بعلى، مثل: أشفقت على اليتيم، فالعناية أظهر. ﴿الْحَقُّ﴾ الأمر المحقق الكائن حتما. ﴿يُمارُونَ﴾ يجادلون. ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ عن الحق، فإن البعث أشبه الغيبيات إلى المحسوس، فمن لم يهتد إليه لتوافر الدواعي على الاعتقاد به، فهو أبعد عن الاهتداء إلى غيره.
﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ يتلطّف بهم جميعا، سواء البرّ منهم والفاجر، حيث رزقهم ولم يهلكهم بمعاصيهم. ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ﴾ من يريد، كما يشاء ويريد. ﴿الْقَوِيُّ﴾ الباهر القدرة.
﴿الْعَزِيزُ﴾ المنيع الذي لا يغلب.
سبب النزول:
نزول الآية (١٦):
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ.﴾.: أخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: لما نزلت ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال المشركون بمكة لمن بين أظهرهم من المؤمنين.
قد دخل الناس في دين الله أفواجا، فاخرجوا من بين أظهرنا، فعلام تقيمون بين أظهرنا؟ فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في هذه الآية قال: هم اليهود والنصارى قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبيّنا قبل نبيّكم، ونحن خير منكم.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى وحدة الدّين في أصوله الأولى، أمر نبيّه بالدعوة إلى الاتفاق على الملّة الحنيفيّة، والاستقامة عليها والثبات على أحكامها، وأنهى المحاجّة والمخصومة بين المؤمنين والمشركين لوضوح الحجّة، ثم ذكر أن الذين يخاصمون في الدّين بعد الاستجابة إليه، حجّتهم زائفة باطلة، وأردفه استعجال المشركين استهزاء وإنكارا بيوم القيامة، وإيمان المؤمنين به حتما واستعدادهم له، وأن المماراة والشكّ فيه ضلال واضح، لكثرة الأدلّة على وقوعه.
стр. 7317
التفسير والبيان:
اشتملت الآية الأولى: ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ.﴾. على عشرة أوامر ونواه، كلّ منها مستقل بذاته، ولا نظير لها سوى آية الكرسي، فإنّها أيضا عشرة موضوعات. والأمر بهذه الأوامر والنهي عن هذه النواهي، وإن وجه إلى النّبي ﷺ ، فهي له ولأمته.
١ - ٢: ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ، وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ أي ادع أيها الرسول إلى ذلك الأمر المتفق عليه، واثبت وداوم واستمر على عبادة الله وتبليغ الرسالة، كما أمرت من ربّك، فيكون قوله: ﴿فَلِذلِكَ﴾ أي إلى ذلك، وتكون اللام بمعنى إلى، كقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ [الزلزلة ٥/ ٩٩].
ويصحّ أن يكون المراد باللام التعليل، أي فلأجل ذلك التّفرق والشّك المذكورين، ولأجل تلك الاختلافات المتشعبة في الدين، ادع إلى الاتفاق والائتلاف على الملّة الحنيفية القديمة، واستقم عليها وعلى الدعوة إليها كما أمرك الله، فتكون اللام على بابها للتعليل، والمعنى: فمن أجل ذلك المتقدّم ذكره فادع واستقم.
أو فلأجل ما شرعه الله من الدّين الواحد، فادع إلى الله وإلى توحيده، واستقم على ما دعوت إليه، واستمر على تبليغ الرسالة كما أمرت بذلك.
٣ - ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ أي ولا تتبع أيها الرسول أهواء المشركين فيما اختلقوه وافتروه من عبادة الأوثان، ولا تتبع أيضا أهواء الذين أورثوا الكتاب فيما وقعوا فيه من شكوك وحيرة وتحريف وتبديل.
٤ - ﴿وَقُلْ: آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ﴾ أي وقل أيها الرسول:
صدّقت بجميع الكتب المنزلة من السماء التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله، من
стр. 7318
التوراة والإنجيل والزّبور وصحف إبراهيم وموسى، لا نفرّق بين أحد منهم، فلست من الذين آمنوا ببعض الكتب، وكفروا ببعض، وهذا تعريض بأهل الكتاب (اليهود والنصارى) الذين حصل منهم ذلك.
٥ - ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أي وأمرني الله بأن أعدل بينكم في الحكم والقضاء إذا ترافعتم إلي، ولا أحيف عليكم بزيادة أو نقص.
٦ - ﴿اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ﴾ أي الله هو المعبود بحقّ، لا إله غيره، فنحن نقرّ بذلك اختيارا، فهو إلهنا وإلهكم، وخالقنا وخالقكم.
٧ - ﴿لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ أي إن ثواب أعمالنا وعقابها خاص بنا، ولكم ثواب أعمالكم وعقابها، فهو خاص بكم، ونحن برآء منكم ومن أعمالكم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا، وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٢٥/ ٣٤]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ: لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس ٤١/ ١٠].
٨ - ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ﴾ أي لا خصومة بيننا وبينكم ولا احتجاج، لأن الحقّ قد ظهر ووضح كالشمس.
٩ - ١٠: ﴿اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي الله يجمع بيننا في المحشر يوم القيامة، فيقضي بيننا بالحق في خلافتنا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا، ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ، وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ ٢٦/ ٣٤]. وإليه وحده سبحانه المرجع والمآب يوم الحساب والقيامة، فيجازي كل نفس بما كسبت. قيل: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة، وقد سألا رسول الله ﷺ أن يرجع عن دعوته ودينه إلى دين قريش، على أن يعطيه الوليد نصف ماله، ويزوجه شيبة بابنته.
стр. 7319
ثم بيّن الله تعالى بطلان حجة المجادلين في دين الله، فقال:
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ، حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أي والذين يخاصمون في دين الله من بعد ما استجاب الناس له، ودخلوا فيه، حجّتهم باطلة عند ربّهم، أي لا ثبات لها، كالشيء الذي يزلّ عن موضعه، وعليهم غضب عظيم من الله لمجادلتهم بالباطل، ولهم عذاب شديد يوم القيامة. وسميت دعاويهم الزائفة وأباطيلهم حجّة ودليلا، مجاراة لهم على زعمهم.
قال مجاهد: وهؤلاء قوم توهّموا أن الجاهلية تعود، فجادلوا الذين استجابوا للإسلام، لعلهم يردّونهم إلى الجاهلية.
وقال قتادة: هم اليهود والنصارى، ومحاجّتهم قولهم: نبيّنا قبل نبيّكم، وكتابنا قبل كتابكم. والظاهر هذا الرأي، روي أن اليهود قالوا للمؤمنين: ألستم تقولون: إن الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف؟ فنبوّة موسى وحقيّة التوراة معلومة بالاتّفاق، ونبوّة محمد ليست متّفقا عليها، فوجب أن يكون الأخذ باليهودية أولى، فدحض تعالى هذه الحجة، لأن الإيمان بموسى ﵇ إنما وجب لظهور المعجزات على يديه، للدلالة على صدقه، وقد ظهرت المعجزات على يدي محمد ﷺ ، فوجب الإقرار بنبوّته.
ثم ردّ تعالى عليهم بقوله:
﴿اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ﴾ أي لقد أنزل الله جميع الكتب المنزلة على الرّسل إنزالا مشتملا على الحقّ مقترنا به، وعلى أنواع الدلائل والبيّنات، وأنزل الميزان في كتبه المنزلة، أي العدل والتسوية والإنصاف، ليحكم به بين البشر، وسمي العدل ميزانا، لأن الميزان آلة الإنصاف والتّسوية بين الناس
стр. 7320
في بيعهم وشرائهم، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ، وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ، لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد ٢٥/ ٥٧].
وبعد تقرير هذه الدلائل خوّف الله تعالى المنكرين بعذاب القيامة، فقال:
﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ أي وما يعلمك أيها الرسول والمخاطب أن مجيء الساعة عسى أن يكون قريبا حصوله. وفي هذا ترغيب باتباع شرع الله، وترهيب من القيامة، وطلب الاستعداد لها.
﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ أي يتعجّل بقدوم الساعة الذين لا يصدّقون بها، قائلين استهزاء وإنكارا وتكذيبا وعنادا: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ أي والمؤمنون خائفون وجلون من وقوعها، ويعلمون أنها كائنة لا محالة، فهم عاملون من أجلها، مستعدون لها، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون ٦٠/ ٢٣].
ثبت في حديث متواتر أن رجلا سأل رسول الله ﷺ بصورت جهوري، وهو في بعض أسفاره، فناداه، فقال: يا محمد، فقال له نحوا من صوته: «هاؤم»، فقال له: متى الساعة؟ فقال له: «ويحك إنها كائنة، فما أعددت لها؟» فقال: حبّ الله ورسوله، فقال ﷺ : «أنت مع من أحببت» أو «المرء مع من أحب».
﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أي ألا أيها السامع، إن الذين يجادلون في وجود القيامة، ويخاصمون فيها مخاصمة شكّ وريبة، لفي جهل بيّن. وانحراف شديد عن الحقّ، ولو تفكّروا لعلموا أن الذي خلقهم ابتداء
стр. 7321
قادر على الإعادة، ومن خلق السموات والأرض قادر على إحياء الموتى بطريق الأولى والأحرى، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧/ ٣٠].
﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ، يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ، وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ أي إن الله تعالى كثير اللطف بعباده، بالغ الرأفة بهم، فيوصل إليهم أعظم المنافع ومنها إنزال الكتاب المقترن بالحقّ، ويدفع عنهم أعظم المضار والبلايا ومنها تأخير العذاب عن الخلق، كما في الآيات المتقدمة، ومن ألطافه ومنافعه أنه يرزق جميع عباده، البرّ منهم والفاجر، يرزق من يشاء منهم كيف يشاء، فيوسع على هذا، ويضيق على هذا، وهو العظيم القوة، الباهر القدرة، الذي يغلب كل شيء، ولا يغلبه شيء، فلا يعجزه شيء.
ونحو الآية في الإمداد بالأرزاق قوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها، كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود ٦/ ١١]، ونظائر أخرى كثيرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يلي:
١ - النّبي ﷺ ومن بعده كل مؤمن مأمور بالدعوة إلى ذلك الدين الذي شرعه الله للأنبياء ووصّاهم به، وإلى القرآن المتضمن تلك الشرائع، وهو مأمور أيضا بالاستقامة والثبات على تبليغ الرسالة والعمل بها، ومنهي عن اتّباع الأهواء والحظوظ النفسية وعدم الاهتمام بخلاف من خالف.
وهو مأمور كذلك بالعدل في الأحكام كما أمر الله، وبإعلان أن الله ربّ الناس جميعا، لا ربّ المسلمين وحدهم، ولا ربّ فئات أخرى وحدها، وأن كل
стр. 7322
واحد مخصوص بعمل نفسه، وأن كل إنسان مسئول عن عمله، فلنا ديننا ولكم دينكم، ولا خصومة بيننا وبينكم، لأن البراهين قد ظهرت، والحجج قد قامت، فلم يبق إلا العناد، وبعد العناد لا حجّة ولا جدال.
والله سيجمع جميع الخلائق إليه يوم القيامة، وإليه المرجع، فهو يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، ويجازي كلاّ بما كان عليه.
٢ - إن المشركين واليهود والنصارى الذين يجادلون في دين الله، بعد انتشاره في الآفاق أو المشارق والمغارب، حجتهم باطلة زائفة لاثبات لها، وعليهم غضب من الله في الدنيا، ولهم عذاب شديد دائم في الآخرة.
٣ - إن الله تعالى هو منزّل القرآن وسائر الكتب المنزلة مقترنة بالحق والصدق، ومنزل في كتبه العدل، وسمي العدل ميزانا، لأن الميزان-كما تقدم- آلة الإنصاف والعدل.
٤ - وردت في القرآن آيات كثيرة للترغيب والترهيب تدلّ على قرب يوم القيامة وتحقق وقوعها حتما لا محالة.
٥ - إن شاء الكفار دائما ومعهم الملاحدة والماديون والطبيعيون ينكرون وقوع القيامة استهزاء وكفرا وعنادا وتكذيبا بها، ظنّا منهم أنها غير آتية، أو إيهاما للضّعفة أنها لا تكون.
وعقيدة المؤمن: الإيمان الجازم بمجيء القيامة، فهي الحقّ الذي لا شكّ فيه، وهم دائما يعملون لها ويستعدون من أجلها، خوفا من أهوالها، وحساب الله الشديد فيها.
وإن الذين يشكون ويخاصمون في قيام الساعة لفي ضلال بعيد عن الحق
стр. 7323
والفكر الصحيح، إذ لو تفكّروا لعلموا أن الذي أنشأهم من تراب، ثم من نطفة، إلى أن صاروا رجالا، قادر على أن يبعثهم.
٦ - إن الله لطيف بعباده، ينعم عليهم جميعا، ويرزق المؤمن والكافر، والبرّ والفاجر كيف يشاء، ويحرم من يشاء، وهو البالغ القوة، القاهر الذي لا يغلب.
حتمية الجزاء للمؤمنين والظالمين
وقبول التوبة
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦)﴾
стр. 7324
الإعراب:
﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿إِنَّ﴾ بالكسر: على الابتداء، ويقرأ بالفتح بالعطف على كلمة ﴿الْفَصْلِ﴾ وتقديره: ولولا كلمة الفصل وأن الظالمين.
﴿تَرَى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ..﴾. حال من الظالمين، لأن ﴿تَرَى﴾ من رؤية العين، لا من رؤية القلب.
﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ﴾ بحذف الباء والهاء، أي: ذلك الذي يبشر الله به عباده، ثم حذف الباء والهاء تخفيفا. و ﴿ذلِكَ﴾ بمبتدإ، وخبره اسم موصول، والعائد عليه محذوف، أي يبشر الله به عباده كما ذكره.
﴿قُلْ: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ..﴾. ﴿الْمَوَدَّةَ﴾: منصوب على الاستثناء من غير الجنس.
﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ..﴾. ﴿يَمْحُ﴾: ليس معطوفا على ﴿يَخْتِمْ﴾ المجزوم، وإنما هو مستأنف مرفوع، وإنما حذفت الواو منه، كما حذفت في ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق ١٨/ ٩٦] و ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ [الإسراء ١١/ ١٧] وإن كان في موضع رفع، لأن محو الله الباطل واجب، وليس معلقا بشرط.
﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: منصوب على أنه مفعول به، أي ويجيب الله الذين آمنوا، أو على تقدير حذف حرف الجر، أي ويستجيب للذين آمنوا، فحذفت اللام، فاتصل الفعل به. وقال أبو حيان: والظاهر أن ﴿الَّذِينَ﴾ فاعل يستجيب الذي هو بمعنى يجيب.
البلاغة:
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ استعارة تمثيلية، شبه العمل للآخرة بالزارع يزرع الزرع ليجني منه الثمرة. وبين الآخرة والدنيا طباق.
﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ، وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ بينهما مقابلة.
المفردات اللغوية:
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ﴾ بعمله. ﴿حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ أي ثوابها، والأصل في الحرث: إلقاء البذر في الأرض، وقد يطلق على الثمر، شبه ثمرة العمل ونتيجته بثمرة المزروع، وهذا يتضمن تشبيه الأعمال بالبذور. ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ نضاعف له الحسنة إلى عشر أمثالها وأكثر. ﴿حَرْثَ
стр. 7325
الدُّنْيا﴾ لذاتها وطيباتها. ﴿نُؤْتِهِ مِنْها﴾ بلا مضاعفة ما قسم له، أي نعطه شيئا منها على ما قسمنا له. ﴿وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ من حظ.
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ﴾ أي بل لكفار مكة وأمثالهم شركاء في الكفر، وهم الشياطين، وأم: أي بل ألهم شركاء؟ والهمزة للتقرير والتقريع، فهو استفهام تقرير وتوبيخ. ﴿شَرَعُوا لَهُمْ﴾ شرع الشركاء بالتزيين للكفار. ﴿مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ أي من النظام الفاسد كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا فقط. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ أي القضاء السابق بتأجيل الجزاء ليوم القيامة.
﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بين الكافرين والمؤمنين بتعذيب الأوائل في الدنيا. ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ﴾ الكافرين.
﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم.
﴿تَرَى الظّالِمِينَ﴾ في يوم القيامة. ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين. ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ في الدنيا من السيئات أن يجازوا عليها. ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ أي والجزاء واقع بهم يوم القيامة، لا محالة. ﴿فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ﴾ في أطيب بقاعها وأنزهها. ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي إن ما يشتهونه ثابت عند ربهم. ﴿ذلِكَ﴾ جزاء المؤمنين. ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ هو الفضل الإلهي العظيم الذي يصغر أمامه أي فضل في الدنيا.
﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ.﴾. ذلك الثواب الذي يبشرهم الله به، فحذف الجارّ، ثم العائد، والبشارة: الإخبار بحصول ما يسرّ في المستقبل. ﴿لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ لا أطلب على التبليغ أو البشارة نفعا منكم وخصصه العرف بالنفع المالي. ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ استثناء منقطع، أي لكن أسألكم أن تودّوا قرابتي منكم، فإن له في كل بطن من قريش قرابة، أو لكن أسألكم المودّة حال كونها في القربى، أي إلا المودة ثابتة في ذوي القربى أو في حق القرابة،
روي بسند ضعيف أنها لما نزلت قيل: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء؟ قال: علي وفاطمة وابناهما. فالقربى هنا: قرابة الرحم، كأنه قال: اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة.
﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ يكتسب طاعة، سيما حب آل الرسول. ﴿نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً﴾ نضاعف له الثواب في الحسنة. ﴿غَفُورٌ﴾ للذنوب. ﴿شَكُورٌ﴾ كثير الشكر للقليل ولمن أطاع بإيفاء الثواب والتفضل عليه بالزيادة.
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أي بل أيقولون. ﴿اِفْتَرى﴾ ادعى محمد النبوة أو القرآن. ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ يطبع عليه بالخاتم حتى تجترئ على الافتراء، والمراد استبعاد الافتراء على مثله، فإنما الذي يجترئ عليه ما كان مختوما على قلبه جاهلا بربه، أو المراد: يربط عليه بالصبر، فلا يشق عليك أذاهم بهذا القول وغيره. ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ يزيله، وهو استئناف لنفي الافتراء عما يقوله النبي. ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ يثبته. ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ هي حججه وبراهينه. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بما في القلوب.
стр. 7326
﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ يثيب عليها وهو تعريض لهم بالتوبة. ﴿وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ صغيرها وكبيرها لمن يشاء. ﴿وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ فيجازي عن يقين وحكمة.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٣):
﴿قُلْ: لا أَسْئَلُكُمْ.﴾. قال قتادة: قال المشركون: لعلّ محمدا فيما يتعاطاه يطلب أجرا، فنزلت هذه الآية، ليحثهم على مودّته ومودّة أقربائه.
قال الثعلبي: وهذا أشبه بالآية، لأن السورة مكية.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى كونه لطيفا بعباده، كثير الإحسان إليهم، رغّب في فعل الخير، والاحتراز عن القبائح بالعمل للآخرة، وأوضح قانون العمل للآخرة والدنيا، ثم أردفه ببيان سبب الضلالة عند المشركين، واستحقاقهم العذاب العاجل على الشرك بالله وإنكار البعث، لولا تأخيره في الحكم الأزلي السابق إلى الآخرة، وإخبارهم بوقوع عذاب الآخرة، وحصول الثواب في رياض الجنة للمؤمنين.
ثم عظّم تعالى حال الثواب، وأمر رسوله بأن يخبر قومه بأنه لا يطلب منهم على تبليغ الرسالة نفعا عاجلا، وإنما يطلب منهم صلة الرحم والقرابة التي هي شأن قريش، وهذا دليل النبوة. ثم رد عليهم قولهم بأن القرآن مفترى: بأنه لا يفتري الكذب على الله إلا من كان مختوما على قلبه، فلو كان محمد مفتريا لكشف الله باطله. ثم رغبهم في التوبة، ووعد تعالى بإجابة دعاء المؤمنين الصالحين، وأوعد الكافرين بشديد العقاب.
стр. 7327
التفسير والبيان:
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ أي من كان يريد بأعماله وكسبه ثواب الآخرة، نقويه ونغنيه، ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، إلى ما شاء الله.
﴿وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ أي ومن كان سعيه للحصول على شيء من شؤون الدنيا، وطلب لذائذها وطيباتها، وإهمال شؤون الآخرة، نعطه ما قضت به مشيئتنا، وقسمناه له في قضائنا، ولكن ليس له في الآخرة حظ، لأنه لم يعمل للآخرة، فلا نصيب له فيها.
وهذه الآية بإطلاقها مقيدة بآية الإسراء: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ، ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً. وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ، وَسَعى لَها سَعْيَها، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإسراء ١٨/ ١٧ - ١٩].
أخرج الإمام أحمد والحاكم وصححه وغيرهما عن أبيّ بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بشّر هذه الأمة بالسّناء والرفعة، والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب».
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: «تلا رسول الله ﷺ : ﴿(مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ)﴾ الآية، ثم قال: يقول الله:
ابن آدم تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسدّ فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا، ولم أسدّ فقرك».
ولما ذكر تعالى ما شرع للناس، وهو ﴿ما وَصّى بِهِ نُوحاً﴾ الآية، أخذ ينكر ما شرع غيره وهو سبب ضلال المشركين، فقال:
стр. 7328
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ أي بل إن المشركين لهم أعوان من الشياطين شرعوا ما لم يشرعه الله، فلم يتبعوا ما شرع الله لك يا محمد من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس، كتحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار ونحو ذلك من الضلالات والجهالات الباطلة التي اخترعوها في الجاهلية، من التحليل والتحريم والعبادات والأموال. فالشركاء: هم شياطين الجن والإنس، وضمير ﴿شَرَعُوا﴾ عائد على الشركاء، وضمير ﴿لَهُمْ﴾ عائد على الكفار المعاصرين للرسول.
ثبت في الصحيح لدى البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت عمرو بن لحيّ بن قمعة يجرّ قصبه-أي أمعاءه-في النار» لأنه أول من سيب السوائب، وسنّ للعرب عبادة الأصنام، وكان أحد ملوك خزاعة، لذا قال تعالى:
﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ، وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي ولولا الحكم والقضاء السابق من الله تعالى بتأخير العذاب في هذه الأمة إلى يوم القيامة، لقضي بين المؤمنين والمشركين، وعجلت العقوبة في الدنيا لأئمة الشرك، وإن للظالمين العذاب المؤلم الشديد الموجع في جهنم، وبئس المصير.
وتأخير العذاب بموجب قوله تعالى: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ، وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ [القمر ٤٦/ ٥٤].
ثم ذكر تعالى أحوال الجزاء الأخروي لكل من الظالمين والمؤمنين، فقال:
﴿تَرَى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا، وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ أي ترى رأي العين أو تبصر الكفار (لمقابلته بالمؤمنين) خائفين وجلين يوم القيامة مما عملوا من
стр. 7329
السيئات في الدنيا، وجزاء ما كسبوا واقع بهم نازل عليهم لا محالة، سواء خافوا أو لم يخافوا.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ، لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي والذين صدقوا بالله ورسوله، وأطاعوا ربهم فيما أمر به ونهى عنه، هم في رياضى الجنة وأطيبها وأنزهها، ولهم ما يشتهون عند ربهم من أصناف النعم وأنواع الملذات، ذلك الجزاء الممنوح لهم الذي لا يوصف ولا تعرف حقيقته هو الفضل الذي يفوق كل فضل في الدنيا، وهو النعمة التامة الشاملة. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ العندية عندية المكانة والتشريف، لا عندية المكان.
ثم أخبر تعالى عن حتمية وقوع هذا الجزاء، فقال:
﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي إن هذا الجزاء في روضات الجنات والنعيم الشامل حاصل لهم، كائن لا محالة ببشارة الله تعالى لهم به، وتلك البشارة لهؤلاء الجامعين بين الإيمان والعمل بما أمر الله به، وترك ما نهى عنه. فقوله ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما أعد لهم من الكرامة.
ثم أمر الله تعالى رسوله ﷺ بأن يظهر ترفعه وسموه عن أعراض الدنيا ومنافعها، فقال:
﴿قُلْ: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ أي قل أيها الرسول لقومك: لا أطلب منكم على تبليغ الرسالة جعلا ولا مكافأة ولا نفعا ماديا، ولكن أطلب تقدير صلة الرحم والقرابة التي بيني وبينكم، وإكرام آل بيتي وقرابتي، فتكفّوا شركم عني، وتذروني أبلّغ رسالات ربي. فقوله: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ﴾ استثناء منقطع، لأن المودة ليست أجرا.
стр. 7330
أخرج أبو القاسم الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: قال لهم رسول الله ﷺ : «لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم، وتحفظوا القرابة بيني وبينكم» والحق العمل في هذا
برواية البخاري «إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة».
وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس أيضا أن النبي ﷺ قال: «لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجرا إلا أن توادوا الله تعالى، وأن تقرّبوا إليه بطاعته». وهذا قول للحسن البصري، وهو تفسير ثان للمودة في القربى، أي إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقربكم عند الله زلفى. والظاهر لدى جماعة هو التفسير الأول، وأن مودة قرابته داخلة في الآية، والتقدير: إلا المودة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها، قال أبو حيان: وهو حسن، وفيه تكثير.
قال عكرمة: وكانت قريش تصل أرحامها، فلما بعث النبي ﷺ قطعته،
فقال: «صلوني كما كنتم تفعلون».
وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال في خطبته بغدير خم: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، وإنهما لم يفترقا حتى يردا على الحوض» وفسرت العترة
في رواية الترمذي عن جابر فقال ﷺ : «عترتي أهل بيتي».
ثم رغّبهم الله تعالى في الإحسان والإيمان، فقال:
﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً، نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً، إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أي ومن يعمل حسنة، نزد له فيها حسنا، أي أجرا وثوابا، إن الله يغفر الكثير من السيئات، ويكثّر القليل من الحسنات، ويضاعف ويشكر المحسن. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء ٤٠/ ٤].
ثم وبخهم على افترائهم على الرسول، فقال:
стр. 7331
﴿أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ أي بل أيقولون: افترى محمد على الله كذبا بدعوى النبوة ونزول القرآن عليه، وهذا أقبح من الشرك الذي جعلوه شرعا لهم، أي أنه تعالى أضرب عن الكلام المتقدم من غير إبطال، ثم استفهم استفهام إنكار وتوبيخ على هذه المقالة، فمثله لا ينسب إليه الكذب على الله، مع اعترافكم له قبل ذلك بالصدق والأمانة.
ثم أكد ذلك فرد الله عليهم مستبعدا الافتراء من مثل محمد الرسول، فقال:
﴿فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ، وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ، وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي لو افتريت على الله كذبا، لطبع على قلبك إن شاء، وسلبك ما آتاك من القرآن، فلا يجرأ على مثل هذا إلا من كان مثلهم قد ختم الله على قلوبهم وعلى أسماعهم وعلى أبصارهم، فأما من كان ذا بصيرة ومعرفة فلا يجرأ على ذلك، وهذا هو الرسول ﷺ ، فإنه لم يفتر على الله كذبا، فأيده الله.
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة ٤٤/ ٦٩ - ٤٧].
وقال أبو السعود: والآية استشهاد على بطلان ما قالوا ببيان أنه ﷺ لو افترى على الله تعالى لمنعه من ذلك قطعا، بالختم على قلبه بحيث لا يخطر بباله معنى من معانيه، ولم ينطق بحرف من حروفه (١).
ثم أكد الله تعالى ذلك بإبطال الباطل وإحقاق الحق، فالله لا يدع الباطل يستمر، فلو كان ما أتى به النبي ﷺ باطلا لمحاه، كما جرت به عادته في المفترين، وإنما يثبّت الحق، أي الإسلام، فيبينه بما أنزل من القرآن،
стр. 7332
وبما أيّد به نبيه من المعجزات والحجج والبراهين، إنه تعالى واسع العلم بما في قلوب العباد.
ثم فتح تعالى أمامهم باب الأمل والتوبة، فقال:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ، وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ أي إن الله يقبل في المستقبل من عباده المذنبين توبتهم عما عملوا من المعاصي، ويعفو عن السيئات في الماضي، ويعلم الذي تفعلونه من خير أو شر، فيجازي كلا بما يستحق من الثواب والعقاب.
ونحو الآية: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ، يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء ١١٠/ ٤]
وثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لله تعالى أشدّ فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك، إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك-أخطأ من شدة الفرح».
وأكد قبول التوبة بقبول الدعاء، فقال تعالى:
﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي ويستجيب الله للذين آمنوا، وأطاعوا ربهم، ويعطيهم ما طلبوه منه، ويزيدهم على ما طلبوه منه، أو على ما يستحقونه من الثواب، تفضلا منه ونعمة.
أو يجيب الله الذين آمنوا إذا دعوه، أو يجيب الذين آمنوا لربهم، مثل ﴿اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال ٢٤/ ٨] فيكون المراد بقوله:
стр. 7333
ويستجيب أي يجيب، قال الزجاج: استجاب وأجاب بمعنى واحد (١).
وبعد أن وعد المؤمنين بالثواب أو عد الكافرين بالعذاب، فقال:
﴿وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أي وللكافرين الذين لم يؤمنوا بالله رسوله يوم القيامة عذاب مؤلم موجع.
فقه الحياة أو الأحكام:
يؤخذ من الآيات الكريمات ما يأتي:
١ - إن مبدأ الإسلام هو العمل للدنيا والآخرة معا، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ [القصص ٧٧/ ٢٨]. وقال عبد الله بن عمر: «واحرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا». والحرث: العمل والكسب.
٢ - فضّل الله تعالى من أراد الآخرة على من أراد الدنيا في الآية من وجوه ستة هي:
الأول-أنه قدم تعالى مريد حرث الآخرة في الذّكر على مريد حرث الدنيا.
الثاني-أنه قال في مريد حرث الآخرة: ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ وقال في مريد حرث الدنيا: ﴿نُؤْتِهِ مِنْها﴾ وكلمة «من» للتبعيض، أي نعطيه بعض ما يطلبه، ولا نؤتيه كله.
стр. 7334
الثالث-أنه تعالى سكت عن طالب حرث الآخرة، ولم يذكر أنه تعالى يعطيه الدنيا أم لا، أما طالب حرث الدنيا، فإنه تعالى بيّن أنه لا يعطيه شيئا من نصيب الآخرة على التنصيص، وهذا يعني أن الآخرة أصل والدنيا تبع، وواجد الأصل يكون واجدا للتبع بقدر الحاجة.
الرابع-أنه تعالى بيّن أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه، وأما طالب الدنيا فيعطى بعض مطلوبه من الدنيا، ويحرم من نصيب الآخرة.
الخامس-إن الآخرة نسيئة، والدنيا نقد، والنسيئة مرجوحة بالنسبة إلى النقد، لأن الناس يقولون: النقد خير من النسيئة، فبين تعالى أن هذه القضية انعكست بالنسبة إلى أحوال الآخرة والدنيا، فالأولى متجهة للزيادة والنمو، والثانية آيلة إلى النقصان.
السادس-الآية دالة على أن منافع الآخرة والدنيا تحتاج إلى حرث وعمل وتعب، وصرف المتاعب إلى ما يؤدي إلى التزايد والبقاء أولى من صرفها إلى ما يؤدي إلى النقصان والانقضاء والفناء (١).
٣ - استنبط ابن العربي من هذه الآية: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ أن الوضوء تبردا الذي هو من حرث الدنيا، لا يجزئ عن فريضة الوضوء الذي هو من حرث الآخرة، خلافا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى (٢).
٤ - إن شرع الله الدائم هو ما أنزله على أولي العزم من الرسل، والله لم يشرع الشرك، فمن أين يدين المشركون به؟ ٥ - من رحمة الله بالمشركين تأخير العذاب عنهم إلى القيامة، ليعطوا فرصة
стр. 7335
كاملة في أيام العمر كله للإقلاع عن الشرك والكفر، والدخول في ساحة الإيمان والرضا الإلهي. فإن ماتوا مشركين فلهم في الآخرة عذاب مؤلم موجع.
٦ - يبصر الناس الكافرين الظالمين خائفين في يوم القيامة من جراء ما كسبوا، والجزاء حتما نازل بهم. والمراد بالظالمين هاهنا الكافرون، بدليل التقسيم بين المؤمن والكافر.
أما المؤمنون الطائعون لربهم فهم في روضات الجنان، ولهم ما يشتهون من النعيم والثواب الجزيل، وذلك هو الفضل الذي لا يوصف ولا تهتدي العقول إلى حقيقته، لأن الله إذا وصف الفضل بأنه ﴿الْكَبِيرُ﴾ فمن ذا الذي يقدر قدره. قال الرازي: وفي الآية تنبيه على أن الفساق من أهل الصلاة كلهم في الجنة، إلا أنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات، وهي البقاع الشريعة من الجنة.
٧ - يبشر الله عباده المؤمنين بالثواب العظيم حثا لهم على الطاعة، وليتعجلوا السرور، ويزدادوا منه. ولكن هذا الجزاء والبشارة، إنّما هو على الإيمان والأعمال الصالحات.
٨ - عظّم الله تعالى ثواب المؤمنين من وجوه أربعة هي:
الأول-أن الله سبحانه رتب على الإيمان وعمل الصالحات روضات الجنات، وترتيب هذا الجزاء من الله صاحب السلطان الأعظم دليل على أن ذلك الجزاء قد بلغ النهاية التي لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى.
الثاني-أنه تعالى قال: ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يدخل في باب غير المتناهي.
الثالث-أنه تعالى قال: ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ وإذا كان هذا من الله الأكبر كان في غاية الكبر.
стр. 7336
الرابع-أنه تعالى أعاد البشارة على سبيل التعظيم، فقال: ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ﴾ وذلك يدل على غاية العظمة.
٩ - إن النبي ﷺ لم يطلب من قومه أي منفعة مادية على تبليغ الرسالة، وهذا دليل على صدقه وإخلاصه، والحد الأدنى الذي طالب به هو مراعاة قرابته من قريش. قال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ أوسط الناس في قريش، فليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده، فقال الله له: ﴿قُلْ: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ أي لكن أذكركم قرابتي منكم.
وقد صرح أكثر الأنبياء، بنفي طلب الأجر على تبليغ الرسالة، فقال نوح ﵇: ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٠٩/ ٢٦] وكذا قال هود وصالح ولوط وشعيب ﵈ (١).
١٠ - إن قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ يشمل قرابة النبي ﷺ من قريش، وآل بيته الأقارب، وهم كما جاء في بعض الأحاديث: علي وفاطمة والحسن والحسين، فمراعاة قرابته وحبهم واحترامهم واجب بالنص القرآني المذكور، لذا شرع الدعاء لهم في خاتمة التشهد في الصلاة، وهو منصب عظيم، وهو
قوله ﷺ : «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدا وآل محمد» وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل، مما يدل على أن حب آل محمد واجب.
ذكر الزمخشري حديثا طويلا في حب آل البيت جاء فيه: «من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ألا ومن مات على حب آل محمد، مات مؤمنا مستكمل الإيمان.. ألا ومن مات على بعض آل محمد، جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه:
آيس من رحمة الله» (٢).
стр. 7337
وقال الإمام الشافعي ﵁:
يا راكبا قف بالمحصّب من منى... واهتف بساكن خيفها والناهض
سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى... فيضا كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضا حبّ آل محمد... فليشهد الثقلان أني رافضي
١١ - من يكتسب حسنة أو خصلة من خصال الخير، ومنها مودة القربى تأكيدا للآية السابقة، ضاعف الله له الحسنة بعشر فصاعدا، ومن فضله ورحمته تعالى أنه غفور للذنوب، شكور للحسنات. والشكور في حق الله مجاز، والمعنى: إنه تعالى يحسن إلى المطيعين في إيصال الثواب إليهم وفي زيادة الأفضال عليهم.
١٢ - أنكر القرآن الكريم على المشركين قولهم: إن هذا ليس وحيا من الله تعالى، وكان قوله سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ متعلقا بالمذكور، أول السورة، ﴿كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ..﴾ .. وكان إنكاره في هذه الآية متكررا، فوبخهم أولا بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ.﴾. وثانيا بقوله: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ قال قتادة: يطبع على قلبك فينسيك القرآن، فأخبرهم الله أنه لو افترى عليه لفعل بمحمد ما أخبرهم به في هذه الآية. وثالثا بقوله: ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ، وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ أي بما أنزله من القرآن، ورابعا بقوله:
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وهو نص عام، أي بما في قلوب العباد.
١٣ - فتح الله تعالى باب الأمل والرجاء والتوبة لعباده جميعا ليتداركوا أمرهم، فيؤمنوا ويطيعوا ربهم، فذكر أنه يقبل التوبة في المستقبل عن عباده، ويعفو عن سيئات الماضي، ويعلم ما يفعل الناس من الخير والشر، فيثيب على الحسنات، ويعاقب على السيئات.
روى جابر أن أعرابيا دخل مسجد رسول الله ﷺ ، وقال: اللهم إني
стр. 7338
أستغفرك وأتوب إليك، وكبّر، فلما فرغ من صلاته قال له علي ﵁:
يا هذا، إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذّابين، فتوبتك تحتاج إلى توبة، فقال: يا أمير المؤمنين، وما التوبة؟ فقال:
اسم يقع على ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندم، ولتضييع الفرائض الإعادة، ورد المظالم، وإذابة النفس في الطاعة، كما ربّيتها في المعصية، وإذاقة النفس ومرارة الطاعة، كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته.
١٤ - أكد الله تعالى قبول التوبة بأنه يقبل عبادة من أخلص له بقلبه وأطاع ببدنه، ويزيدهم من فضله على ما طلبوه أو استحقوه.
١٥ - جرت عادته تعالى على إقران الوعد بالوعيد، لذا ذكر بعد وعد المؤمنين بالثواب، وعيد الكافرين بالعذاب الشديد.
من مظاهر حكمة الله في خلقه وآياته على قدرته
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩) وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١) وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾
стр. 7339
الإعراب:
﴿وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ﴾ ﴿فِيهِما﴾: أي في أحدهما، فحذف المضاف، كقوله تعالى:
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ﴾ [الرحمن ٢٢/ ٥٥] أي من أحدهما، فحذف المضاف.
﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ.﴾. ﴿فَبِما﴾: الفاء في جواب الشرط، وقرئ بغير فاء، وحذفت إما لأن ﴿ما﴾ بمعنى الذي، فحذفت كما تحذف مع الذي، أو أن ﴿ما﴾ الشرطية لا تعمل في الفعل شيئا، لأنه فعل ماض، فحذفت الفاء، وهذا أولى من الأول، لأنها أعم في كل مصيبة، فكان المعنى أقوى.
﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ ... ﴿وَيَعْلَمَ﴾ ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾: مجزوم بالعطف على قوله تعالى:
﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ المعطوف على جواب الشرط. و ﴿يَعْلَمَ﴾: بتقدير «أن» بعد الفاء، ونصب الفعل بها، لأنه غير معطوف على ما قبله، ويقرأ بالرفع: «ويعلم» على الاستئناف. وجملة ﴿ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ سدت مسد مفعولي ﴿يَعْلَمَ﴾ لأن النفي يعلق الفعل عن العمل.
﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ.﴾. ﴿فَما﴾: موصولة تضمنت معنى الشرط، لأن إيتاء ما أوتوا سبب للتمتع بها في الحياة الدنيا، فجازت الفاء في جوابها.
البلاغة:
﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا، وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: عطف عام على خاص، فالغيث خاص، والرحمة عام.
﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾: تشبيه مرسل مجمل، حذف منه وجه الشبه، أي كالجبال في الضخامة والعظم.
стр. 7340
﴿صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ من صيغ المبالغة.
﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ جناس الاشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿بَسَطَ﴾ وسع ﴿لِعِبادِهِ﴾ لجميعهم ﴿لَبَغَوْا﴾ جميعهم أي طغوا وتجاوزوا الحد، والبغي:
الظلم ومجاوزة الحد ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ﴾ بتقدير معين ﴿ما يَشاءُ﴾ ما اقتضته مشيئته ﴿إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ أي إنه يعلم خفايا أمرهم وجلايا حالهم.
﴿الْغَيْثَ﴾ المطر الذي يغيث من الجدب ﴿قَنَطُوا﴾ يئسوا من نزوله ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ يعم رحمته كل شيء من السهل والجبل والنبات والإنسان والحيوان ﴿الْوَلِيُّ﴾ المتولي عباده بالإحسان ﴿الْحَمِيدُ﴾ المستحق للحمد على نعمه.
﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهي بذاتها وصفاتها تدل على وجود صانع قادر حكيم ﴿وَما بَثَّ فِيهِما﴾ نشر وفرّق، وهو معطوف على السموات أو على كلمة ﴿خَلْقُ﴾ أي وخلق ما بث ﴿دابَّةٍ﴾ كل ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم ﴿جَمْعِهِمْ﴾ للحشر والحساب، وفي الضمير:
تغليب العاقل على غيره ﴿إِذا يَشاءُ﴾ في أي وقت يشاء ﴿قَدِيرٌ﴾ متمكن منه. وإذا: تدخل على الماضي وعلى المضارع.
﴿مُصِيبَةٍ﴾ بلية وشدة ﴿فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ فبسبب معاصيكم، وعبر بالأيدي، لأن أكثر الأفعال تزاول بها ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ من الذنوب، فلا يعاقب عليه، وهو تعالى أكرم من أن يثنّي الجزاء في الآخرة. أما ما يصيب غير المذنبين فلرفع درجاتهم وتعريضهم للأجر العظيم في الآخرة.
﴿وَما أَنْتُمْ﴾ أيها البشر ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ فائتين الله هربا في الأرض، أي بجاعلين الله تعالى عاجزا بالهرب منه ﴿دُونِ اللهِ﴾ غيره ﴿وَلِيٍّ﴾ يحرسكم ﴿نَصِيرٍ﴾ يدفع عذاب الله عنكم الجواري السفن الجارية، جمع جارية: وهي السفينة التي تجري على الماء: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ [الحاقة ١١/ ٦٩] ﴿كَالْأَعْلامِ﴾ كالجبال في العظم، جمع علم: وهو الجبل.
﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ يجعلها ساكنة لا تتحرك، وقرئ «الرياح». ﴿رَواكِدَ﴾ ثوابت سواكن ﴿صَبّارٍ﴾ كثير الصبر ﴿شَكُورٍ﴾ كثير الشكر، وهما صفتان للمؤمن الكامل، لأن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر، والمؤمن يصبر في الشدة، ويشكر في الرخاء ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾ يهلكهن أو يغرقهن بإرسال الريح العاصفة المغرقة والمراد: إهلاك أهلها، لقوله: ﴿بِما كَسَبُوا﴾
стр. 7341
اقترفوا من الذنوب ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي يتجاوز عن الكثيرين وينجيهم من الهلاك بالعفو عنهم.
﴿وَيَعْلَمَ﴾ عطف على علة مقدرة، مثل ليغرقهم وينتقم منهم ويعلم ﴿مَحِيصٍ﴾ مهرب من العذاب، وجملة النفي ﴿ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ سدت مسد مفعولي ﴿يَعْلَمَ﴾ والنفي يعلّق الفعل عن العمل، كما تقدم.
﴿فَما أُوتِيتُمْ﴾ أيها الناس المؤمنون وغيرهم، وآتاه الشيء: أعطاه إياه ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من أمتعة الدنيا ﴿فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي فهو مجرد متاع مؤقت تتمتعون به فيها، ثم يزول. والمتاع:
ما ينتفع به ويتمتع من أثاث وغيره ﴿وَما عِنْدَ اللهِ﴾ من الثواب الأخروي ﴿خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ لخلوص نفعه ودوامه ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ يفوضون إليه أمورهم بعد اتخاذ الأسباب.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٧):
﴿وَلَوْ بَسَطَ﴾:
أخرج الحاكم وصححه عن علي قال: نزلت هذه الآية في أصحاب الصّفّة: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ، لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ وذلك أنهم قالوا: لو أن لنا، فتمنوا الدنيا والغنى. وقال خبّاب بن الأرتّ: فينا نزلت هذه الآية-أي في أهل الصفّة-وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع، فتمنيناها.
نزول الآية (٣٦):
﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾:
عن علي ﵁: تصدّق أبو بكر ﵁ بماله كله، فلامه جمع، فنزلت.
جاء في الحديث: أنه أنفق ثمانين ألفا.
المناسبة:
﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: عن علي ﵁: تصدّق أبو بكر ﵁ بماله كله، فلامه جمع، فنزلت. جاء في الحديث: أنه أنفق ثمانين ألفا.
المناسبة:
بعد أن قال الله تعالى في الآية السابقة: إنه يجيب دعاء المؤمنين، ذكر هنا أنه لا يعطيهم من الأرزاق إلا بقدر وحكمة، حسبما يعلم من مصلحتهم، وإلا
стр. 7342
فإنهم يبغون ويقدمون على المعاصي. ولو احتاجوا أمدهم بالرزق، لأنه المتولي أمورهم بإحسانه، المستحق الحمد على نعمه.
ثم أقام الله تعالى الأدلة على ألوهيته بخلق السموات والأرض وما فيهما، ثم جمعهم للحساب في الآخرة. ثم أوضح أن المصائب والأحوال المكروهة كالآلام والأسقام والقحط والغرق والصواعق والفقر ونحوها تكون عقوبات على الذنوب لمن يرتكبها، أو من باب الامتحان في التكليف، لا من باب العقوبة كما في حق الأنبياء والأولياء.
ثم ذكر تعالى دليلا آخر على ألوهيته وهو إجراء السفن العظيمة على وجه البحر، وتأثير الرياح فيها إما بالتسيير وإما بالإغراق.
والخلاصة: بعد أن ذكر الله تعالى أنواعا من دلائل وحدانيته، ذكر بعدها العالم الأكبر وهو السموات والأرض، ثم العالم الأصغر، وهو الحيوان، ثم أتبعه بذكر المعاد وذكر السفن الجارية في البحر، لما فيها من عظيم دلائل القدرة.
التفسير والبيان:
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ أي لو وسع الله على عباده رزقهم، وأعطاهم فوق حاجتهم من الرزق، لحملهم ذلك على البغي والطغيان، وعصوا في الأرض، وبطروا النعمة، وتكبروا، وطلبوا ما ليس لهم طلبه مثل قارون وفرعون، ولكنه تعالى ينزل من الرزق لعباده بتقدير معين، على حسب مشيئته، وما تقتضيه حكمته البالغة، ويختار لهم مما فيه صلاحهم، فيغني من يستحق الغنى، ويفقر من يستحق الفقر، إنه بعباده خبير بأحوالهم، بصير بما يصلحهم من توسيع الرزق وتضييقه، كما
جاء في الحديث القدسي عن انس: «إن من
стр. 7343
عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه».
قال قتادة: كان يقال: خير العيش ما لا يهليك ولا يطغيك.
ثم ذكر الله تعالى أنه لو احتاج الناس إلى الخير أمدهم به، فقال:
﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ، وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي وهو سبحانه الذي ينزل المطر من بعد إياس الناس في وقت حاجتهم وفقرهم إليه، والمطر أنفع أنواع الرزق، وأكثرها فائدة ونفعا، ويعم الوجود كله برحمته، ويفيض على أهل ذلك القطر أو الناحية فيضه، وهو المتولي لأمور عباده بالإحسان إليهم، وجلب النفع لهم، ودفع الشر عنهم، وهو المستحق للحمد منهم على إنعامه.
ونظير الآية في إنزال المطر بعد اليأس قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم ٤٩/ ٣٠].
قال قتادة: ذكر لنا أن رجلا قال لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين، قحط المطر، وقنط الناس، فقال عمر: مطرتم، ثم قرأ الآية:
﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا، وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ، وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
ثم ذكر تعالى الأدلة على ألوهيته، فقال:
﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ﴾ أي ومن دلائل عظمته وقدرته وسلطانه: خلق السموات والأرض على هذا النحو البديع، وخلق ما نشر وفرق فيهما، أي في السموات والأرض مما يدب ويتحرك، وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوانات على اختلاف أشكالهم وألوانهم
стр. 7344
وطباعهم. وربما يكون في الكواكب الأخرى أحياء، فتدل الآية عليهم.
وقيل: أراد ما بث في الأرض دون السماء، لأن المراد من ﴿فِيهِما﴾ في أحدهما، كما جاء في آية أخرى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها، وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ، وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ﴾ [لقمان ١٠/ ٣١].
﴿وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ وهو على جمع سائر الخلائق من السموات والأرض في صعيد واحد، وحشرهم يوم القيامة، إذا أراد، قادر كل القدرة، ثم يحكم بينهم بحكمه العدل الحق.
والمقصود بالآية أنه تعالى خلق الكائنات الحية متفرقة، لا لعجز، ولكن لمصلحة، فلهذا قال: ﴿وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ ١ قَدِيرٌ﴾ يعني الجمع للحشر والمحاسبة، وإنما قال: ﴿عَلى جَمْعِهِمْ﴾ ولم يقل: على جمعها، لأن المقصود من هذا الجمع المحاسبة، فكأنه تعالى قال: وهو على جمع العقلاء إذا يشاء قدير.
ثم ذكر تعالى أسباب الذنوب والآثام، فقال:
﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي ما أصابكم أيها الناس من المصائب (وهي الأحوال المكروهة) كالآلام والأسقام والقحط والغرق والصواعق والزلازل ونحوها، فإنما هي بسبب سيئات اقترفتموها، ومعاص اقتحمتموها، فهي عقوبات الذنوب وكفاراتها، ويعفو الله عن كثير من معاصي العباد، فلا يعاقب عليها، وقد يكون المصاب لغير ذنب، وإنما لزيادة الأجر ورفع الدرجة.
ونظير مقدمة الآية قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٠/ ٤]
стр. 7345
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء ١٢٣/ ٤]. ونظير آخر الآية: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥/ ٣٥]. و
ورد في الحديث الصحيح عن الشيخين والموطأ عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: «والذي نفسي بيده، ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا همّ ولا حزن إلا كفّر الله عنه بها من خطاياه، حتى الشوكة يشاكها»
وأخرج الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها، ابتلاه الله تعالى بالحزن ليكفّرها».
ولما نزلت هذه الآية،
قال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود، ولا اختلاج عرق، ولا عثرة قدم إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر».
وفي حديث آخر: «ما ينزل العقاب إلا بذنب، ولا يرتفع إلا بتوبة».
وروى الواحدي في البسيط: «ما عفا الله عنه فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة، وما عاقب عليه في الدنيا، فالله أكرم من أن يعيد العذاب عليه في الآخرة».
﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ، وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ أي ما أنتم أيها المذنبون الكافرون بمعجزين الله حيثما كنتم، ولا بفائتين عليه هربا في الأرض، بل ما قضاه عليهم من المصائب، واقع عليهم، نازل بهم، وليس لكم من غير الله ولي يتولى أموركم، فيمنع عنكم ما قضاه الله، ولا نصير ينصركم من عذاب الله.
ثم ذكر الله تعالى آيات أخرى دالة على قدرته وعظمته، فقال:
﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ أي ومن آياته الدالة على قدرته الباهرة وسلطانه إجراء السفن السائرة في البحر كالجبال.
﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ، فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ أي إن يرد الله
стр. 7346
إيقاف السفن التي تجري، يجعل الرياح ساكنة، فتصبح السفن ثوابت سواكن على ظهر البحر، واقفة على وجه الماء لا تتحرك.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أي إن في أمر السفن المذكور وجريها في البحر لدلالة عظيمة على قدرته تعالى، لكثير الصبر على الشدائد والبلايا وعلى طاعة الله، كثير الشكر على النعماء. وهذه جملة معترضة.
﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا، وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي وإن يشأ يهلكهنّ بالغرق بما كسبوا من الذنوب، ويعف عن كثير من ذنوبهم، أو عن كثير منهم، فينجيهم من الغرق، ولو آخذهم بجميع ذنوبهم، لأهلك كل من ركب البحر.
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي لينتقم منهم ويعلم حينئذ الذين ينازعون في آيات الله مكذبين بها أنه لا مفر ولا مهرب ولا ملجأ من عذاب الله، فإنهم مقهورون بقدرة الله وسلطانه.
وبعد بيان أدلة التوحيد حذر الله تعالى من الاغترار بالدنيا، فقال:
﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي إن كل ما أعطيتم من الغنى والسعة في الرزق والجاه والسلطان، فإنما هو متاع قليل في الدنيا يتمتع به في زمن قصير، ثم سرعان ما ينقضي ويذهب، لأن الدنيا فانية زائلة لا محالة، ويلاحظ أن الذي يمنع من قبول دلائل التوحيد إنما هو الرغبة في الدنيا ومطامعها بسبب الرياسة وطلب الجاه، لذا حذر تعالى من الاغترار بالدنيا، ورغّب في الآخرة، فقال:
﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي وما عند الله من ثواب الطاعات وجزاء الجنات خير من متاع الدنيا، وأبقى وأدوم، لأنه لا ينقطع، ومتاع الدنيا ينقطع بسرعة، فلا تقدموا الفاني على الباقي. وهو خير
стр. 7347
وأبقى للذين صدّقوا بالله ورسوله، وعلى ربهم يعتمدون في كل شؤونهم، ويفوضون إليه أمورهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن الإمداد بالرزق يخضع لحكمة الله ومشيئته، فيعطي بقدر الحاجة، وعلى وفق المصلحة، فلو بسط الله الرزق لعباده، لوقعوا في المعاصي، وبغى بعضهم على بعض، لأن الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بقارون وفرعون عبرة، ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق ٦/ ٩٦ - ٧]
وقال ﷺ : «أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها».
٢ - قال المالكية: أفعال الرب سبحانه لا تخلو عن مصالح، وإن لم يجب على الله الاستصلاح، فقد يعلم من حال عبد أنه لو بسط عليه، قاده ذلك إلى الفساد، فيزوي عنه الدنيا، مصلحة له. فليس ضيق الرزق هوانا، ولا سعة الرزق فضيلة، وقد أعطى أقواما مع علمه أنهم يستعملونه في الفساد، ولو فعل بهم خلاف ما فعل، لكانوا أقرب إلى الصلاح، والأمر على الجملة مفوّض إلى مشيئته، ولا يمكن التزام مذهب الاستصلاح في كل فعل من أفعال الله تعالى.
٣ - يتولى الله أمور عباده بالإحسان والإنعام، فلو احتاجوا أغناهم بقدر الحاجة، وأنزل عليهم المطر الذي يكون سببا لوفرة الخيرات والغلال والثمار، وعمهم بالرحمة، وهو سبحانه الولي المتولي شؤون عباده وناصر أوليائه المؤمنين، والمحمود على كل لسان.
٤ - من دلائل وجود الله ووحدانيته وقدرته: خلق السموات والأرض
стр. 7348
وما فيهما من المخلوقات التي لا يعلم حصرها إلا الله تعالى، وأنه قادر على جمعهم للحشر والحساب يوم القيامة.
ويرى بعض العلماء استدلالا بقوله تعالى: ﴿وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ﴾ أنه لا يستبعد وجود مخلوقات في الكواكب والعوالم العلوية غير الملائكة، كما تدل الدلائل الفلكية-وربما اكتشاف سفن الفضاء الحديثة-على وجود حياة في كوكب المرّيخ. وليس في هذا دلالة قطعية، لأن في تفسير الآية وجها آخر كما تقدم.
٥ - المصائب في الغالب تكون بسبب الذنوب والمعاصي، فهي عقوبات على السيئات، وقد تكون للابتلاء كما
قال ﷺ فيما رواه أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجه عن سعد: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل» والقصد من الابتلاء رفع الدرجات، لأن الأنبياء معصومون عن الذنوب والآثام، ويكون حصول المصيبة من باب الامتحان في التكليف، لا من باب العقوبة، كما في حق الأنبياء والأولياء.
والعقوبة عن الذنب في الدنيا كفارة له في الآخرة، وهذا في حق المؤمنين، فأما الكافر فعقوبته مؤخرة إلى الآخرة.
قال علي بن أبي طالب ﵁ عن آية: ﴿وَما أَصابَكُمْ..﴾.: هذه الآية أرجى آية في كتاب الله . وإذا كان يكفّر عني بالمصائب، ويعفو عن كثير، فما يبقى بعد كفارته وعفوه؟! ٦ - إن قدرة الله عامة شاملة لكل شيء، ومهيمنة على كل شيء، فلن يستطيع الكفار والمشركون أن يعجزوه أو يفوتوه هربا من سلطانه، ولن يجدوا لهم في الآخرة وليا يتولى أمورهم، ويتعهد مصالحهم، ولا نصيرا يدفع عنهم عذاب الله وانتقامه، فهم في الدنيا والآخرة في قبضة القدرة الإلهية.
стр. 7349
٧ - من آيات الله تعالى أيضا على قدرته، ونعمته على العباد، هذه السفن السائرة في عرض البحر على سطح الماء عند هبوب الرياح، أو ما حل محلها من الطاقة الدافعة لمحركاتها، مما صنعه الإنسان بإلهام الله وتعليمه والتمكن من اكتشافه، وشأن الأجسام الثقيلة الكثيفة الغرق في الماء، لكنه تعالى جعل للماء قوة لحمل السفن ومنع الغوص، ثم جعل الرياح سببا لسيرها، فإذا أراد أن ترسو أسكن الريح.
والله قادر على جعل الرياح ساكنة هادئة، فتبقى السفن سواكن على ظهر البحر، وقادر على تعطيل آلاتها وإيقاف محركاتها بأيسر الأشياء، وهو قادر أيضا على جعل الرياح عواصف فيوبق السفن، أي يغرق ركابها بذنوبهم، ويعفو عن كثير من أهلها فلا يغرقهم معها، وحينئذ يعلم الكفار إذا توسطوا البحر وغشيتهم الرياح من كل مكان أو بقيت السفن رواكد أنه لا ملجأ لهم سوى الله تعالى، ولا دافع لهم إن أراد الله إهلاكهم فيخلصون له العبادة.
إن في أمر السفن دلالات وعلامات لكل صبار على البلوى، شكور على النعماء، قال قطرب: نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. وقال عون بن عبد الله: فكم من منعم عليه غير شاكر. وكم من مبتلى غير صابر.
٨ - لا ينبغي التفاخر بمظاهر الدنيا، فإن كل ما فيها من ثروات وقصور ومبان وآلات، هو متاع يستمتع به في أيام قليلة تنقضي وتذهب. وما عند الله من الثواب على الطاعة خير وأدوم للذين صدّقوا بالله ووحّدوه، وتوكلوا على ربهم وفوضوا إليه أمورهم.
стр. 7350
صفات المؤمنين الكمّل أهل الجنة
﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾
الإعراب:
﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ.﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ معطوف مجرور على «الذين» في قوله تعالى:
﴿خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وكذلك أيضا قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ في موضع جرّ أيضا بالعطف عليه.
﴿هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ﴿هُمْ﴾: إما تأكيد لضمير ﴿غَضِبُوا﴾ و ﴿يَغْفِرُونَ﴾: جواب إذا، وإما مبتدأ، خبره: ﴿يَغْفِرُونَ﴾ والتقدير: فهم يغفرون، فحذف الفاء في جواب الشرط.
وكذلك قوله تعالى: ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾.
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ ﴿لَمَنْ﴾: اسم موصول مبتدأ، و ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ في حكم المبتدأ الثاني، والعائد محذوف تقديره: إن ذلك الصبر منه، وحذف للعلم به، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره: في موضع رفع، لأنه خبر المبتدأ الأول.
стр. 7351
البلاغة:
﴿كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ﴾ عطف البعض على الكل.
﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ من قبيل المشاكلة، سمي جزاء السيئة سيئة للتشابه بينهما في الصورة.
المفردات اللغوية:
﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ معطوف مع ما بعده على ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. ﴿كَبائِرَ الْإِثْمِ﴾ ما رتب عليه وعيد شديد، كشهادة الزور وعقوق الوالدين، أو كل ما يوجب حدا، كالقتل العمد والقذف والسرقة والزنى ونحوها ﴿وَالْفَواحِشَ﴾ ما فحش وعظم قبحه كالزنى والقتل ونحوهما، جمع فاحشة، وهو من عطف البعض على الكل ﴿يَغْفِرُونَ﴾ يعفون ويتجاوزون.
﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أجابوا إلى ما دعاهم إليه ربهم من التوحيد والعبادة، وأداء الفرائض وترك النواهي ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ داوموا على إقامتها ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ الشورى:
مصدر كالفتيا بمعنى التشاور، أي أمرهم ذو شورى، يتشاورون، ولا ينفردون برأي حتى يتشاوروا وذلك من فرط تيقظهم في الأمور، وإحكام الخطط، والظفر بالمطلوب، والشورى: تبادل الآراء لمعرفة الصواب منها ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أعطيناهم ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في طاعة الله.
﴿الْبَغْيُ﴾ الظلم ﴿يَنْتَصِرُونَ﴾ ينتقمون ممن ظلمهم، وصفهم بالشجاعة بعد وصفهم بأكمل الفضائل، لأن الحلم على العاجز محمود، وعلى الظالم مذموم، منعا من الإغراء على البغي ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾ هي الفعلة التي تسيء مرتكبها وهي الفعل القبيح ﴿سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ سميت الثانية (وهي الجزاء) سيئة لمشابهتها للأولى (الجريمة) في الصورة. وهذه المماثلة في العقوبة ظاهرة في الجراحات، فإنما يقتص فيها بمثلها. ﴿عَفا﴾ عن ظالمة ﴿وَأَصْلَحَ﴾ بالود ما بينه وبينه من عداوة ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ أي فثوابه على الله حتما، وهذا وعد يدل على عظم الموعود ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ البادئين بالظلم، فيعاقبهم.
﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ قابل الظالم بمثل فعله بعد أن ظلمه ﴿ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ مؤاخذة أو عتاب ومعاقبة ﴿يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ يبتدءونهم بالإضرار ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم على ظلمهم وبغيهم ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ على الأذى. فلم ينتصر ﴿وَغَفَرَ﴾ تجاوز ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ الصبر والتجاوز ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ معزومات الأمور، بمعنى المطلوبات شرعا أو المشكورة المندوب إليها.
стр. 7352
سبب النزول:
نزول الآية (٣٧):
﴿وَإِذا ما غَضِبُوا.﴾. قيل: نزلت في عمر حين شتم بمكة، وقيل: في أبي بكر حين لامه الناس على إنفاق ماله، وحين شتم فحلم.
نزول الآية (٣٨):
﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا.﴾.: نزلت في الأنصار دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإيمان، فاستجابوا وأقاموا الصلاة.
نزول الآيات (٤١ - ٤٣):
ذكر الكلبي والفراء أنها نزلت أيضا في أبي بكر الصديق ﵁، وقد شتمه بعض الأنصار، فرد عليه، ثم أمسك.
المناسبة:
بعد بيان دلائل التوحيد والقدرة الإلهية، والتنفير من الدنيا، رغّب تعالى في الآخرة، فإنها خير وأبقى، ثم بيّن أن الخيرية تحصل لمن اتصف بصفات معينة، ذكر أولا منها صفتين وهما الإيمان بالله والتوكل عليه، وتابع هنا إيراد الصفات الأخرى للمؤمنين وهي: اجتناب كبائر الذنوب والفواحش، وإطاعة الله تعالى وترك نواهيه، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والتشاور في الأمور العامة والخاصة، والشجاعة والبأس لاسترداد الحقوق المغتصبة.
التفسير والبيان:
وصف الله تعالى أهل الجنة بالإيمان بالله والتوكل عليه، وبالصفات التالية:
стр. 7353
١ - اجتناب الكبائر: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ﴾ أي الذين يجتنبون الوقوع في كبائر الذنوب التي أوعد الله عليها وعيدا شديدا، كالشرك والقتل العمد وعقوق الوالدين، والفواحش وهي كل ما استقبحه الشرع والعقل والطبع السليم من قول أو فعل، كالغيبة والكذب، والزنى، والسرقة والحرابة (الإفساد في الأرض).
٢ - العفو عند المقدرة: ﴿وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي يتجاوزون عن الذنب الذي أغضبهم، ويكظمون الغيظ، ويحلمون عن ظلمهم، لأن سجيتهم العفو والصفح وليس الانتقام من الناس. وهذا من محاسن الأخلاق يشفقون على ظالمهم، ويصفحون عمن جهل عليهم، يطلبون بذلك ثواب الله وعفوه.
جاء في الحديث الصحيح: «ما انتقم النبي ﷺ لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات الله».
٣ - تمام الانقياد والطاعة لله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أي والذين أجابوا ربهم إلى ما دعاهم إليه، من توحيده والتبرؤ من الشرك، وأطاعوا الرسل فيما أمر الله به وزجر عنه.
٤ - إقام الصلاة: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ أي أدوا الصلاة المفروضة كاملة بإتمام أركانها وشروطها وخشوعها في مواقيتها المفروضة، وخصت الصلاة هنا بالذكر مع أمهات الفضائل، لأنها أعظم العبادات لله ، فهي معراج الوصول إلى الله، أو صلة بين العبد وربه.
٥ - الأخذ بنظام الشورى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أي يتشاورون فيما بينهم في الأمور الخاصة والعامة، ولا ينفردون برأي في كل أمر من القضايا العامّة، كتولي الحكم (أو الخلافة) وشؤون تدبير الدولة والتخطيط لمصالحها، وإعلان الحرب، وتولية الولاة والحكام والقضاة وغيرهم. وكان النبي ﷺ أكثر
стр. 7354
الناس مشاورة لأصحابه، وسلك الصحابة طريقه ومنهجه في عظائم الأمور كتولية الخلافة وحروب الردة واستنباط الأحكام الشرعية للقضايا والحوادث المستجدة، وشاور عمر ﵁ الهرمزان حين وفد عليه مسلما (١)، ولما طعن عمر جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر، وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ﵃، فاتفقوا على تقديم عثمان ﵁ للخلافة الثالثة.
وإذا كانت الآية هنا تقرر وصفا ثابتا للمؤمنين، فقد أمر الله تعالى بالشورى في آية أخرى، فقال: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران ١٥٩/ ٣] وقال الحسن البصري ﵀: «ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم». وقال ابن العربي (٢): الشورى ألفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هدوا، وقد قال حكيم:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن... برأي لبيب أو مشورة حازم
ولا تجعل الشّورى عليك غضاضة... فريش الخوافي قوة للقوادم
٦ - الإنفاق: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي وينفقون في سبيل الله وطاعته بعض ما رزقناهم من أموال وخيرات، فالإنفاق من الأغنياء قوة للأمة، وعلاج لضعفها، وسبيل للحفاظ على هيبة الدولة ورفعة شأن أفرادها وعزها، وذلك بالإحسان إلى الأقرب فالأقرب، ثم للمصالح العامة، كإغناء المحاويج، وإعداد القوى الحربية لمجابهة الأعداء.
٧ - الشجاعة: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أي إذا تعرضوا للظلم والاعتداء انتصروا ممن ظلمهم، لأن الانتصار عند البغي واجب وفضيلة،
стр. 7355
ولأن التذلل لمن بغى يتنافى مع عزة المؤمنين، إذ العجز والاستضعاف يؤدي إلى إغراء العدو على إلحاق صنوف أخرى من العدوان، فالمؤمنون أعزة كرام يحافظون على الحقوق والحرمات والكرامة، وليسوا بالعاجزين والأذلّين، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم، فإذا قدروا عفوا.
ولا تعارض بين هذه الآية وبين ما سبقها وهي: ﴿وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ فإن كل آية لها مجال وموضع، فالسابقة في موضع، واللاحقة في موضع، وذلك لأن العفو قسمان (١):
الأول-أن يكون سببا لتسكين الفتنة، وتهدئة النفوس، ورجوع الجاني عن جنايته، وهذا محمود، تحمل عليه آيات العفو، مثل: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة ٢٣٧/ ٢]. وهذا مرغب فيه في داخل الأمة الواحدة.
الثاني-أن يكون سببا لتجرؤ الظالم وتماديه في غيه واستضعافه الأمة، وهذا مذموم، تحمل عليه آيات الحث على الانتقام، وهذا واجب في مقاومة العدو الخارجي، وعند اغتصاب الحقوق، ويتوقف على توافر القوة المكافئة أو القدرة المطلوبة في نظام الإسلام بإلزام المؤمن الصمود أمام اثنين من العدو.
والأمثلة الموضحة كثيرة، منها: عفا يوسف ﵇ عن إخوته وقال كما حكى القرآن: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ [يوسف ٩٢/ ١٢] مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه. وعفا رسول الله ﷺ عن أهل مكة بعد فتحها، وعفا عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية، ونزلوا من جبل التنعيم، فلما قدر عليهم منّ عليهم مع قدرته على الانتقام:
وعفا عن غورث بن الحارث الذي أراد الفتك به حين اخترط سيفه-سيف النبي ﷺ