← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

وقال جماعة كابن عبد البرّ وغيره: إن ولد البنات من الأولاد والأعقاب يدخلون في الأحباس (الأوقاف الذّرية أو الأهلية). ٦ - عجبا لقريش وأمثالها متّعهم الله وآباءهم بوافر النّعم في الدنيا، ولما جاء الحقّ وهو القرآن المشتمل على التوحيد والإسلام الذي هو أصل دين إبراهيم، وكلمته الباقية في عقبه، وجاءهم الرّسول محمد ﷺ ، كفروا به وقالوا: إنه سحر لا وحي. ٧ - وقالوا أيضا: هلا نزل هذا القرآن على رجل عظيم من إحدى القريتين: مكة والطائف، إما الوليد بن المغيرة عبد الله بن عمر بن مخزوم عم أبي جهل من مكة، وإما أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي من الطائف، ظانين أن النبوة لصاحب المنصب العالي والرجل الشريف وهو كثير المال، رفيع الجاه. وفاتهم أن معيار الاصطفاء للنّبوة إنما هو القيم الرّوحية والأدبية والنّفسية. وفاتهم أيضا أنهم يتدخلون في ولاية الله وسلطانه ومشيئته، فيضعون النّبوة حيث شاؤوا، وهذا افتئات على سلطان الله، فإن مرسل الرّسل هو الذي يختارهم، وفاتهم كذلك أن رحمة الله وفضله ونعمته في الآخرة وهي الجنة، ونعمته في الدنيا وهي النبوة أفضل مما يجمعون من الدنيا. ٨ - إن الله سبحانه هو لا غيره الذي يقسم الأرزاق والحظوظ بين عباده، بمقتضى حكمته ومشيئته، فيفقر قوما ويغني آخرين، فإذا لم يكن أمر الدنيا لأحد من العباد، فكيف يفوّض أمر النّبوة إليهم؟! ٩ - وإن الله تعالى هو الذي يفاضل بين عباده ويفاوت بينهم في مقومات الحياة وقيمها من القوة والضعف، والعلم والجهل، والحذاقة والبلاهة، والشهرة والخمول، لأن تحقيق المساواة في هذه الأمور يؤدي إلى الإخلال بنظام العالم،

стр. 7422

ويفسد المصالح، ويعطّل المكاسب، فيعجز الواحد من تسخير غيره لخدمة أو عمل، مقابل أجر عادل. ١٠ - ليس التّفوق المادي في الدنيا دليلا على صلاح أصحابه، إذ لا قيمة للدنيا وثرواتها في ميزان الله، ولولا كراهة أن يكفر الناس جميعا بسبب ميلهم إلى الدنيا وتركهم الآخرة لأعطاهم الله ما وصف من زخارف الدنيا، لهوانها عند الله . والخلاصة: ردّ الله تعالى على اقتراح العرب كون الرّسالة لأحد رجلين بوجوه ثلاثة: أولها-قوله على سبيل الإنكار: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي النّبوة فيضعوها حيث شاؤوا، وثانيها-قوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ لأن الدنيا فانية، ودين الله باق لا يزول. وثالثها-قوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ كما تقدّم تفسيرها (١). ١١ - استدلّ ابن العربي بقوله تعالى: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ﴾، على أن السّقف لصاحب السّفل، ولا حقّ فيه لصاحب العلو، لأن الله تعالى جعل السّقوف للبيوت، كما جعل الأبواب لها، وهذا مذهب مالك رحمه الله تعالى. أما السّفل فاختلفوا فيه، فمنهم من قال: هو له، ومنهم من قال: ليس له في باطن الأرض شيء، والرّاجح ما بيّنه حديث الإسرائيلي الصحيح: أنّ رجلا باع من رجل دارا، فبناها فوجد فيها جرّة من ذهب، فجاء بها إلى البائع، فقال: إنما اشتريت الدّار دون الجرّة، وقال البائع: إنما بعت الدّار بما فيها، وكلاهما تدافعها، فقضى بينهم النّبي ﷺ أن يزوّج أحدهما ولده من بنت الآخر، ويكون المال بينهما. قال ابن العربي وتبعه القرطبي: والصّحيح أن العلو والسّفل له، إلا أن

стр. 7423

يخرج عنهما بالبيع، فإذا باع أحدهما أحد الموضعين، فله منه ما ينتفع به، وباقية للمبتاع منه (١). ثم استطرد القرطبي في بيان بعض أحكام العلو والسّفل، نجتزئ منها ما يلي (٢): أ-ليس لصاحب السّفل أن يهدم إلا لضرورة، ويكون هدمه أرفق لصاحب العلو، لئلا ينهدم بانهدامه العلو. ب-وليس لربّ العلو أن يبني على علوه شيئا لم يكن قبل ذلك إلا الشيء الخفيف الذي لا يضرّ بصاحب السّفل. ج -ولو انكسرت خشبة من سقف العلو أدخل مكانها خشبة ليست أثقل منها، منعا من ضرر صاحب السّفل. د-وباب الدار على صاحب السّفل. هـ -ولو انهدم السّفل أجبر صاحبه على بنائه، وليس على صاحب العلو أن يبني السّفل، فإن أبى صاحب السّفل من البناء قيل له: بع ممن يبني. و-إن إصلاح السّفل على صاحبه. ز-ليس لصاحب السّفل أن يحدث ما يضرّ بصاحب العلو، فإن أحدث عليه ضررا لزمه إصلاحه دون صاحب السّفل، ولصاحب العلو منعه من الضّرر، لحديث السفينة الذي أخرجه البخاري والترمذي وغيرهما عن النعمان بن بشير: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا-اقترعوا-على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا

стр. 7424

من الماء، مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا». والعبارة الأخيرة تدلّ على جواز منع الضّرر، وفي الحديث دليل على استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وفيه دليل على جواز القرعة واستعمالها. ١٢ - إن التّمتع بالدنيا قليل وعمرها قصير، والآخرة أي الجنة لمن اتّقى وخاف. أخرج التّرمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الدنيا سجن المؤمن، وجنّة الكافر». وقد تقدّم حديث الترمذي عن سهل بن سعد: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء». حال المعرض عن ذكر الله وتثبيت النّبي ﷺ على دعوته ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾

стр. 7425

الإعراب: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ ... ﴿نُقَيِّضْ﴾ ﴿مَنْ﴾: شرطية، وما بعدها فعل الشرط وجوابه. ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ..﴾. جمع الضميرين مراعاة لمعنى ﴿مَنْ﴾ إذ المراد جنس العاشي والشيطان المقيض له. وأما ضمير ﴿لَهُ﴾ فروعي فيه لفظ ﴿مَنْ﴾ وهكذا أعاد الضمير أولا على اللفظ، ثم على المعنى. وضمير ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ عائد على جنس الشيطان وبما أن لكل عاش شيطانا قرينا، فجاز أن يعود الضمير مجموعا. وقال ابن عطية: ضمير ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ عائد على الشيطان، وضمير ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ عائد على الكفار، قال أبو حيان: والأولى ما ذكر أولا لتناسق الضمائر في ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ وفي ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ وفي ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ لمدلول واحد كأن الكلام: وفي ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ وفي ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ وفي ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ لمدلول واحد كأن الكلام: وإن العشاة ليصدونهم الشياطين عن سبيل الهدى والفوز. ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ أي الكفار. ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ..﴾. ﴿إِذْ﴾ بدل من اليوم. ﴿فَإِمّا﴾ فيه إدغام نون «إن» الشرطية في «ما» الزائدة المؤكدة بمنزلة لام القسم في طلب النون المؤكدة. البلاغة: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ استعارة تمثيلية، شبه الكفار بالصم والعمي. والهمزة: إنكار تعجيب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم بعد استغراقهم في الضلال. ﴿أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا﴾ جناس الاشتقاق، لتغير الشكل وبعض الحروف بينهما. المفردات اللغوية: ﴿يَعْشُ﴾ يتغافل ويتعام ويعرض، لفرط اشتغاله بالمحسوسات وانهماكه في الشهوات، وقرئ «يعش» بالفتح، وقرئ «يعشو» على أن ﴿مَنْ﴾ موصولة يقال: عشي يعشى كرضي يرضى وعرج يعرج: إذا كان في بصره آفة ﴿ذِكْرِ الرَّحْمنِ﴾ القرآن. ﴿نُقَيِّضْ﴾ نهيئ ونسبب ونضم إليه شيطانا. ﴿قَرِينٌ﴾ رفيق ملازم لا يفارقه، يوسوسه ويغويه دائما. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي الشياطين. ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي العاشين. ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ طريق الهدى. ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ أي الكفار. ﴿جاءَنا﴾ العاشي، بقرينه يوم القيامة. ﴿يا لَيْتَ﴾ ﴿يا﴾

стр. 7426

للتنبيه ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي بعد ما بين المشرق والمغرب، مغلّبا المشرق على المغرب. ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ أنت، و ﴿الْقَرِينُ﴾ الصاحب والصديق. ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي العاشين تمنيكم وندمكم في القيامة: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ﴾ أي تبين لكم ظلمكم بالإشراك. ﴿أَنَّكُمْ﴾ أي لأنكم مع قرنائكم، بتقدير لام العلة، وقرئ «إنكم» بالكسر ﴿فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ تشتركون مع شياطينكم في العذاب، كما كنتم مشتركين في سببه. ﴿الصُّمَّ﴾ جمع أصم وهو الذي في أذنه صمم. ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ في خطإ بيّن، فهم لا يؤمنون، وقوله: ﴿وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ﴾ عطف على العمي، وفيه إشعار بأن الموجب لذلك تمكنهم في ضلال لا يخفى. ﴿نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ أي فإن قبضناك وأمتناك قبل تعذيبهم. ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ بعدك في الدنيا أو الآخرة. ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ﴾ أي نبصرنك ما وعدناهم به من العذاب. ﴿فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ قادرون على عذابهم. ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ أي تمسك بالقرآن وقرئ «أوحى» أي الله تعالى. ﴿عَلى صِراطٍ﴾ طريق. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ لا عوج له. ﴿لَذِكْرٌ﴾ لشرف عظيم به تذكر ﴿لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ لنزوله بلغتهم. ﴿وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ عنه يوم القيامة عن القيام بحقه، بأداء التكاليف فيه من أمر ونهي. ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا﴾ أي واسأل سلالتهم وعلماء دينهم. ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ﴾ غيره. ﴿آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ هل حكمنا بعبادة الأوثان، وهل جاءت ملة من الملل به؟ والمراد الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد، والدلالة على أن الأمر به قديم غير جديد. سبب النزول: نزول الآية (٣٦): ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن عثمان المخزومي: أن قريشا قالت: قيّضوا لكل رجل من أصحاب محمد رجلا يأخذه، فقيّضوا لأبي بكر طلحة بن عبيد الله، فأتاه، وهو في القوم، فقال أبو بكر: إلام تدعوني؟ قال: أدعوك إلى عبادة اللاّت والعزّى، قال أبو بكر: وما اللاّت؟ قال: ربنا، قال: وما العزّى؟ قال: بنات الله، قال أبو بكر: فمن أمهم؟ فسكت طلحة فلم يجبه، فقال طلحة لأصحابه: أجيبوا الرجل، فسكت القوم، فقال

стр. 7427

طلحة: قم يا أبا بكر، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً﴾ الآية. سبب نزول الآية (٤١): ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ.﴾.: كان رسول الله ﷺ يتعب نفسه في دعاء قومه، وهم لا يزيدون إلا غاليا، فنزلت الآية: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ.﴾. الآية. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى أن المال متاع الدنيا، وهو زائل، نبّه إلى آفات المال، لأن من فاز بالمال والجاه صار كالأعشى عن ذكر الله، وصار من جلساء الشياطين الضالين المضلين الذين يصدون الناس عن طريق الهداية في الدنيا، أما في الآخرة فيتبرأ الكافر من قرينه الشيطان. وهما في العذاب مشتركان، والاشتراك في العذاب لا يفيد التخفيف كما كان يفيده في الدنيا. وبعد أن وصف الله تعالى المعرضين عن ذكره بالعشا، وصفهم أيضا بالصمم والعمى، بسبب كونهم في ضلال مبين، ولما بيّن تعالى أن دعوة الرسول ﷺ لا تؤثر في قلوب هؤلاء، تسلية للرسول ﷺ ، بيّن أنه لا بد وأن ينتقم لأجله منهم، إما حال حياته أو بعد وفاته، ثم أمره ربه أن يتمسك بما أمره به، فإنه على صراط مستقيم نافع، هو منهج القرآن الذي فيه شرف عظيم له ولقومه، وسوف يسألون عن القيام بحقه. ثم أبان تعالى أن إنكار عبادة الأصنام في رسالة محمد ﷺ ليس خاصا به، بل كل الأنبياء والرسل كانوا مجمعين على إنكاره. التفسير والبيان: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً، فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ أي ومن

стр. 7428

يتعام ويتغافل ويعرض عن النظر في القرآن والعمل به، نهيئ له شيطانا يوسوس له ويغويه، فهو له ملازم لا يفارقه، بل يتبعه في جميع أموره، ويطيعه في كل ما يزين له به. والعشا في العين: ضعف البصر، والمراد هنا عشا البصيرة. والمراد بالآية: إن من يعرف كون القرآن حقا ولكنه يتجاهل ذلك فهو في ضلال، ومادة كل آفة وبلية الركون إلى الدنيا وأهلها، فإن ذلك بمنزلة الرمد للبصر، ثم يصير بالتدريج كالعشى، ثم كالعمى. والآية مثل قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ، فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت ٢٥/ ٤١]. وجاء في صحيح مسلم وغيره أن مع كل مسلم قرينا من الجن، وأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي وإن الشياطين الذين يقيّضهم الله لكل من يعشو عن ذكر الرحمن، ليمنعونهم بالوسواس عن سبيل الحق والرشاد، ويحسب الكفار بسبب تلك الوسوسة أنهم مهتدون إلى الحق والصواب. ثم يتبرأ الكافر في الآخرة من قرينة الشيطان، فقال تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَنا قالَ: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ، فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ أي حتى إذا وافانا الكافر يوم القيامة، يتبرم بالشيطان الذي وكل به، ويتبرأ منه، ويتمنى الكافر أن بينه وبين الشيطان المقارن له من البعد ما بين المشرق والمغرب، فبئس الصاحب الملازم للإنسان شيطانه. وقرأ بعضهم: «حتى إذا جاءنا» أي القرين والمقارن. ويقال لهم يوم القيامة توبيخا كما حكى تعالى:

стр. 7429

﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي ويقال لهم في الآخرة توبيخا وتأنيبا وتيئيسا: لن ينفعكم في هذا إذ تبين أنكم ظلمتم أنفسكم في الدنيا اشتراككم في العذاب، فلا يخفف عن كل منكما شيء منه، بخلاف حال الدنيا، فإن المصيبة فيها إذا عمت هانت. وهذا يدل على أن حصول الشركة في العذاب لا يفيد التخفيف، كما كان يفيده في الدنيا، لأن اشتغال كل واحد بنفسه في شدة العذاب، يذهله عن حال الآخر، فلا تفيد الشركة الخفة، ولا يتمكن كل واحد من مواساة الآخر في كربه وحزنه وألمه، فلكل قدر مشترك من العذاب. ثم بيّن الله تعالى لرسوله أن دعوته لا تؤثر في قلوبهم تسلية له، فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي أتستطيع يا محمد إسماع أهل الصمم أو هداية أهل العمى أو إرشاد من مستغرقا في ضلال واضح بيّن. وهذا بعد أن وصفهم تعالى بالعشا، وصفهم بأوصاف ثلاثة هي: الصمم والعمى والضلال البيّن، فهؤلاء الكفار ضعاف البصيرة، بمنزلة الصم الذين لا يسمعون ما جئت به أيها الرسول، وبمنزلة العمي الذين لا يبصرونه، وهم مفرطون في الضلالة والكفر والجهالة. وكان التناسب بينهم وبين الرسول ﷺ عكسيا، فهو ﷺ يبالغ في دعوتهم إلى الإيمان الحق، وهم لا يزدادون إلا غيا وتعاميا عن بيّنات القرآن ودلائل النبوة، إمعانا في الكفر، وعنادا في الباطل. ثم أعلم الله رسوله بانتقامه منهم، فقال: ﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ، أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ أي إنهم لا يفلتون من العقاب في العاجل أو الآجل، فإن قبضنا روحك وأمتناك أيها الرسول قبل نزول العذاب بهم، فنحن منتقمون منهم إما في

стр. 7430

الدنيا أو في الآخرة، وإن أبصرناك الذي وعدناهم به من العذاب قبل موتك، فنحن قادرون أيضا عليه، ومتى شئنا عذبناهم. وقد أقر الله عينه في حال حياته، فقهرهم يوم بدر، وأصبح المتحكم فيهم، المالك لحصونهم وقلاعهم. والتعبير بالوعد دليل على وقوعه حتما، لأن الله لا يخلف الميعاد. وبعد هذا الوعد بالنصر، أمره الله بشدة التمسك بالقرآن وهديه، فقال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ، إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي تمسّك أيها الرسول بالقرآن الموحى به إليك من ربك، فإنك على طريق قويم ومنهج سليم، مؤد إلى السعادة في الدنيا، والنجاة في الآخرة، وإن كذّب به من كذّب، فذاك لا يضيرك. ثم أبان تعالى منزلة القرآن، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ أي وإن القرآن لشرف عظيم لك ولقريش والعرب عامة، إذ نزل بلغتهم، وسوف تسألون عن هذا القرآن وكيف عملتم به واستجبتم له وما يلزمهم من القيام بحقه. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء ١٠/ ٢١] أي شرفكم، أخرج البخاري والترمذي عن معاوية ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن هذا الأمر في قريش، لا ينازعهم فيه أحد إلا أكبّه الله تعالى على وجهه ما أقاموا الدين» يعني الخلافة فإنها في قريش لا تكون في غيرهم، قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد ومسلم عن جابر: «الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم». وهذا التنويه بمنزلة العرب يجعلهم أولى الناس باتباع القرآن والعمل بأحكامه وشرائعه، وإن كانت الرسالة الإسلامية عامة للناس قاطبة.

стр. 7431

ثم نبّه الله تعالى إلى أن الدعوة إلى توحيد الله ونبذ الشرك قديم، فقال: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا، أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أي واسأل سلالات الأمم التي أرسلنا فيها الأنبياء وعلماءهم، هل أذن الله بعبادة الأوثان في ملة من الملل؟ والمعنى: جميع الرسل دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد، كما قال ﷻ : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ، وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦/ ١٦]. والمراد بهذا التنبيه على إجماع المرسلين على التوحيد، وعلى أن محمّدا ﷺ ليس ببدع من بين الرسل في الأمر به، وهذا يدل على وحدة الدين الحق في أصوله، ووحدة مهمة الأنبياء ﵈. وسبب هذا الأمر أن اليهود والمشركين قالوا للنبي ﷺ : إن ما جئت به مخالف لمن كان قبلك، فأمره الله بسؤاله الأنبياء على جهة التوقيف والتقرير والتأكيد، لا لأنه كان في شك منه. فقه الحياة أو الأحكام: يؤخذ من الآيات ما يلي: ١ - إن الإضلال من الله تعالى لا يكون إلا بعد إعراض الناس عن أوامر الله، فمن يتعام ويتغافل عن آيات القرآن وشرائعه وأحكامه، ويعرض عنها إلى أقاويل المضلين وأباطيلهم، نهيئ شيطانا يغويه، جزاء على كفره، فهو له قرين وصاحب ملازم في الدنيا، يمنعه من الحلال، ويبعثه على الحرام، وينهاه عن الطاعة، ويأمره بالمعصية، وقرين له في الآخرة في العذاب المشترك بينهما. قال أبو سعيد الخدري: «إذا بعث الكافر زوّج بقرينه من الشياطين، فلا يفارقه حتى يصير به إلى النار».

стр. 7432

٢ - إن مهمة الشياطين خطيرة تستوجب الحذر من وساوسهم وإغواءاتهم، فهم يصدرون الناس عن سبيل الهدى، حتى يخيل للكفار ويجعلهم يظنون أنهم مهتدون. وقيل: ويحسب الكفار أن الشياطين مهتدون، فيطيعونهم. ٣ - تتجلى الحقيقة المرّة في الآخرة، حين يتبرأ الكافر من الشيطان، ويتمنى البعد عنه كالبعد بين المشرق والمغرب، ويقول له: فبئس القرين أنت، لأنه يورده النار. قال الفراء: أراد المشرق والمغرب، فغلّب اسم أحدهما، كما يقال: القمران للشمس والقمر، والعمران لأبي بكر وعمر، والبصرتان للكوفة والبصرة، والعصران للغداة (الظهر) والعصر. ٤ - يقول الله للكافر يوم القيامة توبيخا: لن ينفعكم اليوم إذا أشركتم في الدنيا هذا الكلام، وهو قول الكافر: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي لا تنفع الندامة، فإنكم في العذاب مشتركون. أو لن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب، لأن لكل واحد نصيبه الأوفر منه، ولا ينفع أهل النار التأسي كما يتأسّى أهل المصائب في الدنيا، فيقول أحدهم: لي في البلاء والمصيبة أسوة، فيسكّن ذلك من حزنه، فإذا كان في الآخرة لم ينفعهم التأسي شيئا لشغلهم بالعذاب. ٥ - سلّى الله نبيه عن حزنه وأسفه لإعراض قومه عن قبول رسالته، وقال له: ليس لك من الأمر شيء، فلا تستطيع هداية العشيّ الصمّ العمي الضالين، فلا يضيق صدرك إن كفروا. قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ.﴾.: فيه رد على القدرية وغيرهم، وأن الهدى والرشد والخذلان في القلب خلق الله تعالى، يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء. ٦ - إن تعذيب المشركين آت عاجلا أم آجلا، سواء في حال حياة النبي ﷺ أو بعد وفاته، فالله قادر على كل شيء.

стр. 7433

٧ - رفع الله تعالى من معنويات نبيه إلى القمّة بأمرين: الأول-إعلامه بأنه على صراط مستقيم يوصله إلى الله ورضاه وثوابه. الثاني-إعلاء مجده وشرفه بالقرآن الذي هو شرف له ولقومه من قريش والعرب قاطبة، إذ نزل بلغتهم وعلى رجل منهم، وسوف تسألون عن الشكر عليه، وعن العمل بتكاليفه. قال المحققون: في الآية دلالة على أن الذكر الجميل أمر مرغوب فيه لعموم أثره وشموله كل مكان وكل زمان. وقال القرطبي: والصحيح أنه شرف لمن عمل به، كان من قريش أو من غيرهم. أخرج الطبري عن ابن عباس قال: أقبل نبي الله ﷺ من سريّة أو غزاة، فدعا فاطمة، فقال: «يا فاطمة اشتري نفسك من الله، فإنّي لا أغني عنك من الله شيئا» وقال مثل ذلك لنسوته، ولعترته، ثم قال ﷺ : «ما بنو هاشم بأولى الناس بأمتي، إن أولى الناس بأمتي المتقون، ولا قريش بأولى الناس بأمتي، إن أولى الناس بأمتي المتقون، ولا الأنصار بأولى الناس بأمتي، إن أولى الناس بأمتي المتقون، ولا الموالي بأولى الناس بأمتي، إن أولى الناس بأمتي المتقون. إنما أنتم من رجل وامرأة كجمام (١) الصاع، ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى». وأخرج الطبري أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لينتهين أقوام يفتخرون بفحم من فحم جهنم، أو يكونون شرّا عند الله من الجعلان التي تدفع النّتن بأنفها، كلكم بنو آدم، وآدم من تراب، إن الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس مؤمن تقي وفاجر شقي» (٢).

стр. 7434

٨ - إن دين التوحيد قديم، ونبذ الشرك قديم، فإذا سئلت أمم الرسل ﵈ قبل الرسول ﷺ : هل أذن الله بعبادة الأوثان، وهل أمر بعبادة غير الله؟ أجابوا عن السؤالين بالنفي. والسبب الأقوى في بغض الكفار وعداوتهم للنبي ﷺ إنكاره لأصنامهم، فبين تعالى أنه غير مخصوص بهذا الإنكار، ولكنه دين كل الأنبياء ودعوتهم. العبرة من قصة موسى ﵇ وفرعون ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمّا آسَفُونا اِنْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾

стр. 7435

الإعراب: ﴿وَهذِهِ الْأَنْهارُ﴾ الواو: إما عاطفة على ﴿مُلْكُ مِصْرَ﴾ و ﴿تَجْرِي﴾ حال منها، أو واو الحال، و ﴿هذِهِ﴾ مبتدأ و ﴿الْأَنْهارُ﴾ صفتها، و ﴿تَجْرِي﴾ خبرها. ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا: منقطعة، لأنه لو أراد أم المعادلة لقال: أم تبصرون، لكنه أضرب عن الأول بقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾ وكأنه قال: أنا خير منه، فلما كان فيه هذا المعنى، لم تكن ﴿أَمْ﴾ للمعادلة للهمزة. البلاغة: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ الاستفهام للتقرير، لا للإنكار، أي أقروا بما تعلمون من أني ملك مصر. المفردات اللغوية: ﴿بِآياتِنا﴾ الآيات هي المعجزات. ﴿وَمَلائِهِ﴾ أشراف قومه ورعاياهم القبط، والمراد بإيراد القصة هنا الاستشهاد بدعوة موسى ﵇ إلى التوحيد، وتسلية الرسول ومناقضة قول قريش: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ﴾ حين جاءهم بآياتنا الدالة على رسالته، فاجؤوه بضحكهم منها واستهزءوا بها أول ما رأوها ولم يتأملوا فيها. ﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾ من آيات العذاب كالطوفان والجراد. ﴿إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها﴾ إلا وهي أعظم في الإعجاز بحيث يظن أنها أكبر من الآيات الأخرى، و ﴿أُخْتِها﴾ قرينتها التي قبلها، والمراد وصف الكل بالكبر، كقولك: رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض، أو إلا وهي مختصة بنوع من الإعجاز مفضلة على غيرها بذلك الاعتبار. ﴿وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ﴾ أي أخذ قهر بعذاب كالسنين (الجدب) والطوفان والجراد. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ليرجعوا عن الكفر أو على نحو يرجى رجوعهم. ﴿وَقالُوا﴾ لموسى لما رأوا العذاب. ﴿السّاحِرُ﴾ العالم الماهر، لأن السحر عندهم علم عظيم. ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ بعهده إليك أنا إن آمنا كشف العذاب عنا، أو بعهده عندك من النبوة. ﴿إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ مؤمنون بشرط أن تدعو لنا، فيكشف عنا العذاب. ﴿يَنْكُثُونَ﴾ ينقضون العهد الذي عاهدوا به موسى، ويصرون على الكفر. ﴿وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ افتخارا، إما بنفسه أو بواسطة مناديه، في مجمعهم أو فيما بينهم بعد كشف العذاب عنهم، مخافة أن يؤمن بعضهم. ﴿وَهذِهِ الْأَنْهارُ﴾ فروع النيل، وأهمها أربعة:

стр. 7436

نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تنيس، والمشهور الآن فرع دمياط وفرع الرشيد المكونان لدلتا النيل فيما بينهما. ﴿مِنْ تَحْتِي﴾ تحت قصري وفي جناتي. ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ عظمتي. ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعة أي بل أنا مع هذا الملك والسعة أفضل من موسى، أو متصلة بمعنى: أم تبصرون فتعلمون أني خير منه. ﴿الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ ضعيف حقير ليس أهلا للرياسة، مأخوذ من المهانة: وهي القلة. ﴿يُبِينُ﴾ يفصح عن مراده بكلامه، بسبب لثغته في لسانه بالجمرة التي تناولها في صغره. ﴿فَلَوْلا﴾ هلا. ﴿أُلْقِيَ عَلَيْهِ﴾ إن كان صادقا. ﴿أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ جمع سوار كأخمرة وخمار، وقرئ «أساورة» جمع الجمع، أي جمع أسورة، وهذا تأثر منه بعادة الملوك، فإنهم كانوا إذا سؤدوه وتوّجوه ألبسوه أسورة ذهب وطوق ذهب. ﴿مُقْتَرِنِينَ﴾ مقرونين به يعينونه على مخالفه، أو متتابعين يشهدون بصدقه. ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ استخف واستصغر عقولهم، فدعاهم إلى الضلال، فأجابوه. ﴿فَأَطاعُوهُ﴾ فيما يريد من تكذيب موسى. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ هذا تعليل للطاعة. ﴿آسَفُونا﴾ أغضبونا بالإفراط في العصيان والعناد، والأسف: الحزن والغضب معا، وقد يطلق على أحدهما. ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ﴾ في اليم. ﴿فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً﴾ قدوة لمن بعدهم من الكفار، جمع سالف، كخدم وخادم، وقرئ «سلفا» جمع سليف كرغف. ﴿وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ﴾ عظة وعبرة لمن يأتي بعدهم. المناسبة: بعد بيان طعن قريش بنبوة محمد ﷺ لكونه فقيرا عديم المال والجاه، ذكر الله تعالى شبيها لذلك في قصة فرعون حيث قال: إنّي غني كثير المال والجاه. ولما أمر الله نبيه بسؤال أمم المرسلين، ذكر هنا قصة موسى، وبعده عيسى ﵉، للاستدلال بما جاءا به من التوحيد، وإبطال عبادة الأصنام. ثم ذكر شبهة لفرعون وهي أن الملك يلازم النبوة، فطلب من موسى بما جرت العادة لديهم أنهم إذا جعلوا منهم رئيسا لهم سوّروه بسوار من ذهب، وطوّقوه بطوق من ذهب، أو طلب أن تصاحبه الملائكة لدعم موقفه أمام المخالفين.

стр. 7437

وأعقب هذا توضيحا لأثر السلطة والحكم، فإن فرعون استخف عقول قومه، حينما دعاهم إلى تكذيب موسى، فأطاعوه لضلالهم، فانتقم الله منهم أشد الانتقام. التفسير والبيان: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ. فَقالَ: إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي لقد بعثنا موسى مؤيدا بالمعجزات الدالة على صدقه وهي الآيات التسع المذكورة في سورة الإسراء [الآية ١٠١] إلى فرعون وأشراف قومه وأتباعهم من القبط وبني إسرائيل، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، وقال لهم: إني مرسل إليكم من الله رب العالمين: الإنس والجن. ومعجزاته: الطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم، والسنين. أي نقص الزروع والأنفس، والثمرات، واليد، والعصا، فاستكبروا عن الإيمان بها وكذبوها وسخروا منها، كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ﴾ أي فلما أتاهم بتلك الآيات والأدلة على صدقه، إذا فرعون وقومه يضحكون ويسخرون ممن جاءهم بها. وقوله: ﴿إِذا هُمْ﴾ معناه أنهم فاجؤوا المجيء بها بالضحك عليها والسخرية منها. وهذا تسلية لرسول الله ﷺ عما يلقاه من صدود قومه عن دعوته. ﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها، وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي وما نري فرعون وملأه من كل حجة دالة على صدق موسى في دعواه الرسالة إلا كانت أعظم من سابقتها في الحجية عليهم، والدلالة على صحة دعوته إلى التوحيد، مع كون التي قبلها عظيمة في نفسها، لقوله: ﴿أُخْتِها﴾ أي مثيلتها وقرينتها في الدلالة على صدق نبوة موسى.

стр. 7438

ومع هذا ما رجعوا عن غيهم وضلالهم، فأخذناهم أخذ قهر بإنزال العذاب عليهم بسبب تكذيبهم بتلك الآيات، لكي يرجعوا عن كفرهم، ويؤمنوا بالله وحده لا شريك له، ويطيعوه فيما أمر ونهى. وكانوا كلما جاءتهم آية يصفونها بالسحر وبأن موسى ساحر، كما قال تعالى: ﴿وَقالُوا: يا أَيُّهَا السّاحِرُ، اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ، إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ أي وقالوا يا أيها الساحر العالم-وكانوا يسمون العلماء سحرة تعظيما لهم-ادع لنا ربك لكشف العذاب عنا بما أخبرتنا به من عهده إليك أنا إذا آمنا كشف عنا العذاب، فإننا بعدئذ لمؤمنون بما جئت به. ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ أي فدعا موسى ربه، فكشف عنهم العذاب، فلما كشف عنهم العذاب، نقضوا عهدهم، وعادوا إلى كفرهم، كما جاء في آية أخرى: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ، فَاسْتَكْبَرُوا، وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ. وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ، لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ، وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ. فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ، إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف ١٣٣/ ٧ - ١٣٥]. ثم أخبر الله تعالى عن تمرد فرعون وعتوّه وكفره وعناده، فقال: ﴿وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ: يا قَوْمِ، أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ، وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي، أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾؟ أي لما خاف فرعون ميل القوم إلى موسى، فجمعهم ونادى بصوته فيهم مفتخرا، أو أمر مناديا ينادي بقوله: أليس لي ملك مصر العظيم، فلا ينازعني فيه أحد، والسلطة المطلقة لي، وأنهار النيل تجري من تحت قصري وبين يدي في جناتي، أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك، وتستدلون به على أحقيتي بالسلطة وفرض النظام، وتنظروا إلى فقر موسى

стр. 7439

وضعفه هو وأتباعه عن مقاومتي؟ ونحو الآية ﴿فَحَشَرَ فَنادى، فَقالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى، فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى﴾ [النازعات ٢٣/ ٧٩ - ٢٥]. ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ، وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ أي بل أنا خير وأفضل بمالي من الملك والسلطة والسعة والجاه من هذا، أي موسى الذي هو ضعيف حقير ممتهن في نفسه، لا عزّ له، ولا يكاد يبين الكلام، لما في لسانه من العقدة. وهذا حكم عليه بما يعلم عنه في الماضي، دون أن يدري أن الله الكريم أزال عقدته، فقال تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ إلى أن قال: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ [طه ٢٧/ ٢٠ - ٢٨ و ٣٦] فقد كان أصاب لسانه في حال صغره شيء من اللكنة بسبب الجمرة التي تناولها، فسأل الله أن يحل عقدة لسانه، ليفقهوا قوله، فاستجاب الله ذلك. والتعييب بالأشياء الخلقية التي ليست من فعل العبد خسّة ونقيصة في صاحبه الذي يعيب، فذلك لا يعاب به ولا يذم عليه. وفرعون، وإن كان يدرك هذا، لكنه أراد التزويج على رعيته الجهلة الأغبياء. ثم استعلى فرعون على موسى بمظاهر الترف والملوك، ظنّا منه أن الرئاسة تلازم النبوة، فقال تعالى: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ أي فهلاّ حلّي بأساور الذهب إن كان عظيما، أو هلاّ ألقى عليه ربه أساور الذهب إن كان صادقا في نبوته، وهذا يشبه قول كفار قريش عن استحقاق عظيم القريتين النبوة. أو جاء معه الملائكة متتابعين متقاربين إن كان صادقا، يعينونه على مهمته، ويشهدون له بالنبوة، فأوهم قومه أن الرسل لا بد أن يكونوا على هيئة

стр. 7440

الجبابرة أو محفوفين بالملائكة، ونظر إلى الشكل الظاهر، ولم يدرك الجوهر المعنوي لحقيقة الرسل. ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ أي فاستهان بعقول قومه ورعيته، ودعاهم إلى الضلالة، فاستجابوا له، وأطاعوه فيما أمرهم به، وكذّبوا موسى، إنهم كانوا خارجين عن طاعة الله تعالى. ثم جاء دور العقاب مما فعلوا، فقال تعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ، فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي فلما أسخطونا وأغضبونا، انتقمنا منهم أشد الانتقام، فأغرقناهم جميعا في البحر، وإنما أهلكوا بالغرق ليناسب ما تفاخروا وتباهوا به وهو قوله: ﴿وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾. أخرج أحمد والطبراني والبيهقي وابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر «أن رسول الله ﷺ قال: إذا رأيت الله ﵎ يعطي العبد ما يشاء، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك استدراج منه له، ثم تلا ﷺ : ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ﴾ أي فجعلنا فرعون وقومه قدوة لمن عمل بعملهم من الكفار في استحقاق العذاب، وعبرة وعظة لمن يأتي بعدهم من الكافرين، أو قصة عجيبة تجري مجرى الأمثال. فقه الحياة أو الأحكام: يؤخذ من القصة ما يأتي: ١ - إن هذه القصة تمثل صراع الجبابرة الطغاة أصحاب الثروة والمال مع أهل القيم الإنسانية والدينية الرشيدة ذوي الدخل المتوسط أو الفقراء، تشابهت حالة

стр. 7441

فرعون مع موسى، مع حالة النبي ﷺ مع كفار قريش أصحاب النفوذ والثراء. اتفق الأنبياء كلهم على توحيد الإله، فكذب فرعون وقومه موسى ﵇، بالرغم من تدعيمه بالمعجزات وهي التسع آيات، فكانت عاقبتهم الإغراق بسبب التكذيب، ونجّى الله موسى وقومه بني إسرائيل، وجعلت العاقبة الحميدة له. وكذلك حصل الأمر مع النبي ﷺ كذّبه قومه فأهلكهم الله، ونصر رسوله والمؤمنين بدعوته. ٢ - كانت حيثيات الحكم ومسوغاته على فرعون وقومه هي الضحك والسخرية والاستهزاء من معجزات موسى ﵇، كالسنين (نقص الأنفس والزروع) ونقص الثمرات، والطوفان والجراد والقمّل والضفادع، وكانت هذه الآيات عذابا لهم وآيات لموسى. وكانت المعجزات قوية التأثير، فما من آية إلا وهي أعظم من أختها -سابقتها-ومع ذلك لم يؤمنوا بها، فأخذهم الله بالعذاب على تكذيبهم بتلك الآيات. ووصفوا موسى بأنه ساحر لما عاينوا العذاب، تعظيما له على حسب عادتهم في احترام السحرة، وكانوا يسمون العلماء سحرة، ويحتمل أنهم أرادوا به الساحر على الحقيقة على الاستفهام، فلم يلمهم على ذلك رجاء أن يؤمنوا، وطلبوا منه كشف العذاب عنهم بما أخبرهم عن عهد الله إليه أنهم إن آمنوا كشف عنهم، فقالوا: إنا لمهتدون فيما يستقبل. فلما دعا فكشف الله عنهم الكرب والغم، عادوا إلى كفرهم، ونقضوا العهد والميثاق الذي جعلوه على أنفسهم، فلم يؤمنوا. ٣ - وبعد أن حكى الله معاملة فرعون مع موسى، حكى أيضا معاملة فرعون مع ربه، فلما رأى آيات موسى خاف ميل القوم إليه، فجمع قومه، فقال،

стр. 7442

ونادى بمعنى قال، فرفع صوته بينهم: يا قوم، أليس لي ملك مصر، لا ينازعني فيه أحد، وأنهار النيل تجري من تحت قصري، أفلا تبصرون عظمتي وقوتي وضعف موسى؟. ثم صرح بحاله فقال: بل أنا خير من موسى المهين الحقير الضعيف، والذي لا يكاد يفصح كلامه بسبب العقدة التي كانت في لسانه بحسب علمهم السابق عنه، ومن لا بيان له ولا لسان كيف يكون نبيا؟! والرجل الفقير كيف يكون رسولا من عند الله إلى الملك الكبير الغني؟! ثم تعاظم فرعون وتغطرس واعتز بالثروة والملك والمال، فقال: هلا ألقي عليه أساور من ذهب، جريا على عادة الوقت وزيّ أهل الشرف، أو تأيد بجماعة من الملائكة يمشون معا متتابعين مقترنين إن كان صادقا يعاونونه على من خالفه؟ والمعنى: هلا ضم إليه الملائكة التي يزعم أنها عند ربه، حتى يتعزّز بهم ويستعملهم في أمره ونهيه، فيكون ذلك أهيب في القلوب. فأوهم قومه أن رسل الله ينبغي أن يكونوا كرسل الملوك في المظاهر، ولم يعلم أن رسول الله إنما أيّدوا بالجنود السماوية، وكل إنسان عاقل يعلم أن حفظ الله موسى مع تفرده من فرعون مع كثرة أتباعه، وإمداد موسى بالعصا واليد البيضاء، كان أبلغ في التأييد من أن يكون له أسورة ذهب أو ملائكة أعوان وأدلة على صدقه. ٤ - ثم حكى الله علاقة فرعون بقومه، فإنه استخف عقولهم واستجهلهم فأطاعوه لخفة أحلامهم وقلة عقولهم، إنهم كانوا فسقة خارجين عن طاعة الله تعالى. ٥ - لما تجاوز فرعون وقومه الحدود القصوى، وأسخطوا الله وأغضبوه، عاجلهم بالانتقام الشديد، وأغرقهم الله في أليم.

стр. 7443

والفرق بين السخط والغضب: أن السخط إظهار الكراهة، والغضب إرادة الانتقام، ولما كان ذكر الأسف والانتقام في حق الله محالا، أوّل المفسرون ذلك، فجعلوا الغضب في حق الله إرادة العقاب، والانتقام إرادة العقاب لجرم سابق. ٦ - جعل الله قوم فرعون قدوة لمن عمل عملهم من الكفار، وعبرة وعظة لهم ولمن يأتي بعدهم من الكافرين. والخلاصة: إن المقصود من إيراد هذه القصة تقرير أمرين: أحدهما-أن الكفار والجهال يحتجون دائما على الأنبياء بشبهة الفقر والضعف، وهذا هو سر النبوة والقوة، فلا يلتفت لما يقولون. الثاني-أن فرعون في أعز حالاته في الدنيا صار مقهورا، فيكون الأمر في حق أعداء رسول الله هكذا إلى يوم القيامة (١). العبرة من قصة عيسى ﵇ ﴿وَلَمّا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاِتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾

стр. 7444

الإعراب: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ﴿مَرْيَمَ﴾: ممنوع من الصرف للتعريف (العلمية) والعجمة، أو للتعريف والتأنيث. ﴿أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا متصلة، لأنها معادلة لهمزة الاستفهام بمعنى «أي» وتقديره: أيهما خير؟ كقولك: أزيد عندك أم عمرو؟ أي أيهما عندك. ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً.﴾. من: إما بمعنى البدل، أي لو نشاء لجعلنا بدلا منكم، أو زائدة، أي لجعلناكم. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: بدل من الساعة، والمعنى: هل ينظرون إلا إتيان الساعة؟ المفردات اللغوية: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ جعل مثلا، أي حجة وبرهانا، حين نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء ٩٨/ ٢١] فقال المشركون-على لسان ابن الزّبعرى أو غيره-: رضينا أن تكون آلهتنا مع عيسى، لأنه عبد من دون الله ﴿إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ أي إذا المشركون في قريش من المثل يضحكون ويصيحون ويضجون فرحا بما سمعوا. ﴿وَقالُوا: أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ أي قال المشركون: هل آلهتنا الأصنام خير عندك أم عيسى، فإن كان في النار فلتكن آلهتنا معه، أو هل آلهتنا الملائكة خير أم عيسى؟ فإذا جاز أن يعبد، ويكون ابن الله، كانت آلهتنا الملائكة أولى بذلك ﴿ما ضَرَبُوهُ﴾ المثل ﴿إِلاّ جَدَلاً﴾ ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدل والخصومة بالباطل، لعلمهم أن ﴿ما﴾ لغير العاقل، فلا يتناول عيسى ﵇ ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ شديد والخصومة معتاد واللجاج.

стр. 7445

﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ أي ما عيسى إلا عبد أنعمنا عليه بالنبوة ﴿وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي جعلناه بإيجاده من غير أب كالمثل السائر في الغرابة، يستدل به على قدرة الله تعالى على ما يشاء ﴿لَجَعَلْنا مِنْكُمْ﴾ بدلكم ﴿مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ بأن نهلككم ونخلفكم بالملائكة في الأرض. والمعنى: أن حال عيسى ﵇ وإن كانت عجيبة، فالله تعالى قادر على ما هو أعجب من ذلك، وأن الملائكة مثلكم ذوات ممكنة يحتمل خلقها توليدا، ويحتمل خلقها إبداعا، فمن أين لكم استحقاق الألوهية والانتساب إلى الله تعالى؟ ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أي وإن عيسى أو نزوله لدليل تعلم الساعة بنزوله ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ لا تشكن فيها، حذف منها نون الرفع للجزم، وواو الضمير لالتقاء الساكنين ﴿وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ يصرفكم عن دين الله ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ واتبعوا شرعي وهداي القائم على التوحيد ﴿هذا﴾ الذي آمركم به ﴿صِراطٌ﴾ طريق ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ يوقم ﴿وَلا يَصُدَّنَّكُمُ﴾ يمنعنكم عن المتابعة ويصرفكم ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بيّن العداوة ثابت عليها. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ المعجزات أو بآيات الإنجيل ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ بالإنجيل أو بالشريعة ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ من أمر الدين لا من أمر الدنيا، فإن الأنبياء لم تبعث لبيانه، ولذلك قال ﷺ فيما أخرجه مسلم عن أنس وعائشة: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أبلغكم عنه ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ بيان لما أمرهم بالطاعة فيه، وهو اعتقاد التوحيد والتعبد بالشرائع ﴿هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إشارة لمجموع الأمرين، وهو تتمة كلام عيسى ﵇، أو استئناف من الله يدل على مقتضي الطاعة في ذلك. ﴿الْأَحْزابُ﴾ الفرق المتحزبة ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ من بين النصارى أو اليهود والنصارى من بين قومه المبعوث هو إليهم في عيسى: أهو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة ﴿فَوَيْلٌ﴾ كلمة عذاب أو واد في جهنم ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا بما قالوه في عيسى من المتحزبين ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ﴾ الضمير لقريش أو للذين ظلموا ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ أي هل ينظرون إلا إتيان الساعة ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بوقت مجيئها لاشتغالهم بأمور الدنيا. سبب النزول: نزول الآية (٥٧): ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾: أخرج أحمد بسند صحيح والطبراني عن ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ قال لقريش: إنه ليس أحد يعبد من دون الله،

стр. 7446

وفيه خير، فقالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبيا وعبدا صالحا، وقد عبد من دون الله؟ فأنزل الله: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ الآية». وقد تقدم في آخر سورة الأنبياء عند قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أن عبد الله بن الزّبعري السّهمي قال: خصمت وربّ هذه البنية، يعني الكعبة، ألست-الخطاب للنبي ﷺ -تزعم أن الملائكة عباد صالحون، وأن عيسى عبد صالح، وهذه بنو مليح يعبدون الملائكة، وهذه النصارى يعبدون عيسى ﵇، وهذه اليهود يعبدون عزيرا؟ قال: فصاح أهل مكة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ -الملائكة وعزير وعيسى ﵈ ﴿أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾. التفسير والبيان: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ هذا لون آخر من تعنت قريش في كفرهم وعنادهم وجدلهم بالباطل ونوع خامس من كفرياتهم المذكورة في هذه السورة (١)، والمعنى: ولما جعل ابن الزبعرى عيسى بن مريم مثلا في مجادلته مع النبي ﷺ لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء ٩٨/ ٢١] إذا قومك قريش منه يضجون ويصيحون فرحا بذلك المثل المضروب. أو لم يدروا أن ﴿ما﴾ في قوله ﴿وَما تَعْبُدُونَ﴾ لغير العاقل، وأن المقصود الأصنام والأوثان، ولا تتناول الآية عيسى والعزير والملائكة، فهؤلاء كلهم عباد لله موحدون، قال عيسى في وصية قومه: الربّ إلهنا إله واحد.

стр. 7447

﴿وَقالُوا: أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً، بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ أي وقال كفار قريش مجادلين بالباطل: آلهتنا ليست خيرا من عيسى، فإن كان كل من عبد من غير الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة. وما ضربوا لك هذا المثل في عيسى إلا ليجادلوك، فهم قوم شديد والخصومة، كثير واللّدد والجدل. أخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن جرير عن أبي أمامة ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ : ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أورثوا الجدل، ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً، بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾». ثم أبان الله تعالى أن عيسى عبد من عبيد الله، فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ، وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي ما عيسى ابن مريم إلا عبد من عبيدنا أكرمناه وأنعمنا عليه بالنبوة والرسالة، وجعلنا آية وعبرة لبني إسرائيل، وبرهانا وحجة على قدرتنا على من نشاء، فإنا خلقناه من غير أب، وكان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص وكل مريض بإذن الله، وخلقه أسهل من خلق آدم من غير أب ولا أم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩/ ٣]. والله قادر على كل شيء، ومن مظاهر قدرته: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أي ولو نشاء أهلكناكم وجعلنا بدلا منكم ملائكة في الأرض يعمرونها يخلفونكم فيها. قال بعض النحويين: من: تكون للبدل، أي لجعلنا بدلكم ملائكة، مثل قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة ٣٨/ ٩] أي بدل الآخرة. والمراد بالآية التهديد والتخويف وبيان عجائب قدرة الله تعالى. ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ، فَلا تَمْتَرُنَّ بِها، وَاتَّبِعُونِ، هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي

стр. 7448

وإن نزول المسيح وخروجه أمارة ودليل على وقوع الساعة، لكونه من أشراطها -علاماتها-لأن الله سبحانه ينزّله من السماء قبيل الساعة، كما أن خروج الدجال قبله من أمارات الساعة، فلا تشكوا في وقوعها ولا تكذبوا بها فإنها كائنة لا محالة، قبل من أمارات الساعة، فلا تشكوا في وقوعها ولا تكذبوا فإنها كائنة لا محالة، واتبعوا هداي فيما آمركم به من التوحيد وبطلان الشرك، وهذا المأمور به المدعو إليه طريق قويم موصل إلى النجاة والسعادة. قال ابن كثير: وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما مسقطا (١). ﴿وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أي ولا يصرفنكم الشيطان عن اتباع الحق بوساوسه التي يلقيها في نفوسكم، إن الشيطان لكم عدو ظاهر العداوة من عهد أبيكم آدم ﵇. ﴿وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ، وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أي لما جاء عيسى بالمعجزات والآيات الدالة على صدقه، وبالشرائع في الإنجيل قال لبني إسرائيل: جئتكم بالشرائع الصالحة التي ترغب في الجميل وتكف عن القبيح، وبأصول الدين العامة، من توحيد الله والإيمان بكتبه ورسله واليوم الآخر، وجئتكم أيضا لأوضّح لكم بعض ما تختلفون فيه من أحكام التوراة، فاتقوا المعاصي، وأطيعوني فيما آمركم به من توحيد الله وشرائعه وتكاليفه. ورأس الأمر: التوحيد والعبادة، فقال مبينا ما أمرهم أن يطيعوه فيه: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي إن الله هو ربي وربكم وإلهي وإلهكم، فأخلصوا العبادة له، وعبادة الله وحده، فإن العمل بشرائعه هو الطريق القويم والمنهج الصحيح السليم.

стр. 7449

﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ أي فاختلفت الفرق المتحزبة من اليهود والنصارى الذين بعث إليهم عيسى، في شأنه أهو الله أم ابن الله أم ثالث ثلاثة؟ وصاروا فرقا وأحزابا، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله، وهو الحق، ومنهم من يدعي أنه ولد الله، ومنهم من يقول: إنه الله، وقد استقر أمر طوائف النصارى، الكاثوليك والأرثوذكس على أنه هو الرب والإله، وكتبوا على الصفحة الأولى من الإنجيل: «هذا كتاب ربّنا وإلهنا يسوع المسيح». فالويل ثم الويل والعذاب الشديد للذين ظلموا من هؤلاء المختلفين في طبيعة المسيح، أهي بشرية أم ناسوتية إلهية؟ وهم الذين أشركوا بالله، ولم يعملوا بشرائعه، إنه عذاب مؤلم شديد دائم في يوم القيامة. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون للرسل إلا مجيء القيامة فجأة، وهم لا يشعرون أو لا يعلمون بمجيئها لانشغالهم بشؤون الدنيا. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - ذكر الله تعالى أنواعا خمسة من كفريات المشركين في هذه السورة: أولها-قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً﴾. ثانيها-قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً﴾. ثالثها-قوله: ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾. رابعها-قوله: ﴿وَقالُوا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾. ﴿عَظِيمٍ﴾.

стр. 7450

خامسها-قوله هنا: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. ٢ - يتعلق المشركون عادة بشبه واهية، فتراهم يسلكون مسلك الغوغائية، فيضجون ويصيحون إذا وجدوا شبهة يمكن التعلق بها في الظاهر، فلو تأمل ابن الزبعرى الآية ما اعترض عليها، لأنه تعالى قال: ﴿وَما تَعْبُدُونَ﴾ ولم يقل: ومن تعبدون، وإنما أراد الأصنام ونحوها مما لا يعقل، ولم يرد المسيح ولا الملائكة، وإن كانوا معبودين. ٣ - يعتمد المشركون على الجدل السوفسطائي الذي يفقد الموضوعية والهدف، فهو جدل بالباطل، لذا قالوا: آلهتنا خير أم عيسى؟ وما ضربوا هذا المثل للنبي ﷺ إلا بقصد إرادة الجدل غير الهادف، الذي أريد به الغلبة في الكلام، لا طلب الفرق بين الحق والباطل. ٤ - تمسك القائلون بذم الجدل بهذه الآية: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً.﴾. والحق التفرقة بين نوعين من الجدل: الجدل لتقرير الحق، وهذا محمود، والجدل لتقرير الباطل، وهذا مذموم، قال تعالى: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر ٤/ ٤٠]. ٥ - إن جميع الأنبياء والرسل صرحوا لأقوامهم أنهم بشر عبيد لله تعالى، فلا يصح رفع أحد عن المنزلة البشرية كسائر الناس، وعلى هذا فإن عيسى ﵇ ذو طبيعة بشرية، وليست إلهية كما يزعم النصارى، وما هو إلا عبد كسائر عبيد الله أنعم الله عليه بالنبوة، وجعل خلقه من غير أب آية، وعبرة لبني إسرائيل والنصارى، يستدل بها على قدرة الله تعالى، وكان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص والأسقام كلها بإذن الله، ولم يجعل هذا لغيره في زمانه، وكان بنو

стр. 7451

إسرائيل يومئذ أحبّ الخلق إلى الله ، لإيمانهم بالله وتوحيدهم إياه، فلما كفروا هانوا وغضب الله عليهم. ٦ - الله تعالى قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يجعل بدل الإنس ملائكة يكونون خلفاء عنهم في الأرض، يعمرونها ويشيدون حضارتها، ويتعاقبون بعضهم إثر بعض في تولي شؤونها كلها. ٧ - إن خروج عيسى ﵇ ونزوله من السماء آخر الزمان من أعلام الساعة، كما أن خروج الدجال من أعلام الساعة. ورد في صحيح مسلم: «فبينما هو-يعني المسيح الدجال-إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء، شرقيّ دمشق بين مهرودتين (١)، واضعا كفّيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدّر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحلّ لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه، حتى يدركه بباب لدّ (٢)، فيقتله..». وثبت في صحيح مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لينزلنّ عيسى ابن مريم حكما عادلا، فليكسرنّ الصليب، وليقتلنّ الخنزير، وليضعنّ الجزية، ولتتركنّ القلاص (٣)، فلا يسعى عليها، ولتذهبنّ الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعونّ إلى المال، فلا يقبله أحد». ٨ - لمّا جاء عيسى ﵇ بالحكمة وهي أصول الدين كمعرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، وبعض الذي يختلفون فيه وهو فروع الدين، أمر قومه بني إسرائيل أن يتقوا الشرك ولا يعبدوا إلا الله وحده، وأن يطيعوه فيما يدعوهم

стр. 7452

إليه من التوحيد، وأعلن أن الله ربه وربهم، وأمرهم بإخلاص العبادة لله، والتوحيد والعبادة صراط مستقيم، وما سواه معوّج لا يؤدي إلى الحق. وإذا كان هذا قول عيسى ﵇، فكيف يجوز أن يكون إلها أو ابن إله؟ ٩ - اختلفت أحزاب أهل الكتاب من اليهود والنصارى أو الفرق المتحزبة بعد عيسى من النصارى وهم الملكانية واليعقوبية والنسطورية، اختلفوا في عيسى، فقالت النسطورية: هو ابن الله، وقالت اليعاقبة: هو الله، وقالت الملكية: ثالث ثلاثة أحدهم الله، فويل للذين كفروا وأشركوا عذاب يوم مؤلم وهو يوم القيامة. ١٠ - لا ينتظر الأحزاب إلا مجيء القيامة فجأة، وهم لا يفطنون بمجيئها، ولا يشعرون بحدوثها. وفائدة قوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بعد قوله: ﴿بَغْتَةً﴾ بيان أنهم لا يعرفون وجودها بسبب من الأسباب التي يشاهدونها. ألوان نعيم المتقين أهل الجنة ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾

стр. 7453

الإعراب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صفة ل ﴿عِبادِ﴾. ﴿وَكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ حال من واو ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ﴾ ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، وخبره: ﴿تُحْبَرُونَ﴾. ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ مبتدأ وخبر. البلاغة: ﴿بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ﴾ بعد الكلمة الأخيرة ما يسمى بحذف الإيجاز، أي أكواب من ذهب، وحذف لدلالة ما قبله عليه. ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ عام بعد خاص هو قوله: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾. المفردات اللغوية: ﴿الْأَخِلاّءُ﴾ الأحباء في الدنيا، جمع خليل: وهو الصاحب والصديق ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ أي يتعادون يومئذ، لأن مودتهم في الدنيا كانت قائمة على المعصية ﴿إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ المتحابين في الله على طاعته فإنهم أصدقاء، لأن الصداقة إذا كانت مبنية على تقوى الله بقيت نافعة إلى الأبد. ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ هذا ما ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صفة أو نعت لكلمة ﴿يا عِبادِ﴾. ﴿بِآياتِنا﴾ القرآن ﴿وَكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ مخلصين، وهذه العبارة آكد من سابقتها، لأنها عبرت عن الإخلاص ﴿وَأَزْواجُكُمْ﴾ نساؤكم أو زوجاتكم المؤمنات ﴿تُحْبَرُونَ﴾ تسرّون وتكرمون، يقال: حبره الله: سرّه، والحبور يدل على ظهور أثر السرور على الوجه نضارة وحسنا. ﴿بِصِحافٍ﴾ جمع صحفة: وهي كالقصعة: إناء يوضع فيه الأكل يكفي خمسة. ﴿وَأَكْوابٍ﴾ جمع كوب: وهو إناء لا عروة له يشرب منه الشارب ﴿وَفِيها﴾ في الجنة ﴿ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ تلذذا ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ بمشاهدته ﴿وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ الخلود ينبئ بمعنى الاستقرار والأمان، فإن كل نعيم زائل إلا نعيم الجنة ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ شبّه جزاء العمل بالميراث، لأنه يخلفه ويأتي بعده ﴿مِنْها تَأْكُلُونَ﴾ تأكلون بعضها لكثرتها ودوام نوعها، فكل ما يؤكل يخلف بدله.

стр. 7454

سبب النزول: نزول الآية (٦٧): ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ.﴾.: حكى النقّاش أن هذه الآية نزلت في أميّة بن خلف الجمحي وعقبة بن أبي معيط، كانا خليلين، وكان عقبة يجالس النبي ﷺ . فقالت قريش: قد صبأ عقبة بن أبي معيط، فقال له أمية: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا، ولم تتفل في وجهه، ففعل عقبة ذلك، فنذر النبي ﷺ قتله، فقتله يوم بدر صبرا (١)، وقتل أمية في المعركة، وفيهم نزلت هذه الآية. المناسبة: بعد التهديد بمجيء القيامة بغتة، ذكر الله تعالى عقيبه بعض أحوال القيامة، ووصف هنا ألوان نعيم أهل الجنة، ثم أتبعه ببيان أوصاف عذاب أهل النار، فذكر هنا تعادي الأخلاء إلا المتقين، واطمئنان المؤمنين في نعيم الجنة في سرور دائم وتمتعهم بأصناف الترف جزاء عملهم الصالح في الدنيا. التفسير والبيان: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي الأصدقاء في الدنيا المتحابون فيها يعادي بعضهم بعضا يوم القيامة إلا المتقين فإن صداقاتهم تستمر في الآخرة، والمعنى: أن كل صداقة وصحابة لغير الله تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله ، فإنه دائم بدوامه، وهذا كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ، وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤/ ٢] وكما قال إبراهيم ﵇ لقومه:

стр. 7455

﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وَمَأْواكُمُ النّارُ، وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥/ ٢٩]. ثم وصف الله تعالى أنواع نعيم المتقين، فقال: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ أي يقال لهؤلاء المتقين المتحابين في الله: لا تخافوا من العقاب في الآخرة، ولا تحزنوا على ما فاتكم من نعيم الدنيا، فإن نعيم الآخرة هو الباقي، والدنيا فانية. روى الحافظ ابن عساكر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : «لو أن رجلين تحابا في الله، أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، لجمع الله تعالى يوم القيامة بينهما، يقول: هذا الذي أحببته فيّ». وبعد أن نفى تعالى عنهم المخاوف والأحزان، خصص ذلك بالمؤمنين المسلمين بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ أي إن القول المتقدم ليس لجميع الناس، بل للمؤمنين بالقرآن، المنقادين لأحكام الله، المخلصين له العبادة والطاعة، أي آمنت قلوبهم، وانقادت جوارحهم لشرع الله، قال المعتمر بن سليمان عن أبيه: إذا كان يوم القيامة، فإن الناس حين يبعثون لا يبقى أحد منهم إلا فزع، فينادي مناد: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فيرجوها الناس كلهم، فيتبعها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فييأس الناس منها غير المؤمنين. ثم بشرهم صراحة بالجنة قائلا: ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ أي يقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم ونساؤكم المؤمنات تكرمون وتنعمون وتسعدون غاية الإكرام والسعادة.

стр. 7456

وألوان النعيم هي: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ، وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ، وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ أي لكم في الجنة أنواع مختلفة من المطاعم والمشارب، يقدم فيها الطعام والشراب بآنية الذهب، والكوب: كوز لا عروة له. ولكم فيها من ألوان الأطعمة والأشربة وغيرها من الألبسة والمسموعات كل ما تطلبه النفوس وتهواه كائنا ما كان، وكل ما يمتع الأعين من المستلذات والمشاهد والمناظر الخلابة، وأسماها النظر إلى وجه الله الكريم من غير حصر ولا كيف، وأنتم فيها ماكثون على الدوام، لا تموتون ولا تخرجون منها، ولا تبغون عنها تحولا. وسبب هذا الجزاء عملهم الصالح، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي إن تلك الجنة بما فيها من ألوان النعيم صارت إليكم كما يصير الميراث إلى الوارث، بسبب ما كنتم تعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة. أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل أهل النار يرى منزله من الجنة حسرة، فيكون له، فيقول: لو أن الله هداني لكنت من المتقين، وكل أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقول: وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، فيكون له شكرا» ثم قال رسول الله ﷺ : «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾». وبعد ذكر الطعام والشراب ذكر بعده الفاكهة لإتمام النعمة، فقال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ، مِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي لكم في الجنة غير الطعام

стр. 7457

والشراب فاكهة كثيرة الأنواع والأصناف، تأكلون منها مهما اخترتم وأردتم، كلما قطفتم ثمرة جددت لكم ثمرة أخرى. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات الأحكام التالية من أحكام يوم القيامة: ١ - الأصحاب والأصدقاء في الدنيا يكونون يوم القيامة أعداء، يعادي بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا إلا المتقين، فإنهم أصدقاء متحابون في الدنيا والآخرة. وهذا دليل على أن الخلّة أو الصحبة إذا كانت على المعصية والكفر، صارت عداوة يوم القيامة، أما الموحدون الذين يخالل بعضهم بعضا على الإيمان والتقوى، فإن خلتهم لا تصير عداوة. ٢ - عباد الله المؤمنون المطيعون المتقون آمنون في الآخرة من الخوف، متخلصون من الحزن، قد أزال الله عنهم الخوف والحزن كما وعدهم، وأشعرهم بالفرح من نواح أربع هي: أ-خاطبهم تعالى بنفسه من غير واسطة، بقوله: ﴿يا عِبادِ.﴾ .. ب-وصفهم تعالى بالعبودية، وهذا تشريف عظيم، كما شرف محمدا ﷺ ليلة المعراج، فقال: - ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ..﴾. [الإسراء ١/ ١٧]. ج -أزال عنهم الخوف يوم القيامة بالكلية، وهذا من أعظم النعم. د-نفى عنهم الحزن عما فاتهم من نعيم الدنيا الماضية (١). ٣ - يكرم الله المؤمنين إكراما على سبيل المبالغة، فيدخلهم الجنة هم

стр. 7458

وأزواجهم المؤمنات المسلمات في الدنيا، بعد أن أمّنهم من الخوف والحزن. وهذا يعني أن حسابهم يمر على أسهل الوجوه وأحسنها. ٤ - تقدّم الأطعمة والأشربة لأهل الجنة فيها بآنية الذهب. أما في الدنيا فيحرم استعمال أواني الذهب والفضة، جاء في الصحيحين عن حذيفة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الدّيباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة». وروى الأئمة من حديث أم سلمة عن النبي ﷺ قال: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» وهذان الحديثان يقتضيان التحريم، بلا خلاف في ذلك. والنهي عن الأكل والشرب يدل على تحريم الاستعمال والانتفاع بمختلف الأوجه، لأنه نوع من المتاع، فلم يجز، ومن استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه. أما الإناء المضبب بالذهب أو الفضة أو المشتمل على حلقة منهما، كالمرآة ذات الحلقة الفضية، فلا يشرب فيه، ولا ينظر في المرآة. وإذا لم يجز استعمال الإناء لم يجز اقتناؤه، لأن ما لا يجوز استعماله لا يجوز اقتناؤه كالصنم والطّنبور (١). ٥ - في الجنة كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وأهلها باقون دائمون فيها، روى الترمذي عن سليمان بن بريدة عن أبيه: «أن رجلا سأل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هل في الجنة من خيل؟ قال: إن الله أدخلك الجنة، فلا تشاء أن تحمل على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت.

стр. 7459

وسأله رجل، فقال: يا رسول الله، هل في الجنة من إبل؟ قال: إن يدخلك الله الجنة، يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذّت عينك». ٦ - إن الظفر بنعيم الجنة يكون بسبب العمل الصالح في الدنيا. ٧ - في الجنة ألوان كثيرة من الفواكه المختلفة والثمار الطيبة كلها، رطبها ويابسها، سوى الطعام والشراب، يأكل أهلها منها، دون انقطاع ولا فناء، وهذا تعويض لمن حرم منها في الدنيا، وتكميل للرغبة، وتقوية لدواعي العمل المؤدي إليها. عذاب أهل النار وأسبابه ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ (٧٦) وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ الإعراب: ﴿فِي عَذابِ جَهَنَّمَ، خالِدُونَ﴾ خبران ل ﴿إِنَّ﴾ أو ﴿خالِدُونَ﴾ خبر، والظرف متعلق به. البلاغة: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنّا مُبْرِمُونَ﴾ التفات من الخطاب في قوله: ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ﴾ إلى الغيبة للإشعار بأن الإبرام أسوأ من كراهتهم للحق.

стр. 7460

﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ بين السر والنجوى طباق، أي الخفاء والعلانية. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ ذوي الجريمة الكبرى وهم الكفار الذين هم جعلوا في مقابل المؤمنين بالآيات ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ لا يخفف عنهم، بجعل العذاب متقطعا على فترات ﴿مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من النجاة، حزينون من شدة اليأس، من الإبلاس وهو الحزن الناشئ من شدة اليأس، ويصاحبه عادة سكوت. ﴿مالِكُ﴾ خازن النار ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ ليمتنا، أي سل ربك أن يقضي علينا، من قضى عليه إذا أماته ﴿ماكِثُونَ﴾ مقيمون في العذاب دائما، لا خلاص لكم بموت ولا غيره ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ﴾ قال تعالى: لقد جئناكم يا أهل مكة بالحق الثابت على لسان الرسول ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً﴾ بل أحكموا تدبير أمر في كيد النبي محمد وتكذيب الحق ورده، ولم يقتصروا على كراهيته ﴿فَإِنّا مُبْرِمُونَ﴾ محكمون كيدنا في إهلاكهم ومجازاتهم. ﴿سِرَّهُمْ﴾ حديث الخفية مع النفس أو الغير في مكان ﴿وَنَجْواهُمْ﴾ تناجيهم فيما بينهم وهو ما يجهرون به بينهم ﴿بَلى﴾ نسمع ذلك ﴿وَرُسُلُنا﴾ والحفظة ﴿لَدَيْهِمْ﴾ عندهم، ملازمون ﴿يَكْتُبُونَ﴾ ذلك. سبب النزول: نزول الآية (٧٩): ﴿أَمْ أَبْرَمُوا.﴾. قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم في المكر به-بالنبي ﷺ في دار الندوة. نزول الآية (٨٠): ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ.﴾.: أخرج ابن جرير الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: بينا ثلاثة بين الكعبة وأستارها: قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد منهم، ترون الله يسمع كلامنا؟ فقال آخر: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع، فأنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ..﴾. الآية.
следующие страницы →