← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.

стр. 7141

٤ - ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ: يا قَوْمِ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي لقد حذر هذا الرجل المؤمن الصالح قومه بأس الله تعالى في الدنيا والآخرة، فبدأ بتخويف العذاب الدنيوي، فقال: يا قومي، إني أخشى عليكم إن كذبتم موسى أن يصيبكم مثلما أصاب الأقوام الذين تحزبوا على أنبيائهم وكذبوا رسلهم من الأمم الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم كقوم لوط، فقد حل بهم بأس الله، ولم يجدوا لهم ناصرا ينصرهم، ولا عاصما يحميهم. فقوله ﴿مِثْلَ دَأْبِ.﴾. أي مثل حالهم في العذاب، أو مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب. ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ أي لا يريد الله إلحاق ظلم بعباده، فلم يهلكهم بغير جرم، إنما أهلكهم بذنوبهم وتكذيبهم رسله، ومخالفتهم أمره. ثم خوفهم العذاب الأخروي، فقال: ٥ - ﴿وَيا قَوْمِ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ، ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ أي ويا قومي، إني أخشى عليكم عذاب يوم القيامة، حين ينادي بعضكم بعضا مستغيثا به من الأهوال، أو حين ينادي أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار، كما قال تعالى: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، قالُوا:﴾ ﴿نَعَمْ﴾ [الأعراف ٤٤/ ٧] وقال سبحانه: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ [الأعراف ٤٨/ ٧]. وقال : ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ [الأعراف ٥٠/ ٧]. وحين تفرّون هاربين من النار، أو منصرفين عن الموقف إلى النار، لا تجدون واقيا ولا مانعا ولا عاصما يعصمكم من عذاب الله ويمنعكم منه، وهذا تأكيد للتهديد.

стр. 7142

﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ أي من أضله الله، فلم يوفقه ولم يلهمه رشده، فلا هادي له غيره يهديه إلى الصواب والنجاة. ٦ - ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ، فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ، حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ: لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً﴾ أي أذكركم بأن تكذيب الرسل موروث لديكم من الآباء والأجداد، فلقد بعث الله لكم أي لآبائكم يا أهل مصر رسولا من قبل موسى ﵇ هو يوسف بن يعقوب، وجاءكم بالمعجزات الباهرات الدالة على صدقه، والآيات الواضحات المبينة لدين الله وشرائعه، فكذبتموه وكذبتم من جاء بعده من الرسل، وما زلتم في شك من البينات ولم تؤمنوا به، حتى إذا مات أنكرتم بعثة رسول من بعده، فكفرتم به في حياته، وكفرتم بمن بعده من الرسل بعد موته، مما يدل على توارث التكذيب، واستمرار العناد في مواجهة الرسل، والكفر برسالاتهم. ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ أي مثل هذا الضلال وسوء الحال، يكون حال من يضله الله لإسرافه في المعاصي والاستكثار منها، وارتياب قلبه في دين الله، وشكه في وحدانية الله ووعده ووعيده. وصفة هؤلاء المسرفين المرتابين ما حكاه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي إن أولئك المسرفين المرتابين هم الذين يجادلون في آيات الله ليبطلوها، بغير حجة واضحة ولا دليل بيّن، ويحاربون الحق بالباطل، كبر ذلك الجدل بغضا عند الله والمؤمنين، لأنه جدال بالباطل لا أساس له، أما مقت الله فهو تعذيبه العصاة، وأما مقت المؤمنين فهو هجر الكفار وترك التعامل معهم.

стр. 7143

﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ أي كما طبع الله على قلوب هؤلاء المجادلين المسرفين، فكذلك يطبع ويختم على جميع قلوب المتكبرين الجبارين، الذين يتكبرون على اتباع الحق، ويتجبرون على الضعفاء بالإذلال والتسخير، والإهانة والقتل بغير حق. قال الشعبي وغيره: لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين. وقال قتادة: آية الجبابرة القتل بغير حق. وقال مقاتل: ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ عن قبول التوحيد ﴿جَبّارٍ﴾ في غير حق. فهو في الأول يعادي الله، وفي الثاني يقسو على خلق الله. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - لقد كان دفاع هذا الرجل المؤمن الصالح من آل فرعون في مجلس فرعون وسلطانه في غاية القوة والجرأة والعقل والمنطق. ٢ - لا مسوغ لإنسان مهما كان أن يعتدي على الحرية الدينية ويصادرها، فكيف يصح أن يقتل رجل لا جرم له إلا أنه يقول: ربي الله؟ ٣ - لا عذر للناس في تكذيب الرسل والكفر بهم بعد أن يأتوهم بالمعجزات الباهرات والأدلة الواضحات على صدقهم. ٤ - عجبا من مكذبي الرسل فإن منطقهم أعوج وتفكيرهم أخرق، فإن الرسول إذا كان كاذبا فعليه وزر كذبه ولا يتضرر به من لا يتبعه، وإن كان صادقا نفعهم صدقه، وسلموا من الآفات وألوان العذاب الذي يهدد به. وقد استخدم المؤمن هذا الأسلوب: ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ.﴾. لا لشك منه في صحة رسالة موسى وصدقه، ولكن تلطفا في الدفاع، وبعدا عن الأذى، وإظهار للتجرد والموضوعية.

стр. 7144

٥ - إن الله تعالى لا يهدي أبدا إلى الحق أهل الإسراف في المعاصي والكذب، وإنه تعالى هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة، ومن هداه الله إلى ذلك لا يكون مسرفا كذابا، وهذا يدل على أن موسى ﵇ ليس من الكاذبين. ٦ - إن من المستغرب حقا أن يخشى أصحاب السلطان والقهر المعتمدين على الجند أو الجيش أو العسكر المدجج بأنواع الأسلحة الفتاكة، من الأنبياء والرسل والقادة المصلحين الذين ليس لهم إلا البيان القوي، والحجة الهادفة، والكلمة المؤثرة. وما ذاك إلا لأن الحق فوق القوة وأثبت منها وأنفذ، لذا تهتز العروش بصوت الحق، ولا يتأثر أصحابها ببأس الأقوياء، وقوة الشجعان. فهذا فرعون الطاغية ملك مصر يحذر رجلا عاديا هو موسى ﵇ لا سند له من قوة مادية أو سلاح أو عسكر. ٧ - كذلك لقد خوف هذا الرجل المؤمن قومه بهلاك معجل في الدنيا، ثم خوفهم أيضا بهلاك الآخرة بقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ فاهتز قلب فرعون. ٨ - زاد هذا المؤمن في الوعظ والتخويف، وأفصح عن إيمانه، إما مستسلما موطنا نفسه على القتل، أو واثقا بأنهم لا يقصدونه بسوء، وقد وقاه الله شرهم، بقوله الحق: ﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ [غافر ٤٥/ ٤٠] وصرح بالخوف من عذاب يوم القيامة-يوم التناد، حيث ينادي الناس بعضهم بعضا للاستغاثة، وينادي أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار. ٩ - وذكّرهم أيضا بالماضي السحيق، حيث جاء أسلافهم نبي الله يوسف بن يعقوب ﵉، وذكّرهم قديم عتوهم على الأنبياء، فجاءهم يوسف بالشواهد القاطعة الدالة على صدقه، فكفروا به وكذبوه في حياته، وكفروا بالأنبياء من بعده، فأضلهم الله بعدئذ عن الحق والصواب.

стр. 7145

١٠ - ثم ختم المؤمن كلامه بالتحذير من بقاء قومه بالشك والإسراف، بسبب الجدال في حجج الله الظاهرة بغير حجة وبرهان، إما بناء على التقليد المجرد، وإما بناء على شبهات واهية، وهؤلاء المجادلون يغضب الله عليهم ويعذبهم في جهنم، ويبغضهم المؤمنون أشد البغض، وتصبح قلوبهم مغلقة لا ينفذ إليها الخير. ١١ - ما أروع تلك الكلمات التي كان مؤمن آل فرعون يختم بها حججه وبراهينه!! فهي كما حكاها تعالى مع إقرارها دستور الحق، وسنة الله، وسبيل إقامة العدل، وأساس الحساب في الدار الآخرة، وتلك هي: أ- ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ إشارة إلى علو شأن موسى ﵇ على طريق الرمز والتعريض، أو إلى أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى، كذاب في إقدامه على ادعاء الألوهية، والله لا يهدي من هذا شأنه وصفته، بل يدمره ويهدم بنيانه. ب- ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ يعني أن تدمير الأحزاب الذين تحزنوا على الرسل، فكذبوهم وكفروا بهم، كان عدلا، لأنهم استوجبوه بسبب تكذيبهم للأنبياء. ج - ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ تنبيه على قوة ضلالتهم وشدة جهالتهم بعد أن أكد التهديد بقوله: ﴿ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾. د- ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ أي مثل ذلك الضلال في الآباء والأجداد يضل الله من هو مشرك، شاكّ في وحدانية الله تعالى، مثل قوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم ٢٧/ ١٤] وقول سبحانه: ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ [البقرة ٢٦/ ٢].

стр. 7146

هـ - ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ أي كما طبع الله على قلوب هؤلاء المجادلين في آيات الله بالباطل من غير حجة ولا برهان، كذلك يختم الله على جميع قلوب المتكبرين الجبابرة، حتى لا تعقل الرشاد ولا تقبل الحق. - ٣ - بحث فرعون عن إله موسى استهزاء به وإنكارا لرسالته ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ اِبْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ (٣٧)﴾ الإعراب: ﴿أَسْبابَ السَّماواتِ﴾ بدل من ﴿الْأَسْبابَ﴾ الأولى. ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ بالنصب جواب ﴿لَعَلِّي﴾ بالفاء، بتقدير «أن»، ويقرأ بالرفع عطفا على لفظ ﴿أَبْلُغُ﴾. المفردات اللغوية: ﴿فِرْعَوْنُ﴾ ملك القبط في مصر. ﴿يا هامانُ﴾ وزير فرعون. ﴿صَرْحاً﴾ بناء ضخما عاليا كالأبراج العالية اليوم. ﴿الْأَسْبابَ﴾ الطرق الموصلة إلى المطلوب، جمع سبب: وهو ما يتوصل به إلى شيء كحبل وسلّم وطريق، والمراد هنا: الأبواب. ﴿فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى﴾ أنظر إليه، متأثرا بدين المشبهة الذين يعتقدون أن الله في السماء لا أنه سمع ذلك من موسى ﵇، قال البيضاوي: ولعله أراد أن يبني له مرصدا في موضع عال يرصد منه أحوال الكواكب التي هي أسباب سماوية تدل على الحوادث الأرضية، فيرى هل فيها ما يدل على إرسال الله إيّاه، أي موسى. ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً﴾ لأظن موسى كاذبا في دعوى الرسالة أو في ادّعاء إله غيري، قال

стр. 7147

فرعون ذلك تمويها. ﴿وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ أي ومثل ذلك التزيين، زين له الشرك والتكذيب. ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ صدّ عن سبيل الرشاد وطريق الهدى. ﴿تَبابٍ﴾ خسار وهلاك، ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ [اللهب ١/ ١١١] وقوله سبحانه: ﴿وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود ١٠١/ ١١]. المناسبة: بعد وصف فرعون بأنه متكبر جبار، أخبر الله تعالى عن عتوه وتمرده وافترائه في تكذيب موسى ﵇، حتى بلغ به الأمر أن أمر وزيره ببناء قصر عال منيف شاهق من الآجر، ليصعد به إلى السماء، للاطلاع على إله موسى، قاصدا بذلك التحدي والتمويه، والاستهزاء بموسى وإنكار رسالته. التفسير والبيان: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً، لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ، أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً﴾ أي قال فرعون الملك لوزيره هامان بعد سماع دفاع الرجل المؤمن عن موسى: يا هامان، ابن لي قصرا مشيدا منيفا عاليا، لعلي أصل إلى أبواب السماء وطرقها، فإذا وصلت إليها بحثت عن إله موسى. وهو لا يريد بذلك إلا الاستهزاء منه، وإنكار رسالته. ثم أكّد ذلك بقوله: وإني لأظن موسى كاذبا في ادّعائه بأن له إلها غيري، وأنه أرسله إلينا. وقد قصد بذلك التمويه والتلبيس على قومه، من أجل إبقائهم في الكفر، واعتقادهم بأنه هو الإله، والاستخفاف بعقولهم، وإيهامهم بما يريد. وهذا تصريح من فرعون بتكذيب موسى ﵇ في أن الله أرسله إليه، كما قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ، وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ

стр. 7148

فِي تَبابٍ﴾ أي ومثل ذلك التزيين المفرط في الحماقة والبلادة والغباوة، زيّن لفرعون الجبار سوء عمله وقبح صنعه، من الشرك والتكذيب، فتمادى في الغي، واستمر على الطغيان، أي زيّن له الشيطان عمله السيء، فصده عن سبيل الهدى والرشاد، وحجبه عن طريق الحق والعدل والسداد، وما كان كيده واحتياله وعمله الذي يوهم به الناس إلا في خسار وضياع مال، لذهاب نفقته سدى دون التوصل إلى شيء مما أراد. والخلاصة: أن فعل فرعون وأمثاله صنيع المكذبين الضالين، وأن عاقبة كفرهم وضلالهم وتكذيبهم الهلاك والخسران، وأن تدبير فرعون الذي دبّره ليصرف الناس عن الإيمان بموسى ﵇ مبدّد ضائع لا فائدة فيه. فقه الحياة أو الأحكام: تدلّ هذه الآيات على نوع من التمويه والمكر والخداع الذي لجأ إليه فرعون، لإنكار ألوهية الله ووجوده، وتكذيب رسالة موسى ﵇، لما خاف أن يتمكن كلام الرجل المؤمن في قلوب القوم، وقد أدرك قوة حجته، وأصالة فكره، وسلامة منطقه. أوهم الناس أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، فإن نجح تحقق غرصه، وإن خاب ثبّتهم على دينهم، فأمر هامان ببناء الصّرح. ونحن نثق بوجود هذا الوزير في عهد فرعون، وإن لم يعرف هذا الاسم في تاريخ الفراعنة، لأن كلام الله تعالى حجة قطعية. وأغلب المفسرين الظاهريين على أن فرعون قصد فعلا بناء الصرح ليصعد إلى السماء، فيرى إله موسى إن كان موجودا، وإلا أخبر قومه بعدم وجوده، وأنه هو الإله والرّب الأعلى. واستبعد الرازي على فرعون الذكي الحاكم القوي لجوءه إلى

стр. 7149

مثل ذلك، لأن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أنه يتعذر في قدرة البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالي. والراجح أن فرعون كان من الدهرية، وغرضه من هذا الكلام إيراد شبهة تشغل الناس في نفي الإله الخالق الصانع. وكأنه يقول: لو كان إله موسى موجودا لكان له محل، ومحله إما الأرض وإما السماء، وإذا لم نره في الأرض، فهو في السماء، والسماء لا يتوصل إليها إلا بسلّم، فيجب بناء صرح للوصول إليه. وأبطل الرازي هذه الشبهة، لأن طرق العلم بالأشياء ثلاثة: الحس، والخبر، والنظر، ولا يلزم من انتفاء طريق واحد هو الحس، انتفاء المطلوب، وذلك لأن موسى ﵇ كان قد بيّن لفرعون أن الطريق إلى معرفته تعالى إنما هو الحجة والدليل، كما قال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ٢٦/ ٢٦]، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء ٢٨/ ٢٦] إلا أن فرعون لخبثه ومكره تغافل عن ذلك الدليل (١). ولقد توهم فرعون أن الله في السماء، فهذا دين المشبّهة، ولعله كان على دينهم، فهو إنما ذكر هذا الاعتقاد من قبل نفسه، لا لأجل أنه قد سمعه من موسى ﵇. وربما فهم خطأ من قول موسى ﵇: ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أنه ربّ السموات بمعنى كونه فيها، كما يقال: ربّ الدار بمعنى كونه ساكنا فيها. وأما عقيدتنا فهي كما أخبر الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ، وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٨٤/ ٤٣]. ويتلخص أمر فرعون في أن الشيطان زيّن له عمله وهو الشرك والتكذيب، فصده عن سبيل الحق والرشاد، وأصبح كيده واحتياله في دمار وخسران وضلال.

стр. 7150

- ٤ - متابعة الرجل المؤمن نصحه لقومه ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠) وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ (٤٢) لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤) فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦)﴾ الإعراب: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ.﴾. الجملة بدل أو عطف بيان. والدعاء كالهداية في التعدية ب «إلى» واللام. ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ.﴾. فيه محذوف، أي ليس له إجابة دعوة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

стр. 7151

﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ ﴿النّارُ﴾: إما بدل مرفوع من قوله تعالى: ﴿سُوءُ الْعَذابِ﴾ وإما خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو النار، وإما مبتدأ، وخبره: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾: مفعول به لفعل ﴿أَدْخِلُوا﴾ وقرئ بوصل همزة ﴿أَدْخِلُوا﴾ وضمها وضم الخاء، فيكون ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ منادى مضاف، أي ادخلوا يا آل فرعون. البلاغة: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ استعارة تمثيلية، حيث شبه حالهم بحال متاع يعرض للبيع، وجعل النار كالطالب الراغب في الكفار. ﴿غُدُوًّا﴾ و ﴿عَشِيًّا﴾ بينهما طباق. ﴿يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة في علم البديع. ﴿وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ. تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ﴾ فيها توافق أواخر الآيات مع السجع البديع، والبيان الرائع الذي يهز أعماق النفس الإنسانية. المفردات اللغوية: ﴿اِتَّبِعُونِ﴾ بإثبات الياء: اتبعوني. ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أدلكم على طريق الصواب والسداد، و ﴿الرَّشادِ﴾: وهو ضدّ الغي والضلال، وهو السبيل الذي يصل سالكه إلى المقصود الأسمى والنجاة. وفيه تعريض بأن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغي. ﴿مَتاعٌ﴾ تمتع يسير، لسرعة زوالها، يستمتع به زمنا قليلا ثم يزول. ﴿دارُ الْقَرارِ﴾ دار البقاء والدوام والخلود. ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها﴾ عدلا من الله، وفيه دليل على أن الجنايات في الأبدان والأموال تغرم بمثلها. ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ بغير تقدير ولا تقنين ولا موازنة بالعمل، فهو رزق واسع لا حدود له، فضلا من الله ورحمة. وقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ قيد أو شرط في اعتبار العمل، وأن ثوابه أعلى من ذلك. والتعبير في جانب الثواب على العمل الصالح مع الإيمان بالجملة الاسمية. ﴿فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ للدلالة على الثبوت والاستمرار، وتغليب الرحمة، وجعل العمل عمدة.

стр. 7152

﴿وَيا قَوْمِ، ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ.﴾. أي إلى الإيمان بالله الذي يؤدي إلى النجاة، وقد كرر نداءهم إيقاظا لهم من الغفلة، واهتماما بهم، ومبالغة في توبيخهم على ما يقابلون به نصحه من إدبار وإعراض. ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ﴾ إلى الكفر وعبادة الأوثان الموجبة لدخول النار. ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أشرك بما لا وجود له، ولم يقم على ربوبيته دليل ولا برهان. وفيه إيماء بأن الألوهية لا بدّ لها من برهان واعتقاد بيقين. ﴿لا جَرَمَ﴾ أي حق، وفاعله: ﴿أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ.﴾. لأعبده ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ ليس له إجابة دعوة لمن يدعو إليه، والمعنى: حقّ عدم استحقاق آلهتكم العبادة، لأنها جمادات، ولأنّها ليس لها دعوة مستجابة. ﴿مَرَدَّنا إِلَى اللهِ﴾ مرجعنا بالموت إلى لقاء الله. ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ﴾ المتجاوزين الحدّ، الذين يغلب شرهم على خيرهم، الواقعين في الضلالة والطغيان، كالإشراك والكفر وسفك الدماء. ﴿هُمْ أَصْحابُ النّارِ﴾ ملازموها. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ تتذكرون عند معاينة العذاب. ﴿ما أَقُولُ لَكُمْ﴾ من النصيحة. ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ﴾ ليعصمني من كل سوء. ﴿إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ فيحرسهم. وكان هذا جواب توعدهم المفهوم من قوله تعالى: ﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ حماه الله وحفظه من شدائد مكرهم الذي مكروا به من القتل. ﴿وَحاقَ﴾ نزل. ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ بفرعون وقومه. ﴿سُوءُ الْعَذابِ﴾ بالغرق في الدنيا والموت، والنار في الآخرة. ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ مثل يصلونها، أي يحرقون بها، فإن عرضهم على النار: إحراقهم بها، مأخوذ من قولهم: عرض الحاكم الأسارى على السيف: إذا قتلهم به. ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ صباحا ومساء، وذكر هذين الوقتين يفيد التأبيد والدوام ما دامت الدنيا، فإذا قامت القيامة قيل لهم: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ عذاب جهنم، فإنه أشدّ مما كانوا فيه، أو أشدّ عذاب جهنم. والمعنى: أن أرواح الكفار وهم في القبور تعرض على النار صباح مساء، أي تحرق بها، مما يدلّ على بقاء النفس، وثبوت عذاب القبر، كما روى ابن مسعود ﵁: «أن أرواحهم في أجواف طير سود، تعرض على النار، بكرة وعشيا إلى يوم القيامة» وقد يراد بهذين الوقتين التخصيص، فيعذبون بالنار فيهما، وفيما بين ذلك الله أعلم بحالهم: فإما أن يعذبوا بجنس آخر من العذاب، أو ينفّس عنهم. المناسبة: هذا بقية كلام مؤمن آل فرعون، فإنه أعاد عليهم النصح مرة أخرى حينما رآهم يتمادون في كفرهم وبغيهم، ونادى قومه ثلاث مرات، في المرة الأولى دعاهم

стр. 7153

في الآيات السابقة إلى قبول الدين الذي دعا إليه موسى، على سبيل الإجمال، وفي المرتين الأخريين على سبيل التفصيل. فدعاهم إلى الإيمان بالله سبحانه طريق الرشاد، ثم حذّرهم من الاغترار بالدنيا، وحثّهم على العمل للآخرة لدوامها، وقارن بين دعوته لهم إلى الإيمان بالله تعالى طريق النجاة، وبين دعوتهم له إلى عبادة الأصنام طريق النار. ثم أخبر سبحانه عن وقايته وعصمته من السوء الذي دبّروه له، وإغراق آل فرعون، وإدخالهم في جهنم يوم القيامة. التفسير والبيان: ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ: يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ قال مؤمن آل فرعون يعظ قومه: يا قوم، اتبعوني فيما أقول لكم وأدعوكم إليه، أدلكم على طريق الرشاد والخير والسداد، وهو اتباع دين الله الذي جاء به موسى. وفيه تعريض بأن سبيل فرعون وآله سبيل الغي والضلال والفساد. ثم حذرهم من الافتتان بنعيم الدنيا والاغترار بزخارفها، فقال: ﴿يا قَوْمِ، إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ﴾ أي يا قوم، ما هذه الحياة الدنيوية إلا مجرد متاع يستمتع به قليلا ثم يزول وينتهي بالموت، وإن الآخرة هي دار الاستقرار والبقاء والخلود، فهي دائمة باقية لا زوال عنها، ولا انتقال منها، والناس إما في النعيم وإما في الجحيم، ولا ثالث غيرهما، فالسعيد من سعى إلى النعيم، والشقي من سعى إلى الجحيم، لأن النعيم فيها دائم، والعذاب فيها دائم. وهذا نعى للدنيا الزائلة الفانية عما قريب، وبشارة بالآخرة الدائمة الباقية.

стр. 7154

ثم أبان تعالى طريق تقسيم العباد وكيفية المجازاة في الآخرة، مشيرا إلى أن جانب الرحمة غالب على جانب العقاب، فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها، وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، أي من ارتكب معصية من المعاصي، فلا يجزى في الآخرة إلا مثلها، عدلا من الله، ومن عمل العمل الصالح وهو اتباع أمر الله واجتناب نهي الله، وكان مصدقا بالله وبرسله، فهؤلاء هم لا غيرهم أهل الجنة التي يتمتعون بنعيمها ورزقها أضعافا مضاعفة، بغير تقدير ولا تساو مع العمل، فضلا من الله ونعمة ورحمة. وهذا دليل على أن جزاء السيئة مقصور على المثل، وجزاء الحسنة خارج عن الحساب، غير مقصور على المثل. والآية أيضا أصل كبير في أحكام الشريعة فيما يتعلق بأحكام الجنايات، فإن مقتضى الآية أن يكون المثل مشروعا، وأن الزائد عن المثل غير مشروع، أي إن الواجب في الجنايات على الأنفس والأموال هو إما المثل في المثليات كالحبوب، وإما القيمة في القيميات كالأمتعة والأثاث واللآلئ والجواهر. ثم أكّد وكرر الرجل المؤمن دعوته إلى الله، وصرّح بإيمانه بالله وحده لا شريك له، فقال: ﴿وَيا قَوْمِ، ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ، وَتَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ﴾ أي ما لكم يا قوم؟ أخبروني عنكم، ما بالي أدعوكم إلى النجاة من النار ودخول الجنة، بالإيمان بالله تعالى، وعبادة الله وحده لا شريك له، وتصديق رسوله المبعوث إليكم من عند ربكم، وتدعونني إلى عمل أهل النار، بما تريدون مني من الشرك وعبادة الأصنام؟ ثم فسّر الدعوتين قائلا:

стр. 7155

﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ﴾ أي تدعونني لأمر خطير جدا هو الكفر بالله، والإشراك به في عبادته جهلا ولم يقم أي دليل على ألوهيته، ولا علم لي من وجه صحيح بكونه شريكا لله، وأنا أدعوكم إلى الإيمان بمن اتصف بصفات الألوهية الحقة، من العزة والقدرة والغلبة والعلم والإرادة والتمكن من المغفرة والتعذيب، فآمنوا به يغفر لكم ويعزّكم، فهو القوي الغالب في انتقامه ممن كفر، الغفار في عزته وكبريائه لذنب من آمن به وتاب إليه. ثم أكّد تفنيد دعوتهم وفساد منهجهم، فقال: ﴿لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ﴾ أي قد حقّ وثبت وصحّ عقلا وواقعا أن الذي تدعونني إليه من عبادة الأصنام والأنداد ليس له أي دعوة مستجابة، فلا يجيب داعيه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، لأنه جماد لا يسمع ولا يبصر، ولا ينفع ولا يضرّ، كما في آية أخرى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ. وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً، وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥/ ٤٦ - ٦]، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ، وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [غافر ١٤/ ٤٠]. ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ، وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النّارِ﴾ أي والواقع الحتمي أن مرجعنا ومصيرنا إلى الله بالموت ثم بالبعث في الدار الآخرة، فيجازي كل إنسان بعمله، وأن المسرفين في المعاصي، المستكثرين منها، المتعدّين حدود الله، المنغمسين في الشرك والوثنية والكفر، هم أهل النار الذين يصيرون إليها، الخالدين فيها بإسرافهم وهو شركهم بالله . ثم ختم كلامه بخاتمة لطيفة مؤثّرة فيها تذكير بالمستقبل وبعد نظر، فقال:

стр. 7156

﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ، وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ، إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ أي سوف تعلمون صدق قولي لكم من أمر ونهي ونصح وإيضاح وتذكير في وقت لا ينفع فيه الندم، حين ينزل بكم العذاب الشديد في الآخرة، وأتوكل على الله وأستعين به ليعصمني من كلّ سوء في مقاطعتي لكم ومباعدتكم، فإن الله بصير بعباده، خبير بهم، فيهدي من يستحق الهداية، ويضلّ من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، والقدرة النافذة. قال مقاتل: هرب هذا المؤمن إلى الجبل، فلم يقدروا عليه. ثم أخبر الله تعالى عن مصير هذا الرجل المؤمن الجريء الناصح الفصيح، فقال: ﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا، وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ﴾ أي حفظه الله وحماه في الدنيا من سوء وشرّ ما أرادوا به من قتل، ونجّاه من بأس فرعون، كما نجّى موسى ﵇، كما نجّاه في الآخرة من النار، وأنعم عليه بالجنة، ونزل بفرعون وقومه سوء العذاب في الدنيا بالغرق جميعا في البحر، وسيعذبون في الآخرة بالنار. ثم أوضح الله تعالى ذلك العذاب السيء، فقال: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا، وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ أي إن أرواح فرعون وقومه بعد موتهم في عالم البرزخ، وقبل مجيء القيامة تعرض على النار وتحرق فيها صباحا ومساء إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار، ويقال للملائكة: أدخلوا آل فرعون في جهنم، حيث يكون العذاب فيها أشد ألما وأعظم نكالا أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله ص: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة

стр. 7157

فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك، حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة». وروى ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ص قال: «إن أرواح آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار تعرض على النار، بالغداة والعشي، فيقال: هذه داركم». وفي حديث آخر عنه تقدّم: «إن أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين، فذلك عرضها». وهذه الآية والأحاديث أصل أساسي في إثبات عذاب البرزخ في القبر، وأن عذاب القبر حقّ واقع لا شكّ فيه. روى البخاري عن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ص عن عذاب القبر، فقال: «نعم عذاب القبر حقّ» ولكن ليس في الآية دلالة على أن الأجساد في القبور تتألم مع الروح، وتتعذب معها، وإنما دلّت السنّة على ذلك، كالحديث المتقدّم: «نعم عذاب القبر حقّ» وكذلك اقتصرت دلالة الآية على عذاب الكفار في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن في قبره بذنب، ولكن يفهم ذلك من الأحاديث النّبوية المتقدّمة، لكن العذاب متفاوت بدليل ما رواه ابن أبي حاتم والبزار في مسنده عن ابن مسعود ﵁ عن النّبي ص قال: «ما أحسن محسن من مسلم أو كافر إلا أثابه الله تعالى، قلنا: يا رسول الله، ما إثابة الله الكافر؟ فقال: إن كان قد وصل رحما أو تصدّق بصدقة أو عمل حسنة، أثابه الله ﵎ المال والولد والصحة وأشباه ذلك، قلنا: فما إثابته في الآخرة؟ قال ص: عذابا دون العذاب» وقرأ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾.

стр. 7158

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - كان مؤمن آل فرعون في نصحه لقومه من أشدّ الناس إخلاصا لهم وحبّا وحرصا على إنقاذهم من ورطة الكفر، والدخول في ساحة الإيمان بالله وحده لا شريك له. ٢ - لقد كرّر النّصح وأكّده، ونوّع الخطاب والترغيب والترهيب، مبتدئا بالدعوة إلى الإيمان بالله، وسلوك طريق الهدى وهو الجنة، ونادى قومه بلطف هنا للمرة الثانية. ٣ - ثم حذّر من الاغترار بزخارف الدنيا ولذائذها وشهواتها، وزهّدهم فيها بعد أن آثروها على الأخرى، ولا يسع العاقل البصير إلا عدم التعلق الشديد بالدنيا الفانية، وإيثار الآخرة دار الاستقرار والخلود. ٤ - وأبان لقومه كيفية المجازاة في الآخرة، فمن اقترف معصية-وأكبرها الشرك-فلا يجزى إلا مثلها من العذاب عدلا من الله، ومن عمل بما أمر الله به واجتنب ما نهى عنه، وهو مصدق بقلبه بالله وبالأنبياء، فهو من أهل الجنة، فضلا ورحمة من الله، ورزق الجنة دائم واسع لا تقدير فيه. ٥ - ثم نادى قومه للمرة الثالثة مؤكّدا دعوتهم إلى الإيمان الذي يوجب النجاة، وترك الكفر الذي يوجب النار، علما بأنه لا دليل ولا برهان يقبل على صحة الدعوة إلى الشرك، وإنما الدليل القاطع والبرهان الساطع متوافر في صحة الدعوة إلى الإيمان بالله المتصف بصفات الألوهية الحقّة من الخلق والقدرة والإرادة والعلم والعزّة والمغفرة والتعذيب.

стр. 7159

٦ - حقا إن ما يعبد من دون الله من البشر أو الأصنام ليس له استجابة دعوة تنفع، وليس له شفاعة في الدنيا ولا في الآخرة. وكان فرعون أولا يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، ثم دعاهم إلى عبادة البقر، فكانت تعبد ما كانت شابة، فإذا هرمت أمر بذبحها، ثم دعا بأخرى لتعبد، ثم لما طال عليه الزمان قال: أنا ربّكم الأعلى. ٧ - إن المسرفين وهم المشركون، والسفهاء، وسفاكو الدماء بغير حقها، والجبارون والمتكبرون، والذين تعدّوا حدود الله، هم أصحاب النار. ٨ - ثم لجأ مؤمن آل فرعون إلى نوع من التهديد والوعيد، مبينا أن قومه سيتذكرون يوم القيامة وحين حلول العذاب بهم، ما قاله لهم، وأما هو فقد توكّل على الله وأسلم أمره إليه، لأنهم أرادوا قتله، ولكن من يتوكل على الله فهو حسبه. ٩ - لقد حفظ الله هذا المؤمن من إلحاق أنواع العذاب به، فطلبوه فما وجدوه، لأنه فوّض أمره إلى الله تعالى. ١٠ - وأما آل فرعون فإنه نزل بهم العذاب الشامل في الدنيا وهو الغرق، وسيعذبون في الآخرة، ويعرضون أيضا في البرزخ في القبور على النار صباح مساء. وهذا كما تقدّم يدلّ على إثبات عذاب القبر، لقوله تعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ ما دامت الدنيا. قال جمهور المفسرين: هذه الآية تدلّ على عذاب القبر في الدنيا، ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾. ورأى الرازي أن الآية لا تدلّ على عذاب القبر، وإنما ذكر الغدوة والعشية

стр. 7160

كناية عن الدوام في عذاب النار، كقوله تعالى بالنسبة لأهل الجنة: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢/ ١٩] (١). المناظرة بين الرؤساء والأتباع في النار ﴿وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيباً مِنَ النّارِ (٤٧) قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨) وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ (٤٩) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (٥٠)﴾ الإعراب: ﴿تَبَعاً﴾ أورده بلفظ الواحد، وإن كان خبرا عن جماعة، لأنه مصدر، والمصدر يصلح للجميع. ﴿مُغْنُونَ عَنّا نَصِيباً﴾ مفعول به ل ﴿مُغْنُونَ﴾. ﴿إِنّا كُلٌّ فِيها﴾ ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، وهو في تقدير الإضافة، و ﴿فِيها﴾: خبره، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع رفع خبر (إن). ولا يجوز أن ينصب ﴿كُلٌّ﴾ على البدل من ضمير ﴿إِنّا﴾، لأن ضمير المتكلم لا يبدل منه، لأنه لا لبس فيه، حتى يوضح بغيره. وقرئ «كلاّ» على التأكيد، لأنه بمعنى كلنا، وتنوينه عوض عن المضاف إليه. ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ﴾ جواب مجزوم، والأكثر في كلام العرب أن يكون جواب الأمر وشبهه بغير فاء، وهو الأفصح.

стр. 7161

المفردات اللغوية: ﴿وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النّارِ﴾ واذكر يا محمد وقت تخاصم الكفار في النار، والمحاجّة: المجادلة والتخاصم بين اثنين فأكثر. ﴿إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً﴾ أتباعا جمع تابع، كخدم جمع خادم. ﴿مُغْنُونَ﴾ دافعون أو حاملون. ﴿نَصِيباً﴾ جزءا وقسطا، أي فهل أنتم حاملون عنّا جزءا من العذاب أو دافعون جزءا؟ ﴿إِنّا كُلٌّ فِيها﴾ نحن وأنتم، فكيف نغني عنكم؟ ولو قدرنا لأغنينا عن أنفسنا. ﴿إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ﴾ فأدخل المؤمنين الجنة، والكافرين النار. و ﴿حَكَمَ﴾ قضى، ولا معقّب لحكمه. ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ هم القوّام بتعذيب أهل النار، جمع خازن. ﴿يَوْماً مِنَ الْعَذابِ﴾ قدر يوم ﴿مِنَ الْعَذابِ﴾ شيئا من العذاب. ﴿قالُوا﴾ أي الخزنة تهكّما. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ بالمعجزات الظاهرات. ﴿قالُوا: بَلى﴾ أقروا بإرسال الرسل، لكنهم كفروا بهم. ﴿قالُوا: فَادْعُوا﴾ قال الخزنة لأهل النار: فادعوا أنتم، فإنه لم يؤذن لنا في الدعاء لأمثالكم، وإننا لا نشفع للكافرين، وفيه إقناط من الإجابة، فقال تعالى حاكيا ما أخبروهم به: ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ خسار وضياع وانعدام. المناسبة: هذا ابتداء قصة لا تختص بآل فرعون، فبعد أن أوضح الله تعالى أحوال النار في عظة مؤمن آل فرعون، ذكر تعالى عقيبها قصة المناظرة والجدل التي تجري بين الرؤساء والأتباع من أهل النار. التفسير والبيان: ﴿وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النّارِ، فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً، فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيباً مِنَ النّارِ﴾ أي واذكر أيها الرسول لقومك للعظة والعبرة وقت تخاصم الكفار أهل النار وهم فيها، ومنهم فرعون وقومه، فيقول الضعفاء الأتباع للرؤساء والسادة والقادة الذين استكبروا عن اتّباع

стр. 7162

الأنبياء، ومكروا لصدّ الناس عن الإيمان: إنا كنّا تابعين لكم، وقد أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال، ودخلنا النار بسبب اتّباعكم، فهل تدفعون عنّا قسطا أو جزءا من العذاب، أو تتحملونه عنّا؟ فأجابهم الرؤساء بما حكاه تعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: إِنّا كُلٌّ فِيها، إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ﴾ أي قال المستكبرون للمستضعفين: إنا نحن وأنتم جميعا في جهنم، فكيف نغني عنكم؟ فلو قدرنا على دفع شيء من العذاب لدفعناه عن أنفسنا، إن الله قضى قضاءه العادل المبرم بين العباد، بأن فريقا في الجنة، وفريقا في السعير، وقسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كلّ منّا، كما قال تعالى: ﴿قالَ: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٨/ ٧]. ولما يئسوا من السادة اتّجهوا إلى خزنة جهنم يطلبون منهم الدعاء، فقال تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ: اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ﴾ أي وقال أهل النار من الأمم الكافرة لسدنة جهنم وقوّامها (وهم الملائكة القائمون عليها لتعذيب أهل النار): ادعوا الله ربّكم لعله أن يخفف عنا مقدار يوم من العذاب، بأن تشفعوا لنا عند الله تعالى لتخفيف يسير، وذلك لما علموا أن الله لا يستجيب منهم، ولا يستمع لدعائهم. فردّت الخزنة عليهم موبّخين ملزمين لهم الحجة، كما قال تعالى: ﴿قالُوا: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾؟ قالت الخزنة لأهل النار: أو ما جاءتكم الرسل في الدنيا بالحجج والأدلة الواضحة على توحيد الله، والتحذير من سوء العاقبة؟! ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ [الزمر ٧١/ ٣٩].

стр. 7163

﴿قالُوا: بَلى﴾ قال أهل النار: بلى قد جاءتنا الرسل، فكذبناهم، ولم نؤمن بهم ولا بما جاؤوا به من الحجج. فلما اعترفوا قالت لهم الخزنة تهكّما: ﴿قالُوا: فَادْعُوا، وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي قالت الخزنة لأهل النار: إذا كان الأمر كما ذكرتم، فادعوا أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لمن كفر بالله وكذّب رسله بعد مجيئهم بالحجج الواضحة، ونحن برآء منكم، ثم أخبروهم بأن دعاءهم لا يفيد شيئا، فما دعاء الكافرين بالله ورسله إلا في ضياع وبطلان وذهاب لا يقبل ولا يستجاب. أخرج الترمذي وغيره عن أبي الدرداء قال: «يلقى على أهل النار الجوع، حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون منه، فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، فيأكلونه لا يغني عنهم شيئا، فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصّة، فيغصّون به، فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء، فيستغيثون بالشراب، فيرفع لهم الحميم بالكلاليب، فإذا دنا من وجوههم شواها، فإذا وقع في بطونهم قطّع أمعاءهم وما في بطونهم، فيستغيثون بالملائكة يقولون: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ﴾ فيجيبوهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ، قالُوا: بَلى، قالُوا: فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ -أي خسار وتبار». فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على ما يأتي: ١ - يشتدّ الجدال والخصام يوم القيامة في نار جهنم بين الأتباع الضعفاء والمتبوعين الرؤساء الذين استكبروا عن الانقياد للأنبياء، فيقول الأولون: إنّا

стр. 7164

كنّا أتباعا لكم في الدنيا فيما دعوتمونا إليه من الشرك، فهل أنتم الآن متحملون عنّا جزءا من العذاب؟ ٢ - أجاب الكبراء: إنا نحن وأنتم جميعا في نار جهنم، وإن الله قضى بين العباد، وأخذ كل واحد منا ما يستحقه، ولا يؤاخذ أحد بذنب غيره، فكل منا كافر. ٣ - لما يئس الكفار من بعضهم طلبوا من خزنة جهنم وهم ملائكة العذاب أن يدعوا لهم ربّهم بأن يخفف عنهم شيئا من عذاب جهنم، ولو يوما واحدا. فردت عليهم الخزنة: ألم تأتكم الرسل بالبيّنات الدالة على طريق النجاة، والحيلولة بينكم وبين سوء العاقبة؟! وهذا دليل على أن الواجب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشرع، فلا تكليف قبل إرسال الرسل وإنزال الشرائع، ولا عقاب أيضا، كما قال تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء ١٥/ ١٧]. ٤ - ثم قال الملائكة خزنة جهنم للكفار: ادعوا أنتم، فإنا لا نجترئ على ذلك، ولا نشفع إلا بشرطين: أحدهما-كون المشفوع له مؤمنا. والثاني-حصول الإذن في الشفاعة، ولم يوجد واحد من هذين الشرطين. لكن ادعوا أنتم، للدلالة على الخيبة، لا لرجاء النفع، ثم يصرّحون لهم بأنه لا أثر لدعائهم ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي خسار وبطلان وزوال.

стр. 7165

نصر الرسل على أعدائهم في الدنيا والآخرة ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ الإعراب: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: معطوف بالنصف على موضع الجار والمجرور، وهو ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ مثل: جئتك في أمس واليوم. و ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾ بدل من الأول. ﴿وَأَوْرَثْنا﴾ .. ﴿هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ ﴿هُدىً﴾ حال من ﴿الْكِتابَ﴾، ﴿وَذِكْرى﴾: معطوف عليه، وعامل الحال: ﴿أَوْرَثْنا﴾. ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ بكسر الهمزة: مصدر «أبكر إبكارا» وقرئ بفتحها على أنه جمع بكر، مثل سحر وأسحار. ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ﴾ إن بمعنى «ما» مثل ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ و ﴿كِبْرٌ﴾ مرفوع بالظرف، وهو ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ لأن الظرف قد فرّغ له، مثل: ما في الدار إلا زيد. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل، ويصح كونه مبتدأ، وما بعده خبره، والجملة خبر (إن).

стр. 7166

البلاغة: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ بينهما طباق. ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ صيغة مبالغة. المفردات اللغوية: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ بالحجة والظفر على الكفرة. ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ هو يوم القيامة، و ﴿الْأَشْهادُ﴾ جمع شاهد، مثل أصحاب وصاحب، وهم الذين يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكفار بالتكذيب، وهم الملائكة والأنبياء والمؤمنون، فيكون نصر الرسل في الدارين. ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ عذرهم، وعدم نفع العذر، لأنه باطل، أو لأنه لا يؤذن للظالمين فيعتذرون. ﴿اللَّعْنَةُ﴾ الطرد والبعد من الرحمة. ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ أي الدار الآخرة، وهو شدة عذابها في جهنم. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى﴾ ما يهتدى به في الدين من التوراة المشتملة على الشرائع والمعجزات المثبتة للصدق. ﴿وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ﴾ أي تركنا التوراة من بعد موسى لهم. ﴿هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ هداية وتذكرة لأصحاب العقول، أو هاديا ومذكرا. ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد على أذى المشركين. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ بالنصر، لا يخلفه أبدا. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أمر له بالاستغفار للاستنان والتأسي به، أو المعنى أقبل على أمر دينك، وتدارك زلاتك، كترك الأولى، فإنه تعالى كافيك في النصر وإظهار الأمر. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ نزه الله مع حمده وشكره، أي دم على التسبيح والتحميد لربك. ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ في المساء ﴿وَالْإِبْكارِ﴾ في الصباح، وقيل: إن هذا الأمر بالصلاة في هذين الوقتين، لأن الواجب كان بمكة ركعتين بكرة، وركعتين عشيا. وفسره آخرون بأن ذلك يشمل الصلوات الخمس، لأن الإبكار: صلاة الفجر، والعشي وهو ما بعد الزوال ويشمل الصلوات الأربع الباقية. ﴿فِي آياتِ اللهِ﴾ القرآن. ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ بغير حجة وبرهان. ﴿كِبْرٌ﴾ تكبر عن الحق، وطمع في الاستعلاء عليك، وتعظم عن التفكر والتعلم. ﴿ما هُمْ بِبالِغِيهِ﴾ ببالغي دفع الآيات أو ببالغي مرادهم. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فالتجئ إليه من شرهم. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم. ﴿الْبَصِيرُ﴾ بأحوالهم وأفعالهم. قال السيوطي: ونزل ذلك في منكري البعث.

стр. 7167

سبب النزول: نزول الآية (٥٦): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: جاءت اليهود إلى رسول الله ص، فذكروا الدجال، فقالوا: يكون منا في آخر الزمان، فعظّموا أمره، وقالوا: يصنع كذا ويملكون به الأرض، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ، إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ، ما هُمْ بِبالِغِيهِ، فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فأمر نبيه أن يتعوذ من فتنة الدجال. ومع أن الآية نزلت في مشركي مكة منكري البعث أو في اليهود كما تبين، فهي عامة في كل مجادل مبطل. لكن قال ابن كثير عما ذكره أبو العالية: وهذا قول غريب، وفيه تعسف بعيد، وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم. والأصح أن الآية نزلت في المشركين والكفار عامة. التفسير والبيان: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ أي إننا لنؤيد رسلنا والمؤمنين، بأن نجعلهم الغالبين لأعدائهم، القاهرين لهم، في الدنيا، وفي الآخرة حين يقوم الأشهاد من الملائكة والأنبياء والمؤمنين، بأن يشهدوا للرسل بإبلاغ رسالاتهم، وعلى الأمم بتكذيبهم. والنصر في الدنيا إما معنوي وإما حسي، فالمعنوي: كالنصر بالحجة والبرهان، أو بالمدح والتعظيم، أو بإعلاء الجاه وعزة السلطان، وانتشار الدين، كنصر داود وسليمان على من كذبوهم، ونصر محمد ص على من كذبه من قومه، وجعل الدولة والسلطة له في الجزيرة العربية. والنصر الحسي يكون بالقهر والانتقام من المكذبين كإغراق قوم نوح وآل فرعون، وقتل زعماء قريش في بدر

стр. 7168

وأسر بعضهم، وسلب أموالهم، وقد يكون الانتقام بعد الموت، كنصر أشعياء بعد هلاكه بتسليط الظلمة على أعدائه، ونصر يحيى بن زكريا لما قتل، قتل به سبعون ألفا. والنصر في الآخرة: بإعلاء الدرجات في مراتب الثواب، والتكريم بالكرامات في الجنة، وصحبة الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء ٦٩/ ٤] ومجازاة أهل الإيمان بأعمالهم، ومجازاة الكفار بأعمالهم، باللعن ودخول النار، كما في الآية التالية: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ، وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ أي حين يقوم الأشهاد يوم القيامة، ذلك اليوم الذي لا يقبل من المشركين اعتذارهم ولا تقديم فدية منهم، لأن معذرتهم باطلة، وشبهتهم زائفة، ولهم الطرد والبعد من الرحمة، ولهم سوء الدار وشر ما في الآخرة وهو النار، والعذاب الأليم فيها. وبعد بيان نصر الأنبياء في الدنيا والآخرة، ذكر تعالى بعض مظاهر النصر في الدنيا، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى، وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ، هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ أي تالله لقد أعطينا موسى التوراة والنبوة، فاشتملت التوراة على الأحكام والشرائع الهادية لقومه، وتأيدت نبوته بالمعجزات الظاهرة كاليد والعصا، ثم أبقينا التوراة بعد موسى ﵇ مع بني إسرائيل، يتوارثها الخلف عن السلف، هداية لهم وتذكرة لذوي العقول الصحيحة السليمة، أو هاديا ومذكرا لأهل العقول، كما قال تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ، يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة ٤٤/ ٥]. وإذا كان النصر مقررا للرسل والأنبياء، فما عليهم إلا الصبر، لذا أمر الله به نبيه قائلا:

стр. 7169

﴿فَاصْبِرْ، إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ أي إذا كان الأمر كذلك وهو تقرير النصر للرسل وأتباعهم، فاصبر أيها الرسول على أذى المشركين، كما صبر من قبلك من الرسل، فإن عاقبة الصبر خير، فالله ناصرك وعاصمك من الناس، ووعد الله بالنصر وغيره حق ثابت لا يخلفه أبدا، وداوم على الاستغفار لذنبك كترك الأولى، أو لزيادة الثواب، أو لإرشاد المؤمنين والتأسي بك، فإن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ودم على تنزيه الله مقرونا بحمده في أواخر النهار وأوائل الليل، وقيل: المراد: صل في الوقتين: صلاة العصر وصلاة الفجر، أو صل الصلوات الخمس، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود ١١٤/ ١١]. وهذا دليل على ضرورة الصبر والاستغفار من الأمة، وإنما خوطب به النبي ص للإرشاد والتعليم، وهو دليل أيضا على ملازمة التسبيح والتحميد أو أداء الصلوات المفروضة. ويلاحظ أنه تعالى قدم التوبة والمغفرة على العمل، فإنه لا يقبل العمل إلا بعد التوبة الخالصة، والتوبة قد تكون من خلاف الأولى الذي هو ذنب إذا قيس مع درجة النبي ص، ولا يعد شيئا في حق غيره. ثم عاد البيان إلى توضيح سبب مجادلة المشركين في آيات الله، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ، إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ﴾ أي إن الذين يناقشون ويجادلون في آي القرآن، ويدفعون الحق بالباطل، بغير برهان ولا حجة أتتهم من الله، ما في قلوبهم إلا تكبر وتعاظم عن قبول الحق والتفكر فيه، وطمع أن يغلبوا محمدا ص وتكون لهم الرياسة والنبوة بعده، ولكن ما هم ببالغي ذلك، ولا بحاصل لهم، ولا محققي المراد، بل إن راية الحق ستظل مرفوعة، وقول المبطلين وفعلهم موضوع ذليل. والمعنى بإيجاز: إن سبب تكذيب المشركين هو ما تنطوي عليه نفوسهم من الكبر والحسد، وما هم بمحققي الآمال ولا بالغي المراد.

стр. 7170

﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي إن طريق العصمة من باطل هؤلاء المجادلين المستكبرين هو الاستعاذة بالله من شرهم، واللجوء إليه والاستعانة به لدفع كيدهم، فهو السميع لأقوالهم، البصير بأفعالهم، لا تخفى عليه خافية، وهو لهم بالمرصاد، وسيقهرون عما قريب. فقه الحياة أو الأحكام: يؤخذ من الآيات ما يأتي: ١ - إن الله تكفل بنصر عباده المرسلين وأوليائه المؤمنين في الدنيا والآخرة، قال السّدّي: ما قتل قوم قط نبيا أو قوما من دعاة الحق من المؤمنين إلا بعث الله من ينتقم لهم، فصاروا منصورين فيها، وإن قتلوا. ٢ - قال مجاهد والسدي: تشهد الملائكة للأنبياء بالإبلاغ، وعلى الأمم بالتكذيب، وقال قتادة: الملائكة والأنبياء. ٣ - إن الإكرام العظيم والتشريف الكامل عند حضور الجمع العظيم من أهل المشرق والمغرب يكون أتم وأبهج وأمتع. ٤ - قد يكون النصر والتكريم بسبب الدفاع عن المسلم، جاء في الحديث الثابت الذي رواه البيهقي عن أبي الدرداء، يقول النبي ص: «من ردّ عن عرض أخيه المسلم، كان حقا على الله أن يردّ عنه نار جهنم، ثم تلا: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وعنه ص أنه قال فيما رواه أحمد وأبو داود عن معاذ بن أنس: «من حمى مؤمنا من منافق يغتابه، بعث الله يوم القيامة ملكا يحميه من النار، ومن ذكر مسلما بشيء يشينه به، وقفه الله على جسر من جهنم حتى يخرج مما قال». ٥ - من أنواع نصر الرسل في الدنيا والآخرة: إيتاء موسى عليه السلام

стр. 7171

التوراة والنبوة، وسميت التوراة ﴿هُدىً﴾ بما فيها من الهدى والنور. ثم جعل الله التوراة ميراثا لبني إسرائيل، وموعظة لأصحاب العقول. ٦ - أمر الله نبيه بأمور ثلاثة: الصبر على أذى المشركين، والاستغفار للذنب الصغير أو ما هو خلاف الأولى، أو ما صدر منه قبل النبوة أو محض التعبد، والتسبيح المقرون بالتحميد بالشكر له والثناء عليه، أو المواظبة على صلاة الفجر وصلاة العصر، قيل: هي صلاة كانت بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس: ركعتان غدوة وركعتان عشية. وبعد نسخ ذلك لا بد من المواظبة على الصلوات الخمس. والأصح حمل الاستغفار على التوبة عن ترك الأولى والأفضل، أو على ما كان قد صدر عنه قبل النبوة. ٧ - إن مجادلة المشركين في آيات الله هي بغير حجة عقلية أو نقلية، ودافعهم إليها الكبر عن اتباع الحق، وقصدهم إبطال آيات الله، وإثارة الشبهات حولها، ولكن لن يحقق الله آمالهم. وما على النبي ص وأتباعه إلا الاستعاذة بالله من شر الكفار، والاعتصام به، والاستعانة بعزته وقدرته. من دلائل وجود الله وقدرته وحكمته ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠) اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥)﴾

стр. 7172

الإعراب: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ مبتدأ أو خبر. ﴿قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قَلِيلاً﴾: صفة مصدر محذوف، تقديره: تذكرا قليلا تتذكرون، و ﴿ما﴾: زائدة، والمعنى: لا تذكّر لهم، لأنه قد يطلق لفظ القلة، ويراد بها النفي، كقولك: قلما تأتيني، وتريد: ما تأتيني. ﴿إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ اسم إن وخبرها، واللام لام المزحلقة. البلاغة: ﴿الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿اللَّيْلَ﴾ و ﴿النَّهارَ﴾. ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ استعارة، استعار الأعمى للكافر، والبصير للمؤمن. ﴿إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ تأكيد بإن واللام. ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ مجاز عقلي، من إسناد الشيء إلى زمانه، وهو إسناد الإبصار إلى وقته. ﴿صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ جناس ناقص.

стр. 7173

﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿يَجْحَدُونَ﴾ سجع وتوافق الفواصل في الحرف الأخير. المفردات اللغوية: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ أي إن خلقها مع عظمها أولا في ابتداء خلق الكون من غير أصل: أكبر وأعظم من خلق الناس مرة ثانية في حال الإعادة للبعث، فالقادر على الأكبر قادر على الأصغر. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لفرط غفلتهم واتباعهم أهواءهم. ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ الغافل والمستبصر. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ﴾ أي ولا يستوي المحسن والمسيء، و ﴿لا﴾ زائدة في قوله: ﴿وَلا الْمُسِيءُ﴾ وزيادتها، لأن المقصود نفي مساواة المسيء للمحسن فيما له من الفضل والكرامة. ﴿قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون أيها الناس، والمراد أن تذكرهم قليل جدا في حكم المعدوم، فكأنه لا تذكر لهم. وقراءة ﴿ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ بالتاء لتغليب المخاطب أو الالتفات، وقرئ بالياء: «يتذكرون». ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ لا شك في مجيئها، لوضوح الدلالة على حدوثها وإمكانها. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لا يصدّقون بها لقصور نظرهم على ظاهر المحسوسات التي يحسون بها. ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ادعوني أثبكم، بقرينة ما بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ صاغرين أذلاء، ويصح أن يراد بقوله: ﴿اُدْعُونِي﴾ الدعاء والسؤال، ويكون المراد بقوله ﴿عِبادَتِي﴾ الدعاء. ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾، لتستريحوا فيه، بأن خلق الليل باردا مظلما ليؤدي إلى ضعف الحركات، وهدوء الحواس. ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ يبصر فيه أو به، وإسناد الإبصار إليه مجاز. ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ لا يوازيه فضل. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾، الله، فلا يؤمنون، لجهلهم بالمنعم، وتكرار الناس لتخصيص الكفر بهم. ﴿ذلِكُمُ﴾ المخصوص بالأفعال المقتضية للألوهية والربوبية. ﴿اللهُ رَبُّكُمْ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أخبار مترادفة يخصص اللاحق منها السابق ويقرره. ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيف تصرفون عن عبادة الله والإيمان به إلى عبادة غيره. ﴿كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي مثل إفك هؤلاء وانصرافهم إلى عبادة الأصنام يؤفك ويصرف كل من جحد بآيات الله ومعجزاته ولم يتأملها. ﴿قَراراً﴾ مستقرا. ﴿وَالسَّماءَ بِناءً﴾ أي سقفا قائما ثابتا مثل القبة في أبنية العرب. ﴿وَصَوَّرَكُمْ﴾ خلقكم في تناسب واستعداد لمزاولة أعمال الحياة. ﴿الطَّيِّباتِ﴾ اللذائذ. ﴿فَتَبارَكَ اللهُ﴾ تقدس وتنزه. ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ المنفرد بالحياة الذاتية غير المستمدة من آخر. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾

стр. 7174

أي هو الواحد، إذ لا موجود يساويه أو يدانيه في ذاته وصفاته. ﴿فَادْعُوهُ﴾ فاعبدوه. ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ مخلصين له الطاعة، الخالية من الشرك والرياء. المناسبة: بعد الرد على المجادلين في آيات الله بتعريفهم أن جدلهم بغير سلطان ولا حجة، وكان من جدلهم إنكار البعث، ذكر الله تعالى في هذه الآيات وما يليها عشرة أدلة على وجود الله وقدرته وحكمته، للدلالة على إمكان يوم القيامة ووجوده بالفعل، منها هنا خلق السموات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، وجعل الأرض قرارا والسماء بناء، وخلق الإنسان في أحسن صورة، ورزقه من الطيبات، واتصافه تعالى بالحياة الذاتية والوحدانية، وكان يردف بعض هذه الأدلة بالأمر بعبادة الله وطاعته، والإخلاص فيها. التفسير والبيان: ١ - ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي إن خلق السموات والأرض وما فيهما من عوالم وأفلاك وكواكب وذخائر أكبر وأعظم من خلق نفوس الناس بدءا وإعادة، فمن قدر على ذلك، فهو قادر على ما دونه، بطريق الأولى والأحرى، عملا بمقاييس الناس وتقديراتهم، وإلا فالبدء والإعادة سواء على الله تعالى، فكيف ينكرون البعث؟ كما قال سبحانه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس ٨١/ ٣٦] وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ، بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى، بَلى، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف ٣٣/ ٤٦]. ولكن أكثر الناس لا يعلمون بعظيم قدرة الله، ولا يتفكرون ولا يتأملون بهذه الحجة الدامغة. وهذا أول دليل على قدرة الله تعالى.

стр. 7175

ثم ذكر الله تعالى مثلا للغافل والمجادل بالباطل، وشبهه بالأعمى، ومثلا للمتأمل المفكر المجادل بالحجة والبرهان، وشبهه بالبصير، لاستبصاره، فقال: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ أي لا يتساوى الذي يجادل بالباطل، والذي يجادل بالحق، ولا يتساوى الكافر الذي لا يتأمل حجج الله وبيناته فيتدبرها، والمؤمن الذي يتفكر فيها ويتعظ بها، فالأول شبيه بالأعمى الذي تعطلت عنده حاسة البصر، والثاني شبيه بالبصير الذي تفتحت عيناه، فتأمل في الكون واتعظ، وهذا تشبيه بالمحسوسات، وبينهما فرق عظيم. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وَلا الْمُسِيءُ، قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي وكذلك لا يستوي المحسن بالإيمان والعمل الصالح، والمسيء بالكفر وارتكاب المعاصي، فما أقل ما يتذكر كثير من الناس ويتعظ بهذه الأمثال، ويدرك الفرق الواضح بين المؤمنين الأبرار المطيعين لربهم، وبين الكفرة الفجار المخالفين أمر ربهم. وبعد تقرير الدليل الدال على إمكان وجود القيامة، أردفه بالإخبار عن وقوعها حتما، فقال تعالى: ﴿إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي إن يوم القيامة آت لا ريب في مجيئه ووقوعه وحصوله، فآمنوا بذلك إيمانا قاطعا لا شك فيه، ولكن أكثر الناس وهم الكفار لا يصدقون بالبعث، بل يكذبون بوجوده، لقصور أفهامهم، وضعف عقولهم عن إدراك الحجة. ولما أثبت الله تعالى أن القيامة حق وصدق، أوضح طريق النجاة فيها وهو طاعة الله تعالى، فقال: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ: اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي

стр. 7176

سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ أي وأخبر الله أنه إن دعاه العبد وعبده بحق، استجاب له، فإن «الدعاء مخ العبادة» كما في الحديث الآتي تخريجه، فالدعاء في نفسه عبادة، والدعاء: هو السؤال بجلب النفع ودفع الضر. ودعاء غير الله لا يفيد شيئا، فإن القادر على إجابة الدعاء هو الله، والله سبحانه هو الذي أمر عباده بدعائه، ووعدهم بالإجابة، ووعده الحق. وإن الذين يتكبرون ويتعظمون عن دعاء الله وعبادته وحده، سيدخلون جهنم صاغرين أذلاء. والآية اشتملت على أمر العبادة بالدعاء والتكفل لهم بالإجابة فضلا من الله وكرما، وهذا وعد، كذلك اشتملت أيضا على وعيد شديد لمن استكبر عن دعاء الله، فالله هو الكريم الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويغضب على من لم يطلب من فضله العظيم وملكه الواسع ما يحتاج إليه من أمور الدنيا والآخرة. أخرج الإمام أحمد والبخاري في الأدب والحاكم وأصحاب السنن (الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه) وغيرهم عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ص: «إن الدعاء هو العبادة» ثم قرأ: ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.﴾. الآية. وأخرج الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ص: «الدعاء مخ العبادة» لكنه ضعيف وفي حديث آخر صحيح أخرجه الحاكم عن ابن عباس قال: «أفضل العبادة الدعاء». وأخرج أحمد والحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ص: «من لم يدع الله غضب عليه» وفي رواية أخرى لأحمد والبزار: «من لم يسأل الله يغضب عليه». ثم تابع الله تعالى إيراد أدلة أخرى على قدرته، والتذكير بنعمته على عباده، فقال: ٢ - ٣: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ أي إن الله تعالى أوجد تعاقب الليل والنهار، فجعل الليل باردا مظلما للسكون والنوم

стр. 7177

والراحة وتجديد النشاط والحيوية من عناء النهار، وجعل النهار مضيئا بالشمس لإبصار الحوائج، وطلب المعايش، ومزاولة الصناعة والتجارة والزراعة، والتنقل بالأسفار وزيارة الأقطار، وغير ذلك من مصالح العباد. ويلاحظ أن ﴿جَعَلَ﴾ هنا بمعنى: خلق، لأنها متعدية إلى مفعول واحد، فإذا لم تكن بمعنى: خلق عديت إلى مفعولين مثل ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣/ ٤٣]. ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ أي إن الله تعالى بهذه النعمة وغيرها مما لا يحصى هو المتفضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون النعم ولا يعترفون بها، إما لجحودهم لها مثل الكفار، وإما لإهمالهم النظر وما يجب من شكر المنعم، مثل الجهال، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج ٦٦/ ٢٢]. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم ٣٤/ ١٤]. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات ٦/ ١٠٠]. ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤]. ثم ذكر الله تعالى أنه الخالق وحده، فتجب عبادته وحده، فقال: ٤ - ٥: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، فَأَنّى تُؤْفَكُونَ؟﴾ أي ذلكم الذي فعل كل هذا المذكور وأنعم بهذه النعم هو الله المربي المدبر، فلا رب سواه، وهو خالق الأشياء كلها، لم يعاونه في الخلق أحد، وهو الإله الواحد الذي لا إله سواه، فكيف تنقلبون عن عبادته، وتنصرفون عن توحيده، وتعبدون غيره من الأصنام وغيرها مما لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا يخلق شيئا، بل هو مخلوق؟! وهذا الضلال مرض قديم، فقال تعالى: ﴿كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي مثل هذا الإفك

стр. 7178

والضلال بعبادة غير الله، ضل وأفك الجاحدون لآيات الله، المنكرون لتوحيده، وصرفوا عن اتباع الصراط القويم، من غير حجة ولا برهان، بل بمجرد الجهل والهوى. ثم أضاف الله تعالى دليلا آخر على قدرته وحكمته، فقال: ٦ - ٧: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً﴾ أي إن الله هو الذي جعل الأرض موضع استقرار وثبات، تستقر عليها المباني والأمتعة، ويحيى فيها الأشخاص ويموتون، ويمشون ويتصرفون في أنحائها، وجعل أيضا السماء سقفا للعالم محفوظا قائما ثابتا أيضا، لا ينهدم ولا يتصدع، وزيّنه بالكواكب والنجوم. وبعد بيان بعض دلائل الآفاق والأكوان (وهي كل ما هو غير الإنسان من هذا العالم) وهي اثنان (أحوال الليل والنهار، وأحوال الأرض والسماء) ذكر الله تعالى دلائل الأنفس على وجوده وقدرته وهي ثلاثة (إحداث صورة الإنسان، وتحسينها، والرزق من الطيبات) فقال: ٨ - ٩: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي وخلقكم في أحسن صورة، وأجمل شكل، وأبدع تقويم في انتصاب القامة، وتناسب الأعضاء، والتهيؤ لمزاولة مختلف أنواع المكاسب والمعاشات، ورزقكم من طيبات الرزق ولذائذه من الطعام والشراب. ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ، فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أي ذلكم المتصف بهذه الصفات الجليلة، المنعم بهذه النعم العظيمة، هو الرب الذي لا تصلح الربوبية لغيره، فتقدس وتنزه الله رب العالمين من الإنس والجن عن صفات النقص وعما لا يليق به من الشريك والولد والصاحبة. وبعد إثبات توحيد الربوبية أثبت توحيد الألوهية، فقال تعالى:

стр. 7179

١٠ - ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي إن هذا الرب المدبر المتصرف في الكون هو الحي حياة ذاتية، الباقي الذي لا يفنى، الأول والآخر والظاهر والباطن، المنفرد بالألوهية، فلا تصلح الألوهية لسواه، فاعبدوه مخلصين له الطاعة والعبادة، موحدين له، مقرين بأنه لا إله إلا هو. وهو سبحانه المستحق الحمد والثناء والشكر على نعمه، فقال آمرا ومعلما عباده: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي إنه صاحب الحمد، المستحق الشكر والثناء، رب العالمين من الملائكة والإنس والجن. والجملة خبر فيها إضمار أمر، أي ادعوه واحمدوه. روى ابن جرير عن ابن عباس قال: «من قال: لا إله إلا الله، فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين» ثم قرأ هذه الآية: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. وروى أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله ص يقول في دبر كل صلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون». فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إثبات البعث والاحتجاج على منكريه، فإن خلق السموات والأرض أكبر وأعظم من إعادة خلق الناس، والقادر على الأكبر قادر على الأصغر، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك.

стр. 7180

٢ - لا تساوي إطلاقا بين المؤمن والكافر والضال والمهتدي، والذي يعمل الصالحات والذي يعمل السيئات، كما لا تساوي بين البصير والأعمى، ولكن لا تذكر ولا اتعاظ ولا اعتبار. ٣ - إن الساعة آتية لا ريب فيها، فكما أن القيامة ممكنة الوجود، فهي واقعة فعلا وحادثة حتما، ولكن أكثر الناس لا يصدقون بذلك، وعندها يبين الفرق ما بين الطائع والعاصي. ٤ - لا ينتفع أحد في يوم القيامة الذي هو حق وصدق إلا بطاعة الله تعالى، وأشرف أنواع الطاعات: الدعاء والتضرع، جاء في الحديث المتقدم: «الدعاء هو العبادة» فما على الناس إلا توحيد الله وعبادته، والله-تفضلا وكرما-يتقبل العبادة ويغفر للعابدين. جاء في الحديث عن أنس بن مالك فيما رواه الترمذي وابن حبان: «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع». والشسع: زمام النعل. ٥ - من إحسان الله العظيم أنه ذكر الوعيد الشديد على ترك الدعاء، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾. ٦ - الله خلق الليل للسكن والراحة، وخلق النهار مضيئا لإبصار الحوائج فيه والتصرف في طلب المعايش، والله ذو الفضل العظيم على عباده، ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضله وإنعامه. ٧ - الأدلة على وحدانية الله وقدرته بيّنة واضحة، فهو الله المربي والمدبر، وخالق كل شيء، والواحد الأحد، فمن العجب كيف ينصرف الناس عن الإيمان بعد توافر أدلته؟ وكما يصرف هؤلاء عن الحق مع قيام الدليل عليه يصرف عن الحق الجاحدون بآيات الله تعالى.
следующие страницы →