تبدل أحوال الإنسان وتغير أطواره
﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾
الإعراب:
﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ﴾ ﴿دُعاءِ الْخَيْرِ﴾: مضاف ومضاف إليه، والتقدير:
لا يسأم الإنسان من دعائه الله بالخير، فحذف الفاعل والمفعول به الأول، والياء من المفعول الثاني، وأضاف المصدر إلى المفعول الثاني. اللام في ولئن الأولى، ولئن الثانية، ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ﴾، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ لام القسم.
البلاغة:
﴿الْخَيْرِ﴾ و ﴿الشَّرُّ﴾ بينهما طباق.
﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ مجاز عن النفس.
﴿عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ استعارة، استعار الغلظ لشدة العذاب.
﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ استعارة، شبه الدعاء بماله عرض متسع، للإشعار بكثرته واستمراره.
المفردات اللغوية:
﴿لا يَسْأَمُ﴾ لا يملّ ولا يفتر ﴿مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ﴾ طلب السعة في النعمة من المال والصحة وغيرهما ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ الضيق من فقر وشدة ومرض ونحوها ﴿فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ﴾ من فضل الله ورحمته. واليأس: انقطاع الرجاء من حصول الخير، والقنوط: ظهور أثر اليأس على الإنسان من الذل والانكسار، والقنوط: من اتصف بالقنوط، وهو كثير اليأس من روح الله.
стр. 7282
﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ﴾ آتيناه، واللام: لام القسم ﴿رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ﴾ سعة بعد شدة، والرحمة هنا: سعة العيش والصحة، والضراء ضيق العيش والمرض ونحوهما ﴿هذا لِي﴾ بعملي أي هذا ما أستحقه لما لي من العمل والجهد الحسنى الجنة والكرامة ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ﴾ لنخبرن ﴿غَلِيظٍ﴾ شديد لا يمكنهم التخلص منه.
﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ﴾ جنس الإنسان ﴿أَعْرَضَ﴾ عن الشكر ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ تكبر وانحرف وتباعد، والجانب: مجاز عن النفس كالجنب في قوله تعالى: ﴿فِي جَنْبِ اللهِ﴾ [الزمر ٥٦/ ٣٩]. ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ كثير مستمر، وهو أبلغ من الطويل، إذ الطول قد يشمل الشيء الدقيق.
سبب النزول:
هذه الآيات نزلت في كفار، قيل: في الوليد بن المغيرة، وقيل: في عتبة بن ربيعة، وكثير من المسلمين وغيرهم يتصفون بوصف أولها من دعاء الخير.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى تبدل أحوال الكفار بين الدنيا والآخرة، الذين كانوا في الدنيا مصرّين على إثبات الشركاء والأضداد لله، ثم تبرؤوا عن تلك الشركاء في الآخرة، أردفه ببيان أحوال الإنسان في جميع الأوقات، وتغير أطواره ومناهجه، فإن جاءه خير تعاظم، وإن تعرض لبلاء ومحنة تصاغر وذبل، وهذا دليل الطيش، والحرص على جمع المال، والجهل، وضعف الإيمان.
التفسير والبيان:
﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ، وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ﴾ أي لا يملّ الإنسان من دعاء ربه بالخير، كالمال والصحة والسلطان والرفعة ونحوها، وإن أصابه الشر من بلاء وشدة أو فقر أو مرض، كان شديد اليأس من
стр. 7283
روح الله، بالغ القنوط من رحمة الله، حتى يظن أنه لا يتهيأ له بعد هذا خير، أو يظن عدم زوال ما به من المكروه.
والآية تصوّر طبع الإنسان، وإن ظهر ذلك كثيرا في الكافر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ [يوسف ٨٧/ ١٢] وقد جعل بعض المفسرين الآية خاصة بالكافر، وقال: هذه صفة الكافر، بدليل الآية المتقدمة: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ..﴾ .. والظاهر إرادة الجنس، فكثير من المسلمين يصدر منهم هذا التغير والتبدل، كما تقدم بيانه.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً، ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ، إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي، إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ، إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود ٩/ ١١ - ١١].
ثم ذكر الله تعالى خصالا ثلاثا أقبح مما سبق، فقال:
١ - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ: هذا لِي﴾ أي ولئن آتيناه خيرا بتفريج كربه من بعد شدة أصابته، كغنى بعد فقر، وصحة أو عافية بعد مرض، وجاه بعد ذل، ليقولن: هذا شيء أستحقه على الله لرضاه بعملي وجهدي وخبرتي، متناسبا فضل الله وإحسانه، جاهلا أن الله يبتلي عباده بالخير والشر، ليتبين له الشاكر من الجاحد، والصابر من الجزع. وهذا دليل على أن ذلك اليائس القانط لو عاودته النعمة، لعاد إلى الجحود والكفر.
٢ - ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أي وما أعتقد أن القيامة ستقوم، كما يخبرنا به الأنبياء، فلا رجعة ولا حساب ولا عقاب على ذنب في الدنيا. ولأجل أنه رزق نعمة يبطر ويفخر ويكفر، كما قال تعالى: ﴿كَلاّ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق ٦/ ٩٦ - ٧].
стр. 7284
والشك في البعث لا يكون إلا من الكافرين أو المنافقين المظهرين الإسلام المبطنين الكفر.
٣ - ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ أي ولئن كان ثمّ معاد على فرض صدق الأنبياء بما أخبروا به من حصول البعث والنشور، فليحسنن إلى ربي كما أحسن إلي في هذه الدار، والحسنى الكرامة والجنة. واللام فيها للتأكيد. والآية تدل على تيقن الكافر بوصول الثواب إليه من وجوه خمسة:
الأول-كلمة إن تفيد التأكيد، الثاني-تقديم كلمة لي يفيد التأكيد، الثالث-قوله ﴿عِنْدَهُ﴾ يدل على أن الخيرات حاضرة مهيأة عنده، الرابع-لام ﴿لَلْحُسْنى﴾ للتأكيد، الخامس- ﴿لَلْحُسْنى﴾ تفيد الكمال في الحسنى.
والمعنى: لقد ظن أنه استحق خير الآخرة بما أوتيه من خير الدنيا، وتمنى على الله ، مع إساءته العمل وعدم اليقين، وهذا غالب على الكافر.
فأجيب بمفاجأة نقيض ما يظن، فقال الله تعالى مهددا من كان هذا اعتقاده: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أي فلنخبرن هؤلاء يوم القيامة بما عملوا من المعاصي، ولنجازينهم بعذاب شديد كثير لا يمكنهم التخلص منه وهو عذاب جهنم.
ثم أكد الله تعالى تردد الإنسان فعلا كتردده قولا في آية ﴿لا يَسْأَمُ﴾ فقال:
﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ، وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ أي وإذا رزقنا الإنسان-من حيث هو إنسان-رزقا حسنا، وأمددناه بنعمة من النعم كالصحة والولد والمال، أعرض عن الشكر والطاعة، واستكبر عن الانقياد لأوامر الله ، وإذا تبدل الحال وأصيب بشر، أي بلاء وجهد أو فقر أو مرض، أطال السؤال والدعاء، والتضرع إلى الله والاستغاثة به أن يكشف ما به من شدة.
стр. 7285
وهذا دليل الانتهازية وحب المصلحة أو المنفعة، إذ يتعرف الإنسان على الله وقت الشدة، وينساه حال الرخاء، ويستغيث به عند النقمة، ويتركه عند النعمة، وهذا يشبه تماما حال المشركين، وهو صنيع الكافرين والمترددين في الإسلام.
ونظير الآية قوله سبحانه: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ، دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً، فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ، مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ، كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس ١٢/ ١٠] وقوله : ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا، ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ، بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزّمر ٤٩/ ٣٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
لقد وصف الله الإنسان بأوصاف تبين حقيقته وطبعه، وهي:
١ - الطمع واليأس: فلا يمل الإنسان من طلب الخير والزيادة، والخير هنا: المال والصحة والسلطان والعز، وهذا دليل على حبه المال والدنيا والمادة، وإذا أصيب بشرّ كالفقر والمرض، يئس من روح الله، وقنط من رحمته، وهذا برهان على عدم الإيمان بالله والكفر به، فاليأس والإيمان لا يجتمعان في قلب واحد.
٢ - فساد الاعتقاد والقول: إذا عادت النعمة والعزة لليائس القنوط، أتى بالأباطيل الموقعة في الكفر والبعد عن الله، وهي ثلاثة أنواع:
الأول-ادعاؤه أحقية النعمة، وأنها أتته بجهده وعمله، لا بفضل الله وإحسانه.
الثاني-إنكاره الساعة أي يوم القيامة والبعث والنشور.
стр. 7286
الثالث-تمني الأماني بلا عمل، فيحسب أن له الجنة والكرامة مع سوء وضعه.
٣ - استحقاق العذاب: أقسم الله قسما غليظا لا حنث فيه أنه سيجزي الكافرين بما عملوا من المعاصي، وأنه سيذيقهم العذاب الشديد.
٤ - سوء الأفعال: ترى الإنسان حال النعمة يترفع عن الانقياد إلى الحق، ويتكبر على أنبياء الله، وإذا أصيب بمكروه، أكثر في الدعاء، وهذا يدل على أن الكافر يعرف ربه في البلاء، ولا يعرفه في الرخاء.
ضرورة التأمل في الآيات والأنفس:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾
الإعراب:
﴿مَنْ أَضَلُّ﴾ من: استفهامية في موضع رفع بالابتداء، و ﴿أَضَلُّ﴾: الخبر، والجملة منهما سدّت مسدّ مفعولي ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾. وقرئ «أريتم» بحذف الهمزة الثانية للتخفيف.
﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾: في موضع رفع فاعل ﴿يَتَبَيَّنَ﴾. وهاء ﴿أَنَّهُ﴾ إما لله تعالى، أو للقرآن، أن للنبي ﷺ . والظاهر الثاني.
﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ﴾ الباء زائدة ولا تزاد في الفاعل إلاّ مع كفى، ومفعول ﴿يَكْفِ﴾ محذوف تقديره: أو لم يكفك ربّك. و ﴿أَنَّهُ﴾ إما في موضع جر على البدل من ربك على اللفظ، أو في موضع رفع على البدل من ربك على الموضع، أو في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، أي لأنه على كل شيء شهيد.
стр. 7287
البلاغة:
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فيها مجازان: مجاز استعمال رأى بمعنى أبصر في الإخبار، لأن الرؤية طريق للعلم بالشيء، والعلم به طريق إلى الإخبار عنه، فاستعملت صيغة طلب الرؤية في طلب الإخبار بجامع مطلق الطلب. ومجاز استعمال الهمزة التي هي لطلب الرؤية في طلب الإخبار.
المفردات اللغوية:
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني ﴿إِنْ كانَ﴾ القرآن ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ من غير نظر واتباع دليل ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي لا أحد أضل منكم أي أكثر ضلالا ممن هو في خلاف كبير بعيد عن الحق. وقد أوقع هذه الجملة: ﴿مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ﴾ موقع (منكم) لبيان حالهم، وتوضيح مزيد ضلالهم. والمعنى: إذا كفرتم بالقرآن فليس هناك في الدنيا أكثر ضلالا منكم يا قريش بسبب مخالفتكم الشديدة المغرقة في البعد عن الحق.
﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ﴾ سنطلعهم على عظمة آياتنا وصدقها في أقطار السماء والأرض، وسيتبين لهم في المستقبل واقع ما أخبرناهم بهم من الحوادث الآتية وآثار النوازل الماضية، وما يحققه المسلمون من فتوحات في أرجاء الدنيا على وجه خارق للعادة. و ﴿الْآفاقِ﴾ نواحي الأرض والسموات ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من إبداع الصنع وعظمة التركيب وما حل بأهل مكة ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ حتى يظهر لهم أن القرآن هو الحق الثابت المنزّل من الله المشتمل على نظام الدنيا الأصلح، ومعرفة حقائق الآخرة من البعث والحساب والعقاب ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ أي أولم تحصل الكفاية بربك، أو أو لم يكفهم في أنه حق وفي صدقك أن ربك على كل شيء شهيد، أي لا يغيب عنه شيء ما. والمعنى: إن هذا الموعود به من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه، فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل من المطّلع المهيمن على كل شيء، حاضره وغائبه، فيكفيهم ذلك دليلا على أنه حق وأنه من عند الله. وقوله: ﴿شَهِيدٌ﴾ أي شاهد على كل ما يفعله الخلق.
﴿مِرْيَةٍ﴾ شك ﴿مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أي من البعث بعد الموت ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ أي إنه تعالى عالم بكل الأشياء مجملها وتفصيلها، وعالم بمقدارها، فيجازيهم بكفرهم.
стр. 7288
المناسبة:
بعد بيان وعيد المشركين، على الشرك، ورجوعهم عنه في يوم القيامة، وإظهار تبدل أحوال الإنسان، بالتعاظم عند القوة، والتصاغر والذل عند الضعف، أوجب الله تعالى التأمل والتفكر في آيات الله وفي الأنفس، ليعلموا أن القرآن حق منزّل من عند الله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها.
التفسير والبيان:
﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ، مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين المكذبين بالقرآن: أخبروني عن حالكم ماذا أنتم فاعلون، إن كان هذا القرآن من عند الله حقا، ثم كذبتم به ولم تقبلوه ولا عملتم بما فيه، أفلا تكونون أعداء للحق والصواب؟ بل لا أحد أضلّ منكم لشدة عداوتكم، وإمعانكم في الكفر والعناد ومجانبة الحق ومخالفته.
ثم دعاهم إلى التأمل والتفكر في الآيات والأنفس، فقال:
﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ أي سنظهر لهم دلالات صدق القرآن، وعلامات كونه من عند الله في أقطار السموات والأرض المشتملة على خلق الشمس والقمر والنجوم، وتعاقب الليل والنهار، وأحداث الكون الرهيبة من الأعاصير والبراكين والصواعق، وعظمة الجبال والبحار، وإبداع صنع النباتات والأشجار، وما يحدث في الأرض من فتوحات كبري على أيدي المسلمين في أرجاء الأرض المحيطة بمكة والجزيرة العربية. وهذا الإخبار عن الغيب معجزة.
وسنظهر صدق القرآن وأنه منزل من عند الله أيضا في خلق أنفس البشر، وما فيها من إبداع الصنعة، وعظمة التركيب: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾
стр. 7289
[الذاريات ٢١/ ٥١]، وفي مصائر الناس وتبدل أحوال أهل مكة العتاة من سادة متكبرين إلى أذلة صاغرين.
كل ذلك ليعرفوا من هذه الوقائع والأحداث والخلائق ويتبينوا بجلاء أن القرآن ومنزله ومن أنزل عليه حق وصدق لا شك فيه.
وإذا لم ينظروا ويتأملوا، فتكفي شهادة الله بأن القرآن حق، فقال تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؟ أي كفى بالله شاهدا على أفعال عباده وأقوالهم، من الكفار وغيرهم، وكفى به شاهدا على أن القرآن منزل من عنده.
ثم أوضح الله تعالى سبب عنادهم وإصرارهم على كفرهم، فقال:
﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ، أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾. ألا أيها المخاطب، إن كفار قريش وأمثالهم في شك من البعث والحساب والثواب والعقاب، ألا أيها الإنسان، إن الله قد أحاط علمه بجميع المعلومات، وأحاطت قدرته بجميع المقدورات، فهو محيط بكل شيء علما وقدرة، والمخلوقات كلها تحت قهره وفي قبضته، وفي مرصد علمه، وهو المتصرف فيها كلها بحكمة، وسيجازي الكفار وغيرهم على أعمالهم، فما لهم يشكون في البعث والنشور، وقد علموا أن الله خلقهم أول مرة؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - بما أن القرآن نزل بلغة العرب، وهم أدرى الناس به وبصحته، فلا أحد أضل منهم في الإعراض عنه، لفرط الشقاق والعداوة.
стр. 7290
٢ - أقام الله تعالى أدلة وعلامات كثيرة على وحدانيته وقدرته، منها آيات الآفاق والأنفس، وآيات الآفاق: هي الآيات الفلكية والكوكبية، وآيات الليل والنهار، وآيات الأضواء والظلمات، وآيات عالم العناصر الأربعة (الماء والتراب والهواء والنار) وكذا فتح البلاد المحيطة بمكة.
وآيات الأنفس: كيفية تكون الأجنة في ظلمات الأرحام، وتخلق الأعضاء العجيبة، والتركيبات والخواص الغريبة، وكذا فتح مقر الشرك مكة.
فإبداع الكون سمائه وأرضه، وإبداع خلق الإنسان وما يطرأ على البلاد من تغيرات الفتوح والممالك والسلاطين، وعلى الناس من تبدل من عزة إلى ذلة وبالعكس، دليل على وجود الله المتصرف في مخلوقاته، المهيمن على عباده، المدبر لكل شيء يحدث في الوجود.
٣ - كفى بالله شاهدا على أنه خلق الدلائل على الأشياء، وعلى أفعال وأقوال عباده، وكفى به شاهدا على أن القرآن من عند الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ: اللهُ﴾ [الأنعام ١٩/ ٦] وقال سبحانه: ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ، أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء ١٦٦/ ٤].
والمقصود: ألم تكفهم هذه الدلائل الكثيرة التي أوضحها الله تعالى وقررها في هذه السورة وغيرها من سور القرآن الدالة على التوحيد والتنزيه والعدل والنبوة؟! ٤ - إن مشركي مكة وأمثالهم في شك عظيم وشبهة شديدة من البعث والقيامة، ولكن الله تعالى عالم بكل شيء، فيعلم بواطن هؤلاء الكفار وظواهرهم، ويجازي كل أحد على فعله بحسب ما يليق به، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
стр. 7291
والخلاصة: أن سبب الكفر والشرك هو إنكار يوم القيامة، وحجب الأنظار عن التأمل في آيات الكون والأنفس، ولكن الزمن كفيل ببيان صدق الآيات، وأن الكفار مخطئون فيما اعتقدوا.
стр. 7292
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الشورى
مكيّة، وهي ثلاث وخمسون آية.
تسميّتها:
سميت (سورة الشورى) لوصف المؤمنين فيها بالتشاور في أمورهم:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [٣٨] ولأن الشورى في الإسلام قاعدة النظام السياسي والاجتماعي بل والخاص في الحياة، لما لها من مكانة، وأهمية بالغة في تحقيق المصلحة والغاية الناجحة، ولأن الاستبداد يؤدي دائما إلى أوخم العواقب:
رأي الجماعة لا تشقى البلاد به*على الدوام ورأي الفرد يشقيها (١)
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها فيما يلي:
١ - وصف الكتاب العزيز، وتأكيد نزول الوحي به على قلب النبي ﷺ ، وإثبات الساعة (يوم القيامة).
٢ - مناقشة عقائد الكفار وتهديدهم ووعيدهم، وإثبات وجود الله ووحدانيته وحكمته وقدرته بالأدلة الكونية المشاهدة، وبالمخلوقات الأرضية الصناعية وغيرها.
стр. 7293
٣ - ترغيب المؤمنين بالاستقامة المؤدية إلى الجنة ونعيمها، وتحذير الكافرين من الانحراف أو الإعراض عن هداية الله المؤدي إلى النار وأهوالها.
٤ - تسلية النبي ﷺ عما يلقاه من أذى قومه ومطاعنهم.
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كسائر السور المكية مختص بالعقيدة القائمة على الإيمان بوحدانية الله، وصحة الرسالة النبوية، والتصديق بالبعث والجزاء، ومحورها الأساسي الكلام عن ظاهرة الوحي.
لذا ابتدأت بالحديث عن الوحي الذي أنزله الله على جميع الأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم الله لتبليغ رسالته إلى الناس.
ثم عرضت لما لله من هيبة وجلال تكاد السموات تتفطر منهما، وأن الملائكة تستغرق في تسبيحه وتمجيده، وأنه الرقيب على أعمال المشركين، ثم انتقلت إلى بيان كون القرآن عربيا، وأن الإيمان بالله اختياري لا قسري.
ثم أبانت أسباب الاختلاف في الأمة المسلمة وطريق علاجها بتحكيم كتاب الله، وأوضحت ضرورة اختلاف الشرائع الإلهية الموحى بها في الجزئيات حسبما يتفق مع مصلحة البشر، مع اتفاقها في الأصول الاعتقادية والإصلاحية والعبادات، ثم نددت بالمختلفين في الأديان وجعلت خلافهم بغيا وعدوانا وظلما، فالدين واحد في أصله، ورسالات الأنبياء تكمل بعضها بعضا، وبينها قدر مشترك هو الإسلام، أي الانقياد والخضوع لله : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ..﴾. الآية [١٣].
ثم فنّدت حجة المنكرين لرسالة النبي محمد ﷺ بعد أن تبين صدقها وصحتها، وهددت باقتراب الساعة التي يستعجل بها المشركون ويشفق منها
стр. 7294
المؤمنون، وقرنت التفنيد والتهديد بتهويل العذاب الشديد المنتظر يوم القيامة، وبوصف نعيم الجنان وروضاتها لتبشير المؤمنين الذين يعملون الصالحات.
وتحدثت عن مبدأين ضروريّي المعرفة لكل إنسان في الدنيا: وهما أن الرزق بيد الله ينزله بحسب المصلحة، وأن العامل للدنيا وحدها يحرم خير الآخرة، والعامل للآخرة يمنح خير الدنيا معها.
ثم أقامت الأدلة على وجود الله من خلق السموات والأرض وما فيهما والتصرف بهما والقدرة عليهما، وإجراء السفن في البحار، فكل ذلك أثر صنع الله.
وأعقبت ذلك بالإشادة بمن يعمل للآخرة، ويجتنب الفواحش، ويعفو عند المقدرة، ويستحب لربه، ويقيم الصلاة، ويستشير أهل الخبرة والمعرفة، وينتصر من أهل البغي والعدوان، ويؤثّر العفو والصفح والصلح، ويقتصر على الجزاء بالمثل، ويصبر في المحنة.
وأردفت ذلك ببيان أهوال النار وخسارة أهلها، وفقدانها النصر، وتمنيهم العودة إلى الدنيا حين رؤية العذاب، وهم أذلة صاغرون. وناسب هذا دعوة الناس جميعا إلى الاستجابة لدعوة الله والانقياد لحكمه وشرعه قبل المفاجأة بيوم القيامة الذي لا شك فيه ولا مرد له: ﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ..﴾. [٤٧].
والاستجابة تكون تلقائية اختيارية لا قهر فيها، وما على الرسول إلا البلاغ.
ثم ختمت السورة أولا بتأكيد كون ملك السموات والأرض لله، يهب الأولاد أو لا يهب بحسب المشيئة، وثانيا ببيان أقسام الوحي، وعظمة القرآن خاتم
стр. 7295
الكتب السماوية، والذي هو نور الله الهادي إلى صراط مستقيم، ليتناسق الختام مع مطلق السورة بالحديث عن هذا الكتاب العزيز: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾ [٥٢].
إنزال الوحي وعظمة الله ورقابته أحوال المشركين
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾
الإعراب:
﴿كَذلِكَ يُوحِي﴾ ... ﴿اللهُ﴾ ﴿كَذلِكَ﴾: الكاف بمعنى المثل، و ﴿كَذلِكَ﴾ مفعول مطلق ل ﴿يُوحِي﴾ و ﴿اللهُ﴾: فاعل ﴿يُوحِي﴾. ومن قرأ «يوحى» كان لفظ الجلالة ﴿اللهُ﴾ إما مرفوع بفعل مقدر دل عليه «يوحى» كرفع كلمة ﴿رِجالٌ﴾ في قراءة من يقرأ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ﴾ [النور ٣٦/ ٢٤ - ٣٧] بفعل مقدر، أي يسبحه رجال، وإما مرفوع بالابتداء، ويكون ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ خبرين عن الله تعالى، ويجوز جعلهما وصفين، و ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ﴾ الخبر، وإما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو الله.
﴿أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ توالي المؤكدات وهي ألا، وإن، وضمير الفصل.
البلاغة:
﴿أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ توالي المؤكدات وهي: ألا، وإن، وضمير الفصل.
﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.﴾. ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ،﴾ ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.﴾. ﴿بِوَكِيلٍ﴾ صيغ مبالغة، وسجع لطيف.
стр. 7296
﴿كَذلِكَ يُوحِي﴾ استعمل الفعل المضارع في حقيقته بالنسبة لما ينزل من القرآن، وفي مجازه بالنسبة لما أنزل من الكتب السابقة وما أنزل من القرآن. وهذا تشبيه للمشبه، والمشبه به هذه السورة.
المفردات اللغوية:
﴿حم عسق﴾ تقرأ هكذا بأسمائها: حا، ميم، عين، سين، قاف بإدغام السين في القاف، وقد انفردت هذه السورة بآيتين من الحروف، لعلهما اسمان للسورة. وهذه الحروف المقطعة كما تقدم للتنبيه على إعجاز القرآن، ولفت النظر إلى ما تشتمل عليه السورة من عظائم الأمور ﴿كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ﴾ أي مثل ذلك الإيحاء إلى الأنبياء السابقين من الكتب الإلهية ﴿يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ﴾ أي مثل ذلك الإيحاء إلى الأنبياء السابقين من الكتب الإلهية يوحي الله إليك أيها الرسول، كما أوحي إلى من قبلك الأنبياء. وإنما ذكر الإيحاء بلفظ المضارع:
﴿يُوحِي﴾ لحكاية الحال الماضية للدلالة على استمرار الوحي، وكون إيحاء مثله عادة الله.
﴿الْعَزِيزُ﴾ أي القوي الغالب في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه، وهما صفتان.
﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ ملكا وخلقا وعبيدا ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ المتعالي فوق خلقه ﴿الْعَظِيمُ﴾ المتفرد بالكبرياء والعظمة ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ يتشققن والفطور: الشقوق، وقرئ «ينفطرن» وقرئ «يتفطّرنّ». ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ أي تكاد السموات يتشققن من هيبة وعظمة الله وجلاله، الذي هو فوقهن بالألوهية والقدرة، أو يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية بسبب وجود العرش والكرسي وصفوف الملائكة ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي والملائكة يلازمون ويداومون خضوعا لعظمة الله على عبادته وتنزيهه عما لا يليق به، وتحميده وشكره على نعمه ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي للمؤمنين فهي عموم يراد به الخصوص، بدليل آية أخرى:
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المؤمن ٧/ ٤٠] وحكايته عنهم ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [المؤمن ٧/ ٤٠] ﴿أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ﴾ لأوليائه المؤمنين ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ شركاء وأندادا وهم الأصنام ﴿حَفِيظٌ﴾ رقيب على أحوالهم وأعمالهم، محص لها، فيجازيهم عليها ﴿وَما أَنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِوَكِيلٍ﴾ بموكل بهم تحصل المطلوب منهم وهو هدايتهم، فما عليك إلا البلاغ فقط.
التفسير والبيان:
﴿حم، عسق﴾ هذه الحروف الهجائية السبعة المفصولة بمقطعين أو آيتين مما اختصت به هذه السورة، والمعروف ألا يفصل بين هذه الحروف، مثل
стр. 7297
﴿كهيعص﴾ أول مريم و ﴿المر﴾ أول الرعد، بدئ بها للدلالة على تكوين القرآن من أجزاء أمثال هذه الحروف التي تتركب منها لغة العرب بقصد الإعجاز والتنبيه إلى خطورة ما فيها من أمور.
﴿كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي مثل ذلك الإحياء الذي أوحي إلى سائر الأنبياء من كتب الله المنزلة، يوحي إليك أيها الرسول في هذه السورة، من الدعوة إلى التوحيد وإثبات النبوة، والإيمان بالبعث أو اليوم الآخر والثواب والعقاب، والعمل بفضائل الأخلاق، والبعد عن رذائلها، وإسعاد الفرد والمجتمع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ [الأعلى ١٨/ ٨٧ - ١٩] وهو إشارة إلى ما تضمنته السورة من إقرار مبدأ التوحيد، والنبوة، والمعاد، فليس الهدف من إنزال جميع الكتب الإلهية إلا الإيمان بهذه الأمور الثلاثة.
والذي يوحي إليك هو الله، العزيز في ملكه، الغالب بقهره، الحكيم في صنعه، يضع الأمور في موضعها الصحيح.
والمقصود بالآية تقرير المماثلة في دعوات الأنبياء إلى التوحيد، والعدل، والنبوة، والمعاد، والتحذير من الاغترار بالدنيا، والترغيب في التوجه إلى الآخرة.
ومن أوصاف الموحي أيضا ما قاله تعالى:
﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ أي له جميع ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا، فهي مملوكة له، مخلوقة منه، متصرف فيها كما يشاء إيجادا وإعداما، وهو المتعالي فوق خلقه، صاحب الكبرياء والعظمة، ليس كمثله شيء، فليس المراد العلو في الجهة والمكان، ولا عظمة الجثة وكبر الجسم، لأن ذلك يقتضي كونه مؤلفا من الأجزاء والأبعاض، وذلك ينافي قوله: ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١/ ١١٢].
стр. 7298
والمقصود بالآية الدلالة على كمال قدرة الله، ونفوذ تصرفه في جميع مخلوقاته.
﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ أي تقارب السموات يتشققن من عظمة وجلال وهيبة من هو فوقها بالألوهية والقهر والقدرة، وهذا هو الظاهر، والأدق أن يقال: من الجهة الفوقانية التي هن فيها.
ويحتمل أن المراد: يتفطرن لكثرة ما عليهن من الملائكة، كما في حديث أحمد والترمذي: «أطّت السماء، وحقّ لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد». وقيل: إن المراد: كدن يتفطرن من قول المشركين: اتخذ الله ولدا، كما في قوله تعالى: ﴿وَقالُوا: اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا﴾ (١)، ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ، وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً﴾ [مريم ٨٨/ ١٩ - ٩١].
﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي والملائكة يداومون على تنزيه الله عما لا يليق به ولا يجوز عليه، قارنين التسبيح بالتحميد وشكر النعم التي لا تحصى، كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠/ ٢١].
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ، أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي ويطلبون المغفرة لعباد الله المؤمنين، ثم أورد الله تعالى ما يكون طمعا في إيمان الكافر وتوبة الفاسق، فذكر أنه سبحانه كثير المغفرة والرحمة، وفيه إيماء إلى قبول استغفار الملائكة، لضم الرحمة إلى المغفرة، وإشارة إلى أن المغفرة المطلقة والرحمة المطلقة لله تعالى. قال بعض العلماء: هيّب وعظّم جل وعز في الابتداء، وألطف وبشّر في الانتهاء (٢).
стр. 7299
ونظير الآية: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ، يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ، وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ [المؤمن ٧/ ٤٠].
ثم حذر الله تعالى من الشرك قائلا:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ، اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي إن المشركين الذين اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها من دون الله، الله هو الرقيب على أحوالهم وأعمالهم، يحفظها ويحصيها عليهم ليجازيهم بها، وما أنت أيها الرسول بموكل إليك هدايتهم ومؤاخذتهم بذنوبهم، ولست مكلفا بحملهم وقسرهم على الإيمان، وإنما عليك البلاغ فحسب.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - هناك مماثلة تامة في أصول العقيدة والأخلاق والفضائل بين رسالات الأنبياء، فالموحى به إليهم واحد يدور حول إثبات التوحيد والنبوة والمعاد.
وقد جاء في الأحاديث الصحيحة تبيان أنواع الوحي،
أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة ﵂ قالت: إن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يأتيني الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» قالت عائشة ﵂: فلقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ﷺ ليتفصّد عرقا.
٢ - لله ملك السموات والأرض ومن فيهما، فهو كامل القدرة، نافذ التصرف في جميع مخلوقاته، وقد اشتملت الآيات على ثمان صفات لله تعالى وهي:
стр. 7300
العزيز، الحكيم، مالك السموات والأرض ومن فيهما، العلي، العظيم، الغفور، الرحيم، الحفيظ.
٣ - تكاد السموات يتشققن من عظمة الله وجلاله فوقهن.
٤ - تلازم الملائكة التسبيح (أي تنزيه الله عما لا يجوز في وصفه وما لا يليق بجلاله) والتحميد، خضوعا لما يرون من عظمة الله، ويستغفرون للمؤمنين من الذنوب والخطايا، والله سبحانه له المغفرة المطلقة والرحمة المطلقة.
٥ - الله هو الذي يحفظ أعمال المشركين الذين اتخذوا أصناما من غير الله يعبدونها، ليجازيهم بها، وليس النبي ﷺ بموكل على أحد في هدايته وقسره على الإيمان، وإنما الإيمان أمر اختياري، والرسول مجرد مبلّغ ناصح، وليس في قدرته أن يحملهم على الإيمان.
مقاصد الوحي الإلهي
﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾
стр. 7301
الإعراب:
﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ الكاف في ﴿كَذلِكَ﴾ مفعول به، و ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾: حال منه.
﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿ذلِكُمُ﴾: في موضع رفع مبتدأ، و ﴿اللهِ﴾: عطف بيان، و ﴿رَبِّي﴾: صفة لله، وخبر المبتدأ: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
و ﴿فاطِرُ السَّماواتِ..﴾. مرفوع إما خبر بعد خبر، أو صفة، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف أي: هو فاطر السموات والأرض، أي مبدعهما.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الكاف: إما زائدة، أي ليس مثله شيء، أو غير زائدة والمراد بالمثل الذات، يقال: مثلي لا يفعل هذا، أي أنا لا أفعل هذا.
البلاغة:
﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى﴾ مجاز مرسل، أي لتنذر أهل مكة. وكما حذف كلمة «أهل» حذف المنذر به وهو العذاب، أي لتنذر أهل مكة العذاب، وهذا يقال له (احتباك) وهو حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر.
﴿الْجَنَّةِ﴾ و ﴿السَّعِيرِ﴾، ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَكَذلِكَ﴾ أي مثل ذلك الإيحاء، فالإشارة إلى مصدر يوحي أو إلى معنى الآية المتقدمة ﴿لِتُنْذِرَ﴾ تخوف به ﴿أُمَّ الْقُرى﴾ أي أهل أم القرى وهي مكة، كأنها أصل للقرى التي حولها، وقد ثبت علميا أنها فعلا في مركز قطب الدائرة الأرضية ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ من العرب وسائر الناس ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ يوم القيامة الذي تجتمع فيه الخلائق ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك فيه وهو جملة اعتراضية ﴿فَرِيقٌ﴾ منهم أي جماعة ﴿فِي الْجَنَّةِ، وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ أي النار المستعرة، أي بعد جمعهم في الموقف يفرقون فريقين.
﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ على دين واحد إما مهتدين أو ضالين ﴿وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي بالهداية والتوفيق إلى الطاعة ﴿وَالظّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ أي لا يدعمهم
стр. 7302
ولي يتولى أمورهم، ولا نصير يدفع عنهم العذاب. وتغيير الجملة من فعلية إلى اسمية، للمبالغة في الوعيد.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ بل اتخذوا، أي أن ﴿أَمِ﴾ منقطعة بمعنى «بل» للانتقال من كلام إلى كلام أو من معنى إلى معنى، والهمزة: استفهامية يراد بها الإنكار، أي ليس المتخذون أولياء ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي الأصنام ونحوها و ﴿أَوْلِياءَ﴾ نصراء أعوان ﴿فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ أي المعين الناصر للمؤمنين، وهذا جواب شرط محذوف مثل: إن أرادوا وليا بحق، فالله هو الولي بالحق، لاولي سواه ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كالتقرير لكونه حقيقا بالولاية.
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي ما اختلفتم أنتم والكفار في أمر من أمور الدين أو الدنيا ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ أي حكمه مردود إلى الله يوم القيامة، يفصل بينكم بالإثابة والمعاقبة، أو مفوض إلى الله يميز الحق من المبطل بالنصر في الدنيا ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فوضت في مجامع الأمور، ورد كيد أعداء الدين ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أرجع في المشكلات وفي كفاية شرهم.
﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما ومبدعهما لا على مثال سبق ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ من جنسكم ﴿أَزْواجاً﴾ نساء ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً﴾ أي وخلق للأنعام من جنسها أزواجا، واقتصر على الأنعام للتغليب على سائر الحيوانات ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ يكثركم، يقال: ذرأ الله الخلق: كثرهم، و ﴿فِيهِ﴾ في هذا التدبير وهو جعل الأزواج للناس والأنعام، وضمير ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ راجع إلى المخاطبين والأنعام، مغلبا فيه العقلاء.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الكاف زائدة، أي ليس مثله شيء في ذاته وصفاته ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ لكل ما يسمع ويبصر، أو يقال ويفعل.
﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ﴾ مفاتيح خزائنها من المطر والنبات وغيرهما ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ يوسعه لمن يريد امتحانا ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيقه لمن يريد ابتلاء.
المناسبة:
بعد بيان كون الله هو الرقيب على أحوال المشركين وأعمالهم، ذكر الله تعالى توجيهات لنبيه والمؤمنين، وهي إنزال القران بلغة العرب ليفهمه أهل مكة ومن حولها، وقسمة الناس في الآخرة فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، وجعل الإيمان اختياريا غير قسري ولا جبري، ورد المختلف فيه إلى الله،
стр. 7303
والاستدلال على قدرته بخلق السموات والأرض، وتصرفه فيهما وانفراده بملك خزائنهما، وخلق الأزواج ذكورا وإناثا من الناس والأنعام وغيرها.
التفسير والبيان:
﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ أي ومثل ذلك الإيحاء إلى الأنبياء السابقين بلغات أقوامهم، أوحينا إليك قرآنا عربيا، لتخوف به من عذاب الله وشؤون الدنيا والآخرة أهل مكة (أم القرى) ومن حولها من العرب وسائر الناس، لأن رسالتك عامة للبشرية قاطبة، كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ، بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ ٢٨/ ٣٤]. وإنما خص أهل مكة ومن حولها، فلأنهم المخاطبون بالرسالة أولا ليكونوا حملتها إلى الناس جميعا.
وأما تأييد الآية في تنوع الرسالات على وفق لغات الأقوام والأمم، فهو قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤/ ١٤].
﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ أي وتنذر به أيضا يوم القيامة الذي تجتمع الخلائق فيه، وتقترن الأرواح بالأجساد، والذي لا شك في وقوعه، ثم إنهم بعد الجمع والحساب يفرّقون فريقين: فريق يدخل الجنة لإيمانه بالله ورسوله وكتابه، والإحسان عمله في الدنيا، وفريق آخر يزجّ به في نار جهنم المسعرة على أهلها، لكفرهم بالله ورسوله وقرآنه.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ، ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [التغابن ٩/ ٦٤] أي يغبن في الكافر بتركه الإيمان، والمؤمن بتقصيره في الإحسان وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ، ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ
стр. 7304
النّاسُ، وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ، وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ، يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود ١٠٣/ ١١ - ١٠٥].
ثم أبان الله تعالى مبدأ حرية الإيمان لتسلية رسوله عما يقاسي من كفر قومه، فقال:
﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ، وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ أي لو أراد الله لجعل الناس جميعا أهل دين واحد، إما على هدى، وإما على ضلالة، ولكن اختلفوا على أديان مختلفة بالمشيئة الأزلية، وبمقتضى العلم الأزلي بما يختاره الإنسان، فيكون إما مؤمنا وإما كافرا، والله تعالى حكيم لا يفعل إلا ما فيه المصلحة، فمن علم منه اختيار الهدى والدين الحق وهو الإسلام، هداه ووفقه إليه، فيدخله بذلك في جنته، ومن علم منه اختيار الضلال والكفر، أضلّه، فيدخله بذلك في السعير، وهؤلاء هم الظالمون الكافرون المشركون الذين ليس لهم ولي يدفع عنهم العذاب، ولا نصير ينصرهم يوم الحساب والعقاب.
وهذه الآية تقرير للآية السابقة: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ، اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي ليس في قدرته حملهم على الإيمان، وإنما القادر على ذلك هو الله تعالى.
والآية أيضا تسلية لرسول الله ﷺ عما كان يكابده ويعانيه من كفر قومه وإعراضهم عن دعوته، وكأنه تعالى يقول له: لا تأس ولا تحزن على عدم إيمانهم، فالهداية والضلالة تابعتان للمشيئة الإلهية، فمن سبقت له السعادة فهو السعيد، ومن سبقت له الشقاوة فهو الشقي. ويكون موضوع الآية مثل آية: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف ٦/ ١٨].
لهذا أمر الله نبيه بعدم الاهتمام بهم بسبب وثنيتهم وشركهم، فقال:
стр. 7305
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ، فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ، وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي بل اتخذ هؤلاء الكافرون آلهة يعبدونها من دون الله، من الأصنام والأوثان، زاعمين أنهم أعوان لهم ونصراء، فإن أرادوا وليا ناصرا بحق، فالله هو الولي الحقيق بأن يتخذوه معينا وناصرا، لا تنبغي العبادة إلا له وحده، فإنه الخالق الرازق الضار النافع الناصر لمن أراد، وهو القادر على إحياء الموتى، وهو قدير بالغ القدرة على كل شيء مقدور.
أما الأصنام وكل من عدا الله فلا تملك في الحقيقة نفعا ولا ضرا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً، لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج ٧٣/ ٢٢].
ثم بعد هذا النبذ للكفار، نهى الله تعالى عن منازعتهم في الدين، فقال:
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ، فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ أي مهما اختلفتم في شيء من جميع أمور الدين والدنيا، فإن حكمه ومرجعه إلى الله، فهو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه ﷺ في الدنيا، وسوف يفصل فيه يوم القيامة بحكمه، فيظهر المحق من المبطل. والمقصود أن المؤمنين ممنوعون من الشروع مع الكفار في الخصومات والمنازعات، كما منع الرسول ﷺ أن يحمل الكفار على الإيمان قهرا.
والآية مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩/ ٤].
ثم أمر الله نبيه أن يقول لهم:
﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي ذلكم الحاكم بهذا الحكم هو الله ربي، عليه وحده اعتمدت في جميع أموري، لا على غيره، وفوضته في كل شؤوني، وأرجع إليه تائبا من الذنوب، لا إلى غيره.
стр. 7306
وهذا تعريف لهم بمصدر الخير الحقيقي ودفع الضرر، لا أصنامهم الجمادات.
وأسباب ذلك قدرته الخارقة، فقال تعالى:
١ - ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي خالقهما ومبدعهما من العدم، لا على مثال سبق، فهو الجدير بالعبادة.
٢ - ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً، وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي أوجد وخلق لكم من جنسكم نساء لتسكنوا إليها، ويحدث التكاثر والتوالد، ويستمر بقاء النوع الإنساني، وخلق أيضا للأنعام من جنسها إناثا، حتى تتكاثر موارد المعيشة لبني الإنسان. أو خلق من الأنعام أصنافا من الذكور والإناث، لذا قال: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي يبثكم ويكثركم به أي بجعل الأزواج سبيلا للتكاثر. وقوله: ﴿فِيهِ﴾ أي في هذا التدبير، وهو جعل الأزواج من الناس والأنعام، فكأن هذا الجعل منبع التكاثر ومصدره.
٣ - ٤ - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي ليس مثل الله شيء في ذاته وصفاته وحكمته وقدرته وعلمه، ومن حكمته التكاثر بالتزاوج، وهو السميع لكل الأصوات، البصير بالأمور، يسمع ويبصر الأشياء كلها صغيرها وكبيرها، ظاهرها وخفيها. وهذه الآية حجة في نفي كونه تعالى جسما مركبا من الأعضاء والأجزاء، وحاصلا في المكان والجهة، إذ لو كان جسما لكان مماثلا لسائر الأجسام.
والآية أيضا حجة في نفي المثل لله تعالى.
أما قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ [الروم ٢٧/ ٣٠]، فلا يعني إثبات المثل، لأن المراد بالمثل: هو الذي يكون مساويا للشيء في تمام الحقيقة والماهية، والمثل: هو الذي يكون مساويا للشيء في بعض الصفات الخارجة عن
стр. 7307
الماهية، وإن كان مخالفا في الماهية (١).
٥ - ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ، إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي له سبحانه خزائن السموات والأرض أو مفاتيحهما، يوسع الرزق لمن يشاء من خلقه، ويضيقه على من يشاء، وإنه تعالى عليم بكل شيء يحدث في الوجود، من إغناء وإفقار، وآثار ذلك على النفس والمجتمع، لا يريد بذلك إلا إجراء الحكمة والمصلحة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الحقائق التالية:
١ - القرآن الكريم كما هو واضح عربي مبين، أوحى الله به إلى نبيه ﷺ .
٢ - غاية القرآن الإنذار والتبشير، إنذار الكفار بالنار، وتبشير المؤمنين بالجنة. ويشمل الإنذار أيضا مخاوف وأهوال يوم القيامة الذي لا شكّ في وقوعه، فهو كائن لا محالة، ولكن بعلم الله، وما أقرب حدوث القيامة إن نشبت حرب ذريّة عالمية، فالذّرة كفيلة بالقضاء على الأخضر واليابس.
٣ - الناس يوم القيامة فريقان: فريق الجنة، وفريق النار، ولا ثالث لهما.
٤ - إن مكة المكرمة هي أم القرى وعاصمة المدن، وأشرف سائر البلاد، وهي كما أثبت العلماء الحديثون في مركز قطب الدائرة للكرة الأرضية، وكانت أحبّ البلاد إلى قلب النّبي ﷺ .
أخرج الإمام أحمد والتّرمذي والنّسائي وابن ماجه عن عبد الله بن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول -وهو واقف
стр. 7308
بالحزورة في سوق مكة-: «والله إنك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت».
٥ - الله قادر على جعل الناس على دين واحد وملّة واحدة، أهل ضلالة أو أهل هدى، ولكن يدعهم وشأنهم في اختيار أي المنهجين شاؤوا، فأهل الهداية في الجنة، وأهل الضلالة في النار، وليس لهم ناصر ولا معين يدفع عنهم العذاب.
٦ - لقد استحبّ المشركون الكفر على الهدى، واتّخذوا الأصنام معبودات وآلهة لهم من دون الله، ولكنهم خابوا وخسروا وأخطئوا، فالله هو المعبود بحقّ، لأنّه الناصر الولي الذي لا ولي سواه، وهو القادر على البعث، والقادر على كلّ شيء، وغيره عاجز لا يقدر على شيء، وليس محمد ﷺ عليهم رقيبا ولا حافظا ولا مكلفا بأن يحملهم على الإيمان شاؤوا أم أبوا.
٧ - لا داعي للاختلاف والتنازع بين أهل الأديان، لأن ذلك يورث العداوة، ويزرع الأحقاد، ويجعل الحكم إلى السلاح، وما على المؤمنين إلا أن يقولوا لمن خالفهم من أهل الكتاب والمشركين: الحكم إلى الله لا إليكم، وقد حكم أن الدّين هو الإسلام لا غيره، والشرائع إنما تتلقّى من بيان الله، ومرجع الحكم وإزالة الخلاف: القرآن والسّنة.
وقد أمر النّبي ﷺ أن يقول لقومه: ذلكم الله الذي يحيي الموتى، ويحكم بين المختلفين هو ربّي، عليه اعتمدت، وإليه أرجع، لا إلى غيره من المعبودات الأخرى.
٨ - احتجّ نفاة القياس بالآية: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ أي إلى النص من قرآن أو سنّة. والجواب: المراد من الآية: الرّدّ إلى بيان الله، سواء كان البيان بالنّص أو بالقياس، والقياس في معنى المنصوص عليه.
стр. 7309
٩ - استدلّ الله تعالى على قدرته الفائقة بأنه خالق السموات والأرض من العدم، وخالق الزوجين الذكر والأنثى من الناس والأنعام، وأنه ليس مثله شيء في ذاته وصفاته من عظمته وكبريائه وقدرته وملكوته، لا يشبه شيئا من مخلوقاته ولا يشبّه به، وهو الذي يملك مفاتيح السموات والأرض ويملك الخزائن، وهو الرّازق الذي يرزق من يشاء بغير حساب، وهو بكلّ شيء عليم.
وفي الجملة: هو الموصوف بكل كمال، المنزّه عن كل نقصان، الخالق لكل المخلوقات، المتصرّف في هذا الكون كله.
والمقصود من إيراد هذه الصفات بيان أن الأصنام لا تتصف بشيء منها، فلا تكون أهلا للعبادة.
وحدة الأديان في أصولها
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَما تَفَرَّقُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾
الإعراب:
﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ منصوب على البدل من مفعول ﴿شَرَعَ﴾ أو مرفوع على الاستئناف، كأنه جواب سؤال تقديره: وما ذلك المشروع؟ أو مجرور على البدل من هاء ﴿بِهِ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ أوضح وبيّن وسنّ الشريعة. ﴿ما وَصّى بِهِ نُوحاً﴾ أي ما أمر به نوحا.
ونوح: أول أنبياء الشريعة، واستعمل ﴿وَصّى﴾ بمعنى (أمر) للاعتناء بشأن المأمور به وتأكيده،
стр. 7310
أي شرع لكم من الدّين دين نوح ومحمد ومن بينهما ﵈ من أرباب الشرع، وهو الأصل المشترك فيما بينهم، المفسّر بقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ أي حافظوا عليه، والدّين: هو التوحيد والإيمان بما يجب تصديقه، والطاعة في أحكام الله أي توحيد الله وطاعته، وهو الإسلام بالمعنى العام. ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ولا تختلفوا في هذا الأصل، أما فروع الشرع فيمكن أن تختلف، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ [المائدة ٤٨/ ٥].
﴿كَبُرَ﴾ عظم وشقّ عليهم. ﴿ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ من التوحيد. ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ﴾ يصطفي ويختار، وضمير إليه عائد على ما تدعوهم إليه، أو على الدّين. ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ﴾ بالإرشاد والتوفيق. ﴿مَنْ يُنِيبُ﴾ يقبل ويرجع إلى طاعته.
﴿وَما تَفَرَّقُوا﴾ أي أهل الأديان في الدّين، بأن وحّد بعض، وكفر بعض. ﴿الْعِلْمُ﴾ اليقين بالتوحيد أو أسباب العلم من الرسل والكتب وغيرهما فلم يلتفتوا إليها. ﴿بَغْياً﴾ أي ظلما وتجاوزا للحدّ من الكافرين. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بالإمهال وتأخير الجزاء. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو يوم القيامة. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بتعذيب الكافرين المبطلين في الدنيا، حين افترقوا. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي أهل الكتاب (اليهود والنصارى) الذين كانوا في عهد الرسول ﷺ . ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ لفي حيرة من أمرهم وكتابهم الذي لم يؤمنوا بحقيقته. ﴿مُرِيبٍ﴾ مقلق موقع في الرّيبة، شديد الرّيب والشكّ.
المناسبة:
بعد أن عظّم الله تعالى وحيه إلى نبيّه محمد ﷺ بقوله: ﴿كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ..﴾. وبعد أن عدّد تعالى نعمه على الناس، فصّل أمر الوحي، وذكر نعمته العامة وهو ما شرع لهم من العقيدة المتفق عليها من توحيد الله وطاعته والإيمان برسله وبكتبه وباليوم الآخر والجزاء فيه، وذكر أن المشركين يشقّ عليهم دعوتهم إلى التوحيد وترك الأوثان، وأنهم ما اختلفوا إلا بعد قيام الحجة عليهم، وهم متأثرون ببواعث البغي والعدوان والحسد، وأنه لولا القضاء الإلهي السابق بإمهالهم وتأخير عذابهم، لعجلت لهم العقوبة في الدنيا.
стр. 7311
التفسير والبيان:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أي بيّن وأوضح لكم من الدّين أيها المسلمون ما أمر به وشرع لنوح أول الرّسل بعد آدم ﵉ من التوحيد وأصول الشرائع التي لم يختلف فيها الرّسل وتوافقت عليها الكتب، وما أوحى به إلى النبي محمد ﷺ خاتم النّبيين من القرآن وشرائع الإسلام ونبذ الشرك، وما أمر به إبراهيم وموسى وعيسى مما تطابقت عليه الشرائع، أن حافظوا على الدّين (وهو توحيد الله والإيمان به، وطاعة رسله وقبول شرائعه) ولا تختلفوا في هذه الأصول التشريعية، فإن هذه الأصول لا ينبغي ولا يصح الخلاف في مثلها.
والخلاصة: شرعنا لكم في هذه الشريعة ما اتفقت عليه الشرائع والأديان كلها في أصول العقيدة من الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر والملائكة، وأصول العبادة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وطاعة الله، قال مجاهد: «لم يبعث الله نبيّا قط إلاّ وصّاه بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم». وكذا أصول الأخلاق وأسس الفضائل كالصدق والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وصلة الرحم، وتحريم الزنى والسرقة والاعتداء على الأموال والنفوس. ووصّى الله تعالى جميع الأنبياء ﵈ بالائتلاف والجماعة.
ونهاهم عن الافتراق والاختلاف.
وأساس الدين الذي جاءت به الرّسل كلّهم: هو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال : ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥/ ٢١]. و
جاء في الحديث الثابت الذي أخرجه
стр. 7312
أحمد والشيخان وأبو داود عن أبي هريرة: «الأنبياء أولاد علات (١)، أمهاتهم شتى ودينهم واحد» أي أن القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له. أما اختلاف الأديان في الشعائر الفرعية وأنواع العبادات وتفاصيلها ومناهجها المختلفة من شريعة إلى أخرى، فهذا لا شيء فيه، وإنما اقتضاه التّطور ومراعاة الحاجات والمصالح، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ [المائدة ٤٨/ ٥].
وهذه الآية انتظمت ذكر الرّسل الخمسة أولي العزم: وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصّلاة والسّلام. وإنّما خصّهم بالذّكر، لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة.
﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي عظم وشقّ على المشركين دعوتهم إلى توحيد الإله ورفض الأصنام والأوثان، وأنكروا واشتدّ عليهم: أن لا إله إلا الله وحده، وأبى الله إلا أن ينصرها.
﴿اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ أي إن الله يختار لتوحيده والدّخول في دينه من يشاء من عباده، ويوفّق لدينه وعبادته من يرجع إلى طاعته ويقبل إلى عبادته. وهذا يبيّن فضل الله على عبادة المؤمنين أنه هداهم لدينه، بعد أنّ أمرهم بالتّمسك بالدّين القديم الذي أجمع عليه الرّسل.
وسبب التّفرق في الدّين بالرغم من وحدته، هو ما قال تعالى:
﴿وَما تَفَرَّقُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي ما تفرّق أتباع الأديان في اتّباع الحقّ إلاّ بعد قيام الحجة عليهم، وبعد ما علموا أن الفرقة ضلالة، وما حملهم على ذلك إلا العناد والمشاقة والبغي بينهم بطلب الرّياسة، وشدّة الحمية، والحفاظ على مراكز النّفوذ والمكاسب المادية.
стр. 7313
﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي ولولا القضاء السابق من ربّك بتأخير العقوبة والحساب إلى يوم المعاد، لعجّل عليهم العقوبة في الدنيا سريعا، بسبب ما اقترفوا من آثام عظام.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي وإن لجيل المتأخّر من أهل الكتاب الذين توارثوا التوراة والإنجيل عمن سبقهم لفي شكّ من كتابهم ودينهم وإيمانهم، وهو شكّ مقلق موقع في الرّيب بشدة، لأنّهم لم يتّبعوا الحق، وإنّما قلّدوا رؤساء الدّين المتأخرين الذين صوّروا لهم الدّين بصورة مغايرة لحقيقته الأولى، واتّبعوا الآباء والأسلاف بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم، ولذلك لم يؤمنوا برسالة خاتم الأنبياء، وأصبحوا مكذّبين القرآن ومحمدا ﷺ الذي صدّق كتابهم في أصله الأوّل.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - إن الرّسالات السماوية متحدة في أصولها، وإن اختلفت في فروعها.
٢ - شرع الله لأمة الإسلام ما شرع لقوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، من توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وباليوم الآخر، وغيرها من أصول العقيدة والعبادة والأخلاق.
أما أحكام الشرائع التي هي متبدلة متغيرة بحسب أحوال الأمم ومصالح الأقوام، فهي مختلفة متفاوتة، وهذا أمر حسن يتناسب مع الأحوال والبيئات والظروف، فالمشرع كامل العلم والحكمة، والإسلام دين قديم أجمع عليه الرّسل، والشرائع قسمان: منها ما لا نسخ فيه، بل يكون واجب البقاء في جميع الشرائع والأديان، كحسن الصدق والعدل والإحسان، وقبح الكذب والظلم والإيذاء، ومنها ما يختلف باختلاف الشرائع والأديان. والشرع حريص على القسم الأول باعتباره الجوهر أكثر من حرصه على القسم الثاني.
стр. 7314
٣ - إن الأديان قائمة على توحيد الله، فلا تلتقي مع الشرك والمشركين، وإنما ترفض الشرك والوثنية، وتقبّح عقائد المشركين، لذا كان يشقّ على المشركين سماع كلمة التوحيد-شهادة أن لا إله إلا الله.
٤ - يستخلص الله لدينه من رجع إليه، ويهدي إليه من وجد فيه الخير.
٥ - لم تتفرّق الأمم في أديانها إلا بعد علمهم بالحقّ والحقيقة، وآثروا الفرقة والاختلاف على الوحدة والجماعة للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا، فما على المسلمين إلا أن يحذروا الفرقة والتّشتت ويحرصوا على الجماعة والوحدة، وينبذوا الخلافات والعصبيات المذهبية الضّارة.
٦ - اقتضت الحكمة الإلهية تأخير العذاب إلى يوم القيامة، وتأخير الفصل بين المختلفين إلى يوم المعاد والحساب.
٧ - إن الذين توارثوا التوراة والإنجيل لفي شكّ من كتبهم ومما أوصى به الأنبياء.
الأمر بالدعوة والاستقامة على المتفق عليه
ودحض حجة المجادلين فيه
﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاِسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اُسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨) اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾
стр. 7315
الإعراب:
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ﴾ .. ﴿حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، و ﴿حُجَّتُهُمْ﴾:
مبتدأ ثان، و ﴿داحِضَةٌ﴾: خبره، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول.
﴿أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ متعلق ب ﴿أَنْزَلَ﴾.
﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ذكّر ﴿قَرِيبٌ﴾ من أربعة وجوه: ذكّره على النّسب، أي ذات قرب، مثل ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف ٥٦/ ٧] أي ذات قرب، أو لأن التقدير: لعل وقت الساعة قريب، أو حملا على المعنى، لأن الساعة بمعنى البعث، أو للفرق بينه وبين قرابة النسب. وقال الكسائي: ﴿قَرِيبٌ﴾ نعت ينعت به المذكر والمؤنث والجمع بمعنى ولفظ واحد.
و ﴿لَعَلَّ﴾ علق فعل ﴿يُدْرِيكَ﴾ عن العمل، وسدّ ما بعده مسدّ المفعولين.
البلاغة:
﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها﴾ بينهما طباق السلب.
المفردات اللغوية:
﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ﴾ اللام في موضع إلى، أي فلذلك الائتلاف والاتّفاق على الملّة الحنيفية ادع الناس يا محمد، واستقم عليه وداوم واثبت. ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ في تركه.
﴿آمَنْتُ﴾ صدقت. ﴿لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في الحكم والقضاء دون حيف ولا ميل لجانب: ﴿اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ، لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ فيجازي كلاّ بعمله. ﴿لا حُجَّةَ﴾ لا احتجاج ولا خصومة، إذ الحق قد ظهر. ﴿اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ يوم القيامة لفصل القضاء. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ المرجع.
﴿يُحَاجُّونَ فِي اللهِ﴾ يخاصمون في دينه. ﴿اُسْتُجِيبَ لَهُ﴾ استجاب الناس لدينه، ودخلوا فيه لظهور حجته ومعجزاته. ﴿داحِضَةٌ﴾ زائفة باطلة. ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ بمعاندتهم. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ على كفرهم.
﴿اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ القرآن أو جنس الكتاب. ﴿وَالْمِيزانَ﴾ العدل والمساواة بين الناس. ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ يعلمك. ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ لعل إتيانها قريب. ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ يتساءلون استهزاء: متى تأتي؟ وظنّا منهم أنها غير آتية. ﴿مُشْفِقُونَ مِنْها﴾ خائفون منها مع العناية والاهتمام، والفعل (أشفق) إذا عدّي بمن كما هنا فالخوف أظهر، وإذا عدّي
стр. 7316
بعلى، مثل: أشفقت على اليتيم، فالعناية أظهر. ﴿الْحَقُّ﴾ الأمر المحقق الكائن حتما. ﴿يُمارُونَ﴾ يجادلون. ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ عن الحق، فإن البعث أشبه الغيبيات إلى المحسوس، فمن لم يهتد إليه لتوافر الدواعي على الاعتقاد به، فهو أبعد عن الاهتداء إلى غيره.
﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ يتلطّف بهم جميعا، سواء البرّ منهم والفاجر، حيث رزقهم ولم يهلكهم بمعاصيهم. ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ﴾ من يريد، كما يشاء ويريد. ﴿الْقَوِيُّ﴾ الباهر القدرة.
﴿الْعَزِيزُ﴾ المنيع الذي لا يغلب.
سبب النزول:
نزول الآية (١٦):
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ.﴾.: أخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: لما نزلت ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال المشركون بمكة لمن بين أظهرهم من المؤمنين.
قد دخل الناس في دين الله أفواجا، فاخرجوا من بين أظهرنا، فعلام تقيمون بين أظهرنا؟ فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في هذه الآية قال: هم اليهود والنصارى قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبيّنا قبل نبيّكم، ونحن خير منكم.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى وحدة الدّين في أصوله الأولى، أمر نبيّه بالدعوة إلى الاتفاق على الملّة الحنيفيّة، والاستقامة عليها والثبات على أحكامها، وأنهى المحاجّة والمخصومة بين المؤمنين والمشركين لوضوح الحجّة، ثم ذكر أن الذين يخاصمون في الدّين بعد الاستجابة إليه، حجّتهم زائفة باطلة، وأردفه استعجال المشركين استهزاء وإنكارا بيوم القيامة، وإيمان المؤمنين به حتما واستعدادهم له، وأن المماراة والشكّ فيه ضلال واضح، لكثرة الأدلّة على وقوعه.
стр. 7317
التفسير والبيان:
اشتملت الآية الأولى: ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ.﴾. على عشرة أوامر ونواه، كلّ منها مستقل بذاته، ولا نظير لها سوى آية الكرسي، فإنّها أيضا عشرة موضوعات. والأمر بهذه الأوامر والنهي عن هذه النواهي، وإن وجه إلى النّبي ﷺ ، فهي له ولأمته.
١ - ٢: ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ، وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ أي ادع أيها الرسول إلى ذلك الأمر المتفق عليه، واثبت وداوم واستمر على عبادة الله وتبليغ الرسالة، كما أمرت من ربّك، فيكون قوله: ﴿فَلِذلِكَ﴾ أي إلى ذلك، وتكون اللام بمعنى إلى، كقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ [الزلزلة ٥/ ٩٩].
ويصحّ أن يكون المراد باللام التعليل، أي فلأجل ذلك التّفرق والشّك المذكورين، ولأجل تلك الاختلافات المتشعبة في الدين، ادع إلى الاتفاق والائتلاف على الملّة الحنيفية القديمة، واستقم عليها وعلى الدعوة إليها كما أمرك الله، فتكون اللام على بابها للتعليل، والمعنى: فمن أجل ذلك المتقدّم ذكره فادع واستقم.
أو فلأجل ما شرعه الله من الدّين الواحد، فادع إلى الله وإلى توحيده، واستقم على ما دعوت إليه، واستمر على تبليغ الرسالة كما أمرت بذلك.
٣ - ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ أي ولا تتبع أيها الرسول أهواء المشركين فيما اختلقوه وافتروه من عبادة الأوثان، ولا تتبع أيضا أهواء الذين أورثوا الكتاب فيما وقعوا فيه من شكوك وحيرة وتحريف وتبديل.
٤ - ﴿وَقُلْ: آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ﴾ أي وقل أيها الرسول:
صدّقت بجميع الكتب المنزلة من السماء التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله، من
стр. 7318
التوراة والإنجيل والزّبور وصحف إبراهيم وموسى، لا نفرّق بين أحد منهم، فلست من الذين آمنوا ببعض الكتب، وكفروا ببعض، وهذا تعريض بأهل الكتاب (اليهود والنصارى) الذين حصل منهم ذلك.
٥ - ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أي وأمرني الله بأن أعدل بينكم في الحكم والقضاء إذا ترافعتم إلي، ولا أحيف عليكم بزيادة أو نقص.
٦ - ﴿اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ﴾ أي الله هو المعبود بحقّ، لا إله غيره، فنحن نقرّ بذلك اختيارا، فهو إلهنا وإلهكم، وخالقنا وخالقكم.
٧ - ﴿لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ أي إن ثواب أعمالنا وعقابها خاص بنا، ولكم ثواب أعمالكم وعقابها، فهو خاص بكم، ونحن برآء منكم ومن أعمالكم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا، وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٢٥/ ٣٤]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ: لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس ٤١/ ١٠].
٨ - ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ﴾ أي لا خصومة بيننا وبينكم ولا احتجاج، لأن الحقّ قد ظهر ووضح كالشمس.
٩ - ١٠: ﴿اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي الله يجمع بيننا في المحشر يوم القيامة، فيقضي بيننا بالحق في خلافتنا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا، ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ، وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ ٢٦/ ٣٤]. وإليه وحده سبحانه المرجع والمآب يوم الحساب والقيامة، فيجازي كل نفس بما كسبت. قيل: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة، وقد سألا رسول الله ﷺ أن يرجع عن دعوته ودينه إلى دين قريش، على أن يعطيه الوليد نصف ماله، ويزوجه شيبة بابنته.
стр. 7319
ثم بيّن الله تعالى بطلان حجة المجادلين في دين الله، فقال:
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ، حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أي والذين يخاصمون في دين الله من بعد ما استجاب الناس له، ودخلوا فيه، حجّتهم باطلة عند ربّهم، أي لا ثبات لها، كالشيء الذي يزلّ عن موضعه، وعليهم غضب عظيم من الله لمجادلتهم بالباطل، ولهم عذاب شديد يوم القيامة. وسميت دعاويهم الزائفة وأباطيلهم حجّة ودليلا، مجاراة لهم على زعمهم.
قال مجاهد: وهؤلاء قوم توهّموا أن الجاهلية تعود، فجادلوا الذين استجابوا للإسلام، لعلهم يردّونهم إلى الجاهلية.
وقال قتادة: هم اليهود والنصارى، ومحاجّتهم قولهم: نبيّنا قبل نبيّكم، وكتابنا قبل كتابكم. والظاهر هذا الرأي، روي أن اليهود قالوا للمؤمنين: ألستم تقولون: إن الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف؟ فنبوّة موسى وحقيّة التوراة معلومة بالاتّفاق، ونبوّة محمد ليست متّفقا عليها، فوجب أن يكون الأخذ باليهودية أولى، فدحض تعالى هذه الحجة، لأن الإيمان بموسى ﵇ إنما وجب لظهور المعجزات على يديه، للدلالة على صدقه، وقد ظهرت المعجزات على يدي محمد ﷺ ، فوجب الإقرار بنبوّته.
ثم ردّ تعالى عليهم بقوله:
﴿اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ﴾ أي لقد أنزل الله جميع الكتب المنزلة على الرّسل إنزالا مشتملا على الحقّ مقترنا به، وعلى أنواع الدلائل والبيّنات، وأنزل الميزان في كتبه المنزلة، أي العدل والتسوية والإنصاف، ليحكم به بين البشر، وسمي العدل ميزانا، لأن الميزان آلة الإنصاف والتّسوية بين الناس
стр. 7320
في بيعهم وشرائهم، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ، وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ، لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد ٢٥/ ٥٧].
وبعد تقرير هذه الدلائل خوّف الله تعالى المنكرين بعذاب القيامة، فقال:
﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ أي وما يعلمك أيها الرسول والمخاطب أن مجيء الساعة عسى أن يكون قريبا حصوله. وفي هذا ترغيب باتباع شرع الله، وترهيب من القيامة، وطلب الاستعداد لها.
﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ أي يتعجّل بقدوم الساعة الذين لا يصدّقون بها، قائلين استهزاء وإنكارا وتكذيبا وعنادا: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ أي والمؤمنون خائفون وجلون من وقوعها، ويعلمون أنها كائنة لا محالة، فهم عاملون من أجلها، مستعدون لها، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون ٦٠/ ٢٣].
ثبت في حديث متواتر أن رجلا سأل رسول الله ﷺ بصورت جهوري، وهو في بعض أسفاره، فناداه، فقال: يا محمد، فقال له نحوا من صوته: «هاؤم»، فقال له: متى الساعة؟ فقال له: «ويحك إنها كائنة، فما أعددت لها؟» فقال: حبّ الله ورسوله، فقال ﷺ : «أنت مع من أحببت» أو «المرء مع من أحب».
﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أي ألا أيها السامع، إن الذين يجادلون في وجود القيامة، ويخاصمون فيها مخاصمة شكّ وريبة، لفي جهل بيّن. وانحراف شديد عن الحقّ، ولو تفكّروا لعلموا أن الذي خلقهم ابتداء