف، إهانة لهم واحتقارا، وهم حينذاك جماعات متفرقة بعضها إثر بعض، وتفتح أبواب جهنم عند وصولهم إليها، وتقول لهم سدنتها تقريعا وتوبيخا: ألم تأتكم الرسل من جنسكم لتبليغكم الكتب المنزلة عليكم، وإنذاركم وتخويفكم لقاء وقتكم هذا؟ ٣ - يجيب أهل النار: نقر ونعترف بقيام الحجة علينا بمجيء الرسل، ولكن وجب العذاب على الكفار، لقوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩/ ١١].

стр. 7091

٤ - دلّت هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ.﴾. على أنه لا تكليف ولا إيجاب لشيء من الشرائع والأحكام قبل مجيء الشرع، لأن الملائكة بيّنوا أنه ما بقي للكفار علّة ولا عذر بعد مجيء الأنبياء ﵈، ولو لم يكن مجيء الأنبياء شرطا في استحقاق العذاب، لما بقي في هذا الكلام فائدة. ٥ - تقول الملائكة بعد سماع جواب الكافرين: ﴿اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ، خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. ٦ - يقاد الأتقياء بلطف وإعزاز وإكرام، من الشهداء والزهاد والعلماء والقرّاء وغيرهم، ممن اتقى الله تعالى وعمل بطاعته، ويؤتى بهم إلى الجنة، فيجدون أبوابها مفتحة لهم: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ، مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ [ص ٥٠/ ٣٨] ويذكر خزنة الجنة لأهل الثواب هذه الكلمات الثلاث: الأولى-قولهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ يبشّرونهم بالسلامة من كل الآفات. الثانية-قولهم: ﴿طِبْتُمْ﴾ من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا. الثالثة-قولهم: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ والتعليل بالفاء يدلّ على كون ذلك الدخول معللا بالطيب والطهارة. ٧ - سبب التفرقة بين أهل النار وأهل الجنة في فتح الأبواب، حيث فتحت أبواب النار بغير الواو، وفتحت أبواب الجنة بالواو: هو احتقار الفريق الأول وتخصيصهم بالنار، وإعزاز الفريق الثاني وإكرامهم بالاستقبال والاستعداد، فلا تفتح أبواب النار إلا عند دخول أهلها فيها، وتفتح أبواب الجنة قبل وصول أهلها إليها، ولذلك جيء بالواو، كأنه قيل: حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها. ٨ - إذا خاطبت الملائكة المتقين بالكلمات الثلاث السابقة، قال المتقون عند

стр. 7092

ذلك وبعد دخول الجنة: الحمد لله الذي صدقنا وعده بنعيم الجنة، وأورثنا أرض الجنة، فنعم ثواب المحسنين هذا الذي أعطيتنا. ٩ - يكون الملائكة في جوانب العرش وأطرافه، قائلين: سبحان الله وبحمده، متلذذين بذلك لا متعبدين به، أي يصلون حول العرش شكرا لربهم، بعد أن قضي بين أهل الجنة والنار بالعدل، ويقول المؤمنون والملائكة ونحوهم: الحمد لله على ما أثابنا من نعمه وإحسانه، ونصرنا على من ظلمنا. ويرى الرازي أن قوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي بين الملائكة، وهو دليل على أنهم على درجات مختلفة ومراتب متفاوتة، فلكل واحد منهم في درجات المعرفة والطاعة حدّ محدود لا يتجاوزه ولا يتعداه (١).

стр. 7093

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة غافر أو: المؤمن مكيّة، وهي خمس وثمانون آية. تسميتها: تسمى هذه السورة سورة غافر، لافتتاحها بتنزيل القرآن من الله غافر الذنب وقابل التوب، والغافر من صفات الله وأسمائه الحسنى. وتسمى أيضا سورة (المؤمن)، لاشتمالها على قصة مؤمن آل فرعون. مناسبتها لما قبلها: تظهر مناسبه هذه السورة لما قبلها من ناحيتين: الأولى-التشابه في الموضوع: فقد ذكر في كل من السورتين أحوال يوم القيامة وأحوال الكفار في يوم المحشر. الثانية-الترابط بين خاتمة السورة السابقة ومطلع هذه السورة، فقد ذكر في نهاية سورة الزمر أحوال الكفار الأشقياء والمتقين السعداء، وافتتحت سورة غافر بأن الله غافر الذنب لحث الكافر على الإيمان وترك الكفر. ومناسبة الحواميم السبع لسورة الزمر: تشابه الافتتاح بتنزيل الكتاب ورتبت الحواميم إثر بعضها، لاشتراكها بفاتحة ﴿حم﴾ وبذكر ﴿الْكِتابِ﴾ بعد ﴿حم﴾ وأنها مكية، بل ورد في حديث أنها نزلت جملة واحدة، وفيها شبه من ترتيب ذوات (الراء) الست. ذكر السيوطي عن

стр. 7094

ابن عباس وجابر بن زيد في ترتيب السور: أن الحواميم نزلت عقب الزمر، وأنها نزلت متتاليات كترتيبها في المصحف: المؤمن، ثم السجدة، ثم الشورى، ثم الزخرف، ثم الدخان، ثم الجاثية، ثم الأحقاف، ولم يتخللها نزول غيرها، وذلك مناسبة واضحة لوضعها هكذا. ويقال لها أيضا: آل حم، قال عبد الله بن مسعود ﵁: آل حم ديباج القرآن. وقال ابن عباس ﵄: إن لكل شيء لبابا، ولباب القرآن آل حم، أو قال: الحواميم. وقال النبي ص: «لكل شيء ثمرة، وإن ثمرة القرآن ذوات حم، هنّ روضات حسان مخصبات متجاورات، فمن أحبّ أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم». وقال رسول الله ص لأصحابه في بعض الغزوات-فيما رواه أبو عبيد-: «إن بيّتم الليلة، فقولوا: حم لا ينصرون-أو لا تنصرون». وروى الحافظ أبو بكر البزار والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ص: «من قرأ آية الكرسي، وأول حم المؤمن، عصم ذلك اليوم من كل سوء». مشتملاتها: سورة غافر والحواميم السبع مكية، فهي تعنى بأصول العقيدة كسائر السور المكية، لذا جاءت آياتها عنيفة شديدة التأثير لإثبات وحدانية الله وتنزيل القرآن والبعث، ووصف ملائكة العرش، وإنهاء الصراع بين أهل الحق وبين أهل الباطل أو فريق الهدى وفريق الضلال. وقد ابتدأت بإعلان تنزيل الكتاب الكريم من الله المتصف بالصفات الحسنى، وهاجمت الكفار الذين يجادلون بالباطل، ثم وصفت مهام ملائكة العرش.

стр. 7095

وأخبرت عن طلب أهل النار الخروج منها لشدة العذاب، ورفض هذا الطلب، وأقامت الأدلة على وجود الله القادر، وخوّفت من أهوال القيامة، وأنذرت الكفار من شدائد ذلك اليوم. ثم لفتت الأنظار لموضع العبرة من إهلاك الأمم الغابرة وهو كفرهم بالآيات البيّنات التي جاؤوا بها، وخصّت بالذكر قصة موسى ﵇ مع فرعون وهامان وقارون، وما دار من حوار بين فرعون وقومه وبين رجل من آل فرعون يكتم إيمانه، وما فعله فرعون الطاغية من قتل أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم، خشية انتشار الإيمان في قومه، وانتهاء القصة بهلاك فرعون بالغرق في البحر مع جنوده، ونجاة موسى وقومه جند الإيمان في ذلك العصر. وتلك هي قصة الإيمان والطغيان. وقد أردف ذلك بإعلان خذلان الكافرين، ونصر الرسل والمؤمنين نصرا مؤزرا في الدنيا والآخرة. وختمت القصة بأمر النبي ص بالصبر على أذى قومه كما صبر موسى وغيره من أولي العزم. ثم أوردت السورة الأدلة الكونية الدالة على وحدانية الله وقدرته، وضربت المثل للمؤمن بالبصير، وللكافر بالأعمى، فالمؤمن نيّر القلب والبصيرة بنور الله، والكافر مظلم النفس يعيش في ظلمة الكفر. وأتبعت ذلك ببيان نعم الله على عباده من الأنعام والفلك وغيرها. وختمت السورة بما يؤكد الغرض المهم منها: وهو الاعتبار بمصرع الظالمين المكذبين، وما يلقونه من أصناف العذاب، ومبادرتهم إلى الإيمان حين رؤية العذاب، ولكن لا ينفعهم ذلك، فإن سنّة الله الثابتة ألا يقبل إيمان اليأس أو حال رؤية البأس.

стр. 7096

مصدر تنزيل القرآن وحال المجادلين في آياته ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥) وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّارِ (٦)﴾ الإعراب: ﴿حم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ قال الرازي: الأقرب ها هنا أن يقال ﴿حم﴾ اسم للسورة، فقوله ﴿حم﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ﴾ خبر، والتقدير: إن هذه السورة المسماة بحم تنزيل الكتاب، فقول: ﴿تَنْزِيلُ﴾ مصدر، لكن المراد منه: المنزل. ويرى القرطبي وغيره أن ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. ويجوز أن يكون ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبرا لمبتدأ محذوف، أي هذا ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ ويجوز أن يكون ﴿حم﴾ مبتدأ، و ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبره، كما قال الرازي، والمعنى: إن القرآن أنزله الله وليس منقولا، ولا مما يجوز أن يكذّب به. و ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ﴾ إما نعتان أو بدلان، ويجوز النصب على الحال. وأما ﴿شَدِيدِ الْعِقابِ﴾ فهو نكرة ويكون خفضه على البدل. و ﴿حم﴾: قرئ بالسكون، وهو المشهور على الأصل في الحروف المقطعة، وقرئ «حاميم»

стр. 7097

بفتح الميم، والفتح إما لالتقاء الساكنين، لأنه أخف الحركات، أو أن يكون فتح الميم علامة النصب بتقدير فعل، أي اتل حم. ﴿أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّارِ﴾ بدل من ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ بدل الكل من اللفظ أو الاشتمال من المعنى. البلاغة: ﴿الذَّنْبِ﴾ و ﴿التَّوْبِ﴾ بينهما طباق. ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وارد بصيغة الحصر. المفردات اللغوية: ﴿حم﴾ تقرأ هكذا: حاميم بالسكون، أو بالفتح حاميم، وهذه الحروف المقطعة المبدوء بها بعض السور للتنبيه على إعجاز القران وتحدي العرب أن يأتوا بمثله، وللدلالة على أن هذا القرآن المعجز منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية التي تتركب منها الكلمات والجمل العربية. ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ القوي في ملكه، العليم بخلقه، قال البيضاوي: لعل تخصيص الوصفين لما في القرآن من الإعجاز والحكم، الدال على القدرة الكاملة والحكمة البالغة. ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ للمؤمنين التائبين. ﴿وَقابِلِ التَّوْبِ﴾ يقبل منهم التوبة فضلا منه ورحمة. ﴿شَدِيدِ الْعِقابِ﴾ للكافرين. ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ صاحب الفضل والإنعام على عباده، وذو الغنى والسعة أيضا، وإيراد هذه الصفات للترغيب والترهيب والحثّ على الإيمان. ﴿الْمَصِيرُ﴾ المرجع، فيجازي المطيع والعاصي. ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ﴾ القرآن. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من مشركي مكة وأمثالهم، فيه تسجيل صفة الكفر على المجادلين في القرآن بالباطل والطعن فيه لإدحاض الحق. ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ لا تغترّ بإمهالهم وإقبالهم في دنياهم وتقلبهم في بلاد الشام واليمن بالتجارات الرابحة بقصد المعاش، فإن عاقبتهم النار والهلاك. والتقلب في البلاد: التصرف والتنقل. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ كذبت قوم نوح بالرسل وعادوهم، وكذلك كذبت الأحزاب (الجماعات) من بعدهم كعاد وثمود وغيرهما. ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ﴾ من هؤلاء ﴿هَمَّتْ﴾ عزمت. ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ ليتمكنوا منه بما أرادوا من تعذيب وقتل، فيحبسوه ويأسروه ويعذبوه ويقتلوه. ﴿بِالْباطِلِ﴾ بما لا حقيقة له. ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ يزيلوا به الحق. ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ بالإهلاك والعقاب. ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أي عقابي لهم، بأن وقع موقعه. ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وجبت كلمته أي حكمه بالهلاك وقضاؤه بالعذاب. ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لكفرهم. ﴿أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّارِ﴾ أي وتلك الكلمة هي أنهم مستحقون للنار.

стр. 7098

سبب النزول: نزول الآية (٤): ﴿ما يُجادِلُ.﴾.: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله تعالى: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: نزلت في الحارث بن قيس السهمي. التفسير والبيان: موضوع هذه الآيات بيان مصدر نزول القرآن: وهو أنه من عند الله، الذي وصف نفسه بصفات ست، ثم مناقشة الكفار الذين جادلوا في آيات الله بالباطل أي بقصد الطعن فيها وإدحاض الحق، فاستحقوا التهديد بعذاب الله وهو أنهم في النار. ﴿حم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ﴿حم﴾: من الحروف المقطعة في فواتح السور، للتنبيه على مضمون السورة وعلى إعجاز القرآن المكون نظمه من حروف اللغة العربية التي ينطق بها العرب وينظمون بها الأشعار ويدبّجون بها الخطب الرنانة، ومع ذلك لا يستطيعون معارضته، لأنه كلام الله تعالى. والقرآن المتلو بين الناس على الملأ منزّل من عند الله، ليس بكذب عليه، والله الذي أنزله هو العزيز أي الغالب القوي القادر القاهر، والعليم أي البالغ العلم التام بخلقه وما يقولونه ويفعلونه، الذي يعلم السر وأخفى. ثم وصف الله نفسه بستة أنواع من الصفات الجامعة بين الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، فقال: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ، وَقابِلِ التَّوْبِ، شَدِيدِ الْعِقابِ، ذِي الطَّوْلِ،

стр. 7099

لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي إن الله منزل القرآن هو غافر الذنب الذي سلف لأوليائه، سواء أكان صغيرة أم كبيرة بعد التوبة أو قبل التوبة بمشيئته، وقابل توبتهم المخلصة، وشديد العقاب لأعدائه، وذو التفضل والإنعام والسعة والغنى، ينعم بمحض إحسانه تعالى، وهو الإله الواحد الذي لا شريك له ولا ندّ ولا صاحبة ولا ولد، وإليه المرجع والمآب في اليوم الآخر، لا إلى غيره. ثم ذكر تعالى أحوال المجادلين في القرآن بقصد إبطاله وإطفاء نوره، فقال: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ أي ما يخاصم في دفع آيات الله وتكذيبها إلا الذين كفروا، فهم يجادلون بالباطل بقصد دحض الحق، كوصفهم القرآن بأنه شعر أو سحر أو أساطير الأولين، فلا تغترّ أيها النبي وكل مؤمن بشيء من رفاهية الدنيا التي تراهم فيها، كالتجارة في البلاد، وتحقيق الأرباح، وجمع الأموال، فإنهم معاقبون عما قليل، وعاقبتهم في النهاية الدمار والهلاك، وهذا تسلية للنبي ص، كما قال تعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ، مَتاعٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ [آل عمران ١٩٦/ ٣ - ١٩٧]، وقال سبحانه: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً، ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان ٢٤/ ٣١]. ويلاحظ أن الجدال نوعان: جدال في تقرير الحق، وجدال في تقرير الباطل، أما الجدال بالحق لبيان غوامض الأمور والوصول إلى فهم الحقائق: فهو جائز مشروع، اتخذه الأنبياء أسلوبا في دعوتهم إلى الدين الحق، قال تعالى حكاية عن قوم نوح ﵇ أنهم قالوا له: ﴿يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هود ٣٢/ ١١]، وقال تعالى لنبيه محمد ص: ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥/ ١٦]. وأما الجدال بالباطل كالمذكور هنا فهو مذموم، كما قال تعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ

стр. 7100

لَكَ إِلاّ جَدَلاً، بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف ٥٨/ ٤٣]، وهو المشار إليه في قوله ص: «لا تماروا في القرآن، فإن المراء فيه كفر»، «إن جدالا في القرآن كفر». قال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن، قوله: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة ٢/ ١٧٦]. ثم أخبر الله تعالى عن تشابه أقوام الأنبياء في تكذيب رسلهم، فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي كذبت قبل قوم قريش قوم نوح (وهو أول رسول بعثه الله للنهي عن عبادة الأوثان) والجماعات الذين تخربوا على الرسل من بعد قوم نوح، كعاد وثمود وأصحاب لوط وقوم فرعون، بتكذيب رسلهم، فعوقبوا أشد العقاب. ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي وعزمت وحرصت كل أمة من تلك الأمم المكذبة برسولهم المرسل إليهم على أخذه، لحبسه وتعذيبه وإصابة ما يريدون منه أو قتله، فمنهم من قتل رسوله، وخاصموا رسولهم بالشبهة وبالباطل من القول، ليردوا الحق الواضح الجلي، وليبطلوا الإيمان. روى أبو القاسم الطبراني عن ابن عباس ﵁ عن النبي ص قال: «من أعان باطلا ليدحض به حقا، فقد برئت منه ذمة الله تعالى وذمة رسوله ص». وقال يحيى بن سلام: جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان. ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أي فأخذت هؤلاء المجادلين بالباطل بالعذاب، وأهلكتهم، فقد جاء الأخذ بمعنى الإهلاك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج ٤٤/ ٢٢]. فانظر كيف عقابي الذي عاقبتهم

стр. 7101

به؟ فإنه كان مهلكا مستأصلا، وليعتبر قومك يا محمد بهذا، فإني أعاقبهم بعقاب مماثل، وإنهم يمرون على بلادهم ومساكنهم، فيعاينون أثر ذلك. وهذا تقرير فيه معنى التعجيب، وأكّد هذا المعنى بقوله: ﴿وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّارِ﴾ أي ومثل ذلك عذاب كل كافر، والمعنى: وكما وجب العذاب على الأمم المكذبة لرسلهم، وجب على الذين كفروا بك يا محمد، وجادلوك بالباطل، وتحزبوا عليك، فالسبب واحد والعلة واحدة، وذلك العذاب هو استحقاقهم النار. والمراد بكلمة العذاب هي أنهم مستحقون النار. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على ما يأتي: ١ - إن تنزيل القرآن من الله ذي العزة والعلم، فهو ليس منقولا ولا مما يصحّ أن يكذّب به. ٢ - وصف الله تعالى نفسه بستّ صفات تجمع بين الترغيب والترهيب، وتفتح باب الأمل للعصاة والكفار للمبادرة إلى ساحة الإيمان والتزام جادة الاستقامة على أمر الله ومنهجه. وتشير القصتان التاليتان إلى مدى فعالية هذا الأسلوب القرآني في إصلاح البشرية. روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن أبي إسحاق السبيعي قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين، إني قتلت، فهل لي من توبة؟ فقرأ عمر ﵁: ﴿حم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. ﴿غافِرِ الذَّنْبِ، وَقابِلِ التَّوْبِ، شَدِيدِ الْعِقابِ.﴾. الآية، وقال: اعمل ولا تيأس.

стр. 7102

وروى ابن أبي حاتم أيضا والحافظ أبو نعيم عن يزيد بن الأصم قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس، وكان يفد إلى عمر بن الخطاب ﵁، ففقده عمر، فقال: ما فعل فلان بن فلان؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، تتابع في هذا الشراب. فدعا عمر كاتبه، فقال: اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ﴿غافِرِ الذَّنْبِ، وَقابِلِ التَّوْبِ، شَدِيدِ الْعِقابِ، ذِي الطَّوْلِ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه ويتوب الله عليه. فلما بلغ الرجل كتاب عمر ﵁ جعل يقرؤه ويردده، ويقول: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ﴾ قد حذّرني عقوبته، ووعدني أن يغفر لي. فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع فأحسن النزع. فلما بلغ عمر خبره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زلّ زلّة، فسدّدوه ووثّقوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه. ٣ - قد يعفو الله تعالى عن الذنوب الصغائر بتوبة أو بغير توبة، وقد يعفو أيضا عن الكبائر كالقتل والسرقة والزنى بعد التوبة، وإطلاق الآية ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ يدل على كونه غافرا للذنوب الكبائر قبل التوبة، إذا شاء وأراد. ولكن قبول التوبة من الذنب يقع على سبيل التفضل والإحسان من الله، وليس بواجب على الله، لأنه تعالى ذكر كونه قابلا للتوب على سبيل المدح والثناء، ولو كان ذلك من الواجبات لم يبق فيه من معنى المدح إلا القليل. وقالت المعتزلة: إنه واجب على الله بإيجاب منه على نفسه، لا بإيجاب غيره عليه.

стр. 7103

٤ - في الآية إيماء بترجيح جانب الرحمة والفضل على جانب الغضب والعدل، لأنه تعالى لما أراد أن يصف نفسه بأنه ﴿شَدِيدِ الْعِقابِ﴾ ذكر قبله أمرين، كل واحد منهما يقتضي زوال العقاب، وهو كونه ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ﴾ وذكر بعده ما يدلّ على حصول الرحمة العظيمة، وهو قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾. ٥ - إن الجدال لتقرير الباطل لدحض الحق وإبطال الإيمان، بالاعتماد على الشبهات، بعد البيان القرآني وظهور البرهان الإلهي: كفر وضلال وجحود لآيات الله وحججه وبراهينه. والجدال في آيات الله أن يقال مثلا عن القرآن: إنه سحر أو شعر أو من قول الكهنة، أو أساطير الأولين، أو إنما يعلّمه بشر، ونحو ذلك. أما الجدال لتوضيح الحق ورفع اللّبس والرّد إلى الحق، فهو من أعظم ما يتقرّب به المتقرّبون، قال تعالى: ﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت ٤٦/ ٢٩]. ٦ - لا يغترن أحد بإمهال الكفرة والعصاة وتركهم سالمين في أبدانهم وأموالهم يترددون في البلاد للتجارة وطلب المعاش، فإن الله يمهل ولا يهمل، وإنه وإن أمهلهم فإنه سينتقم منهم كما فعل بأمثالهم من الأمم الماضية. ٧ - المثال المتكرر في القرآن الكريم: هو أن الله تعالى أهلك الأمم المكذبة برسلها، الذين جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان، وقد لمس الناس آثار ذلك الهلاك في ديارهم ومساكنهم، لذا قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أي كيف كان عقابي إياهم، أليس وجدوه حقا؟! ٨ - إن مثل الذي وجب (حق) على الأمم السالفة من العقاب، يجب

стр. 7104

(يحق) على الذين كفروا في كل زمان ومكان، سواء من قريش وغيرهم، فهم على وشك نزول العقاب بهم. محبة الملائكة حملة العرش للمؤمنين ونصرتهم ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ الإعراب: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ معطوف على هم ضمير ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾. ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ﴾ ﴿مَنْ﴾ اسم موصول، مبتدأ، وخبره جملة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾. المفردات اللغوية: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ هم الملائكة الكروبيون الذين هم أعلى طبقات الملائكة وأولهم وجودا، وحملهم العرش عند بعضهم: مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له، و ﴿الْعَرْشَ﴾ مركز تدبير العالم، وهو حقيقة، الله أعلم به. ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ يقرنون التسبيح (تنزيه الله عن كل النقائص) بالحمد والشكر، فيقولون: سبحان الله وبحمده. ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالله تعالى، أي يصدقون ببصائرهم بوحدانية الله. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يطلبون المغفرة لهم، فهم يشفعون لهم ويلهمون المؤمنين ما يوجب المغفرة، ويحملونهم على التوبة، وفيه تنبيه على أن المشاركة في

стр. 7105

الإيمان توجب النصح والشفقة. ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ أي يقولون ربّنا، وهو بيان لقوله: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾. والمعنى: يا ربنا، لقد وسعت رحمتك كل شيء، ووسع علمك كل شيء. ﴿فَاغْفِرْ﴾ المغفرة: الستر. ﴿تابُوا﴾ من الشرك. ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ دين الإسلام. ﴿وَقِهِمْ﴾ احفظهم واصرف عنهم. ﴿عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ عذاب النار. ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ إقامة دائمة. ﴿الْعَزِيزُ﴾ القوي الغالب القاهر. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه. ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ احفظهم من عذابها أي جزاء السيئات. ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى أن الكفار يبالغون في إظهار العداوة للمؤمنين، بيّن هنا أن أشرف المخلوقات وهم حملة العرش والذين هم حول العرش يبالغون في إظهار المحبة والنصرة للمؤمنين، فلا تبال بالكفرة أيها الرسول، ولا تلتفت إليهم ولا تقم لهم وزنا، فإن حملة العرش ومن حوله ينصرونك. التفسير والبيان: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إن الملائكة حملة العرش ومن حوله من الملائكة الكروبيين الذين هم أفضل الملائكة يقرنون بين التسبيح (التنزيه) الدال على نفي النقائص، والتحميد المقتضي لإثبات صفات الثناء والتمجيد، ويصدقون بوجود الله ووحدانيته ولا يستكبرون عن عبادته، فهم خاشعون له، أذلاء بين يديه، ويطلبون المغفرة للذين آمنوا من أهل الأرض ممن آمن بالغيب. ولما كان هذا من سجايا الملائكة ﵈، فهم يؤمّنون على دعاء المؤمن لأخيه المؤمن بظهر الغيب، كما ثبت في صحيح مسلم: «إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب، قال الملك: آمين، ولك بمثله». ونحن نؤمن بحمل الملائكة العرش، ونترك الكيف والعدد لله ،

стр. 7106

ورأى بعض المفسرين أن المراد بالحمل: التدبير والحفظ، والعرش أعظم المخلوقات، ونؤمن به كما ورد. وذكر ابن كثير أن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كانوا يوم القيامة كانوا ثمانية، كما قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة ١٧/ ٦٩] (١). وفائدة وصف الملائكة بالإيمان، مع أن التسبيح والتحميد يكون مسبوقا بالإيمان: هو إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه، كما وصف الأنبياء في غير موضع من كتاب الله بالصلاح لذلك، وكما عقّب أعمال الخير بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد ١٧/ ٩٠] فأبان بذلك فضل الإيمان. وفائدة أخرى هي التنبيه على أن إيمانهم كغيرهم سواء بطريق النظر والاستدلال لا غير، لا بالمشاهدة والمعاينة (٢). وصيغة استغفارهم للمؤمنين هي: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، فاستر واصفح عن الذين تابوا عن الذنوب، واتبعوا سبيل الله وهو دين الإسلام، واحفظهم من عذاب الجحيم-عذاب النار. قال خلف بن هشام البزار القارئ: كنت أقرأ على سليم بن عيسى، فلما بلغت: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بكى، ثم قال: يا خلف! ما أكرم المؤمن على الله، نائما على فراشه، والملائكة يستغفرون له.

стр. 7107

﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ربنا وأدخلهم جنات الإقامة الدائمة التي وعدتهم بها على ألسنة رسلك، وأدخل معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، بأن كان مؤمنا موحدا قد عمل الصالحات، اجمع بينهم وبينهم، تكميلا لنعمتك عليهم، وتماما لسرورهم، فإن الاجتماع بالأهل أكمل للبهجة والأنس، إنك أنت القوي الغالب الذي لا يغالب، الحكيم في أقوالك وأفعالك من شرعك وقدرك. ونظير الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ، أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ٢١/ ٥٢]. قال مطرّف بن عبد الله الشّخيّر: أنصح عباد الله للمؤمنين: الملائكة، ثم تلا هذه الآية: ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ الآية، وأغشّ عباده للمؤمنين: الشياطين. وقال سعيد بن جبير: إن المؤمن إذا دخل الجنة، سأل عن أبيه وابنه وأخيه، أين هم؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: إني إنما عملت لي ولهم، فيلحقون به في الدرجة، ثم قرأ سعيد بن جبير هذه الآية: ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ، وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ودعاؤهم إيجابي وسلبي، يشمل دخول الجنان ومنع العقاب، فقال تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ، وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي واحفظهم من العقوبات أو العذاب وجزاء السيئات التي عملوها، بأن تغفرها لهم، ولا تؤاخذهم بشيء منها، وأبعد عنهم ما يسوؤهم من العذاب،

стр. 7108

ومن تقيه السيئات يوم القيامة، فقد رحمته من عذابك، وأدخلته جنتك، وهذا هو الفوز الساحق الأكبر الذي لا فوز أفضل منه. وفائدة استغفار الملائكة للمؤمنين التائبين الصالحين الموعودين المغفرة وعدا لا خلف فيه: زيادة الكرامة والثواب. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: ١ - أخبر الله تعالى عن الملائكة حملة العرش بثلاثة أشياء: التسبيح المقرون بالتحميد، والإيمان الكامل بالله تعالى وحده لا شريك له، والاستغفار للمؤمنين شفقة عليهم. ويلاحظ أنه قدم التسبيح والتحميد على الاستغفار، لأن التعظيم لأمر الله مقدم على الشفقة على خلق الله. والتسبيح: تنزيه الله تعالى عما لا يليق، والتحميد: الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق، والأول إشارة إلى الجلال، والثاني إشارة إلى الإكرام، كما قال تعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ [الرحمن ٧٨/ ٥٥]. والعرش أعظم المخلوقات، نؤمن به، وندع أمر وصفه لله . لكن يجب تنزيه الله عن التحديد والتجسيم والتكييف والحصر في مكان معين. ٢ - احتج كثير من العلماء بهذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ.﴾. في إثبات أن الملك أفضل من البشر، لأن الملائكة لما فرغوا من الثناء على الله والتقديس، اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم، وهم المؤمنون. وهذا يدل على أنهم مستغنون عن الاستغفار لأنفسهم، وإلا لبدؤوا بأنفسهم قبل غيرهم، بدليل قوله ص: فيما رواه النسائي عن جابر «ابدأ بنفسك» وقوله تعالى لنبيه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ [محمد ١٩/ ٤٧] فأمر محمدا ص أن يستغفر لنفسه، ثم لغيره.

стр. 7109

٣ - تدل هذه الآية أيضا على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين، لأن الاستغفار طلب المغفرة، والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العقاب، أما طلب النفع الزائد وهو زيادة الثواب للمؤمنين، فإنه لا يسمى استغفارا. ٤ - قال أهل التحقيق: إن هذه الشفاعة الصادرة عن الملائكة في حق البشر تجري مجرى اعتذار عن زلة سبقت. ٥ - إن الدعاء في أكثر الأحوال يبدأ بلفظ «ربنا» كما فعل الملائكة في دعائهم: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ.﴾. ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ.﴾. ومن أرضى الدعاء: أن ينادي العبد ربه بقوله: «يا رب». ٦ - السنة في الدعاء: أن يبدأ فيه بالثناء على الله تعالى، ثم يذكر الدعاء عقيبه، بدليل هذه الآية، فإن الملائكة لما عزموا على الدعاء والاستغفار للمؤمنين، بدؤوا بالثناء، فقالوا: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ وكذلك بدأ إبراهيم الخليل بالثناء أولا على الله الهادي، الرزاق، الشافي، المحيي، الغفار، ثم قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء ٧٨/ ٢٦ - ٨٣]. والعقل والأدب يدلان أيضا على هذا الترتيب. ٧ - وصف الملائكة الله تعالى في ثنائهم بقولهم: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ بثلاث صفات: الربوبية والرحمة والعلم، والربوبية إشارة إلى الإيجاد والإبداع، والرحمة إشارة إلى أن جانب الخير والرحمة والإحسان راجح على جانب الضر، وأنه تعالى خلق الخلق للرحمة والخير، لا للإضرار والشر. ٨ - قوله سبحانه: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ دليل على كونه سبحانه عالما بجميع المعلومات التي لا نهاية لها من الكليات والجزئيات. ٩ - اشتمل دعاء الملائكة على الخير كله وعلى أشياء كثيرة للمؤمنين وهي:

стр. 7110

أ-طلب الغفران للتائبين من الشرك والمعاصي، الذين اتبعوا دين الإسلام. ب-الوقاية من عذاب جهنم حتى لا يصل إليهم. ج -إدخالهم جنات عدن، قال عمر بن الخطاب لكعب الأحبار: ما جنات عدن؟ قال: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون والصدّيقون والشهداء وأئمة العدل. وإدخال أقاربهم معهم أيضا من الآباء والأزواج والذريات. د-إن صونهم من جزاء السيئات، أي وقايتهم في الدنيا من العقائد الفاسدة والأعمال الفاسدة والوقاية من عذاب السيئات دليل على رحمة الله بدخول الجنة، وتلك هي النجاة الكبيرة. والخلاصة: إن أكمل الدعاء: ما طلب فيه ثواب الجنة، والنجاة من النار. اعتراف الكفار بذنوبهم وباستحقاقهم العقاب الأخروي والتذكير بقدرة الله وفضله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاّ مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧)﴾
следующие страницы →