← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

وحذرتهم عقب ذلك من الإعراض عن ذكر الله، ورغّبتهم في النعيم الأبدي في الآخرة، وامتنّت عليهم بأن القرآن شرف لنبي الله ﷺ ولهم على السواء: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [٤٤]. ثم ختمت السورة ببيان وصف نعيم الجنة الذي لا مثيل له، والمخصّص للمؤمنين بآيات الله المسلمين المنقادين لربهم، وإيضاح أهوال القيامة وشدائد الأشقياء أهل النار حيث يتقلّبون في عذاب جهنم، وإفلاسهم من شفاعة الأصنام والآلهة المزعومة، وإعلان اليأس من إيمان هؤلاء المشركين والإعراض عنهم، فسوف يعلمون ما يلقونه من العذاب. القرآن كلام الله بلغة العرب وعقاب المستهزئين بالأنبياء ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ الإعراب: ﴿جَعَلْناهُ قُرْآناً﴾ بمعنى صيرناه معدى إلى مفعولين، أو بمعنى خلقناه معدى إلى واحد، و ﴿قُرْآناً﴾ حال.

стр. 7387

﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾: خبران ل «إن» و ﴿فِي أُمِّ الْكِتابِ﴾ متعلق ب «علي» أو حال منه، و ﴿لَدَيْنا﴾ بدل من ﴿أُمِّ الْكِتابِ﴾ أو حال من ﴿الْكِتابِ﴾. ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ.﴾. ﴿صَفْحاً﴾: منصوب على المصدر، لأن معنى ﴿أَفَنَضْرِبُ﴾ أفنصفح. و ﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾ بالفتح بتقدير لأن كنتم، وقرئ بالكسر: «إن» على أنها شرطية. وفاء ﴿أَفَنَضْرِبُ﴾ للعطف على محذوف، أي أنهملكم فنضرب عنكم الذكر صفحا. ﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً﴾ ﴿أَشَدَّ﴾: مفعول به، أو حال، و ﴿بَطْشاً﴾: تمييز. البلاغة: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً..﴾. استفهام على سبيل الإنكار والتوبيخ، يعني أنا لا نترك هذا التذكير والإنذار بسبب كونكم مسرفين. المفردات اللغوية: ﴿حم﴾ هذه الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن وعلى خطورة الأحكام المبينة في السورة ﴿وَالْكِتابِ﴾ أي أقسم بالقرآن على أنه مجعول قرآنا عربيا ﴿الْمُبِينِ﴾ الموضح لطريق الهدى والشرائع والأحكام ﴿إِنّا جَعَلْناهُ﴾ أوجدنا القرآن- ﴿الْكِتابِ﴾ - ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ بلغة العرب ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تفهموا معانيه أيها العرب. ﴿وَإِنَّهُ﴾ مثبت، معطوف على ﴿إِنّا﴾ ﴿فِي أُمِّ الْكِتابِ﴾ اللوح المحفوظ، فإنه أصل الكتب السماوية ﴿لَدَيْنا﴾ عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾ رفيع الشأن لكونه معجزا من بينهما، مهيمنا على الكتب قبله ﴿حَكِيمٌ﴾ ذو حكمة بالغة، أو محكم لا ينسخه غيره. ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً﴾ أي أنهملكم ونترككم فنمسك عنكم القرآن إمساكا، فلا تؤمرون ولا تنهون لأجل ما. أو أننحي عنكم القرآن، وتنحيته عنهم إعراض، يقال: ضربت وأضربت عنه: تركته، و ﴿الذِّكْرَ﴾: القرآن، و ﴿صَفْحاً﴾: إعراضا. والمراد إنكار أن يكون الأمر على خلاف ما ذكر من إنزال الكتاب بلغتهم ليفهموه. ﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾ أي لأن كنتم ﴿قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ متجاوزين الحد في الإسراف، مشركين بالله، وهو في الحقيقة علة مقتضية لترك الإعراض عنهم، أي لا نترككم لكونكم مشركين ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي ما أتاهم نبي إلا استهزءوا به، وهذا تسلية للنبي ﷺ عن استهزاء قومه.

стр. 7388

﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً﴾ أشد من قومك قوة ﴿وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي سبق وسلف في آيات الله بيان قصتهم العجيبة وإهلاكهم، فكذلك يكون قومك مثلهم، والآية وعد للرسول، ووعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين. الغاية والهدف من الآيات: يريد الله تعالى أن يؤكد كون القرآن بلغة العرب، مما يقتضي إيمان العرب قاطبة به، فهم أقدر الناس على فهمه وإدراك معانيه، ويؤكد أيضا أن القرآن كلام الله ومن عنده، فهو محفوظ مصون في اللوح المحفوظ، وليس من عند محمد ﷺ كما تزعمون، وأن الإعراض عنه لا يكون سببا لترك تذكيرهم به، فضلا من الله ونعمة ورحمة، وليعتبروا بمصائر أمثالهم من الأمم التي أهلكها الله. التفسير والبيان: ﴿حم. وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ تقدم بيان المراد من ﴿حم﴾. ثم يقسم الله بالقرآن نفسه البيّن الواضح الجلي المعاني والألفاظ، المبين طريق الهدى وكل ما يحتاج إليه الناس في الدنيا والآخرة. ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي إنا أنزلنا هذا القرآن بلسان العرب أو اللغة العربية التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس، وقد جعلناه بلغة العرب فصيحا واضحا، لتفهموه أيها العرب، وتتدبروا معانيه، كما جاء في آية أخرى: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥/ ٢٦]. والآية جواب القسم، وهو من الأيمان الحسنة البديعة لتناسب القسم والمقسم عليه وكونهما من واد واحد. ولعل: للتمني والترجي وهو لا يليق بمن كان عالما بعواقب الأمور، فكان المراد هاهنا كما ذكر الرازي وغيره: أنزلناه قرآنا عربيا لكي تعقلوا معناه، وتحيطوا بفحواه. هذا في الأرض، وأما في السماء فقال تعالى:

стр. 7389

﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ أي وإن هذا القرآن في اللوح المحفوظ عندنا رفيع القدر، عالي الشأن في البلاغة والإرشاد وغير ذلك (١)، عظيم الشرف والمكانة، ذو حكمة بالغة، ومحكم النظم لا يوجد فيه لبس واختلاف ولا تناقض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الواقعة ٧٧/ ٥٦ - ٨٠] وقال سبحانه: ﴿كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١/ ٨٠ - ١٦] (٢). ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾؟ أي أنترككم دون إنذار، ونطوي عنكم القرآن طيا دون تذكير، ولا وعظ ولا أمر ولا نهي، لأنكم قوم منهمكون في الإسراف، مصرّون على الشرك؟ لا نفعل ذلك لطفا ورحمة منا بكم، فلا نترك دعوتكم إلى الخير وإلى الذكر الحكيم وهو القرآن، وإن كنتم مسرفين معرضين عنه، بل نأمر به ليهتدي المهتدون في قدر الله وعلمه، وتقوم الحجة على الأشقياء (٣). ثمّ سلّى الله رسوله عما يلقاه من صدود قومه، فقال: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿كَمْ﴾: هنا خبرية، أي ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم السابقة، فكذبوهم، كما قال تعالى: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي وما أتاهم من نبي ولا رسول إلا كانوا به يكذبون ويسخرون، كتكذيب قومك واستهزائهم بك.

стр. 7390

﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً، وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي فدمرنا وأهلكنا قوما أشد قوة من هؤلاء القوم المكذبين لك يا محمد، وقد سلف في القرآن ذكرهم أكثر من مرة وعرفت سنة الله فيهم، وإذا علمتم ما آل إليه أمرهم بسبب تكذيب الرسل، فاحذروا الوقوع في مثل مصائرهم. فالمثل: سنتهم أو عقوبتهم كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ، فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر ٨٢/ ٤٠]. أو المثل: عبرتهم، أي جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم، كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف ٥٦/ ٤٣] وقوله سبحانه: ﴿سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ﴾ [غافر ٨٥/ ٤٠]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى الأحكام والمبادئ التالية: ١ - القرآن الكريم أنزله الله بلسان العرب، لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه، وجميع ما في القرآن عربي مادة ومعنى، لفظا ونظما، فقد أقسم الله سبحانه بالقرآن أنه جعله عربيا، وأنه جعله مبيّنا، فهو المبيّن للذين أنزل إليهم، لأنّه بلغتهم ولسانهم، ولأنه الذي أبان طريق الهدى من طريق الضلالة، وأبان فيه أحكامه وفرائضه. ٢ - ليس إنزال القرآن باللغة العربية دليلا على أنه خاص بالعرب دون العجم، لأن نصوصه قاطعة الدلالة على عالمية الإسلام للناس كافة، كما هو معروف في مواضع متقدمة، لذا كان تفسير ابن زيد لقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: لعلكم تتفكرون هو الأولى، لأنه على هذا التأويل يكون خطابا عاما للعرب

стр. 7391

والعجم. أما على تفسير ابن عيسى: لعلكم تفهمون أحكامه ومعانيه، فيكون خاصا للعرب دون العجم (١). والظاهر إرادة كلا المعنيين ولا يلزم التخصيص بالعرب، لأن عموم الرسالة الإسلامية من المبادئ الكبرى المعروفة. وقوله تعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يدل-كما ذكر الرازي-على أن القرآن كله معلوم، وليس فيه شيء مبهم مجهول، خلافا لمن يقول: بعضه معلوم، وبعضه مجهول (٢). ٣ - وصف الله تعالى القرآن في السماء بأنه في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١/ ٨٥ - ٢٢]، ثم وصف اللوح المحفوظ بأربع صفات هي: الأولى-أنه ﴿أُمِّ الْكِتابِ﴾ وأصل كل شيء: أمه، أي أن القرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ. الثانية-وأنه لدى الله بقوله ﴿لَدَيْنا﴾. وإنما خصه الله بهذا التشريف لكونه الكتاب المشتمل على جميع ما يقع في ملك الله وملكوته. الثالثة-كونه عليا، أي كونه عاليا عن وجوه الفساد والبطلان. الرابعة-كونه حكيما، أي محكما في وجوه البلاغة والفصاحة، وذو حكمة بالغة. ويرى مفسرون آخرون أن هذه الصفات كلها صفات القرآن. وهذا على تفسير أم الكتاب باللوح المحفوظ، وفي تفسير آخر أنه الآيات المحكمات لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ، مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ﴾ [آل عمران ٧/ ٣]

стр. 7392

والمعنى: أن سورة حم واقعة في الآيات المحكمة التي هي الأصل والأم. ٤ - إن اختيار المشركين دين الشرك لا يمنع من تذكيرهم، ووعظهم، وأمرهم، ونهيهم، لطفا من الله ورحمة بهم، وقطعا لحجتهم بعدم البيان والتكليف. ٥ - إن عادة الأمم مع الأنبياء الذين يدعونهم إلى الدين الحق هو التكذيب والاستهزاء، فلا داعي أيها الرسول وأتباعه للتأذي من أقوام، بسبب إقدامهم على التكذيب والاستهزاء، لأن المصيبة إذا عمّت خفّت. ٦ - إن عدد الأنبياء في البشر كثير، فما أكثر ما أرسل الله من الأنبياء، ولكن الله تعالى أهلك أقوامهم الذين كذبوهم واستهزءوا بهم، بالرغم من أنهم كانوا أقوى من هؤلاء المشركين في أبدانهم وأتباعهم. ومضى مثلهم في الأمم الغابرة. والمثل: العقوبة أو السنّة أو الوصف والخبر، أي سلفت عقوبتهم، أو صفة الأولين بأنهم أهلكوا على كفرهم، أو مضت سنة الله فيهم. فإذا سلك كفار مكة وغيرهم في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم، فليحذروا أن ينزل بهم من الخزي مثل ما نزل بهم، فقد ضرب الله لهم مثلهم، كما قال: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ [الفرقان ٣٩/ ٢٥] ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ﴾ [إبراهيم ٤٥/ ١٤].

стр. 7393

من مصنوعات الله تعالى وصفاته ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اِسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ الإعراب: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ اللام: لام القسم و ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ حذف منه نون الرفع لتوالي النونات وواو الضمير لالتقاء الساكنين. ﴿ما تَرْكَبُونَ﴾ حذف العائد اختصارا، أي تركبونه، وإنما قال ﴿تَرْكَبُونَ﴾ مع أنه يقال: ركبوا الأنعام، وركبوا في الفلك، لأنه غلب المتعدي بغير واسطة، لقوّته على المتعدي بواسطة، فقيل: تركبونه. ﴿عَلى ظُهُورِهِ﴾ جمع الظهر مراعاة لمعنى ﴿ما﴾ وذكّر الضمير نظرا للفظ ﴿ما﴾. البلاغة: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً﴾ تشبيه بليغ، أي كالمهد وهو الفراش، حذفت منه الأداة ووجه الشبه. ﴿فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾ استعارة تبعية، شبّه الأرض قبل نزول المطر بالميت، ثم أنشرها الله، أي أحياها بالمطر. ﴿كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ سجع غير متكلف.

стр. 7394

المفردات اللغوية: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ هذا مقول المشركين، أي خلقهن ذو العزة والعلم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً﴾ استئناف من الله تعالى، المهد: الفراش، كالمهد للصبي، فتستقرون فيها ﴿سُبُلاً﴾: طرقا، جمع سبيل، أي طريق ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ لكي تهتدوا إلى مقاصدكم أو إلى حكمة الصانع بالنظر في ذلك. ﴿بِقَدَرٍ﴾ بمقدار أو تقدير ينفع ولا يضر، بحسب الحاجة، ولم يجعله طوفانا ﴿فَأَنْشَرْنا﴾ أحيينا ﴿بَلْدَةً مَيْتاً﴾ خالية من النبات، وتذكير كلمة «ميت» لأن البلدة بمعنى البلد والمكان ﴿كَذلِكَ﴾ مثل ذلك الإنشار (الإحياء) ﴿تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم أحياء. ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها﴾ أصناف المخلوقات ﴿الْفُلْكِ﴾ السفن ﴿وَالْأَنْعامِ﴾ الإبل والبقر والغنم ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ لتستقروا على ظهور ما تركبون ﴿سَخَّرَ﴾ ذلل ﴿مُقْرِنِينَ﴾ مطيقين، مأخوذ من أقرن الشيء: إذا أطاقه، وأصله: وجده قرينه ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ راجعون، فالنقلة العظمى هي الانقلاب إلى الله تعالى، لتجازى كل نفس بما كسبت. المناسبة: هذه الآيات تذكير للمشركين المسرفين في أعمالهم وإعراضهم عن القرآن بأنهم يقرون بوجود الخالق، وتذكير لهم أيضا بنعم الله ومصنوعاته وصفاته التي عدّد منها هنا ثماني صفات، ثم أردفها بتعليم عباده ذكر الله في قلوبهم وعلى ألسنتهم، فعنه ﷺ : أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فإذا استوى على الدابة قال: الحمد لله على كل حال ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا﴾ -إلى قوله- ﴿وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. التفسير والبيان: ذكر الله تعالى في هذه الآيات كما أشرت ثماني صفات له وهي: ١ - ٣: كونه خالقا للسموات والأرض، العزيز، العليم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ: خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ أي تالله لئن سألت

стр. 7395

أيها النبي هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره من قومك: من الذي خلق السموات والأرض؟ لأجابوا واعترفوا بأن الخالق لذلك هو الله وحده لا شريك له، وهو العزيز، أي الغالب القوي، إشارة إلى كمال القدرة، العليم، أي الواسع العلم، إشارة إلى كمال العلم. وكمال القدرة والعلم دليل على أن الموصوف به قادر على خلق جميع الممكنات. ومع هذا فهم يعبدون مع الله إلها آخر من الأصنام والأنداد. ٤ - الذي جعل الأرض ممهدة كالفراش: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً﴾ أي إنه تعالى الذي جعل لكم الأرض ممهدة كالفراش والبساط، صالحة للإقامة والاستقرار عليها، فمع أنها تدور وتتحرك، فهي ثابتة أرساها الله بالجبال، لئلا تميد وتضطرب. ٥ - وخلق فيها الطرق: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي وأوجد فيها الطرق والمسالك بين الجبال والأودية، لتهتدوا بسلوكها إلى مقاصدكم ومنافعكم، وتنتقلوا إلى أرجاء البلاد، للمتاجرة وطلب الرزق والسياحة وغير ذلك. ٦ - منزل الغيث النافع وباعث الناس: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ، فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً، كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي والله هو الذي أنزل المطر من السماء بقدر الحاجة وحسبما تقتضيه المصلحة للزروع والثمار والشرب، ولم ينزل عليكم منه فوق حاجتكم، لئلا يحدث الطوفان والغرق وهدم المنازل وتلف المزارع، ولا دون الحاجة، حتى لا يكفي النبات والزرع والناس. فأحيينا بذلك الماء البلاد الميتة المقفرة التي لا نبات فيها، فلما جاءها الماء، اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. وكما أحيينا الأرض بعد موتها نحيي الأجساد يوم المعاد بعد موتها، وتبعثون من قبوركم أحياء.

стр. 7396

ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ، فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ، فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، كَذلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر ٩/ ٣٥]. وظاهر الآية هنا يقتضي أن الماء ينزل من السماء، والواقع أنه ينزل من السحاب، وسمي نازلا من السماء، لأن كل ما سماك أو علاك فهو سماء. وقوله: ﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ كما يدل على قدرة الله وحكمته، فكذلك يدل على قدرته على البعث والقيامة، ووجه التشبيه أنه يجعلهم أحياء بعد الإماتة، كهذه الأرض التي أحييت بالنبات الأخضر والثمر اليانع بعد ما كانت ميتة. ٧ - كونه خالقا أصناف الأشياء: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها﴾ أي والله هو الذي خلق الأصناف كلها من نبات وزرع وشجر وثمر، وإنسان وحيوان وغير ذلك مما نعلمه وما لا نعلمه. ٨ - خالق وسيلة الركوب من الفلك والأنعام: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي والله الذي خلق لكم بالإلهام والتعليم وسيلة الركوب في البحر وهي السفن، وأوجد واسطة الركوب في البر من الأنعام وهي الإبل، إذ المعهود أنه لا يركب من الأنعام إلا هي، والله هو الذي ذلّلها لكم وسخّرها ويسّرها لركوب ظهورها، وكذا لأكل لحومها وشرب ألبانها والانتفاع بأوبارها، قال ﷺ فيما رواه أحمد والشيخان والنسائي عن أبي هريرة: «بينما رجل راكب بقرة إذ قالت له: لم أخلق لهذا، إنما خلقت للحرث، فقال النبي ﷺ : آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر» (١). ولا تقتصر وسائل الركوب على السفن والإبل، فهناك آية أخرى تشمل الدواب والسيارات والقطارات والطائرات ونحوها من وسائل المواصلات الحديثة، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً، وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨/ ١٦].

стр. 7397

﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ، وَتَقُولُوا:﴾ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي لتستقروا ولتستعلوا متمكنين مرتفقين على ظهور هذا الجنس من المخلوقات وهو ما تركبونه من الفلك والأنعام، ثم تذكروا مع التعظيم في قلوبكم وألسنتكم نعمة الله التي أنعم بها عليكم من تسخير المراكب في البحر والبر، فتعرفوا أن الله تعالى خلق وجه البحر صالحا للأبحار والرياح قوة دافعة، وعلّم الإنسان كيفية صنع السفينة على نحو يتمكن فيها من الأبحار عليها إلى أي مكان شاء وأراد. وتقولوا إذا استويتم وركبتم على المركوب. ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي تنزيها لله، عن كل عجز ونقص لا يليق، الذي ذلل لنا هذا المركب، وما كنا مطيقين لتسخيره لولا أن سخره الله لنا. ﴿وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أي وإنا لصائرون راجعون إليه بعد مماتنا، فيجازي كل نفس بما عملت من خير أو شر. ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله أن ركوب الفلك والأنعام عرضة لخطر الهلاك، فوجب على الراكب أن يتذكر أمر الموت وأن يعتقد أنه هالك لا محالة، وأنه راجع إلى الله تعالى. أخرج مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «إن النبي ﷺ كان إذا ركب راحلته، كبّر ثلاثا، ثم قال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ثم يقول: اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوّن علينا السفر، واطو لنا البعيد، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، وأخلفنا في أهلنا». وكان ﷺ إذا رجع إلى أهله قال: «آيبون تائبون إن شاء الله عابدون، لربنا حامدون».

стр. 7398

فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يلي: ١ - إذا سئل المشركون عمن خلق السموات والأرض لأجابوا بأن الخالق هو الله القوي الغالب الكامل العلم، فأقروا له بالخلق والإيجاد، ثم عبدوا معه غيره جهلا منهم. ٢ - الله تعالى كامل القدرة فهو سبحانه الذي مهد لنا الأرض وجعلها صالحة للعيش عليها بسلام واستقرار، وأوجد فيها المعايش والطرق لنسلكها إلى حيث أردنا، ولنهتدي بها في الأسفار، ونستدل بمقدوراته على قدرته. ٣ - الله تعالى لطيف بعباده رحيم بهم، فهو جل وعز ينزل المطر النافع بقدر الحاجة ومقتضى الحكمة، فلا يجعله طوفانا مغرقا، ولا قليلا قاصرا عن الحاجة، حتى يكون معاشا صالحا للأنفس والأنعام، فينبت به الزرع والشجر، ويخرج به الغلال والثمار. ومن قدر على إحياء الأرض بعد جدبها، قدر على بعث المخلوقات من القبور. ٤ - الله تعالى جميل يحب الجمال، فهو الذي نوّع الأشياء كلها، وأوجد فيها الأصناف المختلفة، وأبدع مباهج الحياة، وجعل فيها الحيوية والحركة بالانتقال في أرجاء الأرض بوسائط الركوب المتنوعة برا وبحرا وجوا. ٥ - قال القرطبي: علّمنا الله سبحانه ما نقول إذا ركبنا الدواب، وعرّفنا في آية أخرى على لسان نوح ﵇ ما نقول إذا ركبنا السفن، وهي قوله تعالى: ﴿وَقالَ: اِرْكَبُوا فِيها، بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها، إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ

стр. 7399

رَحِيمٌ﴾ [هود ٤١/ ١١] فكم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحّمت (١) أو طاح من ظهرها فهلك، وكم من راكبين في سفينة انكسرت بهم فغرقوا (٢) .. والخلاصة: هناك أذكار ثلاثة ما ينبغي لعبد أن يدع قولها، وليس بواجب ذكرها في اللسان، وهي دعاء السفر في البحر: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها، إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ودعاء السفر في البر: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا.﴾. ودعاء دخول المنازل: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (٣). عبادة المشركين الملائكة ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اِتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾

стр. 7400

الإعراب: ﴿مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً﴾ أي من رجال عباده، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿وَجْهُهُ﴾: إما اسم ﴿ظَلَّ﴾ أو بدل من ضمير مقدر فيها مرفوع، لأنه اسمها. و ﴿مُسْوَدًّا﴾: خبرها، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: جملة اسمية في موضع نصب على الحال. ﴿أَمِ اتَّخَذَ.﴾. ﴿أَمِ﴾: بمعنى بل والهمزة، وتقديره: بل أأتخذ مما يخلق بنات، ولا يجوز أن يكون بمعنى «بل» بغير همزة، لأنه يؤدي التقدير إلى الكفر، وهو: بل اتخذ بنات. ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ﴾ ﴿مَنْ﴾: إما في موضع نصب بتقدير فعل، أي أجعلتم من ينشأ، أو في موضع رفع، لأنه مبتدأ، وخبره محذوف أي كائن، وهو قول الفراء. البلاغة: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ تأكيد بإن واللام وصيغة المبالغة على وزن فعول وفعيل. ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ أسلوب تهكمي يراد به التوبيخ، والتقريع، وبين لفظ «البنات» و «البنين» طباق. المفردات اللغوية: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً﴾ أي جعل المشركون بعد ذلك الاعتراف بأن الله هو الخالق، من عباده ولدا، حيث قالوا: الملائكة بنات الله، باعتبار أن الولد جزء من أبيه، والملائكة من عباد الله تعالى ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ﴾ قائل ما تقدم ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ بالغ الكفر وظاهر الكفر.

стр. 7401

﴿أَمِ اتَّخَذَ﴾ بل أأتخذ، والهمزة، في ﴿أَمِ﴾ همزة الإنكار والتعجب، أو القول مقدر أي أتقولون: اتخذ ﴿وَأَصْفاكُمْ﴾ خصكم واختاركم، وهذا لازم من قولكم السابق ﴿ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً﴾ أي جعل له شبها بنسبة البنات إليه، لأن الولد يشبه الوالد ﴿ظَلَّ﴾ صار ﴿مُسْوَدًّا﴾ متغيرا لما يعتريه من الكآبة، وقرئ: مسود ومسواد، على أن في ﴿ظَلَّ﴾ ضمير المبشر، و ﴿وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾: جملة واقعة موقع الخبر ﴿كَظِيمٌ﴾ ممتلئ غما وغيظا. ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ﴾ أي أو يجعلون لله من يتربى في الزينة؟ والهمزة همزة الإنكار، وواو العطف يعطف جملة: يجعلون لله.. إلخ ﴿الْخِصامِ﴾ الجدل والنقاش ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ غير مظهر الحجة لضعفه عنها وعجزه عن الجدل بالأنوثة. وفيه دلالة على فساد ما قالوه. ﴿أَشَهِدُوا﴾ أحضروا خلق الله إياهم، فشاهدوهم إناثا؟ ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ بأنهم إناث ﴿وَيُسْئَلُونَ﴾ عنها في الآخرة، فيعاقبون على شهادة الزور، وهو وعيد ﴿وَقالُوا: لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ ما عبدنا الملائكة، فعبادتنا إياهم بمشيئته، فهو راض بها، أي إنهم استدلوا بنفي مشيئته عدم العبادة على امتناع النهي عنها أو على حسنها، وذلك باطل، لأن المشيئة ترجح بعض الممكنات على بعض، مأمورا كان أو منهيا، حسنا كان أو غيره، ولذلك حكم عليهم بالجهل بقوله تعالى: ﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي ليس لمقولهم من الرضا بعبادتهم أدنى علم بمراد الله ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ أي ما هم إلا يكذبون فيه ويحدسون، فيعاقبون عليه. ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي هل أعطيناهم كتابا من قبل القرآن ينطق بصحة ما قالوه، ويقرر عبادة غير الله؟ ﴿مُسْتَمْسِكُونَ﴾ متمسكون بذلك الكتاب، والمعنى: لم يقع ذلك. ﴿مُتْرَفُوها﴾ منعموها وأهل الترف فيها ﴿عَلى أُمَّةٍ﴾ ملة أو طريقة ومذهب ﴿مُقْتَدُونَ﴾ متبعون، قال البيضاوي: هذه الآية تسلية لرسول الله ﷺ ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك ضلال قديم ﴿قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى.﴾.؟ أي قال لهم النذير نبيهم: أتتبعون ذلك ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم؟ وهذا حكاية أمر ماض أوحي إلى النذير ﴿قالُوا: إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أي قال الأقوام للنذير: إنا كافرون بما أرسلت به أنت ومن قبلك. ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ قال الله: فانتقمنا من المكذبين للرسل قبلك ﴿عاقِبَةُ﴾ مصير ونهاية، فلا تكترث بتكذيبهم. بسبب النزول: نزول الآية (١٩): ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ.﴾.: أخرج ابن المنذر عن قتادة قال: قال ناس من

стр. 7402

المنافقين: إن الله صاهر الجن، فخرجت من بينهم الملائكة، فنزل فيهم: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً.﴾ .. نزول الآية (٢٢): ﴿بَلْ قالُوا: إِنّا وَجَدْنا آباءَنا..﴾. حكى مقاتل أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأبي سفيان وأبي جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة من قريش، أي وكما قال هؤلاء فقد قال من قبلهم أيضا، يعزّي نبيه ﷺ . المناسبة: بعد بيان اعتراف المشركين بأن الله خالق السموات والأرض، ذكر الله تعالى ما يناقض ذلك وهو ادعاؤهم أن الملائكة بنات الله، فلم يقتصروا أن جعلوا لله ولدا، وإنما جعلوه من الإناث ومن الملائكة، فرد تعالى عليهم بأجوبة ثلاثة: نفرتهم من الإناث، وضعف الإناث، وجهلهم بحقيقة الملائكة. ثم ذكر تعالى شبهة أخرى للمشركين: وهي أن عبادة الملائكة بمشيئة الله، ورد عليهم بأن المشيئة ترجيح بعض الأشياء على بعض، ولا دلالة فيها على الرضا والغضب أو الحسن والقبح، فهم جهلة كاذبون، وليس لهم دليل نقلي صحيح يعتمدون عليه إلا محض التقليد للآباء والأجداد، دون برهان معقول، وشأنهم في الكفر شأن من سبقهم من الأمم التي كذبت الرسل. فانتقم الله منهم وأهلكهم. التفسير والبيان: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً، إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أي إن المشركين بالرغم من اعترافهم بألوهية الله وكونه خالق السموات والأرض، أثبتوا له ولدا، إذ قالوا: الملائكة بنات الله، باعتبار أن الولد جزء من أبيه، قال ﷺ فيما رواه أحمد والحاكم عن المسور: «فاطمة بضعة مني» إن الإنسان جحود نعم ربه جحودا

стр. 7403

بيّنا، يقابل وضوح النعمة، فيكون الجحود من أبين الكذب. والآية متصلة بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ.﴾ .. وهذا من جهلهم بالله وصفاته، واستخفافهم بالملائكة حيث نسبوا إليهم الأنوثة، ونسبوهم إلى الله نسبة تقتضي نسبة الأضعف من نوعي الإنسان، فالله ليس كمثله شيء، فلا يشبهه أحد من خلقه، ونسبة الولد له تقتضي جعله مشابها للحوادث، فلا يصلح إلها، ولأن هذا الادعاء للجزء يجعل الله مركبا من أجزاء فهو حادث. ثم أنكر تعالى عليهم أشد الإنكار، فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾؟ أي وإذا نسبتم الولد إلى الله،: لزم منه أن الله اتخذ ولدا له من أضعف الجنسين، واختار لكم الأفضل، وهذا يعني أنه جعل لنفسه المفضول من الصنفين، ولكن الفاضل منهما، فكيف يصح هذا مع أنه تعالى هو الخالق؟ وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى، تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم ٢١/ ٥٣ - ٢٢] أي جائرة. ومعنى قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ..﴾. بل أأتخذ؟ الهمزة للإنكار تجهيلا لهم وتعجيبا من شأنهم حيث جعلوا ذلك الجزء أضعف الجزأين، وهو الإناث دون الذكور. ثم ذكر الله تعالى تتمة الإنكار والتوبيخ والتعجيب، فقال: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي وإذا بشر أحد هؤلاء المشركين بما جعل لله مشابها، وهو الأنثى، أنف من ذلك واغتم، وعلته الكآبة من سوء ما بشّر به، فصار وجهه متغيرا، وأضحى ممتلئا غيظا، شديد الحزن، كثير الكرب، فكيف تأنفون أنتم من البنت، وتنسبونها إلى الله ؟!.

стр. 7404

وللآية شبيه تام هي قوله تعالى: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى، ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ..﴾. الآية [النحل ٥٨/ ١٦ - ٥٩]. ثم أكد الله تعالى الإنكار، فقال: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ، وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أي أو يجعل للرحمن من الولد من صفته أنه يتربى في الزينة والنعمة، وإذا احتاج إلى مخاصمة غيره لا يقدر على الجدال وإقامة الحجة؟ فلا بيان عنده، ولا يأتي ببرهان يدفع ما يجادل به خصمه، لنقصان عقله وضعف رأيه. والآية دليل على رقة المرأة وغلبة عاطفتها عليها، وميلها إلى التزين والنعومة، وعلى أن التحلي بالذهب والحرير مباح للنساء، وأنه حرام على الرجال، لأنه تعالى جعل ذلك عنوانا على الضعف والنقصان، وإنما زينة الرجل: الصبر على طاعة الله، والتزين بزينة التقوى، كما قال الرازي. ومن مفتريات المشركين عدا ما ذكر من نسبة الإناث إلى الله: زعمهم أن الملائكة إناث، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً﴾ أي حكموا بأن الملائكة إناث، وهذا مترتب على قولهم السابق: الملائكة بنات الله. فأنكر الله عليهم ورد مقالهم بقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾؟ ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ، وَيُسْئَلُونَ﴾ أي هل حضروا وشاهدوا خلق الله إياهم حتى يشهدوا بأنهم إناث، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً، وَهُمْ شاهِدُونَ﴾؟ [الصافات ١٥٠/ ٣٧] ستكتب شهادتهم بذلك في ديوان أعمالهم، لنجازيهم على ذلك، ويسألون عنها يوم القيامة، فهي شهادة

стр. 7405

زور. وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد بالعذاب، ودليل على أن الادعاء من غير برهان وإثبات جريمة. واستدلّ بهذه الآية: ﴿هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ﴾ من قال بتفضيل الملائكة على البشر. ثم أورد الله تعالى شبهة أخرى للمشركين، ولونا آخر من ألوان افتراءاتهم، فقال: ﴿وَقالُوا: لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ أي قال الكفار: لو أراد الله ما عبدنا هذه الملائكة، فإنه قادر على أن يحول بيننا وبين عبادة هذه الأصنام التي هي على صور الملائكة التي هي بنات الله، ويريدون بذلك القول أن الله راض عن عبادتهم للأصنام. وهو احتجاج بالقدر، وكلمة حق يراد بها باطل، لأن المشيئة لا تستلزم الأمر، إذ هي ترجيح بعض الممكنات على بعض بحسب علمه، والله يأمر بالخير والإيمان، ونحن لا نعلم مشيئته أو إرادته إلا بعد وقوع الفعل منا. وقد جمعوا في هذا القول بين أنواع كثيرة من الخطأ والكفر كما ذكر ابن كثير: ١ - جعلهم لله تعالى ولدا، تقدّس وتنزّه عن ذلك. ٢ - دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين، إذ زعموا أن الملائكة بنات الله تعالى. ٣ - عبادتهم لهم بلا دليل ولا برهان ولا إذن من الله ، بل بمجرد الأهواء وتقليد الأسلاف، وتخبّط الجاهلية. ٤ - احتجاجهم بتقدير الله ذلك، وتقديرهم على طريقتهم قدرا، وهذا جهل شديد، فإن الله منذ أن بعث الرّسل وأنزل الكتب يأمر بعبادته وحده

стр. 7406

لا شريك له، وينهى عن عبادة سواه (١)، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ، فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النّحل ٣٦/ ١٦]، وقال : ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزّخرف ٤٥/ ٤٣]. ونحو الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا: لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا﴾. [الأنعام ١٤٨/ ٦]، ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس ٤٧/ ٣٦]. فردّ الله تعالى عليهم بقوله: ﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ، إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ أي ليس لهم أي علم أو دليل بصحة ما قالوه واحتجّوا به، وما هم إلاّ يكذبون فيما قالوا، ويتقولون، فإن الله يأمر بالحق والإيمان والخير، ولا يرضى لعباده الكفر والفحشاء. والآية دليل على جهلهم الفاضح، وكذبهم وافترائهم الباطل. ثم أبطل الله تعالى قولهم بالدليل النقلي قائلا: ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي أأعطيناهم كتابا من قبل هذا القرآن ينطق بما يدّعون، مكتوبا فيه: اعبدوا غير الله؟ فهم يتمسكون بذلك الكتاب، ويحتجون به، أي ليس الأمر كذلك، كقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم ٣٥/ ٣٠] أي لم يكن ذلك أصلا. ثم ذكر الله تعالى: أنه لا حجّة لهم إلا التّقليد، فقال: ﴿بَلْ قالُوا: إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ، وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ بل إنهم

стр. 7407

قالوا: لقد وجدنا آباءنا على طريقة ساروا عليها في عبادتهم الأصنام، وإنا سائرون على منهجهم مهتدون بهديهم. وهذا اعتراف صريح منهم بأنه ليس لهم مستند ولا حجّة عقلية ولا نقلية على الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد واتّباعهم في الضّلالة. وقولهم: ﴿وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ﴾ -أي وراءهم- ﴿مُهْتَدُونَ﴾ مجرد دعوى منهم بلا دليل. ثم أبان الله تعالى تشابه الأمم في الكفر والتّقليد والمقالة، فقال: ﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها: إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ، وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ أي إن مقال هؤلاء قد سبقهم إليه أشباههم من الأمم السالفة المكذّبة للرّسل، فمثل تلك المقالة قال المترفون المنعّمون-وهم الرؤساء والزّعماء والجبابرة-من كل أمّة لرسولهم المرسل إليهم للإنذار من عذاب الله: إنّا وجدنا آباءنا على ملّة ودين، وإنّا على طريقتهم سائرون متبعون. وخصص المترفين تنبيها على أن التّنعم هو سبب المعارضة وإهمال النّظر وترك التفكّر في مضمون الرّسالة الإلهية. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا: ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، أَتَواصَوْا بِهِ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذّاريات ٥٢/ ٥١ - ٥٣]. وإنما قال أولا: ﴿مُهْتَدُونَ﴾ لادعاء الهداية كآبائهم، ثم قال ثانيا: ﴿مُقْتَدُونَ﴾ حكاية عن قوم تابعوا آباءهم في فعلهم، دون ادّعاء الهداية، والمعنى تقريبا واحدا. وهذا تسلية لرسول الله ﷺ ، وتنبيه على أنّ التّقليد في الاعتقاد والعبادة ضلال قديم.

стр. 7408

ثم ذكر تعالى جواب الرّسل لأقوامهم عن التّقليد، قائلا: ﴿قالَ: أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ أي قال لهم رسولهم: أتتبعون آباءكم، ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم؟! فأجابوه معلنين كفرهم صراحة، في قوله تعالى: ﴿قالُوا: إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أي قالوا: لا نعمل برسالتك، ولا سمع لك ولا طاعة، وإنا كافرون جاحدون بما أرسلتم به، ومستمرون ثابتون على دين الآباء والأسلاف. والمراد أنهم لو علموا وتيقّنوا صحة ما جئتهم به أيها الرّسول، لما انقادوا لذلك، لسوء قصدهم، ومكابرتهم للحقّ وأهله. وقوله: ﴿بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ يعني بكل ما أرسل به الرّسل، فالخطاب للنّبي ﷺ ، ولفظه لفظ الجمع، لأن تكذيبه تكذيب لمن سواه. وما بعد الإصرار على الكسر إلا النّقمة والإهلاك، فقال تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي فانتقمنا من الأمم المكذّبة للرّسل بأنواع من العذاب، كعذاب قوم نوح وعاد وثمود، فانظر أيها المخاطب كيف كان مصير أمر المكذبين من تلك الأمم كيف بادوا وهلكوا، وإن آثارهم موجودة، وعبرة للنّاظر المعتبر. وهذا وعيد وتهديد لأهل مكة، وسلوة للرّسول، وإرشاد له إلى عدم الاكتراث بشأن قومه من رسالته. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات الكريمات إلى ما يأتي: ١ - للمشركين افتراءات كثيرة، منها هنا: نسبة البنات إلى الله تعالى، فقالوا: الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزءا له وبعضا، كما يكون الولد بضعة من والده وجزء له. وقد عجّب الله المؤمنين من جهلهم، إذ أقرّوا بأن خالق السموات

стр. 7409

والأرض هو الله، ثم جعلوا له شريكا أو ولدا، ولم يعلموا أن من قدر على خلق السموات والأرض لا يحتاج إلى شيء يعتضد به أو يستأنس به، لأن هذا من صفات النّقص، كما أبان القرطبي. ومن افتراءاتهم المذكورة في سورة أخرى: جعلهم بعض الأنعام لطواغيتهم (الأوثان) وبعضها لله تعالى، كما حكى تعالى عنهم قائلا: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً، فَقالُوا: هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ، وَهذا لِشُرَكائِنا، فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ، فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ، وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام ١٣٦/ ٦]. ٢ - ومن افتراءاتهم أنهم جعلوا له من الأولاد الأقل والأضعف وهو البنات. ٣ - وبّخهم الله تعالى على افتراءهم ذاكرا أنه كيف يتّخذ البنات-كما زعموا أن الملائكة بنات الله-واختصّهم وأخلصهم بالبنين؟! ٤ - لم يعقل المشركون ما افتروه على الله في نسبتهم البنات له، فإنهم لا يرضونه لأنفسهم، فإنه إذا بشّر الواحد منهم بولادة بنت له، اسودّ وجهه غمّا وكدرا، وأنف من نسبة البنت له، وأضحى حزينا مكروبا، فكيف ينسب إلى الله ما هو نافر منه؟! ومن أجاز أن تكون الملائكة بنات الله، فقد جعل الملائكة شبها لله، لأن الولد من جنس الوالد وشبهه، ومن اسودّ وجهه مما ينسب إليه مما لا يرضى، أولى من أن يسودّ وجهه بنسبة ذلك إلى من هو أجلّ منه، فكيف إلى الله ؟! ٥ - وكيف يصح أن يجعل الله له من لا همّ له إلا الحلي والزّينة، وإذا خوصم لا يقدر على الدّفاع عن نفسه؟

стр. 7410

وفي هذه الآية دلالة-كما تقدّم-على إباحة الحلي للنّساء، وتحريمه على الرجال، وهو حكم مجمع عليه ثابت بأخبار كثيرة. ٦ - أوضح الله تعالى كذب المشركين وجهلهم في نسبة الأولاد إلى الله سبحانه، ثم في تحكمهم بأن الملائكة إناث، وهم بنات الله، وحكمهم من غير دليل بأنهم إناث، فكيف تجرؤوا حتى حكموا بأنهم إناث، ولم يحضروا حالة خلقهم؟! إن شهادتهم الباطلة هذه مكتوبة عليهم في ديوان أعمالهم، ويسألون عنها في الآخرة. ٧ - ومن شبه المشركين المفتراة احتجاجهم بالقدر الإلهي، فقالوا على سبيل الاستهزاء والسخرية: لو شاء الرّحمن على زعمكم أيها المؤمنون ما عبدنا هذه الملائكة، والله أمرنا بهذا أو رضي لنا ذلك، ولهذا لم يعاجلنا بالعقوبة. وهذه كلمة حقّ أريد بها باطل، فإن كل شيء بإرادة الله، وعلمه نافذ لا محالة، لكن الإرادة أو المشيئة لا تقتضي الأمر والرّضا وليس الأمر والإرادة متطابقين، ولا نعلم مراد الله، فكان علينا العمل بأمره ونهيه، وليس لقولهم: الملائكة بنات الله أي دليل علمي، وما هم إلاّ يحدسون ويكذبون، فلا عذر لهم في عبادة غير الله . وقوله: ﴿هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ﴾ يفيد حصر العبودية في الملائكة، وذلك يدلّ على الفضل والشّرف، مما يوجب كونهم أفضل من غيرهم. ٨ - كذلك ليس لهم دليل نقلي على زعمهم، ولا كتاب لديهم بما ادّعوه قبل هذا القرآن. ٩ - لا دليل للمشركين على شركهم إلا التّقليد الأعمى لآبائهم وأسلافهم، وهم لما عجزوا عن الدّليل لم يجدوا بدّا من الاعتماد على تقليد الآباء، قائلين بأنهم وحدوهم على تلك الملّة أو الطّريقة والمذهب، فقلّدوهم واهتدوا بهديهم.

стр. 7411

وهذا دليل على إبطال التّقليد في العقائد والأصول، لأن الله ذمّهم على تقليد آبائهم، وتركهم النّظر فيما دعاهم إليه الرّسول ﷺ . ١٠ - إن مقالتهم تلك تشبه مقالة من سبقهم من الأمم المكذبة لرسلها، فإنّ أهل التّرف والرؤساء فيهم اقتدوا بالآباء والأجداد دون دليل. ١١ - إنهم مصرّون على الشرك والتّقليد الأعمى، حتى ولو جاءهم رسول الله من عند الله بأهدى وأرشد من ذلك الدّين الباطل. ١٢ - إن المنتظر أمام هذا الإصرار على الكفر ما ذكره تعالى وهو الانتقام الشديد من الكافرين، وتدميرهم وإهلاكهم، وآثارهم ظاهرة للعيان، عبرة للمعتبر، فيا أهل مكة وأمثالكم انظروا في مصيركم المرتقب. الرّد على تقليد الآباء، واختيار الأنبياء وبيان حال الدنيا ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾

стр. 7412

الإعراب: ﴿مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ أي من إحدى القريتين، فحذف المضاف، وأراد ب ﴿الْقَرْيَتَيْنِ﴾: مكة والطائف. ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً﴾ ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾: بدل من ﴿لِمَنْ﴾ بإعادة الجار، بدل الاشتمال، وقرئ «سقفا» و «سقفا» فسقف: جمع سقف، نحو رهن ورهن. وسقف: واحد ناب مناب الجمع. ﴿وَزُخْرُفاً﴾ إما منصوب بفعل مقدر، أي وجعلنا لهم زخرفا، أو معطوف على موضع قوله تعالى: ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾. ﴿وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ﴾ ﴿إِنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها: إما ﴿كُلُّ﴾ إلا أنه لما خففت نقصت عن شبه الفعل، فلم تعمل وارتفع ما بعدها بالابتداء على الأصل، وإما بتقدير الهاء أي إنه كل ذلك، فحذف اسمها وهو الهاء وخففت، فارتفع ﴿كُلُّ﴾ بالابتداء، وجملة ﴿كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ.﴾. من المبتدأ والخبر في موضع رفع خبر ﴿إِنْ﴾. وهذا التقدير ضعيف لتأخير اللام في الخبر. و ﴿لَمّا﴾ بمعنى إلا، ويصح أن تكون ﴿إِنْ﴾ نافية بمعنى ما. ويقرأ «لما» بالتخفيف، فتكون ما: زائدة أو موصولة وصدر الصلة محذوف. البلاغة: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ﴿كَلِمَةً﴾: مجاز مرسل، والمراد بال ﴿كَلِمَةً﴾: الجملة التي قالها، وهي: ﴿إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ من قبيل إطلاق الجزء وإرادة الكل. المفردات اللغوية: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ﴾ واذكر يا محمد وقت قول إبراهيم هذا، ليروا كيف تبرّأ من التقليد، وتمسّك بالدّليل. ﴿لِأَبِيهِ﴾ آزر. ﴿بَراءٌ﴾ بريء من عبادتكم أو معبوديكم، وهو مصدر نعت به، فيستوي فيه الواحد والمتعدد والمذكر والمؤنث، وقرئ «بريء» و «برآء» ككريم وكرماء. ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ خلقني، وهو استثناء منقطع، أي لكن الذي فطرني، أو متّصل على أن

стр. 7413

«ما» تعمّ ما كانوا يعبدون وهو الله والأوثان، كأنه قال: إنني براء مما تعبدون إلا من الذي فطرني. ﴿سَيَهْدِينِ﴾ يرشدني إليه، وهو مقرر لما قال مرة أخرى: ﴿يَهْدِيَنِ﴾ كأنه قال: فهو يهدين وسيهدين، فيدلان على استمرار الهداية في الحال والاستقبال. ﴿وَجَعَلَها﴾ أي وجعل إبراهيم ﵇ كلمة التوحيد وهي قوله: ﴿إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ﴿كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ في ذريته، فلا يزال فيهم من يوحّد الله ويدعو إلى توحيده. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يرجع من أشرك منهم بدعاء من وحّد، فيرجع عما كان عليه إلى دين إبراهيم أبي الأنبياء والمسلمين، وهو يشمل أهل مكة وغيرهم. ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ﴾ أي هؤلاء المعاصرين للرسول من قريش وآباءهم، فاغتروا بذلك وانهمكوا في الشهوات، ولم أعاجلهم بالعقوبة. وقرئ «متعت» بالفتح على أنه تعالى اعترض به على ذاته: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ مبالغة في تعبيرهم ﴿حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ القرآن ودعوة التوحيد. ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الرسالة بماله من المعجزات، أو مبين للتوحيد بالحجج والآيات المتضمنة الأحكام الشرعية، وهو محمد ﷺ . ﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ القرآن. ﴿لَوْلا﴾ هلا. ﴿مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ من إحدى القريتين: مكة والطائف. والرجلان هما: الوليد بن المغيرة من مكة، وكان يسمى ريحانة قريش، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف. ﴿عَظِيمٍ﴾ زعيم ذي جاه ومال، فإن الرّسالة منصب خطير لا يليق إلا بعظيم، ولم يعلموا أن معيار اختيار الأنبياء هو التّحلي بالفضائل والكمالات الأدبية، لا بالاعتبارات الدنيوية. ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكّمهم، والرّحمة: النّبوة. ﴿قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ جعلنا معيشتهم مقسومة فيما بينهم، فبعضهم غني، وبعضهم فقير، ويتفاوتون في مرتبتي الغنى والفقر. ﴿وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ جعلنا بينهم تفاوتا في الرّزق وغيره. ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ﴾ وهو الغني. ﴿بَعْضاً﴾ وهو الفقير. ﴿سُخْرِيًّا﴾ مسخرا في العمل بالأجرة، أي يستعمل بعضهم بعضا في حوائجهم، والياء: للنسب، وقرئ بكسر السين «سخريا». ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ أي النّبوة وما يتبعها، أو الجنّة. ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ من حطام الدنيا. ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي خشية أن يكون جميع الناس على ملّة واحدة وهي الكفر. ﴿سُقُفاً﴾ جمع سقف، وقرئ: «سقفا». ﴿وَمَعارِجَ﴾ ومصاعد جمع معرج كمنبر، وقرئ: «معاريج» جمع معراج. ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ يصعدون ويعلون إلى السطوح. ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً﴾ من فضة. ﴿وَسُرُراً﴾ من فضة، جمع سرير. ﴿يَتَّكِؤُنَ﴾ يستندون. ﴿وَزُخْرُفاً﴾ ذهبا أو زينة مزوقة، والمراد به الزينة كما قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ

стр. 7414

زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس ٢٤/ ١٠]، ومعنى الآية: لولا خوف الكفر على المؤمنين من إعطاء الكافر ما ذكر، لأعطيناه ذلك لاحتقار الدنيا عندنا. ﴿لَمّا﴾ بمعنى إلاّ (١)، وإن نافية، وعلى قراءة التخفيف «لما» تكون ما زائدة. ﴿مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ما يتمتع به فيها ثم يزول. ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي نعيم الآخرة وهو الجنة عند الله-عندية مكانة وتشريف لا عندية مكان-لمن اتّقى الكفر والمعاصي. سبب النّزول: نزول الآيتين (٣١ - ٣٢). تقدّم في سورة يونس في الآية (٢) سبب نزول الآية ﴿لَوْلا نُزِّلَ.﴾. وفيه: أخرج ابن جرير عن ابن عباس «أن العرب قالوا: وإذا كان النّبي بشرا فغير محمد كان أحق بالرّسالة: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ يكون أشرف من محمد، يعنون الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، فأنزل الله ردّا عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾». وروى ابن المنذر عن قتادة «أن الوليد بن المغيرة-وكان يسمى ريحانة قريش-كان يقول: لو كان ما يقوله محمد حقّا لنزل عليّ أو على أبي مسعود، فقال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ يعني النّبوة. فيضعونها حيث شاؤوا». المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى فساد اعتماد المشركين على التّقليد في العقائد والأصول، بيّن فساده بأسلوب المشركين أنفسهم، وهو أن إبراهيم الخليل ﵇

стр. 7415

أبو العرب وأشرف آبائهم تبرأ من دين آبائه بالدّليل، وحكم بأن اتّباع الدّليل أولى من متابعة الآباء، فوجب تقليده في ترك تقليد الآباء وفي ترجيح الدّليل على التّقليد. ثم أبان الله تعالى مفاسد اعتماد قريش على التّقليد وترك التّفكر في الحجة والدّليل، وهي: أولا-اغترارهم بالمهلة والمدّ في العمر والنّعمة، واشتغالهم بالتّنعم واتّباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد، وثانيا-تكذيبهم رسول الله ﷺ ووصفهم له بأنه ساحر كذاب، وثالثا-قولهم بأن الرّجل الشريف وهو كثير المال ورفيع الجاه هو الأحقّ بالنّبوة من محمد الفقير اليتيم. فردّ تعالى عليهم بأنه هو الذي قسم الأرزاق والحظوظ بين عباده، وأن التّفاوت في شؤون الدنيا هو الأصلح لنظام المجتمع، وأن ميزان الاصطفاء للنّبوة إنما يعتمد على القيم الأدبية والروحية والأخلاقية، وألا قيمة للدنيا وأمتعتها وزخارفها وثرواتها، ولولا خوف انتشار الكفر وشموله بين العالم، لجعل الله للكفار ثروات طائلة، وبيوتا ذات سقف وأبواب وسرر ومصاعد من فضة، وزينة في كل شيء، وإنما نعيم الآخرة للمتّقين الذين يتّقون الكفر والمعاصي. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن إبراهيم الخليل إمام الحنفاء وأبي الأنبياء وأشرف آباء العرب ﵇ بأنه تبرأ من دين الآباء بالحجة والدليل، فقال: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ، إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي، فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ أي واذكر أيها الرّسول لقومك قريش المعتمدين على تقليد الآباء والأجداد في عبادة الأصنام: حين تبرأ إبراهيم ﵇ مما يعبد أبوه آزر، وقومه من الأصنام، إلا من عبادة خالقه وخالق الناس جميعا، والذي قال بأنه سيرشدني لدينه، كما أرشدني في الماضي، ويثبتني على الحق. وقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِي

стр. 7416

فَطَرَنِي﴾ إما استثناء متّصل، لأنهم عبدوا الله مع آلهتهم، وإما منقطع، أي لكن الذي فطرني فهو يهديني، قال ذلك ثقة بالله، وتنبيها لقومه أن الهداية من ربّه. ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي وجعل إبراهيم ﵇ كلمة التوحيد وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، جعلها دائمة في ذريته، يقتدي به فيها من هداه الله تعالى منهم، فلا يزال فيهم-ولله الحمد-من يوحّد الله سبحانه، رجاء أن يرجع إليها من أشرك منهم كأهل مكة، فإنهم إذا ذكروه، تبعوه في ملّته الحنيفية، وتأثّروا بأبوته إن كانوا يدعون تقليد الآباء. قال قتادة: «لا يزال من عقبه من يعبد الله إلى يوم القيامة». ثمّ ندّد الله تعالى بموقف أهل مكة ووبّخهم على اغترارهم بالنّعمة وطول العمر واستمرار السّلطة والنّفوذ، فقال: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أي بل متّعت هؤلاء المشركين من أهل مكة وآبائهم من ذريّة إبراهيم بطول العمر والسّعة في الرّزق، وأنعمت عليهم في كفرهم، فاغتروا بالمهلة، وأكبّوا على الشّهوات وطاعة الشّيطان، وشغلوا بالتّنعم عن كلمة التّوحيد، إلى أن جاءهم الحق وهو القرآن العظيم، والرّسول المبين الذي أوضح مبدأ التّوحيد بالبراهين الساطعة، وشرع الله وأحكامه القاطعة، وهو محمد ﷺ . وزاد في توبيخهم بإعراضهم عن رسالة الحقّ -رسالة محمد ﷺ -فقال: ﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ، قالُوا: هذا سِحْرٌ، وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أي حينما جاءهم القرآن والرّسول المؤيّد بالمعجزات دليلا على صدقه، وصفوا ما جاء به بأنه سحر وأباطيل، وليس بوحي من عند الله، وقالوا: إنّا بما أرسل به جاحدون مكابرة

стр. 7417

وعنادا وحسدا وبغيا، فضمّوا إلى شركهم وضلالهم تكذيب الحق ورفضه، والاستهزاء به، والتّصريح بالكفر برسالته وإنكار نبوته. ثم ذكر الله تعالى نوعا آخر من الكفر وهو النّوع الرّابع من كفرياتهم المذكورة في هذه السورة (١)، فقال: ﴿وَقالُوا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ أي وقال كفار قريش وأمثالهم: هلا أنزل القرآن على أحد رجلين عظيمين من مكة أو الطائف، وهما الوليد بن المغيرة ومسعود بن عروة الثقفي، فكل منهما عظيم المال والجاه، وسيد في قومه. المعنى: أنه لو كان قرآنا لنزل على رجل عظيم من عظماء القريتين. وهذا اعتراض منهم على الله الذي أنزل القرآن على رسوله. فأبطل الله تعالى هذه الشّبهة من ثلاثة وجوه: الأول- ﴿أَهُمْ ٢ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾؟ ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا﴾ أي إن هؤلاء المشركين تجاوزوا حدودهم وأقدارهم، فأرادوا أن يجعلوا ما لله لأنفسهم، وليس الأمر مردودا إليهم، بل إلى الله ، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبا ونفسا وأشرفهم وأطهرهم أصلا. أيجوز لهم أن يقسموا رحمة ربّك وهي النّبوة، فيختاروا لها من يريدون؟ نحن الذين نقسم الأرزاق والحظوظ بين العباد، ونفضل بعضهم على بعض درجات في القوة والضعف، والعلم والجهل، والشهرة والخمول، والغنى والفقر، لأنا لو سوّينا بينهم في هذه الأحوال لم يتعاونوا فيما بينهم، ولم يتمكنوا

стр. 7418

من استخدام بعضهم بعضا، فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض، وإلا فسد نظام العالم. وليس المعنى في الاستخدام أو الاستئجار أو الاستعمال على عمل شيء من الذّلّ والمهانة، لأن حقوق العامل مصونة في الإسلام، وعلى صاحب العمل واجبات خلقية ومادية كثيرة توجب عليه التّرفع عن الغبن والظلم والأذى والإساءة، فإن عجزوا عن تغيير نظام الدنيا، فكيف يعترضون على حكمنا بتخصيص النبوة والرّسالة في بعض العباد؟! والمعنى: إنكار أن الرّزق منهم، فكيف تكون النّبوة منهم؟! الوجه تكون النّبوة منهم؟! الوجه الثاني- ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ أي إن ما أعدّه الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة خير مما يجمعون من الأموال وسائر متاع الدنيا، وإذا خصّ الله بعض عبيده بنوع فضله ورحمته في الدّين، فهذه الرّحمة خير من أموال الدنيا كلها، لأن عرض الدنيا زائل، ورحمة الله وفضله باق دائم. ثم أبان الله تعالى حقارة الدنيا، فقال: الوجه الثالث- ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ، وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ، وَزُخْرُفاً﴾ أي ولولا الخوف وكراهة أن يكون الناس كلهم على ملّة الكفر، ميلا إلى الدنيا وزخرفها، فلا يبقى في الأرض مؤمن، لأعطينا الكفار ثروات طائلة، وجعلنا سقف بيوتهم، وسلالمهم ومصاعدهم التي يرتقون ويصعدون عليها، وأبواب البيوت والسّرر التي يتكئون عليها من فضة خالصة، وذهب وزينة ونقوش فائقة، لهوان الدنيا عند الله تعالى. ﴿وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي ليس كل ذلك إلاّ شيئا يتمتع به تمتعا قليلا في الدنيا، لأنها زائلة قصيرة الأجل، والآخرة بما فيها من أنواع النّعيم والجنان هي لمن اتّقى الشّرك والمعاصي، وآمن

стр. 7419

بالله وحده، وعمل بطاعته، فإنها الباقية التي لا تفنى، ونعيمها الدائم الذي لا يزول، وهي لهم خاصة، لا يشاركهم فيها أحد غيرهم. أخرج التّرمذي، وابن ماجه والبغوي والطّبراني عن سهل بن سعد ﵁ عن النّبي ﷺ قال: «لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء»، و في رواية: «لو كانت الدنيا..»، و في رواية الطبراني «أنه لما آلى النّبي ﷺ من نسائه، جاءه عمر بن الخطاب ﵁، فرآه على رمال حصير، قد أثّر بجنبه، فابتدرت عيناه بالبكاء، وقال: يا رسول الله، هذا كسرى وقيصر، هما فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه، وكان رسول الله ﷺ متكئا، فجلس وقال: أو في شكّ أنت يا ابن الخطاب؟ ثم قال ﷺ : أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» وفي رواية «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة» (١). فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - لقد تبرأ إبراهيم ﵇ من عبادة الأصنام، وخرج على المألوف الفاسد بالحجة والدليل. ٢ - إن ترك التّقليد في العقيدة والرّجوع إلى متابعة الدّليل واجب متعيّن على كلّ إنسان في أمر الدّين، وكذلك ترك التّقليد، واتّباع الدّليل هو الأولى في شؤون الدنيا أيضا، ليكون المرء على بيّنة من أمره، إلا فيما تتطلبه ظروف القيادة الحربية ونحوها للحفاظ على الأسرار، فيجب تنفيذ أمر القائد وطاعته، وإن لم يعرف الدّليل.

стр. 7420

٣ - جعل إبراهيم ﵇ كلمة التّوحيد ومقالته السابقة: ﴿إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ باقية في عقبه، وهم ذريته، ولده وولد ولده، أي إنهم توارثوا البراءة من عبادة غير الله، وأوصى بعضهم بعضا في ذلك. والعقب: من يأتي بعده. ٤ - قال ابن العربي: كان لإبراهيم في الأعقاب دعوتان مجابتان: إحداهما-في قوله: ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ:﴾ ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة ١٢٤/ ٢]، فقد قال له: نعم، إلا من ظلم منهم، فلا عهد له. ثانيهما-قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ [إبراهيم ٣٥/ ١٤]. وقيل: بدل الأولى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء ٨٤/ ٢٦]، فكلّ أمّة تعظّمه، بنوه وغيرهم ممن يجتمع معه في سام أو في نوح (١). ٥ - وقال ابن العربي أيضا: جرى ذكر العقب هاهنا موصولا في المعنى بالحقب، أي متّصلا مستمرا على ممرّ السنين، وذلك مما يدخل في الأحكام وترتب عليه عقود العمرى (٢) أو التّحبيس، قال النّبي ﷺ فيما أخرجه أبو داود والنسائي، عن جابر: «أيّما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي أعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاها، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث» (٣)، أي إن الهبات والأوقاف تشمل الدرجة الأولى من الأولاد ذكورا وإناثا، وولد الذّكور دون الإناث لغة وشرعا في الدرجة الثانية وما يليها، وهذا مذهب المالكية.

стр. 7421

وقال جماعة كابن عبد البرّ وغيره: إن ولد البنات من الأولاد والأعقاب يدخلون في الأحباس (الأوقاف الذّرية أو الأهلية). ٦ - عجبا لقريش وأمثالها متّعهم الله وآباءهم بوافر النّعم في الدنيا، ولما جاء الحقّ وهو القرآن المشتمل على التوحيد والإسلام الذي هو أصل دين إبراهيم، وكلمته الباقية في عقبه، وجاءهم الرّسول محمد ﷺ ، كفروا به وقالوا: إنه سحر لا وحي. ٧ - وقالوا أيضا: هلا نزل هذا القرآن على رجل عظيم من إحدى القريتين: مكة والطائف، إما الوليد بن المغيرة عبد الله بن عمر بن مخزوم عم أبي جهل من مكة، وإما أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي من الطائف، ظانين أن النبوة لصاحب المنصب العالي والرجل الشريف وهو كثير المال، رفيع الجاه. وفاتهم أن معيار الاصطفاء للنّبوة إنما هو القيم الرّوحية والأدبية والنّفسية. وفاتهم أيضا أنهم يتدخلون في ولاية الله وسلطانه ومشيئته، فيضعون النّبوة حيث شاؤوا، وهذا افتئات على سلطان الله، فإن مرسل الرّسل هو الذي يختارهم، وفاتهم كذلك أن رحمة الله وفضله ونعمته في الآخرة وهي الجنة، ونعمته في الدنيا وهي النبوة أفضل مما يجمعون من الدنيا. ٨ - إن الله سبحانه هو لا غيره الذي يقسم الأرزاق والحظوظ بين عباده، بمقتضى حكمته ومشيئته، فيفقر قوما ويغني آخرين، فإذا لم يكن أمر الدنيا لأحد من العباد، فكيف يفوّض أمر النّبوة إليهم؟! ٩ - وإن الله تعالى هو الذي يفاضل بين عباده ويفاوت بينهم في مقومات الحياة وقيمها من القوة والضعف، والعلم والجهل، والحذاقة والبلاهة، والشهرة والخمول، لأن تحقيق المساواة في هذه الأمور يؤدي إلى الإخلال بنظام العالم،

стр. 7422

ويفسد المصالح، ويعطّل المكاسب، فيعجز الواحد من تسخير غيره لخدمة أو عمل، مقابل أجر عادل. ١٠ - ليس التّفوق المادي في الدنيا دليلا على صلاح أصحابه، إذ لا قيمة للدنيا وثرواتها في ميزان الله، ولولا كراهة أن يكفر الناس جميعا بسبب ميلهم إلى الدنيا وتركهم الآخرة لأعطاهم الله ما وصف من زخارف الدنيا، لهوانها عند الله . والخلاصة: ردّ الله تعالى على اقتراح العرب كون الرّسالة لأحد رجلين بوجوه ثلاثة: أولها-قوله على سبيل الإنكار: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي النّبوة فيضعوها حيث شاؤوا، وثانيها-قوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ لأن الدنيا فانية، ودين الله باق لا يزول. وثالثها-قوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ كما تقدّم تفسيرها (١). ١١ - استدلّ ابن العربي بقوله تعالى: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ﴾، على أن السّقف لصاحب السّفل، ولا حقّ فيه لصاحب العلو، لأن الله تعالى جعل السّقوف للبيوت، كما جعل الأبواب لها، وهذا مذهب مالك رحمه الله تعالى. أما السّفل فاختلفوا فيه، فمنهم من قال: هو له، ومنهم من قال: ليس له في باطن الأرض شيء، والرّاجح ما بيّنه حديث الإسرائيلي الصحيح: أنّ رجلا باع من رجل دارا، فبناها فوجد فيها جرّة من ذهب، فجاء بها إلى البائع، فقال: إنما اشتريت الدّار دون الجرّة، وقال البائع: إنما بعت الدّار بما فيها، وكلاهما تدافعها، فقضى بينهم النّبي ﷺ أن يزوّج أحدهما ولده من بنت الآخر، ويكون المال بينهما. قال ابن العربي وتبعه القرطبي: والصّحيح أن العلو والسّفل له، إلا أن

стр. 7423

يخرج عنهما بالبيع، فإذا باع أحدهما أحد الموضعين، فله منه ما ينتفع به، وباقية للمبتاع منه (١). ثم استطرد القرطبي في بيان بعض أحكام العلو والسّفل، نجتزئ منها ما يلي (٢): أ-ليس لصاحب السّفل أن يهدم إلا لضرورة، ويكون هدمه أرفق لصاحب العلو، لئلا ينهدم بانهدامه العلو. ب-وليس لربّ العلو أن يبني على علوه شيئا لم يكن قبل ذلك إلا الشيء الخفيف الذي لا يضرّ بصاحب السّفل. ج -ولو انكسرت خشبة من سقف العلو أدخل مكانها خشبة ليست أثقل منها، منعا من ضرر صاحب السّفل. د-وباب الدار على صاحب السّفل. هـ -ولو انهدم السّفل أجبر صاحبه على بنائه، وليس على صاحب العلو أن يبني السّفل، فإن أبى صاحب السّفل من البناء قيل له: بع ممن يبني. و-إن إصلاح السّفل على صاحبه. ز-ليس لصاحب السّفل أن يحدث ما يضرّ بصاحب العلو، فإن أحدث عليه ضررا لزمه إصلاحه دون صاحب السّفل، ولصاحب العلو منعه من الضّرر، لحديث السفينة الذي أخرجه البخاري والترمذي وغيرهما عن النعمان بن بشير: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا-اقترعوا-على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا

стр. 7424

من الماء، مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا». والعبارة الأخيرة تدلّ على جواز منع الضّرر، وفي الحديث دليل على استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وفيه دليل على جواز القرعة واستعمالها. ١٢ - إن التّمتع بالدنيا قليل وعمرها قصير، والآخرة أي الجنة لمن اتّقى وخاف. أخرج التّرمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الدنيا سجن المؤمن، وجنّة الكافر». وقد تقدّم حديث الترمذي عن سهل بن سعد: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء». حال المعرض عن ذكر الله وتثبيت النّبي ﷺ على دعوته ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾

стр. 7425

الإعراب: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ ... ﴿نُقَيِّضْ﴾ ﴿مَنْ﴾: شرطية، وما بعدها فعل الشرط وجوابه. ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ..﴾. جمع الضميرين مراعاة لمعنى ﴿مَنْ﴾ إذ المراد جنس العاشي والشيطان المقيض له. وأما ضمير ﴿لَهُ﴾ فروعي فيه لفظ ﴿مَنْ﴾ وهكذا أعاد الضمير أولا على اللفظ، ثم على المعنى. وضمير ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ عائد على جنس الشيطان وبما أن لكل عاش شيطانا قرينا، فجاز أن يعود الضمير مجموعا. وقال ابن عطية: ضمير ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ عائد على الشيطان، وضمير ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ عائد على الكفار، قال أبو حيان: والأولى ما ذكر أولا لتناسق الضمائر في ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ وفي ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ وفي ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ لمدلول واحد كأن الكلام: وفي ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ وفي ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ وفي ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ لمدلول واحد كأن الكلام: وإن العشاة ليصدونهم الشياطين عن سبيل الهدى والفوز. ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ أي الكفار. ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ..﴾. ﴿إِذْ﴾ بدل من اليوم. ﴿فَإِمّا﴾ فيه إدغام نون «إن» الشرطية في «ما» الزائدة المؤكدة بمنزلة لام القسم في طلب النون المؤكدة. البلاغة: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ استعارة تمثيلية، شبه الكفار بالصم والعمي. والهمزة: إنكار تعجيب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم بعد استغراقهم في الضلال. ﴿أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا﴾ جناس الاشتقاق، لتغير الشكل وبعض الحروف بينهما. المفردات اللغوية: ﴿يَعْشُ﴾ يتغافل ويتعام ويعرض، لفرط اشتغاله بالمحسوسات وانهماكه في الشهوات، وقرئ «يعش» بالفتح، وقرئ «يعشو» على أن ﴿مَنْ﴾ موصولة يقال: عشي يعشى كرضي يرضى وعرج يعرج: إذا كان في بصره آفة ﴿ذِكْرِ الرَّحْمنِ﴾ القرآن. ﴿نُقَيِّضْ﴾ نهيئ ونسبب ونضم إليه شيطانا. ﴿قَرِينٌ﴾ رفيق ملازم لا يفارقه، يوسوسه ويغويه دائما. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي الشياطين. ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي العاشين. ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ طريق الهدى. ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ أي الكفار. ﴿جاءَنا﴾ العاشي، بقرينه يوم القيامة. ﴿يا لَيْتَ﴾ ﴿يا﴾
следующие страницы →