← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ أي وأخبر الله أنه إن دعاه العبد وعبده بحق، استجاب له، فإن «الدعاء مخ العبادة» كما في الحديث الآتي تخريجه، فالدعاء في نفسه عبادة، والدعاء: هو السؤال بجلب النفع ودفع الضر. ودعاء غير الله لا يفيد شيئا، فإن القادر على إجابة الدعاء هو الله، والله سبحانه هو الذي أمر عباده بدعائه، ووعدهم بالإجابة، ووعده الحق. وإن الذين يتكبرون ويتعظمون عن دعاء الله وعبادته وحده، سيدخلون جهنم صاغرين أذلاء. والآية اشتملت على أمر العبادة بالدعاء والتكفل لهم بالإجابة فضلا من الله وكرما، وهذا وعد، كذلك اشتملت أيضا على وعيد شديد لمن استكبر عن دعاء الله، فالله هو الكريم الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويغضب على من لم يطلب من فضله العظيم وملكه الواسع ما يحتاج إليه من أمور الدنيا والآخرة. أخرج الإمام أحمد والبخاري في الأدب والحاكم وأصحاب السنن (الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه) وغيرهم عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ص: «إن الدعاء هو العبادة» ثم قرأ: ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.﴾. الآية. وأخرج الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ص: «الدعاء مخ العبادة» لكنه ضعيف وفي حديث آخر صحيح أخرجه الحاكم عن ابن عباس قال: «أفضل العبادة الدعاء». وأخرج أحمد والحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ص: «من لم يدع الله غضب عليه» وفي رواية أخرى لأحمد والبزار: «من لم يسأل الله يغضب عليه». ثم تابع الله تعالى إيراد أدلة أخرى على قدرته، والتذكير بنعمته على عباده، فقال: ٢ - ٣: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ أي إن الله تعالى أوجد تعاقب الليل والنهار، فجعل الليل باردا مظلما للسكون والنوم

стр. 7177

والراحة وتجديد النشاط والحيوية من عناء النهار، وجعل النهار مضيئا بالشمس لإبصار الحوائج، وطلب المعايش، ومزاولة الصناعة والتجارة والزراعة، والتنقل بالأسفار وزيارة الأقطار، وغير ذلك من مصالح العباد. ويلاحظ أن ﴿جَعَلَ﴾ هنا بمعنى: خلق، لأنها متعدية إلى مفعول واحد، فإذا لم تكن بمعنى: خلق عديت إلى مفعولين مثل ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣/ ٤٣]. ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ أي إن الله تعالى بهذه النعمة وغيرها مما لا يحصى هو المتفضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون النعم ولا يعترفون بها، إما لجحودهم لها مثل الكفار، وإما لإهمالهم النظر وما يجب من شكر المنعم، مثل الجهال، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج ٦٦/ ٢٢]. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم ٣٤/ ١٤]. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات ٦/ ١٠٠]. ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤]. ثم ذكر الله تعالى أنه الخالق وحده، فتجب عبادته وحده، فقال: ٤ - ٥: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، فَأَنّى تُؤْفَكُونَ؟﴾ أي ذلكم الذي فعل كل هذا المذكور وأنعم بهذه النعم هو الله المربي المدبر، فلا رب سواه، وهو خالق الأشياء كلها، لم يعاونه في الخلق أحد، وهو الإله الواحد الذي لا إله سواه، فكيف تنقلبون عن عبادته، وتنصرفون عن توحيده، وتعبدون غيره من الأصنام وغيرها مما لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا يخلق شيئا، بل هو مخلوق؟! وهذا الضلال مرض قديم، فقال تعالى: ﴿كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي مثل هذا الإفك

стр. 7178

والضلال بعبادة غير الله، ضل وأفك الجاحدون لآيات الله، المنكرون لتوحيده، وصرفوا عن اتباع الصراط القويم، من غير حجة ولا برهان، بل بمجرد الجهل والهوى. ثم أضاف الله تعالى دليلا آخر على قدرته وحكمته، فقال: ٦ - ٧: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً﴾ أي إن الله هو الذي جعل الأرض موضع استقرار وثبات، تستقر عليها المباني والأمتعة، ويحيى فيها الأشخاص ويموتون، ويمشون ويتصرفون في أنحائها، وجعل أيضا السماء سقفا للعالم محفوظا قائما ثابتا أيضا، لا ينهدم ولا يتصدع، وزيّنه بالكواكب والنجوم. وبعد بيان بعض دلائل الآفاق والأكوان (وهي كل ما هو غير الإنسان من هذا العالم) وهي اثنان (أحوال الليل والنهار، وأحوال الأرض والسماء) ذكر الله تعالى دلائل الأنفس على وجوده وقدرته وهي ثلاثة (إحداث صورة الإنسان، وتحسينها، والرزق من الطيبات) فقال: ٨ - ٩: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي وخلقكم في أحسن صورة، وأجمل شكل، وأبدع تقويم في انتصاب القامة، وتناسب الأعضاء، والتهيؤ لمزاولة مختلف أنواع المكاسب والمعاشات، ورزقكم من طيبات الرزق ولذائذه من الطعام والشراب. ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ، فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أي ذلكم المتصف بهذه الصفات الجليلة، المنعم بهذه النعم العظيمة، هو الرب الذي لا تصلح الربوبية لغيره، فتقدس وتنزه الله رب العالمين من الإنس والجن عن صفات النقص وعما لا يليق به من الشريك والولد والصاحبة. وبعد إثبات توحيد الربوبية أثبت توحيد الألوهية، فقال تعالى:

стр. 7179

١٠ - ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي إن هذا الرب المدبر المتصرف في الكون هو الحي حياة ذاتية، الباقي الذي لا يفنى، الأول والآخر والظاهر والباطن، المنفرد بالألوهية، فلا تصلح الألوهية لسواه، فاعبدوه مخلصين له الطاعة والعبادة، موحدين له، مقرين بأنه لا إله إلا هو. وهو سبحانه المستحق الحمد والثناء والشكر على نعمه، فقال آمرا ومعلما عباده: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي إنه صاحب الحمد، المستحق الشكر والثناء، رب العالمين من الملائكة والإنس والجن. والجملة خبر فيها إضمار أمر، أي ادعوه واحمدوه. روى ابن جرير عن ابن عباس قال: «من قال: لا إله إلا الله، فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين» ثم قرأ هذه الآية: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. وروى أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله ص يقول في دبر كل صلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون». فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إثبات البعث والاحتجاج على منكريه، فإن خلق السموات والأرض أكبر وأعظم من إعادة خلق الناس، والقادر على الأكبر قادر على الأصغر، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك.

стр. 7180

٢ - لا تساوي إطلاقا بين المؤمن والكافر والضال والمهتدي، والذي يعمل الصالحات والذي يعمل السيئات، كما لا تساوي بين البصير والأعمى، ولكن لا تذكر ولا اتعاظ ولا اعتبار. ٣ - إن الساعة آتية لا ريب فيها، فكما أن القيامة ممكنة الوجود، فهي واقعة فعلا وحادثة حتما، ولكن أكثر الناس لا يصدقون بذلك، وعندها يبين الفرق ما بين الطائع والعاصي. ٤ - لا ينتفع أحد في يوم القيامة الذي هو حق وصدق إلا بطاعة الله تعالى، وأشرف أنواع الطاعات: الدعاء والتضرع، جاء في الحديث المتقدم: «الدعاء هو العبادة» فما على الناس إلا توحيد الله وعبادته، والله-تفضلا وكرما-يتقبل العبادة ويغفر للعابدين. جاء في الحديث عن أنس بن مالك فيما رواه الترمذي وابن حبان: «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع». والشسع: زمام النعل. ٥ - من إحسان الله العظيم أنه ذكر الوعيد الشديد على ترك الدعاء، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾. ٦ - الله خلق الليل للسكن والراحة، وخلق النهار مضيئا لإبصار الحوائج فيه والتصرف في طلب المعايش، والله ذو الفضل العظيم على عباده، ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضله وإنعامه. ٧ - الأدلة على وحدانية الله وقدرته بيّنة واضحة، فهو الله المربي والمدبر، وخالق كل شيء، والواحد الأحد، فمن العجب كيف ينصرف الناس عن الإيمان بعد توافر أدلته؟ وكما يصرف هؤلاء عن الحق مع قيام الدليل عليه يصرف عن الحق الجاحدون بآيات الله تعالى.

стр. 7181

٨ - الله تعالى خلق الأرض لعباده مستقرا لهم في حياتهم وبعد الموت، وخلق السماء سقفا محفوظا ثابتا، وخلق الناس في أحسن صورة وتقويم. ٩ - والله هو رازق الطيبات اللذائذ، وهو الحي الباقي الذي لا يموت، فما على الناس إلا عبادته بإخلاص، وحمده وشكره والثناء عليه. ١٠ - يلاحظ أن الآيات انتهت بنهايات قوية مؤثرة تناسب المقام: وهي ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿يَجْحَدُونَ﴾ ﴿فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. النهي عن عبادة غير الله وسبب النهي ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾ المفردات اللغوية: ﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ تعبدون. ﴿الْبَيِّناتُ﴾ الحجج ودلائل التوحيد أو الآيات القرآنية، فإنها مقوّية لأدلة العقل، منبهة عليها. ﴿أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أنقاد له ﴿نُطْفَةٍ﴾ مني. ﴿عَلَقَةٍ﴾ دم غليظ. ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أطفالا، والإفراد لإرادة الجنس. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا

стр. 7182

أَشُدَّكُمْ﴾ أي لتصلوا إلى تكامل قوتكم من الثلاثين إلى الأربعين سنة، واللام متعلقة بمحذوف تقديره: ثم يبقيكم. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل الشيخوخة أو بلوغ الأشد. ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى﴾ أي ويفعل ذلك لتبلغوا وقتا محددا، هو وقت الموت. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ما في ذلك من الحجج والعبر ودلائل التوحيد، فتؤمنوا. ﴿قَضى أَمْراً﴾ أراد إيجاد شيء. ﴿فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ:﴾ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بتقدير أن، أي يوجد عقب الإرادة التي هي معنى القول المذكور. والفاء الأولى للدلالة على أن ذلك نتيجة ما سبق، من حيث إنه يقتضي قدرة ذاتية غير متوقفة على عدّة أو مادّة. سبب النزول: نزول الآية (٦٦): ﴿قُلْ: إِنِّي نُهِيتُ.﴾.: أخرج جويبر عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة قالا: يا محمد، ارجع عما تقول بدين آبائك، فأنزل الله: ﴿قُلْ: إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الآية. المناسبة: بعد إيراد دلائل القدرة والتوحيد وصفات الجلال والعظمة، نهى الله عن عبادة غيره، بقول لين لطيف، لصرف المشركين عن عبادة الأوثان، ثم أبان سبب النهي وهو البينات التي جاءت النبي من ربه، من دلائل الآفاق والأنفس، أما الأولى فهي أربعة: الليل والنهار والأرض والسماء، وأما الثانية فذكر منها سابقا ثلاثة وهي: تكوين الصورة، وحسن الصورة، ورزق الطيبات. وذكر منها هنا كيفية تكون الإنسان ومراحل تدرجه وأطوار حياته من الاجتنان إلى الولادة والطفولة، إلى الشباب والكهولة، ثم الشيخوخة، ثم الموت. التفسير والبيان: ﴿قُلْ: إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، لَمّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي﴾ قل أيها الرسول لمشركي قومك في مكة وغيرها: إن الله ينهى أن يعبد

стр. 7183

حد من غير الله من الأصنام والأنداد والأوثان، حين جاءتني الأدلة النقلية والعقلية من عند ربي، وهي آي القرآن، وما أودع في العقول السليمة من البراهين الدالة على التوحيد، وأمرت أن أستسلم وأنقاد وأخضع لله رب العالمين، وأخلص له ديني. ومن الآيات التي تنهى عن عبادة الأوثان قوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ، وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٥/ ٣٧ - ٩٦]. ثم ذكر الله تعالى من دلائل الأنفس ما يدل على توحيد الله وهو كيفية تكون الإنسان ومراحل نشأته، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ، ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى مِنْ قَبْلُ، وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى، وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي إن الله هو الذي خلق أباكم الأول آدم من التراب، وجعل ذريته أيضا من تراب، إذ كل مخلوق من المني ناشئ من الدم، والدم من الغذاء، والغذاء من النبات، والنبات من الماء والتراب، فثبت أن كل إنسان متكون من التراب، ثم صيّر الله ذلك التراب نطفة (منيا) ثم علقة (قطعة دم متجمدة) ثم ولدتم وأخرجتم أطفالا، ثم وصلتم إلى بلوغ الأشد أي مرحلة اكتمال القوة والعقل، ثم تصيرون شيوخا (والشيخ: من جاوز الأربعين). ومن الناس من يتوفى من قبل الشيخوخة أو الشباب أو الولادة، وقد فعل ذلك لتبلغوا الأجل المحدود وهو وقت الموت أو يوم القيامة، واللام لام العاقبة أو الصيرورة، ولكي تعقلوا ما في هذا التدرج والتطور في المراحل المختلفة من دليل دال على قدرة الله البالغة على البعث وغيره، وعلى توحيد ربكم، في خلقكم على هذه الأطوار: طور الاجتنان، وطور الطفولة، وطور بلوغ الأشد، وطور الشيخوخة،

стр. 7184

ففي هذا التغير والانتقال دلالة على وجود الله، ثم أتبع ذلك بدليل آخر من التغير والانتقال فقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي وإن الله هو القادر على الإحياء والإماتة، والمتفرد بذلك لا يقدر عليه أحد سواه، فإذا قضى وقدر أمرا من الأمور التي يريدها، ﴿فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي يحدث فور الإرادة من غير توقف على شيء، ولا معاناة ولا كلفة. وهذا أقصى ما يمكن به تقريب الخلق إلى الأذهان، فإن المخلوق يوجد بسرعة فائقة جدا بمجرد تعلق الإرادة به. فقه الحياة أو الأحكام: أوضحت الآيات أمورا ثلاثة هي: ١ - النهي الجازم عن عبادة غير الله بعد قيام الأدلة على وجود الله وتوحيده، مما صرح به القرآن في آياته، ومما أرشد إليه العقل الصحيح في تفكيره، والعبادة تقتضي الانقياد التام والخضوع وإخلاص الدين لله رب العالمين، فلا أمل في عبادة الأصنام والأوثان وغيرها من أنواع الشرك. والخلاصة: نهى تعالى عن عبادة الأوثان، ثم أمر بالاستسلام لله تعالى، ثم أقام الدليل على الوحدانية والألوهية فيما، مع العلم بأن والتي أصنامهم عارية عن شيء منهما بدليل تدرج ابن آدم. ٢ - بيان مراحل تطور الإنسان وتدرجه في التكوين والخلقة، فأصله من تراب، ثم يصبح نطفة فعلقة فمضغة، ثم يولد طفلا، ثم يشب ويقوى بدنه وعقله، ثم يهرم ويشيخ، وقد يموت من قبل هذه الأحوال، ثم يحدث موت الكل. والإخبار عن تلك المراحل الانتقالية ليعقل الإنسان أنها ترشده وتعلمه أن لا إله إلا الله. آمنت بالله وحده.

стр. 7185

٣ - التنبيه على قدرة الله في الإحياء والإماتة، وعلى سرعة إنجاز الخلق والتكوين بمجرد إرادة الله الفعل. جزاء المجادلين بالباطل في آيات الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ (٧٤) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾ الإعراب: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى، أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوب على الذم. ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿السَّلاسِلُ﴾: مرفوع معطوف على ﴿الْأَغْلالُ﴾ وتقديره: إذ الأغلال والسلاسل في أعناقهم. ومنهم من وقف على ﴿أَعْناقِهِمْ﴾ وابتدأ ﴿وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ﴾ وتقديره: والسلاسل يسحبون بها في الحميم، فحذف الجار والمجرور. وقرئ «والسلاسل يسحبون» بنصب اللام وفتح ياء الفعل، على أنه مفعول ﴿يُسْحَبُونَ﴾ أي يسحبون السلاسل. وقرئ «والسلاسل» بالجر، بالعطف على أعناقهم، وهي قراءة ضعيفة، لأنه يصير المعنى: الأغلال في الأعناق والسلاسل، ولا معنى للأغلال في السلاسل.

стр. 7186

البلاغة: ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ التفات عن الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في التوبيخ. ويوجد جناس ناقص بين ﴿تَفْرَحُونَ﴾ و ﴿تَمْرَحُونَ﴾. المفردات اللغوية: ﴿يُجادِلُونَ﴾ كرر ذم المجادلة لتعدد المجادل أو المجادل فيه، أو للتأكيد ﴿آياتِ اللهِ﴾ القرآن ﴿أَنّى﴾ كيف ﴿يُصْرَفُونَ﴾ يبعدون عن الإيمان بالله. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ﴾ بالقرآن أو بجنس الكتب السماوية ﴿وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ من سائر الكتب والوحي والتوحيد والبعث والشرائع ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عقوبة تكذيبهم. ﴿إِذِ الْأَغْلالُ﴾ ﴿إِذِ﴾: ظرف للفعل المتقدم ﴿يَعْلَمُونَ﴾ بمعنى إذا للاستقبال، أي ليعلمون إذ الأغلال، وعبر ب ﴿إِذِ﴾ التي هي ظرف للماضي عن المستقبل، لتيقن وقوع الأمر المخبر به وكونه مقطوعا به و ﴿الْأَغْلالُ﴾: جمع غل: وهو القيد الذي يوضع في العنق ﴿يُسْحَبُونَ﴾ يجرّون بعنف بالسلاسل ﴿فِي الْحَمِيمِ﴾ جهنم، وهي الماء الحار ﴿يُسْجَرُونَ﴾ يحرقون ويوقدون، يقال: سجّر التنور: ملأه بالوقود، ومنه ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ المملوء ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ يقال لهم توبيخا وتقريعا: أين الأصنام التي كنتم تعبدون في الدنيا ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ غابوا واضمحلوا، فلا نراهم ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً﴾ أنكروا عبادتهم إياها، ثم أحضرت ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ﴾ أي مثل إضلال هؤلاء المكذبين يضل الله الكافرين، حتى لا يهتدوا إلى شيء ينفعهم في الآخرة. ﴿ذلِكُمْ﴾ العذاب ﴿تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ تبطرون وتتكبرون ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وهو الشرك والطغيان وإنكار البعث ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تختالون أشرا وبطرا وتتوسعون في الفرح ﴿أَبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ الأبواب السبعة المقسومة لكم ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ مقدّرا لكم الخلود فيها ﴿مَثْوَى﴾ مأوى. المناسبة: عاد الحق تعالى في هذه الآيات إلى ذم المجادلين في آيات الله، مبينا عظيم جرمهم في تكذيب القرآن وجزاءهم على ذلك، فليس فيه تكرار، إذ السابق لبيان منشأ الجدل وسببه، وهذا تعجيب من حال المجادلين وآرائهم الفاسدة، مع

стр. 7187

بيان عاقبتهم، والظاهر-كما ذكر أبو حيان-أنها في الكفار المجادلين في رسالة الرسول ص والكتاب الذي جاء به. التفسير والبيان: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ﴾ أي ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين المشركين المجادلين بالباطل في آيات الله الواضحة الموجبة للإيمان بها، كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال؟ مع قيام الأدلة الدالة على صحتها، وأنها في نفسها موجبة للتوحيد. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي إنهم هم الذين كذبوا بالقرآن وبالذي أرسلنا به الرسل من التوحيد وإخلاص العبادة لله والشرائع الصالحة لحياة الإنسان في الدنيا، والتبرؤ من الشرك والوثنية، والإيمان بالبعث، ثم هددهم وأوعدهم بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة أمرهم ووبال كفرهم. ثم ذكر مضمون التهديد الشديد والوعيد الأكيد بقوله: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ، وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ أي فسوف يعلم هؤلاء المكذبون حين تجعل القيود في أعناقهم، ويسحبون بالسلاسل في الحميم: وهو الماء المتناهي في الحرارة، فتتقطع جلودهم وتنسلخ لحومهم، ثم يحرقون في النار التي توقد بهم وتحيط بهم، كما قال تعالى: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ، يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن ٤٣/ ٥٥ - ٤٤] وقال سبحانه بعد ذكر أكلهم الزقوم وشربهم الحميم: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٦٨/ ٣٧] وقال : ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان ٤٧/ ٤٤ - ٥٠].

стр. 7188

ثم يسألون سؤال تقريع وتبكيت وتوبيخ عن أصنامهم المعبودة، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللهِ؟ قالُوا: ضَلُّوا عَنّا، بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً، كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ﴾ أي يقال لهم من قبل الملائكة تقريعا لهم وتوبيخا: أين الأصنام والشركاء التي كنتم تعبدونها من دون الله، ما لهم لا ينقذونكم مما أنتم فيه، وينصرونكم اليوم وقت المحنة؟ قالوا مجيبين: غابوا عنا وذهبوا فلم ينفعونا، وفقدناهم فلا نراهم، والحق أننا لم نكن نعبد شيئا، أي تبينا أننا لم نكن نعبد شيئا ينفع، لأنه لا يبصر ولا يسمع، ولا يضر ولا ينفع، وذاك الذي صدر عنهم اعتراف صريح بأن عبادتهم إياها كانت باطلة. ومثل ذلك الضلال يضل الله الكافرين حيث عبدوا هذه الأصنام التي أوصلتهم إلى النار، أي هكذا يتبين بطلان جميع أعمال الكافرين، وتنقطع العلائق والصلات بين العابدين والمعبودين. ثم أبان الله تعالى سبب تعذيبهم فقال: ﴿ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ أي ذلكم العذاب والإضلال بسبب ما كنتم تظهرون في الدنيا من الفرح بمعاصي الله، والسرور بمخالقة رسله وكتبه، وبسبب ما كنتم تبطرون وتأشرون وهو جزاء المرح بغير الحق وهو الشرك وعبادة الأوثان. ثم أوضح لهم نوع الجزاء تبكيتا وتوبيخا وتيئيسا لهم من تفادي العذاب، فقال: ﴿اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ، خالِدِينَ فِيها، فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي ادخلوا أبواب جهنم السبعة المقسومة لكم، كما قال تعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ، لِكُلِّ

стр. 7189

بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر ٤٤/ ١٥] وإنكم مخلدون فيها أبدا على الدوام، فبئس المنزل والمأوى الذي فيه الهوان والعذاب الشديد لمن استكبر عن آيات الله واتباع دلائله وحججه. فقه الحياة أو الأحكام: يؤخذ من الآيات ما يأتي: ١ - من العجب العجاب أن المشركين الذين يجادلون في آيات الله بغير حق ويكذبون بها يصرفون عن الهدى إلى الضلال، وعن الحق إلى الباطل. ٢ - سيعلمون عما قريب بطلان ما هم فيه إذا دخلوا النار، وغلّت أيديهم إلى أعناقهم، وسحبوا بالسلاسل في الحميم، أي الماء المسخن بنار جهنم، وأحاطت بهم النار إحاطة تامة. ٣ - تقول لهم الملائكة بعد دخولهم النار تقريعا وتوبيخا: أين أصنامكم التي كنتم تعبدونها من دون الله، ما لكم لا تنصرون بها اليوم؟ فأجابوا: لقد هلكوا وذهبوا عنا، وتركونا في العذاب، فلا نراهم ولا نستشفع بهم. ثم اعترفوا بأن عبادتهم الأصنام كانت باطلة، فإنها ليست بشيء، لأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، وهكذا تبين لهم أنهم لم يكونوا شيئا، كما تقول: حسبت أن فلانا شيء، فإذا هو ليس بشيء، إذا جربته، فلم تجد عنده خيرا (١). وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣/ ٦]. ٤ - قال الله تعالى عقب هذا الاعتراف: ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ﴾ أي كما فعل بهؤلاء من الإضلال، يفعل بكل كافر، وهو إضلال لا توفيق فيه عن

стр. 7190

طريق الجنة بعد اختيارهم الكفر وإصرارهم عليه، لا عن الحجة، إذ قد هداهم في الدنيا إليها. ٥ - ذلكم العذاب وسببه هو ما كانوا يفرحون به من المعاصي، ويظهرون في الدنيا من السرور بالمعصية وكثرة المال والأتباع والصحة، وهو أيضا بسبب بطرهم وتكبرهم عن اتباع الحق وقبوله، واختيارهم الشرك وعبادة الأصنام. ٦ - ويقال لهم يوم القيامة: ادخلوا أبواب جهنم السبعة المقسومة لكم، فبئس المأوى مأوى المتكبرين عن آيات الله واتباع دلائله على توحيده وقبول شرائعه. الصبر والنصر ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾ الإعراب: ﴿فَإِمّا﴾ إن الشرطية مدغمة، وما: زائدة تؤكد معنى الشرط أول الفعل، والنون تؤكد آخره، وقد لحقت الفعل بناء على وجود «ما» ولا تلحقه النون مع «إن» وحدها. وجواب الشرط محذوف مثل: فذاك. البلاغة: ﴿أَرْسَلْنا رُسُلاً﴾ جناس الاشتقاق. ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ طباق السلب.

стр. 7191

المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ﴾ بالعذاب وهلاك الكافرين ﴿حَقٌّ﴾ كائن لا محالة ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أي بعض ما نعدهم به من العذاب في الدنيا بالقتل والأسر ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن تراه أي قبل رؤية تعذيبهم ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ للعذاب الشديد يوم القيامة، فنجازيهم بأعمالهم، وهو جواب ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾. وهو يدل على شدة العذاب للاقتصار على ذكر الرجوع. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً.﴾. قيل: إن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، وروي أنه تعالى بعث ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف نبي من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من سائر الناس. والمذكور قصتهم: أشخاص معدودة. ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ لأنهم عبيد مربوبون لله، والمعجزات عطايا من الله بحسب حكمته ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ بنزول العذاب على الكفار في الدنيا والآخرة ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ بين الرسل ومكذبيهم، بإنجاء المحق وتعذيب المبطل ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي ظهرت خسارة المعاندين باقتراح الآيات، بعد وجود ما يغنيهم عنها. المناسبة: كان الكلام من أول السورة إلى هنا في تزييف طريقة المجادلين في آيات الله، ثم أمر الله تعالى هنا رسوله بالصبر على أذاهم وتكذيبهم، ووعده بالنصر عليهم، وإنزال العذاب على أعدائه. التفسير والبيان: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي فاصبر أيها الرسول على تكذيب بعض قومك، فإن وعد الله بالنصر عليهم والانتقام منهم كائن لا محالة، إما في الدنيا، وإما في الآخرة. ﴿فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أي إن نرك في حياتك أيها الرسول بعض ما نعدهم به من العذاب، كالقتل والأسر يوم بدر، ثم فتح مكة وسائر جزيرة العرب، فذاك ما يستحقونه، وقد تحقق ذلك في

стр. 7192

حياته ص. أو نتوفينك قبل إنزال العذاب بهم، فإلينا مصيرهم يوم القيامة، فنذيقهم العذاب الشديد حينئذ، ونجازيهم على أعمالهم. ونظير الآية: ﴿فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾، ﴿فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ، أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ، فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف ٤٢/ ٤٣]. ثم قال الله تعالى مسليا رسوله ص: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ، مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ أي ولقد أرسلنا رسلا وأنبياء كثيرين من قبلك إلى أقوامهم، منهم من أنبأناك بأخبارهم وما لقوه من قومهم وهم خمسة وعشرون، ومنهم من لم نقصص عليك خبره، وهم أكثر ممن ذكر بأضعاف أضعاف، كما قال تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ، وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ.﴾. [النساء ١٦٤/ ٤]. وأخرج الإمام أحمد عن أبي ذرّ قال: «قلت: يا رسول الله، كم عدد الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك ثلاث مائة وخمسة عشر، جمّا غفيرا». والذين ذكرهم الله في القرآن من الرسل قريب من خمسة وعشرين رسولا. ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي ولم يكن لواحد من الرسل أن يأتي قومه بمعجزة خارقة للعادة إلا أن يأذن الله له في ذلك، فيستدل حينئذ على صدقه فيما جاءهم به. والمراد بالآية: المعجزة الدالة على نبوته. وكان أقوام الأنبياء يقترحون على الأنبياء إظهار المعجزات عنادا وتعنتا. ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ، وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي إذا حان الوقت المعين لعذابهم في الدنيا أو في الآخرة، قضي بالعدل فيما بينهم، فينجي الله بقضائه الحق عباده المرسلين المحقين والذين آمنوا معهم، ويهلك الكافرين الذين

стр. 7193

يتبعون الباطل ويعملون به. فما عليك يا محمد ص إلا الصبر، تأسيا بالأنبياء قبلك، وإذا جاء أمر الله بالفصل بينك وبين قومك، قضي بينكم بالحق، فنصرت، وخسر المبطلون من ملأ قريش الذين يصدّون عن دعوتك. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أمور أربعة: ١ - الأمر بالصبر للنبي ص تسلية له، وإعلامه بأن الله سينتقم له من قومه المكذبين لرسالته، إما في حياته، أو في الآخرة. وأمة النبي ص مأمورة مثله بالصبر. ٢ - أرسل الله تعالى للأمم المتقدمة رسلا وأنبياء كثيرين، منهم من أخبر الله نبيه بأخبارهم وما لقوا من قومهم كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، ومنهم من لم يخبره الله بهم. ٣ - ليس لنبي من قبل نفسه أن يأتي بآية بيّنة أو معجزة لإثبات نبوته وصدقه، إلا بإذن من الله وتيسير له بذلك، فإن المعجزة وهي الأمر الخارق للعادة لا يستطيعها إلا من اتصف بالقدرة الإلهية، وهو الله وحده الذي يظهر المعجز على يد نبي أو رسول لما يرى من الحكمة والصلاح. ٤ - إذا جاء الوقت المسمى لعذاب المكذبين برسالة النبي في الدنيا أو في الآخرة، أهلكهم الله في الدنيا، وخسر في الآخرة المبطلون الذين يتبعون الباطل والشرك، وهذا وعيد شديد لهم. وإنما يؤخر الله عنهم العذاب أحيانا ليترك الفرصة والمجال لإسلام من علم الله إسلامه منهم، ولمن في أصلابهم من المؤمنين.

стр. 7194

دلائل أخرى كثيرة على وجود الله ووحدانيته ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾ الإعراب: ﴿فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ﴾ ﴿فَأَيَّ﴾: استفهام، وهي منصوب ب ﴿تُنْكِرُونَ﴾ والاستفهام إنما ينصب بما بعده، لأن له صدر الكلام. وهو استفهام توبيخ. وتذكير ﴿فَأَيَّ﴾ أشهر من تأنيثه، وهنا جاءت على اللغة المستفيضة، وقولك «فأية آيات الله» قليل، لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة: غريب، وهي في ﴿فَأَيَّ﴾ أغرب، لإبهامه. المفردات اللغوية: ﴿الْأَنْعامَ﴾ هي الإبل والبقر والغنم والمعز ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ منها ما يؤكل كالغنم، ومنها ما يؤكل ويركب كالإبل ﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ كالألبان والجلود والأصواف والأوبار ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ بالمسافرة عليها وحمل الأثقال إلى البلاد، والحاجة: الأمر المهم ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ السفن في البحر، وإنما قال: ﴿عَلَى الْفُلْكِ﴾ ولم يقل: في الفلك، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْنَا: اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود ٤٠/ ١١] للمزاوجة والمطابقة بينها وبين ما قبلها وهو: ﴿وَعَلَيْها﴾ ولأن راكب السفينة يستعليها، فيصح كونه فيها، لأنها وعاء له، ويصح كونه عليها لاستعلائها. ﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ دلائله الدالة على كمال قدرته وفرط رحمته ووحدانيته ﴿فَأَيَّ آياتِ اللهِ﴾ الدالة على ما ذكر من تلك الآيات ﴿تُنْكِرُونَ﴾ فإنها لوضوحها وظهورها لا تقبل الإنكار.

стр. 7195

المناسبة: بعد الإطناب في وعيد المكذبين المجادلين في آيات الله، بما فيه العبرة والكفاية، عاد الحق تعالى إلى إيراد دلائل أخرى تدل على وجود الله ووحدانيته، ويصلح تعدادها نعما على العباد، ثم أجمل في الإحالة على أدلة كثيرة تحيط بالناس. التفسير والبيان: يمتن الله تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام ذات المنافع الكثيرة والدالة على قدرة الله فقال: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها، وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي إن الله تعالى هو الذي خلق لأجلكم الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم الشامل للمعز، لتركبوا بعضها وتأكلوا بعضها، فالإبل: تركب وتؤكل وتحلب ويحمل عليها الأثقال في الأسفار، والبقر: تؤكل ويشرب لبنها، ويحرث عليها الأرض، والغنم تؤكل ويشرب لبنها، والجميع تتناسل وتجز أصوافها وأشعارها وأوبارها، فيتخذ منها الأثاث والثياب والأمتعة، لذا قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ، وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ، وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أي ولكم فيها منافع أخر غير الركوب والأكل، كأخذ الوبر والصوف والشعر والزبد والسمن والجبن وغير ذلك مما يستعمل للثياب والأمتعة والمأكولات، ولتحمل أثقالكم إلى البلاد النائية بيسر وسهولة، وعلى الإبل في البر، وعلى السفن في البحر تحملون وتنقلون من بلد إلى آخر، ومن موضع إلى آخر، وقد قيل: «الجمل سفينة الصحراء». ويلاحظ أنه تعالى قرن بين الامتنان بنعمة الركوب في البر، ونعمة الامتنان بركوب البحر.

стр. 7196

ونحو الآية قوله تعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ: مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ، وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ.﴾. إلى أن قال: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ، وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ.﴾. [الأنعام ١٤٣/ ٦ - ١٤٤] وقوله سبحانه: ﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ، إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل ٥/ ١٦ - ٧]. ولما ذكر الله هذه الدلائل الكثيرة الدالة على قدرة الله التي لا تنكر قال: ﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ، فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ﴾ أي إن الله تعالى يري عباده عيانا هذه الآيات والبراهين التي عددها في الآفاق والأنفس، والتي هي كلها ظاهرة باهرة دالة على كمال قدرته ووحدانيته، فما الذي تنكرونه منها؟ وهي كلها ظاهرة واضحة، بحيث لا ينكرها ذو بصيرة نيّرة إن كان منصفا، أي إنكم في الواقع لا تقدرون على إنكار شيء من آياته، إلا أن تعاندوا وتكابروا، كما قيل: وفي كل شيء له آية... تدل على أنه واحد والسبب في إدخال اللام على ﴿لِتَرْكَبُوا﴾ و ﴿لِتَبْلُغُوا﴾ وعدم دخولها على البواقي: هو الاهتمام بجل المنافع وهو الركوب والحمل عليها، وأما الأكل والانتفاع بالأوبار والأشعار فهو غرض أقل وأبسط. فقه الحياة أو الأحكام: هذه ادلة أخرى على كمال قدرة الله ووحدانيته، وتشير إلى عظم نعم الله على عباده، وهي تتمثل في خلق الأنعام للأكل والركوب، والانتفاع بها في منافع كثيرة للثياب والأمتعة والمأكولات، وحمل الأثقال، والتنقل عليها في الأسفار وقطع المسافات، سواء في البر والبحر.

стр. 7197

وتتمثل أيضا في إظهار الآيات الكونية الدالة على وحدانية الله وقدرته، فكيف يسوغ لإنسان عاقل إنكار هذه الآيات الباهرة؟ وإذا كنتم أيها المشركون لا تنكرون أن هذه الأشياء من الله، فلم تنكرون قدرته على البعث والنشر؟! ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها، رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ [النازعات ٢٧/ ٧٩ - ٢٨]؟! وإن تلك الآيات كثيرة لا يمكن إنكار شيء منها عقلا. تهديد المكذبين المجادلين في آيات الله وتركهم الشرك حين رؤية العذاب ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣) فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)﴾ الإعراب: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿كَيْفَ﴾: خبر مقدم لكان و ﴿عاقِبَةُ﴾: اسمها المؤخر، و ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ صلة الموصول.

стр. 7198

﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ما الأولى: نافية أو استفهامية منصوبة بأغنى، والثانية: موصولة أو مصدرية مرفوعة به. ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ﴿مِنَ﴾: للتبيين، أي تبيين «ما» أي فرحوا بالشيء الذي عندهم من العلم. أو تبيين «البينات» وفي الآية تقديم وتأخير، والتقدير: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات من العلم، فرحوا بما عندهم. والأوجه هو الأول. ﴿سُنَّتَ اللهِ﴾ منصوب على المصدر، بفعل مقدر من لفظه، أي سن الله ذلك سنة ماضية في العباد، وهي من المصادر المؤكدة بمنزلة «وعد الله» وما أشبهه من المصادر المؤكدة. البلاغة: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ.﴾.؟ استفهام للإنكار، إنكار عدم السير المترتب عليه النظر السليم. المفردات اللغوية: ﴿كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ.﴾. استئناف مبين لحالهم ﴿وَآثاراً فِي الْأَرْضِ﴾ ما أبقوه من القصور والمصانع والحصون ونحوها ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ بالمعجزات والآيات الواضحات ﴿فَرِحُوا﴾ أي الكفار فرح استهزاء وضحك، متنكرين له ﴿بِما عِنْدَهُمْ﴾ عند الرسل ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي واستحقروا علم الرسل، والمراد بالعلم: عقائدهم الزائغة وشبههم الداحضة، وسماها علما على زعمهم تهكما بهم، والآية كقوله تعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النحل ٦٦/ ١٦] أي تكامل واستحكم علمهم بأحوالها في الآخرة، وهو تهكم بهم لفرط جهلهم بها، وعلمهم: هو قولهم: لا نبعث ولا نعذب، وما أظن الساعة قائمة، ونحوها. ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي نزل بهم ما هزئوا به من العذاب، وهذا يؤيد أن المراد بفرحهم: استهزاؤهم بالرسول وضحكهم منه ﴿بَأْسَنا﴾ شدة عذابنا ﴿وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ يعنون الأصنام ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ﴾ أي لم يصح ولم يستقم، لامتناع قبوله ﴿سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ﴾ أي سن الله ذلك سنة ماضية في العباد أو الأمم ألا ينفعهم الإيمان وقت نزول العذاب ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ تبين خسرانهم لكل أحد، وهم خاسرون في كل وقت قبل ذلك. و ﴿هُنالِكَ﴾ أي وقت رؤيتهم البأس، وهو اسم مكان أستعير للزمان. وسبب ترادف الفاءات هو كما أبان الزمخشري: أما قوله تعالى: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ فهو نتيجة لقوله: ﴿كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾. وأما قوله: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ فهو كالتفسير

стр. 7199

والبيان لقوله تعالى: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ كقولك: رزق زيد المال، فمنع المعروف، فلم يحسن إلى الفقراء. وقوله: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ تابع لقوله: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ﴾ كأنه قال: فكفروا، فلما رأوا بأسنا آمنوا، لأن رؤية البأس مسببة عن مجيء الرسل. وكذلك ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ﴾ تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله، وامتناع نفع الإيمان مسبب عن رؤية البأس (١). المناسبة: اشتملت السورة على فصلين: فصل في دلائل الألوهية وكمال القدرة والرحمة والحكمة، وفصل في التهديد والوعيد، وهذه الآيات التي ختمت بها السورة متعلقة بالفصل الثاني في تهديد الكفار الذين يجادلون في آيات الله، المتكبرين على رسله المكذبين لهم، اغترارا منهم بدنياهم وأموالهم وأولادهم، وطلبا للرياسة والجاه، وهو تهديد يبين نهاية من هم أشد منهم قوة وأكثر أموالا وأولادا، فلم ينفعهم شيء من ذلك حين حلول بأس الله، بل إن إيمانهم بالله وتركهم الشرك حين رؤية البأس لم ينفعهم أيضا. التفسير والبيان: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ، وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ، فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي أفلم يسر في البلاد هؤلاء المجادلون في آيات الله من المشركين، فينظروا في أسفارهم كيف كان مصير الأمم السابقة التي عصت الله، وكذبت رسلها، ويشاهدوا آثارهم الموجودة في ديارهم التي تدل على ما نزل بهم من عقوبة وعذاب شديد، مع أنهم كانوا أكثر من مشركي قريش عددا، وأقوى منهم أجسادا، وأوسع منهم أموالا، وأبقى في الأرض آثارا بالعمائر والمصانع والحصون والمزارع والسدود، ونحو ذلك من مظاهر الحضارة والعمران والفن والعلوم.

стр. 7200

فلما حل بهم العذاب لم يغن عنهم كل ما عملوه في دنياهم من مكاسب وجاه، ولم ينفعهم ما لهم ولا أولادهم، ولا رد عنهم أمر الله، أو نزول العذاب الشديد بهم، ولا أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم. ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ، فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ، وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي فلما جاءت الرسل بالحجج الواضحات والمعجزات الظاهرات إلى تلك الأمم المكذبة، لم يلتفتوا إليهم، ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم، أي الشبهات الداحضة والدعاوي الزائغة التي ظنوها علما نافعا لهم، مثل قولهم: ﴿وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية ٢٤/ ٤٥] وقولهم: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا﴾ [الأنعام ١٤٨/ ٦] وقولهم: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨/ ٣٦] وفرحوا بهذه الترهات والأباطيل، لأنهم كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الروم ٧/ ٣٠]. ولكن نزل وأحاط بهم ما كانوا يكذبون به ويستبعدون وقوعه وهو العذاب، استهزاء وسخرية، أي نزل بالكفار عقاب استهزائهم برسالات الرسل. وقد سمى الله تعالى ما عندهم من العقائد الزائفة والشبه الداحضة «علما» تهكما بهم واستهزاء منهم، كما تقدم. ثم صوّر تعالى ما يكون من شأن الإنسان حين تطبيق العقاب عليه، فقال: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا، قالُوا: آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أي فلما عاينوا وقوع العذاب بهم، صدقوا بالله ووحدوه، وكفروا بمعبوداتهم الباطلة التي اتخذوها شركاء لله، وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها، ولكن لم ينفعهم ذلك الإيمان، ولم تنفعهم المعذرة، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ أي لم يصح ولم يستقم أن إيمانهم ينفعهم عند معاينة عذابنا، لأن ذلك الإيمان ليس بالإيمان النافع لصاحبه، فهو

стр. 7201

إيمان اضطراري عن إكراه، وإنما ينفع الإيمان الاختياري، لا الإيمان الاضطراري، لأنه عند معاينة الأمر الحتمي لا يبقى للتكليف مجال، فالكل يؤمن حينئذ، وهكذا لا ينفع الإيمان عند رؤية العذاب أو الموت أو الغرق أو في الآخرة، ولم يكن الشخص آمن في الدنيا. وهذا كما فرعون حين أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فقال الله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ، وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩٠/ ١٠ - ٩١] فلم يقبل الله منه إيمانه. ثم ذكر الله تعالى حكما عاما، فقال: ﴿سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ، وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ أي إن هذا حكم الله في جميع من تاب عند معاينة العذاب أنه لا يقبل، وإن الله سبحانه سن هذه السنة في الأمم كلها أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب. وخسر الكفار وقت رؤيتهم بأس الله ومعاينتهم لعذابه، والكافر خاسر في كل وقت، ولكنه يتبين لهم خسرانهم إذا رأوا العذاب. جاء في الحديث الثابت: «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (١) أي فإذا غرغر، وبلغت الروح الحنجرة، وعاين الملك، فلا توبة حينئذ، ولهذا قال تعالى هنا: ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ وقال: ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر ٧٨/ ٤٠]. فليحذر الكافر والمقصر، وليتدارك الأمر قبل فوات الأوان، ولات ساعة مندم. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - إن آثار تدمير الأمم الغابرة بسبب كفرهم وتكذيبهم الرسل عبرة

стр. 7202

للمعتبر، فلو سار الناس في نواحي الأرض، لعرفوا أن عاقبة المتكبرين المتمردين، ليست إلا الهلاك والبوار والدمار، مع أنهم كانوا أكثر عددا ومالا وجاها من هؤلاء المتأخرين، والدنيا كلها فانية ذاهبة، فلا يغترن أحد بمال ولا جاه ولا سلطان. ٢ - كان سبب تدمير أولئك الأقوام في الماضي هو تكذيبهم رسلهم الذين جاءوهم بالمعجزات والآيات الواضحات، وفرحهم بعقائدهم الزائفة وشبههم الباطلة، مثل قولهم: لن نعذب ولن نبعث، واستهزاؤهم بما جاء به الرسل، فأحدق بهم العقاب من كل جانب. ٣ - لقد آمن هؤلاء المشركون بالله وحده، وكفروا بالأوثان التي أشركوها في العبادة مع الله، عند رؤية العذاب. ٤ - ولكن الإيمان بالله عند معاينة العذاب، وحين رؤية البأس لا ينفع ولا يفيد صاحبه. ٥ - سنّ الله في الكفار أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب، وأضحى عدم قبول الإيمان حال اليأس من النجاة سنة الله المطردة في كل الأمم. ٦ - والغاية أن يحذر أهل مكة وغيرهم من المشركين سنة الله في إهلاك الكفرة، وأن يعلموا أن الإيمان وقت رؤية الهلاك لا ينفع، وأن ما يدّعونه من علم وحضارة لا يغني عن دين الله ورسالة الأنبياء، فشريعة الله هي الأصح. ٧ - ليعلم أولئك الذين يصفون شريعة الإسلام بالهمجية والوحشية والقسوة، وهم الذين احتضنوا أفكار الغرب غير الدينية، وآمنوا بالقوانين الوضعية الحديثة، وأحلوها محل شريعة الله تعالى، ليعلموا أنهم جهلة بهذه الشريعة، وأنهم كفروا بالإسلام من حيث لا يشعرون، وأن بواعث تحضّرهم،

стр. 7203

وادعاءهم إرادة التقدم والمدنية والأخذ بمعطيات الحضارة الحديثة يؤدي لهدم شرع الله تعالى. ولو فهموا هذا الشرع بدقة لحقق لهم كل ما يريدون ضمن ضوابط شاملة، ولم يتورطوا بوصف الشريعة الإسلامية بأنها من الشرائع البدائية أو التقليدية في أنظمة المعاملات المدنية أو الجنائية أو قواعد الإثبات، فإن التزام قواعد الشريعة خير وأحكم وأمنع مما يعيش به مجتمع القرن العشرين من فقد الأمن وكثرة الجريمة وانحلال القيم والأخلاق، وإن قواعد الإثبات فيها أولى من إعطاء حرية الإثبات المطلقة لتقدير القاضي وقناعته الشخصية، فذلك قد يؤدي إلى إهدار الحقوق، وتجريم البريء.

стр. 7204

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة فصّلت أو: السجدة مكيّة، وهي أربع وخمسون آية. تسميتها: سمّيت سورة فصلت لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ.﴾. وقد فصّل الله تعالى فيها الآيات، وأوضح الأدلة والبراهين على وجوده وقدرته ووحدانيته، من خلقه هذا الكون العظيم وتصرفه فيه. وتسمى أيضا حم، السجدة لأن رسول الله ص عند قراءة أولها على زعماء قريش حتى انتهى إلى السجدة منها، سجد. مناسبتها لما قبلها: تظهر مناسبتها لما قبلها وهي سورة غافر من وجهين: الأول-افتتاح كلتيهما بوصف الكتاب الكريم وهو القرآن العظيم. الثاني-اشتراكهما في تهديد ووعيد وتقريع المشركين المجادلين في آيات الله في مكة وغيرها، ففي آخر السورة المتقدمة توعدهم بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [٨٢]، وفي القسم الأول من هذه السورة هددهم مرة أخرى بقوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ: أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ [١٣]. وهذا كله مناسب لآخر سورة المؤمن من عدم انتفاع مكذّبي الرّسل حين رؤية العذاب، كما

стр. 7205

أن قريشا لم ينتفعوا حينما حلّ بصناديدهم القتل والأسر والنهب والسّبي، واستؤصلوا مثلما حلّ بعاد وثمود من استئصال. مشتملاتها: موضوع هذه السورة مثل موضوع باقي السّور المكية وهو إثبات أصول العقيدة: «الوحدانية، الرّسالة والوحي، البعث والجزاء». ابتدأت بوصف القرآن العظيم بأنه المنزّل من عند الله بلسان عربي مبين، والذي يبيّن أدلة قدرة الله وتوحيده، وكونه المبشّر المنذر، والذي يثبت صدق النّبي محمد ص فيما جاء به من عند ربّه. وأبانت موقف المشركين وإعراضهم عن تدبّره، وقررت حقيقة الرسول ص وأنه بشر خصّه الله تعالى بالوحي المتضمن إعلان وحدانية الله ، وإيضاح جزاء الكافرين وجزاء المؤمنين الذين عملوا الصالحات. ثم أنكرت على المشركين الكفر، وأقامت الأدلة على وحدانية الله من خلق السموات والأرض، وأنذرتهم بإنزال عقاب مماثل لعقوبة الأمم الغابرة، كعاد وثمود الذين أهلكوا ودمرت ديارهم بسبب تكذيب رسل الله، ولكن بعد إنجاء المؤمنين المتّقين. وحذّرت من حساب القيامة، وأخبرت بأن أعضاء الإنسان تشهد عند الحشر على أصحابها، وأن قرناء السوء زيّنوا لهم أعمالهم، وأنّهم هم صدّوا عن سبيل الله ودينه، وقالوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ وطلبوا إهانة من أضلوهم ليكونوا من الأسفلين. وفي مواجهة أولئك أشاد تعالى بأهل الاستقامة وبشّرهم بالجنة والكرامة، ووصف من يلقّى الجنة وهم الصابرون على طاعة الله تعالى.

стр. 7206

ثم عاد الله تعالى إلى إيراد أدلة أخرى من إيجاد العالم العلوي والسفلي على وجود الله ووحدانيته وقدرته، وبيان إحكام القرآن وكونه كتاب هداية وشفاء ورحمة، وأن من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها دون جور ولا ظلم. وأعقب ذلك التعريف بعلم الله المحيط بكل شيء، والإشارة لعظيم قدرته، والكشف عن طبع الإنسان من التّكبر عند الرّخاء، والتّضرع عند الشدة والعناء. وختمت السورة بوعد الله أن يطلع الناس في كل زمان على بعض أسرار الكون والتّعرف على آيات الله في الآفاق والأنفس الدالة على الوحدانية والقدرة الإلهية، ثم ذكرت أن المشركين يشكون في البعث والحشر، ولكن الله محيط بهم وبكل شيء، وذلك ردّ حاسم عليهم. فضلها: أخرج الإمام العالم عبد بن حميد في مسنده وأبو يعلى والبغوي وغيرهم عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «اجتمعت قريش يوما، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي قد فرّق جماعتنا، وشتّت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولننظر ماذا يردّ عليه. فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة. فقالوا: ائته يا أبا الوليد، فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ص، فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ص، فقال عتبة: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم، فتكلّم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك، فرّقت جماعتنا، وشتّت أمرنا، وعبت ديننا وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا، وأن

стр. 7207

في قريش كاهنا، والله، ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفاني. أيها الرّجل، إن كان إنما بك الحاجة، جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا واحدا، وإن كان إنما بك الباءة (١)، فاختر أي نساء قريش شئت، فلنزوجك عشرا؟ فقال رسول الله ص: فرغت؟ قال: نعم، فقال رسول الله ص: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.﴾. -حتى بلغ-: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا، فَقُلْ:﴾ ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ فقال عتبة: حسبك حسبك، ما عندك غير هذا؟ فقال رسول الله ص: لا. فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمون به إلا كلمته، قالوا: فهل أجابك؟ قال: نعم، لا، والذي نصبها بنية (أي الكعبة) ما فهمت شيئا مما قاله غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، قالوا: ويلك، يكلّمك الرجل بالعربية، لا تدري ما قال، قال: لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة». وفي رواية البغوي: «والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا، ولكني أتيته، وقصصت عليه القصة، فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾». وفي رواية محمد بن إسحاق في سيرته: «قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟

стр. 7208

قال: ورائي أني سمعت قولا، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها لي، خلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم». القرآن الكريم وإعراض المشركين عنه وبشرية الرسول ص ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاِسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾ الإعراب: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، كِتابٌ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ﴾: مبتدأ، و ﴿مِنَ الرَّحْمنِ﴾: صفة له، و ﴿كِتابٌ﴾: خبره، أو خبر مبتدأ محذوف، أي هذا تنزيل. ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ ﴿قُرْآناً﴾: حال وعامله: ﴿فُصِّلَتْ﴾ أو منصوب بفصلت أو منصوب على المدح، أي أمدح قرآنا عربيا. و ﴿لِقَوْمٍ.﴾. متعلق بفصلت.

стр. 7209

﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ حال من الآيات وعامله: ﴿فُصِّلَتْ﴾ أو حال من ﴿كِتابٌ﴾ لأنه قد وصف، وعامله «هذا» إذا قدرت، لما فيه من معنى التنبيه أو الإشارة، أي هذا كتاب فصلت آياته. ﴿يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ.﴾. ﴿إِنَّما﴾: مرفوع بيوحى على أنه مفعول الفعل المبني للمجهول. البلاغة: ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ بينهما طباق. ﴿وَقالُوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾ استعارة تصريحية، شبّهوا إعراضهم عن القرآن ونفرتهم ومباعدتهم عنه وشدّة كراهيتهم بمن حجبت قلوبهم عن العلم، وأسماعهم عن الفهم والإدراك. المفردات اللغوية: ﴿حم﴾ للتنبيه على إعجاز القرآن وتحديه، وعلى خطر ما يذكر في السورة من أحكام. ﴿فُصِّلَتْ﴾ بيّنت وميّزت أتمّ بيان وأوضح تفصيل للأحكام والقصص والمواعظ. ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ بلغة العرب كله، وفيه امتنان بسهولة قراءته وفهمه. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ لقوم يفهمون ذلك، وهم العرب. ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ صفة القرآن، فهو مبشّر للعاملين به، ومنذر للمخالفين له. ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ عن تدبّره وقبوله. ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ سماع تأمل وطاعة وقبول، أي لا يقبلون ولا يطيعون. ﴿وَقالُوا﴾ للنبي ص ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ أغطية، جمع كنان، كغطاء وأغطية، والكنان: جعبة (أو خريطة) السهام، والمراد أنها في أغطية سميكة متكاثفة. ﴿وَقْرٌ﴾ صمم أو ثقل سمع. ﴿حِجابٌ﴾ ستار أو ساتر يمنعنا عن التواصل، والمراد: خلاف في الدين، وقوله: ﴿وَمِنْ بَيْنِنا.﴾. للدلالة على أن الحجاب مبتدأ منهم ومنه، بحيث استوعب المسافة المتوسطة، ولم يبق فراغ. ﴿فَاعْمَلْ﴾ على دينك. ﴿إِنَّنا عامِلُونَ﴾ على ديننا. ﴿أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي لست ملكا أو جنّيا لا يمكنكم الالتقاء به. ﴿أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي إنما أدعوكم إلى التوحيد والاستقامة في العمل. ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ توجهوا إليه بالإيمان والطاعة. ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ اطلبوا المغفرة مما أنتم عليه من سوء العقيدة والعمل. ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ من فرط جهالتهم واستخفافهم بالله، والويل: كلمة عذاب، وهو كلمة تهديد لهم، أو واد في جهنم. ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ لبخلهم وعدم إشفاقهم على الخلق، وذلك من أعظم الرّذائل. وفيه دليل على

стр. 7210

أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ ﴿هُمْ﴾ الثانية تأكيد، والجملة حالية مشعرة بأن امتناعهم عن الزكاة لاستغراقهم في طلب الدنيا وإنكارهم للآخرة. ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير مقطوع، ولا يمنّ به عليهم، من المنّ. التفسير والبيان: ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ هذه الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن وللدلالة على خطر ما يتلى بعدها، هذا القرآن منزّل من الله ﵎ ذي الرحمة الواسعة لعباده، فهو المنعم بعظائم النّعم ودقائقها، إنه منزّل على عبده ونبيّه محمد ص. وتخصيص هذين الوصفين ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ بالذّكر هنا للدلالة على أن هذا القرآن هو البلسم الشافي للأمم والأفراد والجماعات، وهو الرّحمة الكبرى للعالم، كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧/ ٢١]. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ: نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل ١٠٢/ ١٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٢/ ٢٦ - ١٩٥]. ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وهو كتاب بيّنت آياته بيانا شافيا، وأوضحت معانيه، وأحكمت أحكامه: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ، ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود ١/ ١١]، وقد أنزلناه بلغة العرب، ليسهل فهمه، فمعانيه مفصّلة، وألفاظه واضحة غير مشكلة، وإنما يعرف هذا البيان والوضوح العلماء الراسخون الذين يعلمون أن القرآن منزل من عند الله، ويعلمون معانيه، لنزوله بلغتهم، كما قال تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف ٢/ ١٢]، وقال سبحانه: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤/ ١٤].

стр. 7211

﴿بَشِيراً وَنَذِيراً، فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ، فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ أي إن هذا القرآن يبشّر المؤمنين أولياء الله بالجنة لاتّباعهم له وعملهم به، وينذر الكافرين أعداء الله بالنار لمخالفتهم أحكامه، وإصرارهم على التكذيب به حتى الموت، ولكن أعرض أكثر الكفار المشركين عمّا اشتمل عليه من الإنذار، وعن الإصغاء إليه، فهم لا يسمعون آياته سماع تدبّر وانتفاع، ولم يقبلوه ولم يطيعوا أحكامه، لإعراضهم عنه، بالرغم من بيانه ووضوحه. ثم صرّحوا بأسباب ثلاثة لنفرتهم ومباعدتهم عنه، كما حكى تعالى: ﴿وَقالُوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ، فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ أي وقال أولئك المشركون: قلوبنا في أغطية، فهي لا تفقه ما تقول، ولا يصل إليها قولك ودعوتك إلى الإيمان بالله وحده، وترك عبادة الآباء والأجداد، وفي آذاننا صمم وثقل سمع يمنعها من استماع قولك، ومن بيننا وبينك ساتر يستر عنا رؤيتك، ويمنعنا من إجابتك. وهذه تمثيلات ثلاثة منهم لنبو قلوبهم عن إدراك الحق، ومجّ أسماعهم له، وامتناع المواصلة بينهم وبين رسول الله ص. قيل: إن أبا جهل استغشى على رأسه ثوبا وقال: يا محمد بيننا وبينك حجاب، استهزاء منه. فاعمل على دينك وطريقتك، إننا عاملون على ديننا وطريقتنا، لا نتابعك، واعمل في هلاكنا وإبطال أمرنا، فإنا عاملون في هلاكك وإبطال أمرك وفضّ الناس من حولك. وأذكر هنا رواية أخرى لما ذكرت في فضل هذه السورة، روي أن عتبة بن ربيعة ذهب إلى رسول الله ص ليعظم عليه أمر مخالفته لقومه، وليقبح عليه فيما بينه وبينه، وليبعد ما جاء به، فلما تكلّم عتبة، قرأ رسول الله ص حم ومرّ في صدرها حتى انتهى إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ: أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ

стр. 7212

صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ فأرعد الشيخ، ووقف شعره، فأمسك على فم رسول الله ص بيده، وناشده بالرّحم أن يمسك وقال حين فارقه: «والله لقد سمعت شيئا ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، ولقد ظننت أن صاعقة العذاب على رأسي». وبعد أن ذكروا أسباب إبائهم الإيمان بالله وحده، أجيبوا بأن محمدا مجرد بشر لا يقدر على جبرهم على الإيمان، فقال تعالى: ﴿قُلْ: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أي قل أيها الرسول مجيبا قومك المكذبين المشركين عن شبهتهم: ما أنا إلا بشر كواحد منكم لولا الوحي، وإني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبرا وقهرا، فإني بشر مثلكم، لكني أبلغكم ما أوحي إليّ به، وخلاصة ذلك الوحي أمران: العلم والعمل، أما العلم فأساسه معرفة التوحيد، لأن الحق هو أن الله واحد، وليس معه شريك من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرّقين، وهو المراد بقوله: ﴿أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ والحق يجب علينا أن نعترف به، والعمل أساسه: الاستقامة والاستغفار والتوبة من الذنوب، أي الطاعة وإخلاص العبادة، وطلب العفو عن الذنوب السالفة، ورأسها الشرك، لذا أعقبه بتهديد المشركين، فقال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ أي الهلاك والدمار والخسارة للمشركين الذين أشركوا مع الله إلها آخر، والذين تجرّدوا من حبّ الإنسانية والشفقة على خلق الله فلا يؤدون الزكاة، ويمنعونها عن الفقراء، ولا ينفقون في الطاعة، وهم جاحدون الآخرة، منكرون البعث والحساب والجزاء. فالله تعالى أثبت الويل لمن اتّصف بصفات ثلاث:

стр. 7213

أولها-أن يكون مشركا، وهو ضدّ التوحيد. وثانيها-كونه ممتنعا من أداء الزكاة، وهو ضدّ الشفقة على خلق الله تعالى. وثالثها-كونه منكرا للقيامة، مستغرقا في طلب الدنيا ولذاتها. وإنما ذكر الله تعالى هذه الأوصاف، لأن الإيمان أساس العقيدة، والشرك هدم لها، ولأن الزكاة دليل الإيمان، لأنها اقتطاع جزء من أحب الأشياء إلى النفس وهو المال قرين الروح، لذا قيل: الزكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلّف عنها هلك. ومنع الزكاة قسوة على عباد الله، وبذلها دليل على صدق النّية. وأما الإيمان بالآخرة: فهو خلاصة الإيمان وهدفه وتقرير للمصير. وإنكار البعث والقيامة: تدمير لكل الأعمال في الدنيا، وانصراف إليها وإعراض عن الآخرة. وهذه الآية تهديد لمن يشرك بالله، ويمنع الزكاة التي تطهّر النّفس من داء الشّح والبخل، وينكر البعث والجزاء والحساب يوم القيامة وينصرف إلى الدنيا ولذاتها. ونحو الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [الشمس ٩/ ٩١ - ١٠]. ثم أعقب وعيد الكفار بوعد المؤمنين للجمع المألوف في القرآن بين الترهيب والتّرغيب، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي إن الذين صدقوا بالله ورسوله، وعملوا بما أمر الله به وانتهوا عما نهى عنه، لهم عند ربّهم أجر وثواب غير مقطوع ولا ممنوع، ولا يمنّ عليهم به، لأن المنّة بالتّفضل، وأما

стр. 7214

الأجر فحقّ أداؤه، كما قال تعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨/ ١١]، وقال سبحانه: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق ٢٥/ ٨٤]. قال السّدّي: نزلت في الزّمنى والمرضى والهرمى إذا ضعفوا عن الطاعة، كتب لهم من الأجر كأصحّ ما كانوا يعملون فيه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - وصف الله تعالى القرآن في مطلع هذه السورة بصفات عشر: هي كونه تنزيلا، وكون ذلك التنزيل من الرحمن الرحيم، وكونه كتابا، وفصّلت آياته، وكونه قرآنا، وكونه عربيا، ولقوم يعلمون ليفهموا منه المراد، وبشيرا، ونذيرا، وكونهم معرضين عنه لا يسمعون ولا يلتفتون إليه. ٢ - ذهب أكثر المتكلمين إلى أنه يجب على المكلّف تنزيل ألفاظ القرآن على المعاني التي هي موضوعة لها بحسب اللغة العربية، وحملها على معان أخر بغير هذا الطريق باطل قطعا. ٣ - ليس في القرآن الكريم لفظ غير عربي، وهذا ردّ على من قال: اشتمل القرآن على سائر اللغات، مثل ﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾ و ﴿سِجِّيلٍ﴾ من اللغة الفارسية، و ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ من لغة الحبشة، و ﴿بِالْقِسْطاسِ﴾ من لغة الروم. ٤ - إن ألفاظ الإيمان والكفر والصلاة والزكاة والصوم والحج هي ألفاظ عربية لغوية، لا شرعية، وإنما خصصها الشرع ببعض أنواع مسمياتها، فالإيمان مثلا خصصه الشرع بنوع معين من التصديق، والصلاة خصصها الشرع بنوع معين من الدعاء، وهكذا البواقي، لقوله تعالى السابق: ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ وقوله المتقدم: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾.

стр. 7215

٥ - إن وصف القرآن بكونه ﴿عَرَبِيًّا﴾ في معرض المدح والتعظيم دليل على أن لغة العرب أفضل اللغات. ٦ - دلّ قوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ على أنه لا يجوز أن يحصل في القرآن شيء غير معلوم، لأن المعنى: إنما جعلناه عربيا ليصير معلوما. ٧ - دلّ قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ على أن الهادي من هداه الله، وأن الضّال من أضلّه الله. وهذا بعد اختيار أصل الهداية وأصل الكفر والضّلال، فليس المعنى: هو الجبر على الهداية أو الجبر على الضّلالة، فإن المشركين أعرضوا عن القرآن بعد توافر موجبات ثلاثة للإيمان، وهي: كون القرآن نازلا من عند الله الرّحمن الرّحيم، وكونه عربيا، وكونه بشيرا ونذيرا. ٨ - دلّت آية: ﴿وَقالُوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ.﴾. الآية على أن الكفار كانوا في غاية النّفرة والمباعدة عن القرآن باختيارهم وتصريحهم. ٩ - لا يختلف النّبيّ ص وغيره من الأنبياء عن سائر الناس إلا بإنزال الوحي عليهم، فهم بشر عاديون كسائر البشر، لكن اصطفاهم ربّهم للنّبوة والرسالة وتبليغ وحيه إلى الناس. ١٠ - إن مناط السعادة تعظيم أمر الله، والشفقة على خلق الله، ولقد أخلّ المشركون بالأمرين معا، فكانوا أشقياء، فهم لم يعظموا الله بتوحيده، ولم يخلصوا العبادة والطاعة، ولم يبادروا إلى الاستغفار من الشرك، ولم يرحموا عباد الله بمنعهم الزكاة، ولم ينفقوا في الطاعة، ولم يستقيموا على أمر الله، وأنكروا البعث والحشر والحساب والجزاء. وفيه دلالة على أن الكافر يعذب بكفره مع منع وجوب الزكاة عليه، فإنه تعالى ألحق الوعيد الشديد له على أمرين: كونه مشركا، وأنه لا يؤتي الزكاة، فدلّ على أن لعدم إيتاء الزكاة من المشرك تأثيرا عظيما في زيادة الوعيد.
следующие страницы →