الإعراب:
﴿لا انْفِصامَ لَها﴾: هذه الجملة في موضع نصب على الحال من ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ التي هي ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾.
﴿أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ أولياء: مبتدأ، والطاغوت خبره، وبما أن خبر المبتدأ يكون على وفق المبتدأ، فيجب أن يكون الطاغوت جمعا؛ لأن أولياء جمع، والطاغوت: تصلح للواحد والجمع. وأصل طاغوت: طغيوت، إلا أنهم قلبوا الياء التي هي لام إلى موضع العين، فصار طيغوتا، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار طاغوتا.
البلاغة:
﴿اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾: استعارة تمثيلية، حيث شبه المتمسك بدين الإسلام بالمتمسك بالحبل المحكم. وعدم الانفصام ترشيح.
﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ استعارة تصريحية، حيث شبه الكفر بالظلمات، والإيمان بالنور.
المفردات اللغوية:
﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ لا جبر ولا إلجاء على الدخول في الدين، والدين هنا: المعتقد والملة بقرينة قوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ أي ظهر بالآيات البينات الواضحات أن الإيمان رشد، والكفر غي، والرشد والرشاد: الهدى وكل خير، وضده الغي أي الضلال في الاعتقاد أو الرأي. أما الجهل فهو كالغي إلا أنه في الأفعال لا في الاعتقاد.
﴿بِالطّاغُوتِ﴾ الشيطان أو الأصنام، مأخوذ من الطغيان: وهو مجاوزة الحد في الشيء.
ويجوز تذكيره وتأنيثه وإفراده وجمعه، ويتحدد المراد بحسب المعنى.
﴿اِسْتَمْسَكَ﴾ تمسك ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ بالعقد المحكم. والعروة: من الدلو والكوز ونحوهما: المقبض الذي يمسك به من يأخذهما. والوثقى: مؤنث الأوثق: وهو الحبل الوثيق المحكم. ويجوز أن يراد بالعروة الوثقى: الشجر الملتف ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ لا انقطاع لها.
стр. 772
﴿اللهُ وَلِيُّ﴾ الولي: الناصر والمعين، أي أن الله يتولى أمور المؤمنين بالرعاية والعناية والهداية ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ الكفر والضلالات ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإيمان.
وأفرد النور وجمع الظلمات؛ لأن الحق واحد لا يتعدد، وأما أنواع الضلال والكفر فكثيرة، كما قال ابن كثير.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٥٦):
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ في رجل من الأنصار من بني سالم يقال له: الحصين (١)، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو مسلما، فقال للنبي ﷺ : ألا أستكرههما، فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله الآية.
وفي رواية: أنه حاول إكراههما، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله: أيدخل بعضي النار، وأنا أنظر؟ فنزلت، فخلاهما.
وروى أبو داود والنسائي وابن حبان عن ابن عباس قال: كانت المرأة من نساء الأنصار تكون مقلاة (٢)، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾.
نزول الآية (٢٥٧):
أخرج ابن جرير الطبري عن عبدة بن أبي لبابة في قوله: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: هم الذين كانوا آمنوا بعيسى فلما جاءهم محمد ﷺ آمنوا به وأنزلت فيهم هذه الآية.
стр. 773
المناسبة:
حددت آية الكرسي ما يتصف به الله من تفرد بالألوهية والملك والسلطان في السموات والأرض، والحياة، والقيام بأمر الخلائق دون عناء ولا مشقة، وإحاطة العلم بكل شيء، فلا يصح بعدئذ أن يكون هناك إكراه على الدخول في الدين؛ لأن الفطرة، والمشاهدات الكونية، والفكر السليم تهدي إلى الإيمان بوجود الله ووحدانيته والاقتناع بالإسلام دينا ومنهج حياة.
التفسير والبيان:
لا تكرهوا أحدا على الدخول في الإسلام، فإن دلائل صحته لا تحتاج بعدها إلى إكراه، ولأن الإيمان يقوم على الاقتناع والحجة والبرهان، فلا يفيد فيه الإلجاء أو القسر أو الإلزام والإكراه، كقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٩٩/ ١٠].
وقد بان طريق الحق من الباطل، وعرف سبيل الرشد والفلاح، وظهر الغي والضلال، وأن الإسلام هو منهج الرشد، وغيره طريق الضلال، فمن شاء فليؤمن به ومن شاء فليكفر.
وهذه الآية أوضح دليل على بطلان زعم أن الإسلام قام بالسيف، فلم يكن المسلمون قبل الهجرة قادرين على مجابهة الكفار أو إكراههم، وبعد أن تقووا في المدينة وعلى مدى القرون الماضية لم يكرهوا أحدا على الإسلام، كما يفعل أتباع الملل الأخرى كالنصارى، وقد نزلت هذه الآية في بداية السنة الرابعة من الهجرة، حيث كان المسلمون أعزاء وأقوياء.
ولم يلجأ المسلمون إلى الحرب أو الجهاد إلا لرد العدوان، والتمكين من حرية التدين، ومنع تعسف السلطة الظالمة الحاكمة من استعمال المسلمين حقهم في الدعوة
стр. 774
إلى الله، ونشر الإسلام في أنحاء الأرض، بدليل قبول المعاهدات والصلح على دفع الجزية وتخيير العدو بين ذلك وبين الاحتكام إلى القتال.
ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره، بسبب عدم استخدامه وسائل النظر والمعرفة الصحيحة، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا.
وبناء عليه، من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة غير الله، وكفر بعبادة أي مخلوق من الناس أو الجن أو الشيطان أو الكواكب أو الأوثان والأصنام، وعبد الله وحده وشهد أن لا إله إلا هو، فقد تمسك بالحق، وثبت على الهدى، واستقام على الطريق المستقيم، وكان مثله مثل الممسك بعروة حبل محكم مأمون الانقطاع، أي أن الله تعالى شبه من استمسك من الدين بأقوى سبب بمن استمسك بالعروة القوية التي لا تنفصم، فصارت محكمة مبرمة قوية، لا يحلّ ربطها القوي الشديد. والعروة الوثقى فسرت بعبارات ترجع إلى معنى واحد: وهي الإيمان، أو الإسلام، أو لا إله إلا الله.
والله يرصد بدقة أقوال الناس وأفعالهم وتصوراتهم وأفكارهم، فهو سميع لقول من يدعي الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، عليم بما يضمره قلبه من تصديق أو تكذيب؛ لأن الإيمان: ما نطق به اللسان واعتقده القلب، والله سميع عليم بكل شيء ظاهر وباطن، يعلم حقائق الأشياء والأقوال والمعتقدات والأفعال. قال القرطبي: ولما كان الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات: ﴿سَمِيعٌ﴾ من أجل النطق، ﴿عَلِيمٌ﴾ من أجل المعتقد.
والله يتولى أمور المؤمنين بالرعاية والعناية والهداية لأرشد الأمور، وهو يخرجهم بهداية الحواس والعقل والدين من ظلمات الشك والشبهة، والجهل
стр. 775
والضلالة، والكفر والانحراف، إلى نور العلم والمعرفة واليقين والإيمان الصحيح، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا، فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف ٢٠١/ ٧] قال مجاهد وعبدة بن أبي لبابة: نزلت في قوم آمنوا بعيسى، فلما جاء محمد ﵇ كفروا به، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات (١).
وأما الكافرون بالله ورسوله فلا سلطان على نفوسهم إلا لمعبوداتهم الباطلة التي تقودهم إلى الضلال، فإن لاح لهم نور الحق والإيمان، بادر الشيطان وما يلقيه من وساوس إلى إطفاء هذا النور، وإبقاء الكفار في ظلمات الشك والضلال، والكفر والعصيان، أو النفاق والتردد.
وكان جزاؤهم الحق المنتظر هو الخلود في النار والملازمة لها بسبب بعدهم عن الهدى، وتماديهم في الضلال، وعدم استنارة قلوبهم بنور الحق.
وبما أن الحق واحد وحّد الله تعالى لفظ النور، وجمع الظلمات؛ لأن الكفر أجناس مختلفة كثيرة، وكلها باطلة، كما قال: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام ١٥٣/ ٦] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١/ ٦] ونحو ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق وانتشار الباطل وتشعبه.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية قاعدة من قواعد الإسلام الكبرى، وركن عظيم من أركان سياسته ومنهجه، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، ولا يسمح لأحد أن يكره أحدا من أهله على الخروج منه.
стр. 776
وهذا يكون إذا كنا أصحاب قوة ومنعة نحمي بها ديننا وأنفسنا ممن يحاول فتنتنا في ديننا، ويكون الجهاد ضد السلطة الباغية أمرا اضطراريا لتأمين حرية الدعوة، وأمن الفتنة، وتترك قضية التدين أو اعتناق الإسلام في المجال الفردي أو الجماعي أو الشعبي للمجادلة بالتي هي أحسن، وللإقناع بالحجة والبرهان.
وأما ادعاء كون هذه الآية منسوخة بآية ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ [التوبة ٧٣/ ٩] كما روي عن ابن مسعود، فهو يتنافى مع كون هذه الآية نزلت في السنة الثالثة أو الرابعة من الهجرة، بعد تشريع الجهاد والإذن بالقتال، ويتناقض مع سبب بالنزول كما بينا، فضلا عن الاختلاف في النسخ على ستة أقوال أوردها القرطبي (١).
فقال الشعبي وقتادة والحسن البصري والضحاك: ليست بمنسوخة، وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، والذين يكرهون: أهل الأوثان من العرب، فلا يقبل منهم إلا الإسلام، فهم الذين نزل فيهم: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ وحجتهم: ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية:
أسلمي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمدا بالحق، فقالت: أنا عجوز كبيرة والموت إلي قريب! فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾.
وضعّف ابن العربي القول بنسخ الآية، وقال: ﴿لا إِكْراهَ﴾ عموم في نفي إكراه الباطل، فأما الإكراه بحق فإنه من الدين، ورأى أن قتل الكافر في الحرب قتل على الدين (٢)،
لقوله ﷺ في الحديث المتواتر الذي رواه الأئمة عن أبي هريرة: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾
стр. 777
[البقرة ١٩٣/ ٢] لكن فاته أن المراد بالناس بإجماع العلماء هم مشركو العرب. وهذا راجع لسبب خاص بالعرب؛ لأنهم حملة رسالة الإسلام، وبلادهم منطلق الإسلام، فجاز إكراههم بحق لهذين السببين.
ودلت آية ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ على ظهور أدلة الرشد والإيمان وتميز الدين الحق عن الغي والضلال والجهالة، وأن الإسلام هو دين الحق، وأن أنواع الكفر كلها باطلة.
ودلت آية ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على أن من آمن من الناس، فالله متولي أموره، يخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ومن كفر بعد وجود النبي ﷺ ، الداعي المرسل، فشيطانه مغويه، كأنه أخرجه من الإيمان، إذ هو معه. ودلت أيضا على أن الحكم على الكفار بالدخول في النار، لكفرهم هو عدل منه تعالى، ولا يسأل عما يفعل.
وهذه الآية بمثابة الدليل على منع الإكراه في الدين؛ لأن الولاية على العقول والقلوب هي لله تعالى وحده، والهداية إلى الإيمان تكون بتوفيق الله تعالى من شاء، وإعداده للنظر في الآيات والخروج من الشبهات، بما ينقدح لنظره من نور الدليل، لا بالإجبار والإكراه.
والخلاصة: أن المؤمن لا ولي له ولا سلطان لأحد على اعتقاده إلا الله تعالى، وتكوين الإيمان يكون باستعمال الهدايات التي وهبها الله للإنسان وهي الحواس والعقل والدين.
أما الكفار فلا سلطان على نفوسهم إلا لتلك المعبودات الباطلة المؤدية إلى الطغيان، فهي التي تقوده إلى إخلاء قلبه من الإيمان، والانصراف إلى التمتع بالشهوات الحسية أو المعنوية كالسلطة أو الجاه، والاسترسال في الفواحش والمنكرات أو الظلم والطغيان. وعرف ابن القيم الطاغوت: بأنه ما تجاوز به
стр. 778
العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، وقال: الطواغيت كثيرة، ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله، من عبد وهو راض، من دعا الناس إلى عبادة نفسه، من ادعى شيئا من علم الغيب، من حكم بغير ما أنزل الله.
قصة النّمروذ الملك
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٢٥٨)﴾
الإعراب:
﴿رَبِّهِ﴾ الهاء تعود على الذي وهو نمروذ ﴿آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ في موضع نصب لأنه مفعول لأجله، وتقديره: لأن آتاه الله، فحذف اللام فاتصل الفعل به. والهاء في ﴿آتاهُ﴾ فيها وجهان:
إما أن تكون عائدة على إبراهيم، أي: أن آتى الله إبراهيم النبوة، وإما أن تعود على ﴿الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ﴾ وهو نمروذ الذي خاصم إبراهيم لأن آتاه الله الملك. ﴿إِذْ قالَ﴾ إذ: ظرف زمان والعامل فيه ﴿تَرَ﴾. والياء في ﴿رَبِّيَ﴾ يجوز فيها التحريك والإسكان، فمن حركها شبهها بالكاف في ﴿رَأَيْتَكَ﴾، ومن سكّنها استثقل الحركة عليها، لأن الحركات تستثقل على حرف العلة.
البلاغة:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الاستفهام للتعجب، والرؤية قلبية.
﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ عبر بالمضارع لأنه يفيد التجدد والاستمرار. وصيغة ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ تفيد القصر لورود المبتدأ والخبر معرفتين، أي أنه تعالى وحده هو الذي يحيي ويميت.
ويوجد طباق بين يحيي ويميت أو بين المشرق والمغرب.
﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ يشعر التعبير بأن العلة وسبب الحيرة هو كفره، ولو قال: فبهت الكافر لما أدى ذلك المعنى.
стр. 779
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الاستفهام للتعجب والإنكار ﴿حَاجَّ﴾ جادل ﴿أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ أي حمله بطره بنعمة الله على ذلك وهو نمروذ.
﴿فَبُهِتَ﴾ تحير ودهش،
وفي الحديث: «إن اليهود قوم بهت»، ﴿الظّالِمِينَ﴾ المعرضين عن قبول الهداية بالنظر فيما يؤدي إلى الحق.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى فيما سبق أن الله ولي الذين آمنوا، وأن الطاغوت ولي الكافرين، أعقبه بذكر نموذج للإيمان ونموذج للطغيان، ليبين تلك القضية ويشهد على صدقها وصحتها، وهو أن إبراهيم وفقه الله للأدلة التي تدحض الشبهات، وأن الملك عمي عن نور الحق، فكانت حججه متهافتة ساقطة، تتردد في ظلمات الشكوك والأوهام، فصارت هذه القصة مثلا للمؤمن والكافر اللذين تقدم ذكرهما (١).
التفسير والبيان:
ألم تعلم قصة النمروذ الملك الذي تجبر وادعى الربوبية وهو النّمروذ بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح ﵇ ملك زمانه، وعارض إبراهيم في ربوبية الله (٢).
والذي حمله على المجادلة: هو الملك وما يعقبه من كبر وبطر وغرور، وهو ملك بابل، وقيل: إنه ملك زمانه، ملك الدنيا بأجمعها، قال مجاهد: وملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران: فالمؤمنان: سليمان بن داود
стр. 780
وذو القرنين، والكافران: نمروذ وبختنصّر (١). فالنمروذ الملك لم يشكر النعمة، بل أبطرته، وجعلته يطغى، مع أن النعمة مدعاة الشكر، فجعل ما كان سببا في الطاعة سببا في المعصية.
وهو في رأي ابن عباس ومجاهد وجماعة آخرين: صاحب النار والبعوضة، فهو الذي أضرم النار لإحراق إبراهيم ﵇، وكان إهلاكه لما قصد المحاربة مع الله تعالى: بأن فتح الله تعالى عليه بابا من البعوض، وبعثها على عسكره، فأكلت لحومهم، وشربت دماءهم، ودخلت واحدة منها في دماغه، فأكلته حتى صارت مثل الفأرة، فكان أعز الناس عنده بعد ذلك من يضرب دماغه بمطرقة عتيدة لذلك، فبقي في البلاء أربعين يوما (٢).
وكان قوم الملك يعبدون ملوكهم مع آلهتهم، فأحب الملك أن يرجع إبراهيم عن نحلته الجديدة المخالفة لنحلة قومه، وان يعبده وآلهته.
وهذه قصة المجادلة (٣):
حينما كسّر إبراهيم ﵇ الأصنام التي تعبد من دون الله، وسفّه عقول عابديها، سأله نمروذ عن ربه الذي يدعو إلى عبادته، فأجابه: ربي الذي يحيي ويميت فهو مصدر الحياة وسبب الممات، أي ينشئ الحياة والموت، فأنكر الملك الطاغية الذي كان أول من تجبر وقال: أنا أحيي بعض البشر بالعفو عمن حكم عليه بالإعدام، وأميت البعض الآخر بالقتل وتنفيذ الحكم المقرر عليه، وأحضر رجلين عفا عن أحدهما، وقتل الآخر، وأخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتا وتركهم بدون طعام وشراب، ثم أطعم اثنين فحييا، وترك اثنين فماتا.
стр. 781
وهذا أول السقوط والضعف في حجة النمروذ، لأن المراد في قول إبراهيم:
إنشاء الحياة وتكوينها بعد العدم، وإزالة الحياة القائمة لجميع الكائنات الحية من نبات وحيوان وغيرهما، لا مجرد التسبب في بقاء الحياة، وإعدامها لفئة من الناس حكم عليهم بالإعدام، فجواب النمروذ بمعنى أنه يكون سببا في الإحياء والإماتة.
ولما رأى إبراهيم مغالطة الطاغية وتجاهله المقصود من معنى الإحياء والإماتة، انتقل إلى حجة أخرى لا مجال فيها للمكابرة أو المغالطة، فقال: إن ربي الذي يمنح الحياة ويسلبها بقدرته وإرادته المطلقة هو الذي يطلع الشمس من المشرق، فإن كنت تدعي الربوبية، فغيّر نظام طلوع الشمس وغروبها، وائت بها من جهة المغرب.
فلم يجد من تولى كبره جوابا، ودهش وتحير، وأعجزته الحجة، وأفحمه إبراهيم، وغلبه وأسكته، وقطع حجته، ولم يمكنه، أن يقول: آنا الآتي بها من المشرق، لأن الواقع يكذبه.
والله لا يهدي الظالمين أنفسهم المعرضين عن قبول هداية الله إلى طريق الخير والفلاح أبدا، بل يطمس الله على قلوبهم وبصائرهم، ويفضح شأنهم في أحلك أوقات الشدة والأزمة أمام الملأ من الناس. وهذا يدل على أن عدم الهداية ليس للطائعين، وإنما للظالمين، والمراد: هداية خاصة، أو ظالمون مخصوصون (١).
وقد ذكر السّدّي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمرود بعد خروج إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك، إلا في ذلك اليوم، فجرت بينهما هذه المناظرة، وكان ذلك نصرا لخليل الله إبراهيم بعد نصر، وهكذا تتوالى الانتصارات لأولياء الله وأصفيائه، وتتعاقب الهزائم لأعداء الله، وتبدو مواقف الخذلان لهم
стр. 782
لكل ناظر عاقل متأمل، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ، فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ [الأنبياء ١٨/ ٢١].
فقه الحياة أو الأحكام:
تدل هذه الآية على جواز تسمية الكافر ملكا إذا آتاه الله الملك والعزّ والرّفعة في الدنيا، وتدل أيضا على جواز أن ينعم الله على الكافرين في الدنيا، ثم يحرم منها في الآخرة، ولا يجد إلا النار. وتدل على إثبات المناظرة وصحة المجادلة في الدين وإقامة الحجة، وفي القرآن والسنة مواقف كثيرة من هذا الجدال، كما في قصة نوح ﵇ مثلا: ﴿قالُوا: يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هود ٣٢/ ١١ - ٣٥] إلى قوله: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾، لأن الجدال في الدّين لا يظهر فيه الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل. وجادل رسول الله ﷺ أهل الكتاب، وباهلهم (١) بعد بيان الحجة.
وتجادل أصحاب رسول الله ﷺ يوم السقيفة وتدافعوا وتناظروا حتى صدر الحق في أهله، ثم تناظروا أيضا بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردة، إلى غير ذلك مما يكثر إيراده.
وفي قول الله : ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران ٦٦/ ٣] دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر.
وأدب المجادلة محدد مرسوم في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥/ ١٦].
стр. 783
وذكر الأصوليون في، هذه الآية: أن إبراهيم ﵇، لما وصف ربه تعالى بالإحياء والإماتة، قصد إلى الحقيقة، وأما النمرود فلجأ إلى المجاز وموّه على قومه، فسلّم له إبراهيم تسليم الجدل، وانتقل معه إلى أمر لا مجاز فيه، وعارضة بالشمس، فبهت الذي كفر.
ويستفاد من الآية أيضا أن الله تعالى لا يشبهه شيء من خلقه، وأن طريق معرفته: ما في الكون من الدلائل القاطعة على توحيده، لأن أنبياء الله ﵈ إنما حاجوا الكفار بمثل ذلك، ولم يصفوا الله تعالى بصفة توجب التشبيه، وإنما وصفوه بأفعاله واستدلوا بها وبآثاره عليه.
قصة العزير وحماره
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَاُنْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾
الإعراب:
﴿أَوْ كَالَّذِي﴾: الكاف إما زائدة، وتقديره: أو الذي مر على قرية على عروشها، وهي خاوية. والذي: في موضع جر، معطوف على قوله: ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾، وإما للتشبيه، معطوفا على معنى ما تقدمه من الكلام، لأن معنى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾، وألم تر كالذي حاج: واحد. ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ في موضع نصب، لأنه بدل من قوله: ﴿عَلى قَرْيَةٍ﴾، ويكون
стр. 784
﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ جملة اعتراضية. وفسر قوم: ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أي ساقطة سقوفها، فلا يكون هناك اعتراض.
﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾: كم: في موضع نصب على الظرفية الزمانية، وتقديره: كم لبثت يوما.
﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ إما أصله: يتسنّن، من قوله: ﴿حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ أي متغير، قلبت النون الثالثة ياء كراهية اجتماع ثلاث نونات، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار «يتسنّى» ثم حذفت الألف للجزم، فصار: يتسن، وأدخلت عليه هاء السكت، وإما مأخوذ من «تسنّه وسانهت» تفعل من السنة، فيكون المعنى: لم يتغير بمرّ السنين، وأصل سنة: سنهة.
﴿وَلِنَجْعَلَكَ﴾ الواو عطف على فعل مقدر، تقديره: انظر إلى حمارك لتتيقن ما تعجبت منه، حين قلت: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، ولنجعلك آية للناس.
البلاغة:
﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ أي موت سكان القرية، مجاز مرسل من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحال.
﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً﴾ فيها استعارة الكسوة للحم الذي غطى العظم، كما يستر الجسد باللباس، ثم حذف المشبه به وهو الثوب، وأتى بشيء من لوازمه وهو الكسوة على سبيل الاستعارة المكنية.
المفردات اللغوية:
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ أي عزير الذي مر على ضيعة هي بيت المقدس، راكبا ومعه سلة تين وقدح عصير ﴿خاوِيَةٌ﴾ ساقطة، أو خالية من السكان، والعروش: السقوف، لما خربها بختنصر. ﴿أَنّى يُحْيِي﴾ كيف، وهو استبعاد منه للإحياء بعد الموت، والمراد بالإحياء هنا: العمارة بالبناء والسكان ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ خرابها ﴿فَأَماتَهُ اللهُ﴾ أي جعله فاقدا للحس والحركة والإدراك بدون أن تفارق الروح البدن بتاتا، كما حدث لأهل الكهف ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أرسله من بعثت الناقة:
إذا أطلقتها من مكانها، وعبر بالبعث دون الإحياء إيذانا بأنه عاد كما كان أولا حيا عاقلا كامل المدارك. ويرى الأطباء أن من الناس من يبقى حيا زمنا طويلا، لكنه يكون فاقد الحس والشعور، وهو المسمى لديهم بالسبات: وهو النوم المستغرق، ومرد كل ذلك إلى قدرة الله بالحفظ مائة سنة أو ثلثمائة سنة أو أكثر أو أقل، وقال القرطبي: وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد. ﴿طَعامِكَ﴾ التين ﴿وَشَرابِكَ﴾ العصير ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لم يتغير مع طول الزمان، والهاء إما للسكت من سانيت، وإما من أصل الكلمة وهي سانهت ﴿وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ﴾ كيف هو، فرآه ميتا وعظامه باقية ﴿وَلِنَجْعَلَكَ﴾ فعلنا ذلك لتعلم ولنجعلك آية على البعث، أي علامة على قدرة
стр. 785
الله ﴿نُنْشِزُها﴾ نرفعها من الأرض ثم نردها إلى أماكنها من الجسد وقرئ «ننشرها» أي نحييها ﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً﴾ فنظر إليها وقد تركبت وكسيت لحما، ونفخ في الجسد الروح، وظهرت عليه علائم الحياة ﴿أَعْلَمُ﴾ علم مشاهدة.
المناسبة:
القصة السابقة لإثبات وجود الله، وهذه القصّة والتي تليها في قوله تعالى:
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ﴾ لإثبات الحشر والبعث بعد الفناء.
التفسير والبيان:
أرأيت مثل هذا الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، أي ساقطة جدرانها على سقوفها (١)، وهي معطوفة على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ وهي بمعنى قوله: هل رأيت مثل الذي حاجّ في ربّه. وما هي القرية؟ ومن هو المارّ؟ قيل: إنّه بيت المقدس، والمارّ: هو عزير بن شرخيا، وهو القول المشهور، وقيل: هي دير هرقل على شطّ الدّجلة، والمارّ:
هو أرميا من سبط هارون ﵇. وقيل: إنه الخضر ﵇، وقيل:
اسمه حزقيل بن بوار، وقال مجاهد: هو رجل من بني إسرائيل.
فقال: كيف يعمّر الله هذه القرية بعد خرابها، والمراد استبعاد عمرانها بالبناء والسّكان، بعد أن خربت وتفرّق أهلها، ولكنّه في الوقت نفسه يستعظم قدرة الله تعالى لما رأى شدّة خرابها، فقوله: اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الأحياء، واستعظام لقدرة المحيي.
فجعله الله فاقد الحسّ والحركة مائة عام، مع بقائه حيّا، ثمّ أطلق فيه
стр. 786
الحركة وبعثه بسرعة وسهولة، كأنّه كان نائما ثم استيقظ، فوجد القرية قد عمرت بعد سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، ورجع إليها بنو إسرائيل. فقيل له بواسطة الملك: كم وقتا لبثت؟ وسئل هذا السؤال ليظهر عجزه عن الإحاطة بشؤون الله تعالى. وأكثر المفسّرين على أن ظاهر هذه الإماتة: أنها بإخراج الرّوح من الجسد، والأظهر أن القائل: هو الله تعالى، من طريق ملك أو هاتف من السماء يقول له ذلك.
فقال: لبثت يوما أو بعض يوم، على التّقريب والظنّ والتّخمين، لأنّه مات أوّل النهار، ثم بعثه الله في آخر النهار، فلما رأى الشمس باقية ظنّ أنها شمس ذلك اليوم، فقوله هذا على ما عنده وفي ظنّه، فلا يكون كاذبا فيما أخبر به، ومثله قول أصحاب الكهف: ﴿قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف ١٩/ ١٨]، وإنّما لبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين.
فأجيب: بل لبثت مائة عام، فانظر لترى دلائل قدرتنا إلى طعامك وشرابك طوال هذه المدّة، لم يتغيّر ولم يفسد، مع أنّ العادة جرت بفساد مثله بمضي مدّة قليلة.
وانظر أيضا لترى الدّليل على قدرتنا إلى حمارك كيف نخرت عظامه وتقطّعت أوصاله، لتتبيّن تطاوّل مرور الزّمان عليه وعليك وأنت راقد أو نائم فعلنا بك ما فعلنا لتعاين ما استبعدته، ولتتيقّن ما تعجبت منه، ولنجعلك دليلا على المعاد، وآية دالّة على تمام قدرتنا على البعث يوم القيامة، كقوله تعالى:
﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان ٢٨/ ٣١]، فقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ دليل على البعث بعد الموت.
وانظر كيف نرفع عظام حمارك المتناثرة يمينا وشمالا، فيركب بعضها على بعض، ونردها إلى أماكنها من الجسد، ثم نكسوها لحما وعصبا وعروقا وجلدا،
стр. 787
كما يستر الثوب الجسد، ثم بعث الله ملكا فنفخ الرّوح في هذا الجسم، فنهق كله بإذن الله ، وذلك كلّه بمرأى من العزير. فالقادر على هذا الإحياء بعد موت مائة سنة قادر على الإحياء بعد آلاف السنين، لأن الأفعال الإلهية تشبه بعضها.
فلما تبيّن له هذا كله قال: أنا عالم بهذا، وقد رأيته عيانا، وأعلم علما يقينيا أن الله على كل شيء من الأشياء قدير لا يستعصي عليه أمر.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه القصة دليل واضح على إمكان البعث بعد الفناء، والحشر بعد النشر من القبور، والدليل الثابت الذي يمكن أن يحتجّ به على البعث في كل زمان ومكان:
هو سنته تعالى في تكوين الحيوان وإنشاء لحمه وعظمه، والإنشاء معناه:
التقوية، والإنشاز معناه: التنمية. وهذه حالة خاصة، وأما الآية الكبرى العامة وهي كيفية التّكوين الدّالة على قدرة الله على البعث، فهي قوله تعالى: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف ٢٩/ ٧]، وقوله: ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤/ ٢١].
والرّاجح أن الذي مرّ على القرية كان من الصدّيقين أو الأنبياء، وقيل: إنه كان من الكافرين، وهو ضعيف، لأن الكافر لا يؤيّد بآيات الله. والكلام على الوجه الأوّل الصّحيح مثل لهداية الله تعالى للمؤمنين، وإخراجهم من الظّلمات إلى النّور، كما كان شأن إبراهيم مع ذلك الكافر.
والإخبار أو اليمين على الظنّ لا يكون كذبا، ولا يوجب كفارة اليمين، وهذا هو المراد عند الحنفية والمالكية والحنابلة (الجمهور) بلغو اليمين الذي عفا الله عنه، أخذا بقوله تعالى: ﴿قالَ: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وقوله في سورة الكهف: ﴿قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف ١٩/ ١٨]، ونظيره
قول
стр. 788
النّبي ﷺ في قصة ذي اليدين (الخرباق بن عمرو) في حديث متفق عليه عن أبي هريرة: «لم أقصر ولم أنس».
وعلى هذا يجوز أن يقال: إن الأنبياء لا يعصمون عن الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، إذا لم يكن عن قصد، كما لا يعصمون عن السّهو والنسيان.
وجعل عزيز آية للناس: كان في إماتته مدة مائة عام، ثم إحيائه بعدها.
حبّ الاستطلاع عند إبراهيم ﵇
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاِعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾
الإعراب:
﴿كَيْفَ تُحْيِ﴾ كيف: في موضع نصب بفعل (يحيي) وهو سؤال عن الحال، وتقديره:
بأي حال تحيي؟ ولا يجوز أن يكون العامل فيه ﴿أَرِنِي﴾ لأن كيف للاستفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
﴿أَوَلَمْ﴾ دخلت همزة الاستفهام على واو العطف، ولا يدخل شيء من حروف الاستفهام على حروف العطف إلا الهمزة؛ لأنها الأصل في حروف الاستفهام.
﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ اللام إما لام «كي» وهي متعلقة بفعل مقدر، وتقديره: ولكن سألتك ليطمئن قلبي، أو أرني ليطمئن قلبي، وإما لام الأمر والدعاء، كأنه دعا لقلبه بالطمأنينة، والوجه الأول أوجه.
﴿سَعْياً﴾ مصدر منصوب في موضع الحال، أي يأتينك ساعيات، كقولهم: جاء زيد ركضا أي راكضا.
стр. 789
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ قالَ﴾ واذكر حين قال ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى﴾ قال الجمهور: لم يكن إبراهيم ﵇ شاكّا في إحياء الله الموتى قط، ولا في قدرة الله، وإنّما طلب المعاينة لكيفية الإحياء؛ لأن النفوس تحبّ الاطلاع على المجهول ورؤية ما أخبرت به، ولهذا
قال ﵇: «ليس الخبر كالمعاينة» رواه الطبراني عن أنس.
﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ بقدرتي على الإحياء، والسؤال والجواب مع علمه تعالى بإيمان إبراهيم لتعليم السامعين. ﴿بَلى﴾ حرف جواب أي آمنت. ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي سألتك ليسكن قلبي بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال.
﴿فَصُرْهُنَّ﴾ أي قطعهنّ، وقيل: المعنى: أملهنّ إليك أي ضمهنّ واجمعهنّ إليك، وقوله:
﴿إِلَيْكَ﴾ على تأويل التقطيع، متعلق بفعل «خذ» أي اجمعهنّ عندك ثم قطّعهن، واخلط لحمهن وريشهن، ثم وزّع أجزاءهنّ على مجموعة من الجبال، ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ (نادهنّ) إليك، ﴿يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ مسرعات، طيرانا ومشيّا.
﴿عَزِيزٌ﴾ غالب لا يعجزه شيء. ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه وتدبيره.
التفسير والبيان:
ونفّذ إبراهيم الخطّة ولم يعين الله تعالى الأربعة من أي جنس هي من الطّير، وقيل عن ابن عباس: أخذ طاووسا ونسرا وغرابا وديكا، وفعل بهنّ ما ذكر، وأمسك رؤوسهن عنده، ودعاهنّ، فتطايرت الأجزاء إلى بعضها، حتى تكاملت، ثم أقبلت إلى رؤوسها.
وقال مجاهد: كانت طاووسا وغرابا وحمامة وديكا (١)، فذبحهنّ، ثمّ فعل بهنّ ما فعل، ثمّ دعاهنّ، فأتين مسرعات، وهكذا يحيي الله الموتى بمجرد الأمر الإلهي:
﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢/ ٣٦]، ﴿فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت ١١/ ٤١].
стр. 790
وخلاصة القصّة: كان إبراهيم ﵇ محبّا للاستطلاع، فلما أوحى الله تعالى إليه أنه سيحيي الموتى ويحشرهم يوم القيامة، ليجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، فأحبّ أن يرى ميتا عاد حيّا، فسأل الله ذلك، ليطمئن قلبه، فأمره الله تعالى أن يأخذ أربعة طيور، فيذبحها، ويفرّق أجزاءها على الجبال، ثم يدعوها إليه، وحينئذ يرى كيف يعود الميت حيّا، ففعل ودعا الطيور إليه، فجاءت صحيحة، كأنها لم تمت أصلا.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه القصة دليل آخر على إثبات قدرة الله على إحياء الموتى، مهما تلاشت أجزاؤها، وتفتت ذراتها، وتطاول الزمان على موتها. ولم يكن إبراهيم ﵇ شاكّا في القدرة الإلهية على ذلك، وإنما ليثبت الاعتقاد بالتجربة الحسيّة أو الخبر والمعاينة، وهذا يشير إلى أهمية العلم التجريبي، والاختبارات العملية، لمعرفة كيفية تركيب الأشياء.
ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشّك، فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث، وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل، فقال: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الإسراء ٦٥/ ١٧]، وقال الشيطان: إلا عبادك منهم المخلصين، وإذا لم يكن له عليهم سلطنة، فكيف يشككهم؟! وإنما سأل إبراهيم ﵇ أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى علم اليقين، فقوله: ﴿أَرِنِي كَيْفَ﴾ طلب مشاهدة الكيفية، وليس اختبار القدرة الإلهية على الإحياء أو الإنشاء.
ثم إنه طلب طمأنينة القلب: وهي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد،
стр. 791
ليتبيّن الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا.
ولقد ذهبت كلمة إبراهيم مثلا بين الناس عند التصديق بالشيء، وطلب التأكّد من حصول الفعل، فيطلب الشخص من غيره ما يؤكد الوعد أو القول أو الفعل قائلا: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ مع توافر الثقة والائتمان.
وطلب إبراهيم وجيه، وبخاصة في عصرنا، حيث كثرت الشكوك، وسخر بعض الناس من احتمال بعث الأجساد والأرواح التي مات أصحابها في البرّ والبحر والجوّ، على مدى مرور آلاف السنين، وكثرة ملايين البشر من بدء الخليقة إلى يوم القيامة، فكان هذا الطلب في محله ليخرس الألسنة، ويطمئن الأفئدة، ويزيل الشكوك في المعتقدات.
وهو أيضا مثال ثالث لولاية الله تعالى للمؤمنين، وإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور، وهو كالذي قبله من آيات البعث. وكان المثال الأول: وهو محاجّة من آتاه الله الملك لإبراهيم، للدّلالة على وجود الله، والمثال الثاني: إماتة العزير مائة عام، والمثال الثالث: إماتة أربعة من الطيور. والحكمة في ذكر مثال واحد في إثبات الرّبوبيّة ومثالين في إثبات البعث أن منكري البعث أكثر من منكري الألوهيّة.
وأرشد قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ إلى ما ينبغي للإنسان أن يقف عنده، فلا يتعداه إلى ما ليس من شأنه. وفي هذا الإرشاد لخليل الرحمن تأديب للمؤمنين كافة، ومنع لهم عن التّفكر في كيفية التّكوين، وشغل نفوسهم بما استأثر الله تعالى به، فلا يليق بهم البحث عنه.
والحكمة في اختيار الطير على غيره: أن الطّير أقرب إلى الإنسان، وأجمع لخواص الحيوان، ولسهولة إجراء التجربة عليها، ولأن الطير أكثر نفورا من الإنسان في الغالب، فإتيانها بمجرد الدعوة أبلغ في المثل.
стр. 792
وأما كون الطيور أربعة فيفوّض فيه أمره إلى الله تعالى؛ لأن العدد تعبدي غالبا، وقيل: إنه الموافق لعدد الطبائع أو لعدد الرياح، وهو ليس بشيء، كما جاء في تفسير المنار.
ثواب الإنفاق في سبيل الله وآدابه
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤)﴾
الإعراب:
﴿أَنْبَتَتْ﴾ جملة فعلية في موضع جر صفة «لحبة». ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم.
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ﴾ قول: مبتدأ، ومغفرة: معطوف عليه، وخير: خبر.
стр. 793
﴿يَتْبَعُها أَذىً﴾ جملة فعلية في موضع جر صفة ﴿صَدَقَةٍ﴾.
﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ﴾ الكاف في موضع نصب صفة لمصدر محذوف وتقديره: إبطالا كالذي.
﴿رِئاءَ النّاسِ﴾ منصوب: إما لأنه مفعول لأجله، أو لأنه حال، أو صفة لمصدر محذوف تقديره، إنفاقا.
﴿كَمَثَلِ﴾ في موضع رفع لأنه خبر المبتدأ وهو: مثله. وصفوان: إما مفرد أو اسم جنس واحده صفوانة، مثل درّ ودرّة. وقال ﴿عَلَيْهِ﴾ بالتذكير؛ لأن اسم الجنس مذكر.
﴿عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ جملة اسمية في موضع جر لأنها صفة لصفوان.
البلاغة:
﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ تشبيه مرسل لذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه، شبه تعالى الصدقة التي تنفق في سبيله بحبة زرعت وباركها الله، فأصبحت سبعمائة حبّة.
﴿أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ مجاز عقلي؛ إذا أسند الإنبات إلى الحبة، مع أن المنبت هو الله تعالى.
﴿مَنًّا وَلا أَذىً﴾ ذكر العام بعد الخاص لإفادة الشمول؛ لأن الأذى أعمّ من المنّ.
﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ فيه تشبيه تمثيلي؛ لأن وجه الشبه منتزع من متعدد.
المفردات اللغوية:
﴿مَثَلُ﴾ صفة نفقات المنفقين في سبيل الله. ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ ما يؤدي إلى مرضاته تعالى.
﴿حَبَّةٍ﴾ واحدة الحبّ الذي يزرع. ﴿واسِعٌ﴾ فضله. ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحقّ مضاعفة الثواب.
﴿مَنًّا﴾ المنّ: أن يذكر المحسن إحسانه على المنفق عليه، ويظهر تفضله عليه، فيقول: قد أحسنت إليه وجبرت حاله. ﴿أَذىً﴾ الأذى: التّطاول والتّفاخر بالإنفاق، وذكره إلى من لا يحبّ اطّلاعه عليه، أو التّبرّم منه.
﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ثواب إنفاقهم. ﴿يَحْزَنُونَ﴾ في الآخرة. ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ كلام حسن وردّ جميل على السائل. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ ستر وتجاوز لإلحاحه في السؤال وغيره.
﴿خَيْرٌ﴾ أنفع وأكثر فائدة. ﴿غَنِيٌّ﴾ عن صدقة العباد. ﴿حَلِيمٌ﴾ بتأخير العقوبة عن المانّ والمؤذي. ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ﴾ أي أجورها كإبطال نفقة المرائي للناس.
стр. 794
﴿رِئاءَ النّاسِ﴾ مراءة لهم وسمعة، أي يفعل الخير مباهاة أو لأجل أن يروه فيحمدوه.
﴿صَفْوانٍ﴾ حجر أملس. ﴿وابِلٌ﴾ مطر شديد. ﴿صَلْداً﴾ صلبا أملس ليس عليه تراب أو غبار. ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ استئناف كلام لبيان مثل المنافق المنفق رئاء الناس. وجمع الضمير باعتبار معنى الذي، والمراد لا يجدون ولا يملكون شيئا. ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ عملوا، أي لا يجدون له ثوابا في الآخرة، كما لا يوجد على الصفوان شيء من التراب الذي كان عليه، لإذهاب المطر له.
سبب النزول:
قال الكلبي: نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، أما عبد الرحمن بن عوف فإنه جاء إلى النّبي ﷺ بأربعة آلاف درهم صدقة، فقال:
كان عندي ثمانية آلاف درهم، فأمسكت منها لنفسي ولعيالي أربعة آلاف درهم، وأربعة آلاف أقرضتها ربي، فقال له رسول الله ﷺ : «بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت».
وأما عثمان ﵁، فقال: عليّ جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك، فجهّز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، وتصدّق برومة ركية كانت له على المسلمين (١)، فنزلت فيهما هذه الآية.
وقال أبو سعيد الخدري: رأيت رسول الله ﷺ رافعا يده يدعو لعثمان، ويقول: «يا ربّ، إن عثمان بن عفان رضيت عنه، فارض عنه» فما زال رافعا يده حتى طلع الفجر، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الآية (٢).
стр. 795
المناسبة:
أثبتت الآيات السابقة أمر البعث، وأن الناس يبعثون إلى دار يوفون فيها أجورهم بغير حساب، وذكر هنا فضيلة الإنفاق في سبيل الله، وسبل الله كثيرة، مثل نشر العلم ومحاولة القضاء على الجهل والفقر والمرض، وأعظمها الجهاد لتكون كلمة الله (أي دين الإسلام) هي العليا، فمن جاهد بعد هذا البرهان على البعث الذي لا يأتي به إلا نبيّ، فله في جهاده الثواب العظيم.
وقد رغّب القرآن الكريم في مواضع عديدة بالإنفاق؛ لأنه وسيلة إغناء وتحقيق رفاه للجميع، وواسطة متعيّنة لصون عزّة الأمة وكرامتها ودحر عدوان المعتدين عليها، فما بخلت أمة بمالها إلا حاق بها الذّل والاستعباد، وتكالبت عليها الأمم،
روى البستي في صحيح مسنده عن ابن عمر قال: لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله ﷺ : «ربّ زد أمتي» فنزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً﴾ قال رسول الله ﷺ : «ربّ زد أمتي» فنزلت: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾.
التفسير والبيان:
هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فأبان تعالى أن صفة نفقات المنفقين أموالهم في طاعة الله تعالى وابتغاء رضوانه وحسن مثوبته كنشر العلم والجهاد وإعداد السلاح والحج والدفاع عن الوطن والأهل، كصفة حبة زرعت في أرض خصبة، فأنبتت سبع سنابل، في كلّ سنبلة مائة حبة، وقد ثبت لدى متخصصي الزراعة أن الحبة الواحدة من قمح أو أرز أو ذرة مثلا لا تنبت سنبلة واحدة، بل أكثر، قد تصل إلى أربعين أو ست وخمسين أو سبعين، وأن السنبلة قد تشتمل على أكثر من مائة حبة، وقد أنبتت فعلا مائة
стр. 796
وسبع حبات. وهذا تصوير لمضاعفة ثواب المنفق.
﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ أي بحسب إخلاصه في عمله، فيزيده أكثر من ذلك، والله تعالى لا ينحصر فضله، ولا يحدّ عطاؤه، ففضله واسع كثير، أكثر من خلقه، عليم بمن يستحق هذه المضاعفة ممن لا يستحقها.
وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة؛ لأن التحديد والتعداد يظل فيه قصور، وأما عدم التحديد بحدّ فيشير إلى احتمال النمو والبركة والزيادة. وفيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة، وقد وردت السّنة بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف.
روى ابن ماجه وابن أبي حاتم الحديث الأول عن علي وأبي الدّرداء، والثاني عن عمران بن حصين عن رسول الله ﷺ قال: «من أرسل بنفقة في سبيل الله، وأقام في بيته، فله بكل درهم سبعمائة درهم يوم القيامة، ومن غزا في سبيل الله، وأنفق في جهة ذلك، فله بكل درهم سبعمائة درهم»، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾.
وروى الإمام أحمد عن أبي عبيدة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من أنفق نفقة في سبيل الله، فسبع مائة، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عاد مريضا أو ماز أذى، فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنّة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده، فهو له حطة» وروى النسائي بعضه في الصوم.
ومن شروط الإنفاق وآدابه لاستحقاق هذا الثواب في الآخرة: ألا يتبعوا ما أنفقوا أو بذلوا منّا على الفقير بأن يحاسبه على ما أعطاه ويظهر تفضّله عليه، ولا أذى أو ضررا بأن يتطاول عليه ويطلب جزاء عمله. فهؤلاء الباذلون الذين
стр. 797
لا يمتنون ولا يؤذون من أحسنوا إليهم لهم ثواب كامل لا يقدر قدره، ولا خوف عليهم حين يخاف الناس، ولا هم يحزنون حين يحزن الناس البخلاء الذين لا ينفقون شيئا في سبيل الله، فيندمون، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ، فَيَقُولَ: رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ، فَأَصَّدَّقَ، وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون ١٠/ ٦٣].
والكلام الحسن، والرّد الجميل على السائل وعدم الصدقة، وستر ما يقع منه من إلحاف في السؤال وغيره، خير للسائل والمسؤول من صدقة يتبعها أذى وضرر؛ إذ الصدقة شرعت للأخذ بيد الضعيف، وتخفيف حدّة الحسد والحقد على الأغنياء، ولتحصين مال الغني من السرقة والنهب والضياع؛ والمنّ والأذى يخرجها عن هذه الغاية السامية التي شرعت لها، والله غني عن صدقة عباده، فيستطيع أن يرزق الجميع، حليم لا يعجل بعقوبة المسيء، كمن يمنّ أو يؤذي، ولكنها الحكمة البالغة التي مدارها الابتلاء والاختبار، ومعرفة من يجاهد نفسه الشحيحة، فيحملها على البذل وتنفيذ التكاليف الإلهية عن رضا وطيب خاطر، وقد شرع الله الصدقة سبيلا لكسب المودّة، وجلب المحبّة، وتأكيد الصلة والتعاطف والتعاون بين الجميع.
ومن أجل استئصال طبيعة المنّ والأذى في نفوس الناس، أكّد سبحانه ما أخبر به من صفات المستحقين للثواب العظيم وهو عدم إتباع صدقاتهم بالمنّ والأذى، وأن الأذى من شوائب الصدقة المكروه الذي يسقط الأجر والثواب، أكّد ذلك بخطاب المؤمنين بصفة الإيمان التي تدعو إلى التقيّد بالأمر الإلهي، فنهاهم وحرم عليهم المنّ والأذى؛ لأن صفاء الصدقة وجعلها خالصة لله أدعى لقبولها واستحقاق ثوابها.
ولأن من يتبع صدقته بمنّ أو أذى يشبه حال من ينفق ماله رياء وسمعة، لأجل أن يحمده الناس، وليقال عنه: إنه كريم جواد، ونحو ذلك من مقاصد
стр. 798
الدّنيا الفانية، لا لابتغاء رضوان الله، وترقية شؤون الأمة، وهذا المرائي في الواقع لا يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا صحيحا، حتى يرجو ثوابا أو يخشى عقابا، ومثله الذي يمنّ ويؤذي السائل.
وصفة عمل كل من المرائي والذي يمنّ ويؤذي كصفة تراب على حجر أملس، نزل عليه مطر شديد، فأزال التراب وترك الحجر أملس لا شيء عليه، أي أنه لا ثمرة ولا بقاء لعمله، وإنما يضمحل ويتبدد بالظواهر الطارئة، ويبقى فارغا لا أثر لعمله، ولا ينتفع بشيء مما فعل لا في الدّنيا ولا في الآخرة، أما في الدّنيا فلأنّ المنّان بغيض إلى الناس، والمرائي مذموم منبوذ لدى المجتمع، وأما في الآخرة فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له وابتغي به وجهه، والرّياء ومثله المنّ والأذى ينافي الإخلاص، وهو نوع من الشرك بالله إذ هو الشرك الخفي؛ فإن صاحبه يقصد به غير الله.
والله لا يهدي القوم الكافرين لما فيه خيرهم ورشادهم ما داموا على الكفر، أو لا يهديهم في أعمالهم وهم على الكفر (١)، وأما الإيمان فهو الذي يهدي صاحبه إلى الإخلاص والخير وابتغاء وجه الله، والتأدّب بالإنفاق بما أدّب الله به أهل الإيمان. وهذا يشير إلى أنّ كلاّ من الرياء والمنّ من صفات الكافرين لا من صفات المؤمنين.
فقه الحياة أو الأحكام:
١ - تضمنت الآية بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله، والتحريض والحثّ على الإنفاق في سبيل الله، إما عن طريق حذف مضاف تقديره: مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة، وإما بطريق آخر: مثل الذين
стр. 799
ينفقون أموالهم كمثل زارع زرع في الأرض حبة، فأنبتت الحبة سبع سنابل، فشبه المتصدّق بالزارع، وشبّه الصدقة بالبذر، فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة.
٢ - وهي تشمل الإنفاق المندوب إليه، والواجب أيضا؛ لأن سبل الله كثيرة، ولا حاجة للقول: بأنها نزلت قبل آية الزكاة، ثم نسخت بآية الزكاة؛ لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في كلّ وقت.
٣ - وقد ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف، ثم دلّ قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ على أنه تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف، بدليل حديث ابن عمر المتقدم في مناسبة الآية.
٤ - وفي هذه الآية دليل على أن اتّخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتّخذها الناس، والمكاسب التي يشتغل بها العمال، ولذلك ضرب الله به المثل، فقال:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ﴾. و
في صحيح مسلم عن النّبي ﷺ : «ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له صدقة»، و
أخرج الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ :
«التمسوا الرزق في خبايا الأرض» يعني الزرع. والزراعة من فروض الكفاية، فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها، وغرس الأشجار في معناها.
٥ - الإنفاق في سبيل الله دون منّ ولا أذى سبب لرضوان الله، كما رضي الله ورسوله عن عثمان الذي جهز جيش العسرة، وجاء بألف دينار ووضعها بين يدي رسول الله ﷺ ،
فقال: «ما ضرّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم، اللهم لا تنس هذا اليوم لعثمان».
وهذا الرضا الإلهي والثواب العظيم إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه منّا ولا أذى؛
стр. 800
لأن المنّ والأذى مبطلان لثواب الصدقة، كما أخبر تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى.﴾. وإنما على المرء أن يريد وجه الله تعالى وثوابه بإنفاقه على المنفق عليه، ولا يرجو منه شيئا، قال تعالى: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ، لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان ٩/ ٧٦]. ومن طلب بعطائه الجزاء والشكر والثناء، كان صاحب سمعة ورياء. قال ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر ٦/ ٧٤]، أي لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها.
٦ - المنّ من الكبائر، والمنّ: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها، مثل أن يقول: قد أحسنت إليك، ونعشتك ونحوه، وقال بعضهم: المنّ:
التحدّث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه. ودليل كونه من الكبائر:
ما ثبت في صحيح مسلم وغيره، وأنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم.
وروى النسائي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجّلة تتشبه بالرجال، والدّيوث. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاقّ لوالديه، والمدمن الخمر، والمنّان بما أعطى» (١).
والأذى: السب والتشكي، وهو أعم من المنّ؛ لأن المنّ جزء من الأذى، لكنه نص عليه لكثرة وقوعه.
والمن والأذى هادم للفائدة المقصودة من الصدقة ومبطل لها: وهو تخفيف بؤس المحتاجين ودفع غائلة الفقر عنهم.
٧ - جعل الله تعالى ثواب النفقة في سبيله أمورا ثلاثة: ضمن الله له الأجر،
стр. 801
والأجر الجنة، ونفى عنه الخوف بعد موته في المستقبل، وأذهب عنه الحزن أو الألم على ما سلف في الدنيا؛ لأنه يغتبط بآخرته، فقال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وفيها دلالة لمن فضّل الغنى على الفقر.
٨ - القول المعروف خير من صدقة الأذى، والقول المعروف: هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله. وهذا فيه أجر، ولا أجر فيها،
قال ﷺ فيما أخرجه مسلم: «الكلمة الطيبة صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق» أي يتلقى السائل بالبشر والترحيب، ويقابله بالطلاقة والتقريب، ليكون مشكورا إن أعطى، ومعذورا إن منع، وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَإِمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً﴾ [الإسراء ٢٨/ ١٧].
وأيضا الفعل المؤدي إلى المغفرة خير من صدقة يتبعها أذى. والمغفرة: ستر سوء حالة المحتاج، أو التجاوز عن السائل إذا ألحّ وأغلظ وجفا.
ودلت آية ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ﴾ على مبدأ مهم عام في الشريعة وهو «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح».
٩ - لا تقبل الصدقة التي يعلم الله من صاحبها أنه يمنّ أو يؤذي بها، وعبر الله تعالى عن عدم القبول وحرمان الثواب بالإبطال. والمراد إبطال الصدقة المصحوبة بالمن أو الأذى، لا غيرها، فالمن والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها، وإنما يقتصر الأمر على حرمان المرائي والمنان من الانتفاع بصدقته المشتملة على الرياء أو المن.
ودل قوله تعالى: ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ على تسلية الفقراء، وتعليق قلوبهم بحبل الرجاء بالله الغني الحليم، وتهديد الأغنياء وإنذارهم بأن لا يغتروا بحلم الله وإمهاله إياهم.
стр. 802
١٠ - كره الإمام مالك لهذه الآية: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ﴾ أن يعطي الرجل صدقته الواجبة أقاربه، لئلا يعتاض منهم الحمد والثناء، ويظهر منّته عليهم، ويكافئوه عليها، فلا تخلص لوجه الله تعالى. واستحب أن يعطيها الأجانب، وأن يولّي غيره تفريقها إذا لم يكن الإمام عدلا، لئلا تحبط بالمن والأذى والشكر والثناء والمكافأة بالخدمة من المعطى.
وهذا بخلاف صدقة التطوع السرّية؛ لأن ثوابها إذا حبط سلم من الوعيد، وصار في حكم من لم يفعل، والواجب إذا حبط ثوابه توجه الوعيد عليه، لكونه في حكم من لم يفعل.
١١ - صاحب المن والأذى مثل المرائي المنافق، عمل كل منهما باطل لا فائدة فيه، ولا فضل له، ولا دوام لأثره. وإنما ينمحي بسرعة، كما تعصف الرياح بالغبار الموجود على الحجارة أو الصخور الصلبة الملساء، وتعد أفعال المرائي الواجبة أو الخيرية من صلاة وصيام وتطوع كلها باطلة، لا تجاه قلبه إلى من يرائيه، لا إلى الله الصمد الذي يستحق العبادة دون سواه.
ويوصف كل من المرائي والمنّان أيضا بأنه لا يؤمن حقا بالله ولا باليوم الآخر؛ لأن قصده من فعله مدح الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكره الناس أو ليقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية.
ولا يقدر المرائي الكافر والمانّ على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو كسبهم، عند حاجتهم إليه؛ إذ كان لغير الله، فعبّر عن النفقة بالكسب؛ لأنهم قصدوا بها الكسب. وفي قوله تعالى: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ تعريض بأن كلا من الرياء والمن والأذى من صفات الكافرين، لا المؤمنين، فلا ينبغي للمؤمنين الاتصاف بها، وعليهم تجنبها؛ لأن الإخلاص لله هو من صفات الإيمان، قال تعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة ٥/ ٩٨].
стр. 803
الإنفاق لمرضاة الله والإنفاق لغير وجه الله
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾
الإعراب:
﴿اِبْتِغاءَ﴾ و ﴿وَتَثْبِيتاً﴾ منصوبان على المفعول لأجله. ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ الكاف في موضع رفع خبر مبتدأ وهو قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ﴾. ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ جار ومجرور في موضع جر صفة لجنة ﴿أَصابَها وابِلٌ﴾ جملة فعلية في موضع جر صفة لجنة أو لربوة. ﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾ جار ومجرور في موضع رفع وصف لجنة ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ إما مرفوع وصف ثان للجنة، وإما منصوب على الحال من ﴿جَنَّةٌ﴾ لأنها قد وصفت. ﴿لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ في موضع نصب على الحال من ﴿أَحَدُكُمْ﴾. و ﴿وَأَصابَهُ الْكِبَرُ﴾ عطف على قوله: ﴿فِيها﴾. وقال الزمخشري: الواو للحال، لا للعطف، ومعناه: أن تكون له جنة، وقد أصابه الكبر.
البلاغة:
﴿لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ ذكر العام بعد الخاص وهو النخيل والعنب؛ لأنهما أكرم الشجر وأكثرهما منافع فخصهما بالذكر تغليبا لهما على غيرهما، ثم أردفهما ذكر كل الثمرات. ويجوز أن يريد بالثمرات: المنافع التي كانت تحصل له فيها.
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ استعارة تمثيلية، وهي تشبيه حال بحال، لم يذكر المشبه
стр. 804
ولا أداة التشبيه، وإنما ذكر المشبه به فقط، ودلت القرائن على إرادة التشبيه. وهمزة ﴿أَيَوَدُّ﴾ للاستفهام الإنكاري أي ما يود أحد ذلك.
المفردات اللغوية:
﴿وَمَثَلُ﴾ صفة نفقات المنفقين ﴿اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ أي طلبا لرضوانه ﴿وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ تحقيقا للثواب أو تصديقا ويقينا بثواب الإنفاق من عند أنفسهم، ومن: ابتدائية، أي مبتدأ من أنفسهم، أو تمكين أنفسهم في مرتبة الإيمان والإحسان، بخلاف المنافقين المترددين في إيمانهم ولا يرجون الثواب، وقال ابن كثير: أي وهم متحققون ومتثبتون أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء، ونظير هذا
الحديث المتفق على صحته: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا» أي يؤمن أن الله شرعه ويحتسب عند الله ثوابه ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ بستان ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ مكان مرتفع من الأرض ﴿وابِلٌ﴾ مطر غزير ﴿فَآتَتْ﴾ أعطت ﴿أُكُلَها﴾ ثمرها ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ مثلي ما يثمر غيرها ﴿فَطَلٌّ﴾ مطر خفيف يصيبها ويكفيها لارتفاعها، والمعنى: تثمر وتزكو، كثر المطر أم قل، فكذلك نفقات من ذكر، تزكو عند الله، كثرت أم قلت ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكم به.
﴿أَيَوَدُّ﴾ أيحب، والهمزة للاستفهام الإنكاري والنفي، أي ما يود أحد ذلك.
﴿وَأَعْنابٍ﴾ ثمر الكرم ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ أولاد صغار لا يقدرون على شيء.
﴿إِعْصارٌ﴾ ريح شديدة، تستدير في الأرض بشدة، ثم ترتفع إلى الجو حاملة الغبار، كهيئة العمود وهي الزوبعة ﴿نارٌ﴾ سموم شديدة، المراد: ريح فيها برد شديد وسموم يحرق الشجر (١) ﴿كَذلِكَ﴾ كما بين ما ذكر ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ، لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ فتعتبروا. وهذا تمثيل لنفقة المرائي والمانّ، في ذهابها وعدم نفعها، مع أن أحوج ما يكون لثوابها في الآخرة.
التفسير والبيان:
صفة نفقات المنفقين أموالهم طلبا لرضوان الله ومغفرته، وهم متحققون ومتثبتون أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء، أو تثبيتا لأنفسهم على الإيمان
стр. 805
واليقين (١) بترويض أنفسهم على إنفاق المال الذي هو شقيق الروح، وبذل أشق شيء على النفس من سائر العبادات ومن الإيمان، صفة نفقاتهم الكثيرة والقليلة كبستان جيد التربة، ملتف الشجر، خصب النبات، وهو بمكان مرتفع متمتع بالشمس والهواء، ينزل عليه المطر الغزير، فيثمر ضعفي غلته، وإذا نزل عليه مطر خفيف أثمر أيضا لجودة تربته وكرم منبته، وحسن موقعه.
وإنما وصف البستان بكونه في ربوة: مكان مرتفع، فلأن الشجر في الربوة أزكى وأحسن ثمرا. وإنما قال من أنفسهم أي مبتدأ منها دون عامل خارجي ليدل على أن إنفاقه نابع من ذاته ويقينه، وقناعته بجدوى فعله، ومجاهدته بخل النفس، كما قال تعالى: ﴿وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [الأنفال ٧٢/ ٨].
والمعنى في هذا التشبيه: أن المنفق لله وفي سبيله ويقصد تثبيت نفسه على بذل المال وفعل الخير أو التأكد من نيل الثواب يجود بقدر سعته، فإن أصابه خير كثير أنفق كثيرا، وإن أصابه قليل أنفق بقدر طاقته، فخيره دائم وبره لا ينقطع، فهو محسن في كلا الحالين، ويجد ثمرة بذله على كل حال، فهو كالأرض الجيدة التربة الخصبة النبات تثمر مطلقا وتغل الخير، ونتاجها وفير دائما، سواء أصابها مطر كثير أو قليل.
стр. 806
والله لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده، ويجازي كلا من المخلص والمرائي بما يستحق.
هذا هو المثال الأول لمن ينفق ماله ابتغاء وجه الرحمن وطلب رضوانه، والمثال الثاني لمن ينفق على عكس الأول في سبيل الشيطان والهوى أو لغير وجه الله. وبدأه تعالى بالإنكار والنفي؛ لأن شأن المؤمن المخلص ألا يقصد ذلك، فهو مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي وجه الله، فإذا كان يوم القيامة، وجدها محبطة مبددة متلاشية، فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة من أبهى الجنات وأجمعها للثمار، فبلغ الكبر، وله أولاد ضعاف، والجنة معاشهم ومنتعشهم، فهلكت بالصاعقة.
قال البخاري عند تفسير هذه الآية: قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب النبي ﷺ : فيمن ترون هذه الآية نزلت؟: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ..﴾. قالوا: الله أعلم، فغضب عمر وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس ﵄: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي، قل، ولا تحقر نفسك، فقال: ضربت مثلا بعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي، حتى أغرق أعماله (١).
وقال الحسن البصري: هذا مثل، قلّ والله من يعقله من الناس: شيخ كبير، ضعف جسمه، وكثر صبيانه، أفقر ما كان إلى جنته، فجاءها الإعصار فأحرقها، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله، إذا انقطعت عنه الدنيا (٢).
وتوضيح هذا المثل: أتحب أيها المنفق لغير الله أن تكون لك جنة فيها
стр. 807
النخيل والأعناب ومختلف الأثمار، وتجري فيها الأنهار، فتسقيها، وقد علقت الآمال عليها، ورجوت أن تنتفع بها مع صغارك، وأنت في حال الكبر لا تقدر على الكسب، وهم لا يقدرون على شأنك وشأنهم، ولا مورد لك غير هذه الجنة، ثم أصابتها ريح السّموم (١) اللافحة بحرها أو بردها القارس، فأحرقتها وأبادت ثمرها.
هذا حالك إذ أنفقت مالك رياء، أو بالمن والأذى، لن تجد له أية فائدة في يوم القيامة، ولن تجد لعملك غير الحسرة والندامة، وأنت في ذلك اليوم الرهيب في أشد الحاجة إلى نتيجة عملك، وثواب ما بذلت؛ لأن إعصار الرياء، والمنّ والأذى بدّد كل ما فعلته من خير في الظاهر، وهو شر في الحقيقة والباطن.
ومثل هذا البيان الجلي الواضح يبين الله لكم الآيات ودلائل الشريعة وأسرارها وغاياتها وفوائدها لتتفكروا فيها، وتتعظوا بما اشتملت عليه من الأمثال والمعاني والعبر، وتنزلوها على المراد بها، فتقصدوا بنفقاتكم أن تكون خالصة لوجه الله تعالى، دون أن يصاحبها رياء أو منّ وأذى، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ، وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٣/ ٢٩]. فقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي في العواقب، فتضعون نفقاتكم في مرضاة الله مع الإخلاص وقصد تثبيت النفس على فعل الخير المحض.
فقه الحياة أو الأحكام:
في الآيتين مثلان واضحان يوجبان التأمل والتفكر والمقارنة، ولا شك بأن كل مؤمن عاقل يختار الموقف الأول، فيجعل نفقته خالصة لوجه الله، لأنها هي التي تفيده وتحقق له الثواب يوم القيامة، ولا يغتر العاقل بمظاهر الدنيا الفانية وسمعتها وشهرتها الزائلة؛ لأن كلام الناس في كل حال مؤذ ومضر، فإن راءى
стр. 808
بعمله ذمّوه وحسدوه ومقتوه، وقد يتهمونه بالتهور والطيش إن كانت نفقته كثيرة، وإن مدحوه فلا قيمة ولا غناء لمديحهم؛ لأن ما عند الله خير وأبقى أو أنفع وأخلد.
والله تعالى بكرمه وفضله ينمي نفقات المخلصين ويكافئهم بالمزيد، كالبستان الذي يثمر ضعفي ثمرته، تقريبا لأذهاننا،
أخرج مسلم ومالك وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه، فيربّيها كما يربّي أحدكم فلوه (١)، أو فصيله، حتى تكون مثل الجبل أو أعظم».
وأما المنفق لغير وجه الله فيتلاشى فضل عمله سراعا في الدنيا، ولا يجد له ثمرة في الآخرة. روي عن ابن عباس وغيره أن هذا-أي الموقف الثاني-مثل ضربه الله تعالى للكافرين والمنافقين، كهيئة رجل غرس بستانا، فأكثر فيه من الثمر، فأصابه الكبر، وله ذرية ضعفاء-يريد صبيانا بنات وغلمانا-فكانت معيشته ومعيشة ذرّيته من ذلك البستان، فأرسل الله على بستانه ريحا فيها نار، فأحرقته، ولم يكن عنده قوة، فيغرسه ثانية، ولم يكن عند بنيه خير، فيعودون على أبيهم. وكذلك الكافر والمنافق إذا ورد إلى الله تعالى يوم القيامة، ليست له كرّة يبعث فيرد ثانية، كما ليست عند هذا قوة فيغرس بستانه ثانية، ولم يكن عند من افتقر إليه عند كبر سنه وضعف ذريته غنىّ عنه.
وقد دل تعليل الإنفاق بعلتين في آية: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ.﴾. على أن نقصد بأعمالنا أمرين:
أولهما-ابتغاء رضوان الله لذاته، تعبدا له.
стр. 809
وثانيهما-تزكية أنفسنا وتطهيرها من الشوائب التي تعوقها عن الكمال، كالبخل والمبالغة في حب المال، وتوطينها على البذل في سبيل الله.
والخلاصة: أن الله في الآية (٢٦٥) ضرب المثل للمخلصين في الإنفاق وفي الآية (٢٦٦) ضرب مثلا آخر للمرائين، والمؤذين والمنّانين، والقصد هو المقارنة والمقابلة بين حال الفريقين، وأن المثل الثاني ليس خاصا بالآخرة أو المرائي، وإنما ينطبق أيضا على حال الدنيا فيشمل المنان والمؤذي.
إنفاق الطيب من الأموال لا الخبيث
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾
الإعراب:
﴿تَيَمَّمُوا﴾ أصله تتيمموا، فكرهوا اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد وهما التاءان فسكنوا التاء الأولى، وأدغموها في الثانية ﴿تُنْفِقُونَ﴾ حال من ضمير تيمموا ﴿إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أن وصلتها: في موضع نصب بآخذيه؛ لأن التقدير: بأن تغمضوا، فلما حذفت الباء اتصل بآخذيه.
البلاغة:
﴿تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ مجاز مرسل يراد به التساهل؛ لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك، أو تشبيه على سبيل الاستعارة.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْفِقُوا﴾ زكوا ﴿مِنْ طَيِّباتِ﴾ جياد وحسان، مفرده طيب أي جيد مستطاب، وضده
стр. 810
الخبيث المستكره ﴿ما كَسَبْتُمْ﴾ من المال ﴿وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي ومن طيبات ما أنبتنا من الحبوب والثمار ﴿وَلا تَيَمَّمُوا﴾ تقصدوا ﴿الْخَبِيثَ﴾ الرديء ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أي الخبيث لو أعطيتموه في حقوقكم ﴿إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ بالتساهل وغض البصر، فكيف تؤدون منه حق الله؟! ﴿غَنِيٌّ﴾ عن نفقاتكم ﴿حَمِيدٌ﴾ مستحق للحمد على نعمه الكثيرة.
سبب النزول:
روى الحاكم والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن البراء بن عازب، قال: نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، وكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الناس ممن لا يرغب في الخير، يأتي الرجل بالقنو فيه الشّيص والحشف (١)، وبالقنو قد انكسر، فيعلّقه (٢)، فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾.
وروى أبو داود والنسائي والحاكم عن سهل بن حنيف قال: كان الناس يتيممون شر ثمارهم، يخرجونها من الصدقة، فنزلت: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
وروى الحاكم عن جابر قال: أمر النبي ﷺ بزكاة الفطر بصاع من تمر، فجاء رجل بتمر رديء، فنزل القرآن: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ الآية.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يشترون الطعام الرخيص، ويتصدقون به، فأنزل الله هذه الآية.