← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

ورأى بعض المفسرين أن المراد بالحمل: التدبير والحفظ، والعرش أعظم المخلوقات، ونؤمن به كما ورد. وذكر ابن كثير أن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كانوا يوم القيامة كانوا ثمانية، كما قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة ١٧/ ٦٩] (١). وفائدة وصف الملائكة بالإيمان، مع أن التسبيح والتحميد يكون مسبوقا بالإيمان: هو إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه، كما وصف الأنبياء في غير موضع من كتاب الله بالصلاح لذلك، وكما عقّب أعمال الخير بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد ١٧/ ٩٠] فأبان بذلك فضل الإيمان. وفائدة أخرى هي التنبيه على أن إيمانهم كغيرهم سواء بطريق النظر والاستدلال لا غير، لا بالمشاهدة والمعاينة (٢). وصيغة استغفارهم للمؤمنين هي: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، فاستر واصفح عن الذين تابوا عن الذنوب، واتبعوا سبيل الله وهو دين الإسلام، واحفظهم من عذاب الجحيم-عذاب النار. قال خلف بن هشام البزار القارئ: كنت أقرأ على سليم بن عيسى، فلما بلغت: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بكى، ثم قال: يا خلف! ما أكرم المؤمن على الله، نائما على فراشه، والملائكة يستغفرون له.

стр. 7107

﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ربنا وأدخلهم جنات الإقامة الدائمة التي وعدتهم بها على ألسنة رسلك، وأدخل معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، بأن كان مؤمنا موحدا قد عمل الصالحات، اجمع بينهم وبينهم، تكميلا لنعمتك عليهم، وتماما لسرورهم، فإن الاجتماع بالأهل أكمل للبهجة والأنس، إنك أنت القوي الغالب الذي لا يغالب، الحكيم في أقوالك وأفعالك من شرعك وقدرك. ونظير الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ، أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ٢١/ ٥٢]. قال مطرّف بن عبد الله الشّخيّر: أنصح عباد الله للمؤمنين: الملائكة، ثم تلا هذه الآية: ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ الآية، وأغشّ عباده للمؤمنين: الشياطين. وقال سعيد بن جبير: إن المؤمن إذا دخل الجنة، سأل عن أبيه وابنه وأخيه، أين هم؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: إني إنما عملت لي ولهم، فيلحقون به في الدرجة، ثم قرأ سعيد بن جبير هذه الآية: ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ، وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ودعاؤهم إيجابي وسلبي، يشمل دخول الجنان ومنع العقاب، فقال تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ، وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي واحفظهم من العقوبات أو العذاب وجزاء السيئات التي عملوها، بأن تغفرها لهم، ولا تؤاخذهم بشيء منها، وأبعد عنهم ما يسوؤهم من العذاب،

стр. 7108

ومن تقيه السيئات يوم القيامة، فقد رحمته من عذابك، وأدخلته جنتك، وهذا هو الفوز الساحق الأكبر الذي لا فوز أفضل منه. وفائدة استغفار الملائكة للمؤمنين التائبين الصالحين الموعودين المغفرة وعدا لا خلف فيه: زيادة الكرامة والثواب. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: ١ - أخبر الله تعالى عن الملائكة حملة العرش بثلاثة أشياء: التسبيح المقرون بالتحميد، والإيمان الكامل بالله تعالى وحده لا شريك له، والاستغفار للمؤمنين شفقة عليهم. ويلاحظ أنه قدم التسبيح والتحميد على الاستغفار، لأن التعظيم لأمر الله مقدم على الشفقة على خلق الله. والتسبيح: تنزيه الله تعالى عما لا يليق، والتحميد: الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق، والأول إشارة إلى الجلال، والثاني إشارة إلى الإكرام، كما قال تعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ [الرحمن ٧٨/ ٥٥]. والعرش أعظم المخلوقات، نؤمن به، وندع أمر وصفه لله . لكن يجب تنزيه الله عن التحديد والتجسيم والتكييف والحصر في مكان معين. ٢ - احتج كثير من العلماء بهذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ.﴾. في إثبات أن الملك أفضل من البشر، لأن الملائكة لما فرغوا من الثناء على الله والتقديس، اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم، وهم المؤمنون. وهذا يدل على أنهم مستغنون عن الاستغفار لأنفسهم، وإلا لبدؤوا بأنفسهم قبل غيرهم، بدليل قوله ص: فيما رواه النسائي عن جابر «ابدأ بنفسك» وقوله تعالى لنبيه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ [محمد ١٩/ ٤٧] فأمر محمدا ص أن يستغفر لنفسه، ثم لغيره.

стр. 7109

٣ - تدل هذه الآية أيضا على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين، لأن الاستغفار طلب المغفرة، والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العقاب، أما طلب النفع الزائد وهو زيادة الثواب للمؤمنين، فإنه لا يسمى استغفارا. ٤ - قال أهل التحقيق: إن هذه الشفاعة الصادرة عن الملائكة في حق البشر تجري مجرى اعتذار عن زلة سبقت. ٥ - إن الدعاء في أكثر الأحوال يبدأ بلفظ «ربنا» كما فعل الملائكة في دعائهم: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ.﴾. ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ.﴾. ومن أرضى الدعاء: أن ينادي العبد ربه بقوله: «يا رب». ٦ - السنة في الدعاء: أن يبدأ فيه بالثناء على الله تعالى، ثم يذكر الدعاء عقيبه، بدليل هذه الآية، فإن الملائكة لما عزموا على الدعاء والاستغفار للمؤمنين، بدؤوا بالثناء، فقالوا: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ وكذلك بدأ إبراهيم الخليل بالثناء أولا على الله الهادي، الرزاق، الشافي، المحيي، الغفار، ثم قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء ٧٨/ ٢٦ - ٨٣]. والعقل والأدب يدلان أيضا على هذا الترتيب. ٧ - وصف الملائكة الله تعالى في ثنائهم بقولهم: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ بثلاث صفات: الربوبية والرحمة والعلم، والربوبية إشارة إلى الإيجاد والإبداع، والرحمة إشارة إلى أن جانب الخير والرحمة والإحسان راجح على جانب الضر، وأنه تعالى خلق الخلق للرحمة والخير، لا للإضرار والشر. ٨ - قوله سبحانه: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ دليل على كونه سبحانه عالما بجميع المعلومات التي لا نهاية لها من الكليات والجزئيات. ٩ - اشتمل دعاء الملائكة على الخير كله وعلى أشياء كثيرة للمؤمنين وهي:

стр. 7110

أ-طلب الغفران للتائبين من الشرك والمعاصي، الذين اتبعوا دين الإسلام. ب-الوقاية من عذاب جهنم حتى لا يصل إليهم. ج -إدخالهم جنات عدن، قال عمر بن الخطاب لكعب الأحبار: ما جنات عدن؟ قال: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون والصدّيقون والشهداء وأئمة العدل. وإدخال أقاربهم معهم أيضا من الآباء والأزواج والذريات. د-إن صونهم من جزاء السيئات، أي وقايتهم في الدنيا من العقائد الفاسدة والأعمال الفاسدة والوقاية من عذاب السيئات دليل على رحمة الله بدخول الجنة، وتلك هي النجاة الكبيرة. والخلاصة: إن أكمل الدعاء: ما طلب فيه ثواب الجنة، والنجاة من النار. اعتراف الكفار بذنوبهم وباستحقاقهم العقاب الأخروي والتذكير بقدرة الله وفضله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاّ مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧)﴾

стр. 7111

الإعراب: ﴿لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ مبتدأ وخبر، واللام لام الابتداء، وقعت بعد ﴿يُنادَوْنَ﴾ لأنها في معنى: يقال لهم. ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ ﴿إِذْ﴾: ظرف زمان، وعامله: إما: ﴿لَمَقْتُ اللهِ﴾ أو ﴿مَقْتِكُمْ﴾ أو ﴿تُدْعَوْنَ﴾ أو فعل مقدر، تقديره: مقتكم إذ تدعون، أي حين دعيتم إلى الإيمان فكفرتم، وقيل: تقديره: اذكروا إذ تدعون. ﴿يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: بدل منصوب من قوله ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ وهذا منصوب على أنه مفعول به لفعل: ينذر، لا الظرف، لأن الإنذار لا يكون في يوم التلاق، وإنما يكون الإنذار به، لا فيه. و ﴿هُمْ بارِزُونَ﴾: جملة اسمية في موضع جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. و ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ﴾ مبتدأ وخبر و ﴿الْيَوْمَ﴾ منصوب متعلق بمدلول قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ﴾ أي لمن استقر الملك في هذا اليوم، أو متعلق بنفس ﴿الْمُلْكُ﴾. أو يوقف على ﴿الْمُلْكُ﴾، ويبتدأ: ﴿الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ أي هو مستقر لله الواحد القهار في هذا اليوم. البلاغة: ﴿أَمَتَّنَا﴾. و ﴿أَحْيَيْتَنَا﴾ بينهما طباق. ﴿فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ.﴾. استفهام يراد به التمني، وأنهم يعلمون أنهم لا يخرجون. ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ، وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ بينهما مقابلة، قابل بين التوحيد والشرك، والكفر والإيمان.

стр. 7112

﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً﴾ مجاز مرسل، أطلق الرزق الذي هو مسبب وأراد المطر الذي هو سبب في الأرزاق. ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ ﴿الرُّوحَ﴾ كناية عن الوحي، لأنه كالروح للجسد. المفردات اللغوية: ﴿يُنادَوْنَ﴾ يوم القيامة من قبل الملائكة، فيقال لهم: ﴿لَمَقْتُ اللهِ﴾ إياكم، وهو أشد البغض. ﴿أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الأمارة بالسوء. ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ أي إن مقت الله حين دعيتم إلى الإيمان به في الدنيا، فكفرتم. ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ إماتتين، بأن خلقتنا أمواتا أولا، ثم صيرتنا أمواتا عند انقضاء آجالنا، فإن الإماتة: جعل الشيء عادم الحياة، إما ابتداء، أو انتقالا من الحياة إلى الموت. ﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الإحياءة الأولى وإحياءة البعث. ﴿فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ بالشرك والكفر بالبعث. ﴿فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ﴾ نوع من الخروج من النار لنطيع ربنا. ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ طريق، فنسلكه. جوابهم: لا. ﴿ذلِكُمْ﴾ أي العذاب الذي أنتم فيه. ﴿بِأَنَّهُ﴾ بسبب أنه. ﴿إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ﴾ عبد الله وحده دون غيره. ﴿كَفَرْتُمْ﴾ بالتوحيد. ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ يجعل له شريك في العبادة. ﴿تُؤْمِنُوا﴾ تصدقوا بالإشراك. ﴿فَالْحُكْمُ لِلّهِ﴾ فالقضاء لله في تعذيبكم بالعذاب السرمدي. ﴿الْعَلِيِّ﴾ عن أن يشرك به أحد من خلقه ويسوّى به. ﴿الْكَبِيرِ﴾ العظيم الكبير على من أشرك به بعض مخلوقاته في العبادة. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ دلائل قدرته وتوحيده ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً﴾ أسباب الرزق وهو المطر. ﴿وَما يَتَذَكَّرُ﴾ يتعظ بالآيات المستقرة في الفطر والعقول. ﴿إِلاّ مَنْ يُنِيبُ﴾ يرجع عن الشرك. ﴿فَادْعُوا اللهَ﴾ اعبدوه. ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ من الشرك. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ إخلاصكم له وشق عليهم. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ أي الله عظيم الصفات، المنزه عن مشابهة المخلوقات. ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ خالقه ومالكه. ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ الوحي سمي روحا، لأنه كالروح للجسد. ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ من قوله، وهذه أخبار ثلاثة بعد قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾. ﴿لِيُنْذِرَ﴾ يخوف النبي الملقى عليه الوحي الناس. ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يوم اجتماع وتلاقي الخلائق للحساب أمام الله، فإنه يوم يلتقي فيه أهل السماء والأرض والعابد والمعبود والظالم والمظلوم والأعمال والعمال. ﴿بارِزُونَ﴾ ظاهرون لا يسترهم شيء، أو خارجون من قبورهم. ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ حكاية لسؤال وما يجاب به، يسأله تعالى ويجيب نفسه، فهو القهار لخلقه.

стр. 7113

﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ بنقص الثواب وزيادة العقاب. ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ لا يشغله شأن عن شأن، فيحاسب الخلائق سريعا، يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا، كما ورد في الحديث. المناسبة: بعد بيان أحوال الكافرين المجادلين في آيات الله، بيّن الله تعالى أنهم يوم القيامة يعترفون بذنوبهم واستحقاقهم العذاب الذي ينزل بهم، ويسألون الرجوع إلى الدنيا، ليتلافوا ما فرط منهم. وبعد ذكر ما يوجب التهديد الشديد للمشركين، ذكر ما يدل على كمال قدرته وحكمته، بإظهار البيّنات والآيات، وإنزال الرزق من السماء، وإلقاء الوحي على من يشاء من عباده، لإنذار الناس بالعذاب يوم الحساب. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن مناداة الكفار يوم القيامة وهم يتلظون في النار، فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ: لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ، إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ أي تنادي الملائكة الكافرين يوم القيامة، وهم يعذبون في نار جهنم، فيمقتون أنفسهم، ويبغضونها غاية البغض، بسبب ما أسلفوا من الأعمال السيئة التي كانت سبب دخولهم إلى النار، قائلين لهم: أيها المعذّبون أنفسهم في هذه الحالة، إن بغض الله لكم حين عرض عليكم الإيمان في الدنيا من طريق الأنبياء، فتركتموه وكفرتم وأبيتم قبوله، أشد من بغضكم أنفسكم حين عاينتم عذاب النار يوم القيامة، ففي الآية حذف وتقديم وتأخير، أي لمقت الله إياكم حال ما تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم.

стр. 7114

فيجيبون بقولهم: ﴿قالُوا: رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ، فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا، فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي قال الكفار المعذبون: ربنا أمتنا مرتين، حين كنا نطفا في أصلاب الآباء قبل الحياة الظاهرة، وحين أصبحنا أمواتا بعد حياتنا الدنيوية، وأحييتنا مرتين أيضا: الأولى في الدنيا، والثانية عند البعث، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ، وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة ٢٨/ ٢]. فاعترفنا بذنوبنا التي ارتكبناها في الدنيا، من تكذيب الرسل، والإشراك بالله وترك توحيده، وإنكار البعث، ولكنه اعتراف وندم في وقت لا ينفعهم فيه الندم، فهل لنا طريق إلى الخروج من النار والرجوع إلى الدنيا، لنعمل غير الذي كنا نعمل؟ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا، فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً، إِنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢/ ٣٢] وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ، فَقالُوا: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا، وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧/ ٦] وقال : ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها، فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ، قالَ: اِخْسَؤُا فِيها، وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨/ ٢٣]. فأجيبوا بالرفض مع بيان السبب، فقال تعالى: ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ، وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا، فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ أي أنتم هكذا على وضعكم، وإن رددتم إلى الدار الدنيا: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨/ ٦] فلا رجعة لكم، وتظلمون في العذاب، بسبب أنكم كنتم إذا دعي الله وحده دون غيره في الدنيا، كفرتم به وتركتم توحيده باستمرار، وإن يشرك به غيره من الأصنام أو غيرها، تؤمنوا بالإشراك به وتجيبوا

стр. 7115

الداعي إليه، فالحكم لله وحده دون غيره، ولا يحكم إلا بالحق وبمقتضى الحكمة، وهو المتعالي عن المماثل في ذاته وصفاته، والأكبر من أن يكون له مثل أو صاحبة أو ولد أو شريك، فقوله: ﴿الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ دلالة على الكبرياء والعظمة. ثم ذكر الله تعالى ما يدل على كمال قدرته وكبريائه وعظمته، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ، وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً، وَما يَتَذَكَّرُ إِلاّ مَنْ يُنِيبُ﴾ الله تعالى هو الذي يظهر لكم دلائل توحيده وعلامات قدرته، بما أودع في سمائه وأرضه من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها، وهو سبحانه الذي ينزل لكم المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله وألوانه، مع أنه من ماء واحد وتراب واحد، مما يدل على قدرته وعظمة صنعه، ولكن ما يتعظ ويعتبر بتلك الآيات الباهرة إلا من يرجع إلى ربه، بالتأمل والتفكر والنظر في آيات الله، ثم بالطاعة والإذعان إليه. ولما قرر الله تعالى ما يوجب توحيده، صرح بالمطلوب وهو الإقبال بالكلية على الله تعالى، والإعراض عن غير الله، فقال: ﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ أي فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء، وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم، ولو كره الكافرون منهجكم ذلك، فلا تلتفتوا إلى كراهتهم، ودعوهم يموتوا بغيظهم. ثبت في الصحيح عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله ص كان يقول عقب الصلوات المكتوبات: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون».

стр. 7116

وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ص قال: «ادعوا الله ﵎، وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه». ثم ذكر تعالى أيضا ثلاث صفات أخرى من صفات الجلال والعظمة، فقال: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ، ذُو الْعَرْشِ، يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ أي هو الذي يريكم آياته، وهو رفيع الصفات، وهو صاحب العرش ومالكه وخالقه والمتصرف فيه، وذلك يقتضي علو شأنه وعظم سلطانه، وهو الذي ينزل الوحي على من يريد من عباده الذين يختارهم لرسالته وتبليغ أحكامه، وهم الأنبياء، ليقوموا بإنذار الناس بالعذاب يوم يلتقي أهل السموات والأرض في المحشر، ويلتقي الأولون والآخرون. وسمي الوحي روحا، لأن الناس يحيون به من موت الكفر، كما تحيى الأبدان بالأرواح. والمراد بقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ أي من شرائعه التي يوحي بها إلى أنبيائه ليمتثلوا ويسيروا في حياتهم بموجبها. ونظائر الآية كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل ٢/ ١٦] ونحو قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء ١٩٣/ ٢٦ - ١٩٥]. ومن صفات يوم القيامة أيضا ما يلي: ﴿يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ، لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ أي إن يوم التلاق هو اليوم الذي هم فيه ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء، لاستواء الأرض، وهم خارجون من قبورهم في العراء،

стр. 7117

لا يخفى على الله شيء من أعمال العباد التي عملوها في الدنيا، سرا أو علانية، كما في آية أخرى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ، لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ [الحاقة ١٨/ ٦٩]. ويكون فيه الملك المطلق والسلطان الشامل لله الواحد الأحد، القاهر عباده وكل شيء بقدرته، قهرهم بالموت، ثم بالبعث الشامل. وقد أورد هذا المعنى لتقريره في الأذهان بصورة سؤال يسأل فيه الرب تعالى، يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ أي يوم القيامة، فلا يجيبه أحد، فيجيب تعالى نفسه، فيقول: ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾. والخلاصة: ذكر تعالى هنا أربع صفات ليوم القيامة: هي كونه يوم التلاق، وكون الخلق فيه ظاهرين جميعا أمامه لا يسترهم شيء، وكونه يوما لا يخفي الله فيه من الأعمال شيئا، والمقصود بذلك الوعيد، فإنه تعالى إذا جمع الخلق، يجازي كلا بحسبه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وكون الملك المطلق فيه لله . ثم ذكر تعالى صفة خامسة وسادسة ليوم القيامة، تبينان صفات عدل الله في حكمه بين خلقه، وفضله ورحمته، فقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، لا ظُلْمَ الْيَوْمَ، إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ أي إن يوم القيامة هذا هو يوم الجزاء وثواب كل عامل بعمله، من خير وشر، ولا ظلم في الحكم فيه على أحد، بنقص من ثوابه أو بزيادة في عقابه، وإن الله سريع حسابه لعباده على أعمالهم في الدنيا، فيحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفسا واحدة كما قال تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان ٢٨/ ٣١] وقال: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠/ ٥٤] ولأنه تعالى لا يحتاج إلى تفكر، ويحيط علمه بكل شيء، فلا يغيب عنه مثقال ذرة. وذكر سرعة الحساب في هذا الموضع لائق جدا، لأنه تعالى لما بيّن أنه لا ظلم، بيّن

стр. 7118

أنه سريع الحساب، وذلك يدل على أنه يصل إليهم ما يستحقونه في الحال. وقد روى مسلم في صحيحة حديثا في بيان منع الظلم في الحساب عن أبي ذر ﵁ عن رسول الله ص، فيما يحكي عن ربه أنه قال: «يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّما، فلا تظالموا-إلى أن قال-يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله ﵎، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». فقه الحياة أو الأحكام: يؤخذ من الآيات ما يأتي: ١ - إن الله تعالى يحب الخير لعباده ويكره الكفر والشر لهم، لذا كان مقته وبغضه للكفار في وقت تعذيبهم بالنار أشد من بغضهم أنفسهم في ذلك الوقت، لأنها أوبقتهم في المعاصي. ٢ - احتج أكثر العلماء بآية: ﴿رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ في إثبات عذاب القبر، بناء على تفسير السدّي: أنهم أميتوا في الدنيا، ثم أحياهم في القبور للسؤال، ثم أميتوا ثم أحيوا في الآخرة. وإنما جنح إلى هذا التفسير، لأن لفظ الميت لا ينطلق في العرف على النطفة. ولو كان الثواب والعقاب للروح دون الجسد فما معنى الإحياء والإماتة؟. كذلك تدل هذه الآية على حصول الحياة في القبر. ٣ - يعترف الكفار بذنوبهم واستحقاقهم العقاب يوم القيامة، ويندمون على ذلك، لكن لا ينفعهم فيه الندم والاعتراف. ٤ - يطلب الكفار الرجوع إلى الدنيا للإيمان والطاعة، ولكن لا رجعة لهم.

стр. 7119

٥ - إن تعذيب الكفار بسبب إعراضهم عن الإيمان بالله وبالبعث وبالرسل في الدنيا التي هي دار التكليف والعمل، وتركهم التوحيد، واختيارهم الشرك والمعاصي. ٦ - أقام الله تعالى آيات وأدلة كثيرة على وجوده وتوحيده وقدرته وحكمته، ومنها هنا آيات السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما من الشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والبحار والأنهار والعيون والجبال والأشجار وآثار قوم هلكوا، ومنها إنزال الرزق بإنزال المطر سبب الحياة والبركة والخير. ويلاحظ أنه جمع في هذه الآية بين رعاية مصالح الأديان ومصالح الأبدان، لأن بإظهار الآيات قوام الأديان، وبإنزال الرزق من السماء قوام الأبدان. ولكن ما يتعظ بهذه الآيات، فيوحد الله إلا من ينيب ويرجع إلى طاعة الله، والمعنى: إنّ لمس وإدراك دلائل توحيد الله كالشيء المستقر في العقول، والاشتغال بالشرك وبعبادة غير الله مانع يحجب أنوار العقل والفكر، فإذا تخلى العبد عن الشرك، وأناب إلى الله، زال الغطاء، واستنار القلب، فحصل الفوز التام، وظهرت سبيل النجاة. ٧ - وكما أن من صفات كبرياء الله وإكرامه: كونه مظهرا للآيات، منزلا للأرزاق، فله صفات ثلاث أخرى من صفات الجلال والعظمة، وهي كونه رفيع الصفات، خالق العرش ومدبره ومالكه، منزل الوحي والنبوة على من يشاء من عباده. وسمي الوحي روحا، لأن الناس يحيون به من موت الكفر، كما تحيا الأبدان بالأرواح، كما تقدم. ٨ - ما على العباد أمام هذه الصفات العليا إلا عبادة الله وحده لا شريك له، مخلصين له العبادة والطاعة، حتى ولو كره الكافرون عبادة الله، فلا تعبدوا أيها المؤمنون غيره.

стр. 7120

٩ - إنما يبعث الله الرسل لإنذار يوم البعث يوم تلاقي الخلائق جميعهم في أرض المحشر، ويوم يكونون ظاهرين في صعيد واحد، لا يسترهم شيء، لاستواء الأرض، وذلك اليوم لا يخفى على الله شيء من العباد ومن أعمالهم، وهو اليوم الذي يظهر فيه السلطان المطلق والملك التام لله الواحد القهار، ويقول سبحانه بعد فناء الخلق وهلاك كل من في السموات ومن في الأرض: لمن الملك في هذا اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه: لله الواحد القهار. وفي تفسير آخر: أن السائل غير الله، والمجيب هم أهل المحشر، ورجح هذا القرطبي، فقال: أصح ما قيل فيه: ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله جل وعز عليها، فيؤمر مناد ينادي: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غمّا وانقيادا. ثم أردف القرطبي قائلا: والقول الأول ظاهر جدا، لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوى المدّعين وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه، ومتكبر وملكه، وانقطعت نسبهم ودعاويهم. ودل على هذا قوله الحق عند قبض الأرض والأرواح وطيّ السماء: «أنا الملك، فأين ملوك الأرض» كما في حديثي أبي هريرة وابن عمر، ثم يطوي الأرض بشماله والسموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون؟! (١). ١٠ - ومن صفات ذلك اليوم: أن تجزى كل نفس بما كسبت من خير أو شر، وأنه لا ظلم فيه، فلا ينقص أحد شيئا من عمله، وإن الله سريع الحساب، فلا يحتاج إلى تفكر واستدلال، لأنه تعالى العالم الذي لا يعزب عن علمه شيء، فلا يؤخر جزاء أحد للاشتغال بغيره، وكما يرزقهم في ساعة واحدة يحاسبهم كذلك

стр. 7121

في ساعة واحدة. جاء في الخبر: «ولا ينتصف النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار». والخلاصة: ذكر الله تعالى ست صفات ليوم القيامة: وهي كونه يوم التلاق، وكون الخلق بارزين ظاهرين فيه، ولا يخفى على الله منهم شيء، ويظهر فيه الملك التام لله الواحد القهار، وتجزى فيه كل نفس بما كسبت من خير أو شر، ولا ظلم في الحساب الذي هو سريع الإجراء والتنفيذ وتحقيق المطلوب. أوصاف أخرى هائلة رهيبة ليوم القيامة ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢)﴾ الإعراب: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ، ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ﴿إِذِ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ الذي هو مفعول به ل ﴿أَنْذِرْهُمْ﴾ لا ظرف، لأن الإنذار لا يكون يوم الآزفة. و ﴿الْقُلُوبُ﴾ مبتدأ، و ﴿لَدَى الْحَناجِرِ﴾ خبر. و ﴿كاظِمِينَ﴾

стр. 7122

حال من ضمير ﴿لَدَى﴾ أو حال من أصحاب القلوب. و: من في ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ زائدة، تقديره: ما للظالمين حميم ولا شفيع. و ﴿يُطاعُ﴾ جملة فعلية صفة ل ﴿شَفِيعٍ﴾. ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا.﴾. ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ إما منصوب على جواب الاستفهام بالفاء بتقدير «أن» أو مجزوم عطفا على ﴿يَسِيرُوا﴾ و ﴿كَيْفَ﴾ في موضع نصب، لأنها خبر ﴿كانَ﴾ و ﴿عاقِبَةُ﴾: اسم كان المرفوع، وفي ﴿كَيْفَ﴾ ضمير يعود على العاقبة. ويجوز جعل ﴿كانَ﴾ تامة، فلا تحتاج إلى خبر، فيكون ﴿كَيْفَ﴾ ظرفا ملغى لا ضمير فيه. وكذلك ﴿كانُوا﴾ في قوله: ﴿الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ﴾ يجوز فيها الوجهان، ويكون ﴿أَشَدَّ﴾ إذا جعلت ﴿كانَ﴾ بمعنى «وقع» حالا. و ﴿قُوَّةً﴾ تمييز. وجملة كان واسمها وخبرها مفعول: ينظروا. و ﴿كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ جواب ﴿كَيْفَ﴾. البلاغة: ﴿ما لِلظّالِمِينَ﴾ أي الكفار، فيه وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على اختصاص ذلك بهم، وإنه لظلمهم. ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾؟ استفهام إنكاري. ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ من صيغ المبالغة. المفردات اللغوية: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ يوم القيامة، سميت بها لأزوفها، أي قربها، يقال: أزف الرحيل يأزف أزفا: قرب ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ﴾ ترتفع خوفا عند الحناجر أي الحلوق، جمع حنجرة أو حنجور كحلقوم لفظا ومعنى. ﴿لِلظّالِمِينَ﴾ الكفار ﴿كاظِمِينَ﴾ ممتلئين غما ﴿حَمِيمٍ﴾ قريب نافع أو محب ﴿وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ مشفع أي تقبل شفاعته، ولا مفهوم للوصف: ﴿يُطاعُ﴾ إذ لا شفيع لهم أصلا كما قال تعالى ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠/ ٢٦] أوله مفهوم بناء على زعمهم أن لهم شفعاء أي لو شفعوا فرضا لم يقبلوا. ﴿يَعْلَمُ﴾ الله ﴿خائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ أي النظرة الخائنة، كالنظرة الثانية إلى الحرام، واستراق النظر إليه، فالمراد الأعين الخائنة: وهي التي تختلس النظر إلى المحرّم وتسارقه ﴿وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ القلوب، أي ما تكتمه الضمائر. والجملة خبر خامس للقلوب، للدلالة على أنه ما من خفي إلا وهو متعلّق العلم والجزاء.

стр. 7123

﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ لأنه المالك الحاكم على الإطلاق، فلا يقضي بشيء إلا وهو حقه ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يعبدون، أي كفار مكة ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي الأصنام ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ فكيف يكونون شركاء لله؟ وهذا تهكم بهم، لأن الجماد لا يقال فيه: إنه يقضي أو لا يقضي ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ السميع لأقوالهم البصير بأفعالهم، وهذا تعليل وتقرير لعلمه بخائنة الأعين وقضائه بالحق، ووعيد لهم على ما يقولون ويفعلون، وتعريض بحال ما يدعونه من دونه. ﴿عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مآل حال الذين كذبوا الرسل قبلهم كعاد وثمود ﴿كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ قدرة وتمكنا ﴿وَآثاراً فِي الْأَرْضِ﴾ من قلاع ومصانع وقصور ومدائن حصينة ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ﴾ أهلكهم ﴿واقٍ﴾ حافظ يدفع عنهم السوء أو العذاب. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ بالمعجزات الظاهرات والأحكام الواضحة ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ﴾ متمكن مما يريده غاية التمكن ﴿شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ ليس هناك عقاب أشد منه. المناسبة: بعد بيان كون الأنبياء ينذرون الناس يوم التلاق، أتى بأوصاف هائلة رهيبة أخرى ليوم القيامة، لتخويف الكفار بعذاب الآخرة، ثم خوفهم بعذاب الدنيا المماثل لإهلاك الأمم السابقة الذين كذبوا الرسل. التفسير والبيان: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ أي خوف أيها الرسول الكفار يوم القيامة، ليؤمنوا ويقلعوا عن الشرك، ذلك اليوم الذي لكأن القلوب تزول من مواضعها من الخوف، وترتفع حتى تصير إلى الحلوق، حال كون أصحابها مكروبين ممتلئين غما. ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ أي وحال كون أولئك الكافرين ليس لهم قريب ينفعهم، ولا شفيع مشفع تقبل شفاعته لهم. والمقصود بالآية تخويف الكفار وترويعهم من شدة الخوف وأهوال يوم

стр. 7124

القيامة. وفي الآية إشارة إلى أن الكفار يوم القيامة يشتد خوفهم، حتى لكأن قلوبهم لدى حلوقهم، وفيها تصريح بعدم جدوى شفاعة الأصنام كما زعموا وتأملوا. والقيامة وإن طال زمانها في تقدير الناس إلا أنها آتية من غير أي شك فيها، وكل آت قريب، كما قال تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١/ ٥٤] وقال جل وعلا: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء ١/ ٢١] وقال سبحانه: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١/ ١٦] وقال : ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً، سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك ٢٧/ ٦٧]. ثم أعلمهم تعالى بشمول علمه وضبطه ودقته، فقال: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أي إن الله يعلم النظرة الخائنة التي ينظرها العبد إلى المحرّم، ويعلم ما تسرّه الضمائر من أمور خيّرة أو شريرة، حتى حديث النفس أو خواطر النفس. وهذا يعني أن علم الله تام محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها، ليحذر الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله حق الحياء، ويتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه، فإنه تعالى يعلم العين الخائنة، وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر، أي مضمرات القلوب. قال ابن عباس ﵄ في هذه الآية: هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمرّ به وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غض بصره عنها، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض، وقد اطّلع الله تعالى من قلبه أنه ود أن لو اطلع على فرجها (١).

стр. 7125

﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أي والله يحكم بالحكم العادل، فيجازي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة، ويجازي كل أحد بما يستحقه من خير أو شر. ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ، إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي والذين يعبدونه من الأصنام من غير الله، لا يتمكنون من القضاء بشيء، أي فلا يحكمون بشيء، ولا يملكون شيئا، لأنهم لا يعلمون شيئا، ولا يقدرون على شيء، فالذي تجب عبادته هو القادر على كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، فإن الله سميع لأقوال خلقه، بصير بأفعالهم، فيجازيهم عليه يوم القيامة. وهذا وعيد لهم على أقوالهم وأفعالهم وأنه يعاقبهم عليه، وتصريح بعدم جدوى عبادة الأصنام والأوثان والأنداد وغيرها من المعبودات، وتهكم بهم، لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه: يقضي أو لا يقضي. هذه موجبات التخويف من عذاب الآخرة، ثم خوفهم الله تعالى بعذاب الدنيا، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ، كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ، فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾ أي أرشدهم الله تعالى إلى الاعتبار بغيرهم، والمعنى: أفلم يمش هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد، فينظروا مآل حال الذين مضوا من الكفار المكذبين بالأنبياء، وما حل بهم من العذاب والنكال، مع أنهم كانوا أشد قوة من هؤلاء الحاضرين من كفار مكة وأمثالهم، وأبقى آثارا في الأرض، بما عمروا فيها من الحصون والقصور، وأقاموا من المدن والحضارات. فأهلكهم الله بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، وما كان لهم من دافع يدفع عنهم العذاب، وللكافرين أمثالها. وهذا تحذير واضح للكافرين في كل زمان بما حل بالأمم الغابرة.

стр. 7126

ونظير بعض الآية: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف ٢٦/ ٤٦] وقال سبحانه: ﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم ٩/ ٣٠]. ثم ذكر الله تعالى علة إهلاكهم وتدميرهم، فقال: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ، فَكَفَرُوا، فَأَخَذَهُمُ اللهُ، إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ أي ذلك الأخذ والإهلاك بسبب أن رسلهم كانوا يأتونهم بالحجج الواضحة على الإيمان الحق، فكفروا بما جاءوهم به، فأهلكهم الله ودمّر عليهم، إن الله ذو قوة عظيمة وبطش شديد، يفعل كل ما يريده، لا يعجزه شيء، وعقابه أليم شديد وجيع لكل من عصاه، فيا أيها الكفار والعصاة اعتبروا واتعظوا بغيركم، فالسعيد من وعظ بغيره. فقه الحياة أو الأحكام: موضوع الآيات شيئان: التخويف من عذاب الآخرة، والتحذير من عذاب الدنيا. أما عذاب الآخرة: فقد ذكر الله تعالى ثمانية أسباب موجبة للخوف وهي (١): ١ - أنه سمى ذلك اليوم يوم الآزفة، أي يوم القرب من العذاب لمن أذنب. ٢ - أنه بلغ ذلك الخوف إلى أن زال القلب من الصدر وارتفع إلى الحنجرة. ٣ - لا يمكنهم أن ينطقوا لشدة ما اعتراهم من الحزن والخوف، وذلك يوجب القلق والاضطراب. ٤ - ليس لهم قريب ينفعهم، ولا شفيع يطاع فيهم، فتقبل شفاعته.

стр. 7127

٥ - أنه سبحانه عالم بكل شيء صغير أو كبير، دقيق أو جليل، وهذا يوجب شدة الخوف. ٦ - الله يقضي بالحق المطلق والعدل التام، وهذا أيضا يوجب عظم الخوف. ٧ - لا فائدة مما عول عليه المشركون من شفاعة الأصنام، فهم لا يقضون بشيء. ٨ - إن الله يسمع من الكفار ثناءهم على الأصنام ونحوها من المعبودات الباطلة، ويبصر خضوعهم وسجودهم لها. وأما عذاب الدنيا: فأمام هؤلاء الكفار المكذبين لرسول الله محمد ص نماذج وألوان من عذاب الأمم القديمة المكذبة رسلها، وقد نزل بهم العذاب لأجل أنهم كفروا وكذبوا الرسل، وهؤلاء الحاضرون يشاهدون آثار دمارهم وهلاكهم، والله يحذر الكفار قوم الرسول من مثل أفعال أولئك الماضين، وقد ختم الكلام بقوله: ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ مبالغة في التحذير والتخويف. قصة موسى ﵇ مع فرعون وهامان - ١ - تعذيب بني إسرائيل والتهديد بقتل موسى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ (٢٤) فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اُقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاِسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (٢٥) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧)﴾

стр. 7128

البلاغة: ﴿وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ فيه وضع الظاهر وهو ﴿الْكافِرِينَ﴾ موضع الضمير أي كيدهم لتعميم الحكم والدلالة على العلة وهي الكفر. ﴿كَذّابٌ﴾ صيغة مبالغة. المفردات اللغوية: ﴿بِآياتِنا﴾ أي المعجزات ﴿وَسُلْطانٍ﴾ حجة وبرهان ﴿مُبِينٍ﴾ ظاهر واضح، والعطف بين الآيات والسلطان لتغاير الوصفين ﴿فِرْعَوْنَ﴾ ملك مصر ﴿وَهامانَ﴾ وزير فرعون ﴿وَقارُونَ﴾ كان ثريا ﴿ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ يعنون موسى ﵇، وفيه تسلية لرسول الله ص وبيان عاقبة من هو أشد بطشا من الذين كانوا من قبلهم وأقربهم زمانا. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق ﴿قالُوا: اُقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ استبقوهم أحياء، والمعنى: أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلون بهم من قتل الأولاد الذكور وإبقاء النساء أحياء للخدمة ﴿وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ ضياع. ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فيه غاية الكيد والحقد والتجلد وعدم المبالاة بدعاء ربه ليمنعه منه ﴿إِنِّي أَخافُ﴾ إن لم أقتله ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أن يغير ما أنتم عليه من عبادتي وعبادة الأصنام. ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ﴾ أي ما يفسد دنياكم من القتل والتجارب وإثارة الفتن إن لم يقدر أن يبطل دينكم ﴿وَقالَ مُوسى﴾ لقومه لما سمع كلام فرعون ﴿إِنِّي عُذْتُ﴾ استعذت واستجرت واستعنت، وبدأ ب «إن» للتأكيد والدلالة على أن السبب المؤكد في دفع الشر هو العياذ بالله ﴿بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ خص اسم الرب، لأن المطلوب هو الحفظ والتربية، وقوله: ﴿وَرَبِّكُمْ﴾ للحث على الاقتداء به، فيتعوذوا بالله مثله ويعتصموا بالتوكل عليه مثله

стр. 7129

﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ لم يسم فرعون، وذكر وصفا يعمه وغيره لتعميم الاستعاذة بحيث تشمل فرعون وغيره من الجبابرة، ولاستخدام طريقة التعريض التي هي أبلغ. والتكبر: الاستكبار عن الإذعان للحق، وهو أقبح استكبار ﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ ذكر هذا لأنه إذا اجتمع في الرجل التجبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة، استكمل وصف القسوة والجرأة على الله وعلى عباده. المناسبة: لما سلّى الله تعالى رسوله بذكر عاقبة الكفار الذين كذبوا الأنبياء قبله وبمشاهدة آثارهم، سلاه أيضا بذكر قصة موسى ﵇ التي دلت على أنه مع قوة معجزاته، كذبه فرعون وهامان وقارون، وقالوا عنه: هو ساحر كذاب. ولكن في النهاية انتصر عليهم، وتلك بشارة لنبينا ص بأن العاقبة والنصرة له في الدنيا والآخرة، كما جرى لموسى بن عمران ﵇. التفسير والبيان: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي تالله لقد أرسلنا موسى بالمعجزات التي هي الآيات التسع كاليد والعصا، وبحجة بينة واضحة وبرهان قوي. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ، فَقالُوا: ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أرسلنا موسى إلى فرعون ملك مصر، وهامان وزيره، وقارون أغنى أهل زمانه، فقالوا عنه: إنه ساحر مخادع مجنون مموه، كذاب فيما زعم أن الله أرسله، كما قال تعالى: ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا: ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَواصَوْا بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات ٥٢/ ٥١ - ٥٣]. وخص هؤلاء الطغاة بالذكر، لأنهم رؤساء المكذبين بموسى، وغيرهم تابع لهم. وشأن الجبابرة عدم الإصغاء للحجة والمنطق واللجوء إلى القوة، كما قال

стр. 7130

تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا﴾ أي بالبرهان القاطع الدال على أن الله أرسله إليهم، وهي معجزاته الظاهرة الواضحة. ﴿قالُوا: اُقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ أي قال أولئك الطغاة: عودوا إلى قتل الذكور وترك النساء، لئلا يكثر جمعهم، ولكي يضعف شأنهم. وهذه هي المرة الثانية بالأمر بذلك بعد بعثة موسى، وكانت المرة الأولى قبل ولادة موسى، لأجل تفادي وجوده، ولإذلال الشعب الإسرائيلي، ولتقليل عددهم، لئلا ينصروا عليهم. ولكن الله تعالى أحبط كيدهم وأفشل خطتهم كما قال: ﴿وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي وما مكرهم وقصدهم تقليل عدد بني إسرائيل إلا في ضياع وذهاب سدى، لم يحقق فائدة لهم، فإنهم لما باشروا قتلهم أولا، فما أفادهم، وعاش موسى، فكذلك لا يفيدهم تجديد مأساة القتل الجماعي، وسيكون النصر للمؤمنين. ولكنه زاد في هذه المرة العزم على قتل موسى، فقال: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى، وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أي قال فرعون لقومه: دعوني أقتل موسى، وليدع ربه الذي يزعم أنه أرسله إلينا، فليمنعه من القتل إن قدر على ذلك، ولا أبالي به. وهذا في الظاهر استهانة بدعاء رب موسى، وفي الباطن كان يرتعد من دعائه، فقوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ شاهد صدق على فرط خوفه منه. وسبب القتل ما قال تعالى: ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ﴾ أي إني أخشى أن يغير منهاج دينكم الذي أنتم عليه من عبادتي وعبادة الأصنام، ويدخلكم في

стр. 7131

دينه الذي هو عبادة الله وحده، أو أن يوقع بين الناس الخلاف والفتنة، فتكثر الخصومات والمنازعات، وتثار القلاقل والاضطرابات. والمراد: إظهار الخوف من تبديل الدين أو إفساد أمر الدنيا. وإذا كان فرعون اعتز بجبروته وقوته، فإن موسى ﵇ اعتصم بالله، فقال: ﴿وَقالَ مُوسى: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ، لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ أي لما بلغ موسى قول فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى.﴾. قال: إني استجرت بالله وعذت به من شره وشر أمثاله من كل متعاظم متعال مستكبر عن الإذعان للحق، كافر مجرم لا يؤمن بالبعث والحساب والجزاء. وقد استعاذ موسى ممن جمع بين الاستكبار والتكذيب بالجزاء، لأنهما عنوان الجرأة على الله وعلى عباده. وقال موسى ﴿بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ لحث قومه على مشاركته في الاستعاذة بالله من شر فرعون وملئه. وقد ثبت في الحديث عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ص كان إذا خاف قوما قال: «اللهم انا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم». فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - يشترك الأنبياء في أمور هي تأييدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، وإعراض أقوامهم عنهم، واتهامهم بالكذب والتمويه والسحر، والتهديد بالطرد والتشريد أو القتل والتعذيب، ولكن النصر في النهاية للأنبياء والمؤمنين.

стр. 7132

٢ - وهذا المنهج هو ما عرف عن قصة موسى ﵇ مع فرعون وقومه، أيده الله بالمعجزات وهي الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الإسراء ١٠١/ ١٧]. وكان ابتلاء الله موسى برؤوس الطغيان والكبرياء وهم فرعون الملك، وهامان الوزير، وقارون صاحب الأموال والكنوز الذي اتفق مع فرعون وهامان في الكفر والتكذيب، فلما عجزوا عن معارضته بالحجة، وأبوا الإذعان للمنطق، وصفوا المعجزات بالسحر، ووصفوه بالكذب. ٣ - وزاد طغيان فرعون، وامتد إلى القتل الجماعي لبني إسرائيل، وإبادة الأولاد الذكور بعد الولادة، وإبقاء النساء أحياء للإذلال والخدمة والإهانة، لئلا ينشأ الأطفال على دين موسى، فيقوى بهم، وتلك عودة منه إلى عادته القديمة بارتكاب هذه المنكرات. قال قتادة: هذا قتل غير القتل الأول، لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان بعد ولادة موسى، فلما بعث الله موسى، أعاد القتل على بني إسرائيل عقوبة لهم، فيمتنع الإنسان من الإيمان، ولئلا يكثر جمعهم، فيعتضدوا بالذكور من أولادهم، فشغلهم الله عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب، كالضفادع والقمّل والدم والطوفان، إلى أن خرجوا من مصر، فأغرقهم الله تعالى. ٤ - تحقق نصر الله تعالى لموسى ﵇، وأحبط مكائد فرعون وقومه، وجعل مكرهم في خسران وضياع، فإن الناس لا يمتنعون من الإيمان، وإن فعل بهم مثلما فعل فرعون أو أشد. ٥ - عزم فرعون أيضا على قتل موسى غير مبال ببطش الله وقوته، وأبان لقومه السبب الموجب لقتله وهو أن وجوده يؤدي إلى أحد أمرين أو كليهما: إما فساد الدين أو فساد الدنيا. والمراد بالدين: هو عبادة فرعون والأصنام،

стр. 7133

والمقصود بفساد الدنيا: إيقاع الخصومات، وإثارة الفتن والقلاقل والاضطرابات. ٦ - لما هدد فرعون بالقتل، لجأ موسى إلى ربه مستعيذا به من كل متعظم عن الإيمان، ولا يؤمن بالآخرة. ٧ - استنبط الرازي من كلمات موسى ودعائه ثماني فوائد هي بإيجاز: الأولى-إن قول موسى ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ مستخدما لفظة ﴿إِنِّي﴾ الدالة على التأكيد، للدلالة على أن الطريق المؤكد المفيد في دفع الشرور والآفات عن النفس، الاعتماد على الله، والتوكل على عصمة الله تعالى. الثانية-الاستعاذة بالله تصون الإنسان من شياطين الإنس والجن، فإذا قال المسلم: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» فالله تعالى يصون دينه وإخلاصه عن وساوس شياطين الجن، فكذلك إذا قال المسلم: أعوذ بالله، فالله يصونه عن كل الآفات والمخافات. الثالثة-قوله ﴿بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾: لما كان المولى ليس إلا الله، وجب ألا يرجع العاقل في دفع كل الآفات إلا إلى حفظ الله تعالى، فهو المربي والحافظ. الرابعة-قوله ﴿وَرَبِّكُمْ﴾ فيه بعث أو حث لقوم موسى ﵇ على أن يقتدوا به في الاستعاذة بالله. الخامسة-لم يذكر موسى فرعون في دعائه، رعاية لحق تربيته له في الصغر. السادسة-بالرغم من عزم فرعون على قتل موسى، فلا فائدة في الدعاء عليه بعينه، بل الأولى الاستعاذة بالله في دفع كل من كان موصوفا بصفة التكبر والكفر بالبعث، حتى يشمل كل من كان عدوا ظاهرا أو خفيا.

стр. 7134

السابعة-إن الجرأة على إيذاء الناس أمران: أحدهما-كون الإنسان متكبرا قاسي القلب، والثاني-كونه منكرا للبعث والقيامة، وقد اتصف فرعون بالأمرين. الثامنة-أجاب موسى عن استهزاء فرعون بقوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾: بأن ما ذكرته يا فرعون بطريق الاستهزاء هو الدين الحق، وأنا أدعو ربي، وأطلب منه أن يدفع شرك عني، وسترى كيف أن ربي يقهرك، وكيف يسلطني عليك. وهو رد قولي وفعلي. الخلاصة من هذا الدعاء: أن طريق دفع كيد الأعداء وإبطال مكرهم هو الاستعاذة بالله، والرجوع إلى حفظ الله تعالى. - ٢ - قصة مؤمن آل فرعون ودفاعه عن موسى ﵇ ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ (٢٨) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (٣١) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ (٣٥)﴾

стр. 7135

الإعراب: ﴿أَنْ يَقُولَ: رَبِّيَ اللهُ﴾ منصوب بنزع الخافض، أي بأن يقول. ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِباً﴾ حذفت النون من ﴿يَكُ﴾ لكثرة الاستعمال، وهو رأي جمهور النحاة، أو تشبيها لها بنون الإعراب في نحو «يضربون» وهو قول المبرّد، والوجه الأول أوجه. ﴿ظاهِرِينَ﴾ حال. ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ ﴿مِثْلَ﴾: بدل منصوب من ﴿مِثْلَ﴾ الأول في قوله تعالى: ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ﴾. ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ بدل منصوب من ﴿يَوْمَ﴾ الأول في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾. ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ.﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: بدل منصوب من ﴿مِنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ ويجوز جعله خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هم الذين. ورأى السيوطي أن ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، و ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ.﴾. هو الخبر. البلاغة: ﴿كاذِباً﴾ و ﴿صادِقاً﴾ بينهما طباق. ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً.﴾. استفهام على سبيل الإنكار. ﴿كَذّابٌ﴾ ﴿جَبّارٍ﴾ من صيغ المبالغة.

стр. 7136

المفردات اللغوية: ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ من أقاربه، فهو ابن عم فرعون وولي عهده وصاحب شرطته، وهو الظاهر، وقيل: إنه رجل إسرائيلي أو غريب موحد كان يجاملهم ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً﴾ أتقصدون قتله؟ ﴿أَنْ يَقُولَ﴾ لأن يقول: ﴿رَبِّيَ اللهُ﴾ وحده، وذلك من غير روية وتأمل في أمره ﴿وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ بالمعجزات الظاهرات والبراهين الواضحات على وحدانية الله والدالة على صدقه ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ نسب الرب إليهم استدراجا لهم إلى الاعتراف به، ثم احتج عليهم بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾: لا يتخطاه وبال كذبه وضرره، فلا حاجة إلى قتله ﴿وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ فلا أقل من أن يصيبكم بعضه. قال البيضاوي: وفيه مبالغة في التحذير، وإظهار للإنصاف وعدم التعصب، ولذلك قدم كونه كاذبا ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ مشرك مفتر، فالمسرف: المقيم على المعاصي المكثر منها، والكذاب: المفتري. وهو احتجاج ثالث من وجهين: أحدهما-أنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله إلى البينات، ولما عضده بتلك المعجزات، وثانيهما-أن من خذله الله وأهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله. وفيه تعريض بفرعون وتكذيب ربوبيته. ﴿ظاهِرِينَ﴾ غالبين عالين على بني إسرائيل ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جاءَنا﴾؟ من يمنعنا من عذاب الله إن قتلتم أولياءه؟ أي لا ناصر لنا، وإنما أدرج نفسه في ضميري الفعلين لأنه كان قريبا لهم، وليريه أنه معهم ﴿قالَ فِرْعَوْنُ: ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى﴾ أي ما أشير عليكم إلا بما أشير به على نفسي، وهو قتل موسى ﴿وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أي ما أدلكم إلا على طريق الصواب. ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ﴾ في تكذيبه والتعرض له ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ﴾ أي مثل أيام الأمم الماضية، يعني وقائعهم، و ﴿الْأَحْزابِ﴾ الأقوام الذين تحزّبوا على أنبيائهم وكذبوهم، وكلمة ﴿يَوْمِ﴾ مفرد مضاف فيعم، فقد أغنى جمع الأحزاب عن جمع اليوم ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ..﴾. أي مثل عادة وجزاء ما كانوا عليه من الكفر وإيذاء الرسل، بتعذيبهم في الدنيا واستئصالهم ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ كقوم لوط ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ فلا يعاقبهم بغير ذنب، ولا يترك الظالم منهم بغير انتقام، وهو أبلغ من قوله: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لأن المنفي فيه عدم تعلق إرادته بالظلم. ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ يوم القيامة، ينادي فيه بعضهم بعضا للاستغاثة، ويكثر فيه نداء أصحاب الجنة وأصحاب النار وبالعكس، فينادى بالسعادة لأهل الجنة، وبالشقاوة لأهل النار وغير ذلك

стр. 7137

﴿مُدْبِرِينَ﴾ منصرفين عن موقف الحساب إلى النار ﴿ما لَكُمْ مِنَ اللهِ﴾ من عذابه ﴿مِنْ عاصِمٍ﴾ مانع يعصمكم من عذابه. ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ﴾ يوسف بن يعقوب ﵇، من قبل موسى ﵇ ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ بالمعجزات الظاهرات الدالة على صدقه ﴿هَلَكَ﴾ مات يوسف ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً﴾ فيه تكذيب رسالته في حياته والكفر بها، وتكذيب رسالة من بعده ﴿كَذلِكَ﴾ مثل إضلالكم ﴿يُضِلُّ اللهُ﴾ في العصيان ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ في معاصي الله مستكثر منها ﴿مُرْتابٌ﴾ شاك فيما شهدت به البينات على وحدانية الله ووعده ووعيده. ﴿سُلْطانٍ﴾ حجة قوية وبرهان ظاهر ﴿مَقْتاً﴾ المقت: أشد البغض ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ﴾ أي مثل إضلالهم يطبع (يختم) الله بالضلال على قلوب المتجبرين، ومتى تكبر القلب تكبر صاحبه، وبالعكس. وقرئ بتنوين ﴿قَلْبِ﴾ و ﴿كُلِّ﴾ على القراءتين يراد به عموم الضلال جميع القلب، لا عموم القلب. المناسبة: بعد أن حكى الله تعالى عن موسى ﵇ أنه ما زاد في دفع شر فرعون الذي عزم على قتله، على الاستعاذة بالله، أبان تعالى أنه قيّض له رجلا من آل فرعون يدافع عنه، لتسكين الفتنة وإزالة الشر. واشتمل دفاعه على أمور ثلاثة كبري هي: الأول-استنكار قتل موسى المؤمن بربه، المستضعف مع قومه في مواجهة قوم فرعون. الثاني-تحذيرهم بأس الله في الدنيا والآخرة في المكذبين للرسل وهم جماعات الأحزاب كقوم نوح وعاد وثمود. الثالث-تذكيرهم بما فعل آباؤهم الأولون مع يوسف ﵇ من تكذيب رسالته ورسالة من بعده.

стр. 7138

التفسير والبيان: ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ: رَبِّيَ اللهُ، وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي قال رجل من أقارب فرعون ورجال دولته: كيف تقتلون رجلا لا ذنب له إلا أن قال: الله ربي، والحال أنه قد جاءكم بالمعجزات الواضحات والأدلة الدالة على نبوته وصحة رسالته وصدقه؟ فهذا لا يستدعي القتل، فتوقف فرعون عن قتله، بسبب صدقه في الدفاع. قال ابن عباس ﵄-فيما رواه ابن أبي حاتم-: «لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل، وامرأة فرعون، والذي قال: ﴿يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص ٢٠/ ٢٨]. والحق أنه كان لهذه الكلمة: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ: رَبِّيَ اللهُ﴾ تأثير عظيم في نفس فرعون، وقد كررها أبو بكر في محاولة عقبة بن أبي معيط خنق رسول الله ص، أخرج البخاري في صحيحة عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله ص، قال: بينا رسول الله ص يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله ص، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر ﵁، فأخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي ص، ثم قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ: رَبِّيَ اللهُ، وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟. وأخرج البزار وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «أيها الناس، أخبروني من أشجع الناس؟ قال: أنت، قال: أما إني ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني عن أشجع الناس، قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر، رأيت رسول الله ص، وأخذته قريش، فهذا

стр. 7139

يجؤه، وهذا يتلتله، وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا!! قال: فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر، يضرب هذا، ويجأ هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول: ربي الله؟ ثم رفع-أي علي-بردة كانت عليه، فبكى حتى اخضلّت لحيته، ثم قال: أنشدكم، أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت القوم، فقال: ألا تجيبون؟ فو الله لساعة من أبي بكر خير من مثل مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه، فأثنى الله عليه في كتابه، وهذا رجل أعلن إيمانه، وبذل ماله ودمه». ثم أورد مؤمن آل فرعون ست حجج أخرى مفصلة لتأييد رأيه، فقال تعالى: ١ - ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أي إن كان هذا الرجل كاذبا في دعوته، كان وبال كذبه وإثمه عليه يجازيه الله في الدنيا والآخرة، فاتركوه، وإن كان صادقا في دعواه يصبكم بعض الذي يعدكم به إن خالفتموه من العقوبة الدنيوية والأخروية، فاتركوه وقومه يدعوهم ويتبعونه. وإنما قال: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ فلأنه ص كان يتوعدهم بعذاب الدنيا وبعذاب الآخرة، فإذا أصابهم عذاب الدنيا، فقد أصابهم بعض الذي يعدهم به. والمراد أنه إذا لم يصبكم كل العذاب المتوعد به، فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، وفي بعض ذلك هلاككم. ٢ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ أي لو كان موسى مسرفا في قوله، متجاوزا حده، كذابا في دعواه النبوة، لما هداه الله إلى البينات، ولا أيده بالمعجزات، ولو كان كاذبا على الله، خذله الله وأهلكه، فلا حاجة لكم إلى قتله.

стр. 7140

٣ - ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جاءَنا﴾؟ أي يا قومي، قد أنعم الله عليكم بهذا الملك الواسع، وأنتم الغالبون العالون على بني إسرائيل في أرض مصر، فلكم الكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر الله وتصديق رسوله ص، واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله ص، فمن الذي يمنعنا من عذاب الله إن حل بنا؟ ولا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر، ولا ترد عنا شيئا من بأس الله إن أرادنا بسوء. وإنما قال: ﴿يَنْصُرُنا﴾ و ﴿جاءَنا﴾ لأنه كان يظهر من نفسه أنه منهم، وأن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه، وأنه حريص على دفع الشر عنهم، ليتأثروا بنصحه. فرد فرعون بنصيحة فيها مراوغة، مظهرا أنه أخلص نصحا لقومه من هذا الرجل، فقال تعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ: ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى، وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أي قال فرعون مجيبا الرجل المؤمن: ما أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي، وما أدلكم وأدعوكم إلا إلى طريق الصواب الذي يؤدي إلى الفوز والنجاة والغلبة وهو قتل موسى. وقد كذب فرعون وافترى في قوله: ﴿ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى﴾ فإنه كان يتحقق صدق موسى ﵇ فيما جاء به من الرسالة، وكذب أيضا في قوله: ﴿وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أي وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد، ولكن قومه مع ذلك قد أطاعوه واتبعوه بسبب سلطانه ونفوذه، قال تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ، وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود ٩٧/ ١١] وقال سبحانه: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى﴾ [طه ٩٧/ ٢٠] جاء في الحديث الثابت الذي رواه الشيخان عن معقل بن يسار: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت، وهو غاشّ لرعيته إلا حرم الله عليه رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمس مائة عام».

стр. 7141

٤ - ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ: يا قَوْمِ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي لقد حذر هذا الرجل المؤمن الصالح قومه بأس الله تعالى في الدنيا والآخرة، فبدأ بتخويف العذاب الدنيوي، فقال: يا قومي، إني أخشى عليكم إن كذبتم موسى أن يصيبكم مثلما أصاب الأقوام الذين تحزبوا على أنبيائهم وكذبوا رسلهم من الأمم الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم كقوم لوط، فقد حل بهم بأس الله، ولم يجدوا لهم ناصرا ينصرهم، ولا عاصما يحميهم. فقوله ﴿مِثْلَ دَأْبِ.﴾. أي مثل حالهم في العذاب، أو مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب. ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ أي لا يريد الله إلحاق ظلم بعباده، فلم يهلكهم بغير جرم، إنما أهلكهم بذنوبهم وتكذيبهم رسله، ومخالفتهم أمره. ثم خوفهم العذاب الأخروي، فقال: ٥ - ﴿وَيا قَوْمِ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ، ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ أي ويا قومي، إني أخشى عليكم عذاب يوم القيامة، حين ينادي بعضكم بعضا مستغيثا به من الأهوال، أو حين ينادي أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار، كما قال تعالى: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، قالُوا:﴾ ﴿نَعَمْ﴾ [الأعراف ٤٤/ ٧] وقال سبحانه: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ [الأعراف ٤٨/ ٧]. وقال : ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ [الأعراف ٥٠/ ٧]. وحين تفرّون هاربين من النار، أو منصرفين عن الموقف إلى النار، لا تجدون واقيا ولا مانعا ولا عاصما يعصمكم من عذاب الله ويمنعكم منه، وهذا تأكيد للتهديد.

стр. 7142

﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ أي من أضله الله، فلم يوفقه ولم يلهمه رشده، فلا هادي له غيره يهديه إلى الصواب والنجاة. ٦ - ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ، فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ، حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ: لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً﴾ أي أذكركم بأن تكذيب الرسل موروث لديكم من الآباء والأجداد، فلقد بعث الله لكم أي لآبائكم يا أهل مصر رسولا من قبل موسى ﵇ هو يوسف بن يعقوب، وجاءكم بالمعجزات الباهرات الدالة على صدقه، والآيات الواضحات المبينة لدين الله وشرائعه، فكذبتموه وكذبتم من جاء بعده من الرسل، وما زلتم في شك من البينات ولم تؤمنوا به، حتى إذا مات أنكرتم بعثة رسول من بعده، فكفرتم به في حياته، وكفرتم بمن بعده من الرسل بعد موته، مما يدل على توارث التكذيب، واستمرار العناد في مواجهة الرسل، والكفر برسالاتهم. ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ أي مثل هذا الضلال وسوء الحال، يكون حال من يضله الله لإسرافه في المعاصي والاستكثار منها، وارتياب قلبه في دين الله، وشكه في وحدانية الله ووعده ووعيده. وصفة هؤلاء المسرفين المرتابين ما حكاه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي إن أولئك المسرفين المرتابين هم الذين يجادلون في آيات الله ليبطلوها، بغير حجة واضحة ولا دليل بيّن، ويحاربون الحق بالباطل، كبر ذلك الجدل بغضا عند الله والمؤمنين، لأنه جدال بالباطل لا أساس له، أما مقت الله فهو تعذيبه العصاة، وأما مقت المؤمنين فهو هجر الكفار وترك التعامل معهم.

стр. 7143

﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ أي كما طبع الله على قلوب هؤلاء المجادلين المسرفين، فكذلك يطبع ويختم على جميع قلوب المتكبرين الجبارين، الذين يتكبرون على اتباع الحق، ويتجبرون على الضعفاء بالإذلال والتسخير، والإهانة والقتل بغير حق. قال الشعبي وغيره: لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين. وقال قتادة: آية الجبابرة القتل بغير حق. وقال مقاتل: ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ عن قبول التوحيد ﴿جَبّارٍ﴾ في غير حق. فهو في الأول يعادي الله، وفي الثاني يقسو على خلق الله. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - لقد كان دفاع هذا الرجل المؤمن الصالح من آل فرعون في مجلس فرعون وسلطانه في غاية القوة والجرأة والعقل والمنطق. ٢ - لا مسوغ لإنسان مهما كان أن يعتدي على الحرية الدينية ويصادرها، فكيف يصح أن يقتل رجل لا جرم له إلا أنه يقول: ربي الله؟ ٣ - لا عذر للناس في تكذيب الرسل والكفر بهم بعد أن يأتوهم بالمعجزات الباهرات والأدلة الواضحات على صدقهم. ٤ - عجبا من مكذبي الرسل فإن منطقهم أعوج وتفكيرهم أخرق، فإن الرسول إذا كان كاذبا فعليه وزر كذبه ولا يتضرر به من لا يتبعه، وإن كان صادقا نفعهم صدقه، وسلموا من الآفات وألوان العذاب الذي يهدد به. وقد استخدم المؤمن هذا الأسلوب: ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ.﴾. لا لشك منه في صحة رسالة موسى وصدقه، ولكن تلطفا في الدفاع، وبعدا عن الأذى، وإظهار للتجرد والموضوعية.

стр. 7144

٥ - إن الله تعالى لا يهدي أبدا إلى الحق أهل الإسراف في المعاصي والكذب، وإنه تعالى هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة، ومن هداه الله إلى ذلك لا يكون مسرفا كذابا، وهذا يدل على أن موسى ﵇ ليس من الكاذبين. ٦ - إن من المستغرب حقا أن يخشى أصحاب السلطان والقهر المعتمدين على الجند أو الجيش أو العسكر المدجج بأنواع الأسلحة الفتاكة، من الأنبياء والرسل والقادة المصلحين الذين ليس لهم إلا البيان القوي، والحجة الهادفة، والكلمة المؤثرة. وما ذاك إلا لأن الحق فوق القوة وأثبت منها وأنفذ، لذا تهتز العروش بصوت الحق، ولا يتأثر أصحابها ببأس الأقوياء، وقوة الشجعان. فهذا فرعون الطاغية ملك مصر يحذر رجلا عاديا هو موسى ﵇ لا سند له من قوة مادية أو سلاح أو عسكر. ٧ - كذلك لقد خوف هذا الرجل المؤمن قومه بهلاك معجل في الدنيا، ثم خوفهم أيضا بهلاك الآخرة بقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ فاهتز قلب فرعون. ٨ - زاد هذا المؤمن في الوعظ والتخويف، وأفصح عن إيمانه، إما مستسلما موطنا نفسه على القتل، أو واثقا بأنهم لا يقصدونه بسوء، وقد وقاه الله شرهم، بقوله الحق: ﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ [غافر ٤٥/ ٤٠] وصرح بالخوف من عذاب يوم القيامة-يوم التناد، حيث ينادي الناس بعضهم بعضا للاستغاثة، وينادي أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار. ٩ - وذكّرهم أيضا بالماضي السحيق، حيث جاء أسلافهم نبي الله يوسف بن يعقوب ﵉، وذكّرهم قديم عتوهم على الأنبياء، فجاءهم يوسف بالشواهد القاطعة الدالة على صدقه، فكفروا به وكذبوه في حياته، وكفروا بالأنبياء من بعده، فأضلهم الله بعدئذ عن الحق والصواب.

стр. 7145

١٠ - ثم ختم المؤمن كلامه بالتحذير من بقاء قومه بالشك والإسراف، بسبب الجدال في حجج الله الظاهرة بغير حجة وبرهان، إما بناء على التقليد المجرد، وإما بناء على شبهات واهية، وهؤلاء المجادلون يغضب الله عليهم ويعذبهم في جهنم، ويبغضهم المؤمنون أشد البغض، وتصبح قلوبهم مغلقة لا ينفذ إليها الخير. ١١ - ما أروع تلك الكلمات التي كان مؤمن آل فرعون يختم بها حججه وبراهينه!! فهي كما حكاها تعالى مع إقرارها دستور الحق، وسنة الله، وسبيل إقامة العدل، وأساس الحساب في الدار الآخرة، وتلك هي: أ- ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ إشارة إلى علو شأن موسى ﵇ على طريق الرمز والتعريض، أو إلى أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى، كذاب في إقدامه على ادعاء الألوهية، والله لا يهدي من هذا شأنه وصفته، بل يدمره ويهدم بنيانه. ب- ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ يعني أن تدمير الأحزاب الذين تحزنوا على الرسل، فكذبوهم وكفروا بهم، كان عدلا، لأنهم استوجبوه بسبب تكذيبهم للأنبياء. ج - ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ تنبيه على قوة ضلالتهم وشدة جهالتهم بعد أن أكد التهديد بقوله: ﴿ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾. د- ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ أي مثل ذلك الضلال في الآباء والأجداد يضل الله من هو مشرك، شاكّ في وحدانية الله تعالى، مثل قوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم ٢٧/ ١٤] وقول سبحانه: ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ [البقرة ٢٦/ ٢].
следующие страницы →