﴿بَشِيراً وَنَذِيراً، فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ، فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ أي إن هذا القرآن يبشّر المؤمنين أولياء الله بالجنة لاتّباعهم له وعملهم به، وينذر الكافرين أعداء الله بالنار لمخالفتهم أحكامه، وإصرارهم على التكذيب به حتى الموت، ولكن أعرض أكثر الكفار المشركين عمّا اشتمل عليه من الإنذار، وعن الإصغاء إليه، فهم لا يسمعون آياته سماع تدبّر وانتفاع، ولم يقبلوه ولم يطيعوا أحكامه، لإعراضهم عنه، بالرغم من بيانه ووضوحه.
ثم صرّحوا بأسباب ثلاثة لنفرتهم ومباعدتهم عنه، كما حكى تعالى:
﴿وَقالُوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ، فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ أي وقال أولئك المشركون: قلوبنا في أغطية، فهي لا تفقه ما تقول، ولا يصل إليها قولك ودعوتك إلى الإيمان بالله وحده، وترك عبادة الآباء والأجداد، وفي آذاننا صمم وثقل سمع يمنعها من استماع قولك، ومن بيننا وبينك ساتر يستر عنا رؤيتك، ويمنعنا من إجابتك.
وهذه تمثيلات ثلاثة منهم لنبو قلوبهم عن إدراك الحق، ومجّ أسماعهم له، وامتناع المواصلة بينهم وبين رسول الله ص. قيل: إن أبا جهل استغشى على رأسه ثوبا وقال: يا محمد بيننا وبينك حجاب، استهزاء منه.
فاعمل على دينك وطريقتك، إننا عاملون على ديننا وطريقتنا، لا نتابعك، واعمل في هلاكنا وإبطال أمرنا، فإنا عاملون في هلاكك وإبطال أمرك وفضّ الناس من حولك.
وأذكر هنا رواية أخرى لما ذكرت في فضل هذه السورة،
روي أن عتبة بن ربيعة ذهب إلى رسول الله ص ليعظم عليه أمر مخالفته لقومه، وليقبح عليه فيما بينه وبينه، وليبعد ما جاء به، فلما تكلّم عتبة، قرأ رسول الله ص حم ومرّ في صدرها حتى انتهى إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ: أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ
стр. 7212
صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ فأرعد الشيخ، ووقف شعره، فأمسك على فم رسول الله ص بيده، وناشده بالرّحم أن يمسك وقال حين فارقه:
«والله لقد سمعت شيئا ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، ولقد ظننت أن صاعقة العذاب على رأسي».
وبعد أن ذكروا أسباب إبائهم الإيمان بالله وحده، أجيبوا بأن محمدا مجرد بشر لا يقدر على جبرهم على الإيمان، فقال تعالى:
﴿قُلْ: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أي قل أيها الرسول مجيبا قومك المكذبين المشركين عن شبهتهم:
ما أنا إلا بشر كواحد منكم لولا الوحي، وإني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبرا وقهرا، فإني بشر مثلكم، لكني أبلغكم ما أوحي إليّ به، وخلاصة ذلك الوحي أمران: العلم والعمل، أما العلم فأساسه معرفة التوحيد، لأن الحق هو أن الله واحد، وليس معه شريك من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرّقين، وهو المراد بقوله: ﴿أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ والحق يجب علينا أن نعترف به، والعمل أساسه: الاستقامة والاستغفار والتوبة من الذنوب، أي الطاعة وإخلاص العبادة، وطلب العفو عن الذنوب السالفة، ورأسها الشرك، لذا أعقبه بتهديد المشركين، فقال تعالى:
﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ أي الهلاك والدمار والخسارة للمشركين الذين أشركوا مع الله إلها آخر، والذين تجرّدوا من حبّ الإنسانية والشفقة على خلق الله فلا يؤدون الزكاة، ويمنعونها عن الفقراء، ولا ينفقون في الطاعة، وهم جاحدون الآخرة، منكرون البعث والحساب والجزاء.
فالله تعالى أثبت الويل لمن اتّصف بصفات ثلاث:
стр. 7213
أولها-أن يكون مشركا، وهو ضدّ التوحيد.
وثانيها-كونه ممتنعا من أداء الزكاة، وهو ضدّ الشفقة على خلق الله تعالى.
وثالثها-كونه منكرا للقيامة، مستغرقا في طلب الدنيا ولذاتها.
وإنما ذكر الله تعالى هذه الأوصاف، لأن الإيمان أساس العقيدة، والشرك هدم لها، ولأن الزكاة دليل الإيمان، لأنها اقتطاع جزء من أحب الأشياء إلى النفس وهو المال قرين الروح، لذا قيل: الزكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلّف عنها هلك. ومنع الزكاة قسوة على عباد الله، وبذلها دليل على صدق النّية.
وأما الإيمان بالآخرة: فهو خلاصة الإيمان وهدفه وتقرير للمصير. وإنكار البعث والقيامة: تدمير لكل الأعمال في الدنيا، وانصراف إليها وإعراض عن الآخرة.
وهذه الآية تهديد لمن يشرك بالله، ويمنع الزكاة التي تطهّر النّفس من داء الشّح والبخل، وينكر البعث والجزاء والحساب يوم القيامة وينصرف إلى الدنيا ولذاتها. ونحو الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [الشمس ٩/ ٩١ - ١٠].
ثم أعقب وعيد الكفار بوعد المؤمنين للجمع المألوف في القرآن بين الترهيب والتّرغيب، فقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي إن الذين صدقوا بالله ورسوله، وعملوا بما أمر الله به وانتهوا عما نهى عنه، لهم عند ربّهم أجر وثواب غير مقطوع ولا ممنوع، ولا يمنّ عليهم به، لأن المنّة بالتّفضل، وأما
стр. 7214
الأجر فحقّ أداؤه، كما قال تعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨/ ١١]، وقال سبحانه: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق ٢٥/ ٨٤]. قال السّدّي: نزلت في الزّمنى والمرضى والهرمى إذا ضعفوا عن الطاعة، كتب لهم من الأجر كأصحّ ما كانوا يعملون فيه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - وصف الله تعالى القرآن في مطلع هذه السورة بصفات عشر: هي كونه تنزيلا، وكون ذلك التنزيل من الرحمن الرحيم، وكونه كتابا، وفصّلت آياته، وكونه قرآنا، وكونه عربيا، ولقوم يعلمون ليفهموا منه المراد، وبشيرا، ونذيرا، وكونهم معرضين عنه لا يسمعون ولا يلتفتون إليه.
٢ - ذهب أكثر المتكلمين إلى أنه يجب على المكلّف تنزيل ألفاظ القرآن على المعاني التي هي موضوعة لها بحسب اللغة العربية، وحملها على معان أخر بغير هذا الطريق باطل قطعا.
٣ - ليس في القرآن الكريم لفظ غير عربي، وهذا ردّ على من قال: اشتمل القرآن على سائر اللغات، مثل ﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾ و ﴿سِجِّيلٍ﴾ من اللغة الفارسية، و ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ من لغة الحبشة، و ﴿بِالْقِسْطاسِ﴾ من لغة الروم.
٤ - إن ألفاظ الإيمان والكفر والصلاة والزكاة والصوم والحج هي ألفاظ عربية لغوية، لا شرعية، وإنما خصصها الشرع ببعض أنواع مسمياتها، فالإيمان مثلا خصصه الشرع بنوع معين من التصديق، والصلاة خصصها الشرع بنوع معين من الدعاء، وهكذا البواقي، لقوله تعالى السابق: ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ وقوله المتقدم: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾.
стр. 7215
٥ - إن وصف القرآن بكونه ﴿عَرَبِيًّا﴾ في معرض المدح والتعظيم دليل على أن لغة العرب أفضل اللغات.
٦ - دلّ قوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ على أنه لا يجوز أن يحصل في القرآن شيء غير معلوم، لأن المعنى: إنما جعلناه عربيا ليصير معلوما.
٧ - دلّ قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ على أن الهادي من هداه الله، وأن الضّال من أضلّه الله. وهذا بعد اختيار أصل الهداية وأصل الكفر والضّلال، فليس المعنى: هو الجبر على الهداية أو الجبر على الضّلالة، فإن المشركين أعرضوا عن القرآن بعد توافر موجبات ثلاثة للإيمان، وهي: كون القرآن نازلا من عند الله الرّحمن الرّحيم، وكونه عربيا، وكونه بشيرا ونذيرا.
٨ - دلّت آية: ﴿وَقالُوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ.﴾. الآية على أن الكفار كانوا في غاية النّفرة والمباعدة عن القرآن باختيارهم وتصريحهم.
٩ - لا يختلف النّبيّ ص وغيره من الأنبياء عن سائر الناس إلا بإنزال الوحي عليهم، فهم بشر عاديون كسائر البشر، لكن اصطفاهم ربّهم للنّبوة والرسالة وتبليغ وحيه إلى الناس.
١٠ - إن مناط السعادة تعظيم أمر الله، والشفقة على خلق الله، ولقد أخلّ المشركون بالأمرين معا، فكانوا أشقياء، فهم لم يعظموا الله بتوحيده، ولم يخلصوا العبادة والطاعة، ولم يبادروا إلى الاستغفار من الشرك، ولم يرحموا عباد الله بمنعهم الزكاة، ولم ينفقوا في الطاعة، ولم يستقيموا على أمر الله، وأنكروا البعث والحشر والحساب والجزاء. وفيه دلالة على أن الكافر يعذب بكفره مع منع وجوب الزكاة عليه، فإنه تعالى ألحق الوعيد الشديد له على أمرين: كونه مشركا، وأنه لا يؤتي الزكاة، فدلّ على أن لعدم إيتاء الزكاة من المشرك تأثيرا عظيما في زيادة الوعيد.
стр. 7216
١١ - إن الذين آمنوا بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، وأدّوا الفرائض والطاعات، واجتنبوا المنكرات والمحظورات، لهم عند ربّهم أجر وثواب لا ينقطع أبدا.
دليل وجود الله تعالى وكمال قدرته وحكمته
﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾
الإعراب:
﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً﴾ الواو: واو الحال من ضمير ﴿خَلَقَ﴾ وتقديره: قل: أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين مجعولا له أندادا.
﴿سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿سَواءً﴾ بالنصب على المصدر، بمعنى (استواء) وتقديره: استوت استواء. وقرئ بالرفع (سواء) لأنه خبر لمبتدأ محذوف، وتقديره: هي سواء، وقرئ بالجر مجرورا على الوصف لأيام أو لأربعة والمشهور: النصب.
﴿طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ حال.
﴿قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ جمعها جمع العقلاء، لأنه وصفها بالقول والطاعة، مثل: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ فقد وصفها بالسجود، وهو من صفات العقلاء، وجمعها جمع من يعقل.
стр. 7217
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾: في موضع نصب على البدل من هاء ونون ﴿فَقَضاهُنَّ﴾.
البلاغة:
﴿أَإِنَّكُمْ﴾ استفهام إنكاري، ولام ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ لتأكيد الإنكار، وتقديم الهمزة لصدارتها.
﴿فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ: اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ استعارة تمثيلية، مثل تأثير قدرته في السموات والأرض بأمر السلطان أحد رعيته بتنفيذ شيء، وامتثال الأمر بسرعة.
﴿طَوْعاً﴾ و ﴿كَرْهاً﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ﴾ الكفر به: إلحادهم في ذاته وصفاته. ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ في مقدار يومين أو بنوبتين، وخلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون. ﴿أَنْداداً﴾ شركاء، جمع ندّ، أي شريك. ﴿ذلِكَ﴾ الذي خلق الأرض في يومين. ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ خالق جميع ما وجد من الممكنات ومالكها ومربّيها، و ﴿الْعالَمِينَ﴾: جمع عالم: وهو ما سوى الله، وجمع لاختلاف أنواعه تغليبا للعقلاء.
﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ جبالا ثوابت، وهو كلام مستأنف غير معطوف على ﴿خَلَقَ﴾ للفصل بما هو خارج عن صلة ﴿بِالَّذِي﴾. ﴿مِنْ فَوْقِها﴾ مرتفعة عليها. ﴿وَبارَكَ فِيها﴾ أكثر خيرها، بأن خلق فيها أنواع النبات والحيوانات والمياه. ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها﴾ قسم فيها أقواتها للناس والبهائم. ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ﴾ في تمام أربعة أيام تمّ الجعل والتقدير، أي في تتمة أربعة أيام باليومين المتقدمين.
﴿سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ أي استوت الأربعة استواء لا تزيد ولا تنقص، أي إنها أربعة أيام كاملة لا زيادة فيها ولا نقصان، و ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها، أو متعلق بقدر أي قدر فيها الأقوات للطالبين لها.
﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ﴾ قصد وعمد نحوها، أي تعلقت إرادته بها. ﴿وَهِيَ دُخانٌ﴾ أي مادة غازية مظلمة، تشبه الدخان في رأى العين. ﴿اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ أي ائتيا في الوجود، إذا كان الخلق السابق بمعنى التقدير، أو اخضعا لمرادي منكما من التأثير والتأثر، حال كونكما طائعتين أو مكرهتين. ﴿قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ منقادين بالذات، وفيه تغليب المذكر العاقل.
قال البيضاوي: والأظهر أن المراد تصوير تأثير قدرته فيها، وتأثرهما بالذات عنها، وتمثيلهما بأمر المطاع، وإجابة المطيع الطائع، كقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
стр. 7218
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ خلقهنّ خلقا إبداعيا وصيّرهنّ وأكملهنّ وفرغ منهنّ، والضمير يرجع إلى السماء، لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه. ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ فرغ منها في تمام يومين، وهذا موافق لآيات خلق السموات والأرض في ستة أيام.
﴿وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها﴾ شأنها وما يتأتى منها من الطاعة والعبادة. ﴿بِمَصابِيحَ﴾ نجوم. ﴿وَحِفْظاً﴾ منصوب بفعل مقدر، أي حفظناها حفظا من استراق الشياطين السمع، بالشّهب، أو من الآفات. ﴿ذلِكَ﴾ الخلق. ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ تقدير البالغ التمام في القدرة والعلم، فهو القوي القادر في ملكه، العليم بخلقه.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى بتوحيده في الألوهية والربوبية، أردفه بما يدلّ على وجوده: وهو الخلق والتقدير للسموات والأرض في مدة قليلة، وفي ذلك أيضا ما يدلّ على كمال قدرته وحكمته، فمن كانت هذه صفته، فكيف يسوغ جعل الأصنام والأوثان شركاء له في الألوهية والعبودية، وهي عاجزة عن الخلق والتقدير؟!
التفسير والبيان:
﴿قُلْ: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً؟ ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ قل أيها الرسول لقومك المشركين توبيخا وتقريعا:
كيف تكفرون بالله الذي خلق الأرض في مقدار يومين، قيل: هما يوم الأحد ويوم الاثنين، أو في نوبتين نوبة جعلها جامدة بعد أن كانت كرة غازية، ونوبة جعلها طبقات بذخائرها المائية والمعدنية.
وتجعلون له أمثالا وأضدادا مساوين له في القدرة من الملائكة والجنّ والأصنام والأوثان، فذلك المتصف بالخلق والإبداع هو ربّ العالمين كلهم، أي مربّي الإنس والجنّ ومالكهم وخالقهم ومدبّرهم، فكيف تجعلون بعض مخلوقاته شركاء له في عبادته؟! ومن قدر على خلق هذه الأشياء العظيمة كيف يعقل الكفر به؟!
стр. 7219
إنه تعالى خلق الأرض في يومين، وتمّم بقية مصالحها في يومين آخرين، وخلق السموات بأسرها في يومين آخرين. والمراد باليوم: الوقت مطلقا، لا اليوم المعروف، لأنه لم يكن هذا النظام قد وجد بعد.
والخلاصة: إن الآية إنكار من الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره، وهو الخالق لكل شيء، القاهر لكل شيء، المقتدر على كل شيء.
ثم أتمّ تعالى ما يقتضيه حسن العيش في الأرض بإيجاد ثلاثة أنواع فيها، فقال:
١ - ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها﴾ أي جعل في الأرض جبالا ثوابت مرتفعة عليها، فهي التي تحفظ الأرض من الاضطراب، وتخزن المياه والمعادن، وترشد إلى الطرق، وتحفظ الهواء والسحاب، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ [المرسلات ٢٧/ ٧٧].
٢ - ﴿وَبارَكَ فِيها﴾ أي جعل الأرض مباركة كثيرة الخير، بما خلق فيها من منافع العباد، إذ جعل تربتها مصدرا للخير والرزق بإنبات النباتات المختلفة فيها، وإيداعها الثروة المعدنية والنفطية والمائية.
٣ - ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها﴾ أي قدّر فيها أرزاق أهلها، وما يصلح لمعاشهم من الأشجار والمنافع، وجعل في أقطارها ما يناسب سكانها من أطعمة ونباتات، وأوجد في كل أرض ما لا يصلح في غيرها.
﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ أي إنه تعالى أتمّ معايش أهل الأرض في تتمة أيام أربعة باليومين المتقدّمين. وإنما ذكر هذه الأيام الأربعة للدلالة على أنها كانت مستغرقة بالأعمال من غير زيادة ولا نقصان، وذلك في يومي الثلاثاء والأربعاء، فهما مع اليومين السابقين أربعة.
стр. 7220
فإتمام حوائج الأرض ومتطلباتها في أيام أربعة كاملة لأجل السائلين، أي الطالبين للأقوات المحتاجين إليها، أو جوابا على سؤال السائلين القائلين بطبيعتهم: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ وإنما قال: ﴿سَواءً﴾ للدلالة على أن تلك الأيام الأربعة كانت متساوية غير مختلفة. وتخصيص الأرض بالأنواع الثلاثة: الرواسي والبركة وتقدير الأقوات إشارة إلى الاعتناء بأمر المخاطبين، فكان الأجدر بهم ألا يحصل منهم كفر أو شرك.
ثم ذكر الله تعالى خلق السماء، فقال:
﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ، وَهِيَ دُخانٌ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ: اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ أي ثم عمد وقصد وتوجه توجّها كاملا إلى السماء حسبما تقتضي الحكمة، وهي كتلة غازية مظلمة تشبه الدخان أو السحاب أو السديم (وهو عالم السديم في اصطلاح العلماء) فأمر بأن تكون بشمسها وقمرها ونجومها، كما أمر بتكوين ما في الأرض من أنهار وثمار ونبات، فتمّ خلقهما، وأتت السماء والأرض منقادتين خاضعتين للأمر الإلهي طائعين أو مكرهين. وهذا هو المراد بقوله تعالى لتلك العوالم السماوية والأرضية: ائتيا طائعتين أو كارهتين، فأجابتا بقولهما: أتينا طائعين. قيل: إن خلق السموات وما فيها تمّ في يوم الخميس والجمعة. وفائدة قوله تعالى: ﴿فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ.﴾. إظهار كمال القدرة والتقدير.
قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: ﴿فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ.﴾.: قال الله ﵎ للسموات: أطلعي شمسي وقمري ونجومي، وقال للأرض:
شققي أنهارك، وأخرجي ثمارك، قالتا: أتينا طائعين.
وبه يتبين أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً.﴾. هو كناية عن إيجاد السماء والأرض. وإنما
стр. 7221
خصص الاستواء بالسماء دون الأرض مع توجهه توجها كاملا لخلقهما هو رعاية السماء في مقابل تقدير الأرض.
والتوفيق بين هذه الآية: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ.﴾. وآية ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ [النازعات ٣٠/ ٧٩]، المشعر بأن خلق الأرض حصل بعد خلق السماء: هو أن يقال-كما ذكر الرازي-: إنه تعالى خلق الأرض في يومين أولا، ثم خلق بعدها السماء، ثم بعد خلق السماء دحا الأرض أي بسطها، فيزول التناقض (١). ثم ناقش الرازي هذا الجواب واستشكله من وجوه.
وقال أبو حيان: والمختار عندي أن يقال: خلق السماء مقدم على خلق الأرض، وتأويل الآية أن الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد، بل الخلق عبارة عن التقدير، وهو في حقّه تعالى حكمه أن سيوجد، وقضاؤه بأن سيحدث كذا في مدة كذا: لا يقتضي حدوثه في ذلك الحال، فلا يلزم تقديم إحداث الأرض على إحداث السماء (٢).
والمقصود بهذا أن المراد من خلق الأرض، وجعل الرواسي فيها، والمباركة فيها، وتقدير أقواتها فيها هو التقدير، أي قدر خلق الأرض والسماء، ويكون الإتيان طوعا أو كرها بيانا لكيفية التكوين إثر بيان كيفية التقدير. وعلى كل حال يمكن فهم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ﴾ بأن الترتيب في الذكر فحسب، لا الترتيب في الواقع، فإن خلق السماء كان في رأي أبي حيان قبل خلق الأرض.
والسبب في ذكر السماء مع الأرض وأمرهما بالإتيان، والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين: هو أن الله قد خلق جرم الأرض أولا غير مدحوة أي غير
стр. 7222
منبسطة، ثم دحاها بعد خلق السماء، كما قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ [النازعات ٣٠/ ٧٩]، والمعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف، ائت يا أرض مدحوة قرارا ومهادا لأهلك، وائت يا سماء مقببة سقفا لهم، ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع.
ودحو الأرض وبسطها إنما هو بالنسبة لنظر الناظر وموقع الإنسان الذي يعيش عليها، والحقيقة أن الأرض كرة منذ أول حدوثها.
وإتيان الأرض طائعة يدلّ على حركتها المستمرة الطائعة على وفق قانون الجاذبية الأرضية، فهي مجذوبة إلى الشمس التي هي أصلها بحركة دورية دائمة طوعا لا قسرا، وإتيان الأرض والسماء دليل على حركتهما، فالأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، والشمس تدور حول نفسها وحول شموس أخرى أكبر منها.
وبعد أن ذكر الله تعالى تمام خلق الأرض، ذكر كيفية تكوين السموات السبع وبيان نظامها، فقال: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ، وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها﴾ أي فأتمّ خلق السموات السبع وأحكمهنّ وفرغ منهن في مقدار يومين أو نوبتين سوى الأيام الأربعة التي خلق فيها الأرض، فأصبح خلق السموات والأرض في أيام ستة كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ (١). قال مجاهد: ويوم من الأيام الستّة كألف سنة مما تعدّون.
وأوحى في كل سماء أمرها، أي جعل فيها النظام الذي تجري عليه الأمور فيها، قال قتادة: أي خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها (مداراتها) وما فيها من الملائكة والبحار والبرد والثلوج.
стр. 7223
﴿وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي وزيّنّا سماء الدنيا بكواكب منيرة مضيئة مشرقة على أهل الأرض، متلألئة عليها كتلألئ المصابيح، وخلقنا المصابيح زينة وحفظا من الشياطين الذين يسترقون السمع، وحفظناها من الاضطراب في سيرها، ومن اصطدام بعضها ببعض، فهي تسير في نظام محكم وعلى منهج ثابت.
ذلك النظام البديع هو من ترتيب الله القادر على صنع كل شيء، والذي يعلم كل شيء، فهو القوي القاهر الذي غلب كل شيء وقهره، وهو العليم بمصالح العباد وبحركاتهم وسكناتهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
١ - أمر الله تعالى بتوبيخ الكفار المشركين والتّعجب من فعلهم وكفرهم بالله الذي هو خالق السموات والأرض، واتّخاذهم الأضداد والشركاء من الأصنام وغيرها معبودات مع الله الذي خلقها وخلق جميع العوالم من الملائكة والإنس والجن وغيرهم، وخلق الأرض في يومي الأحد والاثنين.
٢ - إن الخلق والتكوين والإبداع هو دليل قاطع على وجود الله وكمال قدرته وحكمته وعلمه الشامل.
٣ - والله تعالى أيضا هو الذي جعل في الأرض جبالا ثوابت مرتفعة عليها، وبارك فيها بما خلق فيها من المنافع، وقدّر أرزاق أهلها ومصالحهم، وذلك في يومي الثلاثاء والأربعاء، فذلك تمام الأيام الأربعة مع اليومين المتقدمين في خلق الأرض، وهي أيام أربعة مستوية لا زيادة فيها ولا نقصان، للسائلين وغير السائلين، أي خلق الأرض وما فيها لمن سأل ولمن لم يسأل، ويعطي من سأل ومن لا يسأل.
стр. 7224
٤ - ثم عمد تعالى إلى السموات وهي في حالة دخان أي كتلة غازية مظلمة، فنقلها من صفة الدخان إلى حال الكثافة، وتمّ الأمر الإلهي للأرض والسماء بأن يجيئا بما خلق فيهما من المنافع والمصالح والخروج للخلق، فاستجابتا للأمر وانقادتا له.
٥ - أكمل الله تعالى خلق السموات السبع وفرغ منهن في مقدار يومين هما يوما الخميس والجمعة، سوى الأيام الأربعة التي خلق فيها الأرض، فصار خلق السموات والأرض في أيام ستة، كما قال تعالى ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾.
٦ - لم يكن خلق السموات خاليا من النظام، وإنما نظم تعالى أمرها، فخلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها، وأوجد في كل سماء ملائكة، وأودع فيها خزائن المطر، وجعل لها نظاما بديعا تسير عليه دون توقّف ولا تعثّر ولا تصادم مع غيرها، وجعل الكواكب مختصة بالسماء الدنيا، وحفظها من كل اضطراب ومن الشياطين الذين يسترقون السمع.
٧ - ظاهر هذه الآية يدلّ على أن الأرض خلقت قبل السماء، وقال تعالى في آية أخرى: ﴿أَمِ السَّماءُ بَناها، رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها، وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ [النازعات ٢٧/ ٧٩ - ٣٠]، وهذا يدلّ على خلق السماء أولا.
فقال ابن عباس: خلقت الأرض قبل السماء، فأما قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ فالدّحو غير الخلق، فالله خلق الأرض، ثم خلق السموات، ثم دحا الأرض، أي مدّها وبسطها. وأيّده ابن كثير قائلا: ففصل ها هنا في هذه الآيات ما يختص بالأرض مما اختص بالسماء، فذكر أنه خلق الأرض أولا، لأنها كالأساس، والأصل أن يبدأ بالأساس، ثم بعده بالسقف، كما قال :
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ، فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [البقرة ٢٩/ ٢].
стр. 7225
وأما آية دحو الأرض فكان بعد خلق السماء، وأما خلق الأرض فقبل خلق السماء بالنّص، كما ذكر ابن عباس ﵁ (١). وهذا مفاد كلام الرازي المتقدم.
وقال مقاتل: خلق الله السموات قبل الأرض، وتأويل قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ﴾: ثم كان قد استوى إلى السماء وهي دخان، وقال لها قبل أن يخلق الأرض، فأضمر فيه (كان) كما قال تعالى: ﴿قالُوا: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف ٧٧/ ١٢]، معناه: إن يكن سرق. وردّ عليه الرّازي بأن كلمة (ثم) تقتضي التأخير (٢).
تهديد المشركين بمثل صاعقة عاد وثمود
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤) فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾
стр. 7226
الإعراب:
﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ ﴿أَمّا﴾: حرف تفصيل فيه معنى الشرط، لذا جاءت الفاء في ﴿فَهَدَيْناهُمْ﴾ الذي هو خبر المبتدأ، الذي هو ﴿ثَمُودُ﴾. والأصل في الفاء أن تكون مقدّمة على المبتدأ، إلا أنهم أخروها إلى الخبر، لئلا يلي حرف الشرط فاء الجواب، فهي في تقدير التقديم، لذا جاز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، مثل: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى ٩/ ٩٣ - ١٠] فنصب اليتيم والسائل بما بعد الفاء، لأنها في تقدير التقديم.
ومن قرأ ﴿ثَمُودُ﴾ بالنصب، نصبه بفعل مقدر، يفسره هذا الظاهر، تقديره: مهما يكن من شيء، فهدينا ثمود فهديناهم. وقرئ «ثمود وثمود» بالصرف وترك الصرف، فمن صرفه «ثمود» جعله اسم الحي، ومن لم يصرفه «ثمود» جعله اسم القبيلة، فلم يصرفه للتعريف والتأنيث.
﴿أَلاّ تَعْبُدُوا﴾ أن: مفسرة، لأن مجيء الرسل بالوحي فيه معنى القول، ولا: ناهية، أو مصدرية ولا: ناهية، أو مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن.
البلاغة:
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ بعد قوله: ﴿قُلْ: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ التفات من الخطاب إلى الغيبة، إظهارا لعدم المبالاة بهم والاستخفاف بشأنهم، ففي دعوتهم للإيمان خوطبوا اجتذابا لهم، وفي حال إعراضهم عن الإيمان بعد البيان، أهملوا.
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ أي كفار مكة عن الإيمان بعد هذا البيان. ﴿أَنْذَرْتُكُمْ﴾ خوفتكم بنزول العذاب. ﴿صاعِقَةً﴾ عذابا شديدا يهلكهم كأنه صاعقة. ﴿مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ أي مثل العذاب الذي أهلكهم. والصاعقة في الأصل: صيحة الهلاك أو قطعة النار النازلة من السماء مع رعد شديد. ﴿إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ ﴿إِذْ﴾ هنا: ظرف ﴿صاعِقَةً﴾ الثانية، لأنها بمعنى عذاب، أو حال منها لإضافتها، وقد جاءهم هود وصالح داعيين إلى الإيمان بهما، وبجميع الرسل ممن جاء.
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي من قبلهم ومن بعدهم، فكأن الرسل جميعا قد جاءوهم.
﴿أَلاّ تَعْبُدُوا﴾ «أن» مفسرة بمعنى أي، أو أنها مخففة من الثقيلة، أصله: بأنه
стр. 7227
لا تعبدوا، أي بأن الشأن والحديث قولنا لكم: ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا﴾. ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ مفعول شاء محذوف، أي لو شاء ربنا إرسال الرسل. ﴿لَأَنْزَلَ﴾ علينا. ﴿فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أي فإذا أنتم بشر، ولستم بملائكة، فإنا لا نؤمن بكم وبما جئتم به. وقوله ﴿بِما أُرْسِلْتُمْ﴾ ليس إقرارا منهم بالإرسال، وإنما هو على حسب كلام الرسل، أي في زعمكم، وفيه تهكم، كما قال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء ٢٧/ ٢٦] وقولهم: ﴿فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء الذين دعوا إلى الإيمان بهم.
﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي فتعظموا فيها على أهلها بغير استحقاق.
﴿مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً؟﴾ أي لا أحد، وهذا اغترار بقوتهم وعزيمتهم، كان واحدهم يقلع الصخرة العظيمة من الجبل بيده، ثم يجعلها حيث يشاء. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعلموا. ﴿أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي قدرة، فإنه قادر بالذات، مقتدر على ما لا يتناهى، قوي على ما لا يقدر عليه غيره. ﴿وَكانُوا بِآياتِنا﴾ المعجزات. ﴿يَجْحَدُونَ﴾ ينكرونها مع معرفتهم بأنها حق، ﴿وَكانُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾.
﴿رِيحاً صَرْصَراً﴾ شديدة البرد، تهلك بشدة بردها، مأخوذ من الصرّ: وهو البرد الذي يصرّ، أي يجمع، أو هي شديدة الصوت في هبوبها، من الصرير، فهي باردة شديدة الصوت بلا مطر. ﴿نَحِساتٍ﴾ مشؤومات عليهم. ﴿عَذابَ الْخِزْيِ﴾ عذاب الذل. ﴿أَخْزى﴾ أشد ذلا.
﴿وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ بمنعه عنهم.
﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ أي بينا لهم طريق الهدى والحق، بإرسال الرسل وبيان الحجج والأدلة. ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ أي فاختاروا الضلالة والكفر على الإيمان. ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ﴾ صاعقة من السماء فأهلكتهم، والهون: المهين أو الذل. ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من اختيار الضلالة.
المناسبة:
بعد بيان إعراض عبدة الأوثان عن الإيمان بالله بالرغم من الأدلة الدالة على وجوده وتوحيده وقدرته من خلق السموات والأرض، أمر الله تعالى رسوله ص بأن ينذرهم بعذاب شديد مماثل للعذاب الذي نزل بعاد وثمود من قبلهم، مع بيان سبب العذاب النازل بكل قبيلة على حدة.
стр. 7228
التفسير والبيان:
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ: أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق: إن أعرضتم عن الإيمان بالله وبرسالتي، ولم تتدبروا وتتفكروا في هذه المخلوقات الكونية العظيمة، فإني أخوفكم بعذاب شديد قاتل في الحال مشابه لعذاب الأمم الماضية المكذبين بالرسل، كعاد وثمود ونحوهما ممن فعل فعلهما.
﴿إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾ عذبوا بعد أن جاءتهم الرسل المتقدمون الذين بلغتهم رسالاتهم وكلامهم والرسل المتأخرون الذين رأوهم بأنفسهم، وأمروهم بعبادة الله وحده، فكذبوهم وأدبروا عنهم، وتذرعوا بأن الرسل ملائكة لا بشر كما قال تعالى:
﴿قالُوا: لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً، فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أي قالوا لرسلهم: لو شاء ربنا إرسال الرسل لأرسل إلينا ملائكة، ولم يرسل إلينا بشرا من جنسنا لا فضل لهم علينا، فإنا بما أرسلتم به أيها البشر-في زعمكم-كافرون منكرون، فلا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا.
ولا بأس من إعادة قصة عتبة هنا برواية أخرى مفيدة لمعرفة مدى تأثير القرآن وهذه الآيات بالذات في النفوس إذا تجردت عن الأهواء والعصبيات، أخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: «قال أبو جهل والملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلا عالما بالسحر والكهانة والشعر، فكلّمه، ثم أتانا ببيان من أمره. فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت السحر والكهانة والشعر، وعلمت من ذلك علما، وما يخفى عليّ إن كان كذلك، فأتاه، فقال: يا محمد، أنت خير أم هاشم، أنت خير أم عبد المطلب؟ فلم يجبه، قال: لم تشتم آلهتنا وتضللنا؟ إن كنت تريد
стр. 7229
الرياسة عقدنا لك اللواء فكنت رئيسنا، وإن تك بك الباءة (الميل للنساء) زوجناك عشر نسوة تختارهن، أيّ بنات من شئت من قريش، وإن كان المال مرادك جمعنا لك ما تستغني به، ورسول الله ساكت، فلما فرغ،
قال ص:
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ -إلى قوله- ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا، فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾، فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم، فرجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم قالوا: لا نرى عتبة إلا قد صبأ، فانطلقوا إليه، وقالوا: يا عتبة، ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت، فغضب وأقسم لا يكلم محمدا أبدا، ثم قال: والله لقد كلمته، فأجابني بشيء ما هو بشعر ولا سحر ولا كهانة، ولما بلغ ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ أمسكت بفيه، وناشدته الرحم، ولقد علمت أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب».
ثم بدأ الله تعالى بتفصيل ما حصل من قوم عاد وثمود، بعد الإجمال، فقال:
﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَقالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً؟﴾ أي فأما قوم عاد فتكبروا عن الإيمان بالله وتصديق رسله، واستعلوا على من في الأرض بغير استحقاق، وبغوا وعتوا وعصوا ربهم، وقالوا: لا أحد أقوى منا، حتى يقهرنا، وقد كانوا ذوي أجسام طوال وقوة شديدة، فاغتروا بأجسامهم حين تهددهم هود ﵇ بالعذاب، ومرادهم بهذا القول أنهم قادرون على دفع ما ينزل بهم من العذاب.
فرد الله عليهم موبخا، فقال:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً؟ وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أي أو لم يعلموا ويتفكروا فيمن يبارزون بالعداوة؟ فإنه العظيم الذي
стр. 7230
خلق الأشياء وما فيها من القوى، وإن بطشه لشديد، فهو قادر على أن ينزل بهم من أنواع عقابه ما شاء بقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وهم يعرفون مدى أحقية آياتنا وثبوتها، ولكنهم يجحدون بها ويعصون الرسل، وينكرون معجزاتهم والأدلة الدامغة التي هي حجة عليهم.
ثم ذكر الله تعالى نوع عقابهم، فقال:
﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ، لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى، وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ أي فأرسلنا عليهم ريحا شديدة البرد وشديدة الصوت تحرق وتدمر ما أتت عليه في فترة أيام مشؤومات متتابعات، كما قال تعالى: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً﴾ [الحاقة ٧/ ٦٩].
وغاية ذلك العذاب أن نذيقهم عذاب الذل والهوان في الدنيا بسبب استكبارهم، وإن عذاب الآخرة أشد إهانة وإذلالا من عذاب الدنيا، وهم لا يجدون ناصرا ينصرهم ولا دافعا يدفع عنهم العذاب، لا في الآخرة ولا في الدنيا.
ثم فصل تعالى جناية ثمود، فقال:
﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ أي وأما قبيلة ثمود، فبيّنا لهم طريق الحق والهدى والنجاة، بإرسال الرسل إليهم، وبيان الأدلة الكونية من مخلوقات الله على توحيدنا، فاختاروا الكفر على الإيمان، وآثروا العصيان على الطاعة، وكذبوا رسولهم، وعقروا ناقة الله التي هي دليل صدق نبيهم.
فكان عذابهم ما أخبر عنه تعالى:
﴿فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي فبعثنا عليهم
стр. 7231
صيحة ورجفة وعذابا مهينا بسبب كسبهم وهو التكذيب والجحود. وقوله:
﴿صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ﴾ أي داهية العذاب الهوان.
﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ أي وأنقذنا من العذاب صالحا ﵇ ومن معه من المؤمنين برسالته، المتقين ربهم بإقامة فرائضه وترك معاصيه، لم يمسهم سوء، ولا نالهم من ذلك ضرر ولا مكروه.
فقه الحياة أو الأحكام:
يؤخذ من الآيات ما يأتي:
١ - إن الإصرار على الكفر سبب لعذاب الدنيا والآخرة، فلما أصر كفار قريش على الكفر والجهل، لم يبق علاج في حقهم إلا إنزال العذاب عليهم، ولكن الله برحمته أراد إنذارهم أولا وتخويفكم هلاكا مثل هلاك عاد وثمود.
٢ - لم يترك الله سبيلا لثني كفار عاد وثمود عن كفرهم، فأرسل إليهم كما أرسل إلى من قبلهم رسلا يدعونهم إلى عبادة الله وحده، فتذرعوا بأن الرسول ينبغي أن يكون من الملائكة، والله قادر على إنزال ملائكة بدل الرسل، وأضافوا بأنهم كافرون بما جاء به الرسل من الإنذار والتبشير.
٣ - كان من جناية عاد أنهم تكبروا في الأرض على عباد الله: هود ومن آمن معه، بغير حق ولا موجب للتكبر، واغتروا بأجسامهم حين تهدّدهم هود ﵇ بالعذاب. ولكنهم قوم حمقى فإن الله أقدر منهم وأقوى، فلم يتفكروا في ذلك، وكفروا بالمعجزات. وتضمن استكبارهم أمرين:
الأول-إظهار الكبر وعدم الالتفات إلى الغير.
والثاني-الاستعلاء على الغير.
٤ - تدل الآية على إثبات القدرة والقوة لله تعالى، كما قال: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ
стр. 7232
الرَّزّاقُ، ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات ٥٨/ ٥١] وقدرة العبد متناهية محدودة، وقدرة الله لا نهاية لها وغير محدودة. فقوله تعالى: ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ليس المراد به المفاضلة أو النسبة التفضيلية، وإنما هو على منوال قولنا: (الله أكبر) فلا يراد بالتفضيل معناه المعروف، فهو كما يقولون: ليس على بابه.
٥ - عذّب الله في الدنيا قبيلة عاد بإرسال ريح باردة شديدة البرد، وشديدة الصوت والهبوب، في مدى سبعة أيام مشؤومات متتابعات، وسيكون عذابهم يوم القيامة في النار أشد وأعظم من عذاب الدنيا، ولا يجدون ناصرا ينصرهم من العذاب.
٦ - لقد بيّن الحق تعالى لقبيلة ثمود الهدى والضلال، فاختاروا الكفر على الإيمان، والمعصية على الطاعة، والضلالة على الرشد، فأرسل الله عليهم قارعة صاعقة مدمرة محرقة هي الصيحة والرجفة والذل والهوان بسبب تكذيبهم صالحا ﵇ وعقرهم الناقة.
٧ - جرت سنة الله عدلا وفضلا ورحمة على إنجاء المؤمنين، فقد نجّى الله تعالى صالحا ﵇ ومن آمن به، وميّزهم عن الكفار، فلم يحلّ بهم ما حلّ بالكفار، وهذا كعادة القرآن في قرن الوعد بالوعيد.
والعبرة من إيراد قصة عاد وثمود: العظة والعبرة والتخويف والتحذير، وتهديد مكذبي الرسل، والإخبار بأنه تعالى يفعل بمؤمني قوم النبي ص وكفارهم ما فعل بعاد وثمود، وكل ذلك بقصد التخويف للإقلاع عن موجبات العذاب.
أما في الواقع فإن مثل ذلك العذاب لا يقع في أمة محمد ص، لقوله تعالى:
﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال ٣٣/ ٨] وجاء في الأحاديث الصحيحة: أن الله تعالى رفع عن هذه الأمة هذه الأنواع من الآفات الشاملة.
стр. 7233
كيفية عقوبة الكفار في الآخرة
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥)﴾
الإعراب:
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ.﴾. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب بفعل دل عليه. ﴿يُوزَعُونَ﴾ وتقديره: يساق الناس يوم يحشر، أو منصوب بتقدير: اذكر.
﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ أن وصلتها: في موضع نصب، بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: وما كنتم تستترون عن أن يشهد عليكم، فحذف «عن» فاتصل الفعل به.
﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ﴾ ﴿ذلِكُمْ﴾: مبتدأ، و ﴿ظَنُّكُمُ﴾: خبره، و ﴿أَرْداكُمْ﴾: خبر ثان.
стр. 7234
البلاغة:
﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ﴾ أي واذكر حين يجمع، فعل مبني للمجهول أو للفاعل وهو الله تعالى، وقرئ: (نحشر أعداء). ﴿يُوزَعُونَ﴾ يساقون بعد أن يحبس أولهم ليلحق آخرهم لئلا يتفرقوا، من وزعته: كففته، والمراد: كثرة أهل النار. ﴿حَتّى إِذا ما﴾ ﴿حَتّى﴾ غاية لقوله:
﴿يُوزَعُونَ﴾ و ﴿ما﴾ صلة زائدة لتأكيد ارتباط المجيء بشهادة الأعضاء، واتصال الشهادة بالحضور. ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بأن ينطقها الله فعلا، أو تظهر عليها آثار تدل على ما اقترف بها، فتنطق بلسان الحال.
﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا؟﴾ سؤال توبيخ أو تعجب، والجلود: الجلود المعروفة، وقيل: هي الجوارح أو الفروج. ﴿قالُوا: أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي ما نطقنا باختيارنا، بل أنطقنا الله الذي أراد نطق كل شيء، ولو كان النطق مؤوّلا بدلالة الحال، بقي الشيء عاما في الموجودات الممكنة. ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يحتمل أن يكون من تمام كلام الجلود، وأن يكون استئنافا من كلام الله تعالى، كالذي بعده. والمعنى: إن القادر على إنشائكم ابتداء، وإعادتكم بعد الموت أحياء، قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم.
﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ.﴾. أي ما كنتم تتسترون وتستخفون عند ارتكاب الفواحش من أن تشهد عليكم أعضاؤكم، وما ظننتم أن أعضاءكم تشهد عليكم، لأنكم لم توقنوا بالبعث. وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن يشعر في كل حال بوجود رقيب عليه. ﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ظننتم ألا يعلم الله بكم، فلذلك اجترأتم على المعاصي.
﴿ذلِكُمْ﴾ إشارة إلى ظنهم هذا. ﴿أَرْداكُمْ﴾ أهلككم. ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ إذ جعلتم ما هو سبب للسعادة سببا للشقاوة.
﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ على العذاب. ﴿فَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ مأوى. ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ يطلبوا العتبى، أي الرضا. ﴿فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ المرضيين المجابين إلى ما يطلبون، أي المقبولين عتابهم، يقال: استعتبته فأعتبني، أي استرضيته فأرضاني، وأعتبني فلان: إذا عاد إلى مسرتي راجعا عن الإساءة. ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ﴾ هيأنا لهم ويسرنا شياطين الإنس والجن، يستولون عليهم.
﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الدنيا واتباع الشهوات. ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الآخرة، بقولهم: لا بعث ولا حساب. ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ ثبت ووجب عليهم القول بالعذاب، وهو:
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ.﴾. الآية [هود ١١٩/ ١١] وهو القضاء المحتم. ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في جملة أمم. ﴿قَدْ
стр. 7235
خَلَتْ﴾ هلكت. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ وهم الذين عملوا مثل عملهم. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ تعليل لاستحقاقهم العذاب.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٢):
﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾: أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن ابن مسعود ﵁ قال: «كنت مستترا بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر:
قرشيّ وختناه (١) ثقفيّان-أو ثقفيّ وختناه قرشيان-كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه كلّه-قال-: فذكرت ذلك للنبي ص، فأنزل الله : ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ﴾.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى كيفية عقوبة أولئك الكفار الجاحدين في الدنيا، أردفه ببيان كيفية عقوبتهم في الآخرة، ليكون ذلك أتم في الزجر والتحذير. ثم ذكر تعالى بقوله: ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ.﴾. سبب بقائهم في الكفر. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز أن يقيض لهم القرناء من الشياطين وهو ينهاهم عن اتباع خطواتهم؟ قلت: معناه: أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر، فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين، والدليل عليه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً، فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف ٣٦/ ٤٣] (٢).
стр. 7236
التفسير والبيان:
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النّارِ، فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي واذكر أيها الرسول لقومك قريش حال الكفار يوم القيامة ليرتدعوا وينزجروا حين يساقون جميعا إلى النار بعنف، بعد إيقاف أولهم ليلحق بهم آخرهم كيلا يتفرقوا، وليتلاحقوا ويجتمعوا، فتجمع الزبانية أولهم على آخرهم، كما قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم ٨٦/ ١٩].
وأعداء الله تعالى: كل من كذب رسله واستكبر عن عبادته. وفي الآية إشارة إلى جموع الكفار وكثرتهم وإهانتهم في سوقهم.
﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها، شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي يوزعون إلى أن يصلوا إلى النار ويقفوا عليها، فيسألون عما أجرموا، فإذا أنكروا تشهد عليهم جوارحهم بما اقترفت من الشرك والمعاصي وما عملوا في الدنيا، بأن ينطقها الله بما كتمت الألسن كما أنطق الشجرة، بأن يخلق فيها كلاما، والجلود: هي جلودهم المعروفة، وقيل: المراد بالجلود: الجوارح (الأعضاء) وشهادة الجلود: بالملامسة للحرام وما أشبه ذلك مما يفضي إليها من المحرّمات. واقتصر من الحواس الخمس على ثلاث منها وهي السمع والبصر واللمس، فإن آلة اللمس: هي الجلد، باعتبارها وسائل قوية للعصيان. أما الذوق فهو داخل في اللمس، وأما الشم فهو حسّ ضعيف في الإنسان، وليس لله فيه تكليف ولا أمر ولا نهي. وقوله ﴿سَمْعُهُمْ﴾ مفرد مضاف فيعم، ويصبح نظير جمع الأبصار والجلود.
فيحدث التعجب من الإنسان، كما حكى تعالى:
﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا: أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي يقول هؤلاء على جهة اللوم والمؤاخذة لأعضائهم وجلودهم حين شهدوا
стр. 7237
عليهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾؟ فتجيبهم الأعضاء معتذرين: لقد أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء من مخلوقاته، فإنه كما أنطق الألسن في الدنيا، فكذلك أنطقنا في الآخرة، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ، وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ، وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس ٦٥/ ٣٦].
﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي من قدر على خلقكم وإنشائكم في ابتداء الأمر، قدر على إعادتكم ورجوعكم إليه، فإليه المصير بعد الموت، فيحاسب ويجازي كل نفس بما كسبت. وهذا إما تتمة كلام الجلود، أو من كلام الله تعالى.
أخرج مسلم في صحيحة والبزار وغيرهما عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كنا عند رسول الله ص، فضحك، فقال: هل تدرون ممّا أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول-أي العبد لربه-: ألم تجرني من الظلم (١)؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني، قال: يقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا، قال: فيختم على فيه (فمه) فيقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلّى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بعدا لكنّ وسحقا، فعنكنّ كنت أناضل».
﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ هذا إما من كلام الجلود أو من كلام الله سبحانه كسابقه أو من كلام الملائكة، أي ما كنتم تتسترون وتستخفون حين فعل الأعمال القبيحة ومباشرتكم الفواحش، حذرا أو مخافة من شهادة الجوارح عليكم، بل كنتم تجاهرون بالكفر والمعاصي.
стр. 7238
ولما كان الإنسان لا يقدر على أن يستخفي من جوارحه عند مباشرة المعصية، كان معنى الاستخفاء هنا ترك المعصية، خوفا من هذه الشهادة.
﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أي ولكنكم ظننتم ظنا مخطئا أن الله حال ارتكابكم المعاصي لا يعلم كثيرا مما تعملون من المعاصي، فاجترأتم على فعلها.
وفي الآية إيماء إلى أنه ينبغي للمؤمن أن يفكر دائما بوجود رقيب عليه.
﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أي إن ظنكم بأن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون، وهو ظن فاسد، جرّأكم على المعصية، فتسارعتم فيها، وذلك أهلككم وطرحكم في النار، فصرتم من الخاسرين، إذ جعلتم ما هو سبب للسعادة سببا للشقاوة.
أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه عن جابر بن عبد الله ﵁ قال:
قال رسول الله ص: «لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن بالله الظن، فإن قوما قد أرداهم سوء ظنهم بالله، فقال الله تعالى: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾.
﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ، وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ أي فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر، أو لم يصبروا، هم في النار، لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها، فهي مأواهم ومحل استقرارهم، وإن طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا أعذارا عن ذنوبهم، فما لهم أعذار، ولا يقبل منهم الاعتذار والاسترضاء، لأنهم فارقوا الدنيا التي هي دار العمل والتكليف،
قال ﵊ فيما ذكره ابن الأثير وغيره عن ابن عباس: «ولا بعد الموت من مستعتب» أي ليس بعد الموت من معذرة أو استرضاء، لأن الآخرة دار جزاء، لا دار عمل.
ثم أبان الله تعالى سبب بقائهم في الكفر، فقال:
стр. 7239
﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ، فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي وسلّطنا عليهم قرناء من شياطين الإنس والجن، فحسّنوا لهم أعمالهم في الماضي والمستقبل، وزيّنوا لهم ما بين أيديهم من أمور الدنيا وشهواتها، وأغروهم بالمعاصي، وزينوا لهم ما خلفهم من أمور الآخرة، فقالوا: لا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار، فلم يروا أنفسهم إلا محسنين، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ، نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ. وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٣٦/ ٤٣ - ٣٧].
﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ أي وثبت لهم العذاب في جملة أمم كافرة مضت على الكفر قبلهم، فعلوا كفعلهم من الجن والإنس، فوجب لهم العذاب نفسه، وإنهم كانوا وإياهم متساوين في الخسارة والدمار، بتكذيبهم وسوء أفعالهم، ولم يربحوا شيئا.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الأحكام التالية:
١ - يجمع الكافرون جمعا واحدا يوم القيامة، فيحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، ثم يساقون ويدفعون جميعا إلى جهنم.
٢ - إذا جاؤوا إلى النار شهدت عليهم جوارحهم وأسماعهم وأبصارهم وجلودهم، وهي الجلود المعروفة بأعيانها في قول أكثر المفسرين. وكيفية الشهادة: أنه تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فيها، فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه، وهذا هو الظاهر المناسب للآية بعدها، وقيل: أن يظهر على تلك الأعضاء أمارات وأحوال تدل على صدور تلك الأعمال من الإنسان.
٣ - يتعجب الكفار من شهادة أعضائهم عليهم، فيسألونهم: لم شهدتم علينا، وإنما كنا نجادل عنكم؟ فيجيبون: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء،
стр. 7240
فالذي قدر على إحيائكم في المرة الأولى في الدنيا ثم إعادتكم أحياء في الآخرة، قادر على أن ينطق الجلود وغيرها من الأعضاء.
٤ - يجيبون أيضا: ما كنتم تستخفون من أنفسكم، حذرا من شهادة الجوارح عليكم، لأن الإنسان لا يمكنه أن يخفي من نفسه عمله، فيكون الاستخفاء بمعنى ترك المعصية.
ولقد ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا من أعمالكم، فجادلتم على ذلك، حتى شهدت عليكم جوارحكم بأعمالكم. وكما تكون الشهادة بالشر والسوء تكون بالخير.
ذكر أبو نعيم الحافظ عن معقل بن يسار عن النبي ص قال: «ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادى فيه: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل غدا عليك شهيد، فاعمل فيّ خيرا أشهد لك به غدا، فإني لو قد مضيت لم ترني أبدا، ويقول الليل مثل ذلك».
٥ - وإن ظنكم أن الله لا يعلم كثيرا من أعمالكم هو الذي أهلككم، فأرداكم النار، قال قتادة: «الظن هنا بمعنى العلم» والظن هنا قبيح فاسد. والظن الفاسد: هو أن يظن بالله تعالى أنه يعزب عن علمه بعض هذه الأحوال.
وقال قتادة أيضا: الظن نوعان: ظن منج وظن مرد، فالمنجي: قوله:
﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة ٢٠/ ٦٩] وقوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ٤٦/ ٢]. وأما الظن المردي: فهو قوله: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ﴾.
وقال العلماء: الظن قسمان:
أ-حسن: وهو أن يظن بالله الرحمة والفضل والإحسان، قال الله تعالى في الحديث القدسي فيما أخرجه مسلم والحاكم عن أنس: «أنا عند ظن عبدي بي».
стр. 7241
ب-قبيح: وهو أن يظن أن الله لا يعلم بعض الأفعال.
وقال الحسن البصري: إن قوما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي، وقد كذب، ولو أحسن الظن لأحسن العمل، وتلا قول الله: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾.
٦ - سواء صبر الكفار على العذاب أم لم يصبروا، فالنار مثواهم ومأواهم ومستقرّهم، وإن أرادوا الاعتذار عن كفرهم واسترضاء ربهم، لم يجابوا إلى طلبهم.
٧ - سلّط الله على الكفار قرناء من الجن والشياطين، ومن الإنس أيضا، فحسّنوا وزينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الدنيا حتى آثروها على الآخرة، وزينوا وحسنوا لهم ما بعد مماتهم، ودعوهم إلى التكذيب بأمور الآخرة، ووجب عليهم من العذاب ما وجب على الأمم الذين من قبلهم الذين كفروا ككفرهم، وخسروا أعمالهم في الدنيا وأنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
وهذا يدل على أن الله تعالى يريد الكفر من الكافر، لكن لم يأمره به ولم يرضه له، وحذره منه ومن الإصرار عليه. والإرادة للدلالة على أنه لا يقع شيء في الكون من دون إرادة الله، وإلا كان وقوع الشيء قهرا وعجزا، والله لا يقهر ولا يغلب.
стр. 7242
الصد عن سماع القرآن الكريم
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾
الإعراب:
﴿ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النّارُ﴾ ﴿ذلِكَ جَزاءُ﴾: مبتدأ وخبر، و ﴿النّارُ﴾: إما بدل من ﴿جَزاءُ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو النار، وتكون هذه الجملة بيانا للجملة الأولى، أو مبتدأ وخبره: ﴿لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ﴾.
﴿جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا﴾ ﴿جَزاءُ﴾ منصوب على المصدر بفعله، أي يجازون جزاء.
المفردات اللغوية:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إذا قرأ النبي ص القرآن. ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ عارضوه بالكلام اللغو الذي لا معنى له، وارفعوا أصواتكم بذلك في زمن قراءته لتشوشوا على القارئ. وقرئ بضم الغين والمعنى واحد، يقال: لغي يلغى، ولغا يلغو وألغى: إذا هذى. ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ تغلبونه على قراءته، فيسكت عن القراءة.
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً﴾ المراد بهم هؤلاء القائلون وعامة الكفار.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي لنجازينهم بسيئات أعمالهم أو أعمالهم السيئة، أو المراد لنجازينهم بأقبح جزاء عملهم. ﴿ذلِكَ جَزاءُ.﴾. أي ذلك العذاب الشديد وأسوأ الجزاء هو جزاء أعداء الله الذين كذبوا رسله واستكبروا عن عبادته. ﴿دارُ الْخُلْدِ﴾ دار الإقامة المستمرة التي لا انتقال فيها. ﴿بِآياتِنا﴾ القرآن. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي وهم في النار. ﴿رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أي إبليس وقابيل اللذان منّا الكفر والقتل. ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا﴾ ندوسهما بالأقدام في النار انتقاما منهما. ﴿لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ الأذلين المهانين.
стр. 7243
المناسبة:
بعد بيان الوعيد الشديد للكفار في الدنيا والآخرة، وبيان سببه الذي أوقعهم في الكفر وأبقاهم فيه، ذكر الله تعالى موقفا معاديا آخر لهم، وهو صد الناس عن سماع القرآن والتشويش عند قراءته، لينصرفوا عنه، وهم أنفسهم عند الوقوع في العذاب الشديد يطلبون الانتقام ممن صيّرهم إلى هذا المصير المشؤوم.
التفسير والبيان:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ، وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ أي وقال بعض الكفار لبعض: لا تنصتو لسماع هذا القرآن عند تلاوته أو لا تطيعوه ولا تنقادوا لأوامره، وعارضوه باللغو الذي لا معنى له، من إنشاد الأشعار، ورفع الأصوات والتصفيق والتصفير، والتخليط بالخرافات، حتى تشوشوا على القارئ، ولكي تغلبوه على قراءته، فيسكت.
وقد كان النبي ص وهو في مكة يجهر بتلاوة القرآن لإسماعه الكفار لعلهم يؤمنون به، فكانت قريش يوصي بعضهم بعضا بالتصفيق والتصفير وإنشاد الشعر. قال ابن عباس: قال أبو جهل إذا قرأ محمد، فصيحوا في وجهه حتى لا يدري ما يقول. وهذا دليل على تكذيب مشركي قريش بالقرآن وكفرهم، مثل كفر قوم هود وصالح وغيرهم.
وبعد بيان ذلك هدّدهم الله تعالى بالعذاب الشديد، فقال:
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي فلنجازين جميع الكفار بعذاب شديد، ومنهم كفار قريش في مقابلة معاداتهم لسماع القرآن، ومحاولة صد الناس عن استماعه، ولنجازينهم في الآخرة جزاء أقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وهو الشرك، ونهمل ما عملوا من
стр. 7244
محاسن الأعمال، كصلة الرحم، وإكرام الضيف، لأن ذلك باطل لا أجر لهم فيه مع حالة الكفر.
وهذا وعيد شديد لجميع الكفار، وتعريض بمن لا يخشع ولا يتدبر حين سماع القرآن، فقد أمر الله عباده المؤمنين بالاستماع للقرآن والإنصات له، فقال:
﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ، فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٤/ ٧].
ثم ذكر الله تعالى صفة ذلك العذاب قائلا:
﴿ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النّارُ، لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ، جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أي ذلك الجزاء لأقبح أعمال الكفار وهو دخول النار، هو جزاء أعداء الله الذين كذبوا رسله، واستكبروا عن عبادته، لهم في النار دار الإقامة المستمرة التي لا انقطاع لها، ويجزون ذلك جزاء بسبب جحدهم أن القرآن من عند الله تعالى، وإنكارهم صحة آياته وسلامتها.
ثم بيّن الله تعالى ما يطلبه الكفار من الانتقام ممن أضلوهم عند الوقوع في العذاب الشديد، فقال:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا، لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ أي طلب الكفار من ربهم أن يريهم من أضلهم من فريقي شياطين الجن والإنس الذين كانوا يزينون لهم الكفر والمعاصي، لكي يدوسوهم بأقدامهم، تشفيا وانتقاما منهم، وليكون الفريقان من الأذلين المهانين، في الدرك الأسفل من النار، أشد عذابا منهم، فأجابهم تعالى في موضع آخر: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٨/ ٧]. والشياطين:
إما جني وإنسي، قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام ١١٢/ ٦] وقال سبحانه: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ [الناس ٦/ ١١٤].
стр. 7245
وقيل: هما إبليس وقابيل، لأنهما سنّا الكفر والقتل بغير حق، ويشهد لهذا القول
الحديث المرفوع عند الترمذي: «ما من مسلم يقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من ذنبه، لأنه أول من سنّ القتل»
وقال علي ﵁: هما ابن آدم الذي قتل أخاه، وإبليس، أي لأنهما هما اللذان سنّا المعصية.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - لم يترك كفار قريش سبيلا لمعارضة القرآن بالباطل، بعد أن عجزوا عن معارضته بالحق، فلجئوا إلى الغوغائية والتخليط في الكلام والتصفيق والتصفير عند سماع القرآن، وهذا شأن الجهلة والسفلة أمام صيحة الحق في كل زمان يستخدمون أسلوب اللغو في طمس الحقائق، واللغو: ما لا يعلم له حقيقة ولا تحصيل.
٢ - كان جزاؤهم بسبب كفرهم وتكذيبهم رسول الله ص هو أن يذوقوا في الآخرة العذاب الشديد الذي يتوالى فلا ينقطع، ويحيط بهم في جميع أجزائهم، وأن يجزوا في الآخرة جزاء أقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وأسوأ الأعمال:
الشرك.
٣ - ذلك العذاب الشديد وهو النار هو جزاء جميع الكفار أعداء الله الذين كذبوا الرسل واستكبروا عن عبادة الله تعالى.
٤ - طلب الكفار وهم في النار أن يريهم الله من أضلهم من الجن والإنس، ليدوسوهم تحت أقدامهم في جهنم، وليكونوا من الأذلين المهانين، وفي الدرك الأسفل من النار، تشفيا وانتقاما منهم، ومرادهم أن يضعّف الله عذاب من كان سبب ضلالتهم من الجن والإنس. وهذا مطابق لما قضى به الله من مضاعفة عذاب
стр. 7246
الرؤساء الذين يدعون إلى الضلال، فيعطي كلا منهم ما يستحقه من العذاب والنكال، بحسب عمله وإفساده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ، بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل ٨٨/ ١٦].
ما وعد الله به أهل الاستقامة
﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾
الإعراب:
﴿أَلاّ تَخافُوا﴾ ﴿إِنَّ﴾: مفسرة بمعنى أي أو مخففة من الثقيلة، وأصله: بأنه لا تخافوا، والهاء: ضمير الشأن.
﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ، نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ﴿ما﴾: اسم موصول، وعائده محذوف تقديره: تدّعونه. و ﴿نُزُلاً﴾: إما منصوب على المصدر، وإما منصوب على الحال من الكاف واللام في ﴿وَلَكُمْ﴾. وهو جمع «نازل» كشارف وشرف، وتقديره: ولكم فيها نازلين. والأظهر أن يكون ﴿نُزُلاً﴾ في هذه كقوله تعالى: ﴿هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة ٥٦/ ٥٦] لا جمع «نازل» أي ما أعدّ لهم من الجزاء، وهو حال من ﴿ما تَدَّعُونَ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿قالُوا: رَبُّنَا اللهُ﴾ اعترافا بربوبيته وإقرارا بوحدانيته ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ ثبتوا وداوموا على الاستقامة في العمل الصالح والإقرار بالوحدانية ومقتضياته. وما روي عن الخلفاء الراشدين في معنى
стр. 7247
الاستقامة من الثبات على الإيمان، وإخلاص العمل، وأداء الفرائض فجزئياتها. وقوله ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي عن الإقرار بالربوبية في المرتبة والفضل، من حيث إن الإيمان مبدأ الاستقامة ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف والحزن، أو تتنزل بالبشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وإذا قاموا من قبورهم بألا تخافوا ولا تحزنوا، لا تخافوا من الموت وما بعده، ولا تحزنوا على ما خلّفتم من أهل وولد، ونحن نخلفكم فيه، والخوف:
غم يطرأ على النفس لتوقع مكروه في المستقبل، والحزن: غم يطرأ على النفس لفوات نفع في الماضي.
﴿أَوْلِياؤُكُمْ﴾ أعوانكم في شؤونكم، نحفظكم ونوفقكم لما فيه الخير، ونلهمكم الرشد والحق ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بدل ما يفعل الشيطان بالكفرة ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ بالشفاعة والكرامة حتى تدخلوا الجنة، وحيثما تتعادى الكفرة وقرناؤهم ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ من اللذائذ ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ تتمنون وتطلبون، مأخوذ من الدعاء بمعنى الطلب، وهو أعم من الأول ﴿نُزُلاً﴾ ما أعدّ لهم من الجزاء الحسن، وأصل النزل: الطعام المعدّ للضيف.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٠):
﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ﴾: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ﵁، وذلك أن المشركين قالوا: ربنا الله، والملائكة بناته، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، فلم يستقيموا. وقال أبو بكر: ربنا الله وحده لا شريك له، ومحمد ص عبده ورسوله، فاستقام.
وأخرج الترمذي والنسائي والبزار وغيرهم عن أنس بن مالك: أن رسول الله ص قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللهُ، ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ قال: «قد قال الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها، فهو ممن استقام».
المناسبة:
هذه الآية شروع في بيان أحوال المؤمنين ومصيرهم، بعد بيان أحوال المشركين وعاقبتهم، ليتبين الفرق بين المؤمن والكافر، وبين الطيب والخبيث.
стр. 7248
فبعد أن أطنب الله تعالى في وعيد الكفار، أردفه بهذا الوعد الشريف للمؤمنين، كما هي سنة القرآن في إقران وإتباع أحدهما بالآخر، مثل ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩/ ١٥ - ٥٠].
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أي إن الذين أقروا بربوبية الله وتوحيده، فهو الله وحده لا شريك له، ثم داموا على التوحيد، فلم يلتفتوا إلى إله غير الله، واستقاموا وثبتوا على أمر الله، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته، حتى ماتوا، وهذا يشمل التزام أحكام الشرع الحنيف في العقائد والعبادات والمعاملات والمحظورات قولا وفعلا، لأن الاستقامة لفظ عام. وقد ذكر في حديث بعض مظاهرها،
أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به، فقال: «قل: ربي الله، ثم استقم» قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تخاف علي؟! فأخذ رسول الله ص بطرف لسان نفسه ثم قال: «هذا».
وكذلك ورد عن الخلفاء الراشدين تفسير الاستقامة ببعض جزئياتها، فقال أبو بكر ﵁: استقاموا فعلا كما استقاموا قولا. وقال أيضا: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾: لم يشركوا بالله شيئا. وقال عمر ﵁ وهو يخطب على المنبر: استقاموا والله على الطريقة لطاعته، ثم لم يروغوا روغان الثعالب. وقال عثمان ﵁: ثم أخلصوا العمل لله.
وقال علي ﵁: ثم أدّوا الفرائض.
وأقوال التابعين بمعنى ما ذكر.
﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ
стр. 7249
تُوعَدُونَ﴾ أي تتنزل عليهم الملائكة بما يشرح صدورهم، ويدفع عنهم المخاوف والأحزان، كالبشارة بالنجاة في مواطن ثلاثة: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث، وإزالة الخوف من أمور الآخرة، وإذهاب الحزن عما فاتهم من أمور الدنيا من أهل ومال وولد. وإذا أزيلت مخاوف المستقبل وأحزان الماضي، فقد زالت المضار والمتاعب بالكلية، وحدثت الطمأنينة والسعادة.
وتقول لهم الملائكة: أبشروا بدخول الجنة التي وعدتم بها في الدنيا على ألسنة الرسل، فإنكم واصلون إليها، مستقرون بها، خالدون في نعيمها.
ثم أخبر عما تقوله الملائكة للمؤمنين، فقال تعالى:
﴿نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي نحن المتولون لحفظكم ومعونتكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة، نسددكم ونوفقكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة، نؤنسكم من وحشة القبور، وعند النفخة في الصور، ونؤمّنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم. وهذا من قول الملائكة أو من قول الله تعالى، وهو في مقابلة ما ذكر سابقا في وعيد الكفار حيث قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ﴾.
﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ، نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ أي ولكم في الجنة من جميع ما تختارونه من صنوف اللذات وأنواع الطيبات، ومهما طلبتم وجدتم، وكل ما تتمنون حصلتم عليه، حال كونه معدا لكم ضيافة وعطاء وإنعاما، من غفور لذنوبكم، رحيم بكم، رؤف بأحوالكم، حيث غفر وستر، ورحم ولطف. وقد تقدم أن قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ أعم مما سبقه.
стр. 7250
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت هذه الآيات دلالة قطعية على أن الجزاء منوط بالعمل، فمن أقر بالربوبية والوحدانية والألوهية لله ، واستقام على أوامر الله وطاعته، واجتنب معاصيه وسخطه وغضبه، له الجزاء المفضل في الدنيا والآخرة.
فتلهمه الملائكة ما تقرّ به نفسه وينشرح له صدره، ويزيل مخاوفه، ويبدد أحزانه، وتقول له الملائكة الذين تتنزل بالبشارة: نحن قرناؤكم الذين كنا معكم في الدنيا، نحفظكم ونلهمكم الحق، وإذا كان يوم القيامة لا نفارقكم حتى ندخلكم الجنة. وهذا إما من قول الملائكة، أو من قول الله تعالى، والله ولي المؤمنين ومولاهم، ومن كان الله وليه فاز بكل مطلب، ونجا من كل مخافة.
ولكم في الآخرة كل ما تشتهيه أنفسكم من الملاذ، ولكم كل ما تسألون وتتمنون، رزقا طيبا، وضيافة كريمة، ونعمة عظيمة، من الله الغفار الستّار لذنوب عباده التائبين، الرحيم الرحمن الرؤوف بعباده في جميع الأحوال.
وقد دلت هذه الآية على أن كل هذه الأشياء المذكورة جارية مجرى النزل، والكريم إذا أعطى النّزل، فلا بد وأن يحقق السعادة للمعطي، وتلك السعادة تحدث عند رؤية الله والتجلي والكشف التام.