وعلى هذا تترتب الأحكام في هذه الآية:
١ - الأعمار والأقدار والبلايا والأمراض بيد الله
، والإيمان بذلك واجب، ولن يغني في الواقع حذر من قدر، ولكن لما كانت الأقدار غير معروفة لدينا، جاز للإنسان اتخاذ أسباب الوقاية من المكاره، وتجنب الأشياء المخوفة قبل هجومها، والحذر من المهالك، قال الله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء ٧١/ ٤] وقال: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥/ ٢] فإذا نزلت المصيبة فعليه الصبر وترك الجزع، لأنه ﵊ نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع فيها، ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها، فرارا منه. وهكذا الواجب على كل متقّ من الأمور غوائلها، سبيله في ذلك سبيل الطاعون. وهذا المعنى نظير
قوله ﵊: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا» (١).
وهذا ما دلت عليه الأحاديث، روى الأئمة، واللفظ للبخاري من
حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدا أن رسول الله ﷺ ذكر الوجع (٢)، فقال: «رجز أو عذاب عذّب به بعض الأمم، ثم بقي منه بقية، فيذهب المرة ويأتي الأخرى، فمن سمع به بأرض، فلا يقدمنّ عليه، ومن كان بأرض وقع بها، فلا يخرج فرارا منه».
وبمقتضى هذا الحديث ونحوه عمل عمر والصحابة رضوان الله عليهم، لما رجعوا من سرغ (٣) حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف بالحديث، على ما هو مشهور في الموطأ وغيره. روى الزهري عن ابن عباس: أن عمر خرج إلى الشام،
стр. 737
حتى إذا كان بسرغ، لقيه التجار، فقالوا: الأرض سقيمة، فاستشار المهاجرين والأنصار، فاختلفوا عليه، فعزم على الرجوع، فقال له أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟! فقال له عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل، فهبطت بها واديا له عدوتان (١): إحداهما خصيبة، والأخرى جديبة، ألست إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجديبة رعيتها بقدر الله، فجاء عبد الرحمن بن عوف، فقال: عندي من هذا علم،
سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إذا سمعتم به في أرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه» فحمد الله عمر وانصرف.
ومعنى قول عمر: لا محيص للإنسان عما قدره الله له وعليه، لكن أمرنا الله تعالى بالتحرز من المخاوف والمهالك، وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات. وإذا كانت الآجال محصورة لا تتقدم ولا تتأخر عن وقتها، فإن وجه النهي عن دخول أرض الطاعون في الحديث: هو أن الإنسان لو مات فيها فلا يقول: لو لم يدخلها ما مات.
٢ - وجوب القتال:
قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ.﴾. خطاب لأمة محمد ﷺ بالقتال في سبيل الله، في قول الجمهور، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا، وسبل الله كثيرة، فهي عامة في كل سبيل. قال مالك: سبل الله كثيرة، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أو لها، وأعظمها دين الإسلام، لا خلاف في هذا.
стр. 738
وقيل: الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل، وهو مروي عن ابن عباس والضحاك.
والواو في قوله ﴿وَقاتِلُوا﴾ على القول الأول: عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام. وعلى القول الثاني عاطفة على الأمر المتقدم، وفي الكلام متروك تقديره: وقال لهم: قاتلوا.
٣ - الإنفاق في سبيل الله:
لما أمر الله تعالى بالجهاد والقتال على الحق، حرّض على الإنفاق في ذلك، لأن إعداد المقاتلة والجيش يحتاج إلى نفقات كثيرة، وفي النفقة في سبيل الله ثواب عظيم، كما فعل عثمان ﵁ بتجهيز جيش العسرة.
قصة أبي الدحداح:
روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ قال أبو الدحداح الأنصاري:
يا رسول الله، أو إن الله تعالى يريد منا القرض؟ قال: «نعم، يا أبا الدحداح» قال: أرني يدك يا رسول الله، قال: فناوله يده، قال: فإني أقرضت ربي حائطي (بستاني) وكان له فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه، وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح، فناداها يا أم الدحداح، قالت:
لبيك، قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي .
٤ - أداء القرض:
يجب على المستقرض رد القرض، لأن الله تعالى بيّن أن من أنفق في سبيل الله لا يضيع عند الله تعالى، بل يردّ الثواب قطعا، وأبهم الجزاء،
وفي الخبر: «النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر».
٥ - ثواب القرض:
ثواب القرض عظيم، لأن فيه توسعة على المسلم وتفريجا عنه،
أخرج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ :
«رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض
стр. 739
بثمانية عشر، فقلت لجبريل: ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة».
٦ - بعض أحكام القرض:
على المقترض رد مثل ما أقرضه، ويجوز إقراض النقود والأطعمة والحيوان، وأجمع المسلمون على أن اشتراط الزيادة في السلف ربا، ولو حبة واحدة. ويجوز أن يرد أفضل مما يستلف إذا لم يشترط ذلك عليه نصا أو عرفا، لأن ذلك من باب المعروف، استدلالا
بحديث أبي هريرة لدى البخاري ومسلم وغيرهما من الأئمة في البكر (١): «إن خياركم أحسنكم قضاء».
ولا يجوز-في رأي مالك-أن يهدي من استقرض هدية للمقرض، ولا يحل للمقرض قبولها، إلا أن يكون عادتهما ذلك، كما جاء في السنة،
أخرج ابن ماجه أن النّبي ﷺ قال: «إذا أقرض أحدكم أخاه قرضا فأهدى له أو حمله على دابته، فلا يقبلها ولا يركبها، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك».
وهل يجوز القرض أو التصدق بالعرض ؟
أي من سبّك فلا تأخذ منه حقا ولا تقم عليه حدا حتى تأتي يوم القيامة موفر الأجر. فيه رأيان: رأي يجوز عملا
بحديث أبي ضمضم عن النّبي ﷺ في صحيح مسلم: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا خرج من بيته قال: اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك».
وقال أبو حنيفة وروي عن مالك: لا يجوز التصدق بالعرض، لأنه حق الله تعالى،
وقال ﵊ في الصحيح: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام».
стр. 740
قصة النّبي صمويل والملك طالوت وترك بني إسرائيل الجهاد
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ اِبْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٢٤٦) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾
الإعراب:
﴿عَسَيْتُمْ﴾ من أفعال المقاربة، يشبه «كان» في رفعه الاسم ونصبه الخبر، ولا يكون خبرها إلا «أن» مع الفعل، والتاء والميم في عسيتم: اسمها، وألا تقاتلوا: خبرها، وقد فصل الشرط بين الاسم والخبر وهو: ﴿إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ﴾.
﴿وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ﴾: ما: مبتدأ، و «لنا» خبره، وتقديره: أي شيء لنا في ألا نقاتل، فحذف حرف الجر. وقيل: أن: زائدة، ولا نقاتل: جملة فعلية في موضع الحال، وتقديره: وما لنا غير مقاتلين. وطالوت: اسم أعجمي كجالوت وداود، وإنما امتنع من الصرف للعلمية والعجمة.
﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ فيه وجهان: إما بمعنى ذو سعة، مثل: لابن وتامر، أي ذو لبن وتمر، وإما
стр. 741
بمعنى: موسع، على طريقة حذف الزوائد، كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر ٢٢/ ١٥] بمعنى ملقحات.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام مفاده: ألم ينته إلى علمك خبر الملأ: وهم الجماعة الأشراف أو القوم، سموا بذلك لأنهم يملئون العيون رهبة إذا اجتمعوا. والنّبي: هو شمويل معرّب صمويل أو صموئيل ﴿اِبْعَثْ﴾ أقم لنا ملكا نقاتل معه في سبيل الله لتنتظم به كلمتنا ونرجع إليه. ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ أراد بالاستفهام، التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾ [الإنسان ١/ ٧٦] معناه التقرير و ﴿أَلاّ تُقاتِلُوا﴾: خبر عسى ﴿وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ﴾: وأيّ داع لنا إلى ترك القتال وأي غرض لنا فيه. ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا﴾ أي بسبيهم وقتلهم، وقد فعل بهم ذلك قوم جالوت، أي لا مانع من القتال مع وجود مقتضيه، وذلك أن قوم جالوت كانوا يسكنون على ساحل البحر المتوسط بين مصر وفلسطين، فأسروا أربعمائة وأربعين.
﴿تَوَلَّوْا﴾ عنه وجبنوا ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ وهم الذين عبروا النهر مع طالوت. قيل: كان عددهم ثلثمائة وثلاثة عشر، على عدد أهل بدر.
﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وعيد لهم على ظلمهم في القعود عن القتال وترك الجهاد، فهو مجازيهم، وسأل النّبي ربه إرسال ملك، فأجابه إلى إرسال طالوت.
﴿أَنّى﴾ كيف ومن أين، وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ لأنه ليس من سبط المملكة ولا النّبوة، وكان دباغا أو راعيا. والواو في ﴿وَنَحْنُ﴾ للحال، وفي ﴿وَلَمْ يُؤْتَ﴾ لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالا، والمعنى: كيف يتملك علينا؟ والحال أنه لا يستحق التملك، لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير، ولا بد للملك من مال يعتضد به، وإنما قالوا ذلك لأن النّبوة كانت في سبط لاوي بن يعقوب، والملك في سبط يهوذا، ولم يكن طالوت من أحد السبطين، ولأنه كان رجلا سقاء أو دباغا فقيرا.
وطالوت: معرب شاول، لقب به لطوله.
﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ﴾ يستعين بها على إقامة الملك.
﴿اِصْطَفاهُ﴾ اختاره للملك ﴿بَسْطَةً﴾ سعة ﴿فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ وكان أعلم بني إسرائيل يومئذ وأجملهم وأتمهم خلقا، وكان أطول من كل الشعب، وبسطة الجسم: عظمه وامتداده.
стр. 742
والظاهر: أن المراد بالعلم: المعرفة بما طلبوه لأجله من أمر الحرب، ويجوز أن يكون عالما بالديانات وبغيرها، فمقومات الملك وهي العلم والجسامة متوافرة فيه، لأن الجاهل مزدرى غير منتفع به، والجسيم أعظم في النفوس وأهيب في القلوب.
المناسبة:
قال البقاعي: ولعل ختام بني إسرائيل بهذه القصة، لما فيها للنبي ﷺ من واضح الدلالة على صحة رسالته، لأنها مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق علماء بني إسرائيل (١).
وبعد أن بيّن الله تعالى في الآيات السابقة حكمة تشريع القتال لحماية الحق وصون عزة الأمة وكرامتها، بيّن هنا قصة قوم من بني إسرائيل أخرجوا من ديارهم وأبنائهم بالقهر، كما خرج أصحاب القصة الأولى بالجبن، لكن جاءت هذه القصة مفصلة تبين ما في القصة الأولى المجملة.
والهدف من هذه الآيات البيان للمؤمنين بأن القتال كان مطلوبا مشروعا في الأمم السابقة، فليس حكما مخصوصا بهم (٢).
التفسير والبيان:
ألم ينته إلى علمك قصص جماعة من بني إسرائيل بعد موسى في عصر داود ﵉، حين قالوا لنبيهم، قيل: إنه «صمويل»: اختر لنا قائدا للحرب وجمع الكلمة، فإنا صممنا على طرد أعدائنا واسترداد حقوقنا المغتصبة، ولا شك أن طرد العدو من البلاد قتال في سبيل الله، كما قال الله تعالى: ﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [النساء ٨٤/ ٤] وقال سبحانه: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ:﴾
﴿تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا.﴾. [آل عمران ١٦٧/ ٣].
стр. 743
ولكن نبيهم بسبب معرفته لهم وتجربته معهم قال لهم: أتوقع منكم التخلي عن القتال إن فرض عليكم، فردوا عليه: أي شيء يدعونا إلى ترك القتال، وقد أخرجنا من ديارنا وأوطاننا، ومنعنا من أبنائنا، واغتربنا عنهم؟! فلما فرض عليهم القتال كما طلبوا، تخلفوا عن الجهاد وجبنوا وأعرضوا إلا قليلا منهم، عبروا النهر مع طالوت، وانتحلوا المعاذير، ولكن الله عليم بالذين يظلمون أنفسهم، بتركهم الجهاد في سبيل الله، دفاعا عن أمتهم ووطنهم، وردا لحقهم المغتصب، فصاروا أذلة في الدنيا، معذبين في الآخرة.
ثم أوضح القرآن ما دار من نقاش بين شيوخ بني إسرائيل وبين نبيهم صمويل، إذ طلبوا منه أن يختار لهم ملكا، لأن أهل فلسطين تسلطوا عليهم، وقتلوا منهم العدد الكثير، وأخذوا تابوت عهد الرب، وكانوا من قبل يستفتحون به (يطلبون الفتح والنصر به) على أعدائهم.
فحذرهم وأنذرهم ظلم الملوك، فألحوا، فاختار لهم طالوت (شاول) ملكا وقائدا حربيا.
فقالوا: كيف يكون ملكا علينا؟ وهو لا يستحق هذا الملك، لأنه ليس من سلالة الملوك ولا من سلالة الأنبياء، وقد كان الملك في سبط يهوذا بن يعقوب، ومنهم داود وسليمان، وكانت النّبوة في سبط لاوي بن يعقوب، ومنهم موسى وهرون، وهناك من هو أحق بالملك منه، ولأنه فقير لا مال له فلا يستطيع الحكم، وهذا قائم على وهم أن الغنى شرط أساسي في الملك، وأن الملك حق موروث، لا يتجاوز أبناء الملوك أو الأشراف، حتى يخضع الناس له، فقولهم ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا.. ؟﴾ كلام من تعنت وحاد عن أمر الله، وهي عادة بني إسرائيل (١).
стр. 744
فقال لهم نبيهم: إن الله قد اختاره ملكا عليكم، والله لا يختار إلا ما فيه الخير لكم، وما عليكم إلا الطاعة والامتثال، ومقومات الملك متوافرة فيه وهي ما يأتي:
الاستعداد الفطري، وسعة العلم والمعرفة بتدبير الأمور، وبسطة الجسم وكمال قواه المستلزمة لصحة الفكر والهيبة وفرض النفوذ، وتوفيق الله تعالى له بسبب أهليته وصلاحه، وهذا هو المراد بقوله: ﴿وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي الملك له غير منازع فيه، فهو يؤتيه من يشاء ومن يصلح للملك، فلا اعتراض على حكم الله، وهو أعلم بخلقه وبالصالح منكم، وبما يستحقونه، والله واسع عليم، أي واسع التصرف والقدرة، لأحد لسعة قدرته وتصرفه، وواسع الفضل والعطاء يوسع على من يشاء ويغنيه بعد فقر، عليم بما يحقق الحكمة والمصلحة، وبما يؤدي إلى الفوز والنصر، وبمن يصطفيه للملك.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه قصة أخرى للتحريض على القتال، جرت في بني إسرائيل، يستفاد منها ما يأتي:
١ - الجهاد في سبيل الله يتطلب إعدادا نفسيا وتربويا وعلميا، وخبرة وكفاءة ومهارة، وجرأة وشجاعة، وعزيمة صادقة وإخلاصا، وتضحية وتفانيا في سبيل المبدأ والعزة والكرامة، فهو لا يكون بالأماني والتعللات، وإنما بالبطولة ومضاء العزيمة وقوة الإرادة.
ولم يكن لدى بني إسرائيل شيء من هذه المقومات لسببين جوهريين: هما خبث النفوس وعدم طهارتها وصدقها، وضعف الإيمان وحب الحياة بدون تضحيات وعناء، لذا تولوا وأعرضوا عن المشاركة في القتال، لفقد مقوماته السابقة.
стр. 745
مع أن القتال يحقق لهم أسمى الآمال من استرداد الحقوق المغتصبة، وتطهير البلاد من المحتل والعدو القاهر، وتتويج الجهود بالعزة والكرامة والفوز والغلبة.
٢ - إن الملك أو الحكم ليس بالوراثة أو بالغنى، وإنما بالكفاءة والعلم والمهارة، وقوة الشخصية، وصلابة الإرادة. قال ابن عباس: كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجمله وأتمه، وزيادة الجسم مما يهيب العدو. وقيل:
سمي طالوت لطوله.
وقد بين الله في هذه الآية تعليل اصطفاء طالوت، وهو بسطته في العلم الذي هو ملاك الإنسان، والجسم الذي هو معينه في الحرب وعدته عند اللقاء.
فتضمنت الآية بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة، وأنها مستحقة بالعلم والدين والقوة، لا بالنسب، فلا حظّ للنسب فيها، مع العلم وفضائل النفس، وأنها متقدمة عليه، لأن الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوّته، وإن كانوا أشرف نسبا.
ودل قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ﴾ على أن الله مالك جميع ما في الكون من إنسان وحيوان وجماد، إذ إن إضافة ملك الدنيا إلى الله تعالى في الآية إضافة مملوك إلى ملك. ودلت الآية أيضا على أن منح الملك أو السلطة لإنسان إنما هو بمشيئة الله الذي لا يصدر عنه إلا الخير للناس، فهو يصطفي لهم من يحقق المصلحة وتتوافر فيه الكفاءة المطلوبة.
٣ - لا ينضب الخير في الأمة، فإن تولى الأكثرون عن واجب الجهاد، فإن الخير في القليل، والخيار هم الأقلون، وهم يعملون ما لا يعمله الأكثرون، والله عليم بأعمال هؤلاء فيجازيهم خيرا، وعليم بأفعال الظالمين، فيعذبهم بما يستحقون.
الإعراب:
﴿آيَةَ﴾ أصلها: «أيية» فقلبت العين التي هي الياء الأولى ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من التابوت، وكذلك ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من التابوت أيضا. ﴿غُرْفَةً﴾ قرئ بفتح الغين وضمها مثل حسوة وحسوة. ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ.﴾. كم: للعدد وهي هنا خبرية، ويراد بها الكثرة، وهي مبنية كنقيضتها «ربّ»، وهي مبتدأ، وغلبت: خبره. ﴿دَفْعُ اللهِ النّاسَ﴾ قرئ أيضا:
دفاع الله، وهما مصدران لدفع، وكل من المصدرين مضاف إلى الفاعل. والناس: مفعول المصدر المضاف، وبعضهم: بدل من الناس.
﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿نَتْلُوها﴾ جملة فعلية حال من ﴿آياتُ﴾.
البلاغة:
﴿أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً﴾: فيه استعارة تمثيلية، فقد شبه حالهم والله تعالى يفيض عليهم بالصبر، بحال الماء الذي يصب على الجسم كله.
المفردات اللغوية:
﴿آيَةَ﴾ علامة ﴿التّابُوتُ﴾ الصندوق المحفوظ فيه التوراة، ويروى أنه مصنوع من خشب مموه (مطلي) بالذهب، أخذه العمالقة ثم ردوه إلى بني إسرائيل الذين كانوا يستفتحون به على عدوهم، ويقدمونه في القتال، ويسكنون إليه، كما قال تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ فيه طمأنينة لقلوبكم. ثم أخذه الفلسطينيون من بني إسرائيل حينما انتصروا عليهم، ولما طلب الإسرائيليون من نبيهم صمويل الذي كان قاضيا أن يبعث لهم ملكا، ففعل، وجعل رجوع التابوت إليهم آية لملك طالوت.
﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ أي قطع الألواح، وعصا موسى ونعلاه، وعمامة هارون، وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ على ملكه ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فحملته الملائكة بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه، حتى وضعته عند طالوت، فأقروا بملكه، وسارعوا إلى الجهاد، فاختار من شبابهم سبعين ألفا.
﴿فَلَمّا فَصَلَ﴾ خرج عن بلده بيت المقدس مصاحبا الجنود، لقتال العمالقة، وكان الحر شديدا، وطلبوا منه الماء ﴿قالَ: إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ مختبركم، والابتلاء: الاختبار والامتحان ﴿بِنَهَرٍ﴾ كان بين فلسطين والأردن، وكان الاختبار بشرب شيء من مائه ليظهر المطيع من العاصي. ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أي من أتباعي وأنصاري ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ يذقه ﴿غُرْفَةً﴾ المقدار
стр. 748
الذي يملأ الكف بالاغتراف، وكان المسموح به هو غرفة واحدة لا زيادة عليها. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وهم أصحاب الغرفة الذين اقتصروا عليها، وكانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلا ﴿لا طاقَةَ﴾ قوة ﴿بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي لا طاقة بقتالهم وقد جبنوا ولم يجاوزه الذين شربوا من النهر، وجالوت:
أشهر أبطال الفلسطينيين أعدائهم. ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ﴾ كم: خبرية بمعنى كثير، والفئة: الجماعة من الناس، سواء كانوا قليلين أو كثيرين ﴿وَلَمّا بَرَزُوا﴾ ظهروا لقتالهم وتصافوا ﴿أَفْرِغْ﴾ أصبب ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا﴾ قونا على الجهاد ولا تزلزلنا عند المقاومة.
﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ كسروهم ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ بإرادته ﴿وَقَتَلَ داوُدُ﴾ وكان في عسكر طالوت، وهو داود بن يسّى، وكان راعي غنم، وله سبعة إخوة هو أصغرهم.
﴿وَآتاهُ﴾ أي داود ﴿الْمُلْكَ﴾ في بني إسرائيل ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ النبوة بعد موت شموئيل (صموئيل) وطالوت، ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبل داود، وعليه نزل الزبور، كما قال تعالى:
﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ [النساء ١٦٣/ ٤]. ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ [البقرة ٢٥١/ ٢] كصنعة الدروع، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ، لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء ٨٠/ ٢١] ومعرفة منطق الطير، كما قال تعالى: ﴿عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل ١٦/ ٢٧] وفصل الخصومات، لقوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ [ص ٢٠/ ٣٨].
﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ بغلبة المشركين، وقتل المسلمين، وتخريب المساجد.
﴿وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ فدفع بعضهم ببعض ﴿تِلْكَ﴾ هذه الآيات ﴿نَتْلُوها﴾ نقصها ﴿عَلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أكد الكلام بإن واللام ردا لقول الكفار: لست مرسلا.
التفسير والبيان:
كان لبني إسرائيل مواقف تشدد وغلو ومطالب مادية مع أنبيائهم، ومنها هذا الموقف، إذ لم يقبلوا باختيار طالوت ملكا عليهم واشتدوا في عنادهم، فقال لهم نبيهم: هناك دليل مادي على صحة اختياره ملكا وقائدا لكم، وعلامة ذلك عودة التابوت (وكان له شأن ديني عندهم) إليكم عن طريقه ووصوله إلى بيته، وفيه تحقيق الطمأنينة لقلوبكم وارتياح ضمائركم، وبخاصة عند ما تقدمونه رمزا وشعارا وحاميا في قتالكم، وفيه أيضا بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وتلك
стр. 749
البقية: هي قطع الألواح وعصا موسى وثيابه وعمامة هارون وشيء من التوراة وأشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون.
وقول النبي لهم: ﴿إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ﴾ لا يكون إلا بوحي، لأنهم سألوه تعيين ملك لهم يقاتل في سبيل الله، فأخبرهم النبي أن الله قد بعثه لكم.
وستحمل الملائكة التابوت إلى طالوت تشريفا وتكريما له، وإن في مجيئه أو عودته دليلا على عناية الله بكم، واختيار طالوت قائدا لكم، لينهض بشؤونكم، وينتصر على عدوكم، فعليكم مؤازرته والرضا بملكه إن كنتم صادقي الإيمان بالله تعالى.
فالتفّ الناس حول قيادته واختار من شبابهم سبعين أو ثمانين ألفا، وكان الوقت حرا، فأراد أن يختبرهم بشيء ليعلم صدقهم في القتال، فلما خرج طالوت من البلد مع هؤلاء الجند، بدأ بالاختبار، كما يفعل كل قائد حكيم.
فقال لهم: إن الله مختبركم-وهو الأعلم بكم-بنهر يصادفنا في أثناء الطريق إلى الأعداء، فمن شرب منه فليس من أتباعي وأنصاري، ومن لم يتذوقه فإنه من حزبي وأعواني، وكذا من اغترف بيده غرفة فقط يبل بها ريقه ويدفع بها شيئا من العطش، فالمرفوض هو النوع الأول، والمقبول: النوعان الآخران.
فكانت نتيجة الاختبار: أن شربوا منه جميعا، لاعتيادهم العصيان، وضعف الإيمان، إلا قليلا منهم وهم أهل الإيمان، وصدق الاتباع، والإخلاص في الدين. والخير في الواقع في هذه الفئة القليلة، التي تفعل بصدق إيمانها، وصلابة عزيمتها ما لا تفعله الفئة الكثيرة العدد، ولكنها غثاء كغثاء السيل.
فلما جاوز طالوت النهر مع هذه القلة من المؤمنين الصادقين الذين أطاعوه ولم يخالفوه فيما منعهم منه، ثم تبعهم الذين شربوا من النهر أخيرا، قال بعض
стр. 750
الجيش المؤمن لبعض، لما رأوا جالوت وكثرة جنوده، وتفوقهم عددا وعددا:
لا قدرة لنا على محاربة هؤلاء الأعداء، وهم جالوت وجنوده، فضلا عن الأمل في التغلب عليهم، فرد عليهم بقية المؤمنين الذين يوقنون بلقاء ربهم ومجازاته على أعمالهم في الآخرة، والذين ينتظرون إحدى الحسنيين: إما الشهادة في سبيل الله، وإما النصر على الأعداء: لا تغرنكم كثرة الأعداء، فكثيرا ما غلبت الفئة القليلة العدد بقوة إيمانها ومشيئة الله الفئة الكثيرة العدد، والله مع الصابرين بالتأييد والعون، فإن النصر مع الصبر.
ولما ظهر طالوت ومن معه من جماعة المؤمنين لأعدائه الفلسطينيين:
جالوت وجنوده، وشاهدوا ما هم عليه من كثرة العدد وقوة العدد، لجأوا إلى الله يدعونه، كما هي عادة المضطر الخائف الذي لا يجد ملاذا غير الله في وقت الشدة وعسر المحنة، فقالوا: ﴿رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾. أي ألهمنا الصبر، وثبّت نفوسنا في القتال، وحقق النصر لنا على الكافرين: عبدة الأوثان، الذين يحبون الدنيا وتمتلئ قلوبهم بالأباطيل.
وهذا دعاء عظيم في مثل هذا الموقف الرهيب، وفيه حكمة وعقل، إذ الصبر سبب الثبات، والثبات سبب النصر، وأحق الناس بالنصر هم المؤمنون.
وهنا تجلت عظمة الله ونعمته عند صدق الإيمان وصدق اللجوء إليه، فأذن بنصر المؤمنين، واستجاب دعاءهم، وهزمت الفئة القليلة تلك الفئة الكثيرة بإذن الله وإرادته، وقتل داود الفتى القوي جالوت جبار الفلسطينيين في مبارزة، إذ رماه بمقلاعه، فأصاب الحجر رأسه فصرعه، ثم دنا منه، وأخذ سيفه، واحتزّ به رأسه، وجاء به فألقاه بين يدي طالوت، وانهزم جنوده وأتباعه.
فاشتهر داود بين الناس، وورث ملك بني إسرائيل، وآتاه الله النبوة، وأنزل عليه التوراة، وعلمه صنعة الدروع، وعرفه منطق الطير، وعلمه علوم
стр. 751
الدين وكيفية فصل الخصومات، كما قال الله تعالى: ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ، وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ [ص ٢٠/ ٣٨] ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبله، إذ كان لبني إسرائيل في الماضي نبي وملك، وكان النبي قبل داود هو شمويل (صموئيل)، والملك هو طالوت، فلما توفيا صار له الملك والنبوة.
ثم بيّن الله تعالى الحكمة من القتال، فإذا كانت الحرب ظاهرة اجتماعية منذ أن اقتتل أبناء آدم، فقتل قابيل هابيل، ولا تخلو من ضرر وخطر، فإنها لا تخلو أيضا من نفع وخير، فلولا دفع الله أهل البغي والشر بأهل العدل والإصلاح والخير، وتسليط جماعة على أخرى، لغلب أهل الفساد، وفسدت الأرض، وعمت الفوضى، وساد الظلم، وهدّمت أماكن العبادة لذكر الله، ولكن الله ذو فضل كبير على الناس جميعا، وذو رحمة بهم، حيث يسلط على الظالم من يهلكه، ويدحر أهل الباطل بجند الحق، فإذا ظهر ظالم آخر، أرسل الله له في الوقت المناسب من يخلص الناس منه، وهكذا ينصر الله رسله بالغيب، ويؤيد أعوانه في اللحظة الحاسمة التي يريدها.
تلك آيات الله نتلوها عليك يا محمد، وتلك القصص الغابرة نعرفك بها، فهي مطابقة للواقع والتاريخ، ولم تكن تعلمها، لأنك نبي أمي، لتكون دليلا على صدق نبوتك وصحة رسالتك، وليقتنع بها معاصروك وتصدّق بها الأجيال المتلاحقة على ممر الزمان، وهكذا تكون القصص عبرة وعظة يستفيد منها كل إنسان، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ، ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى، وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُدىً، وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف ١١١/ ١٢].
стр. 752
أضواء من التاريخ على قصة طالوت وجالوت (١):
ظل بنو إسرائيل بعد مجيئهم إلى فلسطين بعد موسى ﵇ من غير ملك ٣٥٦ سنة، وتعرضوا في تلك الفترة لغزوات الأمم القريبة منهم كالعمالقة من العرب، وأهل مدين وفلسطين والآراميين وغيرهم، فمرة يغلبون وتارة يغلبون.
وفي أواسط المائة الرابعة أيام «عالي الكاهن» تحارب العبرانيون مع الفلسطينيين سكان أشدود قرب غزة، فغلبهم الفلسطينيون، وأخذوا تابوت العهد منهم، وهو التابوت (الصندوق) الذي فيه التوراة أي الشريعة، فعزّ عليهم ذلك، لأنهم كانوا يستنصرون به.
وكان من قضاة بني إسرائيل نبي اسمه صمويل، جاء إليه جماعة من أشرافهم وشيوخهم في بلدة الرامة، وطلبوا منه تعيين ملك عليهم، يقودهم إلى قتال أعدائهم الذين أذلوهم وقهروهم زمنا طويلا، فلم يقتنع بمطلبهم لما يعلمه من تخاذل نفوسهم، إن فرض عليهم القتال، فأجابوه بأن دواعي القتال موجودة:
وهي إخراج الأعداء لهم من أوطانهم وأسرهم أبناءهم.
فجعل عليهم طالوت ملكا، واسمه في سفر صمويل: شاول بن قيس، من سبط بنيامين، وكان شابا جميلا عالما وأطول بني إسرائيل، فرضي به جماعة، ورفضه آخرون، لأنه ليس من سلالة الملوك، وهو راع فقير.
وحاول صمويل إقناعهم بكفاءة طالوت وجدارته للملك والسلطة، وحسن الاختيار، ورضا الله عنه، وأن الدليل المادي على ملكه هو عودة التابوت الذي أخذه منهم الفلسطينيون إليهم، وأن الملائكة تحمله إلى بيت طالوت تشريفا وتكريما له، فرضوا به.
قام طالوت بتكوين الجيش وجمع الجنود لمحاربة الفلسطينيين (العمالقة)
стр. 753
بزعامة أو إمارة جالوت الجبار الذي كان قائدهم وبطلهم الشجاع الذي يهابه الناس. وتم فعلا اختيار سبعين أو ثمانين ألفا من شباب بني إسرائيل، وخرج معهم لقتال الأعداء.
ولكن حكمة القائد طالوت ومعرفته بهم وتشككه في صدقهم وثباتهم، دفعته إلى اختبارهم في أثناء الطريق وفي وقت الحر بالشرب من نهر بين فلسطين والأردن، فتبين له عصيان الأكثرين، وطاعة الأقلين، فتابع الطريق وتجاوز النهر مع القلة المؤمنة، ولكن بعضهم قالوا حين مشاهدة جيش جالوت العظيم:
لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، فرد عليهم الآخرون بأنه كثيرا ما غلبت الفئة القليلة فئات كثيرة بإذن الله.
وكان من حاضري الحرب داود بن يسّى الذي كان شابا صغيرا راعيا للغنم، لا خبرة له بالحرب، أرسله أبوه ليأتيه بأخبار إخوته الثلاثة مع طالوت، فرأى جالوت يطلب المبارزة، والناس يهابونه، فسأل داود عما يكافأ به قاتل هذا الفلسطيني، فأجيب بأن الملك يغنيه غنى جزيلا، ويعطيه ابنته، ويجعل بيت أبيه حرا.
فذهب داود إلى طالوت يستأذنه بمبارزة جالوت أمير العمالقة وكان من أشد الناس وأقواهم، فضن به وحذره، فقال: إني قتلت أسدا أخذ شاة من غنم أبي، وكان معه دب فقتلته. ثم تقدم بعصاه وخمسة أحجار ماس في جعبته، ومعه مقلاعه، وبعد كلام مع جالوت، رماه داود بحجر، فأصاب جبهته فصرع، ثم تقدم منه وأخذ سيفه، وحزّ به رأسه، وهزم الفلسطينيون، فزوجه الملك ابنته «ميكال» وجعله رئيس الجند.
فقه الحياة أو الأحكام والعبرة من هذه القصة:
ذكر أن التابوت أنزله الله على آدم ﵇، ثم وصل إلى يعقوب عليه
стр. 754
السلام، فكان في بني إسرائيل، يغلبون به من قاتلهم حتى عصوا، فغلبوا على التابوت، غلبهم عليه العمالقة: جالوت وأصحابه، وسلبوا منهم التابوت.
وهذا أدل دليل على أن العصيان سبب الخذلان، كما أوضح القرطبي (١).
وظاهر بداية الآية: ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ..﴾. وما قبلها يدل على أنهم كانوا مقرّين بنبوة هذا النبي الذي كان معهم (٢).
ودل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ على مبدأ سد الذرائع، لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم، لذا لم يقل: «ومن لم يشرب منه».
ودل ذلك أيضا على أن الماء طعام، وإذا كان طعاما كان قوتا لبقائه واقتيات الأبدان به، فوجب أن يجري فيه الربا، وهو الصحيح من مذهب مالك، وهو أيضا مذهب الشافعي، فلا يجوز بيع الماء متفاضلا، ولا يجوز إلى أجل، والعلة فيه: كونه مأكولا ومتحد الجنس. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف:
لا بأس ببيع الماء على الشط بالماء متفاضلا وإلى أجل. ولا يجوز بيعه كذلك عند محمد بن الحسن، لأن علته في الربا الكيل والوزن، وهو مما يكال ويوزن.
ودفع الله الناس بعضهم ببعض قد يكون بجماعة في مواجهة أخرى، وقد يكون بالفرد الواحد،
قال ابن عمر: قال النّبي ﷺ : «إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة من أهل بيته وجيرانه البلاء»، ثم قرأ ابن عمر: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة ٢٥١/ ٢]، و
روى جابر أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ليصلح بصلاح الرجل ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم».
стр. 755
وقوله تعالى: ﴿وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ بيان واضح أن دفعه سبحانه بالمؤمنين شر الكافرين فضل منه ونعمة.
ونبه تعالى نبيه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ على أن هذه الآيات التي تقدم ذكرها لا يعلمها إلا نبي مرسل.
وفي هذه القصة القرآنية أحكام عامة أهمها ما يأتي:
١ - إن الشعور بالظلم والذل والاستعباد هو الذي يولد الانفجار، وإن الأمم إذا اعتدي عليها لا سبيل إلى استرداد عزتها إلا بتوحيد صفوفها تحت قيادة زعيم عادل وقائد باسل، كما فعل بنو إسرائيل حينما تغلب عليهم أهل فلسطين.
٢ - إن أول من يتنبه للخطر والضرر اللاحق بالأمة هم خواصها وعلماؤها وأشرافها وأهل الفضل فيها، كما حدث من ملأ بني إسرائيل حينما طلبوا تنصيب ملك عليهم.
٣ - يظن الجهال أن أحق الناس بالزعامة والقيادة أصحاب النفوذ والثروة، كما زعم بنو إسرائيل: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ﴾ مع أن الأجدر بالقيادة أهل العلم والخبرة والمقدرة الشخصية والخلق الكريم.
٤ - إن من شأن الأمم الاختلاف في اختيار القائد أو الرئيس، فيجب أن يكون هناك مرجح وحاسم للخلاف، وكان ذلك المرجح هو ما يختاره نبي بني إسرائيل بطلب الملأ منهم، والمرجح في الإسلام بعد النبي رأي أهل الحل والعقد:
وهم العلماء وأصحاب المكانة في الأمة.
٥ - تتجلى شروط الإمامة في اختيار الأكفاء، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ وإذا انضم إلى ذلك قوة العصبة والقبيلة
стр. 756
والنفوذ كان أولى،
لقوله ﷺ : «الأئمة من قريش» (١).
٦ - دل قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ﴾ على أن التوفيق الإلهي في اختيار القائد قائم على العدل التام والسنة الحكيمة ورعاية المصلحة العامة.
٧ - إن من أوليات شروط النصر والغلبة توافر الطاعة التامة للقائد من قبل الجنود، وهذا ما أخذت به قوانين الجيوش الحالية.
٨ - إن الفئة القليلة قد تغلب الفئة الكثيرة بقوة الإيمان والصبر والثبات وإطاعة القواد. والمقصود بالإيمان: هو الإيمان بالله تعالى والتصديق بلقائه، وانتظار الثواب العظيم، وتحقيق المكانة العالية للشهداء في الجنة.
٩ - إن الدعاء في وقت الشدة وفي أثناء المعركة مفيد ومحقق للغاية، لأن الدعاء آية الإيمان، والعون على الثبات، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً..﴾. الآية، وقال: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ﴾ وقال الله سبحانه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا، وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال ٤٥/ ٨].
١٠ - إن نظرية تنازع البقاء وبقاء الأصلح تشبه إلى حد كبير قوله تعالى:
﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ وقوله :
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً، وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد ١٧/ ١٣].
انتهى الجزء الثاني
стр. 757
درجات الرسل وأحوال الناس في اتباعهم
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اِخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣)﴾
الإعراب:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا﴾: تلك: مبتدأ، والرسل: صفة له أو عطف بيان، وفضلنا: جمله فعلية في موضع رفع خبر المبتدأ ولم يقل: ذلك، وقال: تلك، مراعاة لتأنيث لفظ الجماعة ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ من: اسم موصول يفتقر إلى صلة وعائد، فصلته: ﴿كَلَّمَ اللهُ﴾ والعائد محذوف تقديره: كلمه الله، وهو وصلته: في موضع رفع مبتدأ، وخبره: منهم.
البلاغة:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ أشار بالبعيد لعلو مرتبتهم في الكمال وسمو درجتهم.
﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ يسمى في البلاغة: التقسيم، وهو تفصيل ذلك التفضيل. ويوجد طباق بين قوله: ﴿آمَنَ﴾ و ﴿كَفَرَ﴾.
كرر جملة ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ﴾ في الآية، ويسمى ذلك إطنابا، لتأكيد المقصود.
المفردات اللغوية:
﴿فَضَّلْنا﴾ بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ كموسى ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ﴾ أي محمدا ﷺ ﴿دَرَجاتٍ﴾ على غيره بعموم الدعوة، وأنه رحمة للعالمين، وختم النبوة، وتفضيل أمته على سائر الأمم، والمعجزات المتكاثرة والخصائص العديدة ﴿الْبَيِّناتِ﴾ الآيات الواضحات الدالات على رسالته ﴿وَأَيَّدْناهُ﴾ قويناه ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ جبريل يسير معه حيث سار. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ﴾ مشيئة إلجاء وقسر. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي الأمم التي أتت بعد الرسل ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ﴾
стр. 758
ثبت على إيمانه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ كالنصارى بعد المسيح واليهود بعد موسى، والكفر: ضد الإيمان، وهو أيضا جحود النعمة، وهو ضد الشكر ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ من توفيق من شاء وخذلان من شاء.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصة طالوت وجالوت وداود، وأعقبها بقوله:
﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ليقيم الدليل بمعرفة تلك القصص على أن محمدا ﷺ من المرسلين الذين أوحي إليهم الوحي المبين لأحوال الماضين.
ذكر تعالى هنا أن الرسل درجات، ميّز الله بعضهم على بعض، بمزايا ومناقب ليست لغيره، وأن أحوال الناس عموما في اتباع الرسل: إما مؤمنون وإما كفار، وإما مسالمون وإما متقاتلون، لحكمة ربانية مردها إلى قضاء الله وقدره.
التفسير والبيان:
هؤلاء الرسل المشار إليهم في الآية السابقة: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ على مراتب في الكمال، وقد فضل الله بعضهم على بعض بتخصيصه بمآثر أو خصائص أو مفاخر جليلة ليست لغيره، مع استوائهم جميعا في اختيارهم لتبليغ الرسالة الإلهية وهداية الناس إلى سعادة الدنيا والآخرة.
وجاءت عبارة التفضيل في آية أخرى هي: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ، وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ [الإسراء ٥٥/ ١٧] وهنا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾.
من هؤلاء الرسل: من فضله الله بأنه كلمه مشافهة من غير واسطة وهو موسى ﵇: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ [النساء ١٦٤/ ٤]، ﴿وَلَمّا جاءَ
стр. 759
مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف ١٤٣/ ٧]، فسمي «كليم الله».
ومنهم من رفعه الله على غيره درجات ومراتب في الفضل والشرف، والمراد به محمد ﷺ ، كما رواه الطبري عن مجاهد، ويؤيده السياق أيضا.
وتفضيله بأوجه ذكرناها، وبأوجه أخرى منها رؤيته الأنبياء في السموات ليلة الإسراء والمعراج بحسب تفاوت منازلهم عند الله ، ومنها سمو أخلاقه الشريفة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم ٤/ ٦٨]، ومنها تأييده بالقرآن الخالد إلى يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر ٩/ ١٥] وقال في فضل القرآن: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩/ ١٧] ومنها تفضيل أمته: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران ١١٠/ ٣] وجعل أمته وسطا بين الأمم عدولا وشهداء على الأمم:
﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣/ ٢].
ولو لم يؤت من المعجزات والخصائص إلا القرآن وحده، لكفى به فضلا على سائر الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية أبد الدهر،
روى البخاري أنه ﷺ قال: «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة».
وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: «فضّلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون».
وآتى الله عيسى بن مريم ﵇ البينات: وهي الآيات الواضحات التي يتبين بها الحق من الباطل، كتكليمه في المهد، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه
стр. 760
والأبرص بإذن الله ومشيئته، وتأييده بروح القدس: جبريل ﵇، ردا على اليهود الذين أنكروا نبوته والطعن به، وحفظا له من أذاهم، وتبيانا لحقيقته أنه بشر مؤيد من عند الله بالآيات الواضحات، لا إله، كما زعمت النصارى في عيسى، فكان الناس في شأنه بين مفرّط ومفرط.
ولو شاء الله ما اقتتلت الأمم التي جاءت بعد الرسل، من بعد ما جاءهم الرسل بالبينات والمعجزات الدالة على الحق الموجبة لاتباعهم، ولو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا بأن جعلهم متفقين على اتباع الرسل وقبول الحق من ربهم، وإنما ترك لهم حرية التفكير والنظر والإدراك بالعقل الذي أودعه فيهم، ليختاروا طريق الخير والسعادة بأنفسهم، ولكنهم لم يفكروا تفكيرا سليما واختلفوا اختلافا بينا كبيرا في قبول الدين، فمنهم من آمن بما جاء به الرسل، ومنهم من كفر برسالاتهم، وقد اختلف اليهود في دينهم واقتتلوا، وكذلك النصارى اختلفوا وانقسموا، وتعددت الفرق والانقسامات في كل من اليهودية والنصرانية، واتهم كل فريق الآخر بالخروج عن أصل الدين، ووجد هذا الاختلاف أيضا بين المسلمين، حيث عصفت بهم الأهواء، وفرقتهم المصالح، واحتدم القتال فيما بينهم.
ولو شاء الله-بالرغم من اختلاف ميولهم ونزعاتهم وأهوائهم-ما اقتتلوا على ما يختلفون فيه، ولكن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وكل ذلك من قضاء الله وقدره، فصارت ردود الفعل متفاوتة، إما بخصومة الكلام والطعن والنقد والسب، وإما بالاحتكام إلى حد السيف وإراقة الدماء. وقد كرر تعالى قوله:
﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ للتأكيد.
والله قادر على كل شيء، فإن أراد التوفيق لبعض عباده آمن به وأطاعه، وإن أراد الخذلان لبعض آخر كفر به وعصاه، فالخذلان والعصمة من فعل الله وإرادته.
стр. 761
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على التفضيل بين الأنبياء في زيادة الأحوال والخصوصيات والكرامات والألطاف الإلهية والمعجزات المتباينات. أما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، فكلهم في النبوة والتبليغ ووحدة الهدف والغاية سواء، وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل وأولو عزم، ومنهم من اتخذ خليل الله، ومنهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات. والرسل أفضل من الأنبياء، فمن أرسل بشرع وأمر بتبليغه أفضل ممن لم يؤمر بالتبليغ، وأولو العزم من الرسل وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام أفضل من بقية الرسل. ومحمد ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين على الإطلاق، لأن رسالته عامة للناس جميعا، وللإنس والجن أيضا، قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ ٢٨/ ٣٤] ولأن رسالته توجهت بالقرآن المجيد الذي هو شرع الله الدائم والذي ختمت به الشرائع، والمتكفل بحفظه إلى يوم القيامة، ولغير ذلك من الأسباب التي ذكرناها سابقا، لذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب ٧/ ٣٣] فعمّ ثم خص وبدأ بمحمد ﷺ ، وقال النبي ﷺ
فيما رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة-: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة». وأما
قوله ﵇: «لا تخيروني على موسى» أو «لا يقل أحد أنا خير من يونس بن متى» فهو على معنى التواضع.
وهذا القول ينطبق على الصحابة رضوان الله عليهم، اشتركوا في الصحبة، ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب والخصائص، فهم متفاضلون بالمآثر، مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم، ويشير القرآن إلى ذلك بقوله تعالى:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [الفتح ٢٩/ ٤٨] وقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها﴾ [الفتح ٢٦/ ٤٨] وقوله:
﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ.﴾. [الحديد ١٠/ ٥٧] وقوله: ﴿لَقَدْ
стр. 762
رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح ١٨/ ٤٨] فعمّ وخص، ونفى عنهم الشين والنقص، ووعد كلا منهم الحسنى.
وأما النزاع والاقتتال بين الناس بعد الرسل فكله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك لكان، ولكنه المستأثر بسرّ الحكمة في ذلك الفعل لما يريد.
الأمر بالإنفاق في سبيل الخير
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٥٤)﴾
الإعراب:
﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ﴾ قرئ بالرفع بالابتداء، أو على أن يجعل: ﴿لا﴾ بمعنى ليس، و ﴿فِيهِ﴾ الخبر، وقرئ بالبناء على الفتح، لأنه معه بمنزلة «خمسة عشر».
البلاغة:
﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ مبتدأ محصور في خبره أي قصر صفة على موصوف، وقد أكدت بالجملة الاسمية وبضمير الفصل، أي: ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ وهو كافر و ﴿هُمُ﴾: مبتدأ ثان، و ﴿الظّالِمُونَ﴾ خبر الثاني، أو أن: ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، و ﴿الظّالِمُونَ﴾: خبر. وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ولم يقل: والظالمون هم الكافرون. أي يصبح كل ظالم كافرا، وما أكثر الظلم بين الناس.
المفردات اللغوية:
﴿يَوْمٌ﴾ المراد به هنا يوم الحساب ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ البيع في الأصل: الكسب بأي نوع من أنواع المبادلة أو المعاوضة، والمراد به هنا: لا فداء، فيتدارك المقصّر تقصيره. ﴿وَلا خُلَّةٌ﴾ أي
стр. 763
ولا صداقة ولا مودة تنفع ﴿وَلا شَفاعَةٌ﴾ بغير إذنه يوم القيامة ﴿وَالْكافِرُونَ﴾ بالله أو بما فرض عليهم، والمراد به في رأي الحسن البصري: تاركو الزكاة، لأن الأمر بالإنفاق هو الإنفاق الواجب، لاتصال الوعيد به وهو أن تاركي الزكاة هم الظالمون، كما قال الزمخشري. والظالمون: هم الذين جحدوا أمر الله أو أنفقوا المال في غير محله المشروع.
المناسبة:
حثت الآيات السابقة على الجهاد بالنفس، وهذه الآية حث على الجهاد بالمال وإنفاقه في سبيل الخير، ليدخر الناس ثواب ذلك عند ربهم، وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا.
التفسير والبيان:
يأمر الله المؤمنين الذين اتصفوا بصفة الإيمان الصادق بالإنفاق في سبيل الله، وذلك يشمل-في رأي ابن جريج وسعيد بن جبير-الزكاة المفروضة والتطوع أو المستحبة، قال ابن عطية: وهذا صحيح، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال، وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ويقوي ذلك في آخر الآية قوله: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال.
وقوله: ﴿مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ يؤكد الحث على الإنفاق، لأنه يدل على أنه لا يطلب إلا بعض ما رزقه الله لعباده.
ويتأكد الأمر أيضا بأنه سيأتي يوم يندم فيه الإنسان ولا يفيده الندم، وهو يوم الجزاء والحساب والثواب والعقاب الذي لا ينفع فيه البديل أو الفداء، ولا الصداقة أو المودة، ولا الشفاعة أو الوساطة أو النسب، يوم تختلف فيه مقاييس الآخرة عن مقاييس الدنيا، وذلك مثل آية أخرى هي: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً، وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ، وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة ٤٨/ ٢].
стр. 764
والكافرون وهم كل من كفر بالله أو التاركون للزكاة هم الذين ظلموا أنفسهم، أي فإنهم يقاتلون بالنفس والمال، وإن المنفقين وضعوا المال في غير موضعه، وقد سماهم الله كافرين تهديدا وتغليظا، كما قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧/ ٣] وإشعارا بأن ترك الزكاة من صفات الكفار، كما قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت ٦/ ٤١ - ٧] قال عطاء بن دينار: والحمد لله الذي قال: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ولم يقل:
«والظالمون هم الكافرون».
فقه الحياة أو الأحكام:
تأمر الآية بإنفاق المال في وجوه الخير، سواء أكان بطريق الزكاة المفروضة أم بالصدقات والتطوعات المندوبة، فلكل ثوابه العظيم يوم الآخرة، وفيه تحقيق التضامن والتكافل بين أبناء الأمة الواحدة، بل إنه السبيل الواجب للحفاظ على عزة الأمة ومكانتها وهيبتها واسترداد حقوقها المغتصبة، وصون كرامتها وحرماتها وديارها، فمن يقصر في ذلك وهو من الأغنياء القادرين على الإنفاق، كان سببا في تدمير أمته وإذلالها، إذ لا بقاء ولا حياة ولا سعادة للأغنياء أنفسهم إذا فتك الثالوث المخيف (وهو المرض والفقر والجهل) في بقية أفراد الأمة. قال ابن عطية: وظاهر هذه الآية: أنها مراد بها جميع وجوه البر من سبيل خير وصلة رحم، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال، وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين، يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ويقوي ذلك قوله في آخر الآية: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال (١).
стр. 765
آية الكرسي
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾
الإعراب:
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: ﴿اللهُ﴾ مبتدأ أول، و ﴿لا﴾: نافية للجنس، و ﴿إِلهَ﴾: اسمها، وخبرها محذوف تقديره: لا إله معبود إلا هو، والجملة مبتدأ ثان، و ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل مرفوع على البدل من موضع: ﴿لا إِلهَ﴾، ويجوز رفعه خبرا لكلمة: ﴿لا﴾.
و ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: مرفوعان إما صفة لله تعالى، أو بدل من ﴿هُوَ﴾ أو على تقدير مبتدأ. هذا عند ابن الأنباري، والأصح عند العكبري وغيره أن ﴿اللهُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ خبره، وليس بمبتدإ ثان.
البلاغة:
في الآية حسن افتتاح بأجل أسماء الله تعالى، وفيها تكرار اسمه ظاهرا ومضمرا في ثمانية عشر موضعا، وفيها إطناب بتكرير الصفات، وقطع الجمل حيث لم يصلها بحرف العطف، لأنها كلها في حكم البيان، وطباق في ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾. هذا ما قاله أبو حيان في البحر المحيط (٢٨١/ ٢) وعدّ أحمد ﵀ سبعة عشر موضعا فيها اسم الله تعالى ظاهرا وخفيا، فالظاهر ستة عشر وهي: الله، هو، الحي، القيوم، ضمير لا تأخذه، وضمير له، وضمير عنده، وضمير إلا بإذنه، وضمير يعلم، وضمير علمه، وضمير شاء، وضمير كرسيه، وضمير: ولا يؤده، وهو العلي، العظيم. وأما الخفي: فالضمير الذي اشتمل عليه مصدر: حفظهما، فإنه مصدر مضاف إلى المفعول، ولا بد له من فاعل وهو الله (حاشية الكشاف: ٢٩٢/ ١).
стр. 766
المفردات اللغوية:
﴿اللهُ﴾ هو المعبود بحق، والعبادة: استعباد الروح وإخضاعها لسلطة غيبية لا تحيط بها علما، ولا تدرك حقيقتها ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ لا معبود بحق في الوجود سوى الله ﴿الْحَيُّ﴾: الدائم البقاء أو ذو الحياة، والحياة صفة لله تعالى تستلزم اتصافه بالعلم والإرادة والقدرة ﴿الْقَيُّومُ﴾ دائم القيام أو القائم بتدبير خلقه في آجالهم وأعمالهم وأرزاقهم، وحفظهم ورعايتهم، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد ٣٣/ ١٣]. ﴿لا تَأْخُذُهُ﴾ الأخذ: الغلبة والاستيلاء ﴿سِنَةٌ﴾ نعاس وهو فتور قبل النوم. والنوم: حال تعرض للحي، بها تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس والشعور. ﴿كُرْسِيُّهُ﴾ علمه الإلهي بدليل قوله تعالى: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر ٧/ ٤٠] ولأن أصل الكرسي: العلم، ومنه يقال للعلماء: كراسي، للاعتماد عليهم، وقيل: المراد بها عظمته ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد، كقوله تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧/ ٣٩]، وقيل: ملكه، وقال الحسن البصري: الكرسي هو العرش. قال ابن كثير في تفسيره (٣١٠/ ١): والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار.
﴿وَلا يَؤُدُهُ﴾: ولا يثقله ولا يشق عليه حفظ السموات والأرض ومن فيهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، وهو الغني الحميد، الفعال لما يريد، وهو القاهر لكل شيء، العلي العظيم لا إله غيره ولا رب سواه. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ العلي: المتعالي عن الأشباه والأنداد وهو فوق خلقه بالقهر، والعظيم: هو الكبير الذي لا شيء أعظم منه ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ مثل قوله: وهو ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾.
فضل آية الكرسي: آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية، وقد صح الحديث عن رسول الله ﷺ بأنها أفضل آية في كتاب الله، وفيها اسم الله الأعظم،
قال أبو بكر بن مردويه بسنده عن أبي أمامة مرفوعا إلى النبي ﷺ قال: «اسم الله الأعظم الذي إذ دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران، وطه» قال هشام بن عمار خطيب دمشق: أما البقرة فقوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي آل عمران: ﴿الم. اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.
ووردت أحاديث كثيرة أخرى في فضلها، منها
«سيد الكلام: القرآن، وسيد القرآن:
البقرة، وسيد البقرة: آية الكرسي»، ومنها
«من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة، كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى يستشهد» ومنها:
«من قرأ دبر
стр. 767
كل صلاة مكتوبة آية الكرسي، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» (١).
وعن علي ﵁ قال: «سمعت نبيكم ﷺ يقول، وهو على أعواد المنبر: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه، آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره، والأبيات حوله».
وقال ابن كثير: هذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة، متعلقة بالذات الإلهية، وفيها تمجيد الواحد الأحد (٢).
المناسبة:
ذكر تعالى في الآيات السابقة أن العمل الصالح الفردي هو أساس النجاة، فلا ينفع المال والشفاعة والصداقة والمودة، وأن الرسل صلوات الله عليهم-وإن تفاوتوا في الفضل-إلا أن دعوتهم واحدة ورسالتهم واحدة ودينهم واحد قائم على دعوة التوحيد وصون الفضائل والأخلاق وعبودية الله تعالى، ثم جاءت آية الكرسي لتقرر أصل التوحيد وأساس العبادة، ولتحصر الاتجاه بأي عمل نحو الله تعالى، وليستشعر العبد عظمة الله وسلطانه، ويطيع أوامره، ويذعن لأحكامه.
التفسير والبيان:
الله هو المتفرد بالألوهية لجميع الخلائق، فلا معبود بحق في الوجود إلا هو، وهو الواحد الأحد الفرد الصمد، الواجب الوجود، ذو الملك والملكوت، الحي الباقي الدائم الذي لا يموت، القائم بذاته على تدبير خلقه، كقوله: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم ٢٥/ ٣٠]، الذي لا يشبه أحد من خلقه في الذات ولا في الصفات، ولا في الأفعال، كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١/ ٤٢].
стр. 768
لا يعتريه نوم ولا يغلبه نعاس؛ لأنه قائم بتدبير أمور خلقه آناء الليل وأطراف النهار. وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها، مقررة لمعنى الحياة والقيومية الدائمة الكاملة، جاء
في الصحيح عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».
وجميع ما في السموات وما في الأرض عبيده وفي ملكه، خاضعون لمشيئته، وتحت قهره وسلطانه، كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً، لَقَدْ أَحْصاهُمْ، وَعَدَّهُمْ عَدًّا، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ [مريم ٩٣/ ١٩ - ٩٥]. وهذه الجملة مؤكدة أيضا لقيوميته وتفرده بالألوهية.
ومن عظمة الله وجلاله وكبريائه أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ [النجم ٢٦/ ٥٣] وقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء ٢٨/ ٢١] وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [هود ١٠٥/ ١١]
وفي حديث الشفاعة: «آتي تحت العرش، فأخر ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفّع، قال: فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة». وهذا دليل على انفراد الله بالملك والسلطان.
والله محيط علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها، ويعلم أمور الدنيا وأمور الآخرة، كقوله إخبارا عن الملائكة: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا، وَما بَيْنَ ذلِكَ، وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم ٦٤/ ١٩] قال
стр. 769
الخضر لموسى ﵇ حين نقر العصفور في البحر: «ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر».
ولا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله ، وأطلعه عليه، ومن تلك الأشياء: الشفاعة، فهي متوقفة على إذنه تعالى، وإذنه لا يعلم إلا بوحي منه.
والله تعالى واسع الملك والقدرة، والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، يحيط علمه بجميع ما في السموات والأرض، ويعلم صغار الأمور وكبارها، دقيقها وعظيمها، لا يشغله سمع عن سمع، ولا شأن عن شأن، ولا يشق عليه أمر.
وقد أورد الزمخشري أربعة أوجه في تفسير قوله ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ (١):
أحدها-أن كرسيه لم يضق عن السموات والأرض لبسطته وسعته، وما هو إلا تصوير لعظمته، وتخييل فقط، ولا كرسي ثمة، ولا قعود ولا قاعد، كقوله:
﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧/ ٣٩] من غير تصوّر قبضة، وطي، ويمين، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه وتمثيل حسي، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
والثاني-وسع علمه: وسمي العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم.
والثالث-وسع ملكه: تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك.
والرابع-ما روي أنه خلق كرسيا هو بين يدي العرش، دونه السموات والأرض، وهو إلى العرش كأصغر شيء. وعلى كل حال أرى أنه يجب الإيمان
стр. 770
بوجود العرش والكرسي، كما ورد في القرآن، ولا يجوز إنكار وجودهما؛ إذ في قدرة الله متسع لكل شيء. ولا يثقله تعالى حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه.
وهو المتعالي عن الأنداد والأشباه، وأعظم من كل شيء، لا تحيط به العقول والمدارك، ولا يعرف حقيقته إلا هو . وهذا كقوله: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾ والمقصود بالعلو: علو القدر والمنزلة، لا علو المكان؛ لأن الله منزّه عن التحيّز في المكان. وفسر بعضهم العلي: بأنه القاهر الغالب للأشياء.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية تملأ القلب مهابة من الله وعظمته وجلاله وكماله، فهي تدل على أن الله تعالى متفرد بالألوهية والسلطان والقدرة، قائم على تدبير الكائنات في كل لحظة، لا يغفل عن شيء من أمور خلقه، وهو مالك كل شيء في السموات والأرض، لا يجرأ أحد على شفاعة بأحد إلا بإذنه، ويعلم كل شيء في الوجود، ويحيط علمه بكل الأمور وأوضاع الخلائق دقيقها وعظيمها، ويظل بالرغم من التدبير للخلائق والعلم المحيط بالأشياء هو العلي الشأن، القاهر الذي لا يغلب، العظيم الملك والقدرة على كل شيء سواه، فلا موضع للغرور، ولا محل لعظمة أمام عظمة الله تعالى.
منع الإكراه على الدين والله هو الهادي إلى الإيمان
﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا اِنْفِصامَ لَها وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)﴾
стр. 771
الإعراب:
﴿لا انْفِصامَ لَها﴾: هذه الجملة في موضع نصب على الحال من ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ التي هي ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾.
﴿أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ أولياء: مبتدأ، والطاغوت خبره، وبما أن خبر المبتدأ يكون على وفق المبتدأ، فيجب أن يكون الطاغوت جمعا؛ لأن أولياء جمع، والطاغوت: تصلح للواحد والجمع. وأصل طاغوت: طغيوت، إلا أنهم قلبوا الياء التي هي لام إلى موضع العين، فصار طيغوتا، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار طاغوتا.
البلاغة:
﴿اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾: استعارة تمثيلية، حيث شبه المتمسك بدين الإسلام بالمتمسك بالحبل المحكم. وعدم الانفصام ترشيح.
﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ استعارة تصريحية، حيث شبه الكفر بالظلمات، والإيمان بالنور.
المفردات اللغوية:
﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ لا جبر ولا إلجاء على الدخول في الدين، والدين هنا: المعتقد والملة بقرينة قوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ أي ظهر بالآيات البينات الواضحات أن الإيمان رشد، والكفر غي، والرشد والرشاد: الهدى وكل خير، وضده الغي أي الضلال في الاعتقاد أو الرأي. أما الجهل فهو كالغي إلا أنه في الأفعال لا في الاعتقاد.
﴿بِالطّاغُوتِ﴾ الشيطان أو الأصنام، مأخوذ من الطغيان: وهو مجاوزة الحد في الشيء.
ويجوز تذكيره وتأنيثه وإفراده وجمعه، ويتحدد المراد بحسب المعنى.
﴿اِسْتَمْسَكَ﴾ تمسك ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ بالعقد المحكم. والعروة: من الدلو والكوز ونحوهما: المقبض الذي يمسك به من يأخذهما. والوثقى: مؤنث الأوثق: وهو الحبل الوثيق المحكم. ويجوز أن يراد بالعروة الوثقى: الشجر الملتف ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ لا انقطاع لها.
стр. 772
﴿اللهُ وَلِيُّ﴾ الولي: الناصر والمعين، أي أن الله يتولى أمور المؤمنين بالرعاية والعناية والهداية ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ الكفر والضلالات ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإيمان.
وأفرد النور وجمع الظلمات؛ لأن الحق واحد لا يتعدد، وأما أنواع الضلال والكفر فكثيرة، كما قال ابن كثير.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٥٦):
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ في رجل من الأنصار من بني سالم يقال له: الحصين (١)، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو مسلما، فقال للنبي ﷺ : ألا أستكرههما، فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله الآية.
وفي رواية: أنه حاول إكراههما، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله: أيدخل بعضي النار، وأنا أنظر؟ فنزلت، فخلاهما.
وروى أبو داود والنسائي وابن حبان عن ابن عباس قال: كانت المرأة من نساء الأنصار تكون مقلاة (٢)، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾.
نزول الآية (٢٥٧):
أخرج ابن جرير الطبري عن عبدة بن أبي لبابة في قوله: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: هم الذين كانوا آمنوا بعيسى فلما جاءهم محمد ﷺ آمنوا به وأنزلت فيهم هذه الآية.
стр. 773
المناسبة:
حددت آية الكرسي ما يتصف به الله من تفرد بالألوهية والملك والسلطان في السموات والأرض، والحياة، والقيام بأمر الخلائق دون عناء ولا مشقة، وإحاطة العلم بكل شيء، فلا يصح بعدئذ أن يكون هناك إكراه على الدخول في الدين؛ لأن الفطرة، والمشاهدات الكونية، والفكر السليم تهدي إلى الإيمان بوجود الله ووحدانيته والاقتناع بالإسلام دينا ومنهج حياة.
التفسير والبيان:
لا تكرهوا أحدا على الدخول في الإسلام، فإن دلائل صحته لا تحتاج بعدها إلى إكراه، ولأن الإيمان يقوم على الاقتناع والحجة والبرهان، فلا يفيد فيه الإلجاء أو القسر أو الإلزام والإكراه، كقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٩٩/ ١٠].
وقد بان طريق الحق من الباطل، وعرف سبيل الرشد والفلاح، وظهر الغي والضلال، وأن الإسلام هو منهج الرشد، وغيره طريق الضلال، فمن شاء فليؤمن به ومن شاء فليكفر.
وهذه الآية أوضح دليل على بطلان زعم أن الإسلام قام بالسيف، فلم يكن المسلمون قبل الهجرة قادرين على مجابهة الكفار أو إكراههم، وبعد أن تقووا في المدينة وعلى مدى القرون الماضية لم يكرهوا أحدا على الإسلام، كما يفعل أتباع الملل الأخرى كالنصارى، وقد نزلت هذه الآية في بداية السنة الرابعة من الهجرة، حيث كان المسلمون أعزاء وأقوياء.
ولم يلجأ المسلمون إلى الحرب أو الجهاد إلا لرد العدوان، والتمكين من حرية التدين، ومنع تعسف السلطة الظالمة الحاكمة من استعمال المسلمين حقهم في الدعوة
стр. 774
إلى الله، ونشر الإسلام في أنحاء الأرض، بدليل قبول المعاهدات والصلح على دفع الجزية وتخيير العدو بين ذلك وبين الاحتكام إلى القتال.
ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره، بسبب عدم استخدامه وسائل النظر والمعرفة الصحيحة، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا.
وبناء عليه، من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة غير الله، وكفر بعبادة أي مخلوق من الناس أو الجن أو الشيطان أو الكواكب أو الأوثان والأصنام، وعبد الله وحده وشهد أن لا إله إلا هو، فقد تمسك بالحق، وثبت على الهدى، واستقام على الطريق المستقيم، وكان مثله مثل الممسك بعروة حبل محكم مأمون الانقطاع، أي أن الله تعالى شبه من استمسك من الدين بأقوى سبب بمن استمسك بالعروة القوية التي لا تنفصم، فصارت محكمة مبرمة قوية، لا يحلّ ربطها القوي الشديد. والعروة الوثقى فسرت بعبارات ترجع إلى معنى واحد: وهي الإيمان، أو الإسلام، أو لا إله إلا الله.
والله يرصد بدقة أقوال الناس وأفعالهم وتصوراتهم وأفكارهم، فهو سميع لقول من يدعي الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، عليم بما يضمره قلبه من تصديق أو تكذيب؛ لأن الإيمان: ما نطق به اللسان واعتقده القلب، والله سميع عليم بكل شيء ظاهر وباطن، يعلم حقائق الأشياء والأقوال والمعتقدات والأفعال. قال القرطبي: ولما كان الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات: ﴿سَمِيعٌ﴾ من أجل النطق، ﴿عَلِيمٌ﴾ من أجل المعتقد.
والله يتولى أمور المؤمنين بالرعاية والعناية والهداية لأرشد الأمور، وهو يخرجهم بهداية الحواس والعقل والدين من ظلمات الشك والشبهة، والجهل
стр. 775
والضلالة، والكفر والانحراف، إلى نور العلم والمعرفة واليقين والإيمان الصحيح، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا، فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف ٢٠١/ ٧] قال مجاهد وعبدة بن أبي لبابة: نزلت في قوم آمنوا بعيسى، فلما جاء محمد ﵇ كفروا به، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات (١).
وأما الكافرون بالله ورسوله فلا سلطان على نفوسهم إلا لمعبوداتهم الباطلة التي تقودهم إلى الضلال، فإن لاح لهم نور الحق والإيمان، بادر الشيطان وما يلقيه من وساوس إلى إطفاء هذا النور، وإبقاء الكفار في ظلمات الشك والضلال، والكفر والعصيان، أو النفاق والتردد.
وكان جزاؤهم الحق المنتظر هو الخلود في النار والملازمة لها بسبب بعدهم عن الهدى، وتماديهم في الضلال، وعدم استنارة قلوبهم بنور الحق.
وبما أن الحق واحد وحّد الله تعالى لفظ النور، وجمع الظلمات؛ لأن الكفر أجناس مختلفة كثيرة، وكلها باطلة، كما قال: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام ١٥٣/ ٦] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١/ ٦] ونحو ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق وانتشار الباطل وتشعبه.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية قاعدة من قواعد الإسلام الكبرى، وركن عظيم من أركان سياسته ومنهجه، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، ولا يسمح لأحد أن يكره أحدا من أهله على الخروج منه.