← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

البلاغة: ﴿كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ﴾ عطف البعض على الكل. ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ من قبيل المشاكلة، سمي جزاء السيئة سيئة للتشابه بينهما في الصورة. المفردات اللغوية: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ معطوف مع ما بعده على ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. ﴿كَبائِرَ الْإِثْمِ﴾ ما رتب عليه وعيد شديد، كشهادة الزور وعقوق الوالدين، أو كل ما يوجب حدا، كالقتل العمد والقذف والسرقة والزنى ونحوها ﴿وَالْفَواحِشَ﴾ ما فحش وعظم قبحه كالزنى والقتل ونحوهما، جمع فاحشة، وهو من عطف البعض على الكل ﴿يَغْفِرُونَ﴾ يعفون ويتجاوزون. ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أجابوا إلى ما دعاهم إليه ربهم من التوحيد والعبادة، وأداء الفرائض وترك النواهي ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ داوموا على إقامتها ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ الشورى: مصدر كالفتيا بمعنى التشاور، أي أمرهم ذو شورى، يتشاورون، ولا ينفردون برأي حتى يتشاوروا وذلك من فرط تيقظهم في الأمور، وإحكام الخطط، والظفر بالمطلوب، والشورى: تبادل الآراء لمعرفة الصواب منها ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أعطيناهم ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في طاعة الله. ﴿الْبَغْيُ﴾ الظلم ﴿يَنْتَصِرُونَ﴾ ينتقمون ممن ظلمهم، وصفهم بالشجاعة بعد وصفهم بأكمل الفضائل، لأن الحلم على العاجز محمود، وعلى الظالم مذموم، منعا من الإغراء على البغي ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾ هي الفعلة التي تسيء مرتكبها وهي الفعل القبيح ﴿سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ سميت الثانية (وهي الجزاء) سيئة لمشابهتها للأولى (الجريمة) في الصورة. وهذه المماثلة في العقوبة ظاهرة في الجراحات، فإنما يقتص فيها بمثلها. ﴿عَفا﴾ عن ظالمة ﴿وَأَصْلَحَ﴾ بالود ما بينه وبينه من عداوة ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ أي فثوابه على الله حتما، وهذا وعد يدل على عظم الموعود ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ البادئين بالظلم، فيعاقبهم. ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ قابل الظالم بمثل فعله بعد أن ظلمه ﴿ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ مؤاخذة أو عتاب ومعاقبة ﴿يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ يبتدءونهم بالإضرار ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم على ظلمهم وبغيهم ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ على الأذى. فلم ينتصر ﴿وَغَفَرَ﴾ تجاوز ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ الصبر والتجاوز ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ معزومات الأمور، بمعنى المطلوبات شرعا أو المشكورة المندوب إليها.

стр. 7352

سبب النزول: نزول الآية (٣٧): ﴿وَإِذا ما غَضِبُوا.﴾. قيل: نزلت في عمر حين شتم بمكة، وقيل: في أبي بكر حين لامه الناس على إنفاق ماله، وحين شتم فحلم. نزول الآية (٣٨): ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا.﴾.: نزلت في الأنصار دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإيمان، فاستجابوا وأقاموا الصلاة. نزول الآيات (٤١ - ٤٣): ذكر الكلبي والفراء أنها نزلت أيضا في أبي بكر الصديق ﵁، وقد شتمه بعض الأنصار، فرد عليه، ثم أمسك. المناسبة: بعد بيان دلائل التوحيد والقدرة الإلهية، والتنفير من الدنيا، رغّب تعالى في الآخرة، فإنها خير وأبقى، ثم بيّن أن الخيرية تحصل لمن اتصف بصفات معينة، ذكر أولا منها صفتين وهما الإيمان بالله والتوكل عليه، وتابع هنا إيراد الصفات الأخرى للمؤمنين وهي: اجتناب كبائر الذنوب والفواحش، وإطاعة الله تعالى وترك نواهيه، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والتشاور في الأمور العامة والخاصة، والشجاعة والبأس لاسترداد الحقوق المغتصبة. التفسير والبيان: وصف الله تعالى أهل الجنة بالإيمان بالله والتوكل عليه، وبالصفات التالية:

стр. 7353

١ - اجتناب الكبائر: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ﴾ أي الذين يجتنبون الوقوع في كبائر الذنوب التي أوعد الله عليها وعيدا شديدا، كالشرك والقتل العمد وعقوق الوالدين، والفواحش وهي كل ما استقبحه الشرع والعقل والطبع السليم من قول أو فعل، كالغيبة والكذب، والزنى، والسرقة والحرابة (الإفساد في الأرض). ٢ - العفو عند المقدرة: ﴿وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي يتجاوزون عن الذنب الذي أغضبهم، ويكظمون الغيظ، ويحلمون عن ظلمهم، لأن سجيتهم العفو والصفح وليس الانتقام من الناس. وهذا من محاسن الأخلاق يشفقون على ظالمهم، ويصفحون عمن جهل عليهم، يطلبون بذلك ثواب الله وعفوه. جاء في الحديث الصحيح: «ما انتقم النبي ﷺ لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات الله». ٣ - تمام الانقياد والطاعة لله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أي والذين أجابوا ربهم إلى ما دعاهم إليه، من توحيده والتبرؤ من الشرك، وأطاعوا الرسل فيما أمر الله به وزجر عنه. ٤ - إقام الصلاة: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ أي أدوا الصلاة المفروضة كاملة بإتمام أركانها وشروطها وخشوعها في مواقيتها المفروضة، وخصت الصلاة هنا بالذكر مع أمهات الفضائل، لأنها أعظم العبادات لله ، فهي معراج الوصول إلى الله، أو صلة بين العبد وربه. ٥ - الأخذ بنظام الشورى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أي يتشاورون فيما بينهم في الأمور الخاصة والعامة، ولا ينفردون برأي في كل أمر من القضايا العامّة، كتولي الحكم (أو الخلافة) وشؤون تدبير الدولة والتخطيط لمصالحها، وإعلان الحرب، وتولية الولاة والحكام والقضاة وغيرهم. وكان النبي ﷺ أكثر

стр. 7354

الناس مشاورة لأصحابه، وسلك الصحابة طريقه ومنهجه في عظائم الأمور كتولية الخلافة وحروب الردة واستنباط الأحكام الشرعية للقضايا والحوادث المستجدة، وشاور عمر ﵁ الهرمزان حين وفد عليه مسلما (١)، ولما طعن عمر جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر، وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ﵃، فاتفقوا على تقديم عثمان ﵁ للخلافة الثالثة. وإذا كانت الآية هنا تقرر وصفا ثابتا للمؤمنين، فقد أمر الله تعالى بالشورى في آية أخرى، فقال: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران ١٥٩/ ٣] وقال الحسن البصري ﵀: «ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم». وقال ابن العربي (٢): الشورى ألفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هدوا، وقد قال حكيم: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن... برأي لبيب أو مشورة حازم ولا تجعل الشّورى عليك غضاضة... فريش الخوافي قوة للقوادم ٦ - الإنفاق: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي وينفقون في سبيل الله وطاعته بعض ما رزقناهم من أموال وخيرات، فالإنفاق من الأغنياء قوة للأمة، وعلاج لضعفها، وسبيل للحفاظ على هيبة الدولة ورفعة شأن أفرادها وعزها، وذلك بالإحسان إلى الأقرب فالأقرب، ثم للمصالح العامة، كإغناء المحاويج، وإعداد القوى الحربية لمجابهة الأعداء. ٧ - الشجاعة: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أي إذا تعرضوا للظلم والاعتداء انتصروا ممن ظلمهم، لأن الانتصار عند البغي واجب وفضيلة،

стр. 7355

ولأن التذلل لمن بغى يتنافى مع عزة المؤمنين، إذ العجز والاستضعاف يؤدي إلى إغراء العدو على إلحاق صنوف أخرى من العدوان، فالمؤمنون أعزة كرام يحافظون على الحقوق والحرمات والكرامة، وليسوا بالعاجزين والأذلّين، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم، فإذا قدروا عفوا. ولا تعارض بين هذه الآية وبين ما سبقها وهي: ﴿وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ فإن كل آية لها مجال وموضع، فالسابقة في موضع، واللاحقة في موضع، وذلك لأن العفو قسمان (١): الأول-أن يكون سببا لتسكين الفتنة، وتهدئة النفوس، ورجوع الجاني عن جنايته، وهذا محمود، تحمل عليه آيات العفو، مثل: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة ٢٣٧/ ٢]. وهذا مرغب فيه في داخل الأمة الواحدة. الثاني-أن يكون سببا لتجرؤ الظالم وتماديه في غيه واستضعافه الأمة، وهذا مذموم، تحمل عليه آيات الحث على الانتقام، وهذا واجب في مقاومة العدو الخارجي، وعند اغتصاب الحقوق، ويتوقف على توافر القوة المكافئة أو القدرة المطلوبة في نظام الإسلام بإلزام المؤمن الصمود أمام اثنين من العدو. والأمثلة الموضحة كثيرة، منها: عفا يوسف ﵇ عن إخوته وقال كما حكى القرآن: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ [يوسف ٩٢/ ١٢] مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه. وعفا رسول الله ﷺ عن أهل مكة بعد فتحها، وعفا عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية، ونزلوا من جبل التنعيم، فلما قدر عليهم منّ عليهم مع قدرته على الانتقام: وعفا عن غورث بن الحارث الذي أراد الفتك به حين اخترط سيفه-سيف النبي ﷺ

стр. 7356

وهو نائم، فاستيقظ ﷺ ، وهو في يديه مصلتا، فانتهره، فوقع من يده، وأخذ رسول الله ﷺ السيف في يده، ودعا أصحابه، ثم أعلمهم بما كان من أمره وأمر هذا الرجل، وعفا عنه. وكذلك عفا ﷺ عن المرأة اليهودية-وهي زينب أخت مرحب اليهودي الخيبري الذي قتله محمد بن مسلمة، التي سمّت الذراع يوم خيبر-فأخبره الذراع بذلك، فدعاها فاعترفت، فقال ﷺ : «ما حملك على هذا»؟ قالت: أردت إن كنت نبيا لم يضرك، وإن لم تكن نبيا استرحنا منك، فأطلقها ﷺ ، ولكن لما مات منه-من السم-بشر بن البراء ﵁، قتلها به. وروي أن زينب أقبلت على عائشة، فشتمتها، فنهاها النبي ﷺ عنها، فلم تنته، فقال النبي ﷺ : «دونك فانتصري» (١) وهذه تطبيق لقوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء ١٤٨/ ٤]. أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «المستبّان ما قالا من شيء، فعلى البادي حتى يعتدي المظلوم» ثم قرأ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾. ثم إن الله تعالى لم يرغب دائما في الانتصار، بل بيّن أنه مشروع فقط، ثم بيّن بعده أن مشروعيته مشروطة برعاية المماثلة، ثم أبان أن العفو أولى بقوله: ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾. وشرط الله تعالى المماثلة بين الجناية والعقوبة في قوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ أي إن عقاب السيئة عقاب مماثل للجرم، وإن العدل في الانتصار هو الاقتصار على المساواة، فإذا قال المسيء: أخزاك

стр. 7357

الله، يقول: أخزاك الله، من غير أن يعتدي. وسمى جزاء السيئة سيئة، لأنها تسوء من تنزل به. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٩٤/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل ١٢٦/ ١٦] وقوله : ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦]. وهكذا فإن جميع العقوبات المدنية والجنائية في الإسلام تجب فيها المماثلة، فالقصاص مثلا من القاتل عمدا أو في الجروح واجب بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ [البقرة ١٩٤/ ٢] وقوله : ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ [البقرة ١٩٤/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة ٤٥/ ٥] لكن رغّب تعالى بالعفو في آخر الآية الأخيرة، فقال: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ وهنا قال: ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ أي من عفا عن الظالم المسيء، وأصلح بالود والعفو ما بينه وبين معاديه، فثوابه على الله، يعطيه جزاء أعظم، كما قال ﷺ فيما رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة: «وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا». ووصف الله المتقين بقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ، وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ، وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ، وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران ١٣٤/ ٣]. ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أي إنه تعالى لا يحب المبتدئين بالظلم، ولا يحب من يتعدى في الاقتصاص ويجاوز الحد فيه، لأن المجاوزة ظلم. والمراد أنه تعالى يعاقب المتجاوز حده. وهذا تأكيد لمطلع الآية في اشتراط المماثلة نوعا ومقدارا. ثم أكد الله تعالى مشروعية دفع الظلم والبغي، فقال:

стр. 7358

﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي والله إن المنتصر من الظالم بعد ظلمه له، لا سبيل عليه بمؤاخذة أو عقوبة، لأن الانتصار بحق، فيشرع القصاص في الجنايات العمدية، والضمان في جنايات الخطأ والإتلافات، ويجوز الشتم والسب بالمثل دون اعتداء ولا تجاوز. ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ، وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي إنما المؤاخذة والعقوبة على الذين يبدءون الناس بالظلم، أو يتعدّون مبدأ المماثلة، ويتجاوزون الحد في الانتقام، ويجنون على النفوس والأموال بغير الحق، ويتكبرون ويتجبرون بظلم الناس، وسلب الحقوق. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أولئك البادئون بالظلم أو المتجاوزون الحدود لهم عذاب مؤلم شديد بسبب اعتدائهم. ثم أكد الله تعالى الترغيب في العفو والصفح عند المقدرة، فقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي بعد أن ذم تعالى الظلم وأهله وشرع القصاص، ندب إلى العفو والصفح، فقال: إن من صبر على الأذى، وستر السيئة، وغفر خطأ من ظلمه، فإن ذلك الصبر والمغفرة لمن الأمور المشكورة والأفعال الحميدة، التي يثاب عليها بالثواب الجزيل والثناء الجميل، لأن الإنسان الغاضب يثبت فيها ويرسخ، ولا ينطلق وراء شهوة الانتقام. فقه الحياة أو الأحكام: يؤخذ من الآيات ما يأتي: ١ - ترغيب المؤمنين بالاتصاف بأمهات الفضائل التي ذكرت في الآيات ليكونوا ورّاث الجنة وأهلها، وتلك الصفات سبع هي: اجتناب كبائر الإثم والفواحش، وهي كل ما توعد الله عليه بالعذاب أو أوجب فيه حدا من الحدود

стр. 7359

المقدرة شرعا، والتجاوز والحلم عمن ظلمهم، والانقياد والطاعة لأوامر الله تعالى، وإقام الصلاة، والتشاور فيما بينهم، والبذل والإنفاق في طاعة الله، والجرأة والشجاعة في دفع البغي والظلم. ٢ - قال ابن العربي: مدح الله المشاورة في الأمور، ومدح القوم الذين يمتثلون ذلك، وقد كان النبي ﷺ يشاور أصحابه في الأمور المتعلقة بمصالح الحروب، وذلك في الآثار كثير، ولم يشاورهم في الأحكام، لأنها منزّلة من عند الله على جميع الأقسام: من الفرض، والندب، والمكروه، والمباح، والحرام. فأما الصحابة بعد استئثار الله به علينا، فكانوا يتشاورون في الأحكام، ويستنبطونها من الكتاب والسنة، وإن أول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة، فإن النبي ﷺ لم ينصّ عليها، حتى كان فيها بين أبي بكر والأنصار ما هو معروف، وقال عمر: نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا، وتشاوروا في أمر الردّة، فاستقر رأي أبي بكر على القتال، وتشاوروا في الجدّ وميراثه، وفي حد الخمر وعدده، وتشاوروا بعد رسول الله ﷺ في الحروب، حتى شاور عمر الهرمزان حين وفد عليه مسلما في المغازي قائلا: فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى (١). وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها. وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها». ٣ - إن آية ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ هي غالبا في العلاقات الخارجية بين المسلمين وغيرهم، فقد أصابهم بغي المشركين في الماضي،

стр. 7360

قال ابن عباس: وذلك أن المشركين بغوا على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه، وآذوهم وأخرجوهم من مكة، فأذن الله لهم بالخروج ومكّن لهم في الأرض، ونصرهم على من بغى عليهم، وذلك قوله في سورة الحج: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ.﴾. الآيات [٣٩ - ٤١]. وليست الآية مقصورة على الماضي، وإنما هي عامة في بغي كل باغ من كافر وغيره، أي إذا نالهم ظلم من ظالم لم يستسلموا لظلمه. وهذا إشارة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود (١)، وإشارة إلى أن من صفات المؤمنين العزة والكرامة وإباء الذل والشمم، والاعتزاز بقوة الله والثقة بنصره. ٤ - أما إذا كان الظلم بين المسلمين فقط أو بين المسلمين وغيرهم، فإذا كان الباغي معلنا الفجور، وقحا يؤذي الصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، قال إبراهيم النّخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم، فتجترئ عليهم الفسّاق. أي أنّه في حال وقوع الأذى أو الضرر العام يكون الانتقام. وإذا وقعت الجناية خطأ أو فلتة أو تعمدها صاحبها ثم طلب المغفرة، فالعفو هاهنا أفضل، وفي مثله نزلت: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة ٢٣٧/ ٢] وقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة ٤٥/ ٥] وقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا، أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ [النور ٢٢/ ٢٤]. ٥ - إن آية: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ أصل كبير في علم الفقه وهو مقابلة الجناية بمثلها، سواء في العقوبات البدنية أو المالية. وتأول الشافعي في هذه الآية: أن للإنسان أن يأخذ من مال من خانه مثل ما خانه من غير علمه،

стр. 7361

واستشهد في ذلك بقول النبي ﷺ لهند زوج أبي سفيان في الحديث المتفق عليه عن عائشة: «خذي من ماله ما يكفيك وولدك» فأجاز لها أخذ ذلك بغير إذنه. ٦ - اختلف اجتهاد المجتهدين فيما إذا لم يمكن استيفاء الحق إلاّ باستيفاء الزيادة، بسبب التعارض بين إلحاق زيادة الضرر بالجاني، وبين منع المجني عليه من استيفاء حقه، فأيهما أولى؟ وذكر الرازي أمثلة عشرة لهذا الخلاف (١) أشير إليها بإيجاز: المثال الأول-احتج الشافعي ﵁ على أن المسلم لا يقتل بالذمي وأن الحر لا يقتل بالعبد: بأن قال: المماثلة شرط لجريان القصاص، وهي مفقودة في هاتين المسألتين، فوجب ألا يجري القصاص بينهما. المثال الثاني-احتج الشافعي ﵁ في أن الأيدي تقطع باليد الواحدة، فقال: لا شك أنه إذا صدر كل القطع أو بعضه عن كل أولئك القاطعين أو عن بعضهم، فوجب أن يشرع في حق أولئك القاطعين مثله، لهذه النصوص. المثال الثالث-شريك الأب يشرع في حقه القصاص، لأنه صدر عنه الجرح فوجب أن يقابل بمثله، لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة ٤٥/ ٥]. المثال الرابع-قال الشافعي ﵁: من حرّق حرقناه، ومن غرّق غرقناه، والدليل عليه هذه النصوص الدالة على مقابلة كل شيء بمماثله. المثال الخامس-شهود القصاص إذا رجعوا وقالوا: تعمدنا الكذب، يلزمهم القصاص، لأنهم بتلك الشهادة أهدروا دمه، فوجب أن يصير دمهم مهدرا لقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾.

стр. 7362

المثال السادس-قال الشافعي ﵁: المكره يجب عليه القود (القصاص) لأنه صدر عنه القتل، فوجب أن يجب عليه مثله، أي كالمكره. المثال السابع-قال الشافعي ﵁: القتل بالمثقل كالحجر والخشب يوجب القود، لهذه الآية: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ.﴾ .. المثال الثامن-الحر لا يقتل بالعبد قصاصا، كما تقدم، ولأن القاتل أتلف على مالك العبد شيئا، فيجب ضمانه، وإذا وجب الضمان، وجب ألا يجب القصاص، إذ لا فرق. المثال التاسع-منافع الغصب مضمونة عند الشافعي ﵁، لأن الغاصب فوّت على المالك منافع تقابل في العرف بمال، فوجب أن يفوت على الغاصب مثله من المال، لهذه الآية: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ.﴾ .. المثال العاشر-الحر لا يقتل بالعبد قصاصا لعلة ثالثة وهي أنه لو قتل بالعبد لكان هو مساويا للعبد في المعاني الموجبة للقصاص، لقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها﴾ [غافر ٤٠/ ٤٠]. والخلاصة: أن قوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ يقتضي وجوب رعاية المماثلة مطلقا في كل الأحوال إلا ما استثني وخص بدليل. ٧ - لمن عفا وأصلح النزاع بينه وبين الظالم بالعفو: أجر كبير عند الله تعالى. والمقصود من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ التنبيه على أن المجني عليه لا يجوز له استيفاء الزيادة من الظالم، لأن الظالم فيما وراء ظلمه معصوم، والانتصار قد يؤدي إلى تجاوز المساواة، والتعدي، خصوصا في حال الحرب والتهاب الحمية، فربما صار المظلوم عند الإقدام على استيفاء القصاص ظالما. ٨ - للمظلوم الانتصار من الظالم دون مؤاخذة ولا عقوبة ولا حرج وهل له

стр. 7363

أن يستوفي ذلك بنفسه؟ هناك ثلاثة أقسام (١): الأول-القصاص بالنفس إذا ثبت الحق فيه عند الحكام يجوز استيفاؤه من ولي الدم، لكن يزجره الإمام لجرأته على سفك الدم. أما إذا لم يثبت حقه عند الحاكم، فيجوز له استيفاؤه ديانة بينه وبين الله، لكن يؤاخذ قضاء ويعاقب على فعله. الثاني-الحد الخالص لله تعالى الذي لا حق فيه للآدمي كحد الزنى وقطع السرقة: إن لم يثبت عند حاكم عوقب به، وإن ثبت عند حاكم، فإن كان قطع يد أو رجل، سقط به الحد، ويعزر، وإن كان جلدا لم يسقط به الحد، لتعدّيه، فيؤاخذ بحكمه. الثالث-الحقوق المالية: يجوز أخذها مغالبة ممن هو عالم بها، أما غير العالم بها، فإن أمكن أخذها منه بالمطالبة القضائية وجبت، ويجوز أخذها سرا، وإن لم يكن أخذها منه بالمطالبة القضائية، لجحود من هي عنده، ولا بينه تشهد بالحق، فيجوز أخذها سرا عند مالك والشافعي، ولا يجوز ذلك عند أبي حنيفة. ٩ - يؤاخذ الظلمة بعدوانهم، فيعاقبون في الدنيا، ولهم عذاب أليم في الآخرة، وذلك سواء أكان الظلم في النفوس أم في الأموال. والحاكم هو الذي يؤاخذ. ١٠ - قال ابن العربي في آية ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ.﴾.: هذه الآية في مقابلة الآية المتقدمة في براءة، وهي قوله: ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [٩٢]

стр. 7364

فكما نفى الله السبيل عمن أحسن، فكذلك أثبتها على من ظلم (١). ١١ - اختلف العلماء في فرض الحاكم الرسوم والضرائب والأموال على الناس، هل يجوز الخلاص منها لمن قدر على ذلك، مع أنه يستوفي جميع المطلوب من الآخرين؟ قال سحنون من المالكية: لا، وقال أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي المالكي: نعم له ذلك إن قدر على الخلاص، لأن الظلم لا أسوة فيه، ولا يلزم أحد بظلم مخافة أن يضاعف الظلم على غيره، والله سبحانه يقول: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾. ١٢ - اختلف العلماء في التحليل (٢) والمسامحة عن العرض والمال، فأجازه على العرض والمال سليمان بن يسار ومحمد بن سيرين من التابعين. ورأى مالك التحليل من المال دون العرض. ورأى سعيد بن المسيب: ألا يحلله بحال. وجه الرأي الأول: أنه حقه، فله أن يسقطه كما يسقط دمه وعرضه. ووجه الرأي الثاني: أن التحليل في المال رفق، وفي العرض يتجرأ الظلمة ويغترون ويسترسلون في أفعالهم القبيحة. ووجه الرأي الثالث: أنه تحليل ما حرّم الله، فيكون كالتبديل لحكم الله. والصحيح الجواز بدليل قصة أبي ضمضم الذي كان قد استحل عرضه، أي سامح من يؤذيه ويشتمه، فقال النبي ﷺ : فيما روى مسلم في صحيحة: أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم؟ ١٣ - إن ثواب المال المأخوذ ظلما لصاحبه طوال حياته وإلى موته، ثم يرجع الثواب إلى ورثته، لأن المال يصير لهم بالإرث.

стр. 7365

١٤ - من صبر على الأذى، وغفر بأن ترك الانتصار لوجه الله إذا كان الظالم مسلما، كان صبره من عزائم الله التي أمر بها، ومن عزائم الصواب التي وفق لها. أحوال الكفار أمام النار ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)﴾ الإعراب: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ﴿مِنَ﴾: ابتدائية، أو بمعنى الباء. ﴿إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ ﴿الْخاسِرِينَ﴾: اسم إن، و ﴿الَّذِينَ﴾: خبرها. المفردات اللغوية: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ ومن يخذل الله، فلا يوفقه إلى الإيمان ويضله بسبب رضاه بالكفر ﴿فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فليس له أحد يلي هدايته ﴿مَرَدٍّ﴾ رجوع إلى الدنيا ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ طريق. ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ على النار ﴿خاشِعِينَ﴾ خائفين ذليلين ﴿يَنْظُرُونَ﴾ إليها ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ضعيف النظر مسارقة، والطرف: العين، أو مصدر معناه إطباق أحد جفني العين على الآخر، والمرة منه: طرفة، و ﴿مِنَ﴾ ابتدائية، أي يبتدئ نظرهم إلى النار من تحريك ضعيف لأجفانهم ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾ بالتعريض لعذاب الخلد ﴿إِنَّ الظّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿فِي عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ دائم. وقوله: ﴿إِنَّ الظّالِمِينَ﴾ تمام كلام المؤمنين، أو تصديق من الله لهم.

стр. 7366

﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره ﴿أَوْلِياءَ﴾ نصراء وأعوان يدفع عذابه عنهم ﴿فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ طريق إلى الهدى والنجاة والجنة في الآخرة. المناسبة: بعد بيان أن الذين يظلمون الناس ويفسدون في الأرض لهم عذاب أليم على بغيهم وعدوانهم، ذكر الله تعالى أحوال الكفار عند رؤية عذاب النار، فهم يتمنون الرجوع إلى الدنيا، ويقفون أمام النار ذليلين خائفين، وتتبين خسارتهم الفادحة بخلودهم في العذاب، دون أن يجدوا أنصارا يخلصونهم من العذاب. وقد بدئت الآيات وختمت ببيان أن الإضلال من الله تعالى، وأن الهداية ليست في مقدور أحد سوى الله تعالى. التفسير والبيان: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي من يخذله الله بإضلاله إياه، لعلمه بسوء استعداده للخير والإيمان، واقترافه المعاصي والآثام، فما له من أحد يتولى هدايته ونصره، والأخذ بيده إلى طريق الهدى والرشاد والفوز، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾ [الكهف ١٧/ ١٨] وهذا تحقير لأمر الكفرة، وبيان أنه لا يقع شيء في الكون من الهدى والضلال وغيرهما إلا بإرادة الله ومشيئته، حتى لا يوصف بالعجز، وكشف لأحوال الذين أعرضوا عن دعوة النبي ﷺ إلى الإيمان بالله تعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ثم أخبر الله تعالى عن أحوال الظالمين في الآخرة، وهم المشركون بالله، فقال: ١ - ﴿وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ: هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾؟ أي وتبصر المشركين الكافرين بالله المكذبين بالبعث، حين نظروا إلى النار،

стр. 7367

وعاينوا العذاب، يتمنون الرجوع إلى الدنيا من أي طريق، قائلين: هل من سبيل إلى الرجعة؟ ونظير الآية قوله: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ، فَقالُوا: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا، وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ، وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٧/ ٦ - ٢٨]. ٢ - ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ، يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أي وتبصرهم أيضا يعرضون على النار، وهم خائفون أذلاء، يسارقون النظر إليها من شدة الخوف. وهذا شأن الرهبة من العقاب. ٣ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا: إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي ويقول المؤمنون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة: إن الخاسرين الخسار الأكبر، هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم، بدخول النار والخلود فيها، وعلى هذا التأويل يكون ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ متعلقا ب ﴿قالَ﴾ ويصح أن يتعلق ب ﴿خَسِرُوا﴾ ويكون قول المؤمنين واقعا في الدنيا، والظاهر: الأول. أما خسرانهم لأنفسهم، فلكونهم صاروا معذبين في النار، دون أمل في النّجارة، وأما خسرانهم لأهليهم، فإن كانوا معهم في النار، فلا ينتفعون بهم، ولأنهم كانوا هم السّبب في تعذيبهم، وإن كانوا في الجنة فقد فرّق بينهم وبيتهم. ٤ - ﴿أَلا إِنَّ الظّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ أي ألا إن الكافرين في عذاب دائم لا ينتهي، ولا يخرجون منه، ولا محيد لهم عنه، وهذا تتمة كلام المؤمنين أو تصديق من الله لهم فهو من كلامه. ٥ - ﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي وليس لهم أعوان وأنصار من غير الله، ينقذونهم مما هم فيه من العذاب.

стр. 7368

٦ - ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي ومن يحجب الله عنه توفيقه إلى الإيمان بسبب علم الله السابق بما سيختاره ويقترفه من الآثام، فلا طريق له إلى النّجاة والجنّة. أي فلا غرابة في وقوع تلك الظّواهر، لأنهم ضالّون منحرفون عن سبيل الإيمان والحقّ. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على ما يأتي: ١ - لا هادي ولا منقذ ولا ناصر لمن خذله الله، بسبب إعراضه عن الإيمان بالله، والمودّة في القربى، والتّكذيب بالبعث، وعدم إدراكه أن متاع الدنيا قليل. ٢ - يرى المؤمنون الظالمين الكافرين عند عرض النار عليهم، حال كونهم حقيرين مهانين بسبب ما لحقهم من الذّلّ، يرونهم قائلين طالبين أن يردّوا إلى الدنيا، ليعملوا بطاعة الله، فلا يجابون إلى ذلك. ٣ - ويرونهم أيضا حين يعرضون على النار أذلّة صاغرين لا يرفعون أبصارهم للنظر رفعا تامّا، لأنّهم ناكسوا الرؤوس، والعرب تصف الذّليل بغضّ الطّرف. ٤ - يقول المؤمنون في الجنة، لما عاينوا ما حلّ بالكفار: إن الخسران في الحقيقة ما صار إليه هؤلاء الكفار، فإنهم خسروا أنفسهم، لأنهم في العذاب المخلّد، وخسروا أهليهم، لأن الأهل إن كانوا في النار فلا انتفاع بهم، وإن كانوا في الجنة، فقد حدثت القطيعة الدائمة بينهم وبينهم، ألا إن الظالمين في عذاب دائم لا ينقطع. ٥ - ليس لأولئك الكافرين الظالمين أعوان ونصراء ينصرونهم من عذاب

стр. 7369

الله، وليس للأصنام التي كانوا يعبدونها بقصد الشافعة لهم عند الله أي مجال في الشفاعة: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر ١٨/ ٤٠]، ومن أضلّه الله وخذله، فلا طريق له يصل به إلى الحق في الدنيا والجنة في الآخرة، لانسداد طريق النّجاة عليه. الاستجابة لنداء الله مالك السموات والأرض ﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨) لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ الإعراب: ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ ﴿لا﴾: نافية للجنس، و ﴿مَرَدَّ﴾: اسمها المبني على الفتح، والجارّ والمجرور الأول: صفة له، والآخر: خبره. ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً﴾ ﴿يَجْعَلُ﴾: بدل من ﴿يَخْلُقُ﴾ بدل البعض من الكلّ. البلاغة: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً، وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً، وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً﴾ فيها ما يسمى بالتّقسيم.

стр. 7370

المفردات اللغوية: ﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ أجيبوا نداء ربّكم إلى ما فيه نجاتكم بالتّوحيد والعبادة الخالصة لله. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ هو يوم القيامة. ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ لا يردّه الله بعد ما حكم به، فيكون ﴿مِنَ اللهِ﴾ صلة ﴿لا مَرَدَّ﴾ ويصح كونه صلة ل: ﴿يَأْتِيَ﴾ أي من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على ردّه. ﴿مَلْجَإٍ﴾ مأمن أو منجى أو ملاذ تلجؤون إليه. ﴿نَكِيرٍ﴾ إنكار لذنوبكم يومئذ. ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ عن الإجابة ﴿فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ رقيبا أو محاسبا لأعمالهم. ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ ما عليك إلا تبليغ الرسالة، وقد بلّغت. ﴿رَحْمَةً﴾ نعمة كالصحّة والغنى. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ الضمير يعود لجنس الإنسان. ﴿سَيِّئَةٌ﴾ بلاء من مرض أو فقر أو خوف أو موت عزيز مثلا. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بما قدّموا لأنفسهم من ذنوب وآثام، وعبّر بالأيدي، لأن أكثر الأفعال تزاول بها. ﴿كَفُورٌ﴾ جحود للنّعمة، نسّاء لها، ذكّار للبلية، يذكر البلية ويعظمها ولا يتأمل سببها. وهذا وإن اختصّ بالمجرمين من الناس، جاز إسناده إلى الجنس لغلبتهم واندراجهم فيه. ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً، وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً، وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً﴾ الله المالك يهب ويمنح بعض الناس إناثا فقط أو ذكورا فقط، أو يجعل لهم الذّكور والإناث، أو يجعل من يشاء عقيما، فلا يلد ولا يولد له. والمعنى: يجعل أحوال العباد في الأولاد أربعة أصناف مختلفة على مقتضى المشيئة، ولعل تقديم الإناث، لتكثير النسل وتطييب قلوب الآباء، والتّكريم والاهتمام ردا على العرب الذين يعدّونهن بلاء. وعرف ﴿الذُّكُورَ﴾ للمحافظة على فواصل الآيات على نسق واحد: ﴿نَكِيرٍ﴾، ﴿كَفُورٌ﴾، ﴿الذُّكُورَ﴾. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ إنه تعالى يفعل بحكمه واختيار، عليم بما يخلق، قدير على ما يشاء. المناسبة: بعد الإفاضة في وعد المؤمنين ووعيد الكافرين وبيان أحوال الكفار أمام النار، ذكر الله تعالى الهدف والغاية، وهو الاستجابة لدعوة الله إلى التوحيد والعبادة الخاصة، محذّرا من أهوال القيامة، ومبيّنا أنهم إن أعرضوا عن دعوته، فلا يؤبه بهم، وأن من شأن الإنسان جحود النعمة، لبيان سبب إعراضهم

стр. 7371

وإصرارهم على مذاهبهم الباطلة، ثم ذكر تعالى مثلا من تقسيم هبات الأولاد ليكون دليلا على تصرف الله في العالم. التفسير والبيان: يحذّر تعالى من أهوال يوم القيامة، ويأمر بالاستعداد له، فيقول: ﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ أي أجيبوا دعوة ربّكم إلى الإيمان به وبكتبه ورسله، واتّبعوا ما جاءكم به رسول الله ﷺ ، من قبل مجيء يوم يكون كلمح البصر، ليس له دافع، ولا مانع، فلا يردّه أحد، أو لا يردّه الله بعد أن حكم به، وهو يوم القيامة. واستجاب وأجاب بمعنى واحد. ﴿ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ أي ليس لكم فيه حصن أو ملجأ تتحصّنون أو تلجؤون إليه، ولا تجدون يومئذ من ينكر ما ينزل بكم من العذاب، ولا تقدرون إنكار شيء مما اقترفتموه من السّيئات، لرصده في صحفكم، وشهادة ألسنتكم وجلودكم به، فلا ملجأ من الله إلا إليه، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ: أَيْنَ الْمَفَرُّ؟ كَلاّ لا وَزَرَ، إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾. والنّكير بمعنى المنكر، كالأليم بمعنى المؤلم، أو بمعنى الإنكار، أي إنكار ما ينزل بهم من العذاب، والنّكير والإنكار: تغيير المنكر. ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا، فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً، إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ أي فإن أعرض المشركون عن إجابة دعوة الله ورسوله، فما أرسلناك أيها الرّسول موكّلا بهم، رقيبا عليهم، تحفظ أعمالهم وتحصيها، حتى تحاسبهم عليها، فما عليك إلا تبليغ ما أرسلناك به، وليس عليك غيره. ونظائر الآية كثير، مثل: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢٢/ ٨٨]،

стр. 7372

ومثل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢/ ٢]، ومثل: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرّعد ٤٠/ ١٣]. وهذا كله تسلية من الله تعالى لرسوله، ثم بيّن الله تعالى سبب إصرارهم على مذاهبهم الباطلة وهو طبع الإنسان، فقال: ﴿وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾ أي وإننا إذا أعطينا الإنسان منا نعمة، وغمرناه بالرّخاء كالصّحة والأمن وسعة الرّزق، فرح بذلك، وإن أصيب الناس بسيئة، كجدب ونقمة، وبلاء وشدّة، ومرض أو فقر، بسبب ما اقترف من المعاصي والذنوب، فإن الإنسان جحود ما تقدّم من النّعم، ينساها ولا يذكرها بسبب الضّر الواقع عليه، ولا يعرف إلا الساعة الراهنة، فإن أصابته نعمة بطر وأشر، وإن أصابته محنة يئس وقنط. والكفور: المبالغ في كفران النّعم. ويظهر أثر هذا في الواقع المتكرر من أكثر النّساء، كما قال رسول الله ﷺ للنّساء فيما أخرجه مسلم وابن ماجه عن ابن عمر: «يا معشر النّساء، تصدّقن، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار، فقالت امرأة: ولم يا رسول الله؟ فقال ﷺ : لأنكنّ تكثرن الشكاية، وتكفرن العشير-الزوج-، لو أحسنت إلى إحداهنّ الدهر، ثم تركت يوما قالت: ما رأيت منك خيرا قطّ». أما المؤمن الصالح فشأنه كما قال ﷺ فيما أخرجه أحمد ومسلم عن صهيب: «إن أصابته سرّاء، شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء، صبر، فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن». ثمّ حذّر تعالى من الاغترار بالدنيا، وما ملكه الإنسان من المال والجاه، فقال مبيّنا أن الكلّ ملك الله ونعم الله:

стр. 7373

﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي إنه تعالى خالق السموات والأرض ومالكهما والمتصرّف فيهما بما يريد، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ، يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً، وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً، وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً، إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ أي إنه تعالى يخلق ما يشاء من الخلق والأولاد، فيرزق من يشاء البنات فقط، ويرزق من يشاء البنين فقط، ويعطي من يشاء من الناس الصنفين معا الذّكر والأنثى، فالتّزويج هنا: الجمع بين البنين والبنات، ويجعل من يشاء عقيما لا يولد له، لأن الملك ملكه، ويمنح على وفق الحكمة والمصلحة، فإنه سبحانه عليم بمن يستحق كلّ صنف أو قسما من هذه الأقسام، بليغ عظيم القدرة على ما يريد من تفاوت الناس في ذلك، على حسب الحكمة والعلم. يقال: رجل عقيم، وامرأة عقيم. وإنما قدّم الله تعالى أولا الإناث اهتماما وعناية من الله بهنّ بسبب ضعفهنّ، وردّا على العرب في النّفور من الأنثى، والفرح بالذّكور. وعبّر عن الإناث بالتّنكير وعن الذّكور بالتّعريف، للتّنبيه على كون الذّكر أفضل من الأنثى. وقال في إعطاء الإناث وحدهنّ، وفي إعطاء الذّكور بلفظ الهبة: ﴿يَهَبُ﴾ وقال في إعطاء الصّنفين معا: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ للدلالة على الاقتران، أي أنه تعالى يقرن الإناث والذّكور فيجعلهم أزواجا، وكل شيئين يقرن أحدهما بالآخر فهما زوجان. وأما التّعبير بالعقم فللدلالة على قدرة الله في منع الولد مع توافر الأسباب الظاهرة. وأكثر المفسّرين على أن هذا الحكم عام في حقّ كلّ الناس، إذ لا معنى

стр. 7374

للتّخصيص، ولأن المقصود بيان نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء كيف شاء وأراد، لكنهم ذكروا أمثلة لكل حالة، لتكون سلوة المكروب والمحزون، فمثال الحالة الأولى: لوط وشعيب ﵉ لم يكن لهما إلا البنات فكان للوط بنتان، ومثال الحالة الثانية: إبراهيم ﵇ لم يكن له إلا الذّكور وهم ثمانية، ومثال الحالة الثالثة: محمد ﷺ كان له من البنين أربعة: القاسم والطاهر وعبد الله وإبراهيم، ومن البنات أربعة: زينب ورقيّة وأم كلثوم وفاطمة، وكلهم من خديجة ﵂ ما عدا إبراهيم فإنه من مارية القبطية، ومثال الحالة الرابعة: عيسى ويحيى ﵉. قال واثلة بن الأسقع: إن من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذّكر، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً، وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ فبدأ بالإناث. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - على البشر كافة إجابة ما دعاهم الله إليه من الإيمان به والطاعة، قبل مفاجأتهم بيوم القيامة الذي لا يردّه أحد بعد ما حكم الله به، وجعله أجلا ووقتا معلوما لديه، ولا منجا ينجي أحدا من العذاب، ولا ناصر ينصر. ٢ - إن أعرض الناس عن الإيمان، فليس الرّسول ﷺ موكّلا بهم يستطيع إكراههم على الإيمان، ولا حافظا لأعمالهم حتى يحاسبهم عليها، إنما عليه التبليغ فقط. ٣ - طبع الإنسان الكافر عجيب غريب، يفرح ويبطر عند الرحمة والرخاء والصحة والمتعة، ويجحد النعمة عند البلاء والشدّة بسبب ما اقترف من الذّنوب، فيعدد المصائب وينسى النّعم.

стр. 7375

٤ - إن الله تعالى مالك السموات والأرض وما فيهما، يفعل ويتصرّف في ملكه ما يشاء بمقتضى علم تام دقيق، وحكمة بالغة، فيهب الإناث فقط لمن يريد، والذّكور فقط لمن يريد، والذّكور والإناث معا لمن يريد، ويجعل من يشاء عقيما لا يولد له. جاء في الحديث الصحيح: «إذا سبق ماء الرّجل ماء المرأة أذكرا، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرّجل آنثا» وفي لفظ آخر: «إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه الولد أعمامه، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه الولد أخواله». أما الخنثى ففيه الذّكورة والأنوثة، ويغلّب إحداهما بعمل جراحي، وفي الماضي من حيث يبول، روى ابن عباس عن النّبي ﷺ أنه سئل عن مولود له قبل وذكر، من أين يورّث؟ قال: «من حيث يبول» واقتصر النّص القرآني على الغالب في الموجودات، وسكت عن ذكر النادر لدخوله تحت عموم الكلام الأول عن غير العقيم. أنواع الوحي ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾

стр. 7376

الإعراب: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ﴾: اسم كان، و ﴿لِبَشَرٍ﴾: خبرها، و ﴿إِلاّ وَحْياً﴾: منصوب على المصدر في موضع الحال من اسمه تعالى ﴿اللهُ﴾، و ﴿مِنْ﴾ متعلّقة بمقدر، أي إلا موحيا أو مكلّما من وراء حجاب. ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ معطوف بالنّصب على معنى قوله: ﴿إِلاّ وَحْياً﴾ تقديره: أو أن يرسل رسولا، لأن ﴿كانَ﴾ مع الفعل في تأويل المصدر، فيكون عطف مصدر على مصدر، ويقرأ بالرفع: ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ على الاستئناف تقديره: أهو يرسل رسولا. ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ﴾ النّفي على الفعل ﴿تَدْرِي﴾ عن العمل، وكان ما بعده سادّا مسدّ المفعولين. ﴿صِراطِ اللهِ﴾ بدل من الأوّل. البلاغة: ﴿حَكِيمٌ﴾ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ وغير ذلك من مقاطع السورة: فيها ما يسمى توافق الفواصل. المفردات اللغوية: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ﴾ وما صحّ وما استقام له. ﴿إِلاّ وَحْياً﴾ الوحي: كلام خفي يدرك بسرعة، أو إلقاء شيء في القلب بإلهام في اليقظة أو في المنام. وهو يشمل المشافة به كما في حديث المعراج، وما وعد به في حديث الرؤية، والمهتوف به كما حدث لموسى ﵇ في الطّور وطوى ﴿أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ بأن يسمعه كلامه ولا يراه كما وقع لموسى ﵇، فالآية دليل على جواز رؤية الله في الآخرة، لا على امتناعها. ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ أي إلا أن يرسل رسولا ملكا كجبرئيل ﵇. ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ يوحي الرّسول إلى المرسل إليه بأن يكلّمه، بإذن الله، ما يشاء الله. ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾ عن صفات المخلوقين. ﴿حَكِيمٌ﴾ يفعل ما تقتضيه حكمته، فيكلّم تارة بوسيط وتارة بغير وسيط، إما عيانا، وإما من وراء حجاب. ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا﴾ أي مثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل. ﴿أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ يا محمد. ﴿رُوحاً﴾ ما أوحى به، وهو القرآن كالرّوح، وسمّي الوحي روحا، لأن القلوب تحيا به. ﴿مِنْ أَمْرِنا﴾ أي من بعض أمرنا الذي نوحيه إليك. ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي﴾ تعرف قبل الوحي إليك. ﴿مَا الْكِتابُ﴾ القرآن. ﴿وَلا الْإِيمانُ﴾ ولا حقيقة الإيمان الصحيح المشتمل على الشرائع والأحكام

стр. 7377

الموحى بها. ﴿وَلكِنْ جَعَلْناهُ﴾ الرّوح أو الكتاب أو الإيمان. ﴿لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تدعو بالوحي إليك إلى الإسلام. ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ ملكا وخلقا وعبيدا. ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ ترجع الأمور، من غير وسائط، وفيه وعد ووعيد للمطيعين والمجرمين. سبب النزول: نزول الآية (٥١): ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ.﴾. سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا للنّبيّ ﷺ : ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيّا، كما كلّمه موسى؟ فنزلت، وقال: لم ينظر موسى إلى الله تعالى. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى دلائل كمال قدرته وعلمه وحكمته ونعمته مما هو محسوس، أتبعه ببيان أنواع وحيه وكلامه إلى أنبيائه من النّعم الروحية، التي اختصّ بها الأنبياء والرّسل من سائر الناس. وأوضح أن الوحي إلى النّبي ﷺ بالقرآن المشتمل على الشرائع التي تصلح البشر وتهديهم إلى الحق هو مثل الوحي إلى الأنبياء السابقين. وهذا الختام للسورة مشابه لما بدئت به، لينسجم البدء والختام. التفسير والبيان: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً، أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ، إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ أي ما صحّ لبشر تكليم الله إلا بوحي يوحى، أو بسماع كلام من وراء ستار، أو بواسطة ملك. وقد نفى الله تعالى تكليم أحد من البشر إلا بأحد ثلاثة أوجه تحدث في الدنيا.

стр. 7378

الأول-الوحي: وهو الإلهام والقذف بمعان تلقى في القلب يقظة في الغالب، أو في المنام، كرؤيا إبراهيم الخليل ﵇ ذبح ولده. وقد يطلق الوحي على الإلهام المجرد، كما أوحى إلى أم موسى. الثاني-سماع كلام من وراء حجاب: بأن يسمعه النّبي من غير واسطة متيقنا أنه كلام الله من حيث لا يرى، كما كلّم موسى ﵇ ربّه، وسمّاه الله وحيا بقوله: ﴿فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ [طه ١٣/ ٢٠]. وكان موسى قد سأل الرؤية بعد التكليم، فحجب عنها. الثالث-إرسال رسول: وهو إرسال رسول من الملائكة إما جبريل أو غيره فيوحي ذلك الملك إلى الرّسول من البشر بأمر الله وتيسيره ما يشاء أن يوحى إليه، كما كان جبرئيل ﵇ وغيره من الملائكة ينزلون على الأنبياء ﵈. إن الله عليّ عن صفات المخلوقين وصفات النّقص، يفعل ما تقتضيه حكمته حكيم في كل أحكامه، فيجعل الوحي معتمدا على وسيط، أو بغير وسيط. وهذه الأنواع الثلاثة يتيقن النّبي في كلّ منها أن الله ﵎ هو مصدر الوحي، دون أي شكّ، كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن روح القدس نفث في روعي (١) أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتّقوا الله، وأجملوا في الطلب». وقد جاء في السّنّة بيان أنواع الوحي إلى النّبيّ ﷺ ، روى البخاري في صحيحة عن عائشة ﵂ كما تقدّم- «أن الحارث بن هشام ﵁، سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال

стр. 7379

رسول الله ﷺ : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا، فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا» أي يسيل عرقا. ثم ذكر تعالى تشابه الوحي بين النّبي ﷺ وبين الأنبياء السابقين، فقال: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾ أي مثلما أوحينا إلى سائر الأنبياء، أوحينا إليك هذا القرآن، الذي هو من أمر الله، وهو روح، لأنه يهتدى به، ففيه حياة سعيدة بعد موت الكفر، وكان نزوله حدّا فاصلا بين عهدين، استيقظ به العرب والمسلمون من رقدتهم، وصنعوا حضارة سامقة ومجدا. ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا﴾ أي ما كنت أيها النّبي قبل إنزال الوحي عليك تعرف ما القرآن، ولا معنى الإيمان، ولا تفاصيل الشرائع، ولا تهتدي إلى معالمها الصحيحة، وخصّ الإيمان، لأنه رأس الشريعة. ولكن جعلنا هذا القرآن الذي أوحيناه إليك ضياء ونورا نهدي به من نشاء هدايته، وتخرجه من ظلمات الجهالة والضلال إلى الهداية والمعرفة، ونرشده إلى الدين الحق، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ [فصّلت ٤٠/ ٤١]، وقال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء ٨٢/ ١٧]، وقال : ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٥٧/ ١٠]. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ

стр. 7380

وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي وإنك يا محمد لتهدي بذلك النوع إلى المنهج السليم، والحق القويم، الذي هو شرع الله الذي أمر به، وطريق الله الذي له ملك السموات والأرض، وربّهما المتصرف فيهما، والحاكم الذي لا معقّب لحكمه. وفي إضافة الصراط إلى اسم الجلالة تعظيم له وتفخيم لشأنه. ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ أي ألا أيها الخلائق ترجع الأمور كلها يوم القيامة إلى الله تعالى، لا إلى غيره، فيحكم فيها بقضائه العدل. وهذا وعد للمتّقين المهتدين، ووعيد للظالمين الكافرين. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يلي: ١ - إن مظاهر الوحي إلى الأنبياء والرّسل منحصرة في ثلاثة أنواع هي: الأول-الإلهام المباشر والإلقاء في القلب معاني ذات دلالة عامة وصبغة تشريعية، تستقر في النفس. الثاني-إسماع الله كلامه للنّبي من غير واسطة. الثالث-إرسال رسول من الملائكة لتبليغ الرسالة، كإرسال جبريل ﵇. ٢ - فهم المعتزلة من حصر الوحي بهذه الأنواع أن رؤية الله غير جائزة في الآخرة، إذ لو صحّت رؤية الله تعالى، لصحّ من الله تعالى أن يتكلّم مع العبد حالما يراه العبد، فيكون ذلك قسما رابعا زائدا، وقد نفاه الله تعالى بقوله: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ.﴾. إلا على هذه الأوجه الثلاثة. والجواب أن في الآية قيدا: هو ما كان لبشر أن يكلّمه الله في الدنيا إلا على

стр. 7381

هذه الأقسام الثلاثة، وزيادة هذا القيد مفهومة من السياق، ويجب المصير إليها للتوفيق بين هذه الآية وبين الآيات الدالة على حصول الرؤية في يوم القيامة، مثل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢/ ٧٥ - ٢٣]. ٣ - احتجّ بهذه الآية: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ الإمام مالك والنّخعي على أن من حلف ألا يكلّم رجلا، فأرسل إليه رسولا، أنه حانث، لأن المرسل قد سمّي مكلّما للمرسل إليه، إلا أن ينوي الحالف المواجهة بالخطاب. قال ابن عبد البرّ: ومن حلف ألا يكلّم رجلا فسلّم عليه عامدا أو ساهيا، أو سلّم على جماعة هو فيهم، فقد حنث في ذلك كله عند مالك. وإن أرسل إليه رسولا أو سلّم عليه في الصلاة، لم يحنث. ٤ - الصحيح عند أهل الحق أن الملك عند ما يبلّغ الوحي إلى الرسول، لا يقدر الشيطان على إلقاء الباطل في أثناء ذلك الوحي. والملائكة يقدرون على أن يظهروا أنفسهم على أشكال مختلفة. ولا يسمى كلام الله مع إبليس من غير واسطة وحيا من الله تعالى إليه. ٥ - حقيقة الوحي واحدة بالنسبة لجميع الأنبياء، ومظاهرها وأنواعها متعددة، ذكرت الآية منها هنا ثلاثة فقط. ٦ - ظاهر الآية: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي.﴾. يدلّ على أنه لم يكن النّبي قبل الإيحاء متّصفا بالإيمان، والصّواب أن الأنبياء معصومون قبل النّبوة من الجهل بالله وصفاته والتّشكك في شيء من ذلك، وقد تعاضدت الأخبار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا، ونشأتهم على التوحيد والإيمان. وإنما المراد بالإيمان هنا: الشرائع والأحكام المعتمدة على الوحي الإلهي، فقد أطلق الإيمان على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ [البقرة ١٤٣/ ٢].

стр. 7382

والآية دليل على أن النبيّ ﷺ لم يكن قبل النّبوة متعبّدا بشرع ما. وذهبت المعتزلة إلى أنه لا بدّ أن يكون على دين، ولكن عين الدّين غير معلومة عندنا. وهذا وإن كان جائزا عقلا، لكن ليس عليه دليل قاطع. قال القرطبي: والذي يقطع به أنه ﷺ لم يكن منسوبا إلى واحد من الأنبياء نسبة تقتضي أن يكون واحدا من أمته، ومخاطبا بكلّ شريعته، بل شريعته مستقبلة بنفسها، مفتتحة من عند الله الحاكم جلّ وعزّ. وأنه ﷺ كان مؤمنا بالله ، ولا سجد لصنم، ولا أشرك بالله، ولا زنى، ولا شرب الخمر، ولا شهد السامر (١)، ولا حضر حلف المطيّبين (٢)، بل نزهه الله وصانه عن ذلك (٣). ولكنه ﷺ حضر حلف الفضول، فقال: «شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت». ٧ - لم يكن النّبي ﷺ قبل البعثة عالما بالقرآن، فهو أميّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا بالإيمان، أي شرائع الإيمان ومعالمه، لا أصل الإيمان فإنه ﷺ كان مؤمنا بالله من حين نشأ إلى حين بلوغه، كما تقدّم. ٨ - إن القرآن العظيم الذي أوحى الله به إلى النّبي ﷺ هو نور وهداية، يدعو ويرشد إلى دين قويم لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام. والمقصود بالهداية: الدعوة إلى الدّين الحقّ وإيضاح الأدلّة.

стр. 7383

والله الذي أنزله له جميع ما في السموات وما في الأرض ملكا وعبدا وخلقا وإليه مصير الخلائق جميعهم. وهذا وعيد بالبعث والجزاء، ووعد بالثواب للمؤمنين الصالحين، وتنبيه إلى أن الذي تجوز عبادته هو الذي يملك السموات والأرض، والغرض منه إبطال قول من يعبد غير الله، والإفادة بأنه تعالى يجازي كلّ إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب. ٩ - دلّ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ على أنه كما أن القرآن يهدي، فكذلك الرسول يهدي، أي يرشد.

стр. 7384

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الزخرف مكيّة، وهي تسع وثمانون آية. تسميتها: سميت (سورة الزخرف) لاشتمالها على وصف بعض مظاهر الحياة الدنيا ومتاعها الفاني وهو الزخرف، أي الذهب أو الزينة المزوقة ومقارنته بنعيم الآخرة الخالد في قوله تعالى: ﴿... وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ، وَزُخْرُفاً، وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [٣٤ - ٣٥]. مناسبتها لما قبلها: تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من آل حم من وجهين: الأول-تشابه مطلع هذه السورة مع مطلع وخاتمة السورة المتقدمة في وصف القرآن الكريم، وبيان مصدره: وهو الوحي الإلهي. الثاني-التشابه في إيراد الأدلة القاطعة على وجود الله ووحدانيته، ووصف أحوال الآخرة ومخاوفها وأهوال النار التي يتعرض لها الكفار، ومقارنته بنعيم الجنة وإعداده للمؤمنين المتقين. مشتملاتها: موضوع هذه السورة كسائر السور المكية يتعلق بغرس أصول العقيدة

стр. 7385

الإسلامية في النفوس، وهي: الإيمان بالله وحده لا شريك له، والرسالة والنبوة والوحي، والبعث والجزاء. بدأت السورة ببيان مصدر القرآن العظيم وهو الوحي الإلهي وتأكيد عربيته ومصداقيته، وجعله معجزة الإسلام والنبي ﷺ الخالدة إلى يوم القيامة، وكونه أداة إنذار قريش وقبائل العرب الذين أسرفوا في متع الدنيا، وكذبوا رسولهم كتكذيب من سبقهم من الأمم. ثم أبانت بنحو قاطع أدلة وجود الله وقدرته ووحدانيته من خلق السموات، والأرض وتذليلها وتمهيدها وإيجاد طرقها، وإنزال الغيث النافع عليها، وخلق أصناف (أزواج) الأشياء والفلك (السفن) والأنعام لأهلها، واعتراف المشركين صراحة بأن الخالق هو الله . ولكنهم لوثوا ذلك الاعتراف بالوثنية والخرافة، فعبدوا الأصنام والأوثان، وزعموا أن الملائكة بنات الله، ولم يجدوا مسوغا لتدينهم الفاسد إلا تقليد الآباء والأجداد، فصححت لهم آي القرآن انحرافهم، ونعت جهلهم وسفههم بتلك العبادة الباطلة، والزعم الذي لا دليل عليه، وحذرتهم من إنزال مثل العقاب الذي أهلك به الله أمثالهم من الأمم الغابرة. وأوردت قصص بعض الأنبياء من أولي العزم كإبراهيم الخليل وموسى وعيسى ﵈ ليعتبروا بها ويتعظوا بأحداثها ونتائجها. وأردفت قصة إبراهيم بتفنيد شبهة المشركين حول رسالة النبي ﷺ ، حيث اقترحوا إنزالها على أحد رجلين عظيمين من أهل الجاه والثراء في مكة والطائف، لا على يتيم فقير، فرد الله عليهم بأن ميزان الاصطفاء للنبوة هو مقومات أدبية خلقية إنسانية، لا مادية رخيصة، فالدنيا لا تساوي شيئا عند الله تعالى، وأنه خشية أن يكون الناس أمة واحدة على ملة الكفر، لمنحها بجميع زخارفها وأمتعتها الكفار، ومنعها المؤمنين.

стр. 7386

وحذرتهم عقب ذلك من الإعراض عن ذكر الله، ورغّبتهم في النعيم الأبدي في الآخرة، وامتنّت عليهم بأن القرآن شرف لنبي الله ﷺ ولهم على السواء: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [٤٤]. ثم ختمت السورة ببيان وصف نعيم الجنة الذي لا مثيل له، والمخصّص للمؤمنين بآيات الله المسلمين المنقادين لربهم، وإيضاح أهوال القيامة وشدائد الأشقياء أهل النار حيث يتقلّبون في عذاب جهنم، وإفلاسهم من شفاعة الأصنام والآلهة المزعومة، وإعلان اليأس من إيمان هؤلاء المشركين والإعراض عنهم، فسوف يعلمون ما يلقونه من العذاب. القرآن كلام الله بلغة العرب وعقاب المستهزئين بالأنبياء ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ الإعراب: ﴿جَعَلْناهُ قُرْآناً﴾ بمعنى صيرناه معدى إلى مفعولين، أو بمعنى خلقناه معدى إلى واحد، و ﴿قُرْآناً﴾ حال.

стр. 7387

﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾: خبران ل «إن» و ﴿فِي أُمِّ الْكِتابِ﴾ متعلق ب «علي» أو حال منه، و ﴿لَدَيْنا﴾ بدل من ﴿أُمِّ الْكِتابِ﴾ أو حال من ﴿الْكِتابِ﴾. ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ.﴾. ﴿صَفْحاً﴾: منصوب على المصدر، لأن معنى ﴿أَفَنَضْرِبُ﴾ أفنصفح. و ﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾ بالفتح بتقدير لأن كنتم، وقرئ بالكسر: «إن» على أنها شرطية. وفاء ﴿أَفَنَضْرِبُ﴾ للعطف على محذوف، أي أنهملكم فنضرب عنكم الذكر صفحا. ﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً﴾ ﴿أَشَدَّ﴾: مفعول به، أو حال، و ﴿بَطْشاً﴾: تمييز. البلاغة: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً..﴾. استفهام على سبيل الإنكار والتوبيخ، يعني أنا لا نترك هذا التذكير والإنذار بسبب كونكم مسرفين. المفردات اللغوية: ﴿حم﴾ هذه الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن وعلى خطورة الأحكام المبينة في السورة ﴿وَالْكِتابِ﴾ أي أقسم بالقرآن على أنه مجعول قرآنا عربيا ﴿الْمُبِينِ﴾ الموضح لطريق الهدى والشرائع والأحكام ﴿إِنّا جَعَلْناهُ﴾ أوجدنا القرآن- ﴿الْكِتابِ﴾ - ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ بلغة العرب ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تفهموا معانيه أيها العرب. ﴿وَإِنَّهُ﴾ مثبت، معطوف على ﴿إِنّا﴾ ﴿فِي أُمِّ الْكِتابِ﴾ اللوح المحفوظ، فإنه أصل الكتب السماوية ﴿لَدَيْنا﴾ عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾ رفيع الشأن لكونه معجزا من بينهما، مهيمنا على الكتب قبله ﴿حَكِيمٌ﴾ ذو حكمة بالغة، أو محكم لا ينسخه غيره. ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً﴾ أي أنهملكم ونترككم فنمسك عنكم القرآن إمساكا، فلا تؤمرون ولا تنهون لأجل ما. أو أننحي عنكم القرآن، وتنحيته عنهم إعراض، يقال: ضربت وأضربت عنه: تركته، و ﴿الذِّكْرَ﴾: القرآن، و ﴿صَفْحاً﴾: إعراضا. والمراد إنكار أن يكون الأمر على خلاف ما ذكر من إنزال الكتاب بلغتهم ليفهموه. ﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾ أي لأن كنتم ﴿قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ متجاوزين الحد في الإسراف، مشركين بالله، وهو في الحقيقة علة مقتضية لترك الإعراض عنهم، أي لا نترككم لكونكم مشركين ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي ما أتاهم نبي إلا استهزءوا به، وهذا تسلية للنبي ﷺ عن استهزاء قومه.

стр. 7388

﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً﴾ أشد من قومك قوة ﴿وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي سبق وسلف في آيات الله بيان قصتهم العجيبة وإهلاكهم، فكذلك يكون قومك مثلهم، والآية وعد للرسول، ووعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين. الغاية والهدف من الآيات: يريد الله تعالى أن يؤكد كون القرآن بلغة العرب، مما يقتضي إيمان العرب قاطبة به، فهم أقدر الناس على فهمه وإدراك معانيه، ويؤكد أيضا أن القرآن كلام الله ومن عنده، فهو محفوظ مصون في اللوح المحفوظ، وليس من عند محمد ﷺ كما تزعمون، وأن الإعراض عنه لا يكون سببا لترك تذكيرهم به، فضلا من الله ونعمة ورحمة، وليعتبروا بمصائر أمثالهم من الأمم التي أهلكها الله. التفسير والبيان: ﴿حم. وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ تقدم بيان المراد من ﴿حم﴾. ثم يقسم الله بالقرآن نفسه البيّن الواضح الجلي المعاني والألفاظ، المبين طريق الهدى وكل ما يحتاج إليه الناس في الدنيا والآخرة. ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي إنا أنزلنا هذا القرآن بلسان العرب أو اللغة العربية التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس، وقد جعلناه بلغة العرب فصيحا واضحا، لتفهموه أيها العرب، وتتدبروا معانيه، كما جاء في آية أخرى: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥/ ٢٦]. والآية جواب القسم، وهو من الأيمان الحسنة البديعة لتناسب القسم والمقسم عليه وكونهما من واد واحد. ولعل: للتمني والترجي وهو لا يليق بمن كان عالما بعواقب الأمور، فكان المراد هاهنا كما ذكر الرازي وغيره: أنزلناه قرآنا عربيا لكي تعقلوا معناه، وتحيطوا بفحواه. هذا في الأرض، وأما في السماء فقال تعالى:

стр. 7389

﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ أي وإن هذا القرآن في اللوح المحفوظ عندنا رفيع القدر، عالي الشأن في البلاغة والإرشاد وغير ذلك (١)، عظيم الشرف والمكانة، ذو حكمة بالغة، ومحكم النظم لا يوجد فيه لبس واختلاف ولا تناقض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الواقعة ٧٧/ ٥٦ - ٨٠] وقال سبحانه: ﴿كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١/ ٨٠ - ١٦] (٢). ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾؟ أي أنترككم دون إنذار، ونطوي عنكم القرآن طيا دون تذكير، ولا وعظ ولا أمر ولا نهي، لأنكم قوم منهمكون في الإسراف، مصرّون على الشرك؟ لا نفعل ذلك لطفا ورحمة منا بكم، فلا نترك دعوتكم إلى الخير وإلى الذكر الحكيم وهو القرآن، وإن كنتم مسرفين معرضين عنه، بل نأمر به ليهتدي المهتدون في قدر الله وعلمه، وتقوم الحجة على الأشقياء (٣). ثمّ سلّى الله رسوله عما يلقاه من صدود قومه، فقال: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿كَمْ﴾: هنا خبرية، أي ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم السابقة، فكذبوهم، كما قال تعالى: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي وما أتاهم من نبي ولا رسول إلا كانوا به يكذبون ويسخرون، كتكذيب قومك واستهزائهم بك.

стр. 7390

﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً، وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي فدمرنا وأهلكنا قوما أشد قوة من هؤلاء القوم المكذبين لك يا محمد، وقد سلف في القرآن ذكرهم أكثر من مرة وعرفت سنة الله فيهم، وإذا علمتم ما آل إليه أمرهم بسبب تكذيب الرسل، فاحذروا الوقوع في مثل مصائرهم. فالمثل: سنتهم أو عقوبتهم كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ، فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر ٨٢/ ٤٠]. أو المثل: عبرتهم، أي جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم، كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف ٥٦/ ٤٣] وقوله سبحانه: ﴿سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ﴾ [غافر ٨٥/ ٤٠]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى الأحكام والمبادئ التالية: ١ - القرآن الكريم أنزله الله بلسان العرب، لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه، وجميع ما في القرآن عربي مادة ومعنى، لفظا ونظما، فقد أقسم الله سبحانه بالقرآن أنه جعله عربيا، وأنه جعله مبيّنا، فهو المبيّن للذين أنزل إليهم، لأنّه بلغتهم ولسانهم، ولأنه الذي أبان طريق الهدى من طريق الضلالة، وأبان فيه أحكامه وفرائضه. ٢ - ليس إنزال القرآن باللغة العربية دليلا على أنه خاص بالعرب دون العجم، لأن نصوصه قاطعة الدلالة على عالمية الإسلام للناس كافة، كما هو معروف في مواضع متقدمة، لذا كان تفسير ابن زيد لقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: لعلكم تتفكرون هو الأولى، لأنه على هذا التأويل يكون خطابا عاما للعرب
следующие страницы →