الرؤساء الذين يدعون إلى الضلال، فيعطي كلا منهم ما يستحقه من العذاب والنكال، بحسب عمله وإفساده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ، بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل ٨٨/ ١٦].
ما وعد الله به أهل الاستقامة
﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾
الإعراب:
﴿أَلاّ تَخافُوا﴾ ﴿إِنَّ﴾: مفسرة بمعنى أي أو مخففة من الثقيلة، وأصله: بأنه لا تخافوا، والهاء: ضمير الشأن.
﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ، نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ﴿ما﴾: اسم موصول، وعائده محذوف تقديره: تدّعونه. و ﴿نُزُلاً﴾: إما منصوب على المصدر، وإما منصوب على الحال من الكاف واللام في ﴿وَلَكُمْ﴾. وهو جمع «نازل» كشارف وشرف، وتقديره: ولكم فيها نازلين. والأظهر أن يكون ﴿نُزُلاً﴾ في هذه كقوله تعالى: ﴿هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة ٥٦/ ٥٦] لا جمع «نازل» أي ما أعدّ لهم من الجزاء، وهو حال من ﴿ما تَدَّعُونَ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿قالُوا: رَبُّنَا اللهُ﴾ اعترافا بربوبيته وإقرارا بوحدانيته ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ ثبتوا وداوموا على الاستقامة في العمل الصالح والإقرار بالوحدانية ومقتضياته. وما روي عن الخلفاء الراشدين في معنى
стр. 7247
الاستقامة من الثبات على الإيمان، وإخلاص العمل، وأداء الفرائض فجزئياتها. وقوله ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي عن الإقرار بالربوبية في المرتبة والفضل، من حيث إن الإيمان مبدأ الاستقامة ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف والحزن، أو تتنزل بالبشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وإذا قاموا من قبورهم بألا تخافوا ولا تحزنوا، لا تخافوا من الموت وما بعده، ولا تحزنوا على ما خلّفتم من أهل وولد، ونحن نخلفكم فيه، والخوف:
غم يطرأ على النفس لتوقع مكروه في المستقبل، والحزن: غم يطرأ على النفس لفوات نفع في الماضي.
﴿أَوْلِياؤُكُمْ﴾ أعوانكم في شؤونكم، نحفظكم ونوفقكم لما فيه الخير، ونلهمكم الرشد والحق ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بدل ما يفعل الشيطان بالكفرة ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ بالشفاعة والكرامة حتى تدخلوا الجنة، وحيثما تتعادى الكفرة وقرناؤهم ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ من اللذائذ ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ تتمنون وتطلبون، مأخوذ من الدعاء بمعنى الطلب، وهو أعم من الأول ﴿نُزُلاً﴾ ما أعدّ لهم من الجزاء الحسن، وأصل النزل: الطعام المعدّ للضيف.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٠):
﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ﴾: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ﵁، وذلك أن المشركين قالوا: ربنا الله، والملائكة بناته، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، فلم يستقيموا. وقال أبو بكر: ربنا الله وحده لا شريك له، ومحمد ص عبده ورسوله، فاستقام.
وأخرج الترمذي والنسائي والبزار وغيرهم عن أنس بن مالك: أن رسول الله ص قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللهُ، ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ قال: «قد قال الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها، فهو ممن استقام».
المناسبة:
هذه الآية شروع في بيان أحوال المؤمنين ومصيرهم، بعد بيان أحوال المشركين وعاقبتهم، ليتبين الفرق بين المؤمن والكافر، وبين الطيب والخبيث.
стр. 7248
فبعد أن أطنب الله تعالى في وعيد الكفار، أردفه بهذا الوعد الشريف للمؤمنين، كما هي سنة القرآن في إقران وإتباع أحدهما بالآخر، مثل ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩/ ١٥ - ٥٠].
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أي إن الذين أقروا بربوبية الله وتوحيده، فهو الله وحده لا شريك له، ثم داموا على التوحيد، فلم يلتفتوا إلى إله غير الله، واستقاموا وثبتوا على أمر الله، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته، حتى ماتوا، وهذا يشمل التزام أحكام الشرع الحنيف في العقائد والعبادات والمعاملات والمحظورات قولا وفعلا، لأن الاستقامة لفظ عام. وقد ذكر في حديث بعض مظاهرها،
أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به، فقال: «قل: ربي الله، ثم استقم» قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تخاف علي؟! فأخذ رسول الله ص بطرف لسان نفسه ثم قال: «هذا».
وكذلك ورد عن الخلفاء الراشدين تفسير الاستقامة ببعض جزئياتها، فقال أبو بكر ﵁: استقاموا فعلا كما استقاموا قولا. وقال أيضا: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾: لم يشركوا بالله شيئا. وقال عمر ﵁ وهو يخطب على المنبر: استقاموا والله على الطريقة لطاعته، ثم لم يروغوا روغان الثعالب. وقال عثمان ﵁: ثم أخلصوا العمل لله.
وقال علي ﵁: ثم أدّوا الفرائض.
وأقوال التابعين بمعنى ما ذكر.
﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ
стр. 7249
تُوعَدُونَ﴾ أي تتنزل عليهم الملائكة بما يشرح صدورهم، ويدفع عنهم المخاوف والأحزان، كالبشارة بالنجاة في مواطن ثلاثة: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث، وإزالة الخوف من أمور الآخرة، وإذهاب الحزن عما فاتهم من أمور الدنيا من أهل ومال وولد. وإذا أزيلت مخاوف المستقبل وأحزان الماضي، فقد زالت المضار والمتاعب بالكلية، وحدثت الطمأنينة والسعادة.
وتقول لهم الملائكة: أبشروا بدخول الجنة التي وعدتم بها في الدنيا على ألسنة الرسل، فإنكم واصلون إليها، مستقرون بها، خالدون في نعيمها.
ثم أخبر عما تقوله الملائكة للمؤمنين، فقال تعالى:
﴿نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي نحن المتولون لحفظكم ومعونتكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة، نسددكم ونوفقكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة، نؤنسكم من وحشة القبور، وعند النفخة في الصور، ونؤمّنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم. وهذا من قول الملائكة أو من قول الله تعالى، وهو في مقابلة ما ذكر سابقا في وعيد الكفار حيث قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ﴾.
﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ، نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ أي ولكم في الجنة من جميع ما تختارونه من صنوف اللذات وأنواع الطيبات، ومهما طلبتم وجدتم، وكل ما تتمنون حصلتم عليه، حال كونه معدا لكم ضيافة وعطاء وإنعاما، من غفور لذنوبكم، رحيم بكم، رؤف بأحوالكم، حيث غفر وستر، ورحم ولطف. وقد تقدم أن قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ أعم مما سبقه.
стр. 7250
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت هذه الآيات دلالة قطعية على أن الجزاء منوط بالعمل، فمن أقر بالربوبية والوحدانية والألوهية لله ، واستقام على أوامر الله وطاعته، واجتنب معاصيه وسخطه وغضبه، له الجزاء المفضل في الدنيا والآخرة.
فتلهمه الملائكة ما تقرّ به نفسه وينشرح له صدره، ويزيل مخاوفه، ويبدد أحزانه، وتقول له الملائكة الذين تتنزل بالبشارة: نحن قرناؤكم الذين كنا معكم في الدنيا، نحفظكم ونلهمكم الحق، وإذا كان يوم القيامة لا نفارقكم حتى ندخلكم الجنة. وهذا إما من قول الملائكة، أو من قول الله تعالى، والله ولي المؤمنين ومولاهم، ومن كان الله وليه فاز بكل مطلب، ونجا من كل مخافة.
ولكم في الآخرة كل ما تشتهيه أنفسكم من الملاذ، ولكم كل ما تسألون وتتمنون، رزقا طيبا، وضيافة كريمة، ونعمة عظيمة، من الله الغفار الستّار لذنوب عباده التائبين، الرحيم الرحمن الرؤوف بعباده في جميع الأحوال.
وقد دلت هذه الآية على أن كل هذه الأشياء المذكورة جارية مجرى النزل، والكريم إذا أعطى النّزل، فلا بد وأن يحقق السعادة للمعطي، وتلك السعادة تحدث عند رؤية الله والتجلي والكشف التام.
стр. 7251
الدعوة إلى الله تعالى وآداب الدعاة
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾
الإعراب:
﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ﴾ ﴿الَّذِي﴾: مبتدأ، و ﴿كَأَنَّهُ﴾: الخبر، وإذا الفجائية: ظرف مكان لمعنى التشبيه، والفاء للسببية. ﴿وَإِمّا﴾ أدغمت نون «إن» الشرطية في «ما» الزائدة.
البلاغة:
﴿الْحَسَنَةُ﴾ و ﴿السَّيِّئَةُ﴾ بينهما طباق.
﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ تشبيه مرسل مجمل أي ذكرت أداة التشبيه وحذف وجه الشبه.
المفردات اللغوية:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً﴾ أي لا أحد أحسن قولا ﴿دَعا إِلَى اللهِ﴾ أي دعا إلى توحيده وعبادته ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ فيما بينه وبين ربه من إقامة الفرائض واجتناب المنكرات ﴿وَقالَ: إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال ذلك اعتزازا وتفاخرا باتخاذ الإسلام دينا ومذهبا، وصرح أنه من المستسلمين لأمر الله، المنقادين له، قال أبو حيان: والظاهر العموم في كل داع إلى الله، أي فهي عامة لمن استجمع تلك الصفات، وقيل: نزلت في النبي ص، وقيل: في المؤذنين.
стр. 7252
﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ لا تستويان في الجزاء وحسن العاقبة، و ﴿لا﴾ الثانية:
مزيدة لتأكيد النفي، و ﴿الْحَسَنَةُ﴾ ما ترضي الله ويتقبلها، و ﴿السَّيِّئَةُ﴾ ما يكرهها الله ويعاقب عليها ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي ادفع وردّ السيئة حيث اعترضتك بالخصلة التي هي أحسن منها وهي الحسنة، كمقابلة الغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو، والمراد بالأحسن: الزائد مطلقا، فيكون القصد منه: الحسنة التي وضع الأحسن موضعها.
﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ إذا فعلت ذلك صار عدوك كالصديق القريب في محبته، فالحميم: الصديق ﴿وَما يُلَقّاها﴾ ما يؤتى هذه السجية ويحتملها وهي مقابلة الإساءة بالإحسان ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ لأن الصبر يحبس النفس عن الانتقام ﴿وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي ما يؤتاها ويتقبلها إلا صاحب الحظ العظيم من الخير وكمال النفس.
﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ أي إن يصرفك وسواس من الشيطان عن الخصلة الخيّرة فاستعذ، وأصل النزغ: النخس، شبه وسوسة الشيطان بالنخس، لأنها بعث على ما لا ينبغي ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ التجئ إليه من شره ولا تطعه، وجواب الأمر محذوف: أي يدفعه عنك ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لاستعاذتك أو قولك ﴿الْعَلِيمُ﴾ بنيتك وفعلك.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٣):
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً.﴾.: قال ابن عباس: هو رسول الله ص، دعا إلى الإسلام، وعمل صالحا فيما بينه وبين ربه، وجعل الإسلام نحلة: وقال أيضا: هم أصحاب رسول الله ص. وقالت عائشة وعكرمة ومجاهد: نزلت في المؤذنين.
قال أبو حيان: وينبغي أن يتأول قولهم على أنهم-أي المؤذنون-داخلون في الآية، وإلا فالسورة بكاملها مكية بلا خلاف، ولم يكن الأذان بمكة، إنما شرع بالمدينة، والدعاء إلى الله يكون بالدعاء إلى الإسلام وبجهاد الكفار وكف الظلمة.
стр. 7253
نزول الآية (٣٤):
﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ.﴾.: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وكان عدوّا مؤذيا لرسول الله ص، فصار وليا مصافيا.
وروي أيضا أنها نزلت في أبي جهل، كان يؤذي النبي ص، فأمر ص بالعفو عنه، وقيل له: ﴿فَإِذَا الَّذِي.﴾. (١).
المناسبة:
بعد بيان ما يفعله قرناء السوء من الدعوة إلى المعاصي، ذكر الله تعالى حال أضدادهم الذين يدعون الناس إلى توحيد ربهم وطاعته، وأبان آدابهم وأوصافهم من مقابلة السيئة بالحسنة، والاستعاذة من شر الشيطان واللجوء إلى الله إذا حاول الشيطان صرف الإنسان عن حكم شرعه الله تعالى.
التفسير والبيان:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ، وَعَمِلَ صالِحاً، وَقالَ: إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي لا أحد أحسن ممن اتصف بالخصال الثلاث التالية:
١ - الدعوة إلى توحيد الله وطاعته وعبادته، فذلك خير ما يقوله إنسان لإنسان. وهذا نص عام يشمل كل داعية مخلص إلى الله، سواء الداعية الأول وهو رسول الله ص، والمؤذنون، والقائمون بالدعوة إلى الإسلام في كل زمان ومكان بالقول أو الخطابة أو الكتابة.
стр. 7254
٢ - العمل الصالح: وهو تأدية ما فرض الله على الإنسان، مع اجتناب ما حرّمه عليه.
٣ - اتخاذ الإسلام دينا ومنهجا ومذهبا، فلا شيء أحسن منه قولا، ولا أصح منه عقيدة، ولا أوضح منه طريقة، ولا أكثر من عمله ثوابا.
وبعد بيان أصول الدعوة إلى الله وتوثيق العلاقة بين العبد وربه، ذكر الله تعالى آداب الدعاة وتحسين العلاقة بين العباد بعضهم ببعض، فقال:
﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ، اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي لا تساوي بين الفعلة الحسنة التي يرضى الله بها ويثيب عليها، وبين الفعلة السيئة التي يكرهها الله ويعاقب عليها، والمداراة من الحسنة، والغلظة من السيئة. ادفع أيها الداعية من أساء إليك بالإحسان إليه، من الكلام الطيب ومقابلة الإساءة بالإحسان، والذنب بالعفو، والغضب بالصبر، والإغضاء عن الهفوات، واحتمال المكروهات.
قال عمر ﵁: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه.
ثم أبان الله تعالى نتيجة الإحسان وأثره البعيد، فقال:
﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ أي إنك إن فعلت ذلك، فقابلت الإساءة بالإحسان، صار العدو كالصديق. وما أحسن هذه النتيجة أن يتحول الناس الأعداء أو الحساد إلى أصدقاء أو كالأقارب يستعان بهم عند المحنة، بسبب الشفقة والإحسان.
﴿وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا، وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها، ويؤتى القدرة على هذه الخصلة وهي دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا على كظم الغيظ، واحتمال المكروه، والصبر شاقّ
стр. 7255
على النفوس، وما يتقبلها ويحتملها إلا ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والآخرة، وذو حظ في الثواب والخير.
قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم، كأنه ولي حميم.
ثم ذكر الله تعالى طريق علاج الوساوس والأهواء ونزعات الشيطان، فقال:
﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ، فَاسْتَعِذْ بِاللهِ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي إن وسوس إليك الشيطان، وحاول صرفك عن الدفع بالتي هي أحسن، وزيّن لك أن تقابل السيئة بمثلها، فاستعذ بالله من شره، والتجئ إلى الله لكفه عنك ورد كيده، فالله هو السميع لاستعاذتك منه، والتجائك إليه، العليم بوساوس الشيطان وبما يعزم عليه الإنسان وبصدق الطلب والرجاء.
وقد كان رسول الله ص إذا قام إلى الصلاة يقول فيما رواه أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه».
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ. وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا، فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف ١٩٩/ ٧ - ٢٠١].
فقه الحياة أو الأحكام:
يؤخذ من الآيات ما يأتي:
١ - لا كلام أحسن من القرآن، والدعوة إلى توحيد الله وطاعته أحسن من
стр. 7256
كل ما سواها، والنبي ص هو الأنموذج الأول للدعاة، والقدوة الحسنة لهم، كان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول: هذا رسول الله، هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا والله أحبّ أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه (١).
وقالت عائشة ﵂ وعكرمة وقيس بن أبي حازم ومجاهد: نزلت في المؤذنين.
والحق أن هذه الآية كما تقدم وكما قال الحسن: عامة في كل من دعا إلى الله، نزلت في كل مؤمن. والدعوة إلى الله: بإقامة الأدلة والبراهين القطعية على صحة العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية.
٢ - لا بد من أن يجمع الداعية بين العمل الصالح (وهو اجتناب المحارم، وكثرة المندوبات، وأداء الفرائض) وبين التصريح بالاعتقاد بالله في ذلك كله، وإخلاص العمل لوجه الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَقالَ: إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ رد على من يقول: أنا مسلم إن شاء الله (٢).
٣ - هناك فرق عظيم بين الحسنة والسيئة وأثر كل منهما، والحسنة: دعوة الرسول ص إلى دين الحق، والصبر على جهالة الكفار، وترك الانتقام، وترك الالتفات إليهم. والسيئة: ما أظهره المشركون من الجلافة في قولهم المتقدم أوائل السورة: ﴿وَقالُوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ﴾ وأمثلة الحسنة: قول لا إله إلا الله، والطاعة لله تعالى ورسوله ص، والمداراة، والعفو، والعلم، وحبّ
стр. 7257
آل الرسول ص ونحو ذلك. وأمثلة السيئة أضداد ذلك كالشرك، والغلظة، والانتقام، والفحش، وبغض آل الرسول ص.
٤ - الحكمة والسياسة في الأخلاق الاجتماعية: دفع السيئة بالإحسان، كالكلمة الطيبة والمصافحة،
جاء في الأثر الذي رواه ابن عدي عن ابن عمر، وهو ضعيف: «تصافحوا يذهب الغلّ» فإذا أحسنت إلى من أساء إليك، قادته تلك الحسنة إلى مصافاتك ومحبتك والحنو عليك حتى يصير كأنه ولي حميم، أي قريب إليك، من الشفقة عليك، والإحسان إليك. قال ابن عباس-كما تقدم-: أمره (أمر نبيه) الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم.
وقيل: كان هذا قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ به، والظاهر دوام العمل بهذه الآية، فهي تقرر أمرا خلقيا محمودا وفضيلة سامية، بدليل قوله بعدها:
﴿وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا.﴾. الآية.
٥ - لا يتخلق بهذه الفضيلة إلا من صبر على الإساءة بكظم الغيظ واحتمال الأذى، وذو النصيب الوافر من الخير، فهذا أسلوب دفع الغضب والانتقام وترك الخصومة.
ويضم إليه أسلوب آخر في الوقاية من الشر قبل حدوثه: وهو الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والالتجاء إلى الله من كيده وشره ووساوسه، والله حتما سميع للاستعاذة، عليم بصير بالأفعال والأقوال.
стр. 7258
الأدلة الدالة على وجود الله وتوحيده وقدرته وحكمته
﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاُسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اِسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾
الإعراب:
﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ.﴾. ﴿اللَّيْلُ﴾: مبتدأ، ﴿وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾: عطف عليه. ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾: الخبر. وقوله: ﴿وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ الهاء والنون في ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ تعود على الآيات، ولا تعود على الشمس والقمر والليل والنهار، لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا غلّب جانب المذكر على جانب المؤنث.
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً.﴾.: أن وما عملت فيه: في موضع رفع بالظرف، على مذهب سيبويه والأخفش، لأن «أن» المصدرية إذا وقعت بعد الظرف ارتفعت به، كما يرفع الظرف إذا وقع خبرا لمبتدأ، أو صفة لموصوف، أو صلة لموصول، أو حالا لذي حال، أو معتمد على همزة الاستفهام أو حرف النفي، فالخبر مثل ﴿فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ فجزاء: مرفوع بالظرف، والصفة مثل: مررت برجل في الدار أبوه، والصلة مثل: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ [الرعد ٤٣/ ١٣] والحال مثل ﴿وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ﴾ [المائدة ٤٦/ ٥] فهدى: مرفوع بالظرف، لأنه حال من الإنجيل، والمعتمد على همزة الاستفهام مثل ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم ١٠/ ١٤] وحرف النفي مثل: ما في الدار أحد. و ﴿خاشِعَةً﴾: حال من ﴿الْأَرْضَ﴾ لأن ﴿تَرَى﴾ من رؤية العين. ﴿وَرَبَتْ﴾: أصله ربوت، فتحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وحذفت الألف لسكونها وسكون تاء التأنيث. وقرئ: «ربأت» أي ارتفعت.
стр. 7259
البلاغة:
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً.﴾. هذه الآية في قمة البلاغة والبيان وجمال الأسلوب والتناسق الفني في التعبير والأداء، فكأن الحركة ولمس معالم القدرة الإلهية وبعث الحياة تتمثل في جنباتها.
المفردات اللغوية:
﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ جمع آية: وهي البرهان والحجة الدالة على وحدانية الله وقدرته ﴿الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ أي خلق الآيات الأربع وسواها ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أمر بالسجود ثم ذكر العبادة، لأن السجود أخص العبادات، وهو موضع سجدة التلاوة عند الشافعية، لاقتران الأمر به، وعند أبي حنيفة: آخر الآية الأخرى، لأنه تمام المعنى.
﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن الامتثال أو السجود لله وحده ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي الملائكة ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ يصلون له دائما، لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ لا يملّون.
﴿خاشِعَةً﴾ جامدة يابسة لا نبات فيها، وأصل الخشوع: التذلل، أستعير لحال الأرض الجدبة اليابسة ﴿اِهْتَزَّتْ﴾ تحركت ﴿وَرَبَتْ﴾ انتفخت وعلت بالنبات ﴿إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من الإحياء والإماتة.
المناسبة:
بعد بيان أن أحسن الأعمال والأقوال هو الدعوة إلى الله تعالى، ذكر الله تعالى الدلائل الدالة على وجود الله وقدرته وحكمته، كمادة للدعوة إلى الله، وتنبيها على أن الدعوة إليه تعالى هي تقرير الدلائل الدالة على ذات الله وصفاته. وقد ذكر هنا الدلائل الكونية الفلكية الأربعة وهي الليل والنهار والشمس والقمر، ثم أتبعها بآية أرضية في مرأى العين، وهي إنبات النباتات بالمطر في الأرض.
стр. 7260
التفسير والبيان:
﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أي ومن العلامات الدالة على قدرة الله وعظمته وحكمته وجود الليل والنهار وتعاقبهما، وخلق الشمس المضيئة والقمر المنير، وتقدير منازلهما في فلكيهما، واختلاف سيرهما في مداريهما في السماء، ليعرف بذلك مقادير الليل والنهار والأسابيع والشهور والأعوام، وتعرف أوقات العبادة وآجال الحقوق والديون والمعاملات.
ولما كانت الشمس والقمر أنفع وأحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبّه الله تعالى إلى أنهما مخلوقان خاضعان لسلطان الله وتسخيره، فلا يعظمان وإنما يعظم خالقهما، فقال تعالى:
﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ، وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي إياكم من السجود للشمس والقمر، لأنهما مخلوقان من مخلوقات الله، فلا يصح أن تكونا شريكين له في ربوبيته، ولا تصح عبادتهما فهي لا تنفع مع عبادة الله، وتكون عبادتهما شركا.
وإنما الواجب السجود لمن خلق هذه الآيات الأربع وغيرها، إن كنتم تريدون العبادة الصحيحة الخالصة لله تعالى.
وآخر الآية رد على الصابئة الذين عبدوا الكواكب، وعبدة الشمس في عصرنا، الذين زعموا أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله، فنهوا عن ذلك وأمروا ألا يسجدوا إلا لله الذي خلق هذه الأشياء.
وموضع سجود التلاوة في مذهب الشافعي ﵁ كما تقدم هو قوله:
﴿تَعْبُدُونَ﴾ لأن قوله: ﴿وَاسْجُدُوا لِلّهِ﴾ متصل به. وعند أبي حنيفة ﵁ هو قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ الآتي، لأن الكلام إنما يتم عنده.
стр. 7261
وبعد أن أمر الله تعالى بالسجود له، قال بعده:
﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ أي فإن تكبر هؤلاء المشركون عبدة الكواكب عن الامتثال وإفراد العبادة لله، وأبوا إلا أن يشركوا معه غيره، فلا يهم أمرهم، فالملائكة عند ربك الذين هم خير منهم-عندية مكان لا قرب مكان-لا يستكبرون عن عبادته تعالى، بل يواظبون على تسبيح الله سبحانه بالليل والنهار، وهم لا يملون ولا يفترون، كقوله : ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ، فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩/ ٦]. وهذه الآية: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا.﴾. تدل على أن الملائكة أفضل من البشر.
وبعد ذكر الدلائل الفلكية، ذكر تعالى الدلائل الأرضية، فقال:
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي ومن دلائل قدرته تعالى على البعث وإعادة الموتى أحياء أنك ترى الأرض هامدة لا نبات فيها، بل هي ميتة، فإذا أنزل الله عليها المطر تحركت بالنبات، وانتفخت وعلت، وأخرجت من جميع ألوان الزروع والثمار.
إن الذي أحيا هذه الأرض الجدبة بالنبات والزرع، قادر على أن يحيي الأموات، فإنه الرب القدير الذي لا يعجزه شيء كائنا ما كان.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّكَ تَرَى﴾ الخطاب لكل عاقل.
وهذا دليل حسي متكرر في القرآن يقرب للأذهان صورة الإحياء بعد الإماتة، والمعول عليه هو قدرة الله الخالق ابتداء وانتهاء وكل وقت.
стр. 7262
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - من الآيات الواضحة والعلامات الظاهرة على وحدانية الله وقدرته خلق الليل والنهار والشمس والقمر.
٢ - هذه المخلوقات ذات المنافع الكثيرة لا تستحق العبادة مع الله، وإنما المستحق للعبادة هو موجدها، لأنه تعالى هو الخالق، ولو شاء لأعدم الشمس والقمر، أو طمس نورهما، فهما مخلوقان يدلان على وجود الإله، والسجدة التي هي نهاية التعظيم لا تليق إلا بمن كان أشرف الموجودات.
٣ - إن الله غني عن عباده، فلا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، وإذا أحجم الناس عن عبادته، وأعرض الكفار عن السجود لله، فهناك خلق آخر وهم الملائكة مواظبون على التسبيح، لا ينفكون عنه لحظة واحدة، ولا يملّون عبادته، ولا يشتغلون بأمر آخر سوى العبادة.
٤ - لا خلاف في أن آية ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلّهِ.﴾. آية سجدة، وإنما الخلاف كما تقدم في موضع السجود، فقال لجمهور: موضعه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ لأنه متصل بالأمر: ﴿اُسْجُدُوا﴾. وقال أبو حنيفة:
موضعه: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ لأنه تمام الكلام وغاية العبادة والامتثال.
٥ - تضمنت هذه الآية صلاة كسوف القمر والشمس، لأن العرب كانت تقول: إن الشمس والقمر لا يكسفان إلا لموت عظيم، فصلى النبي ص صلاة الكسوف، وهي ثابتة في صحاح البخاري ومسلم وغيرهما.
٦ - ومن الآيات الدالة على قدرة الله وإحياء الموتى والبعث: إحياء الأرض
стр. 7263
اليابسة التي لا زرع فيها ولا نبات بنزول الغيث عليها، فإن القادر على إحياء الأرض بعد موتها هو القادر على إحياء هذه الأجساد بعد موتها.
وقد تكرر هذا الدليل مرارا في القرآن، والدليل الأصلي هو قوله: ﴿إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وتقديره كما ذكر الرازي: أي عودة التأليف والتركيب إلى تلك الأجزاء المتفرقة ممكن لذاته، وعود الحياة والعقل والقدرة إلى تلك الأجزاء بعد اجتماعها أيضا أمر ممكن لذاته، والله تعالى قادر على الممكنات، فوجب أن يكون قادرا على إعادة التركيب والتأليف والحياة والقدرة والعقل والفهم إلى تلك الأجزاء، مما يدل دلالة واضحة على أن حشر الأجساد ممكن لا امتناع فيه (١).
تهديد الملحدين في آيات الله تعالى وتنزيه القرآن العظيم
عن الطعن فيه
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾
стр. 7264
الإعراب:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ.﴾. خبر ﴿إِنَّ﴾ فيه وجهان: إما أنه محذوف، وتقديره: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم يعذبون أو نجازيهم. وإما قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [الآية: ٤٤] قال الرازي: والأول أصوب. وجملة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بدل من قوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ.﴾ ..
﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ.﴾. ﴿ما قَدْ قِيلَ﴾: في تأويل مصدر، نائب فاعل ل ﴿يُقالُ﴾.
البلاغة:
﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ بينهما مقابلة، والمراد بالهمزة هنا التي هي للاستفهام: الإقرار بأن الملحدين يلقون في النار، وأن المؤمنين يأتون آمنين.
﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ أمر يراد به التهديد والوعيد..
﴿مَغْفِرَةٍ﴾ و ﴿عِقابٍ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿يُلْحِدُونَ﴾ يميلون عن الحق والاستقامة، أي يؤولون الآيات تأويلا باطلا، ويطعنون فيها ويحرّفونها عن مواضعها ﴿فِي آياتِنا﴾ آيات القرآن والدلائل الدالة على قدرة الله وحكمته ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ أي فنجازيهم على إلحادهم ﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً﴾؟ قابل الإلقاء في النار بالإتيان آمنا، مبالغة في الإشادة بحال المؤمنين ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ تهديد شديد ﴿إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعيد بالمجازاة.
﴿بِالذِّكْرِ﴾ القرآن ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ منيع لا يتأتى إبطاله وتحريفه ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ لا يتطرق إليه الباطل من جميع جهاته سواء الأخبار الماضية أو الأحكام التشريعية ﴿حَكِيمٍ﴾ في جميع أفعاله، يضع الأمور في نصابها الصحيح ﴿حَمِيدٍ﴾ يحمده جميع خلقه بما أنعم من النعم الكثيرة عليهم.
﴿ما يُقالُ لَكَ﴾ أي ما يقول لك كفار قومك من تكذيب ﴿إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ
стр. 7265
قَبْلِكَ﴾ أي إلا مثل ما قال لهم كفار قومهم ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ للمؤمنين ﴿وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾ مؤلم للكافرين أعداء الله والمؤمنين.
سبب النزول:
نزول الآية (٤٠):
﴿أَفَمَنْ يُلْقى.﴾.: أخرج ابن المنذر عن بشير بن فتح قال: نزلت هذه الآية في أبي جهل وعمار بن ياسر: ﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾؟
المناسبة:
بعد الأمر بالدعوة إلى دين الله تعالى، وبيان أسلوب الدعوة بذكر دلائل التوحيد والعدل وصحة البعث والقيامة، هدد الله تعالى من ينازع في تلك الآيات والدلائل، ويحاول إلقاء الشبهات فيها. ثم نوّه بوصف القرآن، وسلّى نبيه ص على آلامه من تكذيب قومه، وأمره بأن يصبر على أذاهم، وألا يضيق قلبه بإعراضهم عن رسالته، فتلك عادة الأمم مع الأنبياء والرسل.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ أي إن الذين يميلون عن الحق، فيضعون الكلام في غير موضعه، ويحرّفون كلام الله تعالى وآياته الدالة على قدرته وحكمته، لا يخفون علينا، بل نحن نعلمهم، فنجازيهم بما يعملون بالعقوبة والنكال.
وفي هذا تهديد شديد ووعيد أكيد، يقتضي الحذر والخوف.
стр. 7266
ونوع الجزاء هو:
﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾؟ أي هل يستوي من يلقى في النار قسرا وقهرا لإلحاده بالآيات وتكذيبه للرسول ص، ومن يكون آمنا يوم القيامة من العذاب؟ وهذا استفهام بمعنى التقرير، والمراد أن الملحدين في الآيات يلقون في النار، وأن المؤمنين بها يأتون يوم القيامة، فاحكموا أيها العقلاء أيّ الحالين أفضل؟! ثم أكد التهديد للكفرة بقوله تعالى:
﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ اعملوا أي شيء تريدون فعله من خير أو شر، فإن الله عالم بكم، وبصير بأعمالكم، ومجازيكم بحسب ما تعملون، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهذا وعيد وتهديد، صرف فيه الأمر إلى التهديد، قال الزجاج: لفظ ﴿اِعْمَلُوا﴾ لفظ الأمر، ومعناه الوعيد.
ثم أبان صفة أولئك الملحدين وجزاءهم فقال وهو أيضا تهديد:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ﴾ أي إن الذين كفروا بالقرآن لما جاءهم، وكذبوا به، معذبون هالكون يجازون بكفرهم.
ثم أشاد بأوصاف ثلاثة للقرآن تنبيها للأنظار والعقول، فقال:
﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أي وإن القرآن الذي يلحدون فيه عزيز عن المعارضة أو الطعن، منيع عن كل عيب، لا يتأتى لأحد أن يأتي بمثله، وليس لأحد أن يبطله من جميع جوانبه، ولا يكذبه كتاب سابق قبله، ولا لاحق بعده، محفوظ من النقص والزيادة، كما قال تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ، وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر ٩/ ١٥]، وإنه تنزيل من حكيم في أقواله وأفعاله، محمود في
стр. 7267
جميع ما يأمر به وينهى عنه، مشكور من جميع خلقه على كثرة نعمه وأفضاله، وأجلها بحق: تنزيل هذا الكتاب، فهو النعمة العظمى والرحمة الكبرى، الذي بيّن للناس طريق الهداية، وعرفهم محذرا سبيل الغواية والضلالة.
ثم سلّى الله تعالى رسوله ص على ما يناله من أذى المشركين وطعنهم في كتابه وتكذيبهم لرسالته، وأمره بالصبر والثبات على دعوته، فقال:
﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ، إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾ أي ما يقال لك من هؤلاء الكفار المشركين من وصفك بالسحر والكذب والجنون إلا مثل ما قيل للرسل من قبلك، فإن قومهم كانوا يقولون لهم مثلما يقول لك هؤلاء، فكما كذبت كذّبوا، وكما صبروا على أذى قومهم لهم، فاصبر أنت على أذى قومك لك، وإن ربك لغفار لمن تاب إليه، ومعاقب بعقاب مؤلم لمن استمر على كفره، وأصر على طغيانه وعناده، ومات كافرا ولم يتب.
ونظير الآية كثير مثل: ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا: ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٣٩/ ٥١].
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيّب قال: لما نزلت هذه الآية:
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾
قال رسول الله ص: «لولا عفو الله وتجاوزه ما هنا أحدا العيش، ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - أورد تعالى تهديدات أربعة متعاقبة في هذه الآيات، فقال: ﴿إِنَّ
стр. 7268
الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا.﴾. ﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ.﴾. ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ...﴾.
٢ - هدد الله تعالى أولا الملحد في آيات القرآن، وهو المنحرف عن الحق إلى الباطل فقال: ليس القرآن من عند الله، أو هو شعر أو سحر، وحاول الصد عن سماعه بالتصفيق والتصفير واللغو والغناء، وبدّل الكلام ووضعه في غير موضعه.
موضعه.
٣ - الغرض من قوله: ﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ.﴾. التنبيه على أن الذين يلحدون في آيات الله، يلقون في النار، والذين يؤمنون بآيات الله يأتون آمنين يوم القيامة. وهذا هو التهديد الثاني.
٤ - والتهديد الثالث: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ أي بعد ما علمتم أن الملحد الكافر والمؤمن لا يستويان، فلا بد لكم من الجزاء، فمن اختار لنفسه طريق الكفر عوقب بالنار، ومن اختار منهج الإيمان جوزي بالجنة.
٥ - والتهديد الرابع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ.﴾. أي إن الذين جحدوا بالقرآن وكونه منزلا من عند الله تعالى يجازون بكفرهم، لأن القرآن اشتمل على جميع ما يحتاج إليه الناس من العقائد الصحيحة، والشرائع المحكمة، والأحكام الصالحة لكل زمان ومكان.
٦ - ذكر الله تعالى هنا للقرآن الكريم أوصافا ثلاثة هي:
أولا-إنه كتاب عزيز منيع الجانب، لا نظير له، ولا يطعن فيه، ولا يعارضه أحد، كريم على الله تعالى، محفوظ من الله سبحانه.
ثانيا-لا يكذبه شيء مما أنزل الله من قبل من الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل والزبور، ولا يجيء كتاب من بعده يكذبه، ولا يستطيع أحد أن يزيد
стр. 7269
فيه أو ينقص منه، ولا باطل فيما أخبر عنه في الماضي والمستقبل، وما حكم بكونه حقا لا يصير باطلا، وما حكم بكونه باطلا لا يصير حقا.
ثالثا-تنزيل من حكيم في جميع أحواله وأفعاله، حميد أي محمود على ما أسدى لجميع خلقه بسبب كثرة نعمه.
٧ - ما يتعرض له الرسول ص من الأذى والتكذيب، تعرض له الأنبياء والرسل السابقون عليه، فلا بد من الصبر على الأذى، وألا يضيق القلب بسبب الإعراض عن رسالته.
٨ - إن الله تعالى تام العدل، فهو ذو مغفرة للمؤمنين التائبين، وذو عقاب مؤلم وجيع لأعدائه الكفار الذين كذبوا رسله.
التأكيد على عروبة القرآن الكريم
﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾
стр. 7270
الإعراب:
﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبتدأ، وصلته ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ وخبره جملة: ﴿فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ و ﴿وَقْرٌ﴾: مبتدأ، و ﴿فِي آذانِهِمْ﴾ خبره، والجملة من المبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول.
البلاغة:
﴿ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ بينهما طباق. والاستفهام: استفهام إنكار.
﴿أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ استعارة، شبّه حالهم في إعراضهم عن سماع القرآن وقبوله بحال من ينادى من مكان بعيد، بجامع عدم السماع وعدم الفهم في كل منهما.
المفردات اللغوية:
﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ﴾ أي القرآن-الذّكر. ﴿أَعْجَمِيًّا﴾ أي كلاما لا يفهم، سواء بلغة العرب أو العجم. ﴿لَوْلا﴾ هلا. ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بينت آياته بلغتنا، حتى نفهمها. ﴿ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أكلام أعجمي ومخاطب عربي؟ والمقصود: الدلالة على أنهم لا ينفكون عن التعنت في الآيات كيف جاءت. ﴿هُدىً﴾ من الضلالة إلى الحق. ﴿وَشِفاءٌ﴾ من الجهل والشك والشبهة. ﴿وَقْرٌ﴾ ثقل، فلا يسمعون. ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ معمّى فلا يفهمونه، لتعاميهم عما يريهم من الآيات.
﴿أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ هذا تمثيل لحالهم في عدم قبولهم واستماعهم له بحال من يصيح بهم من مسافة بعيدة، أي فهم كالمنادى من مكان بعيد لا يسمع ولا يفهم ما ينادى به.
﴿آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ التوراة. ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بالتصديق والتكذيب كما اختلف في القرآن. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة.
﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدنيا فيما اختلفوا فيه. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي وإن المكذبين به وهم اليهود أو الذين لا يؤمنون. ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من التوراة والقرآن. ﴿مُرِيبٍ﴾ موجب للاضطراب موقع في الريبة.
﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾ أي يعود نفع عمله لنفسه. ﴿وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ أي يعود ضرر إساءته على نفسه. ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي بذي ظلم، فيفعل بهم ما ليس له أن يفعله، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء ٤٠/ ٤].
стр. 7271
سبب النزول:
نزول الآية (٤٤):
﴿لَقالُوا: لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾: أخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: قالت قريش: لولا أنزل هذا القرآن أعجميا وعربيا؟ فأنزل الله:
﴿لَقالُوا: لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ الآية. والمراد أن نزول هذه الآية بسبب تعنت الكفار.
المناسبة:
الواقع أن سبب النزول هذا لا يقبل، لأنه-كما ذكر الرازي-يقتضي ورود آيات لا تعلق للبعض فيها بالبعض، مما قد يؤدي إلى الطعن في عدم انتظام القرآن، فضلا عن ادعاء كونه معجزا. والحق أن هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام واحد، على ما حكى الله تعالى عنهم من قولهم: ﴿وَقالُوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾ وهذا الكلام متعلق به، وجواب له.
والتقدير: أنا لو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم، لكان لهم أن يقولوا: كيف أرسلت الكلام العجمي إلى القوم العرب؟ ويصح لهم أن يقولوا: ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ﴾ أي من هذا الكلام. ﴿وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾ منه، لأنا لا نفهم ولا نحيط بمعناه.
والمراد تأكيد عروبة القرآن، إذ لو فرض نزوله بلغة أعجمية لحق للعرب أن يقولوا: لا نفهم، أما وإنه نزل بلغتهم وبألفاظهم، فلم يبق لهم عذر في الإعراض عنه، وقولهم: ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ من هذه اللغة. ﴿وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾ من تلك اللغة (١)
стр. 7272
التفسير والبيان
﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا: لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ؟﴾ أي لو فرض أن جعلنا هذا القرآن بغير لغة العرب أي بلغة العجم، لقال كفار قريش: هلا بينت آياته بلغتنا حتى نفهمه، فإنا عرب لا نفهم لغة العجم؟ وقالوا أيضا: أكلام أعجمي ومرسل إليه عربي؟ والمقصود أن القرآن عربي فلم لا يفهمونه ولا يعملون به؟! ولو نزل بلسان أعجمي لأنكروا ذلك، وقالوا: هلا بينت آياته باللغة التي نفهمها؟ وقالوا أيضا: أكلام أعجمي والمرسل إليهم عرب؟ أي كيف ينزل كلام أعجمي على مخاطب عربي لا يفهمه؟! ولما كان جميع القرآن عربيا في لفظه ومعناه، ومع هذا لم يؤمن به المشركون، دل على أن كفرهم به كفر عناد وتعنت، كما قال : ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ، ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨/ ٢٦].
ثم أبان الله تعالى هدف القرآن الكريم وغايته، فقال:
﴿قُلْ: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين القائلين: ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ﴾: إن هذا القرآن هداية لقلب من آمن به، وشفاء لما في الصدور من الشكوك والرّيب، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء ٨٢/ ١٧].
ثم أوضح موقف المشركين من القرآن الكريم، فقال:
﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ أي والذين لا يصدقون بالله ورسوله ورسالته: في آذانهم صمم عن سماعه وفهم معانيه، فهم
стр. 7273
لا يفهمون ما فيه، ولهذا تواصوا باللغو فيه، وهو عليهم معمّى، لا يهتدون إلى ما فيه من البيان، ولا يبصرون ما اشتمل عليه من براهين ومواعظ. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١/ ٢].
ثم أكد الله تعالى عدم استعدادهم لفهم القرآن، فقال:
﴿أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أي إن حالهم كحال من ينادى من مسافة بعيدة، يسمع صوت من يناديه منها، ولا يفهم أو لا يفقه ما يقال له، لأنهم أعرضوا ولم يريدوا سماع القرآن.
ثم أوضح تعالى أن التكذيب بكتاب الله عادة قديمة في الأمم، فقال:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ أي لا تستغرب يا محمد، فتلك عادة الأمم مع أنبيائهم، فإنهم يختلفون في الكتب المنزلة عليهم، والمثال على ذلك: أننا أرسلنا موسى وآتيناه التوراة، فاختلفوا فيها بين مصدّق ومكذب، وكذّب موسى وأوذي، فلا تأس على فعل قومك، واصبر على الأذى، واستعن بالله ولا تعجز، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٣٥/ ٤٦].
ثم بيّن الله تعالى سبب تأخير العذاب عنهم فقال:
﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي ولولا ما سبق من حكم الله بتأخير العذاب والحساب عن المكذبين من أمتك إلى يوم المعاد، لعجل لهم العذاب، كما فعل بالأمم المكذبة، وكما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ [الكهف ٥٨/ ١٨] وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا، ما تَرَكَ
стр. 7274
عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ، وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى.﴾. [فاطر ٤٥/ ٣٥].
ووردت آيات أخرى في تأخير العذاب مثل: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر ٤٦/ ٥٤] ومثل: ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل ٦١/ ١٦].
وموجب الهلاك قائم فيهم، فقال تعالى:
﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي وإن كفار قومك لفي شك من القرآن، موقع في الريبة والقلق، فما كان تكذيبهم له عن بصيرة منهم لما قالوا:
بل كانوا شاكين فيما قالوه، غير متحققين لشيء كانوا فيه.
ثم حدد الله تعالى قانون الجزاء، فقال:
﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها، وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي من عمل عملا صالحا في الدنيا، فائتمر بأمر الله، وانتهى عما نهى الله عنه، فإنما يعود نفع ذلك على نفسه، ويجازى على وفق عمله، ومن أساء فعصى الله، فإنما يرجع وبال ذلك عليه، ويعاقب على جرمه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ [النجم ٣٩/ ٥٣]. وعليه، فإن آمنوا فنفع إيمانهم يعود عليهم، وإن كفروا فضرر كفرهم يعود إليهم.
والجزاء للفريقين حق وعدل مطلق، فلا ينقص المحسن شيئا من ثوابه، ولا يعاقب أحدا من الناس إلا بذنبه، ولا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، وإرسال الرسول إليه.
стр. 7275
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - إن القرآن عربي، نزل بلغة العرب، وليس أعجميا، فإذا ترجم إلى لغة أخرى، لم يكن قرآنا.
٢ - إن نزول القرآن بلغة العرب كان بقصد التحدي ليتقرر به الإعجاز، إذ العرب هم أعلم الناس بأنواع الكلام نظما ونثرا، وإذا عجزوا عن معارضته، كان من أدل الأدلة على أنه من عند الله تعالى، ولو كان بلسان العجم لقالوا: لا علم لنا بهذا اللسان، وإذا كان كلامه بلسانهم ولغتهم، لا بلغة أجنبية، فلا يعذرون بعدم الإيمان به، ولا يصح لهم أن يقولوا: إن قلوبنا في أكنة منه، بسبب جهلنا بهذه اللغة.
٣ - وهذا أمر منطقي، لأن فهم الخطاب التشريعي أساس التكليف، ولا يعقل كما قال تعالى. ﴿ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ؟﴾ أن يكون القرآن أعجميا، والأمة المخاطبة به عربية. والعجمي: الذي ليس من العرب، كان فصيحا أو غير فصيح. والأعجمي: الذي لا يفصح، كان من العرب أو من العجم.
٤ - إن القرآن هدى للناس من الضلالة، وشفاء لكل من آمن به من الشك والريب والأوجاع، وكونه هدى، لأنه دليل على الخيرات، مرشد إلى كل السعادات، وكونه شفاء، لأنه إذا حصل الاهتداء تحقق الشفاء من مرض الكفر والجهل.
٥ - لكن غير المؤمنين بالقرآن في آذانهم صمم عن سماع القرآن، ولهذا تواصوا باللغو فيه، وهو عليهم عمى لا يفهمونه ولا يدركون مقاصده، فهم أو كل واحد منهم كالمنادى له من موضع بعيد، فهو لا يسمع النداء ولا يفهمه، فلا خير فيه.
стр. 7276
٦ - إن تكذيب الأمم للرسل عادة قديمة غير جديدة في عهد النبي ص، فلقد أنزل الله التوراة على موسى ﵇، وسمع نخبة من قومه كلام الله له، فمنهم من آمن به، ومنهم من كذب به، فلا يحزنك يا محمد اختلاف قومك في كتابك، فقد اختلف من قبلهم في كتابهم.
وقبل بعضهم هذا الكتاب، وهم أصحابك، ورده الآخرون، وهم يقولون:
﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ﴾.
٧ - لولا قضاء الله القديم المحكم، وحكمه المبرم في إمهال الكفار وتأخير عذاب الاستئصال عنهم إلى يوم القيامة، لقضي بينهم بتعجيل العذاب، لأنهم في شك من القرآن شديد الريبة. قال الكلبي في هذه الآية: لولا أن الله أخر عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة، لأتاهم العذاب كما فعل بغيرهم من الأمم.
٨ - إن الجزاء من جنس العمل، فمن أطاع الله فالثواب له، والله مستغن عن طاعة العباد، ومن أساء فالعقاب عليه.
٩ - نفى الله تعالى الظلم عن نفسه، قليله وكثيره، فقال هنا: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً﴾ [يونس ٤٤/ ١٠]
وجاء في الحديث القدسي الثابت الذي أخرجه مسلم عن أبي ذر الغفاري:
«يا عبادي، إني حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّما، فلا تظالموا».
وأيضا فالله تعالى هو الحكيم المالك، وما يفعله المالك في ملكه لا اعتراض عليه، إذ له التصرف في ملكه بما يريد.
آمنت بالله
стр. 7277
اختصاص علم الساعة بالله تعالى وانتهاء أسطورة الشرك فيها
﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾
الإعراب:
﴿آذَنّاكَ ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ ما: نافية علّقت الفعل ﴿آذَنّاكَ﴾ أي أعلمناك عن العمل. وكذلك:
﴿وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ما: علقت الفعل ﴿ظَنُّوا﴾ عن العمل. وكأنه إذا وقع النفي بعد الظن جرى مجرى القسم، فيكون حكمه حكم القسم.
البلاغة:
﴿تَحْمِلُ﴾ ﴿تَضَعُ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ إلى الله وحده يرجع علم الساعة، متى تكون، لا يعلمها إلاّ هو، والساعة: يوم القيامة. ﴿مِنْ ثَمَراتٍ﴾ جمع لاختلاف الأنواع، وقرئ: من ثمرة. ﴿أَكْمامِها﴾ أوعيتها، جمع كمّ -بكسر الكاف: وهو وعاء الثمرة، وقد يطلق على كل ظرف لمال أو غيره، وما في قوله: ﴿وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ﴾ نافية، ومن: مزيدة للاستغراق، أي لا تخرج ثمرة إلا بعلمه تعالى. ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ ما أيضا: نافية، أي إلا مقرونا بعلمه. ﴿أَيْنَ شُرَكائِي؟﴾ بزعمكم. ﴿آذَنّاكَ﴾ أعلمناك وأخبرناك. ﴿ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ أي من أحد يشهد لهم بالشركة إذا تبرأنا منهم لما عاينا الحال، فيكون السؤال عنهم للتوبيخ.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ غاب عنهم فلا ينفعهم أو لا يرونه. ﴿يَدْعُونَ﴾ يعبدون. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾
стр. 7278
في الدنيا من الأصنام. ﴿وَظَنُّوا﴾ أيقنوا. ﴿ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ مهرب من العذاب، وما نافية علقت الفعل. ﴿ظَنُّوا﴾ عن العمل، وجملة النفي سدّت مسد المفعولين.
المناسبة:
بعد تهديد الكفار بأن جزاء كل أحد يصل إليه يوم القيامة في قوله تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ أوضح الله تعالى بأن علم هذا اليوم مختص به سبحانه، فلا يعلمه إلا هو، كما لا يعلم الإنسان بأمور أخرى. ثم ذكر انتهاء أسطورة الشرك في ذلك اليوم، إذ يتيقن الناس أن الله واحد لا شريك له، وتتبدد كل الآمال بأن الأصنام والأنداد تنفعهم.
التفسير والبيان:
﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أي إن علم يوم القيامة مرده إلى الله، لا إلى غيره، وهذا جواب سؤال، فكأن سائلا قال: ومتى يكون ذلك اليوم؟ ونحو الآية: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها، فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها، إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ [النازعات ٤٢/ ٧٩ - ٤٤] وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي، لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ [الأعراف ١٨٧/ ٧] وقوله : ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان ٢٤/ ٣١].
ولذا
أجاب النبي ﷺ جبريل ﵇ في حديث البخاري ومسلم عن عمر بقوله حينما سأله عن الساعة: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل».
ثم ذكر تعالى أنه مختص أيضا بغيب المستقبل، فقال:
﴿وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها، وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ أي ويعلم سبحانه كل ثمرة تخرج من وعائها، ووقت ظهورها تماما، ويعلم كل
стр. 7279
ما تحمله الحامل وما تضعه، وزمن الحمل والوضع بدقة، فإليه يردّ علم الساعة، كما يرد إليه علم هذه الأمور.
ونظير مقدمة الآية: ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها﴾ [الأنعام ٥٩/ ٦] ونظير القسم الثاني: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى، وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ، وَما تَزْدادُ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ. عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾ [الرعد ٨/ ١٣ - ٩] وقوله سبحانه: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ، وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر ١١/ ٣٥].
ثم يبين الله تعالى انتهاء أسطورة الشرك، فيقول للرد على المشركين الذين دعاهم النبي ﷺ إلى التوحيد والتبرؤ من عبادة الأصنام والأوثان في بدء السورة.
﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي؟ قالُوا: آذَنّاكَ، ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ أي واذكر أيها الرسول يوم ينادي الله سبحانه المشركين في يوم القيامة متسائلا على سبيل التهكم والتوبيخ: أين شركائي الذين كنتم تزعمون من الأصنام وغيرها، فادعوهم الآن فليشفعوا لكم، أو يدفعوا عنكم العذاب؟ فيجيبون: لقد أعلمناك أو أسمعناك أن ليس أحد منا يشهد اليوم أن معك شريكا. ونفي الشهادة يراد به التبرؤ من الشركاء، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣/ ٦].
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ، وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي ذهبت عنهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها في الدنيا، من الأصنام وغيرها، فلم تنفعهم، وتيقنوا وعلموا ألا مهرب لهم ولا ملجأ من عذاب الله كقوله تعالى:
﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً﴾ [الكهف ٥٣/ ١٨].
وهذا وعيد وتهديد للمشركين.
стр. 7280
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - استأثر الله تعالى بعلم الغيب مطلقا علما قطعيا يقينيا جازما، فهو وحده العالم بوقت يوم القيامة، وبزمان خروج الثمرة من أوعيتها أي تحول الزهرة إلى ثمرة ومعرفة نوعها، وبلحظة حمل الأنثى ووضعها، ونوع الحمل وخصائصه وصفاته.
أما علم المنجمين فهو علم محدود جدا، ومن الحدس والتخمين والظن، لا من باب العلم واليقين، فإن العلم الذي هو الجزم واليقين مختص بالله تعالى، وعلم هؤلاء قد يصادف الواقع، والغالب أنه لا يتفق مع الواقع. وكذلك علم الأطباء بنوع الحمل أو تاريخ الوضع هو علم ظني، وليس في دقة علم الله، وليس شاملا شمول علم الله، فالله هو المنفرد بعلم خصائص الحمل والمولود.
٢ - انتهاء أسطورة الشرك والتعلق بشفاعة الأصنام والأوثان في يوم القيامة، ففي هذا اليوم يعلن المشركون أن الله واحد لا شريك له، وأنّه لا أمل بنفع الشركاء وشفاعتهم، وألا محيد ولا مهرب ولا فرار من عذاب النار.
لقد بدؤوا بنفي الشرك لما عاينوا القيامة، وتبرؤوا من الأصنام وتبرأت الأصنام منهم، ثم أدركوا ألا نفع منها، ثم تيقنوا وعلموا أنهم واقعون حتما في عذاب النار دون إمكان الفرار أو الهرب.
وهذا منسجم مع الموضوع الأساسي للسورة وهو إثبات التوحيد، ونبذ عبادة الأصنام، والإقرار بيوم البعث، فقد دعا النبي ﷺ إلى ذلك كله، كما جاء في بدء السورة: ﴿قُلْ: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ ولكن المشركين أعرضوا عن دعوته في الدنيا، وقالوا: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه
стр. 7281
تبدل أحوال الإنسان وتغير أطواره
﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾
الإعراب:
﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ﴾ ﴿دُعاءِ الْخَيْرِ﴾: مضاف ومضاف إليه، والتقدير:
لا يسأم الإنسان من دعائه الله بالخير، فحذف الفاعل والمفعول به الأول، والياء من المفعول الثاني، وأضاف المصدر إلى المفعول الثاني. اللام في ولئن الأولى، ولئن الثانية، ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ﴾، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ لام القسم.
البلاغة:
﴿الْخَيْرِ﴾ و ﴿الشَّرُّ﴾ بينهما طباق.
﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ مجاز عن النفس.
﴿عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ استعارة، استعار الغلظ لشدة العذاب.
﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ استعارة، شبه الدعاء بماله عرض متسع، للإشعار بكثرته واستمراره.
المفردات اللغوية:
﴿لا يَسْأَمُ﴾ لا يملّ ولا يفتر ﴿مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ﴾ طلب السعة في النعمة من المال والصحة وغيرهما ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ الضيق من فقر وشدة ومرض ونحوها ﴿فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ﴾ من فضل الله ورحمته. واليأس: انقطاع الرجاء من حصول الخير، والقنوط: ظهور أثر اليأس على الإنسان من الذل والانكسار، والقنوط: من اتصف بالقنوط، وهو كثير اليأس من روح الله.
стр. 7282
﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ﴾ آتيناه، واللام: لام القسم ﴿رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ﴾ سعة بعد شدة، والرحمة هنا: سعة العيش والصحة، والضراء ضيق العيش والمرض ونحوهما ﴿هذا لِي﴾ بعملي أي هذا ما أستحقه لما لي من العمل والجهد الحسنى الجنة والكرامة ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ﴾ لنخبرن ﴿غَلِيظٍ﴾ شديد لا يمكنهم التخلص منه.
﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ﴾ جنس الإنسان ﴿أَعْرَضَ﴾ عن الشكر ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ تكبر وانحرف وتباعد، والجانب: مجاز عن النفس كالجنب في قوله تعالى: ﴿فِي جَنْبِ اللهِ﴾ [الزمر ٥٦/ ٣٩]. ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ كثير مستمر، وهو أبلغ من الطويل، إذ الطول قد يشمل الشيء الدقيق.
سبب النزول:
هذه الآيات نزلت في كفار، قيل: في الوليد بن المغيرة، وقيل: في عتبة بن ربيعة، وكثير من المسلمين وغيرهم يتصفون بوصف أولها من دعاء الخير.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى تبدل أحوال الكفار بين الدنيا والآخرة، الذين كانوا في الدنيا مصرّين على إثبات الشركاء والأضداد لله، ثم تبرؤوا عن تلك الشركاء في الآخرة، أردفه ببيان أحوال الإنسان في جميع الأوقات، وتغير أطواره ومناهجه، فإن جاءه خير تعاظم، وإن تعرض لبلاء ومحنة تصاغر وذبل، وهذا دليل الطيش، والحرص على جمع المال، والجهل، وضعف الإيمان.
التفسير والبيان:
﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ، وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ﴾ أي لا يملّ الإنسان من دعاء ربه بالخير، كالمال والصحة والسلطان والرفعة ونحوها، وإن أصابه الشر من بلاء وشدة أو فقر أو مرض، كان شديد اليأس من
стр. 7283
روح الله، بالغ القنوط من رحمة الله، حتى يظن أنه لا يتهيأ له بعد هذا خير، أو يظن عدم زوال ما به من المكروه.
والآية تصوّر طبع الإنسان، وإن ظهر ذلك كثيرا في الكافر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ [يوسف ٨٧/ ١٢] وقد جعل بعض المفسرين الآية خاصة بالكافر، وقال: هذه صفة الكافر، بدليل الآية المتقدمة: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ..﴾ .. والظاهر إرادة الجنس، فكثير من المسلمين يصدر منهم هذا التغير والتبدل، كما تقدم بيانه.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً، ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ، إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي، إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ، إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود ٩/ ١١ - ١١].
ثم ذكر الله تعالى خصالا ثلاثا أقبح مما سبق، فقال:
١ - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ: هذا لِي﴾ أي ولئن آتيناه خيرا بتفريج كربه من بعد شدة أصابته، كغنى بعد فقر، وصحة أو عافية بعد مرض، وجاه بعد ذل، ليقولن: هذا شيء أستحقه على الله لرضاه بعملي وجهدي وخبرتي، متناسبا فضل الله وإحسانه، جاهلا أن الله يبتلي عباده بالخير والشر، ليتبين له الشاكر من الجاحد، والصابر من الجزع. وهذا دليل على أن ذلك اليائس القانط لو عاودته النعمة، لعاد إلى الجحود والكفر.
٢ - ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أي وما أعتقد أن القيامة ستقوم، كما يخبرنا به الأنبياء، فلا رجعة ولا حساب ولا عقاب على ذنب في الدنيا. ولأجل أنه رزق نعمة يبطر ويفخر ويكفر، كما قال تعالى: ﴿كَلاّ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق ٦/ ٩٦ - ٧].
стр. 7284
والشك في البعث لا يكون إلا من الكافرين أو المنافقين المظهرين الإسلام المبطنين الكفر.
٣ - ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ أي ولئن كان ثمّ معاد على فرض صدق الأنبياء بما أخبروا به من حصول البعث والنشور، فليحسنن إلى ربي كما أحسن إلي في هذه الدار، والحسنى الكرامة والجنة. واللام فيها للتأكيد. والآية تدل على تيقن الكافر بوصول الثواب إليه من وجوه خمسة:
الأول-كلمة إن تفيد التأكيد، الثاني-تقديم كلمة لي يفيد التأكيد، الثالث-قوله ﴿عِنْدَهُ﴾ يدل على أن الخيرات حاضرة مهيأة عنده، الرابع-لام ﴿لَلْحُسْنى﴾ للتأكيد، الخامس- ﴿لَلْحُسْنى﴾ تفيد الكمال في الحسنى.
والمعنى: لقد ظن أنه استحق خير الآخرة بما أوتيه من خير الدنيا، وتمنى على الله ، مع إساءته العمل وعدم اليقين، وهذا غالب على الكافر.
فأجيب بمفاجأة نقيض ما يظن، فقال الله تعالى مهددا من كان هذا اعتقاده: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أي فلنخبرن هؤلاء يوم القيامة بما عملوا من المعاصي، ولنجازينهم بعذاب شديد كثير لا يمكنهم التخلص منه وهو عذاب جهنم.
ثم أكد الله تعالى تردد الإنسان فعلا كتردده قولا في آية ﴿لا يَسْأَمُ﴾ فقال:
﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ، وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ أي وإذا رزقنا الإنسان-من حيث هو إنسان-رزقا حسنا، وأمددناه بنعمة من النعم كالصحة والولد والمال، أعرض عن الشكر والطاعة، واستكبر عن الانقياد لأوامر الله ، وإذا تبدل الحال وأصيب بشر، أي بلاء وجهد أو فقر أو مرض، أطال السؤال والدعاء، والتضرع إلى الله والاستغاثة به أن يكشف ما به من شدة.
стр. 7285
وهذا دليل الانتهازية وحب المصلحة أو المنفعة، إذ يتعرف الإنسان على الله وقت الشدة، وينساه حال الرخاء، ويستغيث به عند النقمة، ويتركه عند النعمة، وهذا يشبه تماما حال المشركين، وهو صنيع الكافرين والمترددين في الإسلام.
ونظير الآية قوله سبحانه: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ، دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً، فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ، مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ، كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس ١٢/ ١٠] وقوله : ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا، ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزّمر ٤٩/ ٣٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
لقد وصف الله الإنسان بأوصاف تبين حقيقته وطبعه، وهي:
١ - الطمع واليأس: فلا يمل الإنسان من طلب الخير والزيادة، والخير هنا: المال والصحة والسلطان والعز، وهذا دليل على حبه المال والدنيا والمادة، وإذا أصيب بشرّ كالفقر والمرض، يئس من روح الله، وقنط من رحمته، وهذا برهان على عدم الإيمان بالله والكفر به، فاليأس والإيمان لا يجتمعان في قلب واحد.
٢ - فساد الاعتقاد والقول: إذا عادت النعمة والعزة لليائس القنوط، أتى بالأباطيل الموقعة في الكفر والبعد عن الله، وهي ثلاثة أنواع:
الأول-ادعاؤه أحقية النعمة، وأنها أتته بجهده وعمله، لا بفضل الله وإحسانه.
الثاني-إنكاره الساعة أي يوم القيامة والبعث والنشور.